← Акыда

Акыда · id 8647

العقائد الإسلامية

سيد سابق

Полный текст (290 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ويسمى الروح الأمين, قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (١). ويسمى روح القدس, قال الله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٢). ويسمى أيضًا بالناموس, كما قل ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله علية وسلم فى أول عهده بالوحى: لقد جاءك الناموس الذى نزّل الله على موسى. ويأتى جبريل ﵇ أحيانًا فى صورة بشر, وأحيانًا فى مثل صلصة (٣) الجرس. روى البخارى عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام رضى الله عنه سأل الرسول صلى الله علية وسلم فقال: يا رسول الله, كيف يأتيك الوحى؟ فقال: «أحيانًا يـ أتينى مثل صلصلة الجرس, وهو أشده علىّ, فيفصم (٤) عنى وقد وعيت عنه (٥) ما قال .. وأحيانًا يتمثل فى الملك رجلاً فيكلمنى فأعى ما يقول»؛

стр. 107

قالت عائشة رضى الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه, وإن جبينه ليتفصد عرقًا. وفى الحديث الذى أخرجه ابن أبى دنيا والحاكم عن ابن مسعود, أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: «إن روح القدس نفث فى روعى أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها, فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب». * عملهم فى الطبيعة ومع الإنسان: وللملائكة عمل فى تدبير أمور الكون من إرسال الرياح والهواء, ومن سوق السحب وإنزال المطر, ومن إنبات النبات, ونحو ذلك من الأعمال الخافية على الأنظار التى لا تقع تحت الحواس. وهم يلازمون الإنسان فى حياته كلها, وبعد مماته, يقول الرسول صلى الله علية وسلم: «إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء, وعند الجماع, فاستحيوهم وأكرموهم». ١ - تنشيط القوى الروحية الكائنة فى الإنسان بإلهام الحق والخير: عن ابن مسعود رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: «إن للشيطان لمة (١) بابن آدم, وللملك لمة, فـ أما لمة الشيطان, فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق, وأما لمة الملك, فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد من ذلك شيئًا, فليعلم أنه من الله, وليحمد الله, ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان .. ثم قرأ:

стр. 108

﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)». ٢ - دعاء الملائكة للمؤمنين: والله سبحانه لسعة مغفرته, ولحبه لعباده, يلهم ملائكته أن يضرعوا إليه بالدعاء, ويسألوه برحمته التى وسعت كل شىء, وعلمه الذى وسع كل شىء, أن يغفر للتائبين, ويدخلهم فى عباده الصالحين. ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) وروى مسلم أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان يدعوان, يقول أحدهما: اللهم أعط ممسكًا تلفًا, ويقول الآخر: اللهم أعط منفقًا خلفًا». ٣ - تأمينهم مع المصلين: والملائكة تؤمن من المصلين, فعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله علية وسلم قال:

стр. 109

«إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ (١) فقولوا: آمين (٢) , فإن الملائكة يقولون: آمين, وإن الإمام يقول: آمين, فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (٣). ٤ - حضورهم صلاة الفجر والعصر من كل يوم: روى البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله علية وسلم قال: «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة, وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار فى صلاة الفجر» (٤) , يقول أبو هريرة رضى الله عنه: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ (٥) إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ (٦). وروى الشيخان عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون فى صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسـ ألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادى؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» (٧). ٥ - نزولهم عند قراءة القرآن الكريم: وهم ينزلون عند قراءة القرآن الكريم، ويستمعون إليه .. فعن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن أسيد بن حضير بينما هو فى ليلة يقرأ

стр. 110

فى مربده (١) إذ جالت (٢) فرسه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضًا .. قال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى فقمت إليها، فإذا مثل الظلة فوق رأسى، فيها أمثال السُّرُج عرجت فى الجو حتى ما أراها، فقال: فغدوت على رسول الله صلى الله علية وسلم فقلت: يا رسول الله، بينما أنا البارحة من جوف الليل أقرأ فى مربدى إذ جالت فرسى، فقال رسول الله صلى الله علية وسلم: «اقْرَإِ ابْنَ حُضَيْرٍ»، قال: فقرأت، ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله صلى الله علية وسلم: «اقْرَإِ ابْنَ حُضَيْرٍ»، قال: فقرأت، ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله صلى الله علية وسلم: «اقْرَإِ ابْنَ حُضَيْرٍ»، قال: فانصرفت، وكان يحيى قريبًا منها خشيتُ أن تطأه، فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت فى الجو حتى ما أراها، فقال رسول الله صلى الله علية وسلم: «تِلْكَ الْمَلاَئِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ» (٣). ٦ - حضورهم مجالس الذكر: وهم يلتمسون حلقات الذكر لإمدادهم بالقوى الروحية .. عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علية وسلم: «إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِى الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْماً يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِى؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِى؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ

стр. 111

مَا رَأَوْكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِى؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيداً، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحاً، قَالَ: يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِى؟ قَالَ: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصاً، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَباً، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ مَا رَأَوْهَا، قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَاراً، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّى قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ: فِيهِمْ فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» (١) وفى رواية: «إِنَّ لِلّهِ ﵎ مَلاَئِكَةً سَيَّارَةً فُضْلاً يَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِساً فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ - مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِى الأَرْضِ، يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيُهَلِّلُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ، وَيَسْأَلُونَكَ، قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِى؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِى؟ قَالُوا: لاَ أَىْ رَبِّ، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِى؟ قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِى؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِى؟ قَالُوا: لاَ، قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِى؟ قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا، قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلاَنٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ» (٢).

стр. 112

٧ - صلاتهم على المؤمنين وخاصة أهل العلم منهم: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ (١). وعن أبى أمامة أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض ليصلون على معلم الناس الخير» (٢). ٨ - تبريكهم أهل العلم وتواضعهم لهم: عن أبى الدرداء أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع» (٣). ٩ - حملهم البشريات: روى مسلم عن أبى هريرة ﵁ عن النبى صلى الله علية وسلم قال: «إِنَّ رَجُلاً زَارَ أَخاً لَهُ فِى قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ (٤) مَلَكاً، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ، قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخاً لِى فِى هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا (٥)؟ قَالَ: لاَ، غَيْرَ أَنِّى أَحْبَبْتُهُ فِى اللَّهِ ، قَالَ: فَإِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ». ١٠ - إعلانهم عمن يحبه الله وعمن يبغضه: يقول الرسول صلى الله علية وسلم:

стр. 113

«إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْداً دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّى أُحِبُّ فُلاَناً فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِى فِى السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَناً فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِى الأَرْضِ .. وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْداً دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّى أُبْغِضُ فُلاَناً فَأَبْغِضْهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِى فِى أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلاَناً فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِى الأَرْضِ» (١). ١١ - كتابتهم الأعمال: وهم يكتبون أعمال الإنسان، ويحصون عليه حسناته وسيئاته. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٢). ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣).

стр. 114

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (١). ويسجلون هذه الأعمال عندهم فى سجل لكل فرد، ثم تعرض يوم الحساب. ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ (٢). وفى أثناء العرض يشهدون على ما عمل الإنسان من خير أو شر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٣). ١٢ - تثبيت المؤمنين: وهم يثبتون المؤمنين بما يلقونه فى قلوبهم من التأييد: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤). ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٥).

стр. 115

١٣ - وهم موكلون بقبض الأرواح: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (١). ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ (٢). ١٤ - وهم يحيون الطيبين تحية طيبة عند قبض أرواحهم: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ (٣). ١٥ - ويبشرونهم بالجنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (٤). أى إن الذين آمنوا بالله إيمانًا حقًا، واستقاموا على الطريق الذى رسمه لعباده، فإن الملائكة تنزل عليهم عند الموت، وتقول لهم: لا تخافوا مما أمامكم من أهوال القبر وعذاب الآخرة، ولا تحزنوا على ما تركتم وراءكم من أموال وأولاد، وأبشروا بالجنة التى وعدكم الله بها .. بينما يمتهنون الفسقة، ويضربون وجوههم وأدبارهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ (٥).

стр. 116

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ (١). * الإيمان بالملائكة: وإذا كان هذا هو شأن الملائكة فى عالم الروح، ودورهم الإيجابى فى الكون والطبيعة، وإذا كانت هذه هى صلتهم بالإنسان فى هذا العالم وفى العالم الذى يأتى بعده .. كان من الواجب الإيمان بوجودهم، ومحاولة الاتصال بهم عن طريق تزكية النفس، وتطهير القلب، وعبادة الله عبادة خاشعة. وفى الاتصال بالملائكة سموّ للروح، وتحقيق للحكمة العليا التى خلق الإنسان من أجلها، وهى أداء أمانة الحياة، والقيام بالخلافة عن الله فى الأرض .. ولهذا كان الإيمان بالملائكة من البر، ومن دلائل الصدق والتقوى. ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ﴾ (٢). إن الإيمان لا يكون له حقيقة إلا إذا آمن الإنسان بهذا العالم الروحى إيمانًا لا يتطرق إليه الشك، ولا تتسرب إليه الظنون. وهذا هو نهج الأنبياء والمؤمنين الذين انكشفت الحقائق أمام أبصارهم، فأدركوا من الكون ما لم يدركه الغافلون. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (٣).

стр. 117

إن هذا العالم الغيبى لا يدرك بالحس ولا بالعقل، بل إن الشياطين لا يمكنهم الوصول إليه. ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ (١). وسبيل معرفته هو الوحى، لأنه غيب من الغيوب. ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ* رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٢). وكل ما يجب الاهتمام به أن نؤمن بهم، ونرعى حق صحبتهم، ونوثق صلتنا بهم كما أرشد الرسول ﷺ : «إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم، وأكرموهم».

стр. 118

الجن . * من هم؟ * طريق العلم بهم. * المادة التى خلقوا منها. * طوائفهم. * الجن مكلفون كالبشر. * استماعهم القرآن من الرسول. * الجن لا يعلم الغيب. * تسخير الجن لسليمان. * إبليس والشياطين. * كل إنسان معه شيطان. * الإعراض عن هداية الله يمكن للشيطان. * التحذير من عداوة الشيطان. * لا سلطان للشيطان على المؤمنين. * مقاومة الشيطان. *حكمة خلق إبليس.

стр. 119

* من هم ؟: الجن نوع من الأرواح العاقلة المريدة المكلفة على نحو ما عليه الإنسان، ولكنهم مجردون عن المادة البشرية، مستترون عن الحواس، لا يُرَوْن على طبيعتهم، ولا بصورتهم الحقيقية، ولهم قدرة على التشكل. * طريق العلم بهم: والطريق الذى يوصلنا إلى العلم بهذا العالم هو الوحى، وقد هدانا الكتاب والسُّنة الصحيحة عن أصل المادة التى خلقوا منها ، وعن طوائفهم، وعن مصير كل طائفة، وعن تكليفهم واستماعهم القرآن من الرسول ﷺ . * المادة التى خلقوا منها: يقول الله فى أصل المادة التى خُلِق منها الجانّ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (١). والآيتان تدلان على: ١ - أن الإنسان فى أول أمره خلق من تراب، ثم عجن بالماء، فصار طينًا ثم مكث حتى صار حمأ (٢) مسنونًا، ثم يبس هذا الحمأ المتغير الرائحة حتى صار صلصالاً (٣).

стр. 120

٢ - وأن الجانّ فى أول أمره، خلق من نار لا دخان فيها؛ لأن السموم هو لهم النار الخالص. ٣ - وأن خلق الجانّ سابق لخلق الآدميين. * طوائف الجنّ: والجن طوائف: فمنهم الكامل فى الاستقامة والطيبة وعمل الخير، ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم البُلْه المغفلون، ومنهم الكفرة، وهم الكثرة الكاثرة. يقول الله سبحانه فى حكايته عن الجن الذين استمعوا إلى القرآن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً﴾ (١). أى أن منهم الكاملين فى الصلاح، ومن هم أقل صلاحًا، فهم مذاهب مختلفة كما هو الحال عند البشر. ويقول الله عنهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ (٢). أى أن منهم المسلمين، ومنهم الظالمين أنفسهم بالكفر، فمن أسلم منهم فقد قصد الهدى بعمله، ومن ظلم نفسه فهو حطب جهنم.

стр. 121

* الجن مكلفون كالبشر: والجن مكلفون كالإنس، ورسلهم من البشر، يقول الله سبحانه: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ (١). ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٢). ومعنى الآيات: سنفرغ لكم لنحاسبكم حسابًا دقيقًا لا يشغلنا عن ذلك شىء يا أيها الثقلان .. والثقلان مثنى ثقل وهما: الجن والإنس. يا جماعة الجن والإنس إن قدرتم أن تفروا من جانب من جوانب السماوات والأرض للهرب من الحساب ففروا، واهربوا، ولكن لن تستطيعوا ذلك إلا بالقوة التى تفوق قوة الله، وذلك لا يكون لاستحالته. * استماعهم القرآن من الرسول: وقد خضر وفد من الجن، وسمعوا القرآن من النبى ﷺ ، ولم يرهم وقت وجودهم، ولم يعلم بحضورهم. وفى ذلك يقول الله سبحانه:

стр. 122

﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١). وعن ابن عباس ﵁ قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن، ولا رآهم .. انطلق ﷺ فى طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب؛ قالوا: ما ذلك إلا من شىء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها .. فمر النفر الذين أخذوا تهامة النبى ﷺ ، وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، وقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا .. فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ (٢): ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٣). وقال الحافظ البيهقى: وهذا الذى حكاه ابن عباس ﵁، إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة لرسول الله ﷺ وعلمت

стр. 123

حاله، وفى ذلك الوقت لم يقرأ عليهم، ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعى الجن، فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله . وهذا يشير إلى ما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحب النبى ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكن قد افتقدناه ذات ليلة، وهو بمكة فقلنا: اغتيل، أو استطير، ما فعل به؟ فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، حتى إذا أصبحنا، أو كان فى وجه الصبح، فإذا نحن به يجىء من حراء، قال: فذكروا له الذى كانوا فيه، فقال: أتانى داعى الجنة، فأتيتهم، فقرأت عليهم، فانطلق، فأرانا أثرهم وأثر نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع فى أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم. * الجن لا علم له بالغيب: عِلْم الغيب مما استأثر الله به، والله لا يطلع أحدًا على غيبه، إلا إذا أراد أن يبلغ من ارتضاه من رسله ما يريد إبلاغه للناس. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ (١). أى أنه يجعل حرسًا حول هذا الرسول الذى أطلعه على بعض الغيب المتعلق برسالته، وهذا الحرس من الملائكة والشهب لحفظ هذا الغيب من تلاعب الشياطين. وفى قصة سليمان يقول القرآن الكريم:

стр. 124

﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (١). * تسخير الجن لسليمان ﵇: والله سبحانه سخر الجن لسليمان، ولم يحدث ذلك لغيره فيما نعلم: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٢) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣) * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (٤) * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٥). ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ (٦). وطلب سليمان من جلسائه أن يأتيه أحد منهم بعرش بلقيس، فقال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ (٧).

стр. 125

وعن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ قال: «إن عفريتًا من الجن تفلَّت البارحة، ليقطع علىّ صلاتى، فـ أمكننى الله منه، فـ أخذته، فـ أردت أن أربطه إلى سارية من سوارى المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخى سليمان: " رب هب مُلكًا لا ينبغى لأحد من بعدى " فرددته خاسئًا». * إبليس والشياطين: إبليس اسم أعجمى، ولهذا كان ممنوعًا من الصرف، وقيل إنه عربى مشتق من الإبلاس، وهو اليأس من رحمة الله، أو الإبعاد عن الخير؛ ومنع من الصرف لأنه لا نظير له فى الأسماء، أو لأنه يشبه الأسماء الأعجمية .. وهو أبو الشياطين (١)، وأصلهم الأول (٢) .. والشياطين هم المتمردون من عالم الجن. وإذا كانت الملائكة هم جُند الله الذين يمثلون الخير والفلاح والصلاح، فإن إبليس ومن معه من الشياطين هم أعداء الله الذين يمثلون الشر والفساد، فأعمال الملائكة والشياطين على طرفى نقيض. إذ أن أعمال الملائكة تتجه أول ما تتجه إلى عبادة الله، وترقية الحياة، وتنظيم أمر هذا الوجود، وإقامة معالم النظام .. وهى تعمل دائمًا على التأليف والتجميع والتنسيق، وهداية الإنسان إلى الحق، ودعاء الله أن يغفر له سيئاته ويحفظه منها.

стр. 126

أما أعمال الشياطين فهى تتجه دائمًا إلى التمرد على الله، وإلى التفريق والتمزيق والتخريب والتدمير، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، ووصل ما أمر الله به أن يقطع، فما من شر فى الأرض ولا فساد فى الوجود، إلا ولهم به صلة. وهم الذين زينوا للأمم السابقة سوء العمل، وحسنوا لهم الكفر والمعاصى، ودعوهم إلى تكذيب الرسل ومخالفة أوامر الله، ولا تزال هذه أعمالهم. ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). وعن عياض المجاشعى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم فى خطبته: «أَلاَ إِنَّ رَبِّى أَمَرَنِى أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِى يَوْمِى هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْداً حَلاَلٌ (٢)، وَإِنِّى خَلَقْتُ عِبَادِى حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ (٣)، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ (٤)، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ (٥)، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِى مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَاناً، وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ

стр. 127

الْكِتَابِ (١)، وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِىَ بِكَ (٢)، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَاباً لاَ يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِماً وَيَقْظَانَ (٣)». فالشياطين هى التى دعت إلى تحريف الدين، والخروج على الفطرة، وإلى الإشراك بالله، وحرمت الحلال، وأحلت الحرام، ولا تزال الشياطين تقعد للإنسان بكل طريق صادة عن سبيل الله ومحاولة صرفه عن جلائل الأعمال. ففى حديث سبره بن فاكه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشيطان قعد لابن آدم بطرق: فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم، وتترك دينك ودين آبائك؟ فعصاه، وأسلم .. ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر؟ أتدع أرضك وسماءك؟ فعصاه وهاجر .. ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: أتجاهد وهو تلف النفس والمال، فتقاتل، فتقتل فتنكح نساؤك ويقسم مالك؟ فعصاه وجاهد». وقال رسول الله ﷺ : «فمن فعل ذلك، فمات، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة». والشيطان هو الذى قام بدور رئيسى فى القضاء على دعوة الإسلام فى أول صدام له مع أعدائه.

стр. 128

﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١). وهذا الشيطان هو الذى يزين لكل فرد ما تهفوا إليه نفسه، ويميل إليه هواه من حب للجنس، أو طمع فى المال، أو حرص على المنصب، أو تطلع إلى الجاه، أو إيثار للاستبداد، أو ميل إلى الطغيان .. بل إنه ليتسلط على المتدينين أنفسهم، ليزيدوا فى شرع الله، أو ينقصوا منه، ليطوِّعوا الدين لأهوائهم، ويخضعوه لشهواتهم. وهو الذى يغرى العداوة والبغضاء بين الناس، فيفرق بين الأخ وأخيه، وبين الزوج والزوجة، وبين طوائف الأمة وجماعاتها. وهو الذى يوقد نيران الحروب بين الأمم والشعوب، وينفخ فيها لتهلك الحرث والنسل، وتأتى على الأخضر واليابس. وكلما كان الشيطان أقدر على الشر كان أقرب منزلة وأعلى قدرًا لدى رئيسه إبليس لعنه الله. عن جابر عن النبى ﷺ قال: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً .. يَجِىءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئاً، قَالَ: ثُمَّ يَجِىءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ». إن الفساد الجنسى، والفساد الخلقى، والفساد الاجتماعى، والفساد السياسى، والفساد

стр. 129

الاقتصادى، وكل ما يعانيه الإنسان من فتن وويلات، إنما هو من نتاج إبليس وجنوده الأشرار. * كل إنسان معه شيطان (١): وكما أمد الله الإنسان بملك يهديه، ويؤيده .. فإنه كذلك يمده بشيطان يوسوس له، ويزين له السوء، ويغريه بالمنكر، ويدعوه إلى الفتنة، يستوى فى ذلك الأنبياء وغيرهم. ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ (٢). وعن عائشة رضى الله عنها قالت: خرج النبى ﷺ من عندى ليلاً، فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع، فقال: «مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ، أَغِرْتِ؟»، قلت: وما لى لا يغار مثلى على مثلك؟ فقال: «أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟»، قلت: يا رسول الله، أومعى شيطان؟ قال: «نَعَمْ»، قلت: ومع كل إنسان شيطان؟ قال: «نَعَمْ»، قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِنْ رَبِّى أَعَانَنِى عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ» (٣). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبى ﷺ قال:

стр. 130

«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ» قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَإِيَّاىَ، إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِى عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلاَ يَأْمُرُنِى إِلاَّ بِخَيْرٍ» (١). * الإعراض عن هداية الله يمكن للشيطان: والشيطان لا يتمكن من نفس الإنسان إلا إذا أعرض عن هداية الله، وخرج عن المنهج المرسوم. فإذا أعرض الإنسان عن الطريق المرسوم له، عاقبه الله بتمكين الشيطان منه، فيوجهه وجهة الشر والفساد فى كل قول وفى كل فعل. ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (٢). ومع التمادى فى الغى والضلال، يستحوذ الشيطان على النفس الإنسانية، ويستولى عليها استيلاء كاملاً، حتى يبلغ الإنسان أن يكون جنديًا لإبليس، أو عضوًا فى جماعة الشياطين. ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣).

стр. 131

وحين يصل الإنسان إلى هذا المستوى، ويهبط إلى هذا الدرك، يكون قد بلغ النهاية فى الانحطاط الروحى، والكفر بذخائر النفس. وفى هذا الدرك تختل المقاييس، وتضطرب الموازين، وتلتبس الحقائق، ويعلو سلطان الباطل، وتسود شريعة الغاب، ويتعادى الناس تعادى الحيوانات المفترسة، ويصبح الإنسان - وهو أبدع ما أنشأته العناية الإلهية - أداة من أدوات الشر والفساد، وعاملاً من عوامل الهدم والتخريب. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ (١). بل يصل الإنسان إلى الحالة التى يتبرأ الشيطان فيها منه. ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). * التحذير من عداوة الشيطان: إن الشيطان يمثل الشر فى الأرض، ويعمل دائبًا على تدمير حياة الإنسان بزحزحته عن هداية الله، وإبعاده عن منهج الحق والرشاد. لهذا حذرنا الله من كيده، وأخبرنا بعداوته، ودعا إلى مقاومته بكل وسيلة حتى يضعف سلطانه، وتخف شروره وآثامه، فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٣).

стр. 132

وقص علينا من عداوته لأبينا آدم ﵇ ما فيه العظة البالغة، فقد استطاع أن يُغْريه بالأكل من الشجرة، وأن يخرجه من الجنة بكذبه وخداعه، وأن يوقعه فى مخالفة أمر الله وارتكاب نهيه، ثم قال عقب ذلك: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١). وبيّن للإنسان ما أخذه الشيطان على نفسه منذ خصومته لآدم، أنه سيقعد على الصراط المستقيم يغوى الناس ويضلهم، قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (٢) لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً * وَاسْتَفْزِزْ (٣) مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ (٤) وَأَجْلِبْ (٥) عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٦). وفى سورة الأعراف يقول الله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ (٧) الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ

стр. 133

مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ (١) وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (٢). وكان حكمه هذا ظنًا وقد تحقق: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). وفى سورة النساء يقول الله سبحانه: ﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً (٤) وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيداً (٥) *لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٦) * وَلأُضِلَّنَّهُمْ (٧) وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ (٨) فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ (٩) وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً * يَعِدُهُمْ (١٠)

стр. 134

وَيُمَنِّيهِمْ (١) وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ (٢). ويعلمنا أن الشيطان جادّ فى إلقاء خواطر السوء، ومهتم بتقوية دواعى الشر والباطل فى النفس الإنسانية. ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (٣). أى أن الشيطان يوسوس للإنسان، ويلقى فى نفسه بأن الإنفاق يذهب بالمال، ويأمره بالإمساك والبخل والحرص على المال ومنع الزكاة؛ ومن ثم كان من الواجب الحذر منه، واتقاء شروره وآثامه. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٥). ومن أبلغ ما ذكره القرآن فى الترهيب من متابعة الشيطان، ما جاء فى سورة الأنعام: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ (٦). أى أن الله يقول يوم الحشر للجن وقد استكثرتم من إغواء الإنس، وقال

стр. 135

أتباعهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض، أى استمتع الجن بالإنس حيث قادوهم، وأخضعوهم لسلطانهم، فكانت لهم لذة السيطرة ومتعة الرياسة، واستمتع الإنس بالجن، حيث زينوا لهم الشهوات أو دلوهم عليها، واستمر هذا الاستمتاع حتى بلغو الأجل المقدّر لهم. وفى مشهد من مشاهد القيامة يميز الله فيه المجرمين، ويوجه إليهم الخطاب ناعيًا عليهم طاعتهم للشيطان وعبادتهم له. ﴿وَامْتَازُوا (١) الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ (٢) أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا (٣) الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ (٤) كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ (٥). وفى مشهد آخر من مشاهد القيامة يخطب الشيطان فى أتباعه موقعًا اللوم عليهم فى ضلالهم ومتابعتهم له. ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦). قال ابن كثير: يخبر الله تعالى عما خاطب به إبليس أتباعه بعد ما قضى الله بين

стр. 136

عباده، فأدخل المؤمنين الجنات، وأسكن الكافرين الدركات، فقام فيهم إبليس لغنه الله يومئذ خطيبًا، ليزيدهم حزنًا إلى حزنهم، وغمًا إلى غمهم، وحسرة إلى حسرتهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ على ألسنة رسله، ووعدكم فى اتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدًا حقًا وخبرًا صادقًا، وأما أنا ﴿وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ - كما قال الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ (١) - ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾؛ أى ما كان لى عليكم فيما دعوتكم إليه دليل، ولا حجة فيما وعدتكم به، إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ اليوم ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فإن الذنب لكم لكونكم خالفتم الحجج، واتبعتمونى بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أى بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أى بنافعى بإنقاذى مما أنا فيه من العذاب والنكال ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ .. قال قتادة: أى بسبب ما أشركتمونى من قبل وقال ابن جرير: يقول أنى جحدت أن أكون شريكًا لله .. وهذا الذى قاله هو الراجح .. وحين يقف الإنسان وقرينه أمام الله فى الآخرة يقول الإنسان: يا رب ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ (٢)، فيقول شيطانه الذى وكل به: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (٣)، فيقول الله: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ (٤) وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٥)

стр. 137

* لا سلطان للشيطان على المؤمن: والإيمان يفيض على النفس إشراقًا، ويملأ القلوب نورًا، وإذا أشرقت النفس واستنار القلب، انمحى كل ما يوسوس به الشيطان. ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (١). وإذا ألم بالقلب الموصول بالله من مس الشيطان شىء، فسرعان ما يستيقظ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٢). وقد استطاع الشيطان أن يغرى آدم بالأكل من الشجرة، وأن يوقعه فيما حظره الله عليه، وأن يحرك فى نفسه بواعث الهوى ودواعى الشر إغراء وخداعًا. ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ

стр. 138

الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١). إلا أن نوازع الخير ودواعيه تيقظت فى قلب آدم وحواء، وعلما أنه خدعهما بهما، فتغلبت هذه النوازع والدواعى على وسوسة الشيطان وحظه من النفس، فتابا إلى الله، وأنابا قائلين: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢). فقبل الله توبتهما واستجاب دعاءهما: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣). ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٤). وبالتوبة والإنابة إلى الله تغلب جانب الخير على جانب الشر، ومتى تغلب جانب الخير على جانب الشر فى نفس الإنسان، تعرض لهداية الله، وكان أهلاً للاجتباء والاصطفاء. والله لم يذكر لنا هذه القصة إلا لتكون مثلاً حيًّا لما ينبغى أن يكون عليه الإنسان، فالإنسان لم يخلق ملكًا منزهًا عن النقائص، وإنما خلق وعنده استعداد للبر والإثم، والصواب والخطأ، والخير والشر، والطاعة والمعصية، والتقوى والفجور. ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٥).

стр. 139

والإنسان بمقتضى خلافته عن الله فى الأرض مكلف بأن ينمى فى نفسه معانى البِرّ، والصواب، والخير، والطاعة، والتقوى؛ وأن يقاوم نوازع الإثم، والخطأ، والشر، والفجور، حتى يبلغ الكمال الروحى الذى أراده الله له. وفى هذه المعركة يتدخل الشيطان، ليصرف الإنسان عن تنمية قواه العليا من جانب، وليضعف من روح المقاومة بطريق الخداع والإغراء والتزيين من جانب آخر. ومن ثم كان واجبًا على الإنسان أن يحذر مكايد الشيطان، ويعرف أساليبه التى يتخذها، ليصرف الإنسان عن وظيفته الأولى فى هذه الحياة. فإذا زلّت به قدم، أو تورط فى الإثم، أو جانبه صواب، أو مارس شرًّا، أو اقترف معصية، أو ارتكب فجورًا .. فأمامه السبيل الذى رسمه له أبوه آدم من التوبة، واستئناف حياة أزكى وأطهر .. وبهذا يخلص الإنسان من سلطان الشيطان وسيطرته عليه. * مقاومة الشيطان: إن الله لم يذكر فى القرآن النفس الأمارة بالسوء، ولا النفس اللوامة إلا مرة واحدة، ولكنه ذكر الشيطان وكرر التحذير منه فى صور متنوعة، وما فعل ذلك إلا ليكون الإنسان منه على حذر، كى لا يضل، ولا يشقى؛ ذلك أن عمل الشيطان فى النفس مثل عمل الميكروب فى الجسم، والميكروب ينتهز فرصة ضعف الجسم فيهجم عليه محاولاً القضاء عليه والفتك به، ولا خلاص للجسم من عمل الميكروب إلا إذا كانت له حصانة، وفيه مناعة تبطل عمل الميكروب، وتقضى على ضراوته. وكذلك الشيطان ينتهز فرصة ضعف النفس ومرضها، فيهجم عليها محاولاً إفسادها.

стр. 140

ولا خلاص منه إلا إذا صحت النفس من أمراضها، التى هى المداخل الحقيقية للشيطان ووسوسته. وأمراض النفس التى هى مداخل الشيطان هى نقائص الإنسان التى يجب عليه أن يتخلص منها حتى لا يكون للشيطان سبيل عليه، وهذه الأمراض أو هذه النقائص هى - على سبيل المثال لا الحصر (١) -: الضعف، واليأس، والقنوط، والبطر، والفرح، والعجب، والفخر، والظلم، والبغى، والجحود، والكنود، والعجلة، والطيش، والسفه، والبخل، والشح، والحرص، والجدل، والمراء، والشك، والريبة، والجهل، والغفلة، واللدد فى الخصومة، والغرور، والادعاء الكاذب، والهلع، والجزع، والمنع، والتمرد، والعناد، والطغيان، وتجاوز الحدود، وحب المال، والافتتان بالدنيا .. فهذه هى أمراض النفس، وبواسطتها يتدخل الشيطان ليدمر حياة الإنسان، وليزحزحه عن فضائله العليا، ولا سبيل إلى طرده ومعالجة وسوسته وإغرائه إلا إذا عولجت النفس أولاً عن طريق المجاهدة، حتى تبرأ من هذه الأمراض جميعها، وتعود إليها الصحة والعافية، وتكون نفسًا مطمئنة بالحق والخير. وحينئذ يكون ذكر الله، والاستعاذة به من الشيطان، والتبرى من الحول والقوة، وإسلام الوجه لقيوم السماوات والأرض، مما يقوّى من معنويات الإنسان ويرفع من مستواه الروحى، حتى يصل الإنسان إلى درجة يخاف فيها الشيطان من أن يلقاه فى طريق من الطرق، كما حدث لعمر بن الخطاب ﵁ .. روى البخارى ومسلم أن رسول الله ﷺ قال لعمر: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكاً فَجًّا (٢)، إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ».

стр. 141

إن سعادة الإنسان لا تتم إلا بكبح جماح النفس، والتغلب على هواها باتباع وحى الله، ومحاربة نزغات الشيطان. ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (١). ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *مَلِكِ النَّاسِ *إِلَهِ النَّاسِ *مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ *الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *﴾ (٢). * حكمة خلق إبليس: وقد يقال: لِمَ خلق الله إبليس يوسوس بالشر؟ ويدعو إلى محادة الله، ومحاربة تعاليمه؟ وقد أجاب عن ذلك بعض العلماء فقالوا أنه يظهر للعباد قدرة الله تعالى على خلق المتضادات المتقابلات، فخلق هذه الذات التى هى أخبث الذوات وسبب كل شر، فى مقابلة ذات جبريل ﵇ التى هى من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، وهى سبب كل خير، فتبارك الله خلق هذا وهذا؛ كما ظهرت قدرته فى خلق الليل والنهار، والدواء والداء، والحياة والموت، والحسن والقبيح، والخير والشر .. وذلك من أدل دليل على كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه، فإنه خلق هذه المتضادات، وقابل بعضها ببعض، وجعلها مجال تصرفه وتدبيره، فخلو العالم عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير مملكته. ومنها ظهور آثار أسمائه القهرية مثل: القهار، والمنتقم، والعدل، والضار، والشديد العقاب، والسريع الحساب، وذى البطش الشديد، والخافض، والرافع، والمعز، والمذل؛ وأن هذه الأسماء والأفعال كمالات لابد من وجود متعلقها، ولو كان الجن والإنس على طبيعة الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء.

стр. 142

ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة كلأه، وعفوه، ومغفرته، وستره، وتجاوزه عن حقه، وعتقه لمن يشاء من عبيده، فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأشياء لتعطلت هذه الحكم والفوائد، وقد أشار النبى ﷺ إلى هذا بقوله: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (١). ومنها ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنه الحكيم، الخبير، الذى يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشىء فى غير موضعه ولا ينزله فى غير منزلته التى يقتضيها كمال علمه، وتمام حكمته، فهو أعلم حيث يجعل رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها، ويشكر له جميل صنعه، وأعلم بمن لا يصلح لذلك، فلو قرر عدم الأسباب المكروهة لتعطلت حكم كثيرة، ولفاتت مصالح عديدة، ولو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر لتعطل الخير الذى هو أعظم من الشر الذى فى تلك الأسباب، وهذا كالشمس والمطر والرياح التى فيها من المصالح ما هو أضعاف ما يحصل بها من الشر. ومنها حصول الطاعات المتنوعة التى لولا خلق إبليس لما حصلت، فإن طاعة الجهاد من أحب أنواع الطاعات، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه الطاعة وتوابعها من الموالاة لله تعالى والمعاداة فيه، وطاعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومخالفة الهوى وإيثار محاب الله تعالى، والتوبة، والاستغفار والصبر، والاستعاذة بالله أن يجيره من عدوّه، ويعصمه من كيده وأذاه، إلى غير ذلك من الحكم التى تعجز العقول عن إدراكها.

стр. 143

الكتب السماوية . * الكتب المدونة. * القرآن الكريم آخر الكتب. * تحريف التوراة. * تحريف الإنجيل. * تصديق القرآن للكتب السابقة. * الطريق إلى الحقيقة.

стр. 144

إن لله سبحانه تعاليم ووصايا، أوحاها إلى رسله وأنبيائه منها: ما دوّن فى كتب، ومنها ما لا علم لنا به .. فلكل نبىّ رسالة بلغها قومه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (١). ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ (٢). * الكتب المدونة هى: التوراة التى نزلت على موسى ﵇: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (٣). ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ (٤). والإنجيل الذى نزل على عيسى ﵇:

стр. 145

﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). والزبور الذى نزل على داود: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ (٢). ومنها صحف إبراهيم وموسى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى*وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى *أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى*وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى*ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى *وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ (٣). ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى*وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى *بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا*وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى*إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى*صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٤). عن أبى ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: «كانت أمثالاً كلها». أيها الملك المسلط (٥)، المبتلى (٦)، المغرور (٧)، إنى لم أبعثك بتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكنى بعثتك لترد عنى دعوة المظلوم، فإنى لا أردها وإن كانت من كافر. وعلى العاقل - ما لم يكن مغلوبًا على عقله - أن يكون ساعات:
следующие страницы →