← Прочие науки

Прочие науки · id 8646

تاريخ الفلسفة الحديثة

يوسف بطرس كرم

Полный текст (464 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الخلق مجاراة للرأي العام، وصرح بأن الحياة لغز من الألغاز، وأن ما في العالم من ألم يعدل بنا عن القول بعناية إلهية، وأنه هو "لا أدري" لا يقول بالعناية ولا بالصدفة ١ , وأن الكلمة الأخيرة عنده هي "أن المسألة خارجة عن نطاق العقل, ولكن بوسع الإنسان أن يؤدي واجبه". د- وهل يدع مذهبه محلا لواجب؟ ما مذهبه إلا المذهب المادي المعروف، وقد خلع عليه حلة علمية شائقة، ولكنها لا تخفي عيوبه عن النظر الثاقب. قلنا: إن دروين عجب لتشابه أفراد النوع الواحد من حيث بنية الجسم وتوزعها أصنافًا تبعًا للبيئة وظروف المعيشة, فظاهر أن النوع ثابت من حيث الجوهر متغير من حيث العرض، ولكن دروين اتخذ التغير العرضي معيارًا وفسر الأنواع أنفسها كما تفسر الأصناف. وقد نسلم بالتطور ثم نرانا مضطرين إلى اعتبار الإنسان نوعًا قائمًا بذاته بسبب ما يختص به من علم ولغة وفن وصناعة وخلق ودين، وهي مظاهر للعقل لا نظير لها ولا أصل في سائر الحيوان. وقد نسلم بالتطور ثم نرانا مضطرين إلى الإقرار بموجد للمادة موجه لها، لقصور المادة عن تنظيم نفسها، ولكن من العلماء والفلاسفة من يفكرون كالعامة بالمخيلة دون العقل فيسيغون المحالات, وسنصادف نفرًا منهم فيما يأتي من فصول, يتخذون من مذهب التطور سلاحًا يهاجمون به الدين والروحيات إطلاقًا.

стр. 352

الفصل الثالث: هربرت سبنسر " ١٨٢٠ - ١٩٠٣ " ١٦٥ - حياته ومصنفاته: ابن معلم ابتدائي. شغف منذ حداثته بالعلوم الطبيعية والتاريخ، وبالمناقشات العلمية والسياسية والدينية، كان مهندس سكك حديد بضع سنوات, وشغل بمسألة التطور حين قرأ كتاب ليل Lyell في طبقات الأرض الذي كان في طبعاته الأولى يعارض نظريات لامارك، وخرج من دراسة علم الأجنة بأن التطور هو الانتقال من المتجانس إلى المتنوع، وأنه قانون الطبيعة. ونظر في المذهب الحسي كما كان إلى وقته وتفسيره محتوى الوجدان من أفكار وعواطف بالتجربة الفردية, فارتأى أن هذا المحتوى يفسر بتجربة النوع تتعين وتتطور بالوراثة، فدون كتابًا أسماه "مبادئ علم النفس" " ١٨٥٥ " عرض فيه هذا الرأي ونظرية التطور في جملتها. وأول عرض قام به لفلسفة التطور ظهر في مقال عنوانه "التقدم، قانونه وعلته" " ١٨٥٧ " فذكره دروين في مقدمة كتابه "أصل الأنواع" بين الذين سبقوه إلى نظريته. ثم رأى أن نسبية المعرفة على طريقة كنط وهاملتون ومنسل, تسمح له بإفساح مجال للدين إلى جانب مجال العلم وبناء فلسفة شاملة، فشرع يدون كتبه الكبرى في "الفلسفة التركيبية" حيث جمع علوم العصر كلها مؤلفة في مذهب متسق حول مبدأ التطور، أي: إنه وضع الفلسفة التركيبية الموضوعية التي كان أوجست كونت قد قال باستحالتها لاستحالة الانتقال التدريجي من مرتبة إلى أخرى من مراتب الوجود. هذه الكتب تفصيل مقالات نشرها في مجلات مختلفة ثم جمعت في ثلاثة مجلدات بعنوان "محاولات"؛ ولكنه تفصيل فضفاض كدس فيه كل المعارف في حين أن المقالات قصيرة واضحة. وجاءت الكتب الكبرى في عشرة مجلدات تتالت من ١٨٦٠ إلى ١٨٩٣. وهذه أسماؤها: المبادئ الأولى, مبادئ البيولوجيا في مجلدين, مبادئ علم النفس في مجلدين، مبادئ علم الاجتماع في ثلاثة مجلدات،

стр. 353

مبادئ الأخلاق في مجلدين. وله أيضًا كتاب في التربية " ١٨٦١ " وآخر في تصنيف العلوم " ١٨٦٤ " وآخر في ترجمته لحياته. أنجز هذا العمل الضخم بمثابرة حقيقة بالإعجاب تقاوم اعتلال صحته من جهة, وضيق ذات يده من جهة، وبمقدرة فائقة في التحليل والتركيب. ١٦٦ - المعلوم والمجهول: أ- يذهب سبنسر إلى أن موضوع المعرفة ينحصر في جملة العلوم الواقعية, وقد انتقد تصنيف أوجست كونت لهذه العلوم، ولكنه أخذ عنه التمييز بين العلوم المجردة والعلوم المشخصة, وأضاف قسيما وسطا سماه العلوم المجردة المشخصة, فوضع الجدول الآتي: ١ - العلوم المجردة أو علوم الصور الجوفاء، وهي المنطق والرياضيات بفروعها, ٢ - العلوم المجردة المشخصة أو علوم الظواهر، وهي الميكانيكا وعلم الطبيعة والكيمياء, ٣ - العلوم المشخصة أو علوم الموجودات، هي علم الفلك وعلم طبقات الأرض، وعلم الحياة "وفيه الأخلاق" وعلم النفس وعلم الاجتماع. هذا التقسيم يشبه تقسيم العلوم النظرية عند أرسطو بحسب درجات التجريد الثلاث، ولكن سبنسر يظن أن المشخص بما هو كذلك موضوع علم في حين أنه موضوع وصف فحسب، فما في علمي الفلك وطبقات الأرض من قضايا كلية يرجع في الحقيقة إلى علوم أخرى هي الرياضيات والطبيعة والكيمياء، وما يقال فيهما عن أشخاص الأفلاك ومداراتها وعن الطبقات الأرضية وأحوالها أمور جزئية؛ ثم إنه يضع بين العلوم المشخصة علوم الحياة والأخلاق والنفس والاجتماع وهي في الواقع تدرس ظواهر عامة وتتأدى إلى قوانين كلية, فالتقسم غير محكم. ومهما يكن من قيمة هذا الجدول فهو يمثل في نظر سبنسر "مجال المعلوم" كما يبدو في "الفلسفة الواقعية" التي هي عبارة عن جملة القوانين المشتركة بين جميع فروع المعرفة العلمية، بحيث يمكن أن يقال: إن المعرفة العامية عديمة الوحدة, والعلم معرفة ناقصة الوحدة, والفلسفة معرفة موحدة تمام التوحيد بفضل قانون التطور الذي هو أعم القوانين. ب- وكل ما خرج عن العلوم والفلسفة الواقعية يؤلف "مجال المجهول" أو ما يجاوز إدراكنا. وفي كتاب "المبادئ الأولى" يعرض سبنسر جملة العلوم

стр. 354

عرضًا منظمًا، ويحاول أن يسوغ استبعاد الميتافيزيقا أو علم المطلق. ونقده صوري ومادي: من الوجهة الأولى يبين الاستحالة الصورية لإدراك المطلق، وذلك استنادًا إلى نسبية كل معرفة؛ ومن الوجهة الثانية يبطل المذاهب الميتافيزيقية في المطلق. يقول من الوجهة الأولى: إن العقل إذا حاول أن يتصور المطلق وضع نفسه بإزاء المطلق فحده وجعله غير مطلق, وكل معرفة فهي تفترض اختلافًا أو شبهًا، فإن فكرة ما لا تدرك إلا بمعارضتها بفكرة سابقة مختلفة عنها أو شبيهة بها، وعلى ذلك فكل فكر فهو نسبي، ولا يمكن أن يوجد شيء خارج المطلق حتى يختلف عنه أو يشبهه. ويقول من الوجهة الثانية: سواء اعتقدنا أن العالم هو المطلق وأنه موجود بذاته، أو أن المطلق موجود مفارق هو الذي أوجد العالم، انتهينا إلى هذا التناقض وهو أن شيئًا قد يستطيع أن يكون علة نفسه. وهناك متناقضات أخرى بين اللانهاية من جهة والشخصية من جهة، إذ إن الشخصية حد وتمييز وإن اللانهاية شمول كل شيء؛ وبين القدرة الإلهية من جهة والخيرية والعدالة من جهة؛ وبين العدالة من جهة والنعمة من جهة؛ وما إلى ذلك من المتناقضات. وكذلك الحال في المعاني العلمية الرئيسية، كالزمان والمكان والمادة والحركة والقوة والوجدان والشخصية، فإنها واضحة يجوز لنا استخدامها ما دمنا نقتصر على عالم التجربة المحدود، ولكنها تؤدي إلى متناقضات حالما نريد استخدامها للتعبير عن ماهية موجود مطلق كأنها مظاهرة. إن معرفتنا تنتقل من ظواهر إلى أخرى دون أن تدرك البداية ولا النهاية؛ كل ما هنالك أن النظر في العالم المعلوم يؤدي بنا إلى وضع المطلق المجهول. ج- وعلى ذلك, فليست اللاأدرية مرادفة للإلحاد, وليست تعني أننا مضطرون إلى الإيمان بالمطلق مجرد إيمان كما يقول هاملتون ومنسل لاعتقادهما أن معنى المطلق أو اللامتناهي معنى معدول سلبي فحسب, إنه معنى محصل. أجل إننا لا نفهمه، ولكن في هذا القول إثباتًا ضمنيًّا لوجوده، فإن من المستحيل أصلا تصور أن لا موضوع لمعرفتنا سوى الظواهر دون أن نتصور في نفس الوقت موجودًا تكون هذه الظواهر ممثلة له. إننا في تصورنا للمتناهي نتصور الموجود والنهاية, وفي تصورنا للامتناهي ننفي النهاية ولا ننفي الموجود. إن بين أفكارنا جميعًا شيئًا مشتركًا هو ما ندل عليه بلفظ الموجود ونعني به شيئًا ثابتًا

стр. 355

تحت الأعراض المتغيرة. هذا العنصر الفكري الأخير هو إذن بطبيعته غير معين وغير قابل للرفع، بحيث إن قوانين الفكر التي تحظر علينا تكوين تصور عن موجود مطلق، تحظر علينا أيضًا استبعاد تصوره. بل إننا نستطيع أن نتصوره بالمماثلة مع ما نشعر به أنه قوتنا الذاتية في الجهد العضلي، وذلك بأن نمحو شيئًا فشيئًا الحدود التي تبدو فيها القوة المجهولة في كل حالة جزئية, دون أن نصل إلى تكوين معنى محصل عنها. المادة والحركة مظهران لها، والزمان والمكان صورتان لمظاهرهما. د- إذا تقرر هذا لزم منه أن للدين مكانًا إلى جانب العلم. وإنما كان التعارض بينهما لأن الدين على اختلاف صوره، يدعي تعيين ماهية العلة المطلقة ويريد أن يحل مسائل لا تحل إلا بالعلم، وأن العلم يريد أن ينفذ إلى ميدان هو ميدان خاص بالدين. فما إن تعين حدود المعرفة كما ينبغي حتى يتفق العلم بالدين على أن ماهية الوجود مجهولة غير مدركة، وينحصر كل في دائرته وينتهي النزاع بينهما. إن للعاطفة الدينية أصلًا عميقًا في الإنسان, فهي من ثمة مشروعة. إنها عاطفة الاحترام بل الحب الذي تحسه النفس نحو ما يعلو عليها. وليس لها أن تخشى شيئا من النقد المنطقي مهما اشتدّ، فإن القوة التي ينم عنها العالم تفوق إدراكنا. ذلك هو الدين الذي يعترف به العلم، لا دين الإنسانية الذي ابتدعه أوجست كونت وزعم له صفة الواقعية, وأقامه على عبادة الطبيعة المنظورة وعظماء الرجال. وما سائر الأديان المعروفة عن الشعوب المتوحشة والمتحضرة إلا ترجمات مختلفة عن القوة العظمى التي هي علة الظواهر الطبيعية, والتي كان الإنسان البدائي يحس شيئًا منها في فعله الإرادي. هـ- واضح أن هذا المذهب ملفق من رقعتين؛ فإن سبنسر ينتمي إلى المدرسة الحسية فيقول: إن المعرفة قائمة بأكملها على التجربة، ثم يصطنع نظرية في المطلق المجهول لكي يدع الباب مفتوحًا للدين والأخلاق. وهذه النظرية مأخوذة كلها عن سبينوزا وكنط وهاملتون ومنسل، وقد رددنا بما فيه الكفاية على ما تتضمن من قول بالنسبية ومن دعوى تناقض الميتافيزيقا. فلا نعد سبنسر هنا إلا مقلدًا ومنسقًا لعناصر معروفة في تاريخ الفلسفة، دون أن يتمكن من إقامة الدليل على أن فكرة المطلق تعبر عن وجود مفارق للطبيعة ضامن للدين والأخلاق، لا عن

стр. 356

عظمة الطبيعة المادية فحسب, فتفوتنا الأخلاق ويفوتنا الدين. هذا فضلا عن ضآلة الدين عنده, وعن نقص فلسفته الأخلاقية كما سنرى. ١٦٧ - تكوين العالم: أ- قانون التطور يقضي بأن كل شيء يبدأ ظاهرة بسيطة, فتلتئم حولها بالضرورة ظواهر أخرى فتركب كلا أعقد فأعقد. والطبيعة مادة وحركة، وما الحياة وما الشعور على اختلاف صوره إلا تعقد المادة والحركة، أي: مجرد أثر الطبيعة في أجزاء من المادة. فهيئة العالم تفسر بنظرية لابلاس أو ما يشابهها, ونشوء الحياة يفسر بتفاعل القوى الكيميائية, وتفسر الأنواع الحية بتطور الأصول الأولى المتجانسة بفعل البيئة، وسبنسر يفيد هنا كثيرًا ببحوث دروين ويستشهد بها, ويحلل الإحساس إلى "صدمات" عصبية أولية يقابل كل منها اهتزازًا من الاهتزازات التي يحلل إليها العلم الحديث الكيفيات المحسوسة. وبذا يحصل على "مادة شعورية" تتكامل بتأليف الصدمات بعضها مع بعض. وبتأليف هذه التأليفات بواسطة قوانين التداعي يحصل على الصور الخيالية والمعاني المجردة والأحكام والاستدلالات والأخلاق والاجتماع، على ما سبق لنا بيانه عن الحسيين مرارًا كثيرة, بحيث يرجع ترقي الفكر إلى ترقي الجهاز العصبي وملاءمة تدريجية بين الكائن الحي وبيئته، ويرجع التطور إلى علاقات بين الظواهر الخارجية يقابلها علاقات بين الأجزاء العصبية يقابلها علاقات بين الظواهر الوجدانية. على أن هذا لا يعني إدراكاتنا شبيهة بالأشياء, بل يعني فقط أنها علامات على الأشياء وأن النسب القائمة بينها يقابلها نسب في الخارج, فسبنسر يأخذ بالتصورية ثم يصححها بنوع من الوجودية، وهو يفضل الوجودية على التصورية لسببين: الأول سلبي وهو أن هذه تعتمد على تلك، فنحن نؤمن عفوًا بوجود الأشياء ولا نحاول أن نبين أن الصوت مثلا مجرد حالة ذاتية حتى نتحدث عن اهتزازات الجرس التي تنتقل إلى الأذن, والتي تفعل كذا وكذا في أعضائها كأن كل هذه موجودات. والسبب الثاني إيجابي وهو أن ما مر بنا من نسبية موضوعات العلوم يقتضي شيئًا مطلقًا تكون هي مطاهره. ب- وتتأيد نظرية التطور إذا لاحظنا أن التجربة والعلم لا يفسران باكتساب

стр. 357

الفرد فحسب، وأن العقل في الفرد وكما نعرفه ليس قابلية صرفة تكيفها التجربة الفردية على ما ارتأى لوك وهيوم ومل، إذ لو صح الرأي لكان الفرس مثلا يقبل نفس التربية التي يقبلها الإنسان، وهذا باطل. والواقع أن العقل الإنساني كما نعرفه لا يقتصر على قبول التجارب ولكنه ينظمها، وهو إنما ينظمها بالمبادئ, فما منشأ هذه المبادئ؟ إن العقل وظيفة من وظائف الحياة، وقد خضع للتطور فتكون بتأثير البيئة في الدفاع تأثيرًا متصلًا كيفه شيئًا فشيئًا حتى بلغ به إلى هذه المطابقة التي نراها بينه وبين الطبيعة. ولما كان الناس قد عاشوا في بيئة متشابهة, فقد تولدت نفس المبادئ عندهم جميعًا، وهذا أصل كليتها؛ ولما كان العقل قد تكيف هذا التكيف فقد أصبح عاجزًا عن تصور نقائض المبادئ، وهذا أصل ضرورتها. فالمبادئ التي تبدو الآن غريزية أولية، والتي يفسرها الحسيون بتجربة الفرد، والتي يضعها كنط وضعًا، قد اكتسبها النوع الإنساني بتكرار التجربة مدى أجيال طويلة؛ فأصبحت عادات وراثية. يبقى أن يفسر لنا سبنسر كيف تتكون بالتدريج بديهيات تدرك دفعة واحدة أو لا تدرك، وفي أي وقت خرجت من دور التكون وصارت مبادئ تنظم بها بعد أن لم تكن تنظم. ج- على أن الحركة ومختلف صور الطاقة تتبدد باستمرار، فالتقدم يصاحبه انحلال، وستنتهي القوة العالمية إلى حالة توازن كلي أي: موت كلي وعود إلى السديم الأول. ومن المستحيل علينا أن نعلم إن كانت هذه الحالة تدوم أو يعقبها دور تطور. إن دوامها فرض ممكن، ولكن يمكن أيضًا أن نعتقد أن وراء العوالم التي تدركها علومنا الراهنة طاقة مختزنة تكاد تكون غير متناهية تؤثر حينئذ في المادة فتستأنف التطور, فيتعاقب التطور والانحلال في أدوار هائلة، ولم يقل لنا سبنسر ما حظ الإنسان من هذا التعاقب، وما حظ هذا الفرض من الرجحان وكأنه أبى أن يعتقد بانتهاء التطور وانحلال الموجودات، وهذا الإباء صادر من غير شك عما فينا من ميل طبيعي للبقاء والخلود تصدمه المادية بلا رحمة. ١٦٨ - الأخلاق: أ- هذا المذهب يحتم النظر إلى الأخلاق تبعًا للتطور, واعتبارها ظواهر

стр. 358

طبيعية. فهو لا يحتمل إلا علمًا للأخلاق من طراز العلوم الواقعية يستبعد المعاني والمبادئ الميتافيزيقية، ويقصر السيرة الإنسانية على أن تكون حالة خاصة من سيرة الكائنات الحية لا أكثر. إن الخلقية هي هذه السيرة في المراحل الأخيرة من التطور. ولما كان قانون تطور الكائن الحي الملاءمة بينه وبين بيئته، كما نشاهد في سلم الأحياء، كانت السيرة الإنسانية أو الأخلاق "جملة الأفعال الخارجية المتجهة مباشرة أو بالوساطة إلى صيانة الحياة وتنميتها". ومن شأن تطور الإنسان وتقدم الحضارة تقسيم العمل بين الأفراد واستفادتهم بعضهم من بعض، فالتعاون الاجتماعي شرط ضروري لنمو الحياة الفردية؛ لأن به يتمكن كل فرد من تحقيق غايته الخاصة. وبذا تبدو تبعية المنفعة الفردية للمنفعة الاجتماعية مشروعة كلما اختلفنا. المنفعة إذن هي الحكم لا اللذة, أجل إن الخير يتفق على العموم مع اللذة، واللذة هي العنصر الجوهري في كل تصور للخلقية، وهي دليل وفرة الحيوية، والعلامة التي تشهد للوجدان بالملاءمة الصالحة بين الأفعال ووظائف الحياة. فالغرض من اللذة هو الفعل الحيوي الذي هو طلب الغاية الطبيعية. والحياة الخلقية هي التي أفعالها متسقة مطابقة للإنسان، والحياة المخالفة للخلقية هي التي لا نظام بين أفعالها ولا اتساق. فتقدم الخلقية هو تقدم الملاءمة بين حياة الإنسان وقوانينها الأساسية, ومبدأ الأفعال الخلقية هو اعتبار النتائج الطبيعية الذاتية للأفعال دون أي شيء آخر، كالشعور بالواجب أو الخوف من جزاء عرفي. ب- لم تحصل الملاءمة بين الإنسان وبيئته من أول الأمر، وهي غير حاصلة الآن إلا حصولا جزئيا، وقانون التطور يضمن لنا أن يتم في المستقبل. لقد تحقق التعاون بالانتقال التدريجي من الحالة العسكرية إلى الحالة الصناعية: الأولى تقوم على الحرب والإكراه والقانون العرفي, فتتضمن تبعية الأفراد للجماعة تبعية دقيقة، والثانية تقوم على العمل والتعاقد فتفسح المجال للتعاون الإرادي. ومن الوجهة العاطفية مر الإنسان بحالة أولى كان فيها يطلب منفعته الذاتية، وهذه مرحلة الأنانية؛ ثم فطن إلى أن منفعته تزداد بالتعاون مع إخوانه، فأحبهم لهذه المنفعة، فكانت مرحلة الأنانية المختلطة بالغيرية، ثبت فيها بالوراثة هذا الجمع بين المنفعتين حتى بدا العمل لمصلحة الغير أمرًا مستحبًّا ولو لم يعد منه نفع ذاتي

стр. 359

بل لو تعارضت المنفعتان، وهذه المرحلة ما تزال للآن، وهي مرحلة الصراع بين الأنانية والغيرية، وما الشعور بالواجب سوى مظهر سلطان التطور الماضي في أنفسنا؛ ونحن سائرون شيئًا فشيئًا إلى مرحلة ثالثة وأخيرة تتحد فيها المنفعتان تمام الاتحاد, فتسود الغيرية وتصير الأخلاق الفاضلة طبيعية في الإنسان وتمحى فكرة الواجب. ج- في هذا المذهب أمور مقبولة وأخرى منافية لمفهوم الأخلاق. فالمقبول قول سبنسر: إن الغاية الطبيعية هي الفعل المطابق لوظائف الحياة، وإن الحياة الخلقية هي الحياة المطابقة للإنسان, وإن اللذة "الحقة" هي التي تنشأ من الملاءمة الصالحة بين الأفعال ووظائف الحياة. في هذه الأقوال التي يتوخى منها سبنسر وضع غاية ومعيار للسيرة الإنسانية, نرى معنى ميتافيزيقيا يفترضه باستمرار ولا يعترف به صراحة، هو معنى الماهية أو الطبيعة الإنسانية التي إذا طابقها فعل كان خلقيا وإذا خالفها فعل لم يكن خلقيا. هذا المعنى تفترضه جميع المذاهب النفعية فتخالف المبدأ الحسي، ولا يتمشى مع هذا المبدأ إلا أمثال أرستيب الذين يقولون باللذة كيفما كانت. أما الأمور المنافية للأخلاق فأولها تعريف سبنسر للأخلاق بأنها "جملة الأفعال الخارجية المتجهة إلى صيانة الحياة وتنميتها" هذا التعريف يلزم من المذهب الحسي، ولكنه يخالف فهم الناس جميعًا، فإنهم يريدون بالأفعال الأخلاقية أولا وبالذات الأفعال الباطنة، سواء خرجت إلى الفعل أم لم تخرج، المتجهة إلى تنمية حياة النفس ولو اقتضى الأمر التضحية بالحياة الجسمية التي لا يعرف التطور المادي حياة غيرها. وثمة أمر ثانٍ هو أن القانون في مذهب التطور قانون طبيعي لا خلقي، قانون بيولوجي هو أثر البيئة فينا، يدفعنا إلى الأمام كما يدفع الطبيعة بأسرها، في حين أن القانون الخلقي قانون مثالي معروض على الإرادة لكي تحققه باختيارها, فتحقق فوق النظام الطبيعي نظامًا إنسانيًّا بمعنى الكلمة. وأمر ثالث نجعله الأخير هو أن الغيرية التي يعدها سبنسر مرادفة للخلقية هي في مذهبه غير مقصودة بالذات ولكنها نتيجة الارتباط بين المنفعة الذاتية ومنفعة الغير، فهي الأنانية بعينها. ومتى كان قانون التطور محتومًا، فما الحاجة إلى إقناعنا بالعمل بموجبه؟ أليس لكل أن يكفي نفسه مؤنة الغيرية ويعول على الضرورة الطبيعية في تحقيق التقدم؟

стр. 360

ولقد عالج سبنسر مسألة الإحسان، وبخاصة الإحسان المنظم من الدولة، فكان موقفه فيها موقف الأنانية القاسية, قال: إن الإحسان معارض للقانون الطبيعي الذي يقضي ببقاء الأصلح، ومؤدٍّ إلى انحطاط النوع الإنساني بالتدريج, إذ إنه يعارض على تكاثر أقل الأفراد مواهب على حساب أكثرهم مواهب، وإن الفريق النشيط من الأهلين يدفع جزية ثقيلة لفريق عديم النفع هم الشيوخ والمرضى والمجانين، وإن تقدم الأقوياء وسقوط الضعفاء نتيجة ضرورية لقانون كل مستنير نافع، وإن الدولة إذ تحاول وقف هذا القانون الحكيم بدافع من حب للإنسانية زائف، تزيد في مقدار الألم بدل أن تنقص منه ١. هذا كلام قاسٍ يتضح مه جليا أن سبنسر لا ينظر إلى الإنسان إلا كما ننظر إلى الحيوان، ولا يفهم من الغيرية إلا أنها تبادل المنفعة. ويزيد في قسوته أن كثيرين من "الضعفاء" هم ضحايا لفساد المجتمع, فهم مظلومون يتعين على المجتمع تخفيف الظلم عنهم. وما قيمة "الجزية" بالقياس إلى ازدياد الغيرية الحقة التي يراها سبنسر غاية التطور الإنساني، وبالقياس إلى احترام الكرامة الإنسانية في هؤلاء الضعفاء، وهذا الاحترام كسب خلقي من غير شك, ولكن المذهب المادي لا يعرف الخلقية، وسبنسر ينطق عنه بأفصح بيان. وقد بذل مجهودًا عظيمًا في شرحه وتأييده، فراح مجهوده عبثًا, وكان هو آخر رجال هذا المذهب في بلده. ١٦٩ - توماس هكسلي " ١٨٢٥ - ١٨٩٥ ": من أشهر القائلين بنظرية التطور وأكثرهم ضجيجًا ومهاترة. طبق هذه النظرية على الإنسان قبل دروين في كتابه "مكان الإنسان في الطبيعة" " ١٨٦٣ " وله كتاب عن "هيوم، حياته وفلسفته" وله "محاولات" مختلفة " ١٨٩٤ ". هو واقعي يرى أن المادية والروحية خطأ على السواء؛ لأنهما تفترضان أننا نعلم حقيقة الأشياء ونحن لا نعلمها. ويقال: إنه هو الذي وضع لفظ agnosticism " لاأدرية" للدلالة على هذا الموقف, فاصطنع سبنسر هذا اللفظ. وهو واضع لفظ Bathydius, ذلك أن بعضهم اعتقد أنه اكتشف في قاع البحر مادة هلامية هي حلقة الانتقال من عالم الجماد إلى عالم الحياة، ونظر فيها هكسلي فاعتقد

стр. 361

أنها بروتوبلاسما ودعاها بذلك الاسم، ثم اتضح أنها طين لا أكثر أو راسب جرف مواد عضوية! وقد اعترف بذلك في دعابة لطيفة أثناء مؤتمر علمي بشفيلد في سنة ١٨٧٩ , وأعلن أسفه لأنه كان السبب في تضليل كثيرين اعتمدوا على شهرته واستشهدوا به في تأييد التولد الذاتي. وهذا مثال على ما للنظريات من قوة إيحاء متى تسلطت على النفس، أو مثال على أن الغرض مرضٍ.

стр. 362

الفصل الرابع: الحركة الدينية ١٧٠ - نيومان " ١٨٠١ - ١٨٩٠ ": أ- منذ أوائل القرن قامت في جامعة أكسفورد معارضة شديدة للمذهب التجريبي صادرة بالأكثر عن أسباب دينية، ثم ظهرت فيها معارضة فلسفية تعتمد على الفلسفة الألمانية وبخاصة على مذهب هجل، كما اعتمدت عليها المعارضة السابقة الممثلة بكولريدج وكارليل وهاملتون، غير أن الفلسفة الألمانية لم تدرس دراسة جدية في إنجلترا إلا في هذه الفترة الثانية أي: في الربع الأخير من القرن، وكانت جامعة أكسفورد هي المتقدمة في هذا المضمار. ولكن هذه الحركة الدينية الثانية تجرد الدين عن العقائد السلفية ولا تحتفظ إلا بالعاطفة الدينية خالصة. لذا لم يرض عنها المؤمنون وعدوها أشد خطرًا من الإلحاد السافر. ب- من أبرز رجال الحركة الأولى نيومان. قرأ هيوم واعتقد مثله أن الاستدلال عاجز عن توفير اليقين, ولكنه كان منذ حداثته شديد التقوى حتى كان مقتنعًا اقتناعًا يمكن أن يسمى عمليا أو تجريبيا بوجود الله كما يظهرنا عليه الإنجيل، فرأى أن الذي يبحث عن الجماعة الدينية التي احتفظت للآن بالحياة الإنجيلية، فلن يجدها إلا في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. فانضم إليها " ١٨٤٥ " وصار قسيسًا فكردينالًا. ج- لم يبق طبعًا على تشككه في العقل, ولكنه ميز بين ضربين من التصديق: أحدهما يرجع إلى المعرفة التجريدية التي هي ثمرة استدلالات العقل النظري, والتي تظل بلا أثر فعال في السيرة، والضرب الآخر تصديق محسوس يخرج من صميم النفس ويقيد الحياة بأكملها. ومصدر هذا التصديق الضمير الذي هو القانون الإلهي للخلقية تدركه كل نفس في ذاتها. فالدين الحق هو الذي يقابل صوت الضمير ويدفع بالحياة الروحية إلى قمتها. وهو في هذا يساير هيوم الذي ميز بين "المعرفة" التي هي شكية حتمًا, وبين التصديق العملي بدوافع الطبيعة

стр. 363

الإنسانية؛ غير أن نيومان اتخذ من الضمير أساسًا موضوعيًّا تبنى عليه الحياة, ويبنى عليه اليقين العقلي. فهو قد انتهى إلى ضرب من البراجماتزم، وكتابه "أجرومية التصديق" مليء بالاعتبارات في التجربة الدينية. وهذه وجهة لها حظ كبير عند كثيرين من المحدثين الذين يرون أن للضمير والحياة الروحية قيمة ذاتية، وأن علامة الحق في كل رأي معروض هي ما لهذا الرأي من نفع لحياتنا الأخلاقية والدينية. ١٧١ - سترلنج " ١٨٢٠ - ١٩٠٩ ": هو زعيم الحركة الثانية، فإن كتابه "سر هجل" " ١٨٦٥ " أول كتاب مهم بالإنجليزية عن هذا الفيلسوف. والكتاب غريب يصطنع في بعض فصوله أسلوب النبوة بما فيه من حماسة وغموض. ويرى سترلنج أن الفلسفة الهجلية هي الفلسفة المسيحية بمعنى الكلمة؛ لأنها تبين أن المسيحية هي الديانة المطلقة وتوفق بين العقل والإيمان. ولما أنشأ اللورد Gifford المحاضرات الفلسفية الدينية المعروفة باسمه، افتتحها سترلنج " ١٨٨٩ " بدروس في "الفلسفة واللاهوت". ١٧٢ - توماس هل جرين " ١٨٣٦ - ١٨٨٢ ": أ- أستاذ الفلسفة الخلقية بأكسفورد " ١٨٧٨ ". كان معتبرًا زعيم الحركة الهجلية الإنجليزية، وقد أثر في شباب الجامعة تأثيرًا بليغًا يرجع بالأخص إلى سمو شخصيته. أهم مؤلفاته: "المدخل إلى هيوم" " ١٨٧٤ " ينقده فيه نقدًا نافذًا، و"مقدمة للأخلاق" " ١٨٨٣ " يحاول فيها أن يهتدي إلى أساس للأخلاق غير تجريبي. ب- وجه همه منذ البداية إلى محاربة المذهب الحسي والإلحاد ومذهب اللذة، أي: إلى إعادة العقل في المعرفة، والله في الدين, والخلقية في السيرة. فالمعرفة لا تستغني عن العقل إذ لا معرفة بدون علاقات تربط بين الظواهر فتؤلف الأشياء ومبادئ العلم "كما بين كنط". وهذا الربط يكشف لنا عن وحدة الوجدان "كما بين كنط أيضًا". فلا يمكن اعتبار الوجدان نتاجًا آليًّا للتطور البيولوجي عاطلًا من العقل. ليست توجد الطبيعة "في مذهب كنط" إلا بفضل

стр. 364

الأنا الذي يكون موجوداتها ويدركها، فكيف تعكس الآية ويقال: إن الطبيعة تخلقه؟ ج- والله أو المطلق موجود بدليل أن الإحساس جزئي ناقص يفترض علاقة بمعرفة كلية تندرج تحتها جميع الإحساسات، وهذه المعرفة الكلية موجودة بالعقل الكلي أو الله، فالله أصل مفترض لكل معرفة. ثم إن رجوعنا إلى أنفسنا يكشف لنا عن مثل أعلى نحس أننا ملزمون بتحقيقه، والله متضمن في هذا الشعور بالمثل الأعلى، بل إن هذا الشعور هو أكثر من دليل على وجود الله، إنه حضور الله فينا "بالمعنى الذي يريده هجل، أي: إن الله يتحقق في الإنسان". أما قول هاملتون وسبنسر: إن المطلق غير معلوم فقول متناقض من حيث إن العلم بوجود المطلق إدراك لشيء عنه. فالعقل ينتهي إلى الإيمان ويتكمل به, على أن هذا الإيمان إيمان عقلي بحقائق عقلية، فلا ينبغي فهم العقائد المسيحية فهمًا حرفيًّا، بل يجب اعتبارها رموزًا لتلك الحقائق "كما بين كنط وهجل". د- والأخلاق تصدر عن نفس المبدأ. إن الأنا الإنساني مشارك في الأنا الكلي، وتقوم الحياة الخلقية في التقدم نحو التوحيد بين الطرفين "أي: نحو تأليه الإنسان" وهذه الغاية لا تحقق بإرضاء نزعة جزئية أية كانت، بل بإرضاء طبيعتنا جمعاء. وإن الفرد ليجد في المؤسسات الاجتماعية عونًا في سبيل هذا التقدم نحو الكلي، فلا يسوغ له معارضة مؤسسة ما بخيره الذاتي "وبذا يقف جرين في صف المحافظة الاجتماعية كما وقف هجل". هـ- وقد كان لهذه الحركة الدينية الهجلية أشياع بين اللاهوتيين والوعاظ من البروتستانت استغلوا فلسفة هجل بصور مختلفة, نذكر منهم جويت " ١٨١٧ - ١٨٩٣ " المعروف بترجمته لمحاورات أفلاطون وشرحه عليها؛ ونذكر كيرد " ١٨٢٠ - ١٨٩٨ " وأخاه " ١٨٣٥ - ١٩٠٨ ".

стр. 365

المقالة الثانية: الفلسفة في فرنسا مدخل ... المقالة الثانية: الفلسفة في فرنسا ١٧٣ - تمهيد: في هذه المقالة نجمع في فصل أول بين فلاسفة بعضهم على المذهب الواقعي, والبعض الآخر على المذهب الروحي النابع من فيكتور كوزان وطريقة التخير. ولكن هناك فلاسفة كانوا أكثر أصالة وأعمق أثرًا يرجعون إلى مين دي بيران وطريقته النفسية, ويحاولون إنقاذ الحرية الإنسانية من الآلية العلمية, وهم طبقتان نستوفي الكلام عليهم في فصلين.

стр. 366

الفصل الأول: بين الواقعية والروحية ١٧٤ - إميل ليتري " ١٨٠١ - ١٨٨١ ": هو أشهر تلاميذ أوجست كونت. اعتزل أستاذه لما رآه يبتدع دين الإنسانية، وقال: إن الدين كان المرحلة الأولى من مراحل العقل, وإن هذه المرحلة انقضت ولا ينبغي أن يكون لها رجعة. فعمل على إذاعة المذهب الواقعي الأول ومعارضة الثاني. وأكمل تصنيف العلوم بإدخال الاقتصاد السياسي، وعلم النفس الفلسفي الذي يفحص عن طرائق المعرفة وقواعدها، وعلم الأخلاق وعلم الجمال وعلم النفس التجريبي. وله عبارة مأثورة في الميتافيزيقا هي أنها "محيط يضرب شاطئنا, ولكنا لا نملك له سفينة ولا شراعًا". ١٧٥ - أرنست رنان " ١٧٢٣ - ١٨٩٢ ": أ- كاتب شهير ومستشرق معروف. كان يعد نفسه للإكليروس، ثم تشكك في الدين عن طريق النقد التاريخي، فتحول عن مشروعه، وقضى حياته يكتب في المسائل الدينية ويعقب على الكتب المقدسة. أشهر تآليفه "مستقبل العلم" دوّنه سنة ١٨٤٨ ولم ينشره إلا سنة ١٨٩٠؛ و"حياة يسوع" " ١٨٦٣ "؛ و"ابن رشد والرشيدية" " ١٨٦٩ "؛ و"محاورات فلسفية" " ١٨٧٦ ". ب- "مستقبل العلم" أن يحل محل الدين. والعلم يعني -بنوع خاص- التاريخ وفقه اللغات، فهما علما الأمور الروحية، يظهران الإنسانية على ماهيتها خلال نموها، ويشعرانها بالقوة التي تسوقها، كما قال هجل ١، والمهمة الأولى للمؤرخ الفحص عن أصول المسيحية التي هي أرقى ديانة روحية. وفي هذا

стр. 367

الفحص يفسر لنا رنان كل شيء تفسيرًا طبيعيًّا، فإن الدين عنده خرافة، أو بتعبير ألطف هو فرض مفيد يرفع النفس, وبذا يجمع رنان بين الواقعية والروحية. على أن التفسير الطبيعي ليس في رأيه رد الأحداث إلى "جدل باطن" كما يفعل الهجليون, بل ردها إلى تأثير عظماء الرجال. وقد كان يسوع واحدًا منهم، بل كان "رجلا منقطع النظير" وجد حقا "لا كما زعم شتراوس" ولكنه لم يكن على ما زعم له الحواريون. ج- هذا الاتجاه العام في التفكير يحتمل فوارق واختلافات كثيرة تقلب بينها رنان. فكان ينكر رأيًا ثم يعود فيصطنعه ثم يعود فينكره وهكذا، ولا تعوزه الحجة في كل مرة. وهو إذ يؤرخ لابن رشد وأشياعه من الغربيين يميل ميلًا ظاهرًا إلى الآراء الإلحادية وأصحابها. وهو إذ يكتب المحاورات الفلسفية يجري قلمه بشك لطيف عابث على طريقة فولتير. ١٧٦ - إيبوليت تين " ١٨٢٨ - ١٨٩٣ ": أ- أديب مؤرخ فيلسوف تدل عناوين كتبه على تنوع كفاياته, منها: "تاريخ الأدب الإنجليزي" في خمسة مجلدات " ١٨٥٣ "؛ و"الفلاسفة الفرنسيون الكلاسيكيون في القرن التاسع عشر" في مجلدين " ١٨٥٦ "؛ و"المثل الأعلى في الفن" " ١٨٦٧ "؛ وكتابه الفلسفي المشهور "في العقل" في مجلدين " ١٨٧٠ "؛ و"أصول فرنسا المعاصرة" في اثني عشر مجلدًا صدرت تباعًا بعد سنة ١٨٧٠؛ ينصف فيها نظام الحكم القديم ضد الثورة وميولها. ب- في كتاب "العقل" يحذو حذو كوندياك والفلاسفة الحسيين من الإنجليز، فيصف الإحساس بأنه أولا وقبل كل شيء ظاهرة عصبية قد يطرأ عليها الشعور وقد لا يطرأ، فالشعور ظاهرة عارضة لا أصلية، والوجدان في جملته ظواهر منفصلة تربط بينها قوانين التداعي كما أن الشيء الخارجي ذرات مستقلة تجمع بينها قوانين الحركة. والإدراك الظاهري واقع على صورة باطنة لا على شيء خارجي، فهو تخييل، غير أنه "تخييل صادق" والصورة المتخيلة "تخييل كاذب". والمعنى المجرد لفظ ليس غير يذكر بالجزئيات؛ والحكم والاستدلال تركيب ألفاظ, إلى غير ذلك من الآراء التي ينقلها عن الحسيين

стр. 368

وكل نصيبه فيها براعة العرض والتمثيل. وهو يجمع إلى هذا أشياء من سبينوزا وأخرى من هجل، فيتصور الله مجرد قانون, "القانون السرمدي" الذي تنتهي عنده سائر القوانين الجزئية؛ ولا يعتقد بخير أو شر بالذات، فلا يعنى بنتائج هذا الموقف في الحياة العلمية. وهو الذي عناه بول بورجي في قصته "التلميذ" يذيع آراء ثم يندهش لما تؤدي إليه من فواجع. ١٧٧ - إميل فاشرو " ١٨٩٠ - ١٨٩٧ ": أ- معروف بكتب ثلاثة: "التاريخ النقدي لمدرسة الإسكندرية" " ١٨٤٦ - ١٨٥١ "؛ و"الميتافيزيقا والعلم" " ١٨٥٨ "؛ و"المذهب الروحي الجديد" " ١٨٨٤ ". ب- يعارض كوزان في طريقة التخير، ويقول بوحدة الوجود على طريقة هجل. فمن الوجهة الأولى يذكر أن مصادر المعرفة ثلاثة: المخيلة والوجدان والعقل. المخيلة تتصور الوجود كله على مثال المحسوسات فتؤدي إلى المادية, والوجدان يحملنا على تصور الوجود قوة روحية على مثال ما نعهده في أنفسنا. والعقل يدفعنا إلى أن نرى في الوجود نموًا ضروريًّا لقوة لامتناهية بموجب مبادئ ضرورية على مثال مذهب سبينوزا. فالمواقف الأصلية متعارضة لا يمكن التوفيق بينها ولا اختيار أحدها. ومن الوجهة الثانية يقول: إن الاختيار يتعين بين الموجود والمثل الأعلى, ذلك أن كل موجود فهو متناهٍ كالموجودات التي تمثلها المخيلة؛ أما الكمال اللامتناهي فمثل أعلى غير متحقق وغير ممكن التحقيق بتمامه لتنافي اللانهاية والوجود، ولكن المثل الأعلى يضفي على الموجود معناه ويعين اتجاهه. فالله غير متحقق ولكنه يتحقق شيئًا فشيئًا بتحقيق المثل الأعلى "كما جاء عند هجل ورنان". وقد رد "كارو" "وهو من نفس المدرسة" على فاشرو ورنان وتين في كتاب بعنوان "فكرة الله" " ١٨٦٤ ". ١٧٨ - جول سيمون " ١٨١٤ - ١٨٩٦ ": أ- هو روحي عقلي. صنف كتابًا في "تاريخ مدرسة الإسكندرية" " ١٨٤٥ " وكتبًا فلسفية أهمها: "الدين الطبيعي" " ١٨٥٦ "، و"حرية الضمير" " ١٨٥٧ "؛ و"الحرية" " ١٨٥٩ "؛ و"الواجب".

стр. 369

١٧٩ - بول جاني " ١٨٢٣ - ١٨٩٩ ": هو أقرب إلى كوزان, ولكنه لا يفهم التغير على أنه انتخاب آلي للآراء المشتركة, بل على أنه تطبيق المنهج الموضوعي الذي أفلح في التوفيق بين العلوم. ويبدو هذا التطبيق في كتابه "تاريخ الفلسفة" وهو كتاب متداول ومترجم إلى الإنجليزية، حيث يقدم على تاريخ المدارس تاريخ المسائل فيتتبع الحلول في كل مسألة من بداية الفلسفة إلى أيامنا. وكتابه "العلل الغائية" " ١٨٧٧ " يستمد كل مادته من العلوم. وكتابه "الأخلاق" " ١٨٧٤ " يقرر أن أداء الواجب هو نمو الطبيعة الإنسانية نحو كمالها، فيوفق بين كنط وأرسطو. وكتابه الأخير "علم النفس وما بعد الطبيعة" " ١٨٩٧ " يدور على النقطة الجوهرية في روحانية كوزان, وهي الوصول إلى الميتافيزيقا عن طريق الاستبطان.

стр. 370

الفصل الثاني: فلاسفة الحرية "طبقة أولى " ١٨٠ - جول لكيي " ١٨١٤ - ١٨٦٢ ": تخرج في مدرسة الهندسة بباريس, واشتغل بالفلسفة، وكان هدفه الأول التدليل على الحرية. نهج في ذلك منهج ديكارت في "البحث عن حقيقة أولى" "وهذا عنوان كتابه الذي لم ينشر إلا في سنة ١٩٢٤ ". يريد أن الحرية شرط المعرفة أو أنها الحقيقة الأولى بين الحقائق التي نوفق إلى اكتسابها، لكن لا باعتبارها ظاهرة وجدانية، على ما يذهب إليه الروحيون، إذ إن الشعور بانتفاء القسر "أو عدم الشعور بالقسر" لا يعد دليلًا على حرية الفعل, وإن التجربة الباطنة لا تعد حجة إلا إذا وجدت النفس في عين الظروف مرتين أو أكثر فجاء فعلها في كل مرة مختلفًا، وهذا مستحيل الوقوع. فالوسيلة إلى التدليل على الحرية هي أن نضع أنفسنا موضع الباحث عن حقيقة أولى, "وكيف أعتزم البحث، وأحدد الغاية، وأقاطع العادة والمألوف من الآراء، وأحاول وضع نفسي في حالة استقلال وإخلاص ... إذا كانت أفكاري تتعاقب في نظام لا سيطرة لي عليه؟ " الحرية هي إذن القدرة على التصرف بأفكاري وسلكها في نظام غير محتوم. فالحرية هي الحقيقة الأولى السابقة على كل حقيقة, ذلك بأني لا أستطيع أن أثبت أو أن أنفي إلا بواسطة الحرية أو الضرورة، وهناك أربعة فروض لا خامس له: فإما توكيد الضرورة ضرورة, أو توكيد الحرية ضرورة، أو توكيد الضرورة بحرية، أو توكيد الحرية بحرية. فالفرض الأول لا يدع مجالا للمعرفة كما تقدم، والثاني متناقض، والثالث متناقض كذلك، والرابع هو الفرض الممكن في ذاته وفاتح الطريق إلى المعرفة, فلا يقام على الحرية دليل بمعنى الكلمة، ولكنها تسلم تسليمًا. "وإني أفضل أن أثبت الحرية، وأن أثبت أني أثبتها بوساطة الحرية, وإثباتي هذا ينقذني ويحررني. وإني آبي مواصلة معرفة لا تكون معرفتي، وأعتنق اليقين الذي أنا صانعه".

стр. 371

١٨١ - شارل سكرتان " ١٨١٥ - ١٨٩٥ ": سويسري الموطن, فرنسي اللغة, أستاذ بجامعة لوزان. أراد أن يقيم الأخلاق على تأويل فلسفي للعقيدة المسيحية, وعرض هذه المحاولة في كتابه "فلسفة الحرية" " ١٨٤٨ , ١٨٤٩ " فقال: إن الأخلاق لا تستغني عن الحرية فينبغي الفحص عن مبدأ أعلى كفيل بأن يكون لها أصلًا وقانونًا, هذا المبدأ هو الله. إن مذهب وحدة الوجود يرى في الله موجودا ضروريا بضرورة ذاتية، فيرى في فعله فعلًا ضروريًّا كذلك إذ كان من الممتنع الحصول على الممكن ابتداء من الضروري. فلن ننجو من وحدة الوجود إلا بالتسليم بأن الله حرية مطلقة، حتى بإزاء حريته نفسها، وأنه هو ما يريد أن يكون، فإن الموجود الذي يمنح نفسه الكمال بحرية لهو أكمل من الوجود الكامل بالطبع. فالميتافيزيقا تاريخ الأفعال الممكنة للحرية المطلقة, وليس يريد الله الخليقة تبعا لنزوع فيه، فإن هذا يجعل من الخلق فعلًا ضروريًّا. فهو إذن يريد الخليقة لذاتها لا لذاته، وهذه هي المحبة، ويريدها كغاية وإذن يريدها حرة. والأخلاق تحقيق الحرية, والواجب الذي ترجع إليه جميع الواجبات هو التحاب؛ لأن الناس جميعًا متضامنون. ١٨٢ - أنطوان كورنو " ١٨٠١ - ١٨٧٧ ": أ- رياضي كبير يمتاز بنظريتين: نظرية في نسبية المعرفة على وجه خاص به، ونظرية في وجود الاتفاق أو الصدفة؛ والنظريتان ترميان إلى ضمان الحرية، فإنه إذا كانت معرفتنا نسبية فليس يسوغ القول بالضرورة المطلقة، وإذا كان في العالم مجال للاتفاق كان فيه مجال للحرية. وقد فصل هاتين النظريتين في كتبه الآتية: "عرض نظرية الحظوظ والاحتمالات" " ١٨٤٣ " و"محاولة في أسس معارفنا وفي خاصية النقد الفلسفي" " ١٨٥١ " و"تسلسل الأفكار الأساسية في العلوم وفي التاريخ" " ١٨٦١ " و"اعتبارات في سير الأفكار والأحداث في الأزمنة الحديثة" " ١٨٧٢ " و"المذهب المادي والمذهب الحيوي والمذهب العقلي" " ١٨٧٥ ". ب- نسبية المعرفة معناها أن المعرفة لا تقع إلا على نسب أو علاقات، غير

стр. 372

أن هذه العلاقات موضوعية, فالمعرفة موضوعية، لكنها لما كانت واقعة على علاقات فهي تترتب في درجات من الاحتمال دون أن تبلغ إلى اليقين المطلق. فنحن من الجهة الواحدة متصلون بالأشياء تابعون لها في حياتنا، فمن الطبيعي أن ندركها من الناحية التي تهمنا لا في حقيقتها المطلقة. ومن جهة أخرى نحن ندرك هذه الأشياء في علاقاتها بعضها ببعض, مثال ذلك: أن الإدراك المباشر الذي يرى الذهب أصفر هو أبعد عن الواقع من معرفة الفيزيقي الذي يعلم أن هذا اللون الأصفر مركب من لون الذهب وأثر انعكاس الضوء على سطحه, ويزيد اقتراب الفيزيقي من الواقع إذا استطاع ربط ما للذهب من خصائص بصرية بتركيبه الذري, ولكن علمنا صادق في هذه الحدود. والدليل على صدقه نجاحه، فإن هذا النجاح يدل على أن بين الوجود والعقل مطابقة. وكذلك القول في الفروض أو النظريات العلمية، فإنها تقبل متى سمحت بالربط بين الظواهر ربطًا معقولًا، وكلما اتسع نطاق التطبيق كانت النظرية أكثر احتمالًا، كما هو الحال في نظرية الجاذبية العامة. فالفرق بين كورنو وبين كنط أن النسبة عنده نسبة المعرفة إلى الشيء المعروف, وأنها عند كنط نسبة الشيء المعروف إلى طبيعة القوة العارفة. ج- والاتفاق يبدو أولا في كون المعاني الأساسية في علومنا متباينة منفصلة بحيث يمتنع سلكها في نظام تام الوحدة, فليس هناك انتقال منطقي من فكرتي الزمان والمكان إلى فكرتي القوة والمادة, ومن هاتين إلى فكرة الألفة الكيميائية، ومن هذه الثلاث جميعًا إلى فكرتي الحياة والجسم العضوي, ومن هاتين إلى فكرتي العقل والمجتمع "على ما قال أوجست كونت". ويبدو الاتفاق ثانيًا من ضرورة التمييز في جميع ميادين المعرفة بين القوانين أو العلاقات المطردة التي تسمح لنا بتوقع الظواهر، وبين ظروف الظواهر من زمان ومكان وغيرهما، وهي ظروف لا تتكرر، ولا تفسر إلا بالرجوع إلى ظواهر سابقة ومن هذه إلى أخرى سابقة وهكذا إلى غير نهاية. فسواء اعتبرنا ظواهر المادة البحتة أو الظواهر البيولوجية أو الظواهر الإنسانية، قلنا: إن في أصلها وقائع تاريخية أي: ظواهر اتفاقية. فبإزاء العلوم الفيزيقية يقوم علم تكوين العالم، وبإزاء البيولوجيا يقوم التاريخ الطبيعي وبإزاء علم النفس وعلم الاجتماع يقوم التاريخ الإنساني. ولا يوجد تفسير علمي

стр. 373

لهذه الوقائع، من حيث إن العلم معرفة القانون, وإن الاتفاق خارج عن القانون. ولكن ما يعجز العقل الإنساني عن تفسيره قد يكون معقولًا للعقل الإلهي باعتباره عقلًا مشخصًا حيًّا لا مجرد عقل منطقي. على أن الله ليس موضوع علم, بل موضوع إيمان. ١٨٣ - شارل رنوفيي " ١٨١٥ - ١٩٠٣ ": أ- تخرج هو أيضًا في مدرسة الهندسة بباريس، وكان كمعظم طلابها مشايعًا لسان سيمون, مناصرًا لفكرة الجمهورية. وكان أوجست كونت معيدًا له بهذه المدرسة، وكان جول لكيي قرينًا له وصديقًا، وقد قال هو عنه: "إنه الرجل الذي قشع الغشاوة عن عينيه، وعلمه ما الحرية وما اليقين وما العلاقة بين الحرية والإيمان" فكانت الحرية الركن الأول من أركان مذهبه, وساقته إلى نقد كل مذهب يعتبر الحياة الخلقية مظهرًا ضروريًّا لقانون كلي أو لموجود مطلق, أعني: الآلية العلمية والجبرية التاريخية والدين. وقادته دراسته الرياضية إلى العناية بفكرة اللانهاية, فرأى أن العدد اللامتناهي ممتنع, وأن كل مجموع واقعي يجب أن يكون متناهيًا، فكان التناهي ركنا آخر من أركان مذهبه ساقه إلى نقد كل نظرية من نظريات الاتصال التي تضع بين الأشياء فوارق غير متناهية فتندرج من شيء إلى آخر تدرجًا متصلًا، وجاء هذا النقد موافقًا لمواقفة من الحرية والأخلاق. ودرس ديكارت وكنط وهيوم، فأخذ بالتصورية وبنسبية المعرفة، أي: بأن ليس هناك سوى ظواهر وأن ظاهرة ما لا تفهم إلا باعتبارها مركبة من ظواهر أخرى أو داخلة في تركيب ظواهر أخرى, فكان هذا الموقف الركن الثالث من أركان مذهبه وجاء مطابقًا للركنين الأولين، فإن متناقضات العقل التي حصرها كنط تحتم علينا الاختيار بينها، وإنما تختار القضايا التي تثبت للعالم خصائص متناهية فنعدها صادقة ونعد نقائضها كاذبة، بخلاف ما ذهب إليه كنط من أن القضايا ونقائضها غير قابلة للتفنيد، وساقه هذا الاعتبار إلى فلسفة نقدية سميت بالفلسفة النقدية الجديدة neo-criticisme. وتلك هي قسمات فلسفته تجدها منبثة في جميع كتبه. ب- هذه الكتب هي: "محصل الفلسفة القديمة" " ١٨٤٢ " محصل

стр. 374

الفلسفة الحديثة" " ١٨٤٤ " "محاولات في النقد العام" المحاولة الأولى "تحليل عام للمعرفة" " ١٨٥١ " والثانية "في الإنسان" " ١٨٥٨ " والثالثة في "مبادئ الطبيعة" " ١٨٦٤ " والرابعة "المدخل إلى الفلسفة التحليلية للتاريخ" " ١٨٦٤ " وكتاب "الخيال في التاريخ" " ١٨٥٧ " و"علم الأخلاق" " ١٨٦٩ ". وفي سنة ١٨٧٢ أسس مجلة "النقد الفلسفي" نشر فيها مقالات كثيرة, ثم أسس مجلة "النقد الديني" " ١٨٧٨ " لنشر البروتستانتية. وابتداء من ١٨٩١ أحل مجلة "العام الفلسفي" محل مجلة "النقد الفلسفي" ونشر الكتب الآتية: "الفلسفة التحليلية للتاريخ" في أربعة مجلدات " ١٨٩٦ - ١٨٩٨ " "المونادولوجيا الجديدة" " ١٨٩٦ " "متناقضات الميتافيزيقا الخالصة" " ١٩٠١ " وبعد وفاته نشرت " ١٩١٠ " مراسلته مع شارل سكرتان وهي تمتد من ١٨٦٨ إلى ١٨٩١. ج- قلنا: إن الحرية هي الركن الأول من أركان مذهبه, وهو يضعها وضعًا كما فعل لكيي مع اختلاف في الطريقة، فإنه يقول: إن العلوم لا تفحص عن مبادئها ولا عن المعاني الأساسية فيها، ولكنها تقتصر على استخدام المبادئ لتسجيل العلاقات بين الظواهر, وفي هذه الوظيفة تنحصر قيمة المبادئ, وهذا هو السبب في اتفاق العلماء فيما بينهم. وعلى ذلك فالعلوم متمايزة بتمايز مبادئها, ولا يمكن سلكها في علم كلي. وإن الخطأ الأكبر الذي يقع فيه أنصار العلم تصورهم الفلسفة على أنها العلم الأعلى الذي يضع جميع الظواهر تحت مقولة الكم فحسب, في حين أن هذه المقولة لا تنطبق إلا على أبسط الظواهر. ليست الفلسفة مثل هذا العلم، بل إنها ليست علمًا، إذ إنها تفحص عن مبادئها الخاصة وتضعها موضع المناقشة، فليس من مبدأ يفرض نفسه على الفكر دون منازع، وليس من مبدأ إلا وقد وجد من شك فيه ويمكن الشك فيه. فالفيلسوف يضع مبادئه بفعل ذاتي تتدخل فيه جميع قواه ومنها الهوى والإرادة "كما ارتأى فختي". فليس اليقين حالة انفعالية للعقل، ولكنه حالة فعلية، بحيث يمكن القول أن ليس هناك يقين وإنما هناك أناس موقنون. فالحرية هي الحقيقة الأولى في ميدان المعرفة, هي مسلمة من المسلمات يستخدمها الجبري نفسه حين يختار الجبر والضرورة مبدأ أول، ومع هذا الفارق وهو أنه يناقض نفسه بينما الحري يتفادى التناقض.

стр. 375

ورنوفيي فيما يخصه يختار الإيمان بالعقل واصطناع مبدأ عدم التناقض الذي هو عماد العقل. د- أما فكرة التناهي التي هي الركن الثاني من أركان مذهبه فتلزم من اعتبار أن كل موجود بالفعل فهو متناهٍ ضرورة, وأن كل عدد فهو جملة معينة. وليس لفكرة اللامتناهي سوى معنى واحد مقبول هو قدرة العقل على اطراد سيره دائمًا؛ وإذا ما قصدنا بها موجودًا عينيًّا كانت متناقضة. ولما كان العالم؛ أي: مجموع تصوراتنا، خاضعًا لقانون العدد، كان متناهيًا، ولو أن تجربتنا تعجز عن استيعابه, فليس يمكن القول بجوهر مادي ينقسم إلى غير نهاية، ولا بالمكان الذي هو خاصية من خصائص المادة، ولا بالزمان وهو متجانس متصل كالمكان، ولا بالحركة وهي انتقال في المكان والزمان. ولذا نستبعد الآلية التي ترد الموجودات جميعًا إلى جوهر مادي واحد، وترد الأفعال والأحداث إلى سلسلة متصلة، فتجعل في العالم محلا للإمكان والحرية. وهذا يعني أننا نتصور الأشياء مركبة من وحدات منفصلة أو مونادات، وأننا نتصور الأفعال والأحداث متمايزة منفصلة، على أن المونادا ليست جوهرًا روحيًّا كما قال ليبنتز ولكنها متقومة بالعلاقات الباطنة والظاهرة بين التصورات ليس غير، وقانون تصور الامتداد هو الذي يحدونا إلى تصورها كأنها ذرة أو جوهر فرد قائم بذاته. وكذلك ليس يمكن القول بجوهر روحي غير متناه, ما فكرة الله إلا فكرة النظام الخلقي الضامن لخلود النفس ومطابقة السعادة والفضيلة على ما قال كنط، دون حاجة إلى تصور الله خالقًا للطبيعة وموفقًا بينها وبين الفضيلة. الله مملكة الغايات أو نظام الغائية. وإذا أردنا أن نؤمن بإله وجب أن نتصوره متناهيًا حتى يكون معقولا ويدع مجالا لحريتنا. ومتى سقط اللامتناهي سقط أيضًا إمكان الانتقال بفوارق غير متناهية بين الظواهر، ولزم أن قيمة قانون العلية محدودة، وأن من الممكن أن توجد علل لا تكون معلولات, أي: أن توجد "بدايات مطلقة" كما يقولون، أو إن حرية الإرادة ممكنة. وهذا مهم جدا للأخلاق. ويدلنا التاريخ على أن ليس هناك قانون تاريخي كلي, وإنما هناك قوانين متعددة ينطبق كل منها على مرحلة من مراحل التاريخ, ولكل مرحلة بداية جديدة، أي: فعل حر كان يمكن أن يكون غير ما كان. البدايات الجديدة هي عظماء الرجال، فإن ما يدلون عليه من

стр. 376

قدرة خالقة يشهد ببطلان القول بأن الشخصية نتيجة تطور بطيء, وإن في المنهج التاريخي الذي يعتبر كل ما يحدث كأنه الممكن الوحيد. وعلى ذلك ينتهي رنوفيي إلى التصورية المطلقة، ولكنه لا يبين أساس القوانين الطبيعية, ولا كيف يتحقق نظام الغائية بالقوانين الطبيعية، ولا أصل النظام الغائي؛ ولم ير أن فكرة الإله المتناهي هي الفكرة المتناقضة من حيث إن المتناهي لا يمكن أن يكون مبدأ أول, وإن التناهي في العدد غير التناهي في الوجود. هـ- وأما نسبية المعرفة التي هي الركن الثالث من أركان مذهبه فلازمة من كوننا لا ندرك سوى تصوراتنا وعلاقاتها. والعلاقات الأساسية هي المقولات ولا تستنبط المقولات استنباطا قياسيا أو بالتركيب الأولي كما حاول ذلك كنط، بل تستخلص من تحليل التجربة، وهذه إحدى النقط التي يفترق فيها رنوفيي عن أستاذه الكبير، فإنه يقول: "لقد طلب كنط المستحيل إذ أراد أن يبرهن على أن مقولاته هي المقولات الحقة, وأن ليس هناك أكثر ولا أقل من التي يوردها, أما أنا فقد نهجت منهجًا تجريبيًّا، ولا أدري كيف أستطيع أن أفعل غير ذلك فليسأل القارئ نفسه إن كان هذا الجدول مرضيًا مستنفدًا كل مضمون التصور وهذا كل ما له عليّ". والمقولات تؤلف نظامًا من المعاني مرتبة، وهذا النظام عبارة عن فلسفة، وها هو ذا: هذه المقولات ترجع كلها إلى مقولة الإضافة للأسباب التي تحتم القول بالنسبية. وإن مبدأ النسبية ناشئ من طبيعة شعورنا، فإن الشعور نفسه

стр. 377

نسبة، ولكنه يتميز من سائر النسب بأنه نسبة بين الأنا كذات والأنا كموضوع, أي: نسبة بين حدين هما شيء واحد. وهكذا كان الشعور أساس سائر النسب إذ إنها لا تتضح إلا بردها إلى هذه النسبة الرئيسية. وإذا أريد تجاوز الظواهر فليس يمكن ذلك إلا بمسلمات دينية، بشرط ألا تتعارض ومبدأ النسبية بقبول فكرة إله لامتناهٍ. ورنوفيي يوافق هيوم على استحالة البرهنة على موضوعية علاقة العلية والخروج بوساطتها من دائرة التجربة, ويفترق عنه بقوله: إن مقولة العلة مرتبطة بطبيعة شعورنا كما تقدم، وبقوله: إن الإرادة هي أساس هذه المقولة في الشعور، أي: إن معنى الإرادة هو الذي يجعل معنى العلة مفهومًا فلا يرد إلى معنى أسبق منه, بل يجب أن يقف عنده الفكر بموجب قانون النسبية. ولكنا نسأل: هل الحد الذي يحتم علينا هذا القانون الوقوف عنده هو حد أول بذاته، أو هو أول بالإضافة إلينا؟ في الحالة الأولى نصل إلى المطلق ويصبح قانون النسبية نسبيا مع أنه في طبيعة شعورنا؛ وفي الحالة الثانية لا يسوغ لنا كذلك اعتباره أول والوقوف عنده, فلا محيص عن التناقض. إن المنطق يقضي أن يقودنا قانون النسبية إلى اللانهاية التي يأباها رنوفيي كل الإباء فيقول بحق: إن التسلسل لا يوفر لنا أي تفسير. وبناء على هذه الأركان الثلاثة, ما مكان الإنسان في العالم؟ هناك نظريتان: إحداهما تخضع الشخص "للشيء" أي: للموضوع الذي لا شخصية له، والأخرى تتصور الأشياء بالمماثلة مع الشخص. التصويرية تحسم الخلاف وتنحاز إلى النظرية الثانية؛ إذ مهما يكن من تسلط الموضوع على العقل فإن العقل يدرك أن الموضوع موضوعه هو وليس مباينًا له. فالعقل متقدم على الموضوع تقدمًا منطقيًّا, ونحن لا نعقل العالم إلا بتأويله تبعا لتجربتنا الباطنة وبالمماثلة معها فنعود إلى الموقف الأول للإنسان حين كان يشخص قوى الطبيعة، ولكننا نستخدم الفلسفة ولا نجري مع الخيال والأسطورة، فنتصور الأشياء مونادات كما ذكرنا. ولكن المونادا عند رنوفيي جملة علاقات كما سبق القول، فكيف تكون شخصيا؟ نرى ههنا التعارض بين النسبية وبين النزعة الشخصية: الأولى لازمة من الفلسفة الحديثة، والثانية لازمة من "الإرادة" التي يؤكدها العصر الحديث ويبالغ في توكيدها.

стр. 378

ز- وإذا سلمنا أن الإنسان شخص، وأن الشخص موجود خلقي كما يريد رنوفيي، فكيف تكون أخلاق الإنسان؟ يريد رنوفيي أيضًا أن تقوم الأخلاق علمًا مستقلًّا بذاته لا يستند إلى الدين أو إلى الميتافيزيقا. والسبيل إلى ذلك في رأيه أن نبدأ بفكرة الإنسان باعتباره "موجودًا حاصلًا على العقل ومعتقدًا نفسه حرًّا". هذا الموجود يعلم بالتجربة أن له غايات رئيسية وأخرى ثانوية, غايات بعيدة وأخرى قريبة، خيرات زائلة وأخرى دائمة، خيرات يعرضها العقل وأخرى تدفع إليها الشهوة؛ فيحكم أن غايات معينة هي الأفضل على كل حال. وهذا هو الحكم التركيبي الأساسي الذي يتحقق فيه معنى الواجب، أي: كلما رأى العقل غاية "واجبة" التحقق بموجب قوانينه، رآها في الوقت نفسه "واجبة" الطلب بالإرادة, وحينئذ تنشأ واجبات الإنسان نحو نفسه. فإذا تصورناه في علاقة مع الطبيعة نشأ واجب احترام كل ما يتصف بالنظام والعقل. وإذا تصورناه في علاقة مع الحيوان، ثم مع إخوانه في الإنسانية نشأ واجب العدالة، ونشأت مع العدالة معاني الكرامة والاحترام والحقوق والواجبات. وهكذا يتم علم الأخلاق العقلي, ولكن رنوفيي لا يسوغ الانتقال من الوجوب العقلي إلى إلزام الإرادة، ونحن هنا بين حدين متباينين. إن هذا الانتقال لا يسوغ إلا بالتدليل على أن الوجوب العقلي يريده إلزامًا للإرادة مشرع هو خالق العقل والإرادة. وهذا التسويغ، وتسويغ تعريف الإنسان بأنه موجود عاقل حر خلافًا للمذهب الحسي مثلًا، يرجعان إلى الميتافيزيقا؛ فعلم الأخلاق علم تابع وليس علمًا مستقلًّا. وفلسفة رنوفيي في جملتها قائمة على التصورية وما تستتبعه من نسبية أو شك, وعلى خلط بين اللانهاية التي تعني عدم التعيين، واللانهاية التي تعني كمال الوجود بالفعل. وتشخيص الأولى تناقض، وتشخيص الثانية يحتمه معنى العلة الأولى الذي يحتمه النظر في الوجود, كما أوضحنا غير مرة وسنضطر إلى إيضاحه غير مرة، إذ إن هذا الخلط شائع.

стр. 379

الفصل الثالث: فلاسفة الحرية "طبقة ثانية " ١٨٤ - فليكس رافيسون " ١٨١٣ - ١٩٠٠ ": أ- هو زعيم هذه الطبقة الثانية. كان في العشرين لما أعلنت أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية، بناء على اقتراح فيكتور كوزان، عن مسابقة في "ميتافيزيقا أرسطو، عرضها ومناقشتها" فعالج الموضوع وفاز بالجائزة. ثم عاد إلى رسالته يتوسع فيها ويتعمق حتى صارت الكتاب المشهور الذي صدر جزؤه الأول سنة ١٨٣٧ "وهو المخصص لأرسطو" وصدر الثاني سنة ١٨٦٤ "وهو مخصص للفلسفة اليونانية بعد أرسطو وتأثرها به". في هذه الدراسة وجد أن الحياة، النامية منها والحاسة والناطقة، لا ترجع إلى المادة بل إلى قوة ذاتية أو نفس، وأن علة الحياة والحركة في الطبيعة نزوع يدفع بها صوب "العقل الإلهي" الذي هو موجود حقا وليس مجرد مثال من المثل الأفلاطونية. ووجد في الفلسفة الأرسطوطالية مدخلًا إلى المسيحية, ذلك بأن أرسطو يقول: إن الخير بالذات الذي تنزع إليه الطبيعة يجهل الطبيعة, وإن المسيحية تعلم أن الله محبة تتنزل إلى مخلوقات فيتصل الفعل بالقوة والمثال بالواقع. ب- وفي الوقت نفسه " ١٨٣٨ " تقدم برسالة للدكتوراه "في العادة" يبين فيها أن العادة تظهرنا، في داخل الوجدان، على اتصال الروح بالمادة, خلافًا لما يذهب إليه ديكارت وكثيرون غيره من انفصال وثنائية. أصل العادة فكر وإرادة، أي: تصور غاية واتخاذ الوسائل لتحقيقها، فإذا ما تحققت تناقص الفكر والإرادة والشعور شيئًا فشيئًا حتى تنمحي وتبقى العادة حاجة حيوية وميلا يخرج إلى الفعل من تلقاء ذاته. فالعادة لا تفسر إلا بتكوين تلقائية فاعلية هي بمثابة وظيفة جديدة تختلف عن الفعل الآلي من جهة وعن الفعل المروي من جهة أخرى؛ لأن العادة فكرة متحققة في المادة, وبها تفهم تلقائية النزوع في الكائن الحي وفي الطبيعة، كما تفهم لاشخصية الطبيعة مع نزوعها الذاتي إلى غايات، فإن كلتا هاتين الحالتين فكرة منطبعة في مادة. وإذن فليست الطبيعة

стр. 380

قوة عمياء تعمل كآلة، وليست الآلية هي الأصل، إنما الأصل الغائية تستخدم الآلية بحيث لما كانت هذه لولا تلك. وهكذا ميز رافيسون الحياة من المادة البحتة وبين لمعاصريه فكرة الصورة والعلية الصورية وفكرة الغاية والعلية الغائية على ما رأى أرسطو. وستظل فكرة الحياة هذه إلى وقتنا محور مذاهب عدة, ولا شك أنه مدين بها لأرسطو، ولو أن مصادر أخرى تضافرت على تأييدها عنده منها: مين دي بيران، وشلنج وقد كان استمع إلى دروسه في موينخ، ومدرسة الطب بمونبلي التي كانت معروفة بالمذهب الحيوي تعارض به المادية. ج- وفي ١٨٦٧ نشر له "تقرير عن الفلسفة في فرنسا في القرن التاسع عشر" يعود فيه إلى هذه الآراء بالشرح والتأييد. يميز أولًا بين طريقتين في الفلسفة, إحداهما تحلل الأشياء إلى أجزاء جامدة وتزعم أن الأشياء مجموعات من هذه الأشياء ليس غير، فتفسر الحي بالميت وترد الأعلى إلى الأسفل، وهذا دأب المادية والآلية؛ والطريقة الأخرى تعنى بما بين الأجزاء من تركيب وانسجام بناء على وجهة مشتركة، فترى الحياة في كل شيء، وتفسر الأسفل بالأعلى، وهذه طريقة الروحية. ثم يقول: إن الفلسفة الفرنسية تتجه هذه الوجهة الثانية, فقد قال أوجست كونت في المجلد الأول من "دروس الفلسفة الواقعية": إن ظواهر الحياة من جنس ظواهر الجماد سواء بسواء، وبعد ثماني سنين استثنى حياة الحيوان، وفي المجلد الأخير استثنى النبات أيضًا؛ وكلود برنار ١ أثبت أولًا القانون الآلي حتى إذا ما أنعم النظر في ظواهر الحياة أعرب عن اعتقاده "بفكرة موجهة" بل "خالقة" هي العلة الحقة للجسم الحي. وهذا الاتجاه يلاحظ عند جميع الفلاسفة والعلماء الذين يتعمقون طبيعة الحياة. ولما كانت حياتنا الباطنة أقرب وأوضح صورة للحياة، كان هذا الاتجاه مؤذنًا بقيام مذهب جديد هو "الواقعية الروحية" تتصور الوجود على مثال الوجدان. ١٨٥ - جول لاشليي " ١٨٣٢ - ١٩١٨ ": أ- هو ثاني أعلام هذه الحركة. مصنفاته قليلة العدد صغيرة الحجم، ولكنها

стр. 381

غاية في الرصانة والعمق. وهي لا تعدو رسالتين للدكتوراه " ١٨٧١ " إحداهما "في أساس الاستقراء" والأخرى "في طبيعة القياس" ومقالات أهمها مقال "علم النفس والميتافيزيقا" " ١٨٨٥ ". يضاف إلى ذلك تدريسه بمدرسة المعلمين العليا. وكان قصير الأمد, وتأثيره الشخصي في توجيه الأفواج المتتالية من الطلاب. ب- إنه ينتمي إلى تصويرية كنط ويتعمق بنوع خاص "نقد الحكم" " ٩٦ ج" ويعمل على إعادة مبدأ الغائية إلى مقامه بين المبادئ الأولى والدفاع عنه ضد الآلية والجبرية, فبين أن الاستقراء العلمي يقوم على فكرة العلة الغائية لا على فكرة العلة الفاعلية. إن في الطبيعة نوعين من القوانين: نوعًا يشمل قونين آلية تنطبق على ظواهر جد بسيطة، ونوعًا يشمل القوانين الكيميائية وبخاصة القوانين البيولوجية وهي تعبر عن علاقات جد مركبة وتعمل دائمًا بحيث يحدث عنها دائمًا عين النتائج أي: عين الأنواع الكيميائية وعين الأنواع النباتية والأنواع الحيوانية، وذلك بالرغم من تعقد التركيب وكثرة الشروط والظروف المطلوبة. فلو كان العلم يقوم على الآلية فحسب لوجب الاقتصار على القول بأن المركبات الكيميائية والكائنات الحية تحدث في المستقبل نفس الأنواع "إذا توفرت لها الشروط المطلوبة" ولكن العلم لا يستعمل هذه الصيغة الشرطية, ونحن نعتقد أن الشروط جميعا متوافرة بالفعل, فتصور القوانين الطبيعية, ما خلا عددًا يسيرًا من القوانين البسيطة, يقوم على مبدأين متمايزين: مبدأ بموجبه تؤلف الظواهر سلاسل يتعين فيها وجود اللاحق بوجود السابق، وهذا مبدأ الآلية، ومبدأ بموجبه تؤلف هذه السلاسل أنظمة يتعين فيها وجود الأجزاء بفكرة الكل، و"الكل الذي يحدث أجزاءه" علة فاعلية، فيجب أن نضع إلى جانب الآلية أو بالأحرى فوقها "مبدأ نظام يسهر، إن جاز هذا التعبير، على استبقاء الأنواع الكيميائية والأنواع الحية". ج- مبدأ الغائية إذن هو القانون الذي يخضع له العالم, وليس يعني هذا أنه من وضع الفكر الإنساني في محاولته فهم العالم, فإن الفكر نفسه جهد نحو غاية، نزوع إلى الخير وإلى تمام الوجود. "إن المسألة العليا في الفلسفة، وقد تكون مسألة دينية أكثر منها فلسفية, هي الانتقال من المطلق الصوري إلى المطلق

стр. 382

العيني الحي، من فكرة الله إلى الله. فإذا أخفق القياس في هذه المهمة فعلى الإيمان المخاطرة, وعلى الدليل الوجودي أن يدع مكانه للرهان" أي: لرهان بسكال كما يقول في مقال عنه " ١٩٠١ ". فهو من الذين يلجئون إلى الإيمان لمجاوزة حدود الفكر وحدود الطبيعة. وقد كان كاثوليكيًّا مؤمنًا ورعًا, ولكنه لم يجد إلا هذه الطريقة للتملص من مذهب كنط، والطريقة الوحيدة السائغة هي الإيمان أولًا بموضوعية الفكر, فتلزم عنها موضوعية سائر ما يتأدى إليه الفكر. ١٨٦ - إميل بوترو " ١٨٤٥ - ١٩٢١ ": أ- أستاذ بالسوربون, حمل هو أيضًا على الآلية ودافع عن الغائية. رسالته للدكتوراه "في إمكان قوانين الطبيعة" " ١٨٧٤ " ترمي إلى الفحص عما إذا كانت الضرورة العقلية هي التي تتحقق في الأشياء كما يدعي الآليون، أو أن في العالم ما يظهرنا على شيء من الإمكان، وحينئذ لا تكون قوانين الطبيعة كافية أنفسها، بل يكون لها أسبابها في علل أرفع منها. والواقع أن هنالك من القوانين بقدر ما هنالك من درجات الوجود، وفي هذه الدرجات المترتبة من الأقل كمالا إلى الأكمل فالأكمل، كل درجة فهي ممكنة بالإضافة إلى الدرجة السفلى، في حين أن الآلية تقوم على وحدة مادة الوجود وتعادل القوى المادية, وعلى أن الدرجات درجات تركيب هذه المادة وقواها لا أكثر، والحقيقة أن لا معادلة بين الجسم وعناصره، وبخاصة إذا اعتبرنا الجسم الحي من النبات إلى الحيوان إلى الإنسان. لذا كنا عاجزين عن أن نقول مبدئيًّا: أي جسم ينتج عن عناصر معينة, وكنا مضطرين للرجوع في ذلك إلى التجربة. بل إن الإمكان يتزايد من درجة إلى أخرى، وكلما مضينا من العلوم المجردة إلى المشخصة غلبت وجهة الحركة والقوة على وجهة السكون والمعادلة, وحلت الكيفية محل الكمية. ففي ميدان الحياة يستحيل قياس القوة الحيوية؛ إذا إنها ترجع إلى الكيف لا إلى الكم؛ ولا ينحصر الفرق بين الحياة والمادة في هذا فقط, فإننا نلاحظ أيضا أن الحي ينمو وينقص, يرقى وينحط, أي: إن له تاريخًا وليس للمادة البحتة تاريخ. ثم إنه لا سبيل إلى ملاحظة تعادل القوة في الوجدان, وإنما الواضح البين أن الوجدان يستخدم القوة كأداة. وهكذا نرى أن "الواقعية" إذا فهمت على وجهها جاءت مع الروحية من حيث إن

стр. 383

سلم الموجودات يرينا الحرية تنمو شيئًا فشيئًا على حساب الآلية حتى "إذا ما تركنا الوجهة الخارجية التي تبدو فيها الأشياء كأنها موجودات جامدة محدودة؛ لكي نلج إلى أعمق أعماق أنفسنا وندرك ذاتنا في منبعها, إن أمكن وجدنا أن الحرية قوة لامتناهية. ونحن نشعر بهذه القوة كلما عملنا حقًّا" "ص ١٥٦ " أي: كلما نزعنا إلى الخير والحياة الخلقية, فإن "الله هو الموجود الذي نحس فعله, الخالق في أعماق النفس حين نجهد للاقتراب منه". فعلة الإمكان في العالم قوة خلق وتغيير نازلة من عل, من الله نفسه, ومتغلغلة في جميع درجات الوجود على قدر الجهد الذي تبعثه جاذبية المثل الأعلى, وهي جاذبية فنية إلى أجمل الصور، وجاذبية خلقية إلى فعل الخير، إن الله الحي علة الإمكان في العالم؛ لأنه حياة وحرية. ب- هذا المذهب يكشف لنا عن سبب اختيار بوترو لموضوع رسالته الثانية "في الحقائق الأزلية عند ديكارت" فقد أراد أن يفحص عن الإمكان في ذات الله, وظل يتتبع فكرة الإمكان هذه حتى خصص لها كتيبًا عنوانه "فكرة القانون الطبيعي في الفلسفة المعاصرة" " ١٨٩٥ " يوسع فيه مجال الإمكان حتى يجعل من القوانين الطبيعية مجرد مناهج وجدناها للملاءمة بين الأشياء وعقلنا وللتصرف في الأشياء لتحقيق رغباتنا. كذلك يقول في جميع المعاني التي تكونها لفهم الأشياء, بحيث لا يحق لنا أن نضيف قيمة مطلقة للتمييز بين الفكر والحركة مثلًا. ولسائر المعاني والتمييزات, إذ إنها تعبر عن طريقتنا في النظر إلى الأشياء لا عن أحوال الأشياء أنفسها. وهذا ميل إلى محو موضوعية القانون الطبيعي، وإلى التصورية في مسألة المعرفة. وهذا الميل المزدوج منتشر في أيامنا، سنصادفه عند أصحاب البراجماتزم وعند برجسون وكثيرين من الفلاسفة والعلماء الذين رأوا معارضة الآلية والجبرية بهذا الإنكار البات, فقلبوا آية "العلميين" رأسًا على عقب. ج- وقد كان بوترو أستاذًا ممتازًا لتاريخ الفلسفة، ورائده مذهبه هذا. ففي المقدمة التي مهد بها لترجمة كتاب تزلر في الفلسفة اليونانية " ١٨٧٧ " يؤيد هذا المؤلف ضد هجل في القول بالإمكان في التقدم التاريخي الذي هو تاريخ العقل. وكذلك الحال في دروسه على كنط "وقد نشرت أولًا في "مجلة الدروس والمحاضرات" ثم جمعت في مجلد ظهر سنة " ١٩٢٦ " وفي مقدمته لمونادلوجيا ليبنتز، وفي "دراسات في تاريخ الفلسفة" " ١٨٩٧ " و"دراسات جديدة في تاريخ

стр. 384

الفلسفة" " ١٩٢٧ " و"دراسات في تاريخ الفلسفة الألمانية" و"دراسات في الأخلاق والتربية"، وفي كتبه: "بسكال" " ١٩٠٠ " و"نفسية التصوف" " ١٩٠٢ " و"العلم والدين في الفلسفة المعاصرة" " ١٩٠٨ " و"وليم جيمس" " ١٩١١ ". وطريقته في تأريخ الفلسفة مثال يحتذى، فهي موضوعية تعرض المذاهب على الصورة التي وضعها عليها أصحابها، وتعقب عليها تعقيبًا مقتصدًا, في أسلوب ناصع رصين. ١٨٧ - ألفريد فويي " ١٨٣٨ - ١٩١٢ ": أ- بعد أن صنف كتابًا في "فلسفة سقراط" "في مجلدين" وآخر في "فلسفة أفلاطون" " في أربعة مجلدات" شرع ينشر مذهبًا خاصًّا مؤداه أن من المستحيل اعتبار الظاهرة الوجدانية عرضا طارئا على التغير العصبي كما يقول الماديون, فإنها لو كانت كذلك لكانت عديمة النفع للحياة وانقرضت وظيفة التفكير, وإن قليلا من التأمل يرينا أن الفكرة "أي: الظاهرة الوجدانية" هي قوة تبعث فكرات أخرى وتدفع إلى العمل. أجل إن كل فكرة فهي قوة وميل إلى الحركة يتحقق من تلقاء ذاته إذا لم تعارضها فكرة أخرى. فلا ينبغي التمييز بين عقل وإرادة، أو بين فكرة معلومة فحسب وفعل يحققها, والفكرة التي هي قوة, وهذا اسم نظريته " ldee-force" تسمح لنا بإنقاذ القيم الروحية التي يتهددها المذهب المادي كما يبدو في نظرية التطور إذ يضع القوة في الطبيعة الخارجية ويجعل النفس تابعة لها منفعلة بها. فمسألة الحرية مثلا تحل بأن الموجود الذي يعتقد نفسه حرا تختلف سيرته عن سيرة الذي يعتقد نفسه مجبرًا, فإنه يغير من شأنه، وهذه خاصية الموجود المشارك في الحياة الروحية بينما خاصية المادة الجمود ومطاوعة القوانين الآلية. فما علينا إلا أن نؤمن بالحرية حتى تصير الحرية أمرًا واقعًا "كتاب "الحرية والجبرية" ١٨٧٢ ". ب- ثم طبق فويي نظرية الفكرة التي هي قوة على الوجود بأسره. فذهب إلى أن كل موجود فهو متقوم بفكرة هي قوة تبدو صورتها الأولية في النزوع الغامض إلى البقاء, ثم تنمو بالتطور من اللاشعور في الجماد إلى الشعور الواضح في العقل الإنساني, حتى إذا ما بلغت إلى هذه الدرجة كانت كفيلة بتحقيق

стр. 385

فكرات روحية صرف بمجرد أن تؤمن بها إيمانًا وطيدًا, فرغبتنا في تنظيم حياتنا وتوحيدها تؤدي بنا إلى توكيد الحرية والأنا الشخصي؛ ورغبتنا في توحيد العلم ورغبتنا في نصب مثل أعلى للأخلاق, تؤديان بنا إلى توكيد وجود الله لكي نجد في فكرة الله التفسير النهائي للوجود والمثل الأعلى الذي ننشده. فالفكرات الروحية من خلقنا وتتحقق موضوعاتها بفعلنا. طبق فويي نطريته هذه في الكتب الآتية: "تطور الأفكار التي هي قوات" " ١٨٩٠ " و"علم النفس والأفكار التي هي قوات" " ١٨٩٣ " و"الأخلاق والأفكار التي هي قوات" " ١٩٠٧ " و"محاولة في تأويل للعالم" "نشر في العام التالي لوفاته". وله كتب أخرى في نقد المذاهب المعاصرة من وجهته هو، وكتب في معالجة المشاكل الاجتماعية القائمة. وقد كان كثير التأليف فضفاض الأسلوب قليل الجدوى. ١٨٨ - جان ماري جيو " ١٨٥٤ - ١٨٨٨ ": أ- تلميذ فويي. اهتم بالأخلاق وبالفن, عرض "أخلاق أبيقور" عرضًا لطيفًا, وعرض "الأخلاق الإنجليزية المعاصرة" ونقدها نقدًا عسيرًا, وفصل مذهبه في كتابين: أحدهما "الأخلاق بلا إلزام ولا جزاء" والآخر "إلحاد المستقبل" وعالج "مسائل الفن المعاصر" ونظر في "الفن من الوجهة الاجتماعية" ونظم "أشعار فيلسوف". ب- مذهبه أن فلسفة الأخلاق يجب أن تبنى على العلم وحده، فتستمد مبدأها من التجربة، ويكون "الأمر" فيها أخف مما هو في الأخلاق المرعية، بل لا يكون فيها أمر. أما الشرط الأول فلا يتوفر في المذاهب التي تنصب "الخير" مثلا أعلى وقاعدة، فإن فكرة الخير ميتافيزيقية؛ ولا في المذاهب التي تتخذ "السعادة العامة" مبدأ, فإن هذه المذاهب تعرض على الفرد منذ البداية هذه الغاية التي تسمو عليه، في حين أن الأخلاق العلمية يجب أن تبدأ بغاية فردية؛ ولا في المذاهب التي تقوم على طلب اللذة، إذ إن "طلب اللذة ما هو إلا نتيجة المجهود الغريزي لصيانة الحياة وتنميتها". فالمبدأ الحق هو "غريزة الحياة" هذه التي هي غريزة كلية والتي هي "أعمق ما في الوجود والمثل الأعلى الذي لا محيص عنه". وعلى ذلك "يكون المثل الأعلى النشاط بمختلف مظاهره, أو على الأقل

стр. 386

بالمظاهر التي لا تتعارض، أو التي لا تسبب خسارة ذات بال من القوة". وإذا تعمقنا هذا المبدأ حققنا الشرط الثاني للأخلاق العلمية؛ فبلغنا إلى أخلاق خلو من الإلزام والجزاء. ج- ذلك بأن الحياة ليست بقاء فحسب, ولكنها ميل إلى النماء والفيض واندفاع إلى بذل الذات. ولنا شاهد على ذلك في الولادة التي هي جود بالذات, وفيما يبين عنه ترقي الأنواع الحيوانية وتعقدها من حياة متزايدة متنوعة. "الحياة هي الخصب والخصب هو الوجود الحق". "أما الأنانية فتضييق لدائرة نشاطنا ينتهي إلى إفقار هذا النشاط نفسه وإفساده"؛ فالأنانية في الواقع بتر الحياة وانتقاصها. وهكذا تجاوز وجهة النظر الفردية، فإن الفرد لا يستطيع أن يحيا تمام الحياة إلا في المجتمع وبالمجتمع، وهو يجد في الروابط الاجتماعية واللذات الفنية والحياة الخلقية بما فيها من بذل وتضحية، مصادر عواطف رفيعة جميلة قوية لا تقاس إليها عواطف الحياة الحيوانية, بدليل أن الذي يتذوقها يحس باستحالة الاستغناء عنها, فالإنسان القوي الحيوية يرى نفسه مدفوعًا نحو هذه الحياة العالية وما تتطلبه من مغامرة ومخاطرة, بغير إلزام من خارج ولا جزاء يرجى. يسقط الأمر الخلقي إذن ولا يبقى إلا "معادلات له" هي: الشعور بقدرتنا الباطنة على أن نعمل أعظم فأعظم، وتأثير الفكر على العمل, والتعاطف المتزايد والصفة الاجتماعية المتزايدة للذاتنا وآلامنا، وحب المغامرة والخطر ولذة الجهاد، وحب الفرض الميتافيزيقي الذي هو ضرب من المغامرة في الفكر. وأما الجزاء ففكرة منقودة من نواحٍ عدة، وهي لا تفهم إلا من وجهة المنفعة الاجتماعية لا من الوجهة الخلقية. د- وعلى هذا النسق ينهج جيو في معالجة المسألة الدينية، فإنه يكرر الاعتراضات على وجود الله الواردة في تاريخ الفلسفة, ويلح في الاعتراض المأخوذ من وجود الشر في الطبيعة وفي الإنسان. ثم يقول: إن العاطفة الدينية تظل قائمة بعد الإلحاد, فما هي إلا الشعور بتبعيتنا ماديا وخلقيا واجتماعيا للكون ولمنبع الحياة المتدفقة فيه. ولكنه في الواقع يبدد الدين والأخلاق جميعًا. أين الخلقية في مذهبه؟ إن صاحب اللذة يبذل من ذاته وماله بذلًا عنيفًا في سبيل غايته، وما من أحد يعتبر سيرته خلقية. فإن قيل: إن الحياة الرفيعة هي الجديرة بأن تحيا، قلنا: وإذن فليس المثل الأعلى مطلق الحياة ومطلق البذل، بل لا بد من قاعدة

стр. 387

تتوخى لبذل الحياة. وإن القاعدة، وإن المفاضلة بين حياة رفيعة وحياة دنيئة، ليستا من "العلم" في شيء, ولكنهما تعتمدان على الميتافيزيقا التي لا يريدها جيو. فإذا ما سلمنا بتفضيل الحياة الرفيعة فإنما نسلم لأننا نراها الجديرة بالإنسان من حيث هو إنسان. وهذه الصلة بين الماهية الإنسانية وضرب من الحياة يلائمها دون سواه، هي "الوجوب العقلي" الذي تحدث عنه رنوفيي والذي هو أصل الإلزام الخلقي كما قلنا في الموضوع. كذلك الجزاء ما هو في الحقيقة إلا أثر العمل. أما إذا كانت الأفعال صادرة عن مجرد فيض من باطن تصاحبه لذة معينة، دون غاية مفضلة وقاعدة محترمة, فقد عدنا إلى مذهب اللذة وقد ساوت أفعالنا سائر الأفعال التلقائية, وبطلت أن تكون خلقية. وإن جيو ليحاول أن يوجد نوعًا من الإلزام بقوله: إن الفرد لا يحيا تمام الحياة إلا بالمجتمع, ولكنه يقع في نفس الخطأ الذي ألحف في مؤاخذة النفعيين عليه, إذ يريدون الفرد على أن يفضل المنفعة العامة بعد أن يقولوا: إن المنفعة الخاصة هي الأصل والمبدأ, ولم ير أن الأناني المسترشد بمذهب الأنانية في حل من استغلال المجتمع والإفادة منه ما استطاع إلى الإفادة سبيلًا. هذا عن الأخلاق, أما عن الدين فإن الشعور بالتبعية للكون لا ينقلب عاطفة دينية بمعنى الكلمة إلا إذا اعتقدنا أن وراء الكون أو فوقه إلهًا شخصيًّا هو خالقه ومنبع الحياة المتدفقة فيه. وفي هذه الحالة لا يتصور الدين بغير عقيدة تشتمل على صفات لازمة للإله وعلاقة بيننا وبينه، وجيو لا يريد عقيدة لأنه أراد "العلم" دون العقل والميتافيزيقا، وهذا عيب مشترك بين هذه المذاهب التي تصدت لإثبات الحرية والروحية بالتجربة فحسب، وليست التجربة بذاتها برهانًا إذا لم تستمد من العقل مبدأ البرهان.

стр. 388

المقالة الثالثة: الفلسفة في ألمانيا مدخل ... المقالة الثالثة: الفلسفة في ألمانيا ١٨٩ - تمهيد: أ- شغلت ألمانيا بفلسفة كنط وفلسفة هجل، فقام فيها لكل منهما أشياع شارحون مؤيدون، وآخرون أحرار بعض الشيء, كما قام معارضون. ولن نقف هنا عند تاريخ الحركة الكنطية، فإنها لا تتضمن شيئًا جديدًا. ولن نقف عند تاريخ الهجلية بأكثر من القول بأن فريق التلاميذ الأمناء دعوا بحزب اليمين أو المحافظين لتمسكهم بالنتائج التي وصل إليها هجل واعتبرها مطلقة بالرغم من قوله بالصيرورة، وهذه النتائج هي الفلسفة التصورية والديانة المسيحية والفن الروماني والدولة البروسية البيروقراطية؛ وأن فريق التلاميذ الأحرار وكانوا أكبر عددًا وأعظم قدرًا، دعوا بحزب اليسار أو التقدميين، وتمسكوا بالمنهج فقالوا: ليس للحقائق صفة نهائية من حيث إنها صورة مختلفة للروح المطلق وإن هذا الروح يتقدم باستمرار, وراحوا يعيدون النظر في الدين والاجتماع وفقًا لهذا المنهج. أما في الدين فقد نبتت فكرة تنافس غير واحد منهم في التدليل عليها، وهي أن المسيحية نتاج الضمير الإنساني، ففسر الإنجيل على هذا الاعتبار واعظ مشهور هو شلير ماخر " ١٧٦٨ - ١٨٣٤ " وزعم شتراوس " ١٨٠٨ - ١٨٧٤ " في كتابه "حياة يسوع" " ١٨٣٥ " أن حياة المسيح أسطورة صاغتها مخيلة المسيحيين الأولين مما كان يتصوره السلف عن المسيح المنتظر، وأنه يجب أن نستعيض عن فكرة المسيح التاريخي بالفكرة الهجلية التي ترى في المسيح مثلًا أعلى هو الإنسانية مؤلهة. وشتراوس إلى ذلك يمضي بالهجلية صوب المادية, وذهب فويرباخ في كتابه "ماهية المسيح" " ١٨٤١ " إلى أن خلاص العالم يقتضي العدول عن المسيحية, بل عن كل دين يؤمن بإله مفارق، فما هذا الإله سوى خيال يخلع عليه الإنسان كمالاته الخاصة، ما هو إلا المثل الأعلى للإنسان أو الإنسان كما يجب أن يكون وكما سيكون.

стр. 389

ب- وفي هذه المقالة نستعرض ثلاث طوائف من الفلاسفة: الطائفة الأولى تشمل ثلاثة كان لكل منهم مذهب ميتافيزيقي ومشاركة في علم النفس، وهم: لوتزي وفخنر وفوندت. والطائفة الثانية تتألف من الماديين، وأشهرهم كارل ماركس. والطائفة الثالثة تضم اثنين عنيا بالأخلاق، وهما هارتمان ونيتشي.

стр. 390

الفصل الأول: ميتافيزيقا علم النفس ١٩٠ - لوتزي " ١٨١٧ - ١٨٨١ ": أ- كان يجمع بين الميل إلى الفلسفة والميل إلى العلم، فحصل من جامعة ليبزج على الدكتوراه في الفلسفة والدكتوراه في الطب. وعين أستاذًا للفلسفة بجامعتي جوتنجن وبرلين. له كتاب في "ما بعد الطبيعة" " ١٨٤١ " يفسر فيه العالم بثلاث ممالك مترتبة: الأولى "مملكة القوانين الكلية الضرورية التي هي شرط لكل وجود ممكن" وهنا تنطبق نظرية كنط في المقولات، وبواسطتها يمكن وضع الأسس التي تقوم عليها العلوم، لكن لا يمكن استنباط أية ظاهرة. والمملكة الثانية "مملكة الظواهر" وهي تدرك بالحواس وليس لنا من سبيل آخر لإدراكها. والمملكة الثالثة "مملكة القيم" نرى فيها الموجودات تتوجه إلى "الخير بالذات". في هذه المملكة, أي: بهذا الخير بالذات، يصل حدسنا للعالم إلى الوحدة، فنثبت وحدة الجوهر في العالم, ونحن نثبتها أيضًا باعتبار استحالة التفاعل بين الأشياء, فإن الفعل عرض والعرض لا ينتقل بذاته. وعلى ذلك لا يؤثر الشيء المعروف في العارف؛ ولا يؤثر الجسم في النفس أو النفس في الجسم. كل تفاعل فهو وهم، والأجسام مجرد ظواهر والنفوس فيوضات من الجوهر الأوحد، والفعل الذي يبدو متعديًا هو فعل حادث بين موجودين متناهيين حدوثًا ظاهريًّا فقط، والحقيقة أنه فعل المطلق في ذاته. ب- على أن لوتزي يعدل هذا المذهب في كتاب "علم النفس الطبي" " ١٨٥٢ " وكتاب "العالم الأصغر" أي: الإنسان "في ٣ مجلدات: ١٨٥٦ - ١٨٦٤ " فإنه يبدأ بوحدة الأنا المدرك بالحدس على أنه جوهر، ويدلل على روحانيته، ويدفع عنها اعتراضات الماديين، ثم يستند إلى طموح النفس إلى الكمال فيقول بوجود روح أعظم وشخص متمايز منا, وهو الذي رتب الكل تبعًا للخير: "إن الموجود الحق الذي هو موجود, والذي يجب أن يوجد، ليس المادة وليس من باب أولى المثال الهجلي، ولكنه الله الروح الحي الشخصي وعالم
следующие страницы →