إن سعادة الإنسان لا تتم إلا بكبح جماح النفس، والتغلب على هواها باتباع وحى الله، ومحاربة نزغات الشيطان.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (١).
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *مَلِكِ النَّاسِ *إِلَهِ النَّاسِ *مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ *الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ *﴾ (٢).
* حكمة خلق إبليس:
وقد يقال: لِمَ خلق الله إبليس يوسوس بالشر؟ ويدعو إلى محادة الله، ومحاربة تعاليمه؟ وقد أجاب عن ذلك بعض العلماء فقالوا أنه يظهر للعباد قدرة الله تعالى على خلق المتضادات المتقابلات، فخلق هذه الذات التى هى أخبث الذوات وسبب كل شر، فى مقابلة ذات جبريل ﵇ التى هى من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، وهى سبب كل خير، فتبارك الله خلق هذا وهذا؛ كما ظهرت قدرته فى خلق الليل والنهار، والدواء والداء، والحياة والموت، والحسن والقبيح، والخير والشر .. وذلك من أدل دليل على كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه، فإنه خلق هذه المتضادات، وقابل بعضها ببعض، وجعلها مجال تصرفه وتدبيره، فخلو العالم عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير مملكته.
ومنها ظهور آثار أسمائه القهرية مثل: القهار، والمنتقم، والعدل، والضار، والشديد العقاب، والسريع الحساب، وذى البطش الشديد، والخافض، والرافع، والمعز، والمذل؛ وأن هذه الأسماء والأفعال كمالات لابد من وجود متعلقها، ولو كان الجن والإنس على طبيعة الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء.
стр. 142
ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة كلأه، وعفوه، ومغفرته، وستره، وتجاوزه عن حقه، وعتقه لمن يشاء من عبيده، فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأشياء لتعطلت هذه الحكم والفوائد، وقد أشار النبى ﷺ إلى هذا بقوله: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» (١).
ومنها ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنه الحكيم، الخبير، الذى يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشىء فى غير موضعه ولا ينزله فى غير منزلته التى يقتضيها كمال علمه، وتمام حكمته، فهو أعلم حيث يجعل رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها، ويشكر له جميل صنعه، وأعلم بمن لا يصلح لذلك، فلو قرر عدم الأسباب المكروهة لتعطلت حكم كثيرة، ولفاتت مصالح عديدة، ولو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر لتعطل الخير الذى هو أعظم من الشر الذى فى تلك الأسباب، وهذا كالشمس والمطر والرياح التى فيها من المصالح ما هو أضعاف ما يحصل بها من الشر.
ومنها حصول الطاعات المتنوعة التى لولا خلق إبليس لما حصلت، فإن طاعة الجهاد من أحب أنواع الطاعات، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه الطاعة وتوابعها من الموالاة لله تعالى والمعاداة فيه، وطاعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومخالفة الهوى وإيثار محاب الله تعالى، والتوبة، والاستغفار والصبر، والاستعاذة بالله أن يجيره من عدوّه، ويعصمه من كيده وأذاه، إلى غير ذلك من الحكم التى تعجز العقول عن إدراكها.
стр. 143
الكتب السماوية .
* الكتب المدونة.
* القرآن الكريم آخر الكتب.
* تحريف التوراة.
* تحريف الإنجيل.
* تصديق القرآن للكتب السابقة.
* الطريق إلى الحقيقة.
стр. 144
إن لله سبحانه تعاليم ووصايا، أوحاها إلى رسله وأنبيائه منها: ما دوّن فى كتب، ومنها ما لا علم لنا به .. فلكل نبىّ رسالة بلغها قومه:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (١).
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ (٢).
* الكتب المدونة هى:
التوراة التى نزلت على موسى ﵇:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (٣).
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ (٤).
والإنجيل الذى نزل على عيسى ﵇:
стр. 145
﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١).
والزبور الذى نزل على داود:
﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ (٢).
ومنها صحف إبراهيم وموسى:
﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى*وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى *أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى*وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى *وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى*ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى *وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ (٣).
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى*وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى *بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا*وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى*إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى*صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٤).
عن أبى ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: «كانت أمثالاً كلها».
أيها الملك المسلط (٥)، المبتلى (٦)، المغرور (٧)، إنى لم أبعثك بتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكنى بعثتك لترد عنى دعوة المظلوم، فإنى لا أردها وإن كانت من كافر.
وعلى العاقل - ما لم يكن مغلوبًا على عقله - أن يكون ساعات:
стр. 146
فساعة يناجى (١) فيها ربه.
وساعة يحاسب فيها نفسه.
وساعة يتفكر فيها فى صنع الله .
وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب.
وعلى العاقل، ألا يكون ظاعنًا (٢) إلا لثلاث:
تزود لمعاد (٣)، أو لمعاش (٤).
أو لذة فى غير محرم.
وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظًا للسانه؛ ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه (٥).
قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى ﵇؟ قال: «كانت عِبَرًا (٦) كلها».
عجبت لمن أيقن بالموت، ثم هو يفرح.
عجبت لمن أيقن بالنار، ثم هو يضحك.
عجبت لمن أيقن بالقدَر، ثم هو ينصب (٧).
عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها، ثم اطمأن إليها.
стр. 147
عجبت لمن أيقن الحساب غدًا، ثم لا يعمل.
قلت: يا رسول الله، أوصنى .. قال: «أوصيتك بتقوى الله، فإنها رأسُ الأمر كله».
قلت: يا رسول الله، زدنى .. قال: «عليك بتلاوة القرآن، وذكر الله، فإنه نور لك فى الأرض، وذخر لك فى السماء».
قلت: يا رسول الله، زدنى .. قال: «إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب (١)، ويذهب بنور الوجه».
قلت: يا رسول الله، زدنى .. قال: «عليك بالجهاد، فإنه رهبانية (٢) أمتى».
قلت: يا رسول الله، زدنى .. قال: «أحبَّ المساكين وجالسهم».
قلت: يا رسول الله، زدنى .. قال: «انظر إلى من هو تحتك، ولا تنظر إلى ما هو فوقك، فإنه أجدر أن لا تزدرى نعمة الله عنك».
قلت: يا رسول الله، زدنى .. قال: «قل الحق وإن كان مُرًا».
стр. 148
قلت: يا رسول الله، زدنى .. قال: «ليردك عن الناس ما تعلمه من نفسك، ولا تجد عليهم فيما تـ أتى، وكفى بك عيبًا أن تعرف من الناس ما تجهله من نفسك، وتجد عليهم فيما تـ أتى».
ثم ضرب بيده على صدره، فقال: «يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب (١) كحُسن الخُلُق» (٢).
* القرآن الكريم وهو آخر الكتب السماوية نزولاً:
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ *نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ *مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (٣).
* مزايا القرآن:
وللقرآن الكريم مزايا تميز بها عن الكتب السماوية التى تقدمته، وهى:
١ - أنه تضمن خلاصة التعاليم الإلهية التى تضمنتها التوراة والإنجيل وسائر ما أنزل الله من وصايا، وأنه مؤيد للحق الذى جاء بها: من عبادة الله وحده، والإيمان برسله، والتصديق بالجزاء، ووجوب إقامة الحق، والتخلق بمكارم الأخلاق.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ (٤)
стр. 149
وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ (١).
أى أن الله أنزل القرآن الكريم على النبى ﷺ مقترنًا بالحق فى كل ما جاء به، ومصدقًا لما تقدمه من الكتب الإلهية التى أنزلها الله على الأنبياء السابقين، ورقيبًا عليها: يقر ما فيها من حق، ويبيّن ما دخل عليها من تحريف وتصحيف؛ ثم يأمر الله نبيّه أن يحكم بين الناس - مسلمين وكتابيين - بما أنزل الله فى القرآن متجنبًا أهواءهم.
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٢).
ثم نسخت الأحكام العملية السابقة بالشريعة الإسلامية، والأحكام النهائية الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان .. وأصبحت العقيدة واحدة، والشريعة واحدة للناس جميعًا.
٢ - وتعاليم القرآن هى كلمة الله الأخيرة لهداية البشر، أراد الله لها أن تبقى على الدهر، وتخلد على الزمن، فصانها من أن تمتد إليها يد التحريف، أو التصحيف، أو التغيير، أو التبديل.
стр. 150
﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ *لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١).
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢).
والغاية من ذلك أن تبقى حجة الله على الناس قائمة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
٣ - وهذا القرآن الذى أراد الله له الخلود، لا يتصور أن يأتى يوم يصل فيه العلم إلى حقيقة ما تتعارض مع أى حقيقة من حقائقه، فالقرآن كلام الله، والكون عمل الله، وكلام الله وعمله لا يتناقضان أبدًا، بل يصدق أحدهما الآخر، ومن ثم فقد جاءت الحقائق العلمية مصدقة لما سبق به الكتاب، تحقيقًا لقوله :
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٣).
٤ - والله يريد لكلمته أن تذاع، وتصل إلى العقول والأسماع، وتتحول إلى واقع عملى، ولا يتم ذلك إلا إذا كانت مسيرة للذكر والحفظ والفهم، ولهذا جاء القرآن سهلاً، ليس فيه ما يشق على الناس فهمه، أو يصعب عليهم العمل به ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٤).
ومن تيسيره أن حفظه الرجال والنساء، والصغار والكبار، والأغنياء والفقراء، ويرددونه فى البيوت والمساجد، ولا تزال أصوات القراء تدوى به فى كل ناحية،
стр. 151
ولا نعلم أن كتابًا من الكتب غير القرآن نال من هذه الميزة بعض ما اختص به القرآن الكريم.
والقرآن بهذا لا يساميه أو يقاربه كتاب آخر فى تأثيره وهدايته، ولا فى موضوعه وسمو أغراضه؛ ومن ثم كان خير الكتب وأفضلها على الإطلاق
* تحريف التوراة:
إن الإيمان بالتوراة التى نزلت على موسى ﵇، ركن من أركان الإيمان، وقد أخبر الله أن فيها هدى ونورًا وأثنى عليها بقوله:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١).
إلا أن هذه التوراة التى نزلت على موسى ﵇ غير موجودة بالمرة، كما هو مسلم من الجميع.
أما التوراة المتداولة الآن، فقد قام بكتابتها أكثر من كاتب، وفى أزمان مختلفة، وقد دخلها التحريف، يقول المرحوم الأستاذ الكبير/ محمد فريد وجدى: " ومن أدلة التحريف الحسية، أن التوراة المتداولة لدى النصارى تخالف التوراة المتداولة عند اليهود ".
وقد أثبت القرآن هذا التحريف، ونعى على اليهود التغيير والتبديل الذى أدخلوه على التوراة.
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
стр. 152
فهم تجرأوا على كتاب الله، فحرفوه ليخفوا ما فيه من الحق، ونسوا قدرًا مما ذكرهم الله به فى التوراة؛ فالذى عندهم من التوراة الصحيحة، هو بعضها فقط.
﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (١).
وأول دليل على صحة نقد القرآن للتوراة المتداولة، وأنها ليست كلها هى توراة موسى ﵇، التى جعلها الله نورًا وهدى، ما جاء فى التوراة من وصف الله بما لا يليق بجلاله وكماله، ففى سفر التكوين (٣: ٢٢): " وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفًا بالخير والشر " .. وفيه (٦: ٦): " فحزن الرب أنه عمل الإنسان وتأسف فى قلبه ".
فهل يعقل أن هذا من كلام الله؟! وهل يصح أن ينسب إليه الحزن والأسف على شىء عمله؟!
وكذلك ما جاء فيها مما يمس شرف الأنبياء، ويتنافى مع ما لهم من عصمة ومكانة رفيعة، وخُلُق متين، فقالوا عن إبراهيم ﵇ أنه كذاب، وأن لوطًا ﵇ زنا بابنته، وهارون ﵇ دعا الإسرائيليين إلى عبادة العجل، وداود ﵇ زنا بزوجة أوريا، وسليمان ﵇ عبد الأصنام إرضاء لزوجته.
فهل ثمة دليل على التحريف أقوى من هذا؟! لقد اضطر النقاد من مصلحى اليهود أنفسهم إلى الاعتراف بهذه الحقيقة، وأن التوراة قد حرِّفت، وقد أورد مذهبهم (حاخام باريز أجوليان ويل) فى كتابه (اليهودية).
стр. 153
* تحريف الإنجيل:
والإنجيل الذى نزل على عيسى ﵇ هو مثل التوراة التى نزلت على موسى ﵇، كلاهما كلام الله، وفيها هدى ونور، إلا أن الإنجيل قد لحقه ما لحق التوراة من التحريف:
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ *يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١).
ويكفى لصحة التدليل على التحريف فى الأناجيل المتداولة بأيدى النصارى الآن، أنها أربعة اختيرت من نحو سبعين إنجيلاً، وهذه الأناجيل تناولت الكتابة عن سيرة سيدنا عيسى ﵇، ومؤلفوها معروفون، وأسماؤهم مكتوبة عليها، وقد قرر نقاد المسيحيين أنفسهم أن عقائد الأناجيل هى رأى بولس دون سائر الحواريين ودون أقرب الأقربين إلى عيسى ﵇.
وقد وجد فى مكتبة أمير من الأمراء فى باريز نسخة من إنجيل برنابة، وقد طبعته مطبعة المنار بعد ترجمته إلى العربية، وهو يخالف الأناجيل الأربعة مخالفة كبيرة.
* معنى تصديق القرآن للكتب السابقة:
وإذا كان التحريف فى التوراة والإنجيل ثابتًا ثبوتًا حقيقيًا لا ريب فيه - بنص القرآن من جهة، وبالأدلة الحسية من جهة أخرى - فما معنى أن القرآن جاء مصدقًا لما تقدمه من الكتب الإلهية؟
стр. 154
معنى ذلك أن القرآن جاء مؤيدًا للحق الذى ورد فيها كما سبقت إليه الإشارة من عبادة الله وحده، والإيمان برسله، والتصديق بالجزاء، ورعاية الحق والعدل، والتخلق بالأخلاق الصالحة؛ وهو فى الوقت ذاته مهيمنًا عليها ومبينًا ما وقع فيها من أخطاء وأغلاط، وتحريف وتصحيف، وتغيير وتبديل.
وإذا انتفت هذه الأخطاء التى أدخلها رجال الدين على الكتب السماوية وزوروها على الناس باسم الله، ظهر الحق، واستبان، والتقى القرآن مع التوراة والإنجيل.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١).
وإقامتها لا تتحقق إلا بعد تطهيرها من الزيف.
* الطريق إلى الحقيقة:
إن من يبتغى الحق؛ ويريد الوصول إلى التعاليم الإلهية الصحيحة، لا يجد أمامه غير القرآن الكريم، فهو الكتاب الذى حفظت أصوله، وسلمت تعاليمه، وتلقته الأمة عن محمد ﷺ ، عن جبريل ﵇، عن الله تعالى؛ الأمر الذى لم يتوفر لكتاب مثله، وأنه الجامع لأسمى المبادئ، وأقوم المناهج، وخير النظم، والحافل لكل ما يحتاج إليه البشر من حيث العقائد، والعبادات، والآداب، والمعاملات، والنظم؛ وإنه الكفيل بخلق الفرد الكامل، والأسرة الفاضلة، والمجتمع الصالح، والحكومة العادلة، والكيان القوى
стр. 155
الذى يقيم الحق والعدل، ويرفع الظلم، ويدفع العدوان؛ وأنه الوسيلة الوحيدة لتحقيق الخلافة، ووراثة الأرض.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ *يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).
стр. 156
الرسل .
* لكل أمة رسول.
* الرسول بشر.
* الرسول رجل.
* الغرض من بعثة الرسل.
* عصمة الأنبياء.
* ما نسب إلى الرسل.
* أُلو العزم من الرسل.
* حتمية النبوة والرسالة.
* الأعمال الكبرى التى قام بها الرسول.
* دلائل صدقه.
* التبشير بظهوره.
* آيات الرسل.
* الفرق بين آيات الرسل، وغيرها من الخوارق.
* الفرق بين المعجزة والكرامة.
* معجزة خاتم الأنبياء.
стр. 157
أوجب الله على المسلم أن يؤمن بجميع رسل الله، دون تفريق بينهم، فقال :
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ (١) مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢).
وبيّن أن هذا هو إيمان المؤمنين، فقال :
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٣).
وأخبر أن البرَّ فى هذا الإيمان، فقال:
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (٤).
وإذا آمن الإنسان ببعض الرسل، ولم يؤمن بالبعض الآخر، وفرق بينهم فى الإيمان، فهو كافر، قال :
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ
стр. 158
وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً *أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ (١).
وهؤلاء الرسل منهم من قصّه الله علينا فذكرهم بأسمائهم، ومنهم من لم يقصصه علينا، قال :
﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ (٢).
أما الذين قصّهم الله علينا فعددهم خمسة وعشرون، وهم المذكورون فى قوله:
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ *وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ *وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ *وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٣).
وقد جمعت هذه الآيات ثمانية عشر رسولاً، ويجب الإيمان بسبعة آخرين مذكورين فى عدة آيات:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٤).
стр. 159
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ (١).
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ (٢).
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ (٣).
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ *وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤).
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٥).
وقد ورد أن عدد الأنبياء: ١٢٤.
* لم تخل أمة من رسول:
وهؤلاء الرسل أرسلهم الله إلى الأمم فى جميع العصور المتطاولة، فلم تخل أمة من رسول يدعوها إلى الله، ويرشدها إلى الحق، يقول الله :
﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٦).
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (٧).
﴿وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ (٨).
﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (٩).
стр. 160
* والرسول من نفس الأمة:
و الرسول بشر من نفس الأمة، وإن كان من معدن كريم، خصه الله بمواهب عقلية، وروحية، ليستعد لتلقى الوحى عن الله.
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (١).
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٢).
وإنما خص الله الرسول بمزايا وفضائل ليقوى على الاضطلاع بأعباء الرسالة، وليكون مثالاً يُقتدى به فى أمور الدين والدنيا، ولو لم يتميز رسل الله بهذه الخصائص العقلية والروحية بأن انحطت فطرهم، أو ضعفت عقولهم، لما كانوا أهلاً لحمل هداية الله إلى الناس.
* والرسول رجل يأكل الطعام:
والرسول رجل يأكل الطعام، ويمشى فى الأسواق، يقول الله :
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ (٣).
* والرسول يتزوج:
والرسول يتزوج ويولد له كغيره من البشر.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ (٤).
стр. 161
* والرسول يتعرض لما يتعرض له غيره من البشر:
والرسول يتعرض لما يتعرض له غيره من الصحة والمرض، والقوة والضعف، واللذة والألم، والحياة والموت، إلا أن ما ينزل به لا يعرضه لتنفير الناس منه.
﴿
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ *فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (١).
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً﴾ (٢).
والرسول - أىّ رسول - لا يتصرف فى الكون، ولا يملك النفع والضر، ولا يؤثر فى إرادة الله، ولا يعلم من الغيب إلا القدر الذى أراده الله له.
﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣).
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً *إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً *لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ (٤).
стр. 162
* الرسول رجل:
ولا يكون الرسول إلا رجلاً، فلم يرسل الله ملكًا، ولا أنثى.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (١).
﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً﴾ (٢).
* الغرض من بعثة الرسل:
والغرض من بعثة الرسل هو الدعوة إلى عبادة الله، وإقامة دينه:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٣).
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤).
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٥).
وإقامة الدين، وعبادة الله، تنتظم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما تنتظم الأعمال الصالحة التى تزكى النفس الإنسانية، وتطهرها، وتغرس فيها الخير، لتبلغ الكمال المادى والأدبى فى هذه الحياة، ولتستعد لكمال أرقى، وأبقى.
وهذه التعاليم العالية لا يمكن للبشر أن يصلوا إليها بعقولهم، وإنما يتعلمونها بوحى الله.
стр. 163
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١).
وبهذا لا تنهض حجة من أغفل الله قلبه عن ذكره، واتبع هواه، وكان أمره فرطًا، قال تعالى:
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً *وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً *رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (٢).
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣).
قال ابن كثير: " يقول الله تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة وحكمه العادل: إنه لا يضل قومًا إلا بعد إبلاغ الرسالة إليهم، حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة، كما قال تعالى:
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (٤).
стр. 164
والله لا يعذب أحدًا حتى يقيم عليه الحجة، ويقطع عذره.
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١).
* عصمة الأنبياء (٢):
الرسل اصطفاهم الله واختارهم:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٣).
ونزههم عن السيئات، وعصمهم من المعاصى، صغيرها وكبيرها.
﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (٤).
وحلاهم بالأخلاق العظيمة من الصدق، والأمانة، والتفانى فى الحق، وأداء الواجب، فمنهم الصديق:
стр. 165
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً﴾ (١).
ومنهم من اصطنعه الله لنفسه:
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (٢).
﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى *وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (٣).
ومنهم من هو بعين الله:
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (٤).
ومنهم من اجتباه الله وعلمه:
﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥).
وبعد أن ذكر الله جملة من الأنبياء فى سورة مريم، قال:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ (٦).
وهم وإن تفاوتوا فى الفضل، إلا أنهم بلغوا الغاية من السمو الروحى والصلة بالله.
стр. 166
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (١).
وهكذا نجد النصوص الكثيرة الواردة فى القرآن بشأن الأنبياء والرسل، تضفى عليهم من الطهر والنزاهة والقداسة، ما يجعل منهم النموذج الحى، والصورة المُثْلى للكمال الإنسانى.
ومثل هؤلاء، لا يمكن إلا أن يكونوا معصومين من التورط فى الإثم، ومنزهين عن الوقوع فى المعاصى، فلا يتركون واجبًا، ولا يفعلون محرّمًا، ولا يتصفون إلا بالأخلاق العظيمة التى تجعل منهم القدوة الحسنة، والمثل الأعلى الذى يتجه إليه الناس، وهم يحاولون الوصول إلى كمالهم المقدر لهم.
والله هو الذى تولى تأديبهم وتهذيبهم وتربيتهم وتعليمهم، حتى كانوا قممًا شامخة، وأهلاً للاصطفاء والاجتباء.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢).
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (٣).
стр. 167
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١).
فهذه الآيات أدلة بيّنة على مدى الكمال الإنسانى الذى أفاضه الله على أنبيائه ورسله، ولو لم يكونوا كذلك لسقطت هيبتهم فى القلوب، ولصغر شأنهم فى أعين الناس، وبذلك تضيع الثقة فيهم، فلا ينقاد لهم أحد، وتذهب الحكمة من إرسالهم ليكونوا قادة الخلق إلى الحق، بل لو فعلوا شيئًا مما يتنافى مع الكمال الإنسانى بأن يتركوا واجبًا، أو يفعلوا محرّمًا، أو يرتكبوا ما يتنافى مع الخلق الكريم، لكانوا قدوة سيئة، ولم يكونوا مُثلاً عُليا، ومنارات هدى.
إن رسل الله يدركون بحسهم الذى تميزوا به على غيرهم من البشر، أنهم دائمًا فى حضرة القدس، وأنهم يبصرون الله فى كل شىء، فيرون مظاهر جماله وجلاله، ودلائل قدرته وعظمته، وآثار حكمته ورحمته، يرون ذلك فى أنفسهم وفيمن حولهم: فى الأرض والسماء، وفى الليل والنهار، وفى الحياة والموت، فتمتلئ قلوبهم إجلالاً لله ووقارًا له، فلا يبقى فيها مكان لشيطان، ولا موضع لهوى، ولا جنوح لشهوة، ولا إرادة لشىء سوى إرادة الحق والتفانى فيه والاستشهاد من أجله.
وما ورد فى القرآن الكريم مما يوهم ظاهره بأنهم ارتكبوا ما يتنافى مع عصمتهم، فهو ليس على ظاهره، ويتجلى ذلك فيما نذكره بالنسبة لما نسب لكل نبىّ فيما يلى:
* آدم ﵇:
يقول الله :
﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (٢).
стр. 168
فظاهر هذه الآية أن آدم عصى ربه، وغوى، بمخالفة أمر الله، واستجابته لدعوة الشيطان، وأن ذلك كان زلة وقع فيها.
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ (١).
ولكن إذا أمعنا النظر، رأينا أن هذه المعصية إنما وقعت من آدم نسيانًا منه لعهد الله، ولم يصدر عنه هذا الفعل عن إرادة وقصد، والله لا يؤاخذ على الخطأ ولا على النسيان؛ لأن ذلك تكليف بما لا يطاق، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والأصل فى هذه القاعدة قول الله :
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢).
وقوله:
﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٣).
والدليل على أن ما وقع من آدم كان نسيانًا وعن غير عمد، قول الله :
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ (٤).
أى أن آدم نسى عهد الله الذى وصاه به حين ارتكب ما نهاه عنه من الأكل من الشجرة، ولم يوجد له عزم على فعل ما نهى عنه .. وحيث لم يوجد له عزم على فعل ما نهى عنه، وحيث لم يوجد العزم على المعصية، فلا توجد المؤاخذة.
وإنما اعتبر القرآن ذلك النسيان عصيانًا نظرًا لمقام آدم الذى خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، وعلّمه الأسماء كلها،
стр. 169
والذى شأنه هكذا يجب أن يكون يقظًا كأقوى ما تكون اليقظة، بحيث لا ينسى وصاية الله له وعهده إليه، فهذا: من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين.
* نوح ﵇:
أما نوح ﵇ فما وقع منه فهو أنه سأل الله عن هلاك ابنه مع من هلكوا فى الطوفان، مع وعد الله بنجاته ونجاة أهله، فقال:
﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ *قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ *قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١).
فلم يكن لنوح ﵇ علم بأنّ نسب ابنه إليه قد انتفى بكفره وإعراضه عن دعوة الله، فسأل الله كيف هلك مع الوعد بنجاة أهله، وابنه من أهله؟ فعلمه الله أن الصلة الدينية والنسب الروحى أقوى من صلة الدم، فإذا انقطعت هذه الصلة، ذهبت بصلة النسب والدم، فقال له معلمًا إياه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ معللاً ذلك بأن عمله غير صالح، ومادام ذلك كذلك، فليس هناك صلة نسبية، وبذلك ينتفى نسبه من أبيه، فلا يكون من أهله الذين وعدوا بالنجاة.
وكان على نوح ﵇ وهو الأب الثانى للبشر - الذى بذل حياته لله، ولبث فى قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعو إلى الله، ويجاهد فى سبيله، كان عليه أن
стр. 170
يفطن لهذا المعنى، وأن يدركه، فلما لم ينتبه إليه، وغلبت عليه عاطفة الأُبُوّة اعتبر ذلك نقصًا بالنسبة لمقامه الرفيع، ومنزلته الكبرى التى حباه الله بها .. ومن ثم فقد لجأ إلى الله أن يغفر له هذه العثرة التى لم يقصد إليها؛ ولم يكن له علم بها فقال:
﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
* إبراهيم ﵇:
وجاء فى دعاء إبراهيم ﵇ قوله:
﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (١).
ونحن لا نعرف لإبراهيم خطيئة، والذى نعلمه أن الله قد اتخذه خليلاً، وأضفى عليه من صفات الكمال ما هو خليق به.
﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢).
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣).
وطلبه من الله أ، يغفر له خطيئته، ليست خطيئة بالمعنى الذى يتبادر إلى الذهن، وإنما هى ما يستشعره فى نفسه من قصور فى تفانيه فى الله، وأداء رسالته، نظرًا لمكانته السامية، ومنزلته الرفيعة.
стр. 171
* يوسف ﵇:
والله يقول فى يوسف ﵇:
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ (١).
وليس فى هذا ما يدل أدنى دلالة على أن يوسف هَمَّ بالفاحشة، لأن المقصود بالهَمّ هنا الهَمّ بالضرب والأذى .. وذلك أن امرأة العزيز راودته عن نفسه، فغلقت الأبواب، ودعته إلى نفسها، فاستعصم، وأبى، وقال:
﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢).
وإزاء هذا الاستعصام والتأبى والترفع عن التسفل، همت امرأة العزيز بضربه وإلحاق الأذى به، بعد أن عجزت عن إغرائه بكل وسيلة، فهَمّ هو بأن يعاملها بالمثل دفاعًا عن نفسه، لولا أن رأى أن ذلك لا يليق بأمثاله من أصحاب النفوس الكبيرة، ولاسيما أن هذا البيت أواه، وأكرمه؛ فضلاً عن أنها سيدته التى تبنته، وأنها زوجة رجل عظيم فى أمة عظيمة.
فلولا أن رأى ذلك كله، وهو صاحب شعور نبيل وعاطفة جياشة، لقابلها بالمثل، ولأذاها بالضرب المبرح.
ولكنه كذلك لا يرضى بالاستكانة، ويقف ذليلاً يتلقى الضربات من امرأة أصابها جنون الشهوة الحيوانية - وهو من هو - فآثر أن يفر منها تفاديًا من الحرج الذى تعرض له، ولكنها أبت إلا أن تتابعه لتثأر لنفسها منه.
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ (٣).
стр. 172
فكان فى ذلك خلاصه.
والذى يدل على هذا أبلغ دلالة:
أولاً: أن الله آتاه العلم والحكمة.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
ثانيًا: أنه أجاب امرأة العزيز بعد المراودة، بما يدل دلالة قاطعة على أن السوء لا يخطر على قلبه.
﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢).
فالذى يقول هذا لا يتصور منه الهم بالفحش.
ثالثًا: أن الله صرف عنه السوء والفحشاء، وأخلصه لنفسه.
﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٣).
ومن كان كذلك لا يمكن أن تتوجه نفسه مجرد توجه إلى سوء أو إلى فحش، لا فى القوم ولا فى العمل.
رابعًا: أن كل هَمّ فى القرآن إنما يقصد به الهَمّ بالأذى، كالضرب والقتل.
﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ (٤).
﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ (٥).
وهكذا لو تتبعنا جميع أسباب براءة يوسف ﵇ من الهَمّ بالفاحشة، لوجدناها من الكثرة بحيث لا يتسع لها هذا المختصر.
стр. 173
* موسى ﵇:
والله يقول فى موسى ﵇:
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ *قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١).
فموسى ﵇ دخل المدينة، فوجد فيها مصريًا وإسرائيليًا من قومه، وهما يتضاربان، إلا أن الإسرائيلى الذى هو من شيعته وقومه ضعيف غير قادر على مقاومة المصرى، فاستغاث بموسى، لينقذه منه، فحدث - كما يحدث غالبًا فى مثل هذه المواقف - أن ضرب موسى المصرى بيده ضربة أصابت منه مقتلاً، ولم يقصد إلى قتله قط، وإنما قصد أن يمنع عدوانه عن أخيه، فحدث القتل الخطأ الذى لا مؤاخذة عليه إلا من حيث عدم التحرى والوعى الكامل، ولاسيما لمن هم فى أعلى المستوى البشرى كـ موسى، ونحوه من أولى العزم، ولذلك رجع إلى ربه ذاكرًا خطأه طالبًا من الله العفو والغفران.
* داود ﵇:
يقول الله فى داود ﵇:
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ *إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ
стр. 174
فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ *إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ *قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ *فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (١).
وهذه القصة ليس فيها ما يدل على أن داود ﵇ قد عصى ربه بارتكاب ما ينافى العصمة.
وكل ما يمكن أن يقال فى هذا .. إنه قضى بين الخصمين بعد أن سمع من أحدهما، وقبل أن يسمع من الآخر؛ والتعجيل بالحكم قبل الاستماع إلى الطرفين، يعتبر فى نظر القضاء مخالفة، ولاسيما إذا كان القاضى نبيًا كـ داود ﵇، ممن أوتوا الحكمة وفصل الخطاب.
ويمكن أن يقال أيضًا: إنه خاف من تسور الخصمين المحراب، ودخولهما عليه بغتة، وهو بين يدى الله؛ خاف أن يقتلاه - كما كانت عادة بنى إسرائيل من قتلهم الأنبياء - فكان هذا الخوف - وهو فى المحراب وماثل بين يدى الله - مما لا يليق بمكانته، وعظيم قدرته، وحسن صلته بالله، مالك ناصية كل شىء.
وسواء أكان ما ينسب إلى داود ﵇ من العجلة فى الحكم، أو من
стр. 175
الخوف من القتل، فقد ظن أنه مُختبر بما وقع له، فاستغفر ربه، وخر راكعًا منيبًا إلى الله، راجعًا إليه.
ولا يمكن أن تتضمن القصة التى ذكرت فى القرآن معنى آخر وراء ذلك مما ينتقص من قدر نبىّ عظيم.
وما ذكر من أن المقصود بالنعجة هى المرأة، وأن داود اغتصب زوجة أحد قواده بحيلة احتالها عليه، فهو من الإسرائيليات المكذوبة، ومن الدخيل الذى يتنافى مع عظمة الرسالة، وكمال النبوة، وشرف الدعوة التى انتدب الله لها خيار خلقه وصفوة عباده.
* سليمان ﵇:
يقول الله فى سليمان ﵇:
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ *قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (١).
والابتلاء الذى تعرض له سليمان ﵇ وهو المرض الذى جعل منه جسدًا ملقى على الكرسىّ لا يستطيع معه الحركة - كان سببًا فى ضعف نفسه، وضعف مقاومته، فتاب إلى الله من هذا الضعف الذى يعترى البشر عادة، وكان الأجمل به يتجمل بالصبر الجميل.
ويقال إن سليمان كان له ولد فاجر، انتزع ملكه من أبيه، فكان ذهاب ملك سليمان على يد ابنه الفاجر ابتلاء له، ثم ردّ الله ملكه إليه بعد أن سلب منه، فسأل الله عقب ذلك أن يغفر له ما يمكن أن يكون قد حدث من تقصير فى شكر الله، وسأله أن يهبه ملكًا لا ينبغى لأحد من بعده، فاستجاب الله له.
стр. 176
* محمد ﷺ :
وجاء فى القرآن الكريم:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (١).
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً *لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً *وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ (٢).
وظاهر الآية الأولى، يوهم بأن للرسول ﷺ ذنبًا، وأن عليه أن يستغفر الله.
وظاهر الآية الثانية، يفيد بأن الله غفر له ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
والمعروف من سيرة رسول الله ﷺ ، أنه معصوم قبل البعثة وبعدها، فقد عصمه الله تعالى من عبث الطفولة ولهو الشباب، فلم يله كما كان يلهو غيره، لأنه أعد لحمل رسالة الهدى والنور؛ وقد أشار إلى هذا فيما حدَّث به عن نفسه فقال: «ما هممت بشىء مما كان أهل الجاهلية يعملونه غير مرتين، كل ذلك يحول الله بينى وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمنى الله برسالته، قلت ليلة للغلام الذى يرعى معى بـ أعلى مكة: لو أبصرت لى غنمى حتى أدخل مكة، وأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال: أفعل، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة، سمعت عزفًا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع، فضرب الله على أذنى، فنمت، فما أيقظنى إلا حر الشمس، فعدت إلى صاحبى، فسـ ألنى، فـ أخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت مكة، فـ أصابنى مثل أول ليلة .. ثم ما هممت بسوء».
стр. 177
وكذلك كان ﷺ مدة حياته لا يخطر السوء على قلبه، وإذا كان ذلك كذلك، فما معنى الذنب الذى أمر أن يستغفر منه، والذى قد غفر له ما تقدم منه وما تأخر؟
مما لا جدال فيه أن الرسول ﷺ كانت تصدر عنه بعض التصرفات التى لم يوح إليه شىء بخصوصها، بل كان أمرها متروكًا إلى اجتهاده الخاص، فكان فى بعض الأحيان يؤديه اجتهاده إلى ما هو حسن، متجاوزًا ما هو أحسن منه، فاعتبر وقوفه عند الرأى الحسن، وعدم إصابته ما هو أحسن منه ذنبًا بالنسبة إليه وبالإضافة إلى مكانته من العلم والعقل والفقه؛ وقد ذكر القرآن أمثلة لذلك:
فمنها اجتهاده فى أسرى بدر، وقبوله الفداء، وقد عتب الله عليه عتبًا أبكاه:
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
أى لولا أن كتاب الله وحكمه سبق بعدم مؤاخذة المجتهد على اجتهاده، لعاقبكم بالعذاب العظيم على قبول الفداء، وعدم الإثخان فى الأرض.
ولما نزلت هذه الآية بكى رسول الله ﷺ ، وبكى معه أبو بكر ﵁ بكاءً شديدًا، وقال: «لو نزل عذاب من السماء، ما نجا غير عمر».
ففى هذه الحادثة، لم يكن من الرسول إلا الاجتهاد فى قضية لم يوح إليه فيها بشىء،
стр. 178
ولم يخطىء فى حكمه فيها، لأن الرسول ﷺ لا يقر على خطأ، وإنما عدل عما هو أحسن إلى ما هو حسن.
ومنها أنه قبل أعذار المتخلفين عن الغزو دون تمحيص هذه الأعذار، ليتبين له من هو صادق ممن هو كاذب.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ (١).
ومن ذلك عتاب الله تعالى له فى إخفائه أمر زواجه زينب بنت جحش - بعد طلاق متبناه زيد بن حارثة لها - وكان الله قد أمره بذلك، ليبطل تقليدًا من تقاليد الجاهلية، إذ كانت هذه التقاليد تقضى بتحريم زواج زوجة المتبنى، مثل تحريم الزواج بزوجة الابن من النسب، فكان الرسول ﷺ يجد حرجًا مثل أى إنسان عندما يتحرج من مخالفة التقاليد، والخروج على العادات؛ وقد رفع الله عنه الحرج بعد العتب اليسير.
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً *مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ (٢).
стр. 179
وما قيل غير ذلك فهو محض اختلاق.
ومما يدخل فى هذا النطاق، قول الله :
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى*أَن جَاءهُ الأَعْمَى*وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى*أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى*أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى*فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى *وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى*وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى*وَهُوَ يَخْشَى*فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ (١).
فهذا عتب من الله تعالى لرسوله ﷺ حين طمع فى إسلام بعض صناديد قريش فأقبل عليهم يدعوهم إلى الله، وهم ينصتون له، ويقبلون عليه.
وفى هذه الأثناء حضر عبد الله بن أم مكتوم، وأخذ يقاطع الرسول ﷺ ، ويقول له: علمنى مما علمك الله، ويكرر ذلك، فكان الرسول ﷺ يضيق بهذه المقاطعة، ويعبس من الضيق؛ ومع أن الرجل أعمى لا يبصر هذا العبوس، ومع ذلك عاتبه الله فيه ن فكان لما لقيه بعد، يقول له: «أهلاً بمن عاتبنى فيه ربى».
ومن هذا ما روى أن رسول الله ﷺ قرأ قول الله :
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى *وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ (٢).
تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترجى.
فهذا كذب محض، وافتراء أحقر من أن يناقش، وليس فيه صلة بين هذه الأكذوبة، وبين قول الله :
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ
стр. 180
فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
فإن الآية تقرر أنه ما من نبىّ، ولا رسول تمنى هداية قومه، واستجابتهم دعوته إلا جاء الشيطان واضعًا أمامه العقبات، وميئسًا له من الوصول إلى الهدف الذى يستهدفه، إلا أن الله سبحانه يعجِّل بإزالة ما يلقى الشيطان من وسوسة تيئسُهُ ويحيى فى نفسه الأمل والرجاء.
هذا هو ما نسب إلى رسل الله وأنبيائه، وهو لم يخرج عن كونه هنات هينات لا تصل إلى درجة المعصية، ولا تتنافى مع العصمة، ولا تنقص من أقدارهم السامية، أو تنال من مكانتهم الرفيعة.
ويأبى اليهود والنصارى إلا أن يجرحوا كثيرًا من الأنبياء والرسل، وينسبوا إليهم ما نزَّههم الله عنه، وصانهم منه، بل إن كتبهم ترمى بعض الأنبياء بكبائر الإثم والفواحش.
والنصارى تغالوا فى هذا، وبالغوا فيه، ليوجبوا العصمة للمسيح وحده، وهم يقصدون بهذا إقامة الأدلة على أن عيسى إله منزه عن الخطايا من جهة، وأنه جاء ليخلص الإنسان من خطيئة أبيه آدم، والتى ورثها عنه أبناؤه، ويفدى البشر بنفسه من جهة أخرى.
وعقيدة الفداء هذه هى أساس ديانة النصارى، ولكن كتبهم - مع اعتقادنا بتحريفها - تكفى فى الرد عليهم.