← Прочие науки

Прочие науки · id 8646

تاريخ الفلسفة الحديثة

يوسف بطرس كرم

Полный текст (464 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تحقق فيه المعنى تحققًا كليًّا فأثبت نفسه بنفسه" أما التخيل فيعلم أنه كذلك من عدم تعين موضوعه، إذ نستطيع أن نتخيله موجودًا أو غير موجود، أو أن نضيف إليه كذا أو كذا من الصفات المتضادة، وكذلك الحال في الخطأ, فإنه يضيف إلى الموضوع محمولًا لا يلزم من طبيعته بسبب أن العقل يتصور تلك الطبيعة تصورًا غامضًا. وكل الفرق بين الخطأ والتخيل أن الخطأ مصحوب بتصديق وإنما يجيء هذا التصديق من عدم توفر المعرفة الحقة، مثال ذلك: حين ننظر إلى الشمس فنتخيل أنها تبعد عن الأرض حوالي مائتي قدم، فهنا لا يكون الخطأ في هذا التخيل معتبرًا في ذاته، بل في جهلنا عند هذا التخيل المسافة الحقيقية بيننا وبين الشمس والسبب في هذا التخيل. وعلى ذلك ليس الخطأ تصور ما لا وجود له، ولكنه عدم تصور الموجود كله. والواقع أننا حين نعلم فيما بعد أن الشمس بعيدة عنا بمقدار قطر الأرض ستمائة مرة أو تزيد، لا نملك أنفسنا من أن نتخيل أنها قريبة منا. فليس في المعاني شيء ثبوتي من أجله يقال: إنها كاذبة، وإنما المعاني الكاذبة هي معان غير مطابقة أو ناقصة تؤخذ على أنها مطابقة أو كاملة. ويتضح من هذا أن الخطأ يقع في معرفة الضربين الأول والثاني، وأن معرفة الضرب الثالث بريئة منه. ج- إذا كانت المطابقة تامة بين معاني العقل والموجودات، وكان المقصود العلم بالطبيعة، تعين على العقل أن يضع أولًا المعنى الذي يمثل منبع الطبيعة وأصلها، ثم يستنبط منه معانيه جميعا, بحيث يكون هذا المعنى هو أيضا منبع المعاني وأصلها, فنحصل بذلك على العلم الحق الذي شرطه أن يتأدى من العلة إلى معلولاتها, لكن لا المعلومات الجزئية في تعاقبها، فإنه لا يستنبط من المعاني الدائمة إلا معاني دائمة، والتعاقب لامتناه من جهة عدد الأشياء والأحداث وظروفها، والغرض استنباط الماهيات والقوانين، وترتيبها بعضها من بعض، فإن بموجبها تقع جميع الجزئيات وتترتب فيما بينها، والعقل لا يدرك الأشياء في الزمان كما تدركها المخيلة، بل في "صورة الأبدية". فلأجل استكشاف المعنى الأول الذي تلزم منه جميع المعاني، أو المبدأ الأول الذي تصدر عنه جميع الأشياء، يجب أن نلاحظ أن من خصائص العقل أنه يكون المعاني المحصلة قبل المعاني المعدولة. ومعنى المتناهي معدول في حقيقته إذ

стр. 107

"إننا نقول عن شيء: إنه متناهٍ في جنسه متى أمكن حده بشيء آخر من طبيعته، فمثلًا نقول عن جسم: إنه متناهٍ؛ لأننا نستطيع دائمًا أن نتصور جسمًا أعظم منه. وعلى العموم كل تعيين فهو حد أو عدول وسلب". وعلى ذلك فالمعنى المحصل بمعنى الكلمة هو معنى اللامتناهي أو الجوهر المطلق أو الله, وبه يجب الابتداء. ٤٨ - الله أو الطبيعة ١: أ- تعريف الجوهر أنه "ما هو في ذاته ومتصور بذاته، أي: ما معناه غير مفتقر لمعنى شيء آخر يكون منه". وهكذا يريد سبينوزا لكي يخلص من التعريف إلى النتائج التي يقصدها, وأولاها أن الجوهر علة ذاته، أي: إن ماهيته تنطوي على وجودها، وإلا كان الجوهر موجودًا بغيره, فكان متصورًا بهذا الغير لا بذاته ولم يكن جوهرًا. "وهذا هو الدليل الوجودي, وإلى جانبه اصطنع سبينوزا حجة ديكارت القائلة: إنه كلما كانت طبيعة الشيء حاصلة على حقيقة أعظم، كان الشيء أقدر على الوجود، وللموجود اللامتناهي، أو الله، قدرة لامتناهية على الوجود، ومن ثمة فهو موجود بالضرورة". النتيجة الثانية أن الجوهر لامتناهٍ، إذ لو كان متناهيًا لكان متصلًا بجواهر أخرى تحده وكان تابعًا لها متصورًا بها لا بذاته. النتيجة الثالثة أن الجوهر واحد، إذ لو كان هناك جوهران أو أكثر لكان كل جوهر يحد الآخر, ولبطل أن يكون الجوهر جوهرًا أي: متصورًا بذاته. وعلى ذلك فالجوهر موجود بالضرورة أو واجب الوجود، سرمدي لا يكون ولا يفسد. فإذا وجد شيء عداه، لم يمكن أن يكون هذا الشيء إلا "صفة" للجوهر الأوحد أو "حالا" جزئيا يتجلى فيه الجوهر؛ وبعبارة أخرى: إن الجوهر هو "الطبيعة الطابعة" أي: الخالقة من حيث هو مصدر الصفات والأحوال, وهو "الطبيعة المطبوعة" أي: المخلوقة من حيث هو هذه الصفات والأحوال أنفسها. ولما كان هو الأوحد، كان مطلق الحرية بمعنى أنه هو الذي يعين ذاته؛ أما حريته فمرادفة للضرورة، والضرورة غير القسر، فإن الفعل الضروري فعل ذاتي منبعث من باطن. فالجوهر ضروري

стр. 108

والحقائق الأزلية ضرورية لم يفرضها بإرادته "كما يذهب إليه ديكارت". ولما كان اللامتناهي لم يكن شخصًا مثل إله الديانات، وإلا لكان معينًا، وقد سبق القول: إن كل تعيين فهو سلب, فليس له عقل ولا إرادة؛ إذ إنهما يفترضان الشخصية. وإذن فالجوهر لا يفعل لغاية، ولكنه يفعل كعلة ضرورية فجميع معلوماته ضرورية كذلك، وليس في الطبيعة شيء حادث أو ممكن إلا بالإضافة إلى نقص في معرفتنا، أي: إلى جهلنا ترتيب العلل، ولا يمكن أن يقال: إن الله كان يستطيع أن يريد غير ما أراد، إذ ليس يوجد في السرمدية متى وقبل وبعد حتى يقال: إن الله كان موجودًا قبل أن يريد, ومستطيعًا أن يريد غير ما أراد. ب- ونحن نعلم ماهية الجوهر بصفاته، والصفة هي "ما يدركه العقل من الجوهر على أنه مكون لماهيته" "كما قال ديكارت". والجوهر اللامتناهي حاصل على ما لا يتناهى من الصفات، كل صفة منها تدل على ماهية سرمدية لامتناهية في جنسها، غير أننا لا نعلم من الصفات سوى اثنتين، هما الفكر والامتداد، تجتمعان فيه مع تمايزهما وعدم إمكان رد إحداهما إلى الأخرى، فلا تبدو لنا ماهية الجوهر إلا في هاتين الصفتين أو الصورتين "اللتين ينقسم إليهما الوجود عند ديكارت". ج- وتبدو كل صفة في أحوال أو ظواهر. وتعريف الحال أنه "ما يتقوم بشيء آخر ويتصور بهذا الشيء". فالأجسام أحوال للامتداد نتصورها به ولا نتصوره بها كما تتوهم المخيلة، أي: ليس الامتداد معنًى كليًّا مكتسبًا بالتجريد من الأجسام, ولكن الأجسام أجزاء من الامتداد الحقيقي المعقول، أو هي حدود فيه، كما أن كل متناه فهو عدول اللامتناهي. فليس التمايز بين الأجسام تمايزا حقيقيا، إذ إنها جميعًا امتداد، ولكنه تمايز حالي عرضي ناشئ من أن الحركة تفصل في الامتداد أجزاء تكون منها أجسامًا. والحركة حال للامتداد، وهي ثابتة الكمية في الطبيعة، أي: إنها حال سرمدي كالصفة ذاتها؛ لأنها تدل على ما هو ثابت في الطبيعة تحت التغيرات المختلفة. أما الجسم الجزئي الذي يدوم فترة من الزمان، فليس فيه شيء يربطه بماهية الصفة السرمدية، وإنما علة وجوده أجسام أخرى متناهية مثله حركته وجعلته ما هو، وعلة هذه

стр. 109

الأجسام أجسام أخرى متناهية، وهكذا إلى غير نهاية، بحيث نصل إلى النظرية الآلية التي تنكر كل اختلاف بالماهية بين الأجسام، وترد الاختلافات إلى اختلاف الحركة والسكون. د- وكذلك القول في المعاني أو الأفكار, فإنها ترجع إلى صفة الفكر. وفي هذه الصفة حال يحوي النظام الشامل الثابت للطبيعة؛ هذا الحال هو العقل اللامتناهي أو "فكرة الله" التي هي معلول مباشر للقوة الفكرية الإلهية اللامتناهية، أي: القوة الروحية الباقية هي هي أبدًا في الطبيعة مع اختلاف الظواهر الروحية الجزئية، كما أن الحركة باقية هي هي أبدًا في الامتداد. وما يصدق على أحوال الامتداد يصدق على أحوال الفكر، فإن ترتيب المعاني في الفكر صورة من ترتيب الأعيان في الامتداد، وإذا كان من طبيعة الموجود المفكر أن يكون معاني مطابقة، فمن المحقق أن معانينا غير المطابقة آتية من كوننا جزءا من موجود مفكر, وأن عقلنا مكون من معاني ذلك الموجود بعضها كامل وبعضها ناقص. ٤٩ - الإنسان ١: أ- الإنسان مركب من حال امتدادي هو جسمه، ومن حال فكري هو نفسه. الجسم آلة مؤلفة من آلات، والنفس فكرة الجسم أي: فكرة موضوعها الجسم الموجود بالفعل، فهي تبدأ وتنتهي مع الجسم، وعلتها خارجة عنها تلتمس في أحوال أخرى من الفكر مقابلة لأحول الامتداد التي هي علة الجسم. والإحساس ظاهرة جسمية؛ أما الإدراك فظاهرة فكرية تقوم في تصوير النفس للإحساس وقت انفعال الجسم به, من حيث إن النفس هي دائمًا ما الجسم إياه. أجل إن انفعال الجسم معلول لفعل أجسام أخرى، ولكن هذا الفعل يتكيف بطبيعة جسمنا، فيلزم من ذلك إذن الإدراك يقابل طبيعة جسمنا أولًا وبالذات مع مقابلته لطبيعة الأجسام الخارجية. والقوانين الطبيعية للفكر هي قوانين التداعي أو الترابط، تشبه قوانين الحركة في الامتداد وفكرة النفس عن ذاتها، وفكرتها عن جسمها, وفكرتها عن الجسم الخارجي، فكرات غير مطابقة؛ لأن النفس وجسمها والجسم الخارجي أحوال متناهية

стр. 110

عللها في غيرها من الأحوال المتناهية. فمن شأن طبيعة الإنسان المتناهية أن تدعه غير معقول عند نفسه؛ وهو إنما يعقل ذاته بردها إلى النظام الكلي السرمدي، واعتبارها جزءًا من الجوهر الأوحد. ب- وليس هناك ما يسمى بقوى النفس، فلا تمييز بين نفس وقوى. ومن ثمة لا تمييز بين إرادة وعقل، ولكن الإرادة ترجع إلى العقل من حيث إن كل فكرة فهي تتضمن إيجابًا, أي: إن الإرادة ميل العقل إلى قبول ما يروقه من المعاني واستبعاد ما لا يروقه. فما يسمى بالفعل الإرادي هو فكرة تثبت نفسها أو تنفي نفسها، وما يسمى بالتوقف عن الحكم هو حالة عدم إدراك الفكرة على نحو مطابق، ولما كانت الأشياء جميعًا معينة بما في الطبيعة الإلهية من ضرورة الوجود والفعل، لم يكن في الطبيعة ممكنات، ولم يكن في النفس إرادة حرة، ولكن النفس معينة إلى فعل كذا أو كذا بعلة هي أيضًا معينة بعلة، وهكذا إلى غير نهاية. ليس الإنسان مملكة في مملكة، فالشعور بالحرية خطأ ناشئ مما في غير المطابقة من نقص وغموض، وإنما يعتقد الناس أنهم أحرار؛ لأنهم يجهلون العلل التي تدفعهم إلى أفعالهم، كما يظن الطفل الخائف أنه حر في أن يهرب، ويظن السكران أنه يصدر عن حرية تامة فإذا ما ثاب إلى رشده عرف خطأه. ولو كان الحجر يفكر لاعتقد أنه إنما يسقط إلى الأرض بإرادة حرة. وعلى ذلك فالغضب من الأشرار سذاجة، إذ ليس الأحمق ملزمًا أن يحيا وفق قوانين العقل، كما أن الحر ليس ملزمًا أن يحيا وفق قوانين طبيعة الأسد ١. ج- حياتنا العملية إذن تابعة لحياتنا العقلية، وتختلف باختلافها. ففي معرفة الضرب الأول، القاصرة على الحواس والمخيلة أي: على أفكار غير مطابقة، نتصور ذاتنا شخصًا قائمًا بنفسه، والأشياء المحيطة بنا خيرات أو شرورًا في أنفسها، فنحس من جزاء ذلك شتى الانفعالات المضنية المرهقة تتوالى علينا كما يتفق حسب توارد الأحداث. في هذه المرحلة نطلب الأشياء ونهرب منها لمحض الاشتهاء والكراهية، لا لحكمنا بأنها خير أو شر؛ بل إننا ندعو الشيء خيرا أو شرا بسبب طلبنا إياه أو كراهيتنا له. فلا حياة خلقية في هذا الضرب من المعرفة، وإنما كل ما هنالك عبودية للشهوات.

стр. 111

د- وفي معرفة الضرب الثاني نعلم أن الطبيعة خاضعة لقوانين كلية، وأننا جزء من هذه الطبيعة، فنهتدي بأفكارنا المطابقة ونصير فاعلين بعد أن كنا منفعلين؛ ذلك أننا حالما ندرك بالعقل أن أفراحنا وأحزاننا نتائج القوانين الطبيعية، نكف عن محبة الأشياء وبغضها، وعن استشعار الحزن والخوف والرجاء واليأس والغضب والسخرية؛ فلا نطلب شيئًا إلا لاتصاله بميلنا الأساسي الذي هو حب البقاء، وبالقدر الذي يكفل البقاء، مرجعين هذا الميل إلى ميل الطبيعة جمعاء, ومعتبرين شخصنا جزءًا من الطبيعة لا يتجزأ، فتصدر أفعالنا عن طبيعتنا ونكون علتها الكاملة. في هذه المرحلة نحصل على الفضيلة بمعنى الكلمة، أي: على قدرة العمل طبقًا للقوانين الكلية، وتكون النفس في سرور متصل يترجم عن كمالنا وقدرتنا الناتجين من العلم, أما أفعالنا الصادرة عن رجاء الجنة وخوف جهنم، فليست فاضلة. والفضيلة الأساسية القوة أو الشجاعة تجعل الإنسان حرا مستقلا، فإن الحرية الحقة تقوم في اتباع ضرورة طبيعتنا بما نحن جزء من الكل. وفي هذه الحالة تعود الأشياء الخارجية خيرات أو شرورًا، لا في أنفسها، بل بالإضافة إلينا حسب ما توافق حب البقاء أو تضاده فتزيد في كمالنا أو تنتقص منه. فمن الحكمة أن نستمتع بالحياة ما وسعنا الاستمتاع، فنصلح جسمنا بغذاء لذيذ، ونمتع حواسنا بأريج الزهر ورونقه، بل أن نزين ثيابنا، ونستمتع بالموسيقى والألعاب والمشاهد وكل ما لا يضر أحدًا من الملاهي. والموت آخر ما يفكر فيه الرجل الحر؛ إذ ليست الحكمة تأمل الموت بل تأمل الحياة. هـ- وبالمعرفة التي من الضرب الثالث ندرك ذاتنا، ليس فقط كجزء من الطبيعة، مما يدع مجالًا لضرب من التمييز والتضاد بين الإنسان والطبيعة، بل ندرك ذاتنا صادرة عن طبيعة الله، إذ إن الفرد في حقيقة الأمر فكرة مجردة، وليس الموجود الحق هو الفرد منفصلًا عن الكون، ولا القانون الذي يربط الفرد بالكون، بل الكون نفسه معتبرًا، لا كجملة أجزاء، بل كوحدة جوهرية حاصلة في ذاتها على علة وجودها. في هذه المرحلة نرد السرور الذي يملأ نفسنا إلى الله علة الحقيقة ومبدأ القوانين السرمدية. هذا السرور مصحوبا بفكرة الله هو محبة الله، والإنسان هو العلة الكاملة لهذه المحبة، وهي خالصة لا يقابلها محبة من جانب الله؛ لأن الله بريء من الانفعال. وتلك هي الحياة الأبدية

стр. 112

المستقلة عن الزمان، إذ ليست الحياة الأبدية بقاء النفس بعد فناء الجسم أو الخلود في عالم مفارق، فإن النفس فكرة الجسم ولا توجد إلا بوجود الجسم، وإنما الحياة الأبدية معرفتنا ذاتنا من وجهة الأبدية وتأمل النظام الكلي. وبعبارة أخرى: إن النفس سرمدية من حيث هي حاصلة على معرفة الحقائق السرمدية؛ وكلما ازدادت معرفتها ازداد حظها من الخلود، فإن الخير الوحيد الذي يدركه عقلنا والخير الخلقي ما أنمى العقل، والشر ما انتقصه وأفسده. وذلك هو الدين الحق الذي نجده في نفسنا. ٥٠ - الدين والسياسة ١: أ- أما الدين الوضعي فقد مست الحاجة إليه لقصور جمهرة الناس عن مطالعة أوامر الله في نفوسهم. وإن الكتب المقدسة لتدلنا على أن الله أنزل وحيه على الأنبياء بألفاظ وصور محسوسة أو متخيلة, ما خلا المسيح، فإنه عرف الله دون ألفاظ ولا رؤى، واتصل بالله نفسًا لنفس، كما اتصل موسى بالله وجهًا لوجه. فالأنبياء لم يمنحوا عقلًا أكمل من عامة العقول، وإنما منحوا مخيلة أقوى، فقد كان منهم الأميون، وكان من الحكماء مثل سليمان من لم يوهبوا النبوة. واختلف الوحي عند كل نبي باختلاف مزاجه البدني ومخيلته وآرائه السابقة، فإن الله لاءم بين وحيه وبين أفهام الأنبياء وآرائهم. ولما كان التخيل لا ينطوي بطبيعته على اليقين، كما ينطوي عليه المعنى الجلي, لم يكن الأنبياء على يقين من وحي الله بالوحي نفسه بل بعلامة ما، وقد نبه موسى اليهود على أن يسألوا النبي علامة، لذا كانت النبوة أدنى من المعرفة العقلية الغنية عن كل علامة. ولما كان الله رحيمًا بالكل، كانت مهمة النبي تعليم الفضيلة الحقه لا الشرائع الخاصة بكل بلد بلد، فما من شك في أن جميع الأمم حصلت على أنبياء. وإذا كانت التوراة لا تذكر شيئًا من هذا القبيل؛ فلأنها تؤرخ لليهود فحسب. ذلك بأن جوهر الشريعة الإلهية الطبيعية معرفة الله ومحبته، وأن هذه الشريعة يدركها الإنسان في نفسه، فهي مشتركة بين جميع الناس، ولا تقتضي الإيمان بقصص تاريخية أيًّا كان موضوعها، وإن كان لنا في

стр. 113

هذه القصص عبر عملية في تدبير حياتنا. إن مثل هذا الإيمان, حتى لو كان موضوعه صادقًا، لا يعطينا العلم بالله، ولا من ثمة محبة الله, يجب أن يستمد العلم بالله من معانٍ كلية يقينية. كذلك تقتضي الشريعة الإلهية الطبيعية شيئًا من الطقوس، إذ ليست الطقوس في ذاتها خيرا ولا شرا، وليست تزيد عقلنا كمالًا. والتقوى انفعال نافع للجمهور ضروري لهم، ولكنه عديم الجدوى للذي يستطيع أن يعمل بالعقل ما تحمل التقوى على عمله بالانفعال. ولا يمكن أن يكون الاتضاع فضيلة؛ لأنه يتضمن الحزن وشعور المهانة والعجز. كذلك ليس الندم فضيلة؛ لأنه نتيجة الجهل الذي يجعلنا نعتقد أنه كان بإمكاننا أن نفعل غير ما فعلنا. إن فضيلة العقل تقوم في أن يغتبط الإنسان بعقله ويطمئن في نفسه ١. على أن الإيمان بما يرويه الكتاب المقدس من أخبار ضروري جدًّا للجمهور العاجز عن إدراك الأمور بالعقل؛ لأنها تؤيد عنده التعاليم النظرية الواردة في الكتاب من أنه يوجد إله صانع للأشياء، ومدبرها وحافظها، ومعني بالناس يثيب الأخيار ويعاقب الأشرار. والطقوس أيضا لم ترتب إلا لتدبير حياة الناس في مختلف الظروف, وأضيفت للدين كي يؤديها الشعب طواعية أو كي تكون علامة خارجية عليه. ورجال الدين ضروريون للجمهور كي يلقنوه تعليمًا متناسبًا مع فهمه. أما المعجزات فهي عند الجمهور مصنوعات أو أحداث غير مألوفة مخالفة لما كوّن له من رأي في الطبيعة بالعادات المكتسبة, وهي عنده أوضح بيان لقدرة الله وعنايته. والحقيقة أن حدثًا مخالفًا للطبيعة لا يقع أبدًا؛ لأن نظامها سرمدي ثابت. وما من شك في أنه من اليسير أن نعين بالمبادئ الطبيعية المعروفة علة كثير من الوقائع المدعوة بالمعجزات. وفضلًا عن ذلك فإن إدراك وجود الله وماهيته وعنايته، يتم بإدراك النظام الثابت للطبيعة خيرًا مما يتم بمعرفة المعجزات، فهي لا تفيد في الغرض المرجوّ منها. ب- والقاعدة العامة في تأويل الكتاب المقدس ألا يضاف إليه من التعاليم إلا ما يدل البحث التاريخي على أنه علمه بالفعل، فإن العلم بالكتاب يجب أن يستمد كله من الكتاب وحده. هذا البحث التاريخي يجب أن يتناول أولًا طبيعة اللغة العبرية وخصائصها لكي يفهم المعنى المقصود تمام الفهم، بعد

стр. 114

الفحص عن مختلف معاني النص الواحد, وثانيًا جمع العبارات في أقسام رئيسية وقيد العبارات المبهمة أو المتعارضة؛ فمثلًا قول موسى: إن الله نار، أو إن الله غيور، هو من العبارات الواضحة طالما اعتبرنا معاني الألفاظ فحسب، وإذن نضعها ضمن العبارات الواضحة ولو أنها جد غامضة بالإضافة إلى العقل والحقيقة، فإنه يجب استبقاء المعنى الحرفي ولو كان معارضًا للعقل ما دام لا يتعارض صراحة مع مبادئ الكتاب؛ وعلى العكس يجب تأويل العبارات التي يعارض معناها الحرفي مبادئ الكتاب تأويلًا مجازيًّا ولو كانت مطابقة للعقل؛ وثالثًا إحصاء جميع الظروف المتواترة، مثل سيرة النبي وأخلاقه وغرضه والمناسبة التي كتب لها وزمن الكتابة, ولمن كتب وتاريخ كتابه وكيف جمع في الأصل, وفي أي الأيدي وقع ومختلف الروايات لعباراته ... إلخ. ج- أما الاجتماع فالرأي فيه كما يلي: في الإنسان شهوة وعقل, وليس الناس معينين جميعًا من قبل الطبيعة لأن يسيروا طبقًا لقوانين العقل، فهم يولدون جهلاء ويقضون الشطر الأكبر من الحياة قبل أن يدركوا الفضيلة ويكتسبوها فما دمنا نعتبر الناس عائشين في حال الطبيعة فحسب، فلكل منهم مطلق الحق في اتباع الشهوة واصطناع القوة أو اتباع العقل، إذ إن كل ما يفعله الموجود تبعًا لقوانين الطبيعة فهو يفعله بحق مطلق، فالسمك معين بالطبيعة للسباحة، وكبيره معين بالطبيعة لالتهام صغيره. على أن من الحق أن الأنفع للناس أن يعيشوا طبقًا لقوانين العقل, وليس من إنسان إلا ويريد أن يعيش آمنًا من الخوف، وهذا مستحيل ما دام لكل أن يعمل ما يروقه, وإذا لم يتعاون الناس كانت حياتهم بائسة. لهذه الأسباب تاقوا للاتحاد، ونزل كل إلى الجماعة عما له من حق طبيعي على جميع الأشياء، فصار للسلطة العليا الحق المطلق في الأمر بكل ما تريد، وصارت الطاعة واجبة بحكم الميثاق المعقود وبحكم العقل الذي يرى في الطاعة أهون الضررين. وبذا تنشأ "العدالة" أي: علاقة خارجية بين السلطة والشعب يمثلها القانون الذي يأمر بأفعال معينة ويحظر أفعالا معينة. على أنه لا تجب الطاعة إلا للقانون النافع، إذ كان أساس الاتحاد المنفعة العامة, فللشعب أن يقدر الأوامر والنواهي، وأن ينقد السلطة، بل أن يثور عليها, وهذا فارق مهم بين سبينوزا وبين هوبس. وثمة فارق آخر هو أن هوبس يدعو

стр. 115

للحكم الاستبدادي، ويدعو سبينوزا للحكم الديمقراطي، ويقول: كلما اتسعت مشاركة الشعب في الحكم قوي التحابّ والاتحاد. غير أنه يعود إلى موقف هوبس في الدين فيذهب إلى أن السلطة هي الحاكمة في الدين وهي حاميته، وأن حقها في ذلك مطلق، وإلا تفرق الرأي بتفرق العقول والأهواء، واختل النظام العام. ولا يكتسب الدين قوة القانون إلا بإرادة السلطة، من حيث أن ليس للعقل من حق في حال الطبيعة أكثر مما للشهوة والقوة، وأن مظاهر العبادة يجب أن تعين تبعًا لأمن الدولة وفائدتها. والولاء للدولة أرفع صور التقوى، إذ لو زالت الدولة لما بقي خير ما، ونجاة الشعب القاعدة الكبرى لجميع القوانين المدنية والدينية. ولم يكن حق السلطة موضع نزاع قط عند العبرانيين، وكان ملوكهم يعلمونهم الدين, ولكن الحال اختلف عند المسيحيين فقد قام بتعليم الدين فيهم أفراد، واعتادوا زمنًا طويلًا الاجتماع في كنائسهم بالرغم من إرادة حكوماتهم؛ ولما أخذت المسيحية تدخل في الدولة ظل رجال الدين يعلمونها كما وضعوها، حتى للأباطرة، فكسبوا الاعتراف لأئمتها بصفة وكلاء الله. د- على أن نفس الإنسان لا يمكن أن تكون ملكًا خالصًا لآخر، وما من أحد يستطيع أن ينزل لآخر عن حقه الطبيعي في استخدام عقله والحكم على الأشياء. ومن الضار جدا للدولة أن تحاول استعباد العقول، كما أن من الضار جدا أن تترك للأفراد مطلق الحرية في الاعتقاد والعمل. ولكن الفرد لا ينزل إلا عن حق العمل بحكمه الخاص، وإلا استحال قيام الدولة؛ أما حق التفكير بحرية فخالص له تمامًا؛ ويجب أن يكفل له أيضًا حق الكلام بشرط ألا يجاوزه إلى العمل, وأن يدافع عن رأيه بالحجة لا بالحيلة أو العنف، ولا رغبة في تعديل نظام الدولة بسلطته الخاصة، بل يدع للسلطة حق الحكم، ويمتنع من كل فعل يعارض إرادتها، حتى لو اضطر للعمل بخلاف ما يعتقد. ولا خطر في ذلك على عدالته وتقواه، بل إن ذلك واجبه من حيث إن العدالة تتعلق بإرادة السلطة ليس غير.

стр. 116

٥١ - تعقيب: أ- ذلك هو المذهب, وقد نعتبر الاعتقاد بوحدة الوجود حدسًا شخصيًّا خطر لسبينوزا أو عرضه عليه ذلك الطبيب الذي علمه الفلسفة، فشرع هو يشيد هيكله بما وجد من مواد عند ديكارت والرواقيين. ولكن هذا الحدس تأيد عنده بالتفكير في صعوبات الفلسفة الديكارتية، وبأن في نظره علاجًا لها. هذه الصعوبات ترجع إلى فكرة العلية، فقد وزع ديكارت ظواهر الطبيعة إلى طائفتين، إحداهما مادية والأخرى فكرية، ثم عجز عن تفسير العلاقة بين النفس والجسم في الإنسان لتباين هذين الجوهرين، فاعتقد سبينوزا أن "العلة والمعلول يجب أن يكونا من نوع واحد" ١ بحجة أن ما يكون في المعلول دون أن يكون لذاته في العلة، يكون صادرًا عن العدم، مع أن ديكارت نفسه كان قد قال، أخذًا عن المدرسيين: إن ما في المعلول يجب أن يكون في العلة على صورته أو على نحو أسمى. فلزم عند سبينوزا أن الكل واحد ضروري، وأن الجوهر الأوحد علة باطنة لجميع الظواهر، هي في معلولاتها ومعلولاتها فيها، ومحا العلة المفارقة المتعدية إلى خارج، فمحا ثنائية الله والعالم، وثنائية النفس والجسم والتفاعل بينهما، تمايز العقل والإرادة، على ما يقتضي المذهب الأحادي من محو كل تمييزات، فانتهى بذلك إلى الآلية المطلقة وهي المثل الأعلى الذي يرمي إليه العلم الحديث، ومحا الغائية، وقصر معنى العلية على علية الدعوى أو الترابط المنطقي دون علية الوجود أو الفاعلية، وفاته أن يسوغ المبدأ الذي يقوم عليه مذهبه كله, وهو أن الوجود مطابق للمعاني وللعلاقات التي يكشفها العقل في نفسه. ب- ولكنه وقع في نفس الصعوبات وفي أخرى غيرها, فهو من الجهة الواحدة لم يوفق بين وحدة الجوهر وكثرة الصفات والأحوال، أي: لم يبين كيف يمكن أن يصدر عن الجوهر الواحد الثابت غير المعين، صفات وأحوال لا نهاية لها متغيرة إلى ما لا نهاية، تعينه بالضرورة ما دامت هي صفاته وأحواله، بعد أن قال: إن كل تعيين حد وسلب، ولم يبين بالقياس ضرورة كون الجوهر

стр. 117

مفكرًا وممتدًّا، لا سيما أنه بدأ بأن نفى عنه العقل وجعل منه علة ضرورية فحسب, فكيف يصدر العقل بعد ذلك عن لا عقل؟ كما أنه لم يبين أن في الجوهر أو في صفتي الفكر والامتداد ضرورة منطقية للتخصص في أحوال جزئية. لقد أخذ من التجربة ومن ديكارت الصفتين وأحوالهما ثم أضافهما للجوهر إضافة خارجية, فالمنهج القياسي عنده مجرد دعوى، لا سيما أن القضايا التي يطلب تسليمها دون برهان تربو على الأربعين، وتعريفات الجوهر والصفة والحال غير مترابطة تؤلف ثلاثة مبادئ منفصلة. ج- ومن جهة أخرى لم يتفادَ سبينوزا التفاعل كما أراد, فإنه يقول في الواقع بنوعين من علاقة العلية: علاقة داخلية بين الجوهر والصفات والأحوال, وعلاقة خارجية بين الأحوال بعضها وبعض؛ فكيف نفسر هذه، وكيف نوفق بينها وبين تلك؟ إذا ساغ قبول العلية الخارجية في الأحوال، فلم لا نقبلها في صدور الأحوال أنفسها عن الصفات، فنعود إلى العلية الفاعلية المتعدية إلى خارج؟ ولا سيما أن سبينوزا لم يبين إمكان استنباط الحركة من الامتداد، والحركة هي العامل في تكوين الأجسام الجزئية وتفاعلها. وكان أحد مراسيله كتب إليه أن هذه المشكلة محلولة عند ديكارت بقوله إلى الله خلق المادة متحركة، وسأله عن حلها عنده هو مع اعتقاده مثل ديكارت عدم تضمن فكرة الامتداد لفكرة القوة، فأجاب "في ١٥ يوليو ١٦٧٦ " بأن تعريف المادة بأنها امتداد تعريف غير كافٍ وأنه يعتزم بحث المسألة بحثًا أدق وأعمق. ولكنه مرض ولم يعد إليها، ولو كان قد عاد لما كان اهتدى إلى حل, إلا أن يضع المطلوب نفسه وضعًا فيقول: إن المادة امتداد متحرك. د- ومن جهة ثالثة لما محا سبينوزا التمايز الجوهري بين الفكرة الصادقة والفكرة الكاذبة، وقال: إن الفكرة الكاذبة ليست كذلك بذاتها, ولكنها فكرة ناقصة تعتبر كاملة، وأن ليس هناك من ثمة سوى درجات في طلب الحقيقة، انساق إلى محور التمايز الجوهري بين الخير والشر، وإلى القول بأن الشر فكرة ناقصة تعتبر كاملة، وأن ليس هناك سوى درجات في طلب الخير، فأقام مذهبًا لاأخلاقيًّا بالرغم من دعواه، ليس فقط من هذه الوجهة، بل أيضًا من وجهات أخرى، إذ إنه أنكر الحرية والغائية والتمايز بين الممكن والضروري،

стр. 118

على حين أن مفهوم الأخلاق أنها نظام معقول يتعين تحقيقه بالإرادة، وأن تفضيل حياة الضربين الثاني والثالث من ضروب المعرفة يقتضي إرادة وشجاعة ولا يكفي فيه مجرد العلم. وما ذلك الخلود الذي هو معرفة مؤقتة لما هو خالد؟ وما محبة الله في هذا المذهب إلا أن تكون الاغتباط بالذات بمعرفة الكلي الدائم؟ وما الله في مذهب يؤله الطبيعة ولا يعترف بموجود شخصي مفارق لها؟ المذهب كله مليء بألفاظ توهم أن لها مدلولات وهي لا تدل على شيء. أما آراء سبينوزا في الدين فلنا عليها ردود ليس هذا مكانها، وهي تمثل أصدق تمثيل المذهب العقلي الحديث، ولم يزد عليها اللاحقون شيئًا جديدًا، وإن كانت هي في واقع الأمر صدى لآراء سابقة.

стр. 119

الفصل السابع: جوتفريد فيلهلم ليبنتز " ١٦٤٦ - ١٧١٦ " ٥٢ - حياته ومصنفاته: أ- ولد بليبزج لأب قانوني وأستاذ للأخلاق بجامعة المدينة, ومنذ حداثته أخذ يقرأ في مكتبة أبيه، فقرأ أولًا قصصًا وتواريخ، ثم كتبًا علمية وفلسفية. والتحق بالجامعة فدرس الفلسفة القديمة بنوع خاص على أستاذ أرسطوطالي هو "توماسيوس" ودرس الفلاسفة المدرسيين فوجد عندهم على حد قوله "تبرًا محبوءًا يأنف المحدثون أن ينقبوا عنه" وأعجب بالقديس توما الإكويني, وكانت رسالته للبكالوريا " ١٦٦٣ " في المسألة المدرسية المشهور "مبدأ التشخيص". ثم قصد إلى جامعة يينا فدرس بها الرياضيات على رياضي فيلسوف هو "فيجل" فإلى جامعة أندورف حيث درس القانون وحصل على الدكتوراه برسالة موضوعها "مشكلات القانون" فإلى نورمبرج حيث انضم إلى جمعية "روزنكريتزر" نسبة إلى مؤسسها "روزنكريتز" " ١٣٧٨ " وكانت معنية بالعلوم الخفية، فقرأ كتب الكيميائيين وعين كاتبًا للجمعية, وظل طول حياته شغوفًا بتجارب الكيمياء. ب- وقصد إلى ميانس، وكان قد أهدى إلى أميرها سنة ١٦٦٧ رسالة يطبق فيها الفلسفة على القانون ليجعله علمًا مضبوطًا واضحًا، وكان قد وضع رسائل أخرى قانونية، فعينه الأمير سنة ١٦٧٠ مستشارًا بالمجلس الأعلى رغم حداثة سنه. فاشتغل بمشروعات لإصلاح العلم القانوني ومجموعات القوانين، وبالفلسفة والعلم الطبيعي. وبدا له أن يقترح على ملك فرنسا لويس الرابع عشر فتح مصر وتدمير القوة التركية بحجة القضاء على أعداء الثقافة الحديثة، وهو يرمي إلى صرف ملك فرنسا عن ألمانيا التي كانت قد عانت الأهوال من بطش جيوشه. فأرسله الأمير إلى باريس لتلك الغاية " ١٦٧٢ " ولكنه لم يوفق

стр. 120

إلى تحقيقها. فذهب إلى لندن ومكث بها الثلاثة الأشهر الأولى من سنة ١٦٧٣ فتعرف إلى علمائها، ثم عاد إلى باريس فكان مقامه بها كثير الخصب, إذ درس الرياضيات على علمائها وفي مصنفات بسكال، ودرس الفلسفة الديكارتية، وقرأ الرسالة اللاهوتية السياسية لسبينوزا، وصنع آلة حاسبة حاكى بها بسكال وجاوزه بأن زاد على الجمع والطرح الضرب والقسمة، بل استخرج بعض الجذور، واستكشف حساب الفوارق " ١٦٧٦ ". وكتب بهذا الكشف إلى أحد علماء لندن هو "أولدنبرج " فجاء الرد بأن نيوتن وصل إلى نظرية أعم، فعكف ليبنتز على توسيع نظريته حتى أبلغها إلى ما يعادل نظرية نيوتن، فقام بين المكتشفين نقاش حاد على السبق لأيهما كان. وقد كان لنيوتن إذ يرجع اكتشافه إلى سنة ١٦٦٥؛ غير أن كلا منهما اتجه في اكتشافه وجهة خاصة واتخذ سيرًا خاصًّا، وكان اكتشاف ليبنتز أكثر خصبًا والاثنان مدينان لبحوث الرياضيين السابقين. ج- توفي أمير ميانس، وعرض على ليبنتز منصب أمين مكتبة دوق هانوفر " ١٦٧٦ " فقبله وغادر باريس إلى لندن حيث أمضى أسبوعًا, وتعرف إلى الرياضي كولنز صديق نيوتن؛ ومنها قصد إلى أمستردام حيث لقي سبينوزا ودارت بينهما أحاديث فلسفية واطلع على كتاب "الأخلاق". وفي آخر ديسمبر انتهى إلى هانوفر، فأقام بها عظيم القدر متصلًا بجميع الأحداث الأوروبية الكبرى، مؤلفًا في تاريخ ألمانيا وفي الفلسفة، محاولًا التوحيد بين الكاثوليكية والبروتستانتية، ثم التوحيد بين الكنائس البروتستانتية المختلفة، مستأنفًا تحريضه على السلطنة العثمانية، ولكن عند بطرس الأكبر قيصر روسيا، وعارضًا عليه مشروعًا واسعًا لإصلاح بلاده, غير أن الحكم تغير في هانوفر، فتضاءل نفوذ ليبنتز رويدا رويدًا حتى انمحى، وانتابه المرض فألزمه مقعده. وكان الشعب، وكان بعض رجال البلاط، يعتبرونه زنديقًا، فإنه على تشبعه بالفكرة الدينية لم يكن يمارس العبادات، إلا فيما ندر؛ وتدلنا مساعيه للتوحيد بين الكنائس على أنه كان أكثر تعلقًا بالدين الطبيعي منه بالدين المنزل، فأنه كان يطلب إلى الكنائس النزول عن بعض العقائد أو تعديل بعضها الآخر كأنها عديمة القيمة في ذاتها. ولما حضرته الوفاة أبى أن يستدعي أحدًا من رجال الدين, فلم يمش وراء نعشه سوى كاتبه، ودفن "كقاطع طريق, لا كرجل كان زينة

стр. 121

وطنه". ولم تؤبنه جمعية العلوم ببرلين التي صارت أكاديمية برلين فيما بعد, وكان هو مؤسسها ورئيسها الأول " ١٧٠٠ " ولم تؤبنه الجمعية الملكية بلندن، وكانت ناقمة عليه مناقشته نيوتن؛ وانفردت بتأبينه أكاديمية العلوم بباريس بلسان كاتبها الدائم فونتنل ١ في خطاب مشهور " ١٧١٧ ". د- لم يتم بعد إحصاء كتبه ورسائله إلى علماء عصره لوفرتها وتفرقها, والمطبوع منها لا يذكر إلى جانب المخطوط. ولكن يمكن أن يقال: إن الكتب المطبوعة هي الأهم لأنها المتأخرة التامة، وإن الكتب السابقة عبارة عن محاولات. وكان معظم كتابته بالفرنسية واللاتينية؛ لأن الألمانية لم تكن شائعة في أوروبا. وأهم ما يهم الفلسفة الكتب الآتية: "تأملات في المعرفة والحقيقة والمعاني" " ١٦٨٤ "؛ و"مقال فيما بعد الطبيعة" " ١٦٨٦ " عرض فيه مذهبه لأول مرة؛ و"مذهب جديد في الطبيعة واتصال الجواهر" " ١٦٩٥ " هو عرض ثانٍ للمذهب. ولما ظهر كتاب جون لوك "محاولة في الفهم الإنساني" " ١٦٩٠ " بعث إليه بملاحظات " ١٦٩٦ " عاد إليها وألف كتابًا ضخمًا أسماه "محاولات جديدة في الفهم الإنساني" " ١٧٠١ - ١٧٠٩ " وتعقب فيه بالنقد كتاب لوك فصلا فصلا؛ ولكن لوك كان قد توفي، فرأى ليبنتز أن يحتفظ بكتابه، فلم ينشر إلا بعد وفاته بنصف قرن " ١٧٦٥ ". وكانت تلميذته ملكة بروسيا طلبت إليه أن يرد عل بيل ٢ في العلاقة بين الشر والحرية من جهة وعدالة الله

стр. 122

وقدرته من جهة أخرى، فدوّن كتابًا آخر ضخمًا أسماه "محاولات في العدالة الإلهية" " ١٧١٠ " ودل على لفظ العدالة الإلهية بلفظ مركب من اليونانية هو Theodicee فبقي هذا اللفظ للدلالة على الإلهيات الطبيعية، وأخيرًا عرض مذهبه مرة ثالثة في رسالة قصيرة لأحد الأمراء بعنوان "المونادولوجيا" " ١٧١٤ ". وهذه الكتب هي التي يرجع إليها بنوع خاص لبيان فلسفته. ٥٣ - منهجه: أ- عرف ليبنتز منهجه ومذهبه في عبارة مأثورة تدلنا على سعة ثقافته وعمق تفكيره، قال: "لقد تأثرت بمذهب جديد, ومنذ ذلك الحين أظنني أرى وجهًا جديدًا لباطن الأشياء. هذا المذهب يبدو جامعًا أفلاطون إلى ديمقريطس، وأرسطو إلى ديكارت، والمدرسيين إلى المحدثين، واللاهوت والأخلاق إلى العقل. ويلوح أنه يأخذ الأفضل من كل صوب، ثم يمضي إلى أبعد مما مضوا للآن. وإذا التفتنا إلى آثار الحقيقة هذه عند القدماء, استخرجنا التبر من التراب, والماس من المنجم، والنور من الظلمات، وأقمنا فلسفة دائمة". هذه الفلسفة تضم طرفًا من كل مذهب، وتوفق بين الأضداد توفيقًا مبتكرًا. والأضداد كثيرة: الكلي والجزئي، الممكن والموجود، المنطقي والميتافيزيقي، الرياضي والطبيعي، الآلية والغائية, المادة والروح، الحس والعقل، تضامن الأشياء وفاعلية كل منها، ترابط العلل والحرية الإنسانية، العناية الإلهية والشر، الفلسفة والدين. لقد بانت هذه الأضداد متنافرة متباعدة حتى لم ير من سبيل أمام الفكر سوى الاختيار بينها والميل إلى جانب دون آخر؛ غير أن "كثرة الفرق على حق في كثير مما تثبت، لا فيما تنفي"؛ ويدلنا التاريخ على تعاون متصل بين الأجيال، فقد حصل الشرقيون على أفكار جميلة جليلة في الإلهيات، واكتشف اليونان المنهج الاستدلالي وشكل العلم، ونبذ آباء الكنيسة ما كان رديئًا في الفلسفة اليونانية، وحاول المدرسيون أن يستخدموا لصالح المسيحية ما كان معقولًا في فلسفة الوثنيين، وجاءت فلسفة ديكارت بمثابة الرواق المؤدي إلى الحقيقة. ب- وقد برزت هذه النزعة عند ليبنتز مذ كان يدرس الرياضيات

стр. 123

بجامعة يينا إذ استوقفته التأليفات الرياضية، فخطر له أن يبحث عن قوانين تأليفات مماثلة لأجل الفلسفة، يعني أن يستخلص المعاني البسيطة الأولية ويرمز لها بإشارات تكون بمثابة ألف باء الفكر، ثم يعين جميع التأليفات الممكنة لهذه الأوليات ويرمز لها بإشارات، وذلك على مثال تعيين الأضرب الممكنة للقياس الاقتراني، وحينئذ يستطاع بالحساب وحده البرهنة على صدق أي قضية، بل الاهتداء إلى قضايا جديدة، وتكوين "لغة كلية" من الإشارات جميعًا أو "علم الخصائص الكلي" يكون في آن واحد منطقًا ودائرة معارف وأجرومية. وقد وضع ليبنتز في ذلك "رسالة في فن التأليف" " ١٦٦٦ " تحتوي على أصول اختراعه حساب الفوارق. وشغل طول حياته بمشروع لغة فلسفية دون أن يصل إلى نتائج مفيدة. ج- على أنه سيظل يعتبر المعرفة الحقة البرهان اللمي كما هو بادٍ في الرياضيات, ولا يتيسر هذا البرهان إلا بتحليل المركب إلى العناصر البسيطة لاتخاذها مبادئ, فما هي مبادئ الفلسفة؟ لقد اقتصر سبينوزا على مبدأ عدم التناقض، ولكن هذا المبدأ يهيمن على الرياضيات والممكنات المعقولة، ولا يفيد في تفسير تحقيق ممكنات معينة دون غيرها؛ فلا بد من مبدأ آخر لتعليل الوجود الواقعي، هو مبدأ السبب الكافي، أي: إن ما يوجد فإنما يوجد عن سبب كافٍ، وهذا مبدأ خاص بالفلسفة "ولا بد أن يكون هذا الفرق بين الممكن والواجب هو الذي صرف ليبنتز عن وضع أصول اللغة الفلسفية الكلية". وإلى مبدأ السبب الكافي يرجع مبدآن آخران هما صيغتان جزئيتان له: أحدهما مبدأ الاتصال، ومؤداه أن الانتقال متصل في الطبيعة بلا طفرة، بحيث لا تنشأ الحركة من السكون مباشرة ولا تنتهي إليه مباشرة، بل تبدأ بحركة أدق، وتنتهي إلى حركة أدق، بحيث لا نفرغ من عبور أي خط قبل أن نعبر خطا أصغر، وهذا المبدأ مثال بارز لتأثير الرياضية في الفلسفة، فإنه ترجمة فلسفية للانهاية الرياضية، وله شأن كبير في مذهب ليبنتز كما سنرى، والمبدأ الجزئي الآخر يسمى مبدأ اللامتمايزات، ومؤداه أن شيئين جزئيين لا يمكن أن يتشابها تمام المشابهة وإلا لم يتمايزا، بل يجب أن يفترقا بفارق كيفي ذاتي مطلق فوق افتراقهما بالعدد.

стр. 124

د- ومن شأن مبدأ اللامتمايزات أن يجعلنا نفرق بين المعنى الواضح الذي يسمح بتمييز شيء من آخر، ويقابله المعنى الغامض، وبين المعنى المميز الذي هو معرفة تفاصيل الشيء، وإذا كان الشيء مركبًا، معرفة خصائص كل جزء من أجزائه، ويقابله المعنى المختلط. وعلى ذلك يمكن أن يكون المعنى واضحًا دون أن يكون متميزًا، فمعنى اللون مثلا واضح جدًّا، ولكني حين أتصوره لا أتبين عناصر اللون؛ والعلامات الجبرية واضحة، ولكني لا أتصور مدلولاتها فالمعنى المتميز دون سواه يعبر عن باطن الشيء, ويستحق اسم المعرفة الميتافيزيقية. وكان ديكارت قد جعل من "الوضوح" علامة الحقيقة، واعتبر التميز مصاحبًا له بالطبع، إن لم يعتبره مرادفًا له؛ ولكن يجب أن نضع بينهما الفرق الحاسم المتقدم، وأن نضع نوعين من المعرفة لم يميز بينهما ديكارت، وهما المعرفة الرمزية أو العمياء وهي واضحة ولكنها مختلطة، والمعرفة الحدسية وهي وحدها المتميزة إطلاقًا. وستتبين هذه المبادئ والقواعد بما في المذهب من تطبيقات لها. ٥٤ - نقد المذهب الآلي: أ- يخبرنا ليبنتز أنه أخذ أول أمره بنظرية الصور الجوهرية كما قال بها أرسطو والمدرسيون، ثم بدا له أن هذه الصورة لا توجد إلا في العقل، ولا تصلح مبادئ لتفسير الأشياء، فانتقل إلى الآلية، فلما فحص عن أسسها وعن قوانين الحركة، وجد الآلية ناقصة، فعاد إلى الصور الجوهرية، ولكن على نحو خاص به. وهو يبين نقص المذهب الآلي بنقد صورتيه المعروفتين، وهما نظرية ديكارت ونظرية ديموقريطس. الأولى تعتبر المادة متصلة, ويمكن تسميتها بالآلية الهندسية، والأخرى تعتبر المادة منفصلة، ويمكن تسميتها بالآلية الحسابية. ب- يرى ديكارت أن الامتداد ماهية الجسم, ويجعل من الجسم شيئًا منفعلًا فحسب، ولكن هذا الرأي لا يفسر "قصور" الجسم أي: مقاومة المادة للحركة، فإن الجسم الكبير أصعب تحريكا من الصغير، والجسم المتحرك لا يحرك إذا حرك آخر ساكنًا إلا ويفقد بعض حركته من جراء مقاومة الآخر. ثم إن هذا الرأي لا يفسر بين الجسم المتحرك معتبرًا في نقطة من خط سيره وبين الجسم الساكن إذ لا يمكن إثبات اتصال الحركة إلا بوساطة فكرة القوة أو الميل،

стр. 125

ولولا هذه الفكرة لعادت الحركة عبارة عن سلسلة سكونات, وكيف يستطيع ديكارت أن يفترض بقاء كمية الحركة هي هي في الطبيعة مع قوله بانتقال من الحركة إلى السكون وبالعكس، فإن مثل هذا الانتقال عبارة عن تلاشي حركة وخلق أخرى. وعلى ذلك تقوم ماهية الجسم في القوة، وهي علة الحركة، وتظل باقية حتى ولو وقفت الحركة: "إنها ما في الحالة الراهنة يحمل تغيرًا مستقبلًا". وفكرة القوة فكرة ميتافيزيقية تجاوز نطاق العلم الطبيعي, ونطاق الآلية. ج- أما ديموقريطس فيقول بجواهر فردة يفصل بينها خلاء, ولكن الجوهر الفرد لا يمكن أن يكون وحدة بمعنى الكلمة أي: جوهرًا حقًّا، فإن كل جسم مهما افترضناه صغيرًا فهو ممتد، وكل امتداد فهو منقسم أي: إنه مجموع جواهر. وإذن فالمادة كثرة بحتة، وما الجواهر الفردة المادية إلا أثر لضعف مخيلتنا التي تحب أن تسكن وتتعجل الوصول إلى نهاية في التقسيم والتحليل. والكثرة كثرة وحدات بمعنى الكلمة؛ وليس من وحدة بمعنى الكلمة إلا وحدة الموجود اللامادي غير المنقسم. فيجب القول بأن الكثرة تقوم في وحدات لامادية، في "جواهر فردة صورية" أو "نقط ميتافيزيقية". وهي محكمة أي: غير منقسمة، ووجودية في نفس الوقت؛ فهي وسط بين الجوهر الفرد المادي الذي هو وجودي وغير محكم، وبين النقطة الرياضية التي هي محكمة وغير وجودية. وبذا نبلغ إلى الميتافيزيقا من هذه الناحية أيضًا, نبلغ إلى فكرة الوحدة الصورية فنحصل على فكرة متميزة عن وجود الجسم بعد أن بلغنا إلى فكرة القوة وحصلنا على فكرة متميزة عن ماهية الجسم. فنكون قد بلغنا بامتحان صورتي الآلية إلى نتيجة واحدة هي أن الموجود وحدة قوة. د- ولنا أن نقول: إن ليبنتز على صواب في نقده للمذهب الآلي وفي ثبات القوة والوحدة للجسم، وإنه على خطأ في نفي الامتداد. وإنما كانت مهمة نظرية الصورة الجوهرية عند أرسطو تفسير القوة والوحدة في الجسم مع بقاء الامتداد. ولكن ليبنتز اعتقد أن قبول الامتداد للقسمة إلى غير نهاية معناه أن الامتداد منقسم بالفعل إلى غير نهاية, وهذا غلط وقع فيه زينون الأيلي وانخدع به كثير من الفلاسفة من بعده. وعلى هذا الأساس بنى ليبنتز فلسفته, فلنمض معه إلى غايتها.

стр. 126

٥٥ - الجوهر أو المونادا: أ- الجوهر الواحد بوحدة تامة خليق باسم مطابق له, وهذا ما حمل ليبنتز، بعد أن قال "الجوهر" على أن يقول "مونادا" " ١٦٩٦ ". واللفظ يوناني الأصل معناه الوحدة، وقد أخذه عن جوردانو برونوا أو أحد الكيميائيين من معاصريه. وكان قد ظهر بلندن سنة ١٦٧٢ كتاب لطبيب فيلسوف اسمه فرنسيس جليسون، فيه نظرية مماثلة لنظرية ليبنتز؛ فهل عرفه أثناء إقامته بلندن وتأثر به؟ لا ندري. ومهما يكن من هذه النقطة، فإن المونادا عنده قوة متجهة إلى الفعل بذاتها، حاصلة على التلقائية، فلا تفعل بتحريك محرك مغاير كما هو الحال في المادة, في رأي أرسطو والمدرسيين وديموقريطس وديكارت، فإن التأثير الخارجي اصطدام جزء بجزء وليس للمونادا أجزاء. وهذه القوة وسط بين القوة والفعل كما عرفهما أرسطو, مثلها مثل حبل مشدود إلى جسم ثقيل، أو قوس مشدودة؛ هي فعل كامن، وجهد مستمر يتجه إلى الفعل التام. فحالاتها كلها باطنة، يتولد بعضها من بعض بحيث يكون حاضرها حافظًا لماضيها, مثقلًا بمستقبلها. ويلزم من ذلك أنها حياة ونزوع -وبذا تقوم قوتها- وأنها حاصلة على ضرب من الإدراك -وبذا تقوم وحدتها- وأنه يجب من ثمة تصورها على مثال النفس، والنفس هي القوة الوحيدة التي ندركها في ذاتها كما يجب القول بأن كل مونادا فهي حاصلة على خصائص ذاتية تتشخص بها تبعًا لمبدأ اللامتمايزات، وإلا لم تتمايز فيما بينها. وهكذا نتصور من باطن، أي: بالانعكاس على نفسنا، ما قادنا إليه تحليل الظواهر الخارجية، ونعلم أن الآلية والميتافيزيقا على حق, كل في دائرة. الآلية هي الظاهر والسطح، والمونادا هي الباطن والصميم. فكل ما يحدث يحدث آليا وميتافيزيقيا معًا، وليس في الطبيعة جماد أو قصور، بل كل موجود فهو حي؛ وليس بين الموجودات من تفاوت في الحياة إلا بالدرجة، تبعًا لمبدأ الاتصال الذي يستبعد الانتقال الفجائي. وهذا التفاوت بالدرجة هو بحسب درجة تميز الإدراك والدرجات أربع هي: مطلق الحي أي: ما يسمى جمادًا والنبات، فالحيوان، فالإنسان، فأرواح بعضها فوق بعض إلى غير نهاية. والفرق بين ما يسمى

стр. 127

جسمًا وبين الموجود المقول: إنه ذو نفس، أن الجهد والفعل في هذا يحفظان في الشعور والذاكرة، في حين أن الشعور والذاكرة لا يوجدان في ذاك إلا حال الفعل: "فكل جسم روح مؤقت، أي: عادم الذاكرة". ب- ولما كانت المونادات بسيطة فيمتنع أن تبدأ ابتداء طبيعيا وأن تنتهي انتهاء طبيعيا، فإن الكون والفساد الطبيعيين يقومان في تركيب أجزاء, وانحلال أجزاء. وعلى ذلك فبداية المونادات خلق بالضرورة، ونهايتها إعدام. غير أن الله لا يعدم مخلوقًا، فالمونادات خالدة، وما يبدو للحس كونًا وفسادًا عبارة عن نمو يجعل الحي منظورًا، ونقصان إلى ما لانهاية يجعله غير منظور. وليست تصل النفس الإنسانية في خلودها إلى سعادة مطلقة، ولكنها تتدرج في الكمال والسعادة إلى غير نهاية، كما يقضي مبدأ الاتصال، وتبعًا لهذا المبدأ أيضًا يجب التسليم بأن المونادات لامتناهية العدد؛ يدل على ذلك من الجهة الواحدة أن المادة منقسمة إلى غير نهاية, وأن تركيبها يستلزم من ثمة عناصر لامتناهية؛ ومن الجهة الأخرى أن المونادات محاكيات للذات الإلهية، والذات الإلهية تحاكى على أوجه لامتناهية، فهناك عدد لامتناهٍ من درجات الوجود. ج- ماذا تدرك المونادات؟ إنها تدرك العالم أجمع؛ لأنها محاكيات للذات الإلهية كما تقدم، وكل منها مرآة للوجود لأنه لما كانت الأشياء متصلة فليس يمكن إدراك جزء دون إدراك الكل. غير أن كل مونادا تدرك العالم من وجهة خاصة بها, فإن لها مجال إدراك متميز ولا تدرك ما يجاوزه إلا إدراكًا مختلطًا، بحيث يقابل الإدراكات المتميزة في مونادا معينة إدراكات مختلطة في المونادات الأخرى، والعكس بالعكس، والإدراك المتميز في مونادا معينة هو "نشر" الإدراك المختلط المقابل له وجلاؤه، والإدراك المختلط "طي" الإدراك المتميز أو إجماله. فالإدراك يحتمل درجات بحسب مبلغ تميزه: تحت الإدراك المتميز والمعلوم بالشعور aperception يوجد إدراك ضعيف غير واقع في الشعور perception لم يعده الديكارتيون شيئًا مذكورًا ولكنه موجود حقا. يدل على وجوده أولًا أن النفس لا يمكن أن تكون غير فاعلة وقتًا ما، ولما كان

стр. 128

الإدراك فعلها كانت تدرك دائمًا بالضرورة، ولكننا لا نشعر دائمًا أننا ندرك، فيلزم أن يكون فينا إدراكات غير مشعور بها. ثانيًا أن هناك ظواهر لا تعلل بغير التسليم بمثل هذه الإدراكات, كصوت الأمواج، فإنه صوت مجموعي يتضمن الأصوات الصغيرة المؤلف منها؛ وكالأفعال التي تبدو غير معقولة، فإنها تعلل بإحساسات ضعيفة غير مشعور بها آتية من داخل الجسم أو من الخارج، وهذا يدل على أن شيئًا واحدًا بعينه يمكن أن يتصور على أنحاء لامتناهية من حيث إن هناك درجات لامتناهية في التصور المتميز؛ ويدل على أن عدد المونادات لامتناهٍ. د- لما كانت المونادات مستقلة بعضها عن بعض تتغير من الداخل فتتولد حالاتها بعضها من بعض, كما سبق القول, وجب تفسير توافق حالاتها. ولا يفسر هذا التوافق إلا بافتراض خالق منسق "وهذا دليل إني على وجود الله" والقول بأن الله لما خلق النفس والجسم "أي: ما يبدو جسمًا" وضع فيهما قوانينهما بحيث يتوافقان، أي: إن الجسم يوجد معدا بذاته للفعل في الوقت الذي تريد النفس وعلى النحو الذي تريد، وإن النفس تحصل بذاتها على الإدراكات المقابلة لاستعداد جسمها، فيتلاقى الفعلان بموجب "تناسق سابق" مثلهما مثل ساعتين وفق الصانع بينهما فظلتا متوافقتين دون تفاعل. وقد يقال: إذا كان كل شيء يجري في النفس كأن ليس هناك سوى النفس والله، فلم قرن الله الجسم بالنفس؟ أليس الجسم عديم الفائدة؟ فيجيب ليبنتز أن هذا الاعترض صادر من مبدأ الاقتصاد في العمل moindre action وهو مبدأ سليم، ولكن هناك مبدأ آخر هو مبدأ الأحسن أو مبدأ العلل الغائية، وبمقتضاه وجب أن يخلق الله أكبر عدد من الجواهر الممكنة، وأن يجعل تغيرات النفس مقابلة لشيء في الخارج, على أنه يمكن القول: إن الجواهر تتفاعل، بشرط أن يُقصَد بذلك تأثير معنوي باطن شبيه بالتأثير الحقيقي من حيث المعلولات، فيكون معنى الفعل والانفعال أن المونادا تفعل من حيث هي حاصلة على كمال، وأنها تنفعل من حيث هي ناقصة، أو أن مونادا معينة هي أكمل من أخرى متى كان فيها علة ما يجري في الأخرى، أي: متى كانت حاصلة على أفكار متميزة هي في الأخرى مختلطة.

стр. 129

هـ- هكذا رأى ليبنتز أن يحل مسألة اتحاد النفس والجسم وتفاعلهما، وكانت قد شغلت ديكارت فذهب إلى أن النفس تتلقى حركات الجسم فتعدل اتجاه هذه الحركات "إذ كان مفهومًا عنده أن كمية الحركة في العالم باقية كما هي, وأن النفس من ثمة لا تخلق حركة"؛ ولكن ليبنتز يعترض عليه بأنه إذا كان من غير المعقول أن تعطي النفس الجسم حركة، فمن غير المعقول أن تستطيع التغير في اتجاه الحركة؛ لأن مثل هذا التغيير لا يتيسر إلا بزيادة كمية الحركة أو إنقاصها. وذهب مالبرانش إلى أن الله هو الذي يحدث ما يقع للنفس والجسم من حركات بعضها بمناسبة بعض، وليبنتز يتفق معه في إنكار تفاعل الجواهر، ويوجه إلى رأيه انتقادين فيقول: إنه يرجع الظواهر إلى علة عامة بدل أن يعين عللها القريبة، وإنه يلجأ إلى الله لجوء اليائس أي: إلى معجزة متصلة، على حين أن نظرية سبق التناسق إن لجأت إلى الله، فالله فيها علة مباشرة للجواهر فحسب لا للظواهر، إذ إنه يخلق جواهر فاعلة بالطبع بموجب قوانين ذاتية, ولا يحل هو محلها بمعجزة متصلة. وهنا نلمس أهمية مسألة اتحاد النفس والجسم، وتطورها من ديكارت إلى ليبنتز بعد مالبرانش وسبينوزا، وأثرها في تفاعل الموجودات إجمالًا، بل في مبدأ العلية نفسه، إذ إننا لو أنكرنا تفاعل الموجودات وهو ماثل للعيان لم يبق لدينا ما يختم الاعتقاد بالعلية. وكيف يفسر تصورنا لعالم خارجي في هذه الفلسفة؟ من البين أن العالم لا يمكن أن يكون فيها إلا ظاهريا أي: مجموعة ظواهر من حيث إن المونادات جميعًا لامادية. فالمادية هي الموجود منظورًا إليه من خارج، هي إحالة النسبة الميتافيزيقية بين وسيلة وغاية نسبة كمية بين أجزاء, ذلك بأنه يوجد في كل مونادا إدراك مختلط إلى جانب الإدراك المتميز، وهذا الإدراك المختلط لما بين الأشياء من نسب منطقية هو الذي يعطيها في نظرنا ظاهرا أشياء قاتمة في المكان والزمان. والجسم مجموعة مونادات ترأسها مونادا مركزية هي بالإضافة إليه كنفسنا بالإضافة إلى جسمنا, أو هو مجموعة إدراكات مختلطة, وما من إدراك متميز إلا وينطوي على إدراكات دنيا لا نهاية لها؛ وما الجسم الآلي آخر الأمر إلا صنع الفكر يؤلف بين إدراكاته، فليس للجسم وحدة حقة، وإنما وحدته آتية من إدراكنا، فهو موجود خيالي أو ظاهري. فالنفس

стр. 130

وحدة الجسم, والجسم وجهة نظر النفس. وما المكان إلا "نظام الأوضاع" ينشأ حين ندرك عدة ظواهر في وقت واحد؛ وما الزمان إلا "نظام المواقف المتعاقبة" فليس المكان والزمان شيئين متمايزين من المونادات وسابقين عليها، كما يتوهم نيوتن وأتباعه. ولكن إذا كان العالم الخارجي ظاهريًّا، فما الفرق بينه وبين رؤى الأحلام؟ الفرق أن الإحساس أقوى وأدق من الرؤيا، وأن الأجسام التي تبدو فيها المونادات هي ظواهر لها أصل ومرتبطة بعضها ببعض بعلاقات ثابتة, أو قوانين كلية تسمح لنا بتوقع ظاهرة بعد أخرى فيتحقق توقعنا، بينما صور الأحلام مجرد ظواهر لا أصل لها, على أن اليقين بهذه العلامات أدبي لا ميتافيزيقي. ز- التمييز بين الظواهر الحادثة والقوانين الكلية يثير مسألة أصل المعرفة وقيمتها. يريد لوك أن تكون جميع معارفنا وليدة التجربة، ولكن في النفس معارف ليست آتية عن طريق الحواس، هي المبادئ الضرورية والحقائق الكلية. إننا نطبق عفوًا مبادئ لا ندركها إدراكًا صريحًا إلا فيما بعد، وننكر التناقض ولو لم نسمع قط بمبدأ عدم التناقض. وعلى هذا لا تكون النفس لوحًا مصقولًا، بل تكون حاصلة على معارف غريزية أو فطرية. يعترض لوك قائلًا: لا إدراك بدون شعور، فتكون المبادئ الغريزية معارف غير معروفة، وهذا خلف. ولكن ليس من البين بذاته أنه لا إدراك بدون شعور, إن بين القوة الصرف والفعل التام حالة وسطى هي حالة الكمون تسمح لنا بالقول بأن المبادئ موجودة في النفس ولو لم يصاحبها شعور، كعروق الرخام ترسم ملامح التمثال قبل تحققه. فإذا قلنا مع لوك: "ليس" في العقل شيء إلا وقد سبق في الحس, وجب أن نستدرك فنقول: "إلا العقل نفسه". على أن طبيعة المونادا تقضي بأن تكون جميع معارفنا باطنة، إذ ليس للمونادا نوافذ تنفذ منها صور الأشياء، وليست المونادا كالشمع تنطبع عليها صور الأشياء. إنها موجود متميز متشخص، فلا يمكن اعتبارها خالية بادئ ذي بدء، وإلا لم تتميز من غيرها، تبعًا لمبدأ اللامتمايزات. إن وجودها المتميز بجب أن يقوم في شيء باطن هو مجموع استعداداتها للفعل. فالمونادا تتدرج باطراد من إدراكات غامضة إلى إدراكات واضحة فإلى إدراكات متميزة. بهذا المعنى يصح القول بأن التجربة شرط ظهور الكامنات في النفس

стр. 131

وتطبيقها، كما هو الحال عند أفلاطون؛ أي: بمعنى أن التجربة مجموع المعارف الحادثة العارضة للنفس من ذاتها، بينما نعني بالعقل مجموع المبادئ الضرورية, والحقائق الكلية اللازمة منها. ج- ومتى كانت المونادا مشتملة منذ الأصل على استعدادات للفعل، كما يقضي مبدأ اللامتمايزات ويقضي سبق التناسق، لزم أن جميع أفعالها صادرة عنها، وأن هذا معنى الحرية. إن وجود الإرادة في حال توازن تام تفعل بعده بحرية، وجود غير معقول وغير ممكن. أما أنه غير معقول فلأن مبدأ اللامتمايزات يحول دون المساواة التامة في الطبيعة. فالفوارق موجودة ولو لم نشعر بها، وفي النفس إدراكات كثيرة غير مشعور بها. وأما أن التوازن التام غير ممكن؛ فلأن نتيجة عدم الفعل، لا الفعل من حيث إن الفاعل لا يجد سببًا يميل به إلى جهة دون أخرى، كما يروى عن حمار بوريدان ١. فالحرية "جبرية نفسية" خاضعة لمبدأ السبب الكافي الذي يعني أن الفاعل المختار هو الأحسن؛ وهو سبب أدنى يحتل مكانًا وسطًا بين الحرية العمياء التي نجدها عند ديكارت والجبر الذي نجده عند سبينوزا, لا مجال عند ديكارت لغير الحادث، ولا مجال عند سبينوزا لغير الضروري، ولكن القضية الضرورية هي التي محمولها متضمن في مفهوم موضوعها، أو التي ترد إلى مثل هذه القضية, فنقيضها يتضمن تناقضًا؛ والقضية الممكنة أو التجريبية هي التي لا يتضمن نقيضها تناقضًا ولا ضرورة لها. فالفعل الحر فعل ممكن من بين أفعال أخرى ممكنة. وما الشعور بالحرية الذي يعتمد عليه ديكارت، إلا عدم الشعور بأسباب الفعل, وكثيرًا ما تكون هذه الأسباب دقيقة غير مشعور بها؛ مثلنا في ذلك مثل الإبرة الممغنطة، لو كان لها شعور لتوهمت أنها حرة في اتجاهها صوب الشمال؛ لعدم إدراكها الحركات غير المحسوسة في المادة المغناطيسية. ط- الحقيقة أن لا فرق بين الإمكان الذي يقول به ليبنتز وبين الضرورة التي يقول بها سبينوزا، فإن ممكنًا واحدًا بعينه من بين الممكنات كان محتومًا بمقتضى مبدأ اللامتمايزات ومبدأ سبق التناسق، فيكون حكمه حكم الضروري؛ وليبنتز يقول: "من الثابت أن لكل حمل بمعنى الكلمة أساسًا في طبيعة الأشياء, وحين لا يكون محمول القضية متضمنًا صراحة في الموضوع، يجب أن يكون

стр. 132

كامنًا فيه، إذ إن طبيعة الجوهر الشخصي أو الموجود التام هي أن تكون فكرته تامة بحيث تكفي لأن نفهم منها ونستنبط جميع محمولات الموضوع المضافة إليه هذه الفكرة ١ ". فهو يضع المحمولات العرضية والمحمولات الذاتية على قدم المساواة، ولا يحسب حسابًا للقوة التي هي إلى الضدين؛ لأنه رمى إلى المعقولية الكلية وأراد أن تكون كل قضية صادقة قابلة لبرهنة قياسية، وبهذا الاعتبار تتحول القضية الممكنة إلى ضرورية ما دام صدقها يلزم من إدراك حديها. وما جدوى قول ليبنتز: إن الحدين الأولين لا يجتمعان إلا بتحليل لا نهاية له غير ميسور إلا للعقل الإلهي، ما داما يجتمعان على كل حال؟ إن ليبنتز يقف نفس موقف سبينوزا, ففكرة الجوهر عندهما واحدة، وهي أن الجوهر ينطوي على كل ما يتحتم أن يقع له، مع هذا الفارق وهو أن الجوهر الأوحد عند سبينوزا يتجزأ عند ليبنتز إلى عدد لامتناهٍ من الجواهر الجزئية كل منها يمثل الوجود أجمع، دون أن يبرر ليبنتز خروجه من الأنا إلى جواهر أخرى؛ وما حاجته إليها والأنا حاوٍ لجميع التصورات؟ أجل, إنه يقول: إن المونادا تصادف عقبات تعوق تصورها، فتضيفها إلى مونادات أخرى؛ ولكن المونادات لا تتفاعل، فلم لا يقول بمونادا واحدة تحاول أن تستوضح جميع وجهات الوجود؟ ولو أنه التزم التصورية لكان اقتصر على جوهر واحد هو الأنا المتصور, وهكذا سيفعل مواطنه فختي. ٥٦ - الله: أ- فوق المونادات المتناهية توجد المونادا العظمى اللامتناهية أو الله, ووجود الله ثابت بأدلة إنية ودليل لمي. أما الأدلة الإنية فثلاثة: الأول سبق التناسق، وقد مر الكلام عنه. الثاني يؤخذ من اعتبار المونادات ماهيات، ومؤداه أن مبدأ الاتصال يأبى الانتقال الفجائي، وإذن فليست تنتقل المونادات من العدم إلى الوجود انتقالًا فجائيًّا، ولكن الممكنات موجودات لامتناهية في الصغر، موجودة في ذات هي الذات الإلهية، وتحاول أن تتحقق وتتعارض في محاولاتها، فلا بد من علة ترفع العائق من سبيل البعض الذي يتحقق،

стр. 133

إذ ليس بصحيح ما زعمه سبينوزا من أن جميع الممكنات تتحقق، فإنها متعارضة متنافرة لا تلتئم في نظام واحد. وحتى لو سلمنا بتحقيقها جميعًا للزم أنها تتصارع, وأن بعضها يتغلب فيبقى الغالب فقط. والدليل الثالث يؤخذ من المتجانسات التي لا يلحقها تعارض؛ ذلك بأن مبادئ الأشياء الحادثة، وهي الزمان والمكان والمادة، متجانسة تحتمل كل تعيين فليست تقتضي المادة بذاتها الحركة دون السكون، ولا حركة معينة دون أخرى، فلا بد من علة تختار وتحقق وتكون موجودًا ضروريًّا ينطوي على علة وجوده. ب- وأما الدليل اللمي فهو دليل القديس أنسلم على هذه الصورة: يجب التمهيد له ببيان أن الله ممكن، أي: إن فكرة الله لا تتضمن تناقضًا، فيصير الدليل هكذا: "إن الله واجب بموجب ماهيته، فإذا كان الله ممكنًا كان موجودًا". والله ممكن، فإنه الموجود اللامتناهي، وليس يوجد فيه ولا خارجًا عنه ما يحد من ماهيته: أما فيه فصفات لامتناهية مؤتلفة في بساطة تامة، ولا تناقض إلا في المركب من عناصر متنافرة؛ وأما خارجًا عنه فليس يوجد شيء مكافئ له. ففكرة الله لا تتضمن تناقضًا، فالله ممكن, والممكن -كما سبق القول- يقتضي الوجود أو يميل بذاته إلى الوجود بقدر ما فيه من كمال، ولما كان الله غير متناه، فليس يعترض ميله إلى الوجود شيء مغاير له, كما تتعارض الماهيات المتناهية؛ لذا يذهب ميله بذاته إلى الوجود. فالممكن الذي هو الله موجود بمحض كونه ممكنًا، والإمكان والوجود شيء واحد فيه. ج- الله خالق المونادات: "إن الله، إذ يدير -إن جاز هذا التعبير- على جميع الجهات وجميع الأنحاء النظام الكلي للظواهر, الذي يرى من الخير أن يحدثه ليعلن مجده، وإذ ينظر إلى جميع وجوه العالم على جميع الأنحاء الممكنة, من حيث أن ليس هناك من علاقة تغيب عن علمه الكلي، فنتيجة كل نظرة إلى العالم من جهة معينة جوهر يعبر عن العالم طبقًا لهذه النظرة". والله حافظ المونادات, لقد ظن ديكارت أن ليس بين آنات الزمان ارتباط ضروري، فاعتبر الحفظ خلقًا متجددًا، ولكن الخلق ينقل المخلوق من الإمكان إلى الوجود والحفظ يحفظ عليه الوجود المستمر؛ لأن المخلوق متعلق بالعلية الإلهية على

стр. 134

الدوام. والله هو العلة الوحيدة "كما هو الحال عند مالبرانش وسبينوزا" من حيث إن المونادات لا تتفاعل، وإن فعلها "نشر" المطوي فيها. فالاتجاه واحد عند الفلاسفة الثلاثة، وهو اتجاه إلى وحدة الوجود. د- هل كان الخلق فعلًا ضروريًّا؟ رأى سبينوزا أنه ليس يمكن أن تصدر أفعال الله اعتسافًا فأخضعها للضرورة؛ ورأى ديكارت أن ليس يمكن أن يكون الله خاضعًا للضرورة فأطلق له الحرية. ولكن يجب التمييز بين الحقائق الضرورية والحقائق الممكنة. أما الأولى فليست تابعة للإرادة الإلهية، إذ لو كانت العدالة "مثلًا" وضعت اعتسافًا ومن غير سبب، لما بدت في ذلك طبيعة الله وحكمته، ولما كان هناك ما يلزمه بالعدالة من حيث إنه يستطيع أن يغيرها. وأما القضايا الممكنة فتابعة للضرورة الأدبية التي تقوم في اختيار الأحسن، وهي وسط بين الضرورة المطلقة والحرية المطلقة، نتبينها في إرادتنا تميل بها ولا تضطرها، وهي الضرورة الخاصة بمبدأ السبب الكافي، والممكنات، وإن كان كل منها على حدة ممكنًا في ذاته، ليست ممكنة كلها بعضها مع بعض؛ ومن بين التأليفات الممكنة التي لا تحصى، يوجد بالضرورة التأليف الذي يحقق أكبر كمية من الماهية أو الإمكان، وهو هذا العالم الذي هو خير العوالم الممكنة، فخلقه الله من حيث إن الله لا يفعل شيئًا إلا بمقتضى حكمته الفائقة, فالتفاؤل لازم من حكمة الله وخيريته. هـ- وماذا نقول في الشر إذن؟ يجب التمييز بين أنواع ثلاثة للشر: الشر الميتافيزيقي وهو النقص بالإجمال، والشر الطبيعي وهو الألم، والشر الخلقي وهو الخطيئة، فأما الشر الميتافيزيقي فلا محيص عنه، إذ إن النقص والحد والعدم ملازمة للموجود المتناهي، ولكن إذا ذكرنا أن الله لم يخلق أي مخلوق إلا وقد لحظ مكانه في الكل، وأنه خلق خير العوالم الممكنة، لزم أن كل مخلوق فهو حاصل في كل آن على ما يحق له من كمال بالإضافة إلى الكل؛ وإنما تبدو لنا الأشياء أقل كمالا مما كان يمكن أن يكون؛ لأننا لا ندركها إلا مفرقة وهذا خطأ وقع فيه بيل. وثمة خطأ آخر وقع فيه، هو اعتبار الله علة الشر، وقد قلنا: إن الشر الميتافيزيقي حد وعدم، وليس يقتضي العدم علة. وأما الشر الطبيعي أو الألم فيفسر بأنه نتيجة للشر الميتافيزيقي أو للشر الخلقي، آتية من

стр. 135

أن لنا جسمًا وهذا خير، وأن الأجسام الطبيعية مترابطة، وهذا خير أيضًا, وأن الخطيئة تستحق العقاب، على أن الألم قد يكون إنذارًا باجتناب ضرر، أو وسيلة لاكتساب ثواب, فيكون سببًا للخير. وعلى كل حال ليست الشرور من الكثرة والخطورة على ما يقوله المتشائمون, إنها لتعد كمية مهملة بالقياس إلى الخيرات في الحياة الإنسانية وفي جملة لعالم، ويمكن التغلب عليها بالعقل والمران. وأما الشر الخلقي فعلته القريبة حرية الإنسان التي هي في ذاتها خير عظيم، فهو ليس محتومًا, وليس يريده لله بإرادة سابقة، بل إنما يسمع به كجزء من العالم الذي هو خير العوالم الممكنة، من حيث إن الله لا يقرر خلق الأشياء مفردة. فما على الإنسان إلا أن يحسن استعمال الحرية، وما منحنا الحرية إلا لنحسن استعمالها. هذا إلى أن الشر الخلقي نفسه قد يكون سببًا لخير أعظم، فلولا خيانة يهوذا لما كان المسيح صلب وخلص البشر. فالخير والتناسق والنظام صفات ظاهرة في مملكة الطبيعة, وهي أظهر وأعظم في مملكة النعمة أو مدينة الله التي تضم الأرواح العاقلة الأخلاقية. في مملكة النعمة الله ملك أو بالأحرى أب؛ وفي مملكة الطبيعة الله صانع يدبر بقوانين آلية. فالتفاؤل يؤخذ بنوع خاص من اعتبار النظام الخلقي ومملكة النعمة. ٥٧ - الأخلاق والدين: أ- يتبين النظام الخلقي من جملة إدراكاتنا المتميزة، فإنها هي المطابقة لطبيعتنا وطبيعة الوجود. فواجبنا أن نتوقف عن العمل بناء على إدراكاتنا المختلطة، فما الخطيئة إلا الفعل الصادر عن إدراك ناقص. وواجبنا أن نروض النفس على العمل بناء على إدراك متميز, بل إن واجبنا الأول العمل على اكتساب الإدراكات المتميزة أي: القواعد الكلية، فإننا بذلك نحقق كمال عقلنا الذي هو ماهيتنا ونحصل على سعادتنا الحقة التي هي الغبطة العقلية. والإدراك المتميز يبعث على العمل, وكلما تعمقناه وجلوناه زاد تعلقنا بالخير, في حين أن الجهل سبب انحرافنا عن الطريق القويم، وأن مجرد ترديد القواعد الكلية عقيم لا يثير فينا ميلًا إليها. وكلما اتسع مجال إدراكنا المتميز قوي شعورنا بعلاقتنا بإخواننا في الإنسانية وبالله. ومن ثمة كلما ازددنا كمالا اغتبطنا

стр. 136

بخير الآخرين وكمالهم وأحببناهم، إذ إن المحبة هي الاغتباط بسعادة الغير. وتجد المحبة موضوعها الاقصى في الله الموجود الفائق الكمال، فهو خيرنا وكمالنا، وباغتباطنا بكماله نكمل نفوسنا, وهذه ماهية الدين الطبيعي. ب- أما الأديان الوضعية فتقليد للتقوى الحقة مفيد للجمهور, طقوسها تقليد للأفعال الفاضلة، وعقائدها ظل الحقيقة. وبالرغم من هذا النقص، هي ممدوحة إذا عاونت على الارتفاع من الحياة الحسية إلى الحياة الروحية، ومذمومة إذا صرفت عن هذه الغاية. ومن هذه الوجهة خير الديانات الوضعية هي المسيحية، وليس بصحيح أن عقائدها معارضة للعقل. ج- بهذه الآراء يتابع ليبنتز العقلية الحديثة ولا يزيد عليها شيئًَا, ولكنه يعد زعيمًا اتصل أثره إلى اليوم في نواحٍ أخرى؛ فهو قد بين المذهب العقلي تبيينًا منطقيًّا ومضى معه إلى نتائجه المحتومة، وأهمها نظريته في الحرية، فكان أشد استمساكًا من ديكارت بمبدئهما المشترك وأدق تطبيقًا له؛ وهو أعظم مؤسسي المنطق الرياضي الذي تقدم في عصرنا تقدمًا كبيرًا؛ وهو مؤسس الروحية التصورية على نحو أكثر جرأة ووضوحًا من مالبرانش؛ وإلى فلسفته ترجع النظرية الفيزيقية العصرية المسماة دينامزم، أي: نظرية الطاقة، والتي ترد الأجسام إلى "مراكز قوة" أو كهرباء.

стр. 137

الفصل الثامن: جون لوك " ١٦٣٢ - ١٧٠٤ " ٥٨ - حياته ومصنفاته: أ- هو أحد كبار ممثلي النزعة التجريبية الإنجليزية. جاء بعد هوبس وبيكون وكان أعمق منهما في توضيح المذهب الحسي والدفاع عنه؛ فاستحق أن يدعى زعيمه في العصر الحديث، ولئن كانت النزعة التجريبية الخاصة بإنجلترا، ظاهرة في تفكيرها منذ العصر الوسيط، فمن الحق أن يذكر أن لإنجلترا نزعة روحية أفلاطونية اتصلت منذ العصر الوسيط كذلك، ووجدت لها ملجأ في منتصف القرن بجامعة كمبردج, بينما كانت جامعة أكسفورد تحافظ على المدرسية الأرسطوطالية. ومن ممثلي هذه الأفلاطونية اللورد بروك الذي سقط قتيلًا في الخامسة والثلاثين " ١٦٤٣ " وهو يناضل في سبيل البرلمان. وهو يذهب في كتابه "ماهية الحقيقة" " ١٦٤١ " إلى أن التجربة لا توفر لنا المعرفة الحقة، وأن العقل حاصل منذ الأصل على المعاني العليا الضرورية للعلم والأخلاق، فإن العلم يرتفع بالفعل فوق الحس، كما يشهد نظام كوبرنك مثلًا، وأن الأخلاق تدور على ما يجب أن يكون لا على ما هو كائن. ويصطنع بروك وحدة الوجود، ويقول: إن العقل لا يجد اطمئنانه النهائي إلا بمعرفة العلة الأولى للموجودات، وإن كل كثرة وكل علاقة وزمانية ومكانية ما هي إلا مظهر، وإن معرفتنا وحدة الموجودات في الله تبرئنا من الحسد, وتعلمنا أن في سعادة القريب سعادتنا. فمعارضة لوك للمذهب العقلي ولنظرية المعاني الغريزية، على ما سنرى، تتجه إلى هذه المدرسة كما تتجه إلى ديكارت ومدرسته. ب- ولد جون لوك بالقرب من بريستول، وكان أبوه محاميًا خاض غمار الحرب الأهلية دفاعًا عن البرلمان، فنشأ الابن على حب الحرية، وظل

стр. 138

متعلقًا بها إلى آخر حياته. ودخل أول أمره في مدرسة وستمنستر ومكث بها ست سنين يتلقى اللغات القديمة، إذ لم يكن يشتمل البرنامج على العلوم الطبيعية إلا قليلًا من الجغرافيا. ولما بلغ العشرين دخل أكسفورد وقضى بها ست سنين يتابع الدراسات المؤدية إلى الكهنوت، ولكنه لم يتذوق الفلسفة المدرسية، ولم يهتم بالفلسفة إلا حين قرأ ديكارت وجساندي، وبدا له أن الوجهة الأخلاقية من الدين أجدر بالعناية من الوجهة الاعتقادية. فولى وجهه شطر الطب ودرسه دون أن يتقدم للدكتوراه، وفي ١٦٦٦ اتصل باللورد أشلي الذي صار فيما بعد كونت شفتسبري ومن أعاظم السياسيين في عصره، فكان كاتبه وطبيبه مدة ثلاث سنين. في ذلك الوقت نشر رسالة صغيرة "في التشريح" " ١٦٦٨ " وانتخب عضوًا بالجمعية الملكية، ثم نشر رسالة أخرى "في الفن الطبي" " ١٦٦٩ " حيث يعلن أن النظريات العامة تقف سير العلم، وأن لا فائدة إلا في فرض الجزئي الموجه إلى إدراك العلل الجزئية, فيبين بذلك عن اتجاهه التجريبي. ج- واضطره النزاع بين حزب البرلمان وتشارلز الأول إلى مغادرة إنجلترا، فقصد إلى فرنسا مرتين " ١٦٧٢، ١٦٧٥ - ١٦٧٩ " حيث كان معظم إقامته بمونيلبي؛ ثم إلى هولندا " ١٦٨٣ " حتى نشوب ثورة ١٦٨٨، فعاد إلى وطنه في السنة التالية، فعرض عليه الملك الجديد السفارة لدى ناخب براندبورج، فطلب إعفاءه منها بسبب حالته الصحية، وقبل منصبًا آخر هو قوميسيرية التجارة والمستعمرات؛ ثم اعتزل الخدمة. في هذا الشطر الثاني من حياته ساهم في جميع الحركات الفكرية التي كان يضطرب بها عصره، وصنف فيها كتبًا، هي: رسالة "في الإكليروس" و"خواطر في الجمهورية الرومانية" و"لا ضرورة لمفسر معصوم للكتب المقدسة" و"في التسامح" و"في الحكومة المدنية" و"معقولية المسيحية" و"اعتبارات في نتائج تخفيض الفائدة وزيادة قيمة النقد" و"خواطر في التربية" يحبذ فيها طرائق, هي التي اتبعها أبوه في تربيته. د- أما الفلسفة فقد اتجه إليها فكره في شتاء ١٦٧٠ , ١٦٧١ على إثر مناقشات مع بعض أصدقائه لم يوفقوا فيها إلى حل المسائل التي أثاروها، ففطن إلى أنه يمتنع إقامة "مبادئ الأخلاق والدين المنزل إلا بعد الفحص عن كفايتنا

стр. 139

والنظر في أي الأمور هو في متناولنا وأيها يفوق إدراكنا". وهكذا نبتت عنده فكرة البحث في المعرفة, فوضع لفوره رسالة "في العقل الإنساني" يرجع فيها معانينا جميعًا إلى معانٍ بسيطة مستفادة من التجرية، ثم عكف على الموضوع يخصص له أوقات فراغه مدة تسع عشرة سنة حتى أتم كتابه الشهير "محاولة في الفهم الإنساني" " ١٦٩٠ " والكتاب مقسم إلى أربع مقالات: الأولى في الرد على نظرية المعاني الغريزية، والثانية في تقسيم المعاني بسيطة ومركبة وبيان أصلها التجريبي؛ والمقالة الثالثة في اللغة ووجوه دلالة الألفاظ على المعاني وتأثير اللغة على الفكر، ومعارضة الفلسفة المدرسية باعتبارها فلسفة لفظية، وإبطال حقيقة معاني الأنواع والأجناس؛ والمقالة الرابعة والأخيرة في المعرفة، أي: في اليقين الميسور لنا، فتبحث في قيمة المبادئ الأخلاقية، وفي علمنا بوجودنا، ووجود الله، وبوجود الماديات، وفي العقل والدين. والمقالة الأولى هي القسم السلبي من الكتاب؛ والمقالات الثلاث التالية هي القسم الإيجابي أي: عرض المذهب التجريبي المبطل لنظرية المعاني الغريزية، وقد دون لوك هذه المقالات أولا لتوقف المقالة الأولى عليها، بمعنى أن القارئ يقبل هذه المقالة بسهولة أكثر إذا ما رأى كيف يستطيع العقل أن يكتسب معارفه، كما يقول المؤلف نفسه "م ٢ ف ١ ". وطبع الكتاب ثانية سنة ١٦٩٤ بزيادات كثيرة وتعديلات, وترجم إلى الفرنسية ونشرت الترجمة سنة ١٧٠٠ بعد أن راجعها المؤلف وأضاف إليها وأصلح منها. هـ- على أن بضاعته الفلسفية ضئيلة سطحية، وأسلوبه يبين عن شيء كثير من السذاجة؛ من شواهد ذلك أنه يكثر من التمثيل، ويسهب في تفصيل الأمثلة كأنها المقصود بالذات، ويسخر مما لا يعرف فتجيء سخريته ثقيلة جدًّا. استمع إليه يقول في حملته على القياس: "لو وجب اعتبار القياس الأداة الوحيدة للعقل والوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحقيقة، للزم أنه لم يوجد أحد قبل أرسطو يعلم أو يستطيع أن يعلم شيئًا ما بالعقل، وأنه لا يوجد منذ اختراع القياس رجل بين عشرة آلاف يستمتع بهذه الميزة. ولكن الله لم يكن ضنينًا بمواهبه على البشر إلى حد أن يقنع بإيجاد مخلوقات ذوات قدمين، ويدع لأرسطو العناية بجعلهم مخلوقات عاقلة "م ٤ ف ١٧ فقرة ٤ ". ثم يردد الأقاويل المتداولة

стр. 140

بين الشكاك والحسيين منذ عهد قديم من أن قواعد القياس ليست هي التي تعلم الاستدلال، وأن القياس لا يفيد في كشف الخطأ في الحجج ولا في زيادة معارفنا. فلم يميز لوك بين المنطق الفطري الموفور للناس وبين المنطق العلمي الذي وضعه أرسطو، ولم يميز بين العلم الناقص الصادر عن المنطق الفطري وبين العلم الكامل المحقق بقواعد المنطق العلمي، ولم يدرك حقيقة القياس، وفاتته أمور أخرى كثيرة، وهو مع ذلك يجزم فيها جميعًا. ٥٩ - أصل المعاني: أ- أول ما يصنع لوك في كتابه "محاولة في الفهم الإنساني" هو أنه ينحي المذهب الغريزي من طريقه لكي يعرض المذهب الحسي أو التجريبي. وهو يظن أن الغريزية تعني وجود معان صريحة وقضايا صريحة في الذهن منذ الميلاد، ولم يقل ديكارت وليبنتز شيئًا مثل هذا؛ وهو يظن كذلك أن الغريزية تدع مجالًا واسعًا للتقدير الشخصي ما دامت معرفة باطنة، فلا يريد أن يتركها تعبث بنظرية المعرفة وتنكر وجود الله، وهما الأمران الضروريان لاتفاق العقول وطمأنينتها، ومع أن ديكارت وليبنتز كانا يعلمان الفرق بين الذاتي والموضوعي، وكان كلاهما يقيم مذهبه على وجود الله، غير أن لوك يصيب الحق في المعرفة الإنسانية حين يقول: "لكي نحصل على معرفة صادقة يجب أن نسوق الفكر إلى الطبيعة الثابتة للأشياء وعلاقاتها الدائمة، لا أن نأتي بالأشياء إلى فكرنا". وتبعًا لهذا المبدأ يعتقد أن المذهب الحسي هو المذهب الوحيد الممكن، ويشرع في دحض النظرية الغريزية فيقول ما خلاصته: ب- لو كان المذهب الغريزي صحيحًا لما كان هناك حاجة للبحث عن الحقيقة بالملاحظة والاختبار. إن ديكارت متفق مع مذهبه الغريزي حين "يغمض عينيه ويسد أذنيه" ويستبعد كل ما يأتي عن طريق الحواس، ولكنه يخالف مذهبه حين يعكف على دراسة التشريح ووظائف الأعضاء. ولو كانت المبادئ التي يذكرونها غريزة للزم أن توجد عند جميع الناس دائمًا, ولكن الأقلين من الناس، حتى من بين المثقفين، يعرفون المبادئ النظرية، مثل مبدأ الذاتية ومبدأ عدم التناقض. وما الفائدة من هذه المبادئ؟ لكي نحكم بأن الحلو ليس

стр. 141

المر، يكفي أن ندرك معنيي الحلو والمر فنرى فورًا عدم الملاءمة بينهما دون التجاء إلى المبدأ القائل: "يمتنع أن يكون شيء غير نفسه". كذلك ليست المبادئ العملية غريزية, إن هذه المبادئ، من أخلاقية وقانونية، تختلف من شعب إلى شعب ومن دين إلى دين؛ وإجماع فريق كبير من الناس على مبدأ ما دليل على أن المبدأ المقابل له ليس غريزيا، وما الضمير إلا "رأينا فيما نفعل" ولو كان الضمير دليلًا على وجود مبادئ غريزية لكانت هناك مبادئ غريزية مختلفة متعارضة من حيث إن كلا يصدر في فعله عن مبدأ. أليس المتوحشون يقترفون الكبائر ولا يبكتهم ضميرهم؟ وليس يعني هذا أن المبادئ الأخلاقية عرفية، كلا، إنها طبيعية، ولكنها مكتسبة، نتقبلها من بيئتنا ونألفها فتبدو غريزية "م ١ ف ٢ ". ويقول أصحاب المذهب الغريزي، ردا على الاعتراض بأن الأطفال والبله وجمهرة الأميين يجهلون هذه المبادئ جهلًا تامًّا: إن من الممكن أن تكون المعاني والمبادئ في النفس دون أن تكون مدركة, ولكن كيف تكون هذه المعاني والمبادئ غير مدركة؟ إن وجود المعنى في النفس هو إدراكه؛ فقولهم يرجع إلى أن المعاني موجودة في النفس وغير موجودة فيها، كأنهم يقولون: إن الإنسان جائع دائمًا ولكنه لا يحس الجوع دائمًا. فواضح من هذا أن لوك لا يريد أن يعترف بالوجود بالقوة وباللاشعور، مع أن الذاكرة دليل ساطع عليهما. ج- متى بطل المذهب الغريزي وجب تفسير آخر للمعرفة. والحق عند لوك أن النفس في الأصل كلوح مصقول لم ينقش فيه شيء، وأن التجربة هي التي تنقش فيها المعاني والمبادئ جميعًا. والتجربة نوعان: تجربة ظاهرة واقعة على الأشياء الخارجية، أي: إحساس؛ وتجربة باطنة واقعة على أحوالنا النفسية، أي: تفكير "ولوك يفضل لفظ تفكير على لفظ شعور". وليس هناك مصدر آخر لمعانٍ أخرى "م ٢ ف ١ ". ودراسة اللغة تؤيد هذا الرأي؛ فإن الألفاظ في الأصل تدل على جزئيات مادية، ثم نقلت بالتدريج على ضربين: أحدهما من الجزئيات إلى الكليات بملاحظة التشابه وإسقاط الأعراض الذاتية، والضرب الآخر من الماديات إلى الروحيات بالتشبيه والمجاز. فألفاظ التخيل والإحاطة والتعلق والتصور والاضطراب والهدوء وما إليها، أخذت أولًا من الماديات، ولفظ

стр. 142

النفس معناه الأصلي النفس، وهكذا، بحيث "لا يوجد في العقل شيء إلا وقد سبق وجوده في الحس" "م ٢ ف ٢ ". وإن لوك لعلى حق في قوله هذا، وليس في وسع الغريزيين أن يدلونا على معنى واحد من معاني المجردات والروحيات مطابق لموضوعه, ومسمى رأسًا من موضوعه. وإذا أضفنا إلى هذه العبارة المشهورة ما أضافه ليبنتز بقوله: "إلا العقل نفسه" أصبنا الحقيقة الكاملة في المعرفة الإنسانية, ولكن لوك لا يقبل هذه الإضافة, ويزعم أن المعرفة كلها تفسر بالحس وحده على النحو الآتي: د- معانينا طائفتان: معانٍ بسيطة مكتسبة بالتجربتين الظاهرة والباطنة، ومعانٍ مركبة ترجع إلى التفكير, أما المعاني البسيطة فطوائف ثلاث: أولاها المعاني المحسوسة بالحواس الظاهرة، مثل قولنا: بارد صلب أملس خشن مر امتداد شكل حركة؛ والطائفة الثانية المعاني المدركة باطنًا، وهي التي ترجع إلى الذاكرة والانتباه والإرادة؛ والطائفة الثالثة المعاني المحسوسة والمعاني المدركة باطنًا معًا، مثل معاني الوجود والوحدة والدوام والعدد واللذة والألم والقدرة "م ٢ ف ٧ ". اللذة والألم يصاحبان جميع معانينا الظاهرة والباطنة تقريبًا؛ والوجود والوحدة معنيان يمكن أن يثيرهما فينا كل إحساس خارجي وكل فكرة نفسية؛ والدوام معنى ينشأ من ملاحظة الزمن الذي يقضي بين معانينا في تعاقبها؛ وينشأ معنى العدد من تكرار الوحدة؛ ونشعر بالقدرة حين نفعل، وما الفعل الحر إلا الفعل نفسه، فإذا لم نقدر على الفعل لم نكن أحرارًا، إذ لا معنى للاعتقاد بالقدرة دون الفعل، وما اعتقادنا بالحرية إلا اعتقاد بإمكان تكرار فعل سابق لمجرد كون هذا الفعل قد سبق. وهكذا تفسر جميع المعاني التي من هذا القبيل، فإن النفس في إدراكها منفعلة تسجل الواقع. هـ- أما المعاني المركبة فالنفس فيها فاعلة؛ إذ إنها هي التي تصنعها. وهذه المعاني طائفتان: طائفة تؤلف فيها النفس المعاني البسيطة في معنى شيء واحد، مثل معنى الذهب أو معنى الإنسان، وطائفة تؤلف فيها النفس المعاني البسيطة بحيث تمثل مع ذلك أشياء متمايزة، مثل معاني الإضافة بالإجمال، كمعنى البنوة يجمع بين معنى الابن ومعنى الأب؛ وكمعنى العلة يجمع بين معنى شيء موجد ومعنى شيء موجد منه، والأصل في هذا أن تعاقب الظواهر يخلق بينها علاقات

стр. 143

في الذهن تحملنا على اعتقاد أنه إذا وضعت ظواهر معينة وقعت ظواهر معينة، ولكن هذا الاعتقاد ذاتي بحت، وليس للعلية من معنى سوى هذا التوقع الذتي، وكمعنى اللامتناهي، سواء أضيف لله أو للزمان أو للمكان، فقد ظنه ديكارت بسيطًا وهو مركب مكتسب بإضافة الكمية المحدودة المعلومة بالتجربة إلى مثلها وهكذا إلى غير نهاية؛ وكمعنى التشابه، ومعنى التغاير ... إلخ "م ٢ ف ١٢ ". والطائفة الأولى تنقسم بدورها إلى قسمين: قسم يشمل معاني الأعراض, وهي معاني الأشياء لا تتقوم بأنفسها, كالمثلث أو العدد, وقسم يشمل معاني الجوهر، وهي معاني أشياء تتقوم بأنفسها، كالإنسان. وتنقسم الأعراض إلى أعراض بسيطة، وهي المركبة من معنى بسيط واحد مع نفسه، كالعدد المركب من تكرار الوحدة، والمكان والزمان المركبين من أجزاء متجانسة؛ وإلى أعراض مختلطة، وهي المركبة من معان بسيطة متنوعة, مثل معنى الجمال المركب من لون وشكل يحدثان سرورًا في الرائى، ومعاني القتل والواجب والصداقة والكذب والرياء. ووللتركيب ثلاث طرائق: المضاهاة والجمع والتجريد. أما المضاهاة فتكون المعاني المندرجة تحت اسم الإضافة, وأما الجمع فهو التأليف بين المعاني البسيطة, وأخيرًا التجريد وهو الانتباه إلى الخصائص المشتركة بين الجزئيات وفصلها عن الخصائص الذاتية لكل جزئي، فنحصل على معانٍ كلية ندل على كل منها بلفظ واحد يغنينا عن ألفاظ لا تحصى للدلالة على كل جزئي، كما يغنينا عن حفظ صور الجزئيات وهي لا تحصى كذلك "م ٣ ف ٦ و ٧ ". فالمعنى الكلي معنى ناقص يحتوي على بعض خصائص الشيء دون بعض، وكلما كان أكثر كلية كان أكثر نقصًا. فمعنى الجنس جزء من معنى النوع، ومعنى النوع جزء من معنى الفرد, فالمعنى الكلي من صنع الفكر لا يقابله في الخارج "صورة" ثابتة كما يظن المدرسيون "م ٣ ف ١١ ". أجل, إن الطبيعة تحدث أشياء متشابهة، والفكر يكون معانيه الكلية بمناسبة المشابهات، ولكن المعاني الكلية خلاصات لما نعرف من كيفيات الأشياء، فكلما تغيرت المعرفة تغيرت الأنواع "م ٣ ف ٦ " والأشياء خاضعة للتغير، فكلما تغيرت الأنواع تغيرت المعرفة.

стр. 144

٦٠ - الفكر والوجود: أ- بعد هذا التحليل تأتي مسألة قيمة المعرفة: هل لمعانينا مقابل في الوجود؟ وهل توجد جواهر مقابلة للظواهر؟ يقول لوك: "من البين أن الفكر لا يدرك الأشياء مباشرة، بل بوساطة ما لديه عنها من معانٍ, فكيف يعلم الفكر أن معانيه مطابقة للأشياء؟ " "م ٤ ف ٤ ". ونقول: بل كيف يعلم أن هناك أشياء؟ هذا موقف ورثه لوك عن ديكارت، ولكنه لم يقدر المسألة حق قدرها ولم يشك قط في وجود عالم خارجي، وبعد أن وضع الحقيقة في صحة لزوم العلاقات بين المعاني بالاستدلال، عاد فجعل الحقيقة في المطابقة بين المعاني والأشياء. والمراد المعاني البسيطة؛ لأن المعاني المركبة عبارة عن نماذج يصنعها الفكر ويتأملها كما تقدم. وبعد أن نقد معنى الجوهر عاد فقال بوجود جواهر غير مدركة في أنفسها هي: النفس والله والمادة. ونقده للجوهر يرجع إلى أنه معنى مركب؛ ذلك أن الفكر يلاحظ تلازم معان بسيطة مكتسبة بحواس مختلفة، فيعتاد اعتبار هذا المجموع شيئًا واحدًا، ويطلق عليه اسمًا واحدًا كالإنسان والفرس والشجرة، ويتوهم أن هناك أصلا تقوم فيه الكيفيات؛ لأنه لا يدرك كيف يمكن لهذه المعاني البسيطة أو الكيفيات أن تقوم بأنفسها "م ٢ ف ٢٣ ". وهذا يعني أن لوك يظن القائلين بالجوهر يريدون به موضوعًا عاطلًا من الكيفيات مخفيًّا تحتها، والواقع أن الكيفيات عندهم كيفيات الموضوع وأن التمييز بينه وبينها تمييز ذهني له أصل في حقيقة الأشياء هو أن الأشياء تتقلد كيفيات مختلفة مع بقائها هي هي بالماهية. على أن لوك يعتقد بوجود الجوهر كما ذكرنا، ويقول: لو استطعنا إدراكها لأدركنا ائتلاف الكيفيات، ولكننا لا نستطيع لأن معرفتنا مقصورة على الإحساس والتفكير. ب- فالنفس مجموع معانٍ بسيطة مدركة بالتفكير، والأنا هو هذا الشيء المفكر المدرك لأفعاله، ووجوده موضوع حدس باطن لا يتطرق إليه شك ولا يحتاج إلى دليل, وجهلنا بجوهر النفس لا يخولنا الحق في إنكار وجودها. بيد أن لوك لا يريد أن يقول: إن "الذاتية الشخصية" تقوم في ذاتية النفس أي: بقائها هي هي، ولكنه يردها إلى ذاتية الشعور بالأنا الذي يتذكر

стр. 145

الآن فعلًا ماضيًا "م ٢ ف ٢٧ ". غير أن هذا وصف لشعورنا بالشخصية، وليس تفسيرًا لإمكان الذاكرة والشخصية. أليس التذكر يستلزم بقاء الأنا الذي يتذكر هو هو؟ هذه مسألة يراها لوك مجاوزة لدائرة التجربة البحتة, فلا يريد أن يعرض لها. كذلك يفعل في مسألة ما إذا كان الأنا روحيًّا أو ماديًّا، بسيطًا أو مركبًا، وهذه مسألة تقتضي حل مسألة أخرى هي ما إذا كانت المادة تستطيع أن تفكر أو لا تستطيع، ولا سبيل إلى حلها لأننا نجهل جوهر المادة كما نجهل جوهر النفس. فليس بوسعنا أن نتأكد إن كانت قوة التفكير تلائم طبيعة المادة أو لا تلائمها، وقد يكون الله كون جسمًا ما بحيث يقدر أن يفكر ونحن لا ندري. ج- والله موجود، ولكن ماهيته مجهولة لا يستطيع عقلنا أن يعينها. ولسنا نؤمن بوجود الله بناء على معنى غريزي، بل بناء على برهان. إن المعنى الغريزي معدوم بالمرة عند الذين يقولون: إنهم ملحدون، وعند بعض القبائل المتوحشة وهو إن وجد عند العامة, فإنه مشبع بالتشبيه ولا يطابق حقيقة الله. فلو كان في النفس معنى غريزي عن الله لآمن بالله جميع الناس وتعقلوه كما هو, وليس بصحيح أن معنى اللانهاية سابق على معنى النهاية كما يدعي ديكارت، وإنما اللانهاية معنى معدول، ونحن نتصور لانهاية الله عددًا غير محدود من أفعال الله بالإضافة إلى العالم، ونتصور سرمدية الله زمانًا غير محدود، أي: إن تصورنا اللانهاية ليس تصور لانهاية متحققة بالفعل، وإنما هو تصور تدرج لانهاية له، وإن كانت اللانهاية الإلهية في ذاتها شيئًا آخر يفوق تصورنا وكفايتنا المحدودة. أما البرهان على وجود الله فهو أن الموجود الحادث الذي هو أنا يستلزم موجودًا سرمديًّا كلي القدرة، وعاقلًا أيضًا من حيث إنه خلق في العقل، وخالق المادة من حيث إنه خلق نفسي، وإن خلق المادة أيسر من خلق النفس. وهذا البرهان برهان على وجود الله وعلى ماهيته في آن واحد دون حاجة إلى معنى غريزي. ولكن لوك يعول على مبدأ العلية، وهو عنده مركب بفعل النفس غير موضوعي، ويتحدث عن العقل والمادة والنفس والسرمدية كما لو كان يدرك كنهها، وقد قرر أن عقلنا يجهل الكنه ولا يدرك سوى الظواهر, فهو يعود إلى فطرة العقل برغمه ودون أن يشعر.
следующие страницы →