← Прочие науки

Прочие науки · id 8646

تاريخ الفلسفة الحديثة

يوسف بطرس كرم

Полный текст (464 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الحية بعضها إلى بعض. فلا يمكن أن تنتهي الحالة الواقعية إلى وحدة مطلقة، كالله في الحالة اللاهوتية، وكالطبيعة في الحالة الميتافيزيقية. فالفلسفة الواقعية جملة القوانين المكتسبة فعلا بالتجربة, لا جملة قوانين الوجود. غير أننا إذا لم نستطع البلوغ إلى وحدة موضوعية، فبوسعنا أن نبلغ إلى وحدة ذاتية تقوم في تطبيق منهج واحد بعينه في جميع ميادين المعرفة، فننتهي إلى تجانس النظريات وتوافقها، ومن ثمة إلى علم واحد. فالمنهج الواقعي يحقق الوحدة في عقل الفرد، ويحققها بين عقول الأفراد، وهكذا تصير الفلسفة الواقعية الأساس العقلي للاجتماع. ومن هذه الوجهة تجد في معنى الإنسانية المقابل الوحيد الممكن لمعنى الله ولمعنى الطبيعة. وفي الحالة الواقعية الاتصال بين النظر والعمل أوثق منه في الحالتين الأخريين، إذ إن العلم بقوانين الظواهر يسمح بإيجاد الظواهر، بل إن الرغبة في هذا الإيجاد سبب يجعلنا ننتقل إلى هذه الحالة. "العلم لأجل التوقع وبقصد التدبير" ذلك شعار العلم الواقعي؛ لذا يقابل هذه الحالة الصناعة من جهة لكونها عبارة عن استغلال الإنسان للطبيعة، وعلم الاجتماع من جهة أخرى لكونه يكشف لنا عن وسائل التقدم. ولئن كانت الفلسفة الواقعية في غنى عن التفسيرات اللاهوتية والميتافيزيقية، إلا أنها لا تعارضها معارضة مباشرة، بل إنها تعترف باستحالة التدليل على عدم وجود الروحيات كما تقرر استحالة التدليل على وجودها، وبذا تتميز من المذهب الحسي المعروف أو المذهب المادي الذي ينكر الروحيات إنكارًا. ١٤٤ - مذهبه ٢ - تصنيف العلوم: أ- الفلسفة الواقعية جملة العلوم الواقعية. ويذكر كونت ستة علوم أساسية مرتبة هكذا: الرياضيات، علم الفلك، علم الطبيعة، علم الكيمياء، علم الحياة، علم الاجتماع. هذه العلوم مكتسبة بالاستقراء حتى الرياضيات, فإنها إنما تعتبر علمًا عقليًّا بحتًا لأن موضوعها من البساطة بحيث نغفل عادة أصله الاستقرائي، ولكن ليس هناك علم عقلي بحت. ومبدأ هذا التصنيف تزايد التركيب وتناقص الكلية، أي: النسبة العكسية بين المفهوم والماصدق، فكلما كان المفهوم بسيطًا كان الماصدق واسعًا، والعكس بالعكس. وهذا التصنيف

стр. 317

هو أيضًا تصنيف تعقل متناقص وتجربة متزايدة، أي: كلما نزلنا درجة قَلَّ مجال العقل البحت وازداد شأن التجربة. فالرياضيات في رأس الجدول لا تتبع علمًا آخر ويتبعها باقي العلوم؛ لأن موضوعاتها وقوانينها أكثر بساطة وكلية؛ وعلم الاجتماع في آخر الجدول يتبع سائر العلوم ولا يسيطر على علم؛ لأن موضوعاته وقوانينه أكثر تعقدًا وتخصصًا؛ وبالنزول من الرياضيات إلى علم الاجتماع نرى التركيب يتزايد والكلية تتناقص؛ وذلك لأن الرياضيات لا تنظر لغير الكم المجرد، وهو أبسط الأشياء وأقلها تعيينًا؛ فيضيف إليه علم الفلك معنى القوة فيدرس الأجسام الحاصلة على قوة جاذبة وهي الأجرام السماوية؛ وعلم الطبيعة يضيف الكيف إلى القوة فيدرس القوى المتمايزة بالكيف، كالحرارة والضوء؛ وتضيف الكيمياء الخصائص الملازمة لكل نوع كيميائي من الأجسام؛ ويضيف علم الحياة إلى المادة اللاعضوية التركيب العضوي والظواهر الخاصة به؛ ويضيف علم الاجتماع ما ينشأ بين الأحياء من روابط مستقلة عن تركيبها. ولئن كانت جميع العلوم محصلة بمنهج واحد كما سبق القول، فإن هذا المنهج يتعدل في كل علم تبعًا لموضوع هذا العلم: فالرياضيات، أو بالأحرى الحساب؛ لأنه أكثر بساطة وكلية من الهندسة والميكانيكا، يتضمن شروط العلم بالإطلاق أي: جميع أنواع التحليل والاستدلال، بحيث تعود العلاقات الرياضية فتظهر في العلاقات المعقدة, وهذا وجه التجانس ين العلوم؛ وعلم الفلك يعلمنا فن الملاحظة، فإنه يراجع بالاستقراء فروضًا يضعها بالقياس؛ ويعلمنا علم الطبيعة فن التجربة، وتعلمنا الكيمياء فن التصنيف، ويعلمنا علم الحياة الطريقة المقارنة، ويعلمنا علم الاجتماع الطريقة التاريخية. وكلما كان موضوع العلم بسيطًا كليًّا كانت الطريقة القياسية متقدمة فيه على الطريقة الاستقرائية. وأخيرًا: إن هذا الترتيب المنطقي مطابق لتدرج ظهور العلوم, أو بعبارة أدق: لتكونها تكونًا واقعيًّا، فإن الحالات الثلاث تبدو في تاريخ كل علم، فكلما كان موضوع العلم أعقد استغرق وقتًا أطول في اجتياز هذه المراحل. لذا كانت العلوم المجردة هي التي تبلغ أولًا المرحلة النهائية، ولا تبلغ إليها العلوم المشخصة إلا فيما بعد. ب- نلاحظ على هذا التصنيف أربع ملاحظات: الأولى: أنه يبدأ بالكم، وهناك معانٍ أكثر منه بساطة وكلية, هي المعاني المعروضة في المنطق والميتافيزيقا،

стр. 318

ولكن كونت لا يرى أن للعقل موضوعًا خاصًّا ولا مظهرًا إلا في موضوع، ويذهب في هذا السبيل إلى حد إنكار استخدام الإشارات في الرياضيات بدل الكميات, وإنكار حساب الاحتمالات لأنه عبارة عن إنكار فكرة القانون، وإنكار كل تفسير يجاوز المشاهد، مثل تفسير انتشار الضوء بالتموج أو غيره، وتفسير أصل الأنواع الحية بالتطور، وكل وجود لا يقع تحت الحس، مثل وجود الأثير أو الذرات، ويدعو كل هذا ميتافيزيقا؛ فهو يبتر من العلم مقدماته ومبادئه، ويقصي منه فروضا كثيرة نافعة. الملاحظة الثانية: أنه يجعل من الفلك علمًا أساسيًّا ويضعه في المحل الثاني، والواقع أن علم الفك يتقوم بالميكانيكا وعلم الطبيعة والكيمياء، فهو إذن علم تطبيقي تابع لهذه العلوم، ويجب أن ينزل عن مكانه لعلم الميكانيكا الذي يتخذ من الحركة موضوعًا له، وهي ظاهرة لا يمكن ردها إلى سواها، وهي بادية في جميع الظواهر الطبيعية. الملاحظة الثالثة: أنه لا يجعل مكانًا خاصًّا لعلم النفس، بل يقسم كونت دراسة الإنسان بين علم الحياة وعلم الاجتماع, حيث يدرس الإنسان في آثاره الخارجية، والواقع أن علم النفس يجيء بينهما متصلًا بالأول موصلًا للثاني. وينكر كونت إمكان ملاحظة النفس فيقول: إننا نلاحظ جميع الظواهر بالعقل، فبأي شيء نلاحظ العقل نفسه؟ لا يمكن قسمة العقل إلى قسمين؛ أحدهما يفكر والآخر يلاحظ التفكير. أما الانفعالات النفسية فتمكن ملاحظتها لأن لها عضوًا غير العقل. ومعنى هذا أن المادة لا تنعكس على نفسها، ولما كان العقل عند كونت وظيفة عضوية فهو لا ينعكس على نفسه ولا يعلم أفعاله، ولكن هذا الانعكاس وهذا العلم واقعان؛ وعلم النفس قائم, فالمنطق يقضي بأن ننكر عضوية العقل, وقديمًا استدل أرسطو على روحانية النفس بانعكاسها على ذاتها. الملاحظة الرابعة: أن كونت ينكر بذلك أصالة الظواهر النفسية، وأن جدوله إذ يحتم تبعية العلم الأدنى للعلم الأعلى، يحتم تبعية الظواهر النفسية والظواهر الاجتماعية للرياصيات, وهو لم يبين هذه التبعية, ولم يبين الفرق بينه وبين الماديين. فما المذهب الواقعي في حقيقة الأمر إلا المذهب المادي، مع استدراك متواضع بصدد الروحيات لا يبدو له أي أثر عملي.

стр. 319

١٤٥ - مذهبه ٣ - علم الاجتماع: أ- هذا العلم من إبداع أوجست كونت، وقد خصَّص له ثلاثة مجلدات من كتابه "دروس في الفلسفة الواقعية". دعاه Saciologie فذاع هذا الاسم وعرفه بأنه "العلم الذي يتخذ له موضوعًا ملاحظة الظواهر العقلية والأخلاقية التي بها تتكون الجماعات الإنسانية وتترقى". وكثيرًا ما يسميه بالعلم الاجتماعي الطبيعي Physique Saciale ليدل على منهجه الاستقرائي وليميز بينه وبين علم السياسة الذي ينهج نهجًا قياسيًّا ابتداء من فكرة الطبيعة الإنسانية, أو من غاية للدولة توضع أولًا. وهذا لا يمنع من أن يتضمن علم الاجتماع مسائل جوهرية من علم النفس والاقتصاد السياسي والأخلاق وفلسفة التاريخ. والعلم فيه لأجل العمل، فإننا -ولو أن الإنسانية تنمو طبقًا لقوانين ضرورية- نستطيع استعجال التقدم وتلطيف الأزمات بتوفير الظروف الملائمة، وذلك إما بتعديل ظروف الحياة المادية كالتربة الغذاء، أو بتعديل ظروف الحياة الاجتماعية بالأخذ عن حضارات مختلفة أو بتدبير حكومي. ويقسم أوجست كونت علم الاجتماع إلى قسمين؛ أحدهما الاجتماع الساكن S. statique يفحص عن الشروط الدائمة لوجود المجتمع أي: الأوضاع الملازمة له؛ والقسم الآخر S. dynamique يفحص عن قوانين نمو المجتمع أي: تطور هذه الأوضاع. والفكرة الأساسية في القسم الأول هي فكرة النظام، وفي القسم الثاني فكرة التقدم. والقسمان مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، إذ إن النظام والتقدم مترتبان الواحد على الآخر، وهذا ما تغفل عنه المدرسة الرجعية والمدرسة الثورية على السواء، الأولى تتمسك بالنظام، والثانية تدعو إلى التقدم. وليس هذا التقسيم خاصا بعلم الاجتماع، ولكنه مشترك بين العلوم؛ ففي الرياضيات تنظر الهندسة إلى العالم في حالة السكون، وتنظر إليه الميكانيكا في حالة الحركة؛ وفي عالم الجماد ينظر علم الطبيعة إلى القوى الطبيعية في حالة التوازن، وتنظر إليها الكيمياء في حالة الفعل؛ وفي عالم الحياة يدرس علم التشريح تركيب الأعضاء فيمثل السكون، ويدرس علم الفسيولوجيا وظائف الأعضاء فيمثل الحركة. ب- من وجهة الاجتماع الساكن, يجب أولًا الفحص عن أصل الاجتماع.

стр. 320

لا يمكن أن يكون هذا الأصل حسبان الفرد للربح الذي يعود عليه من العيش مع أمثاله، إذ إن الربح لا يبين إلا إذا حصل الاجتماع ومضى عليه وقت كافٍ. إنما الدافع إلى الحياة المشتركة غريزة مستقلة عن حساب الفرد، ونحن نرى العاطفة تسبق المعرفة في كل ميدان. على أن الأنانية أقوى في الأصل من هذه الغريزة الغيرية، ثم تخضع لها بنمو العقل والتعاطف، وإنما ينمو العقل والتعاطف بالحياة الاجتماعية. وإن الفلسفة الواقعية لتعاون على ذلك بتقريرها أن نمونا كله يتحقق في المجتمع وبوساطته. وحالما يوسع المرء عاطفته حتى تستوعب النوع الإنساني أجمع، يحصل على رضا حاجته للخلود بأن يعتبر بقاء النوع امتدادًا لحياته الخاصة. ومتى وجد المجتمع كان وحدة مؤلفة من أجزاء متفاعلة حتى إن أحدها لا يتغير إلا وتتغير أجزاء أخرى. أجزاء المجتمع أو شروط وجوده طائفتان: مؤسسات ووظائف، أي: شروط موضوعية وشروط ذاتية. ذلك أنه لما كان المجتمع لا يصير ممكنًا إلا بتغلب الغيرية، فقد مست الحاجة إلى ثلاث مؤسسات لتحقيق هذه الغلبة: فأولا ومن حيث الحياة المادية نجد الملكية شرطًا أساسيًّا، إذ إن المالك ينتج أكثر مما يستهلك فيدخر الفرق لفائدة الغير؛ وثانيًا ومن حيث الحياة الأخلاقية نجد الأسرة وهي الوحدة الاجتماعية وأوثق الجماعات حتى إن تسميتها اتحادًا أصح من تسميتها اجتماعًا، فيها تظهر البذور الأولى للاستعدادات التي تعين المجتمع، وفيها يتعلم الفرد أن يجاوز نفسه ويسود التعاطف على الغرائز الشخصية. فهي ضرورية كتمهيد بين الفرد والمجتمع من وجهين: أحدهما أنها تلائم ملاءمة طبيعية بين الطباع والأخلاق المختلفة الناشئة من استعدادات مختلفة, فإن الاجتماع يقتضي تنوع الأفراد واتفاقهم في آن واحد؛ والوجه الآخر هو أن الأسرة هي المدرسة التي تولد فيها العواطف الاجتماعية متمثلة في التضامن الذي يبدو في تعاون الوالدين على تربية البنين، وفي الطاعة تبدو في انصياع البنين لأوامر الوالدين الرامية إلى قمع الأنانية، وفي الاقتصاد يبدو في تدبير التراث العائلي احتياطًا للمستقبل. وثالثًا ومن حيث الحياة العقلية نجد اللغة وسيلة الاتصال بين الأفراد، فيشتركون في الأفكار والعواطف, ويؤلفون رأس مال عقلي كما تجمع الملكية رأس مال مادي. ومما تجب ملاحظته أن الصلة وثيقة بين الأفكار والأخلاق من جهة وبينها وبين المؤسسات من جهة أخرى، بحيث لا يسع أية

стр. 321

سلطة، رجعية كانت أو ثورية، أن تحصل على نتيجة ما بفرض مؤسسات مغايرة للأفكار والأخلاق السائدة، ولئن كانت المؤسسات مصدر تأثير في الأفكار والأخلاق، فإن هذا التأثير يقتضي فترة من الزمن هادئة، ويبدو خاصة في طفولة النوع الإنساني. وأما الوظائف فهي وجوه النشاط المقتضاة للحياة الاجتماعية. ومن هذه الوجهة نجد أن الخاصية الجوهرية لكل مجتمع هي تنوع الأعمال وتناسقها. ولهذه الخاصية أساس هو جملة القوى الاجتماعية من مادية وعقلية وخلقية؛ ولها مدبر هو السلطة، ولها رباط موحد هو الدين. فالقوة المادية تقوم على الكثرة والثروة، وتخص رجال الحرب ورجال الصناعة؛ والقوة العقلية ترجع إلى العلماء والكهنة؛ والقوة الأخلاقية مزية المرأة التي هي أكبر عامل على نمو العواطف الغيرية، إلا أن المرأة لا تزاول هذه القوة إلا في الأسرة بسبب ضعفها الطبيعي؛ والسلطة ضرورية لكل مجتمع؛ والدين ضروري كذلك، وسنتكلم عنه فيما بعد. ج- ومن وجهة الاجتماع المتحرك يمكن رد أقوال كونت فيه إلى أربعة قوانين: الأول قانون التطور نفسه؛ والثلاثة الأخرى خاصة بقوانا الثلاث وهي العقلية والعملية والعاطفية. فأما التطور فخاصية الإنسان لأنه من دون سائر الحيوان حاصل على قوى قادرة على التقدم المتصل. لكن تقدم الإنسانية لا يتجه نحو غاية مطلقة، والفلسفة الواقعية لا تعترف بالمطلق، بل نحو تكامل الحالات المكونة للحياة الاجتماعية، كما يتكامل الجنين بمروره بسلسلة معينة من الحالات وهذا التقدم في تاريخ الإنسانية ضروري مطرد، كما هو شأن كل قانون طبيعي، دون أن يصل أبدًا إلى الكمال المطلق. وأما قانون التقدم العقلي فهو قانون الحالات الثلاث المذكورة آنفًا. وعليه يتمشى التقدم العملي، فإن الحالة اللاهوتية تقابلها حالة عسكرية، وتقوم أهمية هذه الحالة فيما تطبع عليه الناس من نظام واطراد، وهما الشرطان الضروريان لكل كيان سياسي، وفيها تتركز القوى حول غايات مشتركة مسيسة الحاجة، وما كان إلا لقوة خارجية أن تكون الوحدة وتصونها, فالحرب هي التي تتيح النمو للمجتمع في مرحلته الأولى. وتستتبع الحرب الرق لضرورة اضطلاع الرقيق بالأعمال المادية كي يتوفر المحاربون على أعمالهم الحربية، ويقابل الحالة الميتافيزيقية فترة تئول فيها السلطة إلى الفقهاء, فيميلون بالحكم من

стр. 322

الملكية إلى الديمقراطية، وتتحول العسكرية من هجومية إلى دفاعية، ويضعف الروح العسكري شيئًا فشيئًا ويقوى روح الإنتاج، وتحاول الطبقة الوسطى التقدم إلى المحل الأول وتطالب بحقوق سياسية، ويحاول الفقهاء إيجاد التوازن بين الدعاوى المختلفة وهذه حالتنا الراهنة، وهي حالة انتقال غامضة مضطربة. ويقابل الحالة الواقعية الحالة الصناعية، يرجع فيها إلى القوى المنتجة تعيين نظام المؤسسات وتوزيع السلطات، فتحل المسائل الاجتماعية محل المسائل السياسية، ويسير العمال مع ميل الفلسفة الواقعية إلى تقديم الواجبات على الحقوق، حتى يتركز اهتمام الجميع في حل المعضلة الاجتماعية الكبرى التي هي توفير العمل والنمو الروحي للجميع. وأما قانون التقدم العاطفي فيمضي من الأنانية إلى شيء من الغيرية، ثم لا تزال الغيرية تتقدم حتى تسود سيادة تامة تمشيًا مع القانونين الآخرين. فاتحاد الأفراد في الأسرة، واتحاد الأسرة لأجل الحرب، وتعاون الجميع لأجل ازدهار الصناعة، تلك مراحل نمو الغيرية. د- هذا القانون الأخير صلب علم الأخلاق، ولم يكن كونت عالج هذا العلم إلا في الفصل الأخير من علم الاجتماع، ثم اقتنع بأهميته العظمى لتعزيز العاطفة الاجتماعية، واعتزم أن يجعل منه علمًا قائمًا برأسه يكون سابع العلوم الرئيسية، فيصير هو من ثمة أعقد العلوم، وتصير سائر العلوم أجزاء له. وفي رأيه أن المهمة التي يجب على الفلسفة الواقعية أن تعمل لها هي محو فكرة "الحق" الراجعة إلى أصل لاهوتي من حيث أنها تفترض سلطة أعلى من الإنسان، وحصر الأخلاق كلها في فكرة "الواجب" ذلك "الميل الطبيعي إلى إخضاع النزعات الذاتية لصالح النوع أجمع" بحيث يصير شعارنا "الحياة لأجل الغير". إن فكرة الواجب آتية من الروح الاجتماعي الذي تحققه الفلسفة الواقعية, إذ تبين الفرد عضوًا من أعضاء النوع، وتستنبط قوانين سيرته من النظام الكلي للأشياء لا من مصلحته الخاصة فحسب. وأرفع المعاني في ميدان الأخلاق معنى الإنسانية بما هي كذلك، أي: الإنسانية التي يتوقف تقدمها على تضافر الأفراد والجماعات، والعلم الواقعي مفيد جدا لعلم الأخلاق, إذ من المهم جدا تعيين مبلغ التأثير المباشر وغير المباشر لكل ميل, وكل فعل في الحياة الفردية والاجتماعية.

стр. 323

١٤٦ - مذهبه ٤ - ديانة الإنسانية: أ- خطا كونت خطوة أوسع فبلغ إلى الدين, إنه ينعت دينه بالواقعي. والحقيقة أن هذا الدين يكاد يكون كله ثمرة العاطفة والخيال في تكوينه والإحساس به. كان فيلسوفنا قد وضع العقل في المحل الأول يستكشف قوانين الوجود ويؤثر في العاطفة, فيحدث أخلاقا ومؤسسات اجتماعية؛ وها هو ذا الآن يرى أن قيمة العقل تنحصر في نتائجه العملية، وأن هذه النتائج تتوقف على الظروف الخارجية في حين أن العاطفة توفر لنا رضًا باطنًا مباشرًا، فيقدم العاطفة إلى المحل الأول ويطلب إليها إنارة العقل فينتهي إلى مثل الحالة اللاهوتية التي اعتبرها طفولة النوع الإنساني؛ حتى إنه يتبع في ذلك منهجًا يخالف المنهج العلمي, فينقطع عن كل جديد في العلم والأدب ويتوفر على الموسيقى والشعر الإيطالي والأسباني، ويطالع كتاب "التشبه بالمسيح" فيستبدل الإنسانية بالله في كل موضع منه ويستعين به على تعمق فكرة الإنسانية والإخلاص لها على مثال الصوفيين، ويلزم من ذلك تقدم الفن على العلم من حيث إن مصدر الفن العاطفة, وإن الفن يصور مثلًا عليا تهذب أفكارنا وغرائزنا. وقد حدا هذا الموقف ببعض تلاميذه الأقربين إلى اعتزاله وعده خارجًا على الفلسفة الواقعية الخالصة. بيد أن من الحق أن نذكر أن علم الاجتماع الساكن قد عد الدين أحد الأوضاع الملازمة للمجتمع، وأنه كان من المتعين على كونت الاحتفاظ به مع الملاءمة بينه وبين المذهب الواقعي، فلا يمكن أن يقال: إن الدين خاطر طارئ على فكره أثارته الأزمة العصبية الثانية. ولسنا ندري على أية صورة كان يجيء الدين المتسق مع العقل الواقعي. أما الصورة التي رسمها كونت فنجملها فيما يلي: ب- الدين خاصية النوع الإنساني, وتعريفه أنه المبدأ الأكبر الموحد لجميع قوى الفرد ولجميع الأفراد فيما بينهم، وذلك بنصب غاية واحدة لجميع الأفعال. وقد سبق القول: إن معنى الإنسانية أرفع المعاني من الوجهة الذاتية، وإنه هو الذي يكفل وحدة المعرفة, إذ تحصل هذه الوحدة بالنظر إلى العالم من حيث علاقاته بالإنسانية. وهذا المعنى واقعي ينطق به التاريخ، فليس يوجد الفرد إلا بفضل الماضي، وليس يستمد أسباب الحياة المادية والعقلية والخلقية إلا من الإنسانية،

стр. 324

بحيث نستطيع أن نقول: إن الأموات أحياء أكثر من الأحياء أنفسهم. فديانة الإنسانية عبادة الإنسانية باعتبارها "الموجود الأعظم" الذي تشارك فيه الموجودات الماضية والحاضرة والمستقبلة المساهمة في تقدم بني الإنسان وسعادتهم. والعبادة مشتركة وفردية: تقوم المشتركة في أعياد تذكارية تكريمًا للمحسنين إلى الإنسانية، فيملؤها السرور وعرفان الجميل. وقد وضع كونت "تقويمًا واقعيًّا" دل فيه على كل يوم وكل شهر بأسماء الرجال الذين امتازوا بالعمل على تقدم الإنسانية. وفي العبادة الفردية يتخذ الأشخاص الأعزاء على الفرد نماذج للمثل الأعلى. ولما كانت كرامة الفرد تقوم في كونه جزءًا من "الموجود الأعظم" كان واجبه أن يوجه جميع أفكاره وأفعاله إلى صيانة هذا الموجود وإبلاغه حد الكمال، وهكذا تنطوي الغيرية على الواجب الأعظم, وعلى السعادة العظمى جميعًا. ج- ويعهد بتدبير العبادة التربية إلى هيئة إكليريكية, أعضاؤها فلاسفة شعراء أطباء معًا، مهمتهم استكشاف ما يكفل خير "الموجود الأعظم" وتحقيق ما حققته الكنيسة في العصر الوسيط, أو أرادت تحقيقه من أفكار جليلة عميقة. ولما كانت "الواقعية" قد تحررت من الأوهام القديمة فلا بأس عليها أن تعود إلى التصور الفيتشي للطبيعة فتضيف إلى الأشياء نفسًا وحياة؛ وهذه الإضافة مصدر قوة للغة والفن وكل ما من شأنه أن يفيد في بقاء "الموجود الأعظم" ونمائه، وتعتبر السماء أو الهواء "الوسط الأعظم" الذي تكونت فيه الأرض التي هي "الفيتش الأعظم" فيؤلفان مع "الوجود الأعظم" الثالوث الواقعي. وبعد الفلاسفة الذين هم بمثابة الدماغ من الجسم، يأتي النساء وهن بمثابة أعضاء العاطفة، وواجبهن إثارة عواطف الحنان والغيرية الكفيلة باستكمال "الموجود الأعظم". وبعدهن يجيء رجال الصناعة والمال وهم بمثابة أعضاء التغذية. وأخيرًا: يجيء العمال وهم بمثابة أعضاء الحركة. د- تلك هي ديانة الإنسانية مسخ بها كونت الديانة المسيحية، ونصب نفسه كاهنها الأكبر، ووضع لها شعارًا: المحبة كمبدأ، والنظام كأساس، والتقدم كغاية. فكان له بعض الأشياع في فرنسا وإنجلترا والسويد وأمريكا الشمالية والجنوبية، تبعوا في كل بلد كاهنًا أكبر وأقاموا معابد. ولا نظننا بحاجة إلى التنبيه على غرابتها وتهافتها، ولا على ضعف النظرية الأساسية في المذهب وهي

стр. 325

نظرية الحالات الثلاث. فقد أقر كونت أن الرياضيات وجدت واقعية أول ما وجدت، وقليل من التفكير يدلنا على أن الإنسان ما كان بقي على سطح الأرض لو لم يتعرف خصائص الأشياء منذ أول أمره فيفيد من النافع, ويحتاط للضار ويصطنع الأسلحة والآلات. فالحالات الثلاث أولى بها أن تكون متعاصرة متلازمة مع تفاوت فيما بينها في كل عصر وكل فرد؛ وأن يكون لكل منها قيمة. ولكن كونت اقتنع بنسبية المعرفة ورأى أن يبررها بهذه النظرية، وبهره العلم التجريبي فحصر فيه كل الحقيقة وجاءت فلسفته الواقعية هي الفلسفة المادية بالرغم من تحفظه, إذ إنها تؤدي إلى النتيجة نفسها وهي إنكار الميتافيزيقا. ونحن نقصر فضل كونت على طائفة كبيرة من الأفكار الجزئية العميقة في العلوم والاجتماع. ١٤٧ - جوزيف برودون " ١٨٠٩ - ١٨٦٥ ": أ- نختتم هذا الفصل بذكر اثنين من الاشتراكيين أرادا أن ينظما المجتمع تنظيمًا واقعيًّا. أولهما برودون كان عامل طباعة ولكنه تثقف بالقراءة الكثيرة، ثم كتب، فجاءت كتاباته مزيجًا يعوزه الوضوح والانسجام من ملخصات قراءاته ومن آراء خاصة. أهم كتبه "ما الملكية؟ " " ١٨٤٠ " و"خلق النظام في الإنسانية" " ١٨٤٣ " و"المتناقضات الاقتصادية" " ١٨٤٦ " و"العدالة في الثورة الفرنسية وفي الكنيسة" " ١٨٥٨ " و"الحرب والسلم" " ١٨٦١ ". وهو ينتقد فيها على السواء مذهب الحرية والمذهب الشيوعي؛ يقول: إن الحرب ضرب من حكم الله ويشيد بالسلم؛ يحمل على الاستبداد ولا يؤمن بالاقتراع العام. ب- مذهبه الخاص قائم على فكرة العدالة. وهو يعرفها بأنها "حقيقة كلية تتجلى في الطبيعة بقانون التوازن، وفي المجتمع بتبادل أساسه تساوي الأشخاص". ومن فكرة العدالة هذه يستنبط نظاما اقتصاديا يسميه "التعاون" أو "التبادل" ويرجو تحقيقه حين يصل العمال إلى السلطة بفضل الاقتراع العام, فيديرون المشروعات والمصارف وغيرها من المؤسسات الاجتماعية بحيث يجعلون لكل عمل مكافأة من جنسه أي: على قدره؛ فإن الواجب على كل إنسان أن يعمل لكي يعيش ويحق له أن يقتني ملكًا بنتاج عمله، والملكية سبب من أسباب الحرية، ولكن كل ثروة أو كل ملكية تجيء من غير طريق العمل هي سرقة، كالفائدة

стр. 326

على رأس المال، فإن المال عقيم بطبيعته فلا ينبغي أن ينتج ربحًا يتيح لصاحبه الحياة بلا عمل؛ إن هذا تناقض وإنه منافٍ للعدالة. هكذا كان قد قال أرسطو والمدرسيون، ويوجد عند برودون أفكار أخرى محافظة، مثل أن الزواج عقد غير قابل للفسخ؛ لأنه عبارة عن التوحيد بن الزوجين. وقد كان له أثر عميق في الحركة النقابية والحركة التعاونية والحركة السلمية. ١٤٨ - لويس بلان " ١٨١١ - ١٨٨٦ ": ثوري ساهم في ثورة ١٨٤٨ , وأسس "مصانع قومية" أخفقت وأدى إخفاقها إلى اضطرابات دموية. هذه المصانع كانت تطبيقا لمذهب بسطه في كتيبين: أحدهما في "تنظيم العمل" " ١٨٤٦ " والآخر في "الحق في العمل". ويرجع مذهبه إلى ما يأتي: لكل إنسان حق طبيعي في أن يحيا, ولا يتحقق هذا الحق إلا بإحدى وسيلتين هما الملكية الخاصة والعمل. أما الملكية الخاصة فيستغلها في المجتمع الرأسمالي نفر من الأغنياء يركزون الثروات في أيديهم, ولا يدعون للسواد سوى العمل بأجور دنيئة مع التعرض للعطلة، فيحرمونهم فعلا حقهم في الحياة. والعلاج الوحيد لهذه الحالة هو أن تتملك الدولة جميع الموارد فتوفر عملًا لكل مواطن وتوزع النتاج على الجميع بالقسطاس. وهذه هي الشيوعية, ولا يدري أصحابها أنها تجر مساوئ هي شر من مساوئ الرأسمالية.

стр. 327

المقالة الثالثة: الفلسفة في إنجلترا مدخل ... المقالة الثالثة: الفلسفة في إنجلترا ١٤٩ - تمهيد: في هذه الفترة التي نؤرخ لها لا نجد في إنجلترا سوى ممثلين اثنين للمذهب الحسي: أحدهما بنتام, وهو يقصر عنايته على الأخلاق والاجتماع؛ والآخر جيمس مل يعالج علم النفس التجريبي. وإلى جانب هذا الجدب في الفلسفة القومية نجد تأثير الألمان يبعث حركة روحية معارضة لها، فيصطنع بعض الأدباء, وأشهرهم كولريدج وكارليل، الرومانتية ووحدة الوجود، ويؤلف السر وليم هاملتون مذهبًا نقديًّا يشبه بعض الشبه مذهب كنط. وهكذا أتاح اللقاح الألماني للفكر الإنجليزي ما لم تكن تسمح به فلسفته القديمة من قوة وعمق نسبيين كما يتضح من الفصول الثلاثة الآتية.

стр. 328

الفصل الأول: المذهب الحسي ١٥٠ - إرميا بنتام " ١٧٤٨ - ١٨٣٢ ": أ- اعتنق المذهب النفعي، وطبقه في كتابه "المدخل إلى مبادئ الأخلاق والتشريع" " ١٧٨٩ ". ووضع مشروعًا لسجن نموذجي " ١٨٠٢ " وأنشأ مجلة "وستمنستر" " ١٨٢٤ " للدعوة إلى الإصلاح الدستوري، وكون حزبًا لهذا الغرض، فكان لدعوته أثر كبير في السياسة الإنجليزية، وتم الإصلاح المنشود في سنة وفاته. ودون مذكرات في "المكافأة" وأخرى في "المعاقبة" وأعطاها إلى صديق فرنسي هو إيتين ديمون, حررها بلغته ونشرها في كتابين نقلًا إلى الإنجليزية, ونشر الأول سنة ١٨٢٥ والثاني سنة ١٨٣٠. وترك لأحد أتباعه مذكرات نشرت بعد وفاته بسنتين بعنوان علم "الأخلاق" deontology. ب- مذهبه أن الناس يطلبون اللذة ويجتنبون الألم بالطبع، شأنهم في ذلك شأن الحيوان، ولكنهم يمتازون على الحيوان بأنهم يتبعون مبدأ النفعية حيثما يعملوا العقل، أي: إنهم يحكمون بأن الفعل الخير هو الذي يعود بلذة مستمرة أو الذي تزيد فيه اللذة على الألم، وأن الفعل الشرير هو الذي يعود بألم مستمر أو الذي يزيد فيه الألم على اللذة. ولا يمنع من الإقرار بهذا المبدأ سوى الأحكام المتواترة وبنوع خاص العقائد الدينية. فالمطلوب التدليل على أن الأخذ به يعود بأكبر قدر من اللذة أو السعادة التي هي مقصد الكل. ولكي يحكم العقل يجب تقدير اللذات بجميع ظروفها والموازنة بينها. تقاس اللذات أولا من جهة صفاتها الذاتية، وهي: الشدة والمدة والثبات وقرب المنال والخصب "أي: القدرة على إنتاج لذات أخرى" والنقاء "أي: خلوها من أسباب الألم". وتقاس ثانيًا من جهة عواقبها الاجتماعية, وهي: الخوف الذي يستولي على المواطنين من جراء الجريمة، والقدوة السيئة التي تنشرها بينهم، والاضطراب الاجتماعي الذي تسببه، والقصاص الذي ينزل بالمجرم، فإن القصاص عنصر يدخل في حساب الآلام ويعارض لذة

стр. 329

الفعل فيميل بالمرء إلى اتباع القوانين التي يراها المشرع نافعة لأكبر عدد، كما أن المكافأة وإقرار المواطنين وثناءهم تحمل على ذلك أيضًا مع ما فيه من حرمان, وهذه العواقب هامة جدًّا يجب على الفرد مراعاتها؛ لأن منفعة المجموع شاملة للمنافع الفردية ومن ثمة مقدمة عليها؛ ولذا كانت الغاية التي يتعين علينا السعي لتحقيقها هي "أكبر سعادة لأكبر عدد". وهذا هو العلم الجديد الذي يأتي به بنتام ويسميه بالحساب الخلقي لإجادة الاختيار بين اللذات، ويعتقد أنه يحول به علم الأخلاق وعلم التشريع إلى علمين مضبوطين كالرياضيات، ويعول في التوحيد بين النفع الذاتي والنفع العام على الجزاء الطبيعي للفعل والجزاء القانوني والجزاء الاجتماعي. ج- وما هذا المذهب إلا مذهب أبيقور وهوبس ومن لف لفّهما. وقد كان أفلاطون فطن إلى حساب اللذات والآلام، ولكنه لم يعتبره حسابًا كميًّا مثل بنتام، ولم يرد الخلقية إلى النفعية مثله. إن اللذة والألم يرجعان إلى الكيف لا إلى الكم، ويستحيل قياس القيمة الذاتية للذة ما باعتبار الكم، ويستحيل الموازنة بين لذتين من نوع واحد كلذة التفاح ولذة الخوخ، ويستحيل من باب أولى الموازنة بين لذتين مختلفتين بالنوع، ولا سيما إذا كانت إحداهما حسية والأخرى عقلية أو فنية. كذلك لا يوجد قياس مشترك بين قرب المنال والنقاء، أو بين الشدة والمدة، إلى غير ذلك من خصائص اللذة التي يمتنع اجتماعها للذة بعينها، وإنما يتفق بعضها للذة وبعض آخر للذة أخرى، وهكذا بحيث تمتنع المضاهاة ويمتنع الاختيار. ١٥١ - جيمس مل " ١٧٧٣ - ١٨٣٦ ": أ- أسكتلندي أخذ عن دوجالد ستوارت بجامعة أدنبري, ثم كان مؤدبًا في أسرة اللورد جون ستوارت, وفي الثلاثين صحبه إلى لندن وأخذ ينشر بعض الرسائل. ثم نشر تاريخ "الهند البريطانية" " ١٧١٨ " نقد فيه حكومة شركة الهند نقدًا عسيرًا. ولما خلا فيها منصب تقدم له فعين فيه للإفادة من معارفه، وترقى إلى منصب رفيع أكسبه نفوذًا كبيرًا على حكومة الهند. وعرف بنتام وشاركه في مجلته وفي نضاله الدستوري. وكان إلى جانب ذلك يواصل النظر في

стр. 330

الفلسفة حتى نشر كتابه "تحليل ظواهر الفكر الإنساني" " ١٨٢٩ " وقد عرض فيه مذهب تداعي المعاني على صورة أوضح, وبمادة أغزر مما جاء عند أراسم درون وديفيد هارتلي اللذين أوحيا به إليه. ب- في هذا الكتاب يتصور الفكر كما يتصور الآليون الطبيعة؛ فإن هؤلاء يقولون: إن الطبيعة مؤلفة من ذرات تأتلف فتكون الأجسام، ويقول هو: إن الفكر مؤلف من عناصر بسيطة "نقط شعورية" هي الإحساسات والانفعالات الأولية تأتلف تبعًا لقانون الترابط بالتقارن, فتكون سائر الظواهر الفكرية. وقانون التقارن هو القانون الوحيد للفكر، وليس الترابط بالتشابه قانونًا أصيلًا ولكنه يرد إلى الترابط بالتقارن, فالحياة الفكرية خاضعة للآلية، وقوة الترابط تابعة بنوع خاص لقوة ما تهيجه الإحساسات من انفعالات ولتواتر الترابط. وحين يتوثق الائتلاف تتكون في الفكر التصديقات, ولهذه الذرية الفكرية تطبيقاتها في المنطق والأخلاق والتربية؛ فبالتشريع والتربية يمكن تثبيت الروابط التي يراد أن تسيطر على الإنسان؛ وبالنظر في الأخطاء المتواترة ندرك أنها ناشئة عن الترابط, فنتحرر منها ونعمل على أن نحل محلها بالترابط أيضًا آراء جديدة. وهنا يبدو قصور المذهب الحسي، فإنه يلجأ إلى الفعل الشخصي بعد استبعاده من النفس، ولا يدل على قيمة خاصة للآراء الجديدة تفضل بها الآراء القديمة ما دامت كلها وليدة الترابط، فلا يبرر مبادئ النظر وقواعد العمل.

стр. 331

الفصل الثاني: الرومانتية ١٥٢ - كولريدج " ١٧٧٢ - ١٨٣٤ ": شاعر وواعظ نشر في إنجلترا أدب الرومانتيين الألمان وفلسفتهم، فأثار في الشبيبة أفكارًا جديدة وحماسة جديدة. كان في شبابه على مذهب هيوم وهارتلي، ثم اقتنع بوحدة الفكر وفاعليته، فنفر من محاولات الحسيين لرد الظواهر الروحية إلى الوظائف الدنيا وتطبيق الآلية على الحياة الخلقية، وصرفته دراسة الفلسفة الألمانية عن الفلسفة الإنجليزية، فعارض القول بالتجربة بالقول بالحدس، وعارض التحليل بالتركيب. ولعله تأثر بأفلوطين أكثر مما تأثر بالألمان، فإنه يميز مع الأفلاطونيين بين الفهم والعقل، ويجعل من الفهم قوة استدلالية تركب ما تتلقاه من التجربة وتقف عند هذا الحد، ومن العقل قوة حدسية تقدم مبادئ التركيب وتكشف عن صميم الأشياء. وباعتبار هذه الوجهة الثانية يسمي العقل بالعملي لاعتقاده أن العقل العملي عند كنط وفختي يستكنه الجواهر. وقد استخدم هذا التمييز بين الفهم والعقل للدفاع عن الدين، فقال: إن الاعتراضات التي كان هيوم وفولتير وأضرابهما يعتبرونها قاطعة، ترجع إلى الفهم ويبددها العقل. وهو يفسر عقيدة الثالوث بالقضية ونقيضها والمركب منهما! بل يضع رابوعًا بأن يقدم على هذه الحدود الثلاثة أساسًا لها هو "الله الإرادة المطلقة أو الوحدة المطلقة"! على أن الدين عنده لم يكن الدين السلفي, بل جملة من الصور والعواطف تولد فيه نشوة لا أكثر, وكان ضعيف الخلق لم يستطع السيطرة على سيرته. ١٥٣ - كارليل " ١٧٩٥ - ١٨٨١ ": صاحب كتاب "الأبطال والبطولة". كان مؤمنًا في حداثته، ثم قرأ هيوم وغيره من الشكاك فتبدد إيمانه واعتبر العالم آلة صماء. وفيما هو عاكف على دراسة الرياضيات قرأ شيلر وجوتي وفختي فتغير موقفه. لم يعد العالم في نظره "دكان بضائع" بل انقلب معبدًا؛ ولم يعد العقل مصدر المعرفة الحقة

стр. 332

بل صار القلب ذلك المصدر. رأى أن الشك والنفي مرتبطان بالاستدلال العقلي، وأن المادية والإلحاد والنفعية مذاهب نافية لا تتناول إلا الظاهر، وأن الموقف الطبيعي هو الإيجاب والإيمان. إن محاولة البرهنة بالعقل على وجود الله بمثابة محاولة إضاءة الشمس بمصباح! العالم "ثوب الله" ورمز لمعانٍ تستعصي على المنهج العلمي. إن العلم يتصور الطبيعة دون أن يحسب حسابًا لمعناها، والآلية "فلسفة الثياب". أما الفلسفة الحقة فهي جهاد مستمر ضد العادة التي تجعلنا نتخذ من الظواهر جواهر فتحجب عنا بها الأشياء, والإنسان هو الرمز الأكبر. لقد اعتقد لوك وأتباعه أن العقل مجرد آلة تفكر وآلة تعمل بدافع اللذة والألم والمنفعة وحساب الربح والخسارة، بينما الإنسان حياة خلقية تنبعث من ميل النفس إلى إرضاء مثلها العليا. إن الأخلاق النفعية تغلو في أهمية التفكير الواعي، ولا تفطن إلى أن كل أمر جليل إنما يولد وينمو من تلقاء نفسه. ولكل أن يجد رمزه وديانته: "لست أقصد بالديانة الإيمان الكنسي، بل ما يعتقده بالفعل كل إنسان بصدد علاقاته الباطنة بهذا الكون الخفي" ما دام الفاعل فينا وفي الخارج قوة إلهية. وإن هذه القوة اللامتناهية تبدو بصفة خاصة في الإنسان، وبصفة أخص في الإنسان العظيم "كما يقول فختي". فيجب أن تقوم الحياة الروحية والاجتماعية على تكريم الأبطال أي: عظماء الرجال، وهكذا كانت قائمة في الماضي. عظماء الرجال خالقو ما يحاول سواد البشر تحقيقه؛ لذا كان تاريخهم روح التاريخ العام. ونحن الآن أحوج ما يكون بنو الإنسان للأبطال أي: لأرستقراطية مستنيرة تقودنا، وليس هناك من معنى للحرية والمراقبة الشعبية والديمقراطية. إن جمهرة الإنسانية بحاجة إلى نظام من حديد، ويجب أن تكون فضيلتها الوحيدة طاعة القانون.

стр. 333

الفصل الثالث: فلسفة النسبية ١٥٤ - وليم هملتون " ١٧٨٨ - ١٨٥٦ ": أ- ولد بجلاسكو وتخرج في جامعتها وفي جامعة أكسفورد. عين أستاذًا للقانون الأسكتلندي والقانون المدني بجامعة أدنبرى، فأستاذًا للفلسفة بها " ١٨٣٦ " وشغل هذا المنصب إلى وفاته. كان قد نشر في "مجلة أدنبرى" ثلاث مقالات فلسفية تشتمل على لب مذهبه: الأولى "فلسفة اللامشروط" " ١٨٢٩ " والثانية "فلسفة الإدراك الظاهري" " ١٨٣٠ " والثالثة "المنطق" " ١٨٣٣ " وقد جمعت فيما بعد في كتاب عنوانه "مناقشات في الفلسفة". ونشرت دروسه الفلسفية بجامعة أدنبرى في مؤلفين: "دروس فيما بعد الطبيعة" في مجلدين، و"دروس في المنطق" في مجلدين. ونحن نقتصر هنا على عرض رأيه في اللامشروط ورأيه في الإدراك؛ أما المنطق فأهم أثر له فيه نظريته في تكميم المحمول وهي معروفة مبسوطة في جميع الكتب المنطقية المعاصرة؛ ونحن لا نوافقه عليها؛ ويطول بنا القول إذا أردنا مناقشتها. ب- يرجع مذهبه إلى منبعين: المدرسة الأسكتلندية وكنط؛ وهو أقرب إلى الأول منه إلى الثاني. والمحور الذي يدور عليه هو أن "التفكير شرط" أي: إن المعرفة نسبية، وذلك من ثلاثة وجوه: فإنها تقوم في نسبة بين حدين يجمع بينهما في الحكم، ونسبة بين ذات عارفة وموضوع معروف يحد أحدهما الآخر، ونسبة بين جوهر وعرض فيدرك الجوهر بالعرض ويدرك العرض بالنسبة إلى الجوهر سواء أكان العرض ذاتيا للجوهر أو خارجيا كالزمان والمكان. هذه النسب قوام التفكير إذا حاولنا رفعها محونا كل معرفة ووقعنا في الوحدة المطلقة. فكل ما هو مدرك مشروط أي: نسبي، واللامشروط أو المطلق لامدرك سواء أكان كلًّا أو جزءًا، فإن أي كل فهو دائمًا بالنسبة إلينا جزء لكل أكبر، وإن أي جزء فيمكن أن يتصور قابلًا للقسمة فيكون من ثمة كلا. فلا أساس لزعم شلنج وكوزان أننا ندرك المطلق؛ وإلى الرد عليهما قصد هملتون بنوع خاص.

стр. 334

ج- أما المشروط أو النسبي فمدرك إدراكًا موضوعيًّا، إذ "لا يمكن أن تكون طبيعتنا كاذبة في أصلها" وإني "في أبسط إدراك أشعر بنفسي كذات مدركة, وأشعر بشيء خارجي كموضوع مدرك". فنقد كنط لعلم النفس النظري غير مقبول؛ صحيح أن الشعور شرط الظواهر الباطنة، ولكنه هو ظاهرة، فيجب أن يكون وراءه شيء, ويجب أن يكون هذا الشيء مختلفًا عما وراء الظواهر المادية, غير أن هذا يذهب فقط إلى أن الأشياء موجودة في الخارج بكيفياتها الأولية؛ أما الكيفيات الثانوية فتحدثها الأشياء فينا بقوى لها. فنحن لا ندرك الأشياء في أنفسها من حيث إننا بعيدون عنها، وإنما ندركها في تأثيرها الواقع على حواسنا: ندرك الشمس مثلا بوساطة الأشعة الواصلة إلى العين، وندرك وجود العالم الخارجي على العموم بفضل مقاومته لفعلنا العضلي. وعلى هذا يكون الإدراك مباشرًا ولكنه إدراك آثار الأشياء في الحس. وهذا موقف يختلف عن موقف ريد وعن موقف كنط وأتباعه. د- متى كانت معرفتنا نسبية لزم أننا لا ندري شيئًا عن المطلق، بل لعلنا لا ندري إن كان موجودًا أو غير موجود. بيد أن هملتون يجد بابًا للولوج إليه فيقول: إن أي موضوع معروف فهو جزء من حيث إنه مشروط، ومن ثمة هو مردود إلى لامشروط، وهذه النسبة تخرجنا من حدود معرفتنا وتجعلنا نثبت وجود المطلق. فإذا سألنا أنفسنا: هل هو متناهٍ أو غير متناهٍ؟ وجدنا أنفسنا بين حدين متقابلين، ومبدأ الثالث المرفوع يقضي بأن أحد الحدين المتقابلين صادق بالضرورة، خلافًا لرأي كنط في المتقابلات, فما سبيلنا إلى تعيين جانب الصدق ههنا؟ لا سبيل سوى الاختيار لأن هذه المسألة تجاوز حدود الفكر، وليس يتم مثل هذا الاختيار إلا بناء على أسباب خلقية، فنقول: إننا بحاجة إلى موجود غير متناه يستطيع أن يحفظ روحنا. ثم بوسعنا أن نخطو خطوة أخرى فنتصور المطلق بالمماثلة بنا، ونتصور العلاقة بينه وبين العالم على مثال العلاقة بين أنفسنا وجسمنا. وهكذا ننتقل من الفلسفة إلى اللاهوت، فإن نهاية الفلسفة بداية اللاهوت. هـ- وهكذا يخالف هملتون مبدأ فلسفته، فما كان أحراه أن يحتاط في المبدأ للنتيجة! فبعد أن عرف المعرفة بالنسبية ظن أن بإمكانه القول بالمطلق ووضع علاقة بينه وبين النسبي دون أن يفطن إلى أن المطلق يصير بهذه العلاقة مشروطًا نسبيًّا بموجب تعريفه! إن الرد على شلنج وأضرابه لا يحتاج إلى جعل المعرفة الإنسانية

стр. 335

نسبية إطلاقًا، بل إلى بيان أن ليس لدينا في الواقع مثل الحدس الذي يزعمون, وإن إثبات اللانهاية للمطلق لا يحتاج إلى ذلك الاختيار الخلقي الذي سبق به هملتون أصحاب البراجماتزم, بل يتوسل إليه بالاستدلال العقلي. فلو أن هملتون ميز منذ البداية بين "التصور بنسبة" وبين "الحكم على موضوع بأنه نسبي أو مطلق" إذن لرأى أن بإمكاننا إثبات وجود المطلق وصفاته بالاستدلال دون أن يكون للمنهج الاستدلالي أي أثر في قيمة أحكامنا؛ فإننا إن قلنا: إن العالم يقتضي علة أولى، وإن العلة الأولى مطلقة، وإن المطلق غير متناه، كانت هذه الأحكام صادقة ولم تصر العلة الأولى المطلقة شيئًا نسبيًّا بسبب دخولها في نسبة الحكم. وهذا غلط وقع فيه غير واحد من الفلاسفة المحدثين لأنهم اتخذوا من علم النفس أساسًا للفلسفة, فتصوروا الأشياء في أنفسها على مثال شعورنا بها أو منهجنا في إدراكها. ١٥٥ - منسل " ١٨٢٠ - ١٨٧٩ ": تلميذ هملتون، وأستاذ بأكسفورد، وكبير قساوسة كنيسة سنت بول. كتابه "حدود الفكر الديني" " ١٨٥٨ " يستند إلى قول هملتون: إن معرفتنا لا تبلغ إلى المطلق ويرتب عليه امتناع إقامة لاهوت عقلي؛ ويذهب في الوقت نفسه إلى أن العلم ما دام نسبيًّا فهو لا يملك الاعتراض على الوحي؛ وإن الصعوبات والمتناقضات ليست ناشئة من الوحي, بل من حدود العقل الذي يزعم مع ذلك الخوض في المطلق على حين أن حدوده تدل على أن شيئًا قد يوجد ويكون فوق متناوله, فما لا نستطيع فهمه يجب علينا الإيمان به. يجب الإيمان بشخصية الله ولو بدا لنا تناقض بين الحدين من حيث إن الشخصية تفترض التعيين والحد, وإن الله مطلق من كل حد وتعيين. ويجب علينا الإيمان بعقيدة النعمة الإلهية وبعقيدة القصاص الأبدي ولو بدا لنا أنهما متنافران وأن المحبة والعدالة فينا تأبيان القصاص إلى الأبد. إننا نرى الجزء ولا نرى الكل، فلا يسوغ لنا أن نتصور الله بوساطة صفاتنا وأخلاقنا فإن هذه لازمة من طبيعتنا المحدودة ولا تنقل إلى الله بأي حال. وعلى هذا يكون منسل أشد استمساكًا بمبدأ النسبية من أستاذه، وهو يدلنا على أن النتيجة المنطقية لهذا المبدأ إنكار المطلق أو على الأقل تجاهله، إلا أن نكون متدينين من جهة أخرى فنعول على الإيمان الأعمى. ويرجع الاختيار بين هذين الموقفين إلى المزاج الشخصي، وما أعظم أثر المزاج الشخصي عند الفلاسفة المحدثين!

стр. 336

الباب الخامس: مادية وروحية النصف الثاني من القرن التاسع عشر مدخل ... الباب الخامس: مادية وروحية "النصف الثاني من القرن التاسع عشر" ١٥٦ - تمهيد: لقد تعارضت المادية والروحية في كل عصر، ولكن لعل هذا التعارض لم يبلغ من الشدة في وقت ما مبلغه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فكان الطابع الذي يميزه. وهنا أيضًا الفلاسفة كثير، فنقسم الكلام عليهم إلى ثلاث مقالات. في المقالة الأولى نتكلم عن الفلسفة الإنجليزية وقد استعادت قسطًا كبيرًا من الأهمية والنفوذ، فنرى فريقًا من رجالها يأخذون بالمذهب الحسي ويطبقونه على أنحاء شتى: فيضع جون ستوارت مل منطقًا مطابقًا له، ويفصل ألكسندر بين أصوله وفروعه في علم النفس، ويقيم له دروين أساسا بيولوجيا إذ يزعم التدليل على تطور الأنواع الحية من أدنى إلى أعلى، ويشيد منه سبنسر فلسفة شاملة تستوعب جميع العلوم، على حين تزدهر حركة دينية قوامها الفلسفة الهجلية. وفي المقالة الثانية نرى الفلسفة الفرنسية ماضية في الاتجاهين السابقين: الاتجاه الواقعي دونما تجديد أو ابتكار، والاتجاه الروحي يعمل أصحابه على الحد من سلطان الآلية في الطبيعة لضمان الحرية الإنسانية. وفي المقالة الثالثة نرى الفلسفة الألمانية تسير في التيار الكنطي من جهة، وتناصر مذهب التطور والمادية الإلحادية من جهة، وتحاول جعل علم النفس علمًا تجريبيًّا مضبوطًا من جهة.

стр. 337

المقالة الأولى: الفلسفة في إنجلترا الفصل الأول: جون ستوارت مل " ١٨٠٦ - ١٨٧٣ " ١٥٧ - حياته ومصنفاته: أ- هو ابن جيمس مل " ١٥١ " وقد دعاه أبوه جون ستوارت باسم اللورد الذي كان مؤدبًا في أسرته. ثقفه أبوه بنفسه، فأبدأه اليونانية في الثالثة من عمره, وما بلغ الثامنة حتى كان يقرأ هيرودوت ومذكرات سقراط لأكسانوفون وتراجم الفلاسفة لديوجين لايرث بل بعض محاورات أفلاطون. وقد قال هو: إن كل هذا كان متيسرًا. ثم أخذ يتعلم اللاتينية والحساب إلى جانب لغته طبعًا. ثم قرأ التاريخ العام في كتب مفصلة، وهذا أدعى إلى فهمه وحفظه من المختصرات التي تعلم في المدارس. وبعد دراسة قسم كبير من الأدبين اليوناني واللاتيني شرع يدرس المنطق بنفسه، وكان يراجع أباه فيه أثناء النزهة كما كان يفعل في سائر المواد. ثم قرأ كتبا في الاقتصاد السياسي، ودرس ديموستين وأفلاطون، وفي الثامنة عشرة قرأ الكتب الأربعة الأولى من منطق أرسطو ولخصها. ودرس القانون، وقرأ كتب بنتام وكوندياك ولوك وهلفسيوس وهيوم والأسكتلنديين, فجمع لأبيه كثيرًا من المواد لكتابه "تحليل الفكر الإنساني". وانضم إلى فريق الشباب الذين كانوا يعملون على نشر أفكار بنتام وجيمس مل الفلسفية والسياسية ومذهب هارتلي في تداعي المعاني. وكان قد دخل في خدمة شركة الهند الشرقية منذ السابعة عشرة, فترقى في مناصبها حتى بلغ آخر منصب شغله أبوه, فكان يقوم بأعماله العقلية في أوقات فراغه. وانتخب عضوًا بمجلس النواب سنة ١٨٦٥ وبقي فيه ثلاث

стр. 338

سنين كان خلالها موضع تقدير كبير, ولكن خصومه أخذوا عليه آراءه في الدين فلم يجدد انتخابه. ب- كتب كثيرًا في المجلات والجرائد، ومنها مجلة "وستمنستر" التي كان يحررها بنتام وجيمس مل. وقد جمع مقالاته الكبرى في عدة مجلدات بعنوان "مقالات ومناقشات". ونشر كتبًا عدة نذكر أهمها: كتاب "المنطق القياسي والاستقرائي" " ١٨٤٣ " كان له صدى كبير في أوروبا؛ و"مبادئ الاقتصاد السياسي" " ١٨٤٨ " يجعل فيه من هذا العلم جزءًا من علم الاجتماع، ويعرف ما في الاشتراكية من وجه حق و"مقال في الحرية" " ١٨٥٩ " يدافع فيه عن الحرية الشخصية متابعًا الميل العام في إنجلترا ومتأثرًا بفرنسا، فقد كان قضى فيها سنة " ١٨٢٠ - ١٨٢١ " فأحبها وأحب أدبها، ولما شبت فيها ثورة ١٨٣٠ قصد إلى باريس وأعجب بما رآه من روح النهضة الاجتماعية عند رجالها الإصلاحيين؛ وكتاب "في النفعية" " ١٨٦١ " يدافع فيه عن مبدأ المنفعة في العمل ويعرض لتصحيح مذهب بنتام وتكميله؛ و"مراجعة فلسفة هاملتون" " ١٨٦٥ " ينقد فيها المذهب الحدسي؛ و"أوجست كونت والفلسفة الواقعية" " ١٨٦٥ " تعقيب على الفيلسوف الفرنسي يقبل آراءه في المعرفة الإنسانية ولا يتابعه في آرائه السياسية والدينية, بل يعتبرها إضافات مستقلة عن الأولى كل الاستقلال؛ و"ترجمته لحياته" " ١٨٧٣ "؛ ثم "محاولات في الدين" نشرت بعد وفاته " ١٨٧٤ ". ج- على سعة مطالعاته وكثرة كتابته جاء أسلوبه ضعيفًا معقدًا؛ فإن عبارته متثاقلة متعثرة بل هي أحيانًا غير صحيحة؛ حتى ليمكن القول: إن مطالعاته الأدبية كانت سطحية لم تؤهله لأن يصير كاتبًا ولم تهذب تفكيره. فالفرق كبير بينه وبين بسكال مثلا الذي تثقف هو أيضًا بإرشاد والده ولكنه كان ناضج الفكر عميقه قوي الأسلوب إلى حد الإعجاز. ولم تؤهله مطالعاته الفلسفية لفهم جميع المسائل، بل إن دراساته المنطقية لم تجعل منه عقلا منطقيا، حتى إن ستانلي جفونز، بعد أن شرح كتابه في المنطق عشر سنين بجامعة لندن عملا ببرنامجها، نقد الكتاب نقدًا عسيرًا وقال: إن تدريسه ضار بتكوين الشباب, وإن "عقل مل كان متناقضًا في جوهره، لم يمس شيئًا إلا خلط فيه". يضاف إلى ذلك أنه لم يكن عالمًا

стр. 339

طبيعيًّا وأن مواد فصوله في المنطق الاستقرائي مستمدة من وول ١ Whewell وهرشل ٢ Hershell، ومناهجه مأخوذة عن فرنسيس بيكون. وكتابه في فلسفة هاملتون كتاب مهلهل لا يدري قارئه أحيانًا كثيرة أين الفاصل بين ما يورده المؤلف عن هاملتون وما يعقب به عليه، وهو إلى ذلك ساذج يخلط خلطًا كثيرًا في جميع مسائل الفلسفة. ومثل هذا يقال في كتاب النفعية وفي سائر كتبه. فلسنا ندري في الحق سببا لشهرته إلا أن يكون وفرة التأليف وضخامة الدعوى, وما هو في هذا بفريد! ١٥٨ - المذهب الحسي: أ- كان مل يعتقد أن المذهب العقلي هو المذهب الحدسي كما يوجد عند هاملتون، وأن المذهب العقلي يعني التعويل على الرأي الخاص كيفما كان، ويحمل على التكاسل والمحافظة على القديم بأن يحسم كل مشكلة بقوله: إن العقل يرى كذا أو يجد في نفسه كذا وكذا من المعاني والمبادئ؛ فعارضه بالمذهب التجريبي القائل: إن الأفكار آتية كلها من التجربة، وإن جميع النسب والعلاقات تفسر بقوانين التداعي. والواقع أن هذا المذهب يعجز عن تفسيرها، فإنه يقضي بأننا لا ندرك سوى ما يقع تحت الحس أو الباطن على ما يقع، فيدع الظواهر المدركة منفصلة متعاقبة تعاقب أفعال الآلة المادية، فلا يحد مل، لكي يفسر اعتقادنا بالجواهر، إلا أن يقول: إن هذا الاعتقاد مبني على "إمكان مستمر للإحساس في ظروف معينة" مثال ذلك: أني "أرى ورقة بيضاء على منضدة، ثم أنتقل إلى حجرة أخرى ومع أني انقطعت عن رؤية الورقة فإني موقن أنها ما تزال في موضعها" وذلك لأن باستطاعتي أن أعود فأراها؛ وباستطاعتي أن أدرك ظواهر معينة متى أدركت

стр. 340

ظاهرة ملازمة لها في تجربتي، وهذا ما يسمى شيئًا أو جسمًا؛ كذلك "الاعتقاد بوجود نفسي حتى حين لا يكون هناك إحساس, ولا يكون تفكير ولا شعور بوجودها يرجع إلى الاعتقاد بإمكان مستمر للتفكير والشعور في أحوال معينة". على أن إستوارت مل يعترف هنا بأنه لا يفسر تذكر الماضي وتوقع المستقبل؛ فإنهما يفترضان بقاء الذي يتذكر ويتوقع، إذ لا يعقل أن سلسلة الظواهر المدركة تدرك نفسها بما هي سلسلة, أي: بما هي ماض ومستقبل, وهذا عين الصواب. وكان مل يعتقد بالأنا ويرى أن الشعور به أصيل لا يرد إلى قوانين الفكر، ويعتبر الأنا أساس الحرية والكرامة الإنسانية، فيقول: إن الموقف الأحكم هو قبول هذا الأمر الواقع ولو لم نستطع تفسيره. وهو يعارض أوجست كونت في نقده للاستبطان، ويقول بإمكان علم النفس بناء على الملاحظة بالذاكرة بعد الفعل مباشرة، ويستشهد بتجارب علماء النفس وكتاباتهم. فهو في هذه المسألة المهمة يخرج على المذهب الحسي ومع ذلك لا يخرج منه، بل إنه يعتقد أن النظر في نظام العالم يؤدي إلى الاعتقاد بوجود إله خالق محسن، ويستدرك فقط بأن النقص البادي في العالم يستتبع أن هذا الإله متناهٍ " ١٠٤، د". ب- والمذهب الحسي مضطر إلى إنكار اللاشعور من حيث إنه لا يقر بغير الظواهر المدركة، فيصف مل اللاشعور بأنه "تغير في الأعصاب لا يصاحبه شعور" أي: إنه يسقط منه كل عنصر نفسي ويرده إلى حالة فسيولوجية. وهو من ثمة ينكر الحرية ويتهم شهادة الوجدان فيقول: إن الوجدان يعي ما أفعل أو أحس، لا ما قد أفعل أو أستطيع أن أفعل؛ الوجدان واقع على الموجود لا على الممكن المستقبل؛ هو واقع على ما بالفعل لا على ما بالقوة. فليس هناك شعور باستطاعتي أن أفعل كذا وكذا، وإنما هناك وهم ناشئ من أن أفعالًا صدرت عني في الماضي فأصبحت أعتقد بإمكان صدور أفعال من قبيلها. ومع ذلك فقد كان مل يؤمن بالحرية ويدافع عنها، وحجته في ذلك أن التعاقب المضطرد للظواهر النفسية لا يعني أن السابق يعين اللاحق حتمًا، وإذا كنا لا نشعر بالحرية "فإننا موقنون أن أفعالنا الإرادية ليست خاضعة للقسر, ونحن نشعر بأننا غير مجبرين" فنحن قادرون على أن نعمل على استكمالنا الخلقي. ومن اليسير أن نرد على مل بأن عدم الشعور بالقسر لا يدل على انتفاء القسر، فقد نكون مجبرين

стр. 341

ثم لا نشعر بأننا مجبرون, وهذا مثال آخر على تناقض مل ١. ١٥٩ - المنطق: أ- في مثل هذا المذهب كيف يكون المنطق؟ يكون تشويهًا للمنطق الصحيح وتبديدًا له. ويبين هذا من استعراض المسائل الرئيسية. وأولا موضوع المنطق، ففي هذه المسألة يأخذ مل على كنط وهملتون تعريفهما المنطق بأنه علم اللزوم "أي: لزوم التالي من المقدم" وأنه علم صوري يتناول شروط مطابقة الفكر لنفسه ويتجاهل صدق القضايا وكذبها. فيأبى مل التسليم بمنطق صوري بحجة أن الفكر لا يكون صحيحًا حقًّا إذا هو غض النظر عن مادة المعرفة. ولكن ما الذي يمنع من اعتبار شروط مطابقة الفكر لنفسه؟ لعل المانع أن هذا الاعتبار يفترض وجود الفكر مستقلا عن الموضوعات، وهذا ما لا يطيقه المذهب الحسي. وفضلا عن ذلك لو سلمنا بأن المنطق يعنى بصدق القضايا وكذبها، لتبدد المنطق باعتباره علمًا خاصًّا وبقيت فقط العلوم على اختلافها. على أن مل، إذا ما عالج المسألة في كتاب المنطق، اعترف بأن المنطق لا يعنى بالحقائق المدركة إدراكًا مباشرًا في التجربة, وقال: إنه "علم التدليل" وإن المنطق الصوري قسم مرءوس من المنطق العام أو "منطق الحقيقة"؛ وهو مرءوس لأن الأصل عنده إدراك المحسوس وإن إدراك المجرد لاحق. ولكن هذا اعتبار لكيفية إدراكنا لا للموضوعات المدركة وتفاوتها في التجريد وترتبها من ثمة بحسب هذا التفاوت من الأعم إلى الأخص، ولو أنه روى في الأمر لرأى أن "منطق الحقيقة" لا يعنى بحقيقة القضايا في العلوم، بل بالشروط الصورية للمعرفة بالإجمال "وهذا موضوع المنطق الصوري" ولكل علم بالتفصيل "وهذا موضوع المنطق المادي". فالتردد "أو التناقض" واضح هنا بين مقتضى المذهب الحسي وبين مقتضى المنطق كما هو قائم بالفعل. ب- كيف يتصور مل أفعال العقل وأية قيمة يضيف إليها؟ إنه يتابع المذهب الحسي فينكر وجود المعنى المجرد في الذهن, ويردد أقوال الحسيين في استحالة تصور ماهية خالصة، كتصور إنسان لا بالكبير ولا بالصغير،

стр. 342

لا بالنحيف ولا بالبدين، لا بالأبيض ولا بالأسود، وهو كل ذلك معًا، وهو ليس شيئًا من ذلك. ثم يقرر أننا كلما تصورنا شيئًا تصورناه صورة شخصية جزئية، وأن أصل الاعتقاد بالمعاني المجردة أننا نستطيع أن نقصر انتباهنا على بعض عناصر الصورة الجزئية وأن نمضي في سلسلة من الاستدلالات خاصة بهذه العناصر دون سواها كما لو كان بإمكاننا أن نتصورها منفصلة عن الباقي؛ وإنما نستطيع ذلك باستخدام الإشارات، وبخاصة الألفاظ، فنوجد رباطًا صناعيًّا بين العناصر التي تشترك فيها طائفة من الأشياء وبين صوت ملفوظ، حتى إذا ما طرق الصوت سمعنا قامت في ذهننا فكرة شيء حاصل على هذه العناصر. ولم يفطن مل إلى أن هذا التفسير اعتراف بالمعنى المجرد من حيث يريد أن يكون إنكارًا، فإنه يمكن أن يقال: "عناصر مشتركة" يجب أن تكون هذه العناصر مدركة بحيث لا تتعلق بواحد, أي: أن تكون مجردة من العلائق الشخصية, ولكي يوضع اللفظ يجب أن يوجد في الذهن معنى هو الذي يحمل على وضعه. ولكن مل يظن أنه قد استبعد المعنى المجرد، ويرتب على هذا الظن نتائج منها: أنه لا ينبغي التحدث عن مفهوم المعاني وماصدقها، بل ينبغي الاقتصار على القول بأن اللفظ denote يدل على أفراد الطائفة ويتضمن connote العناصر، مثل لفظ الطير فإنه يدل على النسور والعصافير والغربان والإوز وما إليها، ويتضمن الحياة والجناحين وما إلى ذلك من العناصر التي نطلق بسببها اسم الطير. ونتيجة أخرى هي أن الحد قضية معلنة دلالة اللفظ، لا أنه قضية معبرة عن ماهية الشيء المحدود كما يقول المنطق القديم: "كل ما يوجد من حق في القول بأن الإنسان لا يتصور بدون النطق، هو أنه لو لم يكن له النطق لما اعتبر إنسانًا, فلا استحالة في التصور ولا في الشيء, وإنما تنشأ الاستحالة من اصطلاح اللغة" كأن اصطلاح اللغة نشأ وثبت عبثًا! ج- ويظن مل أننا في غنى عن المعنى المجرد لتركيب الحكم، فيرى أن الأحكام الواقعية التي من قبيل قولنا: هذا الحائط أبيض، هي عبارة عن الجمع بين إحساسين لا أكثر، وأن الأحكام التي تسمى ضرورية تفسر بتداعي الأفكار أي: بالتجربة أيضًا، وذلك أن التداعي يوثق الصلة بين ظاهرتين حتى لا نستطيع تصورهما منفصلتين، فالضرورة ترجع إلى عجزنا عن تصور نقيض حكم ما أو

стр. 343

ضده. وقد فاته أن المحمول في الحكم الواقعي هو في حقيقة الأمر معنى مجرد، ويتضح هذا غاية الوضوح باعتبار الحكم السالب مثل قولنا: ليس هذا الحائط أبيض، فإن البياض ههنا لم يدرك مع إدراك الحائط، ولكنه معنى محفوظ في الذهن يوجب تارة ويسلب أخرى. كذلك فاته أن الضرورة في الأحكام العلمية والفلسفية ليست كضرورة الترابط بالتشابه والتضاد والاقتران، ولكنها نسبة جوهرية بين الموضوع والمحمول يدركها العقل ويقصد إليها. فتفسيره للحكم تفسير للمعقول بالمحسوس, فلا غرابة أن يجيء قاصرًا. وسيزداد هذا الأمر بيانًا عند الكلام على الاستقراء. د- ونقده للقياس مشهور، فهو يزعم أن القياس مصادرة على المطلوب الأول؛ لأننا حين نقول: "كل الناس ميتون، والدوق أوف ولنجتون إنسان، فالدوق أوف ولنجتون ميت" نفترض النتيجة في المقدمة الكبرى الحاكمة على "كل الناس" ولا يسوغ افتراضها وهي المطلوب, فإنها إما أن تكون معلومة قبل الكبرى وحينئذ فلا فائدة من تركيب القياس وتركيبه عمل صناعي بحت؛ وإما أن تكون مجهولة، وحينئذ يستحيل صوغ الكبرى لاستحالة التحقق من موت كل الناس إلا بالتحقق من موت كل فرد من الناس. فليس القياس استنتاج الجزئي من الكلي، ولا الكلي من الجزئي، ولكن استنتاج الجزئي من الجزئي، أي: استنتاج حالة معينة من حالة أخرى شبيهة بها؛ فحين نريد أن ندلل على أن الدوق أوف ولنجتون ميت، لا نفكر في كل الناس، وإنما نفكر فقط في الذين ماتوا قبله ونتخذ منهم مقدمة جزئية، وحينئذ لا يكون الاستدلال مصادرة من حيث إن الدوق غير متضمن فيها. فالقياس عبارة عن استقراء وليست النتيجة فيه "مستنبطة" من الكبرى ولكنها مكتسبة "وفقًا" للكبرى، ولو أن مل أنعم النظر لوجد أن القياس شيء مختلف عن هذا الاستنتاج بالمشابهة والمماثلة. وقد رددنا على مزاعمه في سياق عرضنا لمنطق أرسطو ""تاريخ الفلسفة اليونانية" الطبعة الثانية ص ١٢٣ ". هـ- إذا لم يكن هناك سوى الاستدلال بالجزئي على الجزئي، فما القول في الاستقراء العلمي وهو استدلال بالجزئي على الكلي، أي: وضع قانون بسبب ما يشاهد في بعض الجزئيات؟ يجيب مل أننا نتعلم بالتجربة أن في الطبيعة نظام تعاقب لا يتغير، وأن كل ظاهرة فهي مسبوقة بأخرى، فندعو السابق المطرد علة،

стр. 344

واللاحق المطرد معلولًا، وبموجب قانون التداعي تميل المخيلة إلى استعادة الظواهر على النسق الذي تعاقبت عليه؛ وهذا أصل الاعتقاد بقوانين علمية ومبادئ كلية ضرورية، بما في ذلك مبادئ الرياضيات وقضاياها، بالرغم مما قال هيوم، فإنها عادات أو روابط غير منفصمة، بل بما في ذلك مبدأ الذاتية فما هو إلا تعميم للتجربة, قائم على هذه الظاهرة وهي "أن الاعتقاد وعدم الاعتقاد حالتان عقليتان متنافيتان". فالقضايا الكلية الضرورية وليدة التجربة الجزئية, ومن يدرينا؟ لعل في الكون مناطق توجد فيها معلولات بدون علل، وتكون فيها ٢ + ٢ مساوية لخمسة؛ وهذا في الحق منطق المذهب الحسي، أي: إلغاء العقل والمنطق والعلم على اختلاف أنواعه. وغير أن مل وكان يعلم أن ليس كل تعاقب مطرد يعتبر قانونًا، وأن العلم يقصد بالعلة شيئًا آخر غير السابق المطرد، فاعترف بأن العلة هي "السابق الضروري" دون أن يبين سبب الضرورة، ووضع مناهج كمناهج فرنسيس بيكون لتمييز العلة من مجرد التعاقب والتلازم وتعيين الاستقراء الصحيح. هذه المناهج مشروحة في كتب المنطق، فنقتصر على ذكرها، وهي: منهج الاتفاق أو التلازم في الوقوع، ومنهج الاختلاف أو التلازم في التخلف، ومنهج التغير النسبي أي: تغير المعلول بنسبة تغير العلة، وأخيرًا منهج البواقي يطبق على معلول مركب يقع بعد جملة ظواهر، ومثاله إذا كنت أعلم باستقراءات سابقة أن بعض هذه الظواهر علة لأجزاء من المعلول، كانت الظواهر الباقية علة الأجزاء الباقية. وهكذا يسلم مل راغمًا بأن العلة مغايرة للسابق العرضي ولو كان مطردًا، فإنها سابق ضروري أي: سابق فاعلي، إذ لو لم تكن هناك فاعلية لما كانت هناك ضرورة أو نسبة ضرورية. ١٦٠ - الأخلاق: أ- هنا أيضًا يصطنع مل المذهب الحسي ثم يخالفه وهو لا يدري، كما يبين خصوصًا في كتاب "النفعية"؛ يبدأ بأن يقول: إنه لم يكن للإنسان في الأصل من سبب للعمل سوى المنفعة أي: توخي اللذة، وبخاصة تفادي الألم، ثم عمل ترابط الأفكار عمله فصارت الأفعال التي كانت وسيلة الخير تعتبر خيرة في ذاتها كما

стр. 345

يعتبر البخيل المال غاية وخيرًا وهو وسيلة إلى الخير. هذا هو المذهب الحسي المتعارف, غير أن مل يستدرك فيقول: ليست اللذة راجعة كلها إلى اللذة الجسمية وكميتها كما اعتقد بنتام، وإنما هناك لذات تابعة للكيفية أي: لاعتبارات معنوية، فمما لا شك فيه أن وظائفنا متفاوتة رتبة وقيمة، وأن حياة الوظائف العليا أشرف من حياة الوظائف الدنيا؛ يدل على ذلك أن ما من إنسان يرضى أن يستحيل حيوانًا أعجم، اللهم إلا أفرادًا جد قليلين؛ إن الإنسان البائس لخير من خنزير شبعان، وإن سقراط معذبًا لخير من جاهل راضٍ. هذا ما يراه الإنسان المهذب ويؤثره لنفسه, وهو كذلك يؤثر المنفعة العامة على منفعته الخاصة، إذ إن النفعية تقتضي الفاعل الحكيم أن يعمل للآخرين كما يحب أن يعملوا له، وهذا الإيثار شرط الحياة الاجتماعية التي هي شرط المنفعة الشخصية. ب- هكذا يصحح مل مذهب المنفعة في نقطتين: الأولى أنه يجب اعتبار الكيفية في اللذة لا الكمية فحسب؛ والثانية أنه يجب إخضاع المنفعة الذاتية للمنفعة الكلية, ولكنه يخرج على مذهبه الحسي في كلتا النقطتين؛ أما في الأولى فلأن المذهب الحسي لا يعترف بالكيفية، فلا يعترف بقيم موضوعية للموجودات والوظائف، ولا بمغايرة الوظائف العليا للوظائف الدنيا بالماهية والطبيعية، وإنما الطائفتان عنده من نوع واحد، والاختيار بين اللذات متروك لتقدير المنفعة الحسية ليس غير. والمذهب الحسي يفسر الفضيلة بأنها اتخاذ الوسيلة غاية أي: العمل لا لغاية وصرف النظر عن المنفعة, فيجعل من الفضيلة عملًا غير معقول؛ فيجيء مل ويوحد بين الكيفية العليا والمنفعة العامة والفضيلة, فيجعل من الفضيلة عملا معقولا مرادا لذاته مع مغايرته للمنفعة الحسية. وأما في النقطة الثانية فلأن النفع الذاتي هو الأصل والمعيار في المذهب الحسي، فكيف نطالب بإخضاعه للنفع العام؟ ومهما يقل: إن هذا شرط ذاك فكثيرًا ما يتعارضان، فباسم أي مبدأ يفرض على الفرد اختيار منفعة المجموع دون منفعته هو؟ التناقض بادٍ للعيان هنا وفي كل مسألة، وهو تناقض المذهب الحسي مع الحقيقة الشاملة، وستوارت مل ملوم لإصراره على هذا المذهب بعد أن لمس نقصه في نواح كثيرة, ولكنه استنشقه في بيته وبيئته، ولم يوفق إلى فهم المذهب العقلي على حقيقته، فكان ما كان من الخبط الذي رأينا أمثلة منه.

стр. 346

١٦١ - ألكسندر بين " ١٨١٨ - ١٩٠٣ ": أ- هو أبرز تلاميذ ستوارت مل وأحبهم لديه. كان أستاذًا بجامعة أبردين مسقط رأسه، وصنف كتبًا عدة أهمها: "الحواس والعقل" " ١٨٥٥ "، "الانفعالات والإرادة" " ١٨٥٩ "، "الروح والجسم" " ١٨٧٣ "، "المنطق" " ١٨٧٥ "، وكان بين قد ساهم في "منطق" مل؛ و"ترجمة لحياة جون ستوارت مل". ب- في هذه الكتب نجد مادة غزيرة وتحليلًا دقيقًا. وقد رمى مؤلفها إلى إقامة علم النفس على مثال العلوم الواقعية بتطبيق منهجها الوصفي الاستقرائي كما يبدو بنوع خاص في التاريخ الطبيعي والفسيولوجيا، وهذه عين فكرة ستوارت مل. فنراه يجتهد دائما في أن يصف بمنتهى الدقة جميع الظواهر النفسية، وخصوصًا عند المرضى، ثم يصنفها ويفسرها ويستخلص القوانين التي تربط بينها. ولمجهوده العلمي في هذا الباب خاصيتان: إحداهما استخدام الفسيولوجيا باستمرار لأنه كان يرى أن الوجهة الفسيولوجية والوجهة الوجدانية في الظواهر النفسية متحدتان، وخصوصًا في الظواهر الأولية، حتى تؤلفا كلًّا لا يتجزأ، وهذا حق غفل عنه ديكارت وأتباعه. الخاصية الأخرى اتخاذ التداعي قانونًا أساسيًّا في تفسير حياتنا الباطنة؛ غير أن بين لا ينكر مع ذلك تلقائيا الأنا، كما أنكرها بعض أصحاب هذا المذهب، بل يقول بأن لكل إنسان عملا ذاتيا صادرا عن غرائزه ومزاجه دون قسر خارجي. على أن هذا العمل الذاتي يختلف عن الفعل الحر إذا كانت الحرية "السيطرة على أفعالنا بحيث متى علمنا على نحو معين كنا قادرين على أن نعمل على نحو آخر" لأن هذا القول يفترض وجود النفس كجوهر متمايز من سلسلة الظواهر، وبين لا يقبل هذا الافتراض ولا يقبل الحرية بهذا التعريف, وكان مل ينبذهما أيضًا.

стр. 347

الفصل الثاني: تشارلس دروين " ١٨٠٩ - ١٨٨٢ ": ١٦٢ - حياته ومصنفاته: أ- حفيد أراسم دروين " ٦٧ ". عالم طبيعي وضع نظرية في تطور الأحياء أدت به إلى نظرية فلسفية في الطبيعة, وعالج تبعًا لهذه النظرية مسائل نفسية وأخلاقية. كان عالما طبيعيا فكان عالمًا كبيرًا. حاول أولا دراسة الطب في أدنبرى فلم يتذوقه؛ ثم عرض لدراسة اللاهوت في كمبردج فما لبث أن انصرف عنها، ودفعه ميله الفطري إلى الاشتراك في رحلة علمية حول الأرض طالت خمس سنين " ١٨٣١ - ١٨٣٦ " وجمع خلالها من الملاحظات ما كان الأساس الأول لنظريته. وقضى بعد ذلك زهاء ربع قرن يستكمل ملاحظاته وتجاربه حتى أخرج النظرية، وقضى زهاء ربع قرن آحر يدعمها ويجادل عنها, ويعالج في ضوئها ما يعرض له من مسائل. ب- أخرج نظرية التطور في كتابه "أصل الأنواع" " ١٨٥٩ " ثم أيدها بكتاب عنوانه "تغير الحيوان والنبات في حال الدجن" " ١٨٦٨ " ثم طبقها على الإنسان في كتابه "تسلسل الإنسان والانتخاب الطبيعي" " ١٨٧١ " وعالج على مقتضاها مسائل نفسية في كتاب "التعبير عن الانفعالات في الإنسان والحيوان" " ١٨٧٢ " وكتب ترجمة لحياته. ٦٣ - أصل الأنواع: أ- أثناء رحلته البحرية وجد أن الأنواع الحية، وبخاصة الحيوانية منها, تتشابه تشابهًا عميقًا من حيث بنية الجسم، وتتفرع أصنافًا عديدة يمتاز كل صنف منها بفوارق ملائمة كل الملاءمة لبيئته، فتساءل كيف نفسر القرابة من

стр. 348

جهة والتنوع من جهة أخرى؟ أو ما السبب في بقاء أنواع النبات والحيوان وفي نمو الخصائص المفيدة لها؟ فخطر له فرض مؤقت هو تطور هذه الأنواع. ولما عاد إلى إنجلترا قرأ " ١٨٣٨ " كتاب ملثوس Malthus في مسألة السكان " ١٧٩٨ " ١ ففكر أن لا بد أن يكون السبب تنازع الحيوان على القوت، وأن الحياة "صراع في سبيل البقاء". وكان قد عني بتجارب مربي الحيوان ورآهم يحصلون على أصناف جديدة بالمزاوجة بين الأفراد الذين يلاحظون فيها تغيرات ضئيلة ملائمة، فقدر أن الأفراد الذين يكتسبون وظيفة أو عضوًا ملائمًا لظروف حياتهم أقدر على الصراع من العاطلين من تلك الوظيفة أو ذلك العضو، فيحسن الأولون نوعهم وينقرض الآخرون. فهناك إذن "انتخاب طبيعي" يشبه الانتخاب الصناعي إلا أنه خلو من القصد والنظام، فلا يدل على علة التغير بل على أثره ونتيجته. ثم قدر أن القرابة بين الأنواع المندثرة والأنواع الباقية تفسر بأن هذه صور عليا من تلك. ب- فانتهى دروين إلى أن الأنواع الحالية على اختلافها يمكن أن تفسر بأصل واحد أو ببضعة أصول تمت وتكاثرت وتنوعت في زمن مديد بمقتضى قانون الانتخاب الطبيعي أو بقاء الأصلح وهو القانون اللازم من تنازع البقاء، وقوانين ثلاثة ثانوية هي: أولًا قانون الملاءمة بين الحي والبيئة الخارجية؛ ثانيًا قانون استعمال الأعضاء أو عدم استعمالها تحت تأثير البيئة أيضًا بحيث تنمو الأعضاء أو تضمر أو تظهر أعضاء جديدة تبعًا للحاجة؛ وثالثًا قانون الوراثة وهو يقضي بأن الاختلافات المكتسبة تنتقل إلى الذرية على ما يشاهد في الانتخاب الصناعي. فالنظرية الدروينية آلية بحت تستبعد كل غائية ولا تدع للكائن الحي قسطًا ما من التلقائية كالذي تدعه له نظرية لامارك، بل تعتمد على

стр. 349

محض الاتفاق أو الصدفة في حياة النبات والحيوان. وهي لذلك لا تستتبع الترقي المطرد في جميع الأحياء كما ظن البعض, فاعترضوا عليها ببقاء الحيوانات الدنيا, فإن دروين كان قد قال: إن الحي يبقى على حاله ما لم تضطره الظروف إلى صراع قوي للبقاء، وأن لا ميزة ترجى للدودة في اكتسابها أعضاء أكثر كمالا ما دامت ظروفها على حالها. وعلى ذلك فقد يحدث الانتخاب الطبيعي تقهقرًا إلى صورة أبسط إذا ما تبسطت البيئة لسبب من الأسباب، فتضمحل بعض الأعضاء وتضمر لزيادتها عن الحاجة. وسوف نرى دروين يمعن في الآلية والمادية بصدد الإنسان. ١٦٤ - الإنسان: أ- في كتاب "أصل الأنواع" ترك دروين مسألة أصل الإنسان معلقة، ولكنه عاد فرأى أن ليس هناك من موجب لاستثنائه من قانون التطور. وهو يصرح بذلك في كتاب "تسلسل الإنسان" ويقول بأن الفرق بين الإنسان والحيوان فرق بالكم أو الدرجة فقط، وأن المسألة بين القوى الفكرية لحيوان من أدنى الفقريات والقوى الفكرية لقرد من القردة العليا، أكبر من المسافة بين القوى الفكرية في القرد وبينها في الإنسان. كما يقول: إن الحيوان يكتسب الفطنة والحذر مما يعرض له من تجربة ويتحمل من ألم، وإن له ذاكرة وذوقًا فنيًّا وغريزة تعاطف، فلا يسوغ نفي العقل عنه. ولدروين في هذا الباب ملاحظات عديدة دقيقة، ولكنه اعتقد مثل جميع الحسيين أن العقل امتداد للحس من نوعه، والواقع أن الحس قد يذهب في إدراكه بعيدًا جدًّا ويستدل بالجزئي على الجزئي نوعًا من الاستدلال دون أن يبلغ إلى مرتبة العقل الذي هو قوة إدراك المعاني المجردة والمبادئ الكلية وقوة الحكم والاستدلال. ب- وقد أخذ على هذه النظرية أنها مبطلة للتعاطف منافية للأخلاق، فأقر دروين بأن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يمكن أن يقال: إنه أخلاقي, وأن هذا هو الفرق الأكبر بينهما؛ ولكنه ارتأى مع ذلك أن لا تناقض بين القول بتنازع البقاء والقول بأن العاطفة الأخلاقية نمت نموا طبيعيا؛ ذلك بأنه ينبغي أن نذكر دائمًا أن الصفات والوظائف التي يتطلبها الانتخاب الطبيعي ليست

стр. 350

هي المفيدة للفرد فحسب ولكنها أيضًا المفيدة للصنف أو النوع، من حيث إن الاجتماع والتعاون عامل فعال في درء المخاطر عن الأفراد. ولما كان بقاء النوع يتوقف على صون الذرية، وكانت الذرية في الغالب عاطلة من أسباب البقاء، فمن اليسير أن نفهم أن محبة الوالدين لذريتهم يمكن أن تنمو بالانتخاب الطبيعي؛ وإن المشاهدة لتدلنا على أن من الحيوان ما يعرض نفسه للخطر لإنقاذ غيره. وهذا يمكن أن تنشأ وتحفظ في الفرد صفات غير نافعة له بما هو هذا الفرد ونافعة للمجموع يؤيدها إقرار من جانب المجموع؛ ولقد كان هذا بالفعل شأن الصفات التي اعتبرت فضائل في شعوب مختلفة وعصور مختلفة. فالانتخاب الطبيعي يحتمل المحبة والتعاون كما يحتمل البغض والقسوة، وهناك تاريخ طبيعي لعواطف الغيرية إلى جانب التاريخ الطبيعي لعواطف الأنانية. ومهما تتسع الشقة بين ما يساور الحيوان حين يدل على عطف وتضحية وبين الخلقية الإنسانية العليا، فإن الطرفين متصلان بدرجات لا تحصى، ولا يسوغ اعتبار النمو الطبيعي منقطعًا في نقطة ما. إن في النوع الإنساني نفسه فوارق كبيرة جدا من الوجهة الخلقية؛ بل إن هناك صورًا من الحياة الإنسانية هي أدنى بكثير مما قد تدل عليه حياة الحيوان. ويعلن دروين أنه يفضل أن يكون منحدرًا من القرد الذي يخاطر بحياته لينقذ حارسه، على أن يكون منحدرًا من الإنسان المتوحش الذي يلذ بتعذيب عدوه ويقتل أولاده دون أن يشعر بوخز ضمير ويعامل نساءه معاملة الرقيق وهو نفسه مسترق لأشنع الخرافات! وهنا أيضًا يغفل دروين عن طبيعة العقل فيغفل عن طبيعة الخلقية. إن النظر السليم ليدل على أن الفعل الخلقي هو الصادر عن حكم العقل بناء على تصور الخير المجرد، وقديمًا نبه أفلاطون وأرسطو على ذلك ولاحظا أن الفعل التلقائي في الحيوان والإنسان لا يعد خلقيا. ج- وقد أخذ على دروين أن نظريته مادية إلحادية, والواقع أنه لم يشأ أن يستثني الإنسان من قانون التطور العام, أو يعلق مسألة النفس الناطقة, وذهب إلى أن الحياة النفسية في الإنسان كما في الحيوان مرتبطة بفعل الأعضاء، وقال بدراستها من الدرجات الدنيا إلى الدرجات العليا على هذا الاعتبار. وقد كان مؤمنًا بالله إلى وقت ظهور كتابه "أصل الأنواع" وقال في ختامه: إن الصور الحية الأولى مخلوقة؛ ثم تطور فكره شيئًا فشيئًا حتى أعلن أسفه لاستعماله لفظ

стр. 351

الخلق مجاراة للرأي العام، وصرح بأن الحياة لغز من الألغاز، وأن ما في العالم من ألم يعدل بنا عن القول بعناية إلهية، وأنه هو "لا أدري" لا يقول بالعناية ولا بالصدفة ١ , وأن الكلمة الأخيرة عنده هي "أن المسألة خارجة عن نطاق العقل, ولكن بوسع الإنسان أن يؤدي واجبه". د- وهل يدع مذهبه محلا لواجب؟ ما مذهبه إلا المذهب المادي المعروف، وقد خلع عليه حلة علمية شائقة، ولكنها لا تخفي عيوبه عن النظر الثاقب. قلنا: إن دروين عجب لتشابه أفراد النوع الواحد من حيث بنية الجسم وتوزعها أصنافًا تبعًا للبيئة وظروف المعيشة, فظاهر أن النوع ثابت من حيث الجوهر متغير من حيث العرض، ولكن دروين اتخذ التغير العرضي معيارًا وفسر الأنواع أنفسها كما تفسر الأصناف. وقد نسلم بالتطور ثم نرانا مضطرين إلى اعتبار الإنسان نوعًا قائمًا بذاته بسبب ما يختص به من علم ولغة وفن وصناعة وخلق ودين، وهي مظاهر للعقل لا نظير لها ولا أصل في سائر الحيوان. وقد نسلم بالتطور ثم نرانا مضطرين إلى الإقرار بموجد للمادة موجه لها، لقصور المادة عن تنظيم نفسها، ولكن من العلماء والفلاسفة من يفكرون كالعامة بالمخيلة دون العقل فيسيغون المحالات, وسنصادف نفرًا منهم فيما يأتي من فصول, يتخذون من مذهب التطور سلاحًا يهاجمون به الدين والروحيات إطلاقًا.

стр. 352

الفصل الثالث: هربرت سبنسر " ١٨٢٠ - ١٩٠٣ " ١٦٥ - حياته ومصنفاته: ابن معلم ابتدائي. شغف منذ حداثته بالعلوم الطبيعية والتاريخ، وبالمناقشات العلمية والسياسية والدينية، كان مهندس سكك حديد بضع سنوات, وشغل بمسألة التطور حين قرأ كتاب ليل Lyell في طبقات الأرض الذي كان في طبعاته الأولى يعارض نظريات لامارك، وخرج من دراسة علم الأجنة بأن التطور هو الانتقال من المتجانس إلى المتنوع، وأنه قانون الطبيعة. ونظر في المذهب الحسي كما كان إلى وقته وتفسيره محتوى الوجدان من أفكار وعواطف بالتجربة الفردية, فارتأى أن هذا المحتوى يفسر بتجربة النوع تتعين وتتطور بالوراثة، فدون كتابًا أسماه "مبادئ علم النفس" " ١٨٥٥ " عرض فيه هذا الرأي ونظرية التطور في جملتها. وأول عرض قام به لفلسفة التطور ظهر في مقال عنوانه "التقدم، قانونه وعلته" " ١٨٥٧ " فذكره دروين في مقدمة كتابه "أصل الأنواع" بين الذين سبقوه إلى نظريته. ثم رأى أن نسبية المعرفة على طريقة كنط وهاملتون ومنسل, تسمح له بإفساح مجال للدين إلى جانب مجال العلم وبناء فلسفة شاملة، فشرع يدون كتبه الكبرى في "الفلسفة التركيبية" حيث جمع علوم العصر كلها مؤلفة في مذهب متسق حول مبدأ التطور، أي: إنه وضع الفلسفة التركيبية الموضوعية التي كان أوجست كونت قد قال باستحالتها لاستحالة الانتقال التدريجي من مرتبة إلى أخرى من مراتب الوجود. هذه الكتب تفصيل مقالات نشرها في مجلات مختلفة ثم جمعت في ثلاثة مجلدات بعنوان "محاولات"؛ ولكنه تفصيل فضفاض كدس فيه كل المعارف في حين أن المقالات قصيرة واضحة. وجاءت الكتب الكبرى في عشرة مجلدات تتالت من ١٨٦٠ إلى ١٨٩٣. وهذه أسماؤها: المبادئ الأولى, مبادئ البيولوجيا في مجلدين, مبادئ علم النفس في مجلدين، مبادئ علم الاجتماع في ثلاثة مجلدات،

стр. 353

مبادئ الأخلاق في مجلدين. وله أيضًا كتاب في التربية " ١٨٦١ " وآخر في تصنيف العلوم " ١٨٦٤ " وآخر في ترجمته لحياته. أنجز هذا العمل الضخم بمثابرة حقيقة بالإعجاب تقاوم اعتلال صحته من جهة, وضيق ذات يده من جهة، وبمقدرة فائقة في التحليل والتركيب. ١٦٦ - المعلوم والمجهول: أ- يذهب سبنسر إلى أن موضوع المعرفة ينحصر في جملة العلوم الواقعية, وقد انتقد تصنيف أوجست كونت لهذه العلوم، ولكنه أخذ عنه التمييز بين العلوم المجردة والعلوم المشخصة, وأضاف قسيما وسطا سماه العلوم المجردة المشخصة, فوضع الجدول الآتي: ١ - العلوم المجردة أو علوم الصور الجوفاء، وهي المنطق والرياضيات بفروعها, ٢ - العلوم المجردة المشخصة أو علوم الظواهر، وهي الميكانيكا وعلم الطبيعة والكيمياء, ٣ - العلوم المشخصة أو علوم الموجودات، هي علم الفلك وعلم طبقات الأرض، وعلم الحياة "وفيه الأخلاق" وعلم النفس وعلم الاجتماع. هذا التقسيم يشبه تقسيم العلوم النظرية عند أرسطو بحسب درجات التجريد الثلاث، ولكن سبنسر يظن أن المشخص بما هو كذلك موضوع علم في حين أنه موضوع وصف فحسب، فما في علمي الفلك وطبقات الأرض من قضايا كلية يرجع في الحقيقة إلى علوم أخرى هي الرياضيات والطبيعة والكيمياء، وما يقال فيهما عن أشخاص الأفلاك ومداراتها وعن الطبقات الأرضية وأحوالها أمور جزئية؛ ثم إنه يضع بين العلوم المشخصة علوم الحياة والأخلاق والنفس والاجتماع وهي في الواقع تدرس ظواهر عامة وتتأدى إلى قوانين كلية, فالتقسم غير محكم. ومهما يكن من قيمة هذا الجدول فهو يمثل في نظر سبنسر "مجال المعلوم" كما يبدو في "الفلسفة الواقعية" التي هي عبارة عن جملة القوانين المشتركة بين جميع فروع المعرفة العلمية، بحيث يمكن أن يقال: إن المعرفة العامية عديمة الوحدة, والعلم معرفة ناقصة الوحدة, والفلسفة معرفة موحدة تمام التوحيد بفضل قانون التطور الذي هو أعم القوانين. ب- وكل ما خرج عن العلوم والفلسفة الواقعية يؤلف "مجال المجهول" أو ما يجاوز إدراكنا. وفي كتاب "المبادئ الأولى" يعرض سبنسر جملة العلوم

стр. 354

عرضًا منظمًا، ويحاول أن يسوغ استبعاد الميتافيزيقا أو علم المطلق. ونقده صوري ومادي: من الوجهة الأولى يبين الاستحالة الصورية لإدراك المطلق، وذلك استنادًا إلى نسبية كل معرفة؛ ومن الوجهة الثانية يبطل المذاهب الميتافيزيقية في المطلق. يقول من الوجهة الأولى: إن العقل إذا حاول أن يتصور المطلق وضع نفسه بإزاء المطلق فحده وجعله غير مطلق, وكل معرفة فهي تفترض اختلافًا أو شبهًا، فإن فكرة ما لا تدرك إلا بمعارضتها بفكرة سابقة مختلفة عنها أو شبيهة بها، وعلى ذلك فكل فكر فهو نسبي، ولا يمكن أن يوجد شيء خارج المطلق حتى يختلف عنه أو يشبهه. ويقول من الوجهة الثانية: سواء اعتقدنا أن العالم هو المطلق وأنه موجود بذاته، أو أن المطلق موجود مفارق هو الذي أوجد العالم، انتهينا إلى هذا التناقض وهو أن شيئًا قد يستطيع أن يكون علة نفسه. وهناك متناقضات أخرى بين اللانهاية من جهة والشخصية من جهة، إذ إن الشخصية حد وتمييز وإن اللانهاية شمول كل شيء؛ وبين القدرة الإلهية من جهة والخيرية والعدالة من جهة؛ وبين العدالة من جهة والنعمة من جهة؛ وما إلى ذلك من المتناقضات. وكذلك الحال في المعاني العلمية الرئيسية، كالزمان والمكان والمادة والحركة والقوة والوجدان والشخصية، فإنها واضحة يجوز لنا استخدامها ما دمنا نقتصر على عالم التجربة المحدود، ولكنها تؤدي إلى متناقضات حالما نريد استخدامها للتعبير عن ماهية موجود مطلق كأنها مظاهرة. إن معرفتنا تنتقل من ظواهر إلى أخرى دون أن تدرك البداية ولا النهاية؛ كل ما هنالك أن النظر في العالم المعلوم يؤدي بنا إلى وضع المطلق المجهول. ج- وعلى ذلك, فليست اللاأدرية مرادفة للإلحاد, وليست تعني أننا مضطرون إلى الإيمان بالمطلق مجرد إيمان كما يقول هاملتون ومنسل لاعتقادهما أن معنى المطلق أو اللامتناهي معنى معدول سلبي فحسب, إنه معنى محصل. أجل إننا لا نفهمه، ولكن في هذا القول إثباتًا ضمنيًّا لوجوده، فإن من المستحيل أصلا تصور أن لا موضوع لمعرفتنا سوى الظواهر دون أن نتصور في نفس الوقت موجودًا تكون هذه الظواهر ممثلة له. إننا في تصورنا للمتناهي نتصور الموجود والنهاية, وفي تصورنا للامتناهي ننفي النهاية ولا ننفي الموجود. إن بين أفكارنا جميعًا شيئًا مشتركًا هو ما ندل عليه بلفظ الموجود ونعني به شيئًا ثابتًا

стр. 355

تحت الأعراض المتغيرة. هذا العنصر الفكري الأخير هو إذن بطبيعته غير معين وغير قابل للرفع، بحيث إن قوانين الفكر التي تحظر علينا تكوين تصور عن موجود مطلق، تحظر علينا أيضًا استبعاد تصوره. بل إننا نستطيع أن نتصوره بالمماثلة مع ما نشعر به أنه قوتنا الذاتية في الجهد العضلي، وذلك بأن نمحو شيئًا فشيئًا الحدود التي تبدو فيها القوة المجهولة في كل حالة جزئية, دون أن نصل إلى تكوين معنى محصل عنها. المادة والحركة مظهران لها، والزمان والمكان صورتان لمظاهرهما. د- إذا تقرر هذا لزم منه أن للدين مكانًا إلى جانب العلم. وإنما كان التعارض بينهما لأن الدين على اختلاف صوره، يدعي تعيين ماهية العلة المطلقة ويريد أن يحل مسائل لا تحل إلا بالعلم، وأن العلم يريد أن ينفذ إلى ميدان هو ميدان خاص بالدين. فما إن تعين حدود المعرفة كما ينبغي حتى يتفق العلم بالدين على أن ماهية الوجود مجهولة غير مدركة، وينحصر كل في دائرته وينتهي النزاع بينهما. إن للعاطفة الدينية أصلًا عميقًا في الإنسان, فهي من ثمة مشروعة. إنها عاطفة الاحترام بل الحب الذي تحسه النفس نحو ما يعلو عليها. وليس لها أن تخشى شيئا من النقد المنطقي مهما اشتدّ، فإن القوة التي ينم عنها العالم تفوق إدراكنا. ذلك هو الدين الذي يعترف به العلم، لا دين الإنسانية الذي ابتدعه أوجست كونت وزعم له صفة الواقعية, وأقامه على عبادة الطبيعة المنظورة وعظماء الرجال. وما سائر الأديان المعروفة عن الشعوب المتوحشة والمتحضرة إلا ترجمات مختلفة عن القوة العظمى التي هي علة الظواهر الطبيعية, والتي كان الإنسان البدائي يحس شيئًا منها في فعله الإرادي. هـ- واضح أن هذا المذهب ملفق من رقعتين؛ فإن سبنسر ينتمي إلى المدرسة الحسية فيقول: إن المعرفة قائمة بأكملها على التجربة، ثم يصطنع نظرية في المطلق المجهول لكي يدع الباب مفتوحًا للدين والأخلاق. وهذه النظرية مأخوذة كلها عن سبينوزا وكنط وهاملتون ومنسل، وقد رددنا بما فيه الكفاية على ما تتضمن من قول بالنسبية ومن دعوى تناقض الميتافيزيقا. فلا نعد سبنسر هنا إلا مقلدًا ومنسقًا لعناصر معروفة في تاريخ الفلسفة، دون أن يتمكن من إقامة الدليل على أن فكرة المطلق تعبر عن وجود مفارق للطبيعة ضامن للدين والأخلاق، لا عن
следующие страницы →