* محمد ﷺ :
وجاء فى القرآن الكريم:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ (١).
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً *لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً *وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ (٢).
وظاهر الآية الأولى، يوهم بأن للرسول ﷺ ذنبًا، وأن عليه أن يستغفر الله.
وظاهر الآية الثانية، يفيد بأن الله غفر له ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
والمعروف من سيرة رسول الله ﷺ ، أنه معصوم قبل البعثة وبعدها، فقد عصمه الله تعالى من عبث الطفولة ولهو الشباب، فلم يله كما كان يلهو غيره، لأنه أعد لحمل رسالة الهدى والنور؛ وقد أشار إلى هذا فيما حدَّث به عن نفسه فقال: «ما هممت بشىء مما كان أهل الجاهلية يعملونه غير مرتين، كل ذلك يحول الله بينى وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمنى الله برسالته، قلت ليلة للغلام الذى يرعى معى بـ أعلى مكة: لو أبصرت لى غنمى حتى أدخل مكة، وأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال: أفعل، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة، سمعت عزفًا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع، فضرب الله على أذنى، فنمت، فما أيقظنى إلا حر الشمس، فعدت إلى صاحبى، فسـ ألنى، فـ أخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت مكة، فـ أصابنى مثل أول ليلة .. ثم ما هممت بسوء».
стр. 177
وكذلك كان ﷺ مدة حياته لا يخطر السوء على قلبه، وإذا كان ذلك كذلك، فما معنى الذنب الذى أمر أن يستغفر منه، والذى قد غفر له ما تقدم منه وما تأخر؟
مما لا جدال فيه أن الرسول ﷺ كانت تصدر عنه بعض التصرفات التى لم يوح إليه شىء بخصوصها، بل كان أمرها متروكًا إلى اجتهاده الخاص، فكان فى بعض الأحيان يؤديه اجتهاده إلى ما هو حسن، متجاوزًا ما هو أحسن منه، فاعتبر وقوفه عند الرأى الحسن، وعدم إصابته ما هو أحسن منه ذنبًا بالنسبة إليه وبالإضافة إلى مكانته من العلم والعقل والفقه؛ وقد ذكر القرآن أمثلة لذلك:
فمنها اجتهاده فى أسرى بدر، وقبوله الفداء، وقد عتب الله عليه عتبًا أبكاه:
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
أى لولا أن كتاب الله وحكمه سبق بعدم مؤاخذة المجتهد على اجتهاده، لعاقبكم بالعذاب العظيم على قبول الفداء، وعدم الإثخان فى الأرض.
ولما نزلت هذه الآية بكى رسول الله ﷺ ، وبكى معه أبو بكر ﵁ بكاءً شديدًا، وقال: «لو نزل عذاب من السماء، ما نجا غير عمر».
ففى هذه الحادثة، لم يكن من الرسول إلا الاجتهاد فى قضية لم يوح إليه فيها بشىء،
стр. 178
ولم يخطىء فى حكمه فيها، لأن الرسول ﷺ لا يقر على خطأ، وإنما عدل عما هو أحسن إلى ما هو حسن.
ومنها أنه قبل أعذار المتخلفين عن الغزو دون تمحيص هذه الأعذار، ليتبين له من هو صادق ممن هو كاذب.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ (١).
ومن ذلك عتاب الله تعالى له فى إخفائه أمر زواجه زينب بنت جحش - بعد طلاق متبناه زيد بن حارثة لها - وكان الله قد أمره بذلك، ليبطل تقليدًا من تقاليد الجاهلية، إذ كانت هذه التقاليد تقضى بتحريم زواج زوجة المتبنى، مثل تحريم الزواج بزوجة الابن من النسب، فكان الرسول ﷺ يجد حرجًا مثل أى إنسان عندما يتحرج من مخالفة التقاليد، والخروج على العادات؛ وقد رفع الله عنه الحرج بعد العتب اليسير.
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً *مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ (٢).
стр. 179
وما قيل غير ذلك فهو محض اختلاق.
ومما يدخل فى هذا النطاق، قول الله :
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى*أَن جَاءهُ الأَعْمَى*وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى*أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى*أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى*فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى *وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى*وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى*وَهُوَ يَخْشَى*فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ (١).
فهذا عتب من الله تعالى لرسوله ﷺ حين طمع فى إسلام بعض صناديد قريش فأقبل عليهم يدعوهم إلى الله، وهم ينصتون له، ويقبلون عليه.
وفى هذه الأثناء حضر عبد الله بن أم مكتوم، وأخذ يقاطع الرسول ﷺ ، ويقول له: علمنى مما علمك الله، ويكرر ذلك، فكان الرسول ﷺ يضيق بهذه المقاطعة، ويعبس من الضيق؛ ومع أن الرجل أعمى لا يبصر هذا العبوس، ومع ذلك عاتبه الله فيه ن فكان لما لقيه بعد، يقول له: «أهلاً بمن عاتبنى فيه ربى».
ومن هذا ما روى أن رسول الله ﷺ قرأ قول الله :
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى *وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ (٢).
تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترجى.
فهذا كذب محض، وافتراء أحقر من أن يناقش، وليس فيه صلة بين هذه الأكذوبة، وبين قول الله :
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ
стр. 180
فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
فإن الآية تقرر أنه ما من نبىّ، ولا رسول تمنى هداية قومه، واستجابتهم دعوته إلا جاء الشيطان واضعًا أمامه العقبات، وميئسًا له من الوصول إلى الهدف الذى يستهدفه، إلا أن الله سبحانه يعجِّل بإزالة ما يلقى الشيطان من وسوسة تيئسُهُ ويحيى فى نفسه الأمل والرجاء.
هذا هو ما نسب إلى رسل الله وأنبيائه، وهو لم يخرج عن كونه هنات هينات لا تصل إلى درجة المعصية، ولا تتنافى مع العصمة، ولا تنقص من أقدارهم السامية، أو تنال من مكانتهم الرفيعة.
ويأبى اليهود والنصارى إلا أن يجرحوا كثيرًا من الأنبياء والرسل، وينسبوا إليهم ما نزَّههم الله عنه، وصانهم منه، بل إن كتبهم ترمى بعض الأنبياء بكبائر الإثم والفواحش.
والنصارى تغالوا فى هذا، وبالغوا فيه، ليوجبوا العصمة للمسيح وحده، وهم يقصدون بهذا إقامة الأدلة على أن عيسى إله منزه عن الخطايا من جهة، وأنه جاء ليخلص الإنسان من خطيئة أبيه آدم، والتى ورثها عنه أبناؤه، ويفدى البشر بنفسه من جهة أخرى.
وعقيدة الفداء هذه هى أساس ديانة النصارى، ولكن كتبهم - مع اعتقادنا بتحريفها - تكفى فى الرد عليهم.
стр. 181
ففيها نصوص قاطعة بأن يوحنا أفضل من المسيح وأعظم منه، وأنه هو الذى تولى تعميده، وأنه معصوم من كل خطيئة، وأنه لم يشرب خمرًا قط.
بينما نسب إلى المسيح أنه شريب خمر، كما نسب إليه عدم استجابته لدعوة أمه حينما دعى إليها (١).
ففى إنجيل لوقا (١ - ٦٥) أنه يكون عظيمًا أمام الرب، وخمرًا ومسكرًا لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ بروح القدس.
وفيه (٦٦) كانت يد الرب معه.
وقال المسيح فيه (متّى ١١) الحق أقول لكم إنه لم يضم بين المولدين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان.
وقال فيه (١٨) جاء يوحنا لا يأكل، ولا يشرب، فيقولون: فيه شيطان وجاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، فيقولون: هو ذا إنسان أكول وشريب خمر محب للعشارين والخطاة.
أما عيسى ﵇ فقد شهدت الأناجيل بأنه أهان أمه، وهى التى فضلها الله على نساء العالمين.
فقد جاء فى إنجيل لوقا (٢ - ٨) فأخبروه قائلين: أمك وأخوتك واقفون خارجًا يريدون أن يروك؛ فأجاب وقال: أمى وإخوتى هم الذين يسمعون كلمة الله، ويعملون بها.
стр. 182
* أولو العزم من الرسل:
يقول الله :
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ (١) مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢).
قيل: إن أولى العزم هم كل الرسل، وتكون من لبيان الجنس.
والمشهور من الأقوال: أنهم: محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم صلوات الله وسلامه.
وقد نص الله على أسمائهم من بين الرسل فى آيتين:
الأولى:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ (٣).
الثانية:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٤).
* أفضل الرسل:
أفضل الرُّسل على الإطلاق هو سيدنا محمد ﷺ خاتم النبيين.
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (٥).
стр. 183
والذى رفعه الله درجات هو سيدنا محمد ﷺ .
وأدل دليل على هذا ما جاء فى سورة آل عمران من تبشير الأنبياء به، وأخذ العهد والميثاق عليهم بالإيمان به ونصرته، إن هم أدركوا بعثته.
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١).
وروى عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «والله لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعنى».
وأما منعه ﷺ من التفضيل بين أنبياء الله، وقوله: «لا تفضلوا بين أنبياء الله».
فالقصد منه منع الغلو فى تعظيمهم من جهة، وكف المسلمين عن تنقيص أحد من إخوانه الأنبياء من جهة أخرى.
* ختم النبوة والرسالة:
الأنبياء جميعًا - صلوات الله وسلامه عليهم - كانت مهمتهم أن ينقذوا الناس ويخرجوهم من الظلمات إلى النور، فكانوا دائمًا دعاة الخير، وأئمة الإصلاح، وحملة المشاعل فى الدنيا المظلمة .. وكان كل واحد منهم يأتى عقب الآخر، ليتمم ما بناه مَن قبله، فيزيد فى الإصلاح لبنة حتى استكمل البناء بخاتمهم محمد ﷺ ،
стр. 184
فكان دينه خلاصة الأديان السابقة، وكانت دعوته هى الدعوة الجديرة بالبقاء، ففيها عناصر الحياة، ودعائم الإصلاح.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ (١).
وبإكمال دين الله الحق، تمت نعمة الله على الناس بما أنزله إليهم من هداية، فلا حاجة إلى هداية بعدها.
وبهذا انقطعت النبوّة، وختمت الرسالة.
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢).
وإذا كانت النبوّة قد انقطعت، فقد انقطعت بالتالى الرسالة، فلا نبوة ولا رسالة بعد نبوة محمد ﷺ خاتم رسل الله، وفى ذلك يقول ﷺ : «مثلى ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا، فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها، فنظر إليها قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة، فـ أنا موضع اللبنة، خُتم بى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام».
* الأعمال الكبرى التى تمثل نجاح سيدنا محمد ﷺ :
إن لرسولنا ﷺ أعمالاً كبرى يتمثل فيها نجاحه فى دعوته، وهذه الأعمال يمكن تلخيصها فيما يلى:
العمل الأول: أنه ﷺ قضى على الوثنية، وأحل محلها الإيمان بالله واليوم الآخر.
стр. 185
العمل الثانى: أنه ﷺ قضى على رذائل الجاهلية ونقائصها، وأقام مقامها الفضائل والمكارم والآداب.
العمل الثالث: أنه ﷺ أقام الدين الحق الذى يصل بالإنسان إلى أقصى ما قدر له من كمال.
العمل الرابع: أنه ﷺ أحدث ثورة كبرى غيرت الأوضاع، والعقول، والقلوب، ونظام الحياة الذى درج عليه أهل الجاهلية.
العمل الخامس: أنه ﷺ وحّد الأمة العربية، وأقام دولة كبرى تحت راية القرآن الكريم.
هذه هى الأعمال التى تمثل نجاح الرسول ﷺ فى مهمته؛ وهى كما تبدو كلها أمور كبيرة، وإقامتها، بل إقامة واحد منها، من الخطورة بمكان.
وإنه لا يمكن أن يتأتى النجاح لفرد فى بعض هذه الأعمال، فضلاً عن توفر النجاح فى كل ناحية من هذه النواحى.
إن القيام بهذه الأعمال والنجاح فيها على هذا النحو، لهو المعجزة الكبرى لحضرة رسول الله ﷺ ؛ فإذا كان عيسى ﵇ له معجزة إحياء الموتى، وموسى ﵇ له معجزة العصا، فإن هاتين المعجزتين فى جانب هذه الانتصارات، وإلى جانب هذه المعجزات، لا تساوى شيئًا.
* دلائل صدقه:
ومن دلائل الصدق على أن الرسول ﷺ إنما هو مرسل من عند الله ما يأتى:
أولاً: أنه كان زاهدًا فى الدنيا، فلم يكن يطلب على عمله أجرًا، فقد كان زاهدًا فى المال، وفى كل ما هو مادى، كما كان زاهدًا فى الجاه والمنصب.
стр. 186
أما زهده فى المال، فإن طبيعة حياته تدل على ذلك أبلغ دلالة، فهو لم يفترش الحرير، ولم يلبس الديباج، ولم يتزين بالذهب؛ كان بيته كأبسط بيوت الناس، وكان يمر عليه الشهران، ولا يوقد فى بيته نار؛ قال عروة وهو يسمع خالته عائشة تتحدث بهذا إليه: يا خالتى، ما كان يُعَيِّشُكم؟ قالت: إنما هما الأسودان: التمر والماء.
وذات مرة رأى عمر بن الخطاب الرسول ﷺ نائمًا على حصير بالية، وقد أثر فى جسمه، فبكى، فقال له الرسول: «ما يبكيك؟» فقال: ما بال كسرى وقيصر ينامان على الديباج والحرير، وأنت رسول الله يؤثر فى جنبك الحصير، فقال ﷺ : «يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟!».
ولقد جاءت الغنائم إلى الرسول ﷺ بعد انتصار المسلمين، فرأى نساؤه أن يستمتعن بشىء من هذه الغنائم، وطلبن منه أن يكون لهن نصيب منها، فإذا بالآية الكريمة ترد على سؤال هؤلاء النسوة:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً *وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١).
فجمع الرسول ﷺ نساءه، وقال لهن: «هل تردن الله ورسوله والدار الآخرة؟ أم تردن الدنيا وشهواتها؟»
فاختارت كل واحدة منهن الله ورسوله والدار الآخرة، فمدحهن وأنزل فى حقهن:
стр. 187
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ (١).
ولقد توفى رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودى، وقد عاش طول حياته وما شبع من خبز الشعير قط.
أما زهده فى الجاه، فهو يتمثل فى كل حال من أحواله.
أراد الصحابة أن يمتدحوه، ويثنوا عليه، فقال لهم ﷺ : «لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح بن مريم».
وجاءه الوليد بن المغيرة مندوبًا عن المشركين ليفاوضه، وعرض عليه من كل متع الحياة، فكان جوابه أن قرأ عليه افتتاحية سورة حم فصلت.
هذا هو الزهد الذى كان طبيعة من طبائع الرسول ﷺ .
ثانيًا: أنه كان أُمِّيًّا، وأقام هذه الأعمال الكبار وهى أُمّىّ لم يقرأ ولم يكتب، ولم يدخل معهدًا، ولم يتتلمذ على أستاذ؛ ولكنه نجح، وبلغ هذه المرتبة التى لم يبلغها أحد قبله، ولا أحد بعده.
والقرآن يسجل هذه الحقيقة ليجعلها أمارة صدقه ودليل أمانته، يقول الله :
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ*صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ (٢).
стр. 188
وما كان الرسول ﷺ يعلم شيئًا من النبوة، ولا ما يتصل بالذات العلية، فجريان هذه الأعمال على يديه، إنما هو دليل الإعجاز؛ لأن المتعلمين الذين ينقطعون للعلم والبحث، ليعجزون أن يصنعوا شيئًا مما فعله الرسول ﷺ .
ولا ريب أن هذا تأييد وتوفيق من الله ﵎، والقرآن يقول:
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١).
ولقد كان ذلك معروفًا لدى خصومه، وكان يواجههم به، ولم يستطع أحد منهم أن يشكك فى هذه الحقيقة السافرة، فيقول الله تعالى:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (يونس: ١٥)) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٢).
ثالثًا: الصدق، فلم يُعلم عن الرسول ﷺ أنه كذب قط قبل البعثة ولا بعدها، ولقد جاءه الوحى، فذهب إلى خديجة، وقال لها: «لقد خشيت على نفسى»، فقالت له: كلا والله لا يُخزيك الله أبدًا، إنك لتصدق
стр. 189
الحديث، وتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتقرى الضيف، وتُكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدهر.
ولقد عرض الرسول ﷺ لأول عهده بالنبوة الإسلام على أبى بكر ﵁، فصدّقه لأول وهلة، وما توقف عن المسارعة إلى الإيمان به، لأنه كان يعلم صدقه وأمانته، ودخل أعرابى عليه، فنظر إليه فوجد الصدق يحوطه، فقال: والله ما هذا الوجه بوجه كذاب.
* التبشير بظهور خاتم الرُّسل:
لم تخل الكتب الإلهية المتقدمة من التبشير بظهور محمد ﷺ ونبوته، ففى سفر تثنية الاشتراع (التوراة) بشارة يقول: " أتى الرب من طور سيناء وارتفع من صير إليهم، وشع شعاعة من فاران، وتقدم إلى الأمام ومعه عشرة آلاف من الأبرار، ومن يمينه خرج كتاب التقوى ".
فالإتيان من طور سيناء، يشير إلى ظهور الرب لموسى الكليم؛ والارتفاع من صير، يشير إلى استيلاء داود على صير؛ وأما فاران، فهو اسم أرض الحجاز القديم، حيث ظهر محمد رسول الله ﷺ من سلالة إبراهيم ﵇؛ وأما التقديم إلى الأمام ومعه عشرة آلاف من الأبرار، فهو إشارة إلى النبى محمد ﷺ ، فقد دخل مكة يصحبه عشرة آلاف من أنصاره يوم فتح مكة؛ ومن يمينه خرج كتاب التقوى، يشير إلى الشريعة التى خرج بها محمد ﷺ على العالم، والتى لازال نورها يضىء كل ما له شأن بالدين والدنيا، من حياة عامة وخلق اجتماعى.
وفى إنجيل يوحنا، الإصحاح الرابع عشر ١٣، ١٥٥:
стр. 190
" إن كنتم تحبوننى فاحفظوا وصاياى، وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم معزيا آخر، ليمكث معكم إلى الأبد: روح الحق ".
وهذا مثل ما جاء فى القرآن الكريم من أن رسول الله ﷺ خاتم النبيين.
وفى إنجيل يوحنا، إصحاح ١٤ - ٢٦: " أما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الأب باسمى، فهو يعلمكم كل شىء ".
وهذا مثل قوله تعالى:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١).
وفى إنجيل يوحنا أيضًا، إصحاح ١٦ - ١٢: " إن لى أمورًا كثيرة أيضًا لا أقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، ولكن متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدهم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من عنده، بل يتكلم بما يسمع، ويخبركم بما يأتى ".
وهذا يتفق مع قوله :
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ (٢).
* محمد ﷺ ، دعوة إبراهيم ﵇ وبشرى عيسى ﵇:
ولقد سجل القرآن الكريم أن محمدًا رسول الله ﷺ ، كان استجابة لدعوة إبراهيم ﵇، كما كان بشرى بشر بها عيسى ﵇؛ ففى سورة البقرة، يحكى القرآن الكريم أن إبراهيم وإسماعيل كانا يدعوان الله، وهما يرفعان القواعد من البيت، فيقولان:
стр. 191
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١).
وفى سورة الصف يقول الله :
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٢).
وروى الإمام أحمد بإسناد حسن عن أبى أمامة قال: قلت: يا نبى الله، ما كان أول بدء أمرك؟ قال: «دعوة أبى إبراهيم، وبشرى عيسى».
قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: إن هذه الآية التى فى القرآن:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ (٣).
قال فى التوراة: " يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدًا، ومبشرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدى ورسولى، سميتك المتوكل؛ ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به أعينًا عمياء، وآذانًا صماء، وقلوبًا غلفًا ".
стр. 192
* آيات الرسل:
لم يرسل الله رسولاً ليلغ الناس الدين، ويعملهم الشريعة، إلا وأيده بالآيات التى تقطع بأنه مرسل من عنده، وأنه موصول بالملأ الأعلى يتلقى عنه، ويأخذ تعاليمه منه.
وهذه الآيات التى يؤيد الله بها رسله، لابد أن تكون فوق مقدور البشر، وخارج نطاق طاقاتهم وعلومهم ومعارفهم؛ كما يجب أن تكون مخالفة للسنن الخاصة بالمادة، وخارقة للعادات المعروفة، والقوانين الطبيعية المألوفة.
ولذلك سمى العلماء هذه الآيات بالمعجزات، لأنها تعجز العقل عن تفسيرها، كما تعجز القدرة الإنسانية عن الإتيان بمثلها.
وعرّفوا المعجزة بأنها: الأمر الخارق للعادة، الذى يجريه الله على يدى نبى مرسل، ليقيم به الدليل القاطع على صدق نبوّته.
ومن ثم كانت المعجزة ضرورية، وإظهارها واجبًا، ليتم بها المقصود من تبليغ الرسالة، وتقام بها حجة الله على الناس.
وهذه الآيات ممكنة فى ذاتها، والعقل لا يمنعها، والعلم لا ينفيها، والواقع يؤيدها.
فقد قام رجال وادعوا أنهم رسل الله، وتحدّوا أممهم بما أظهروه من هذه الخوارق، ورآها الناس عيانًا، وآمن بها ألوف وألوف عبر القرون والأجيال.
بل إن العلم الحديث نفسه أثبت أن النواميس الطبيعية يمكن تخلفها عن إحداث آثارها بنواميس أخرى أرقى منها، كما أثبت العلم أيضًا أن معجزات الأنبياء كلها صحيحة.
стр. 193
والناظر فيما كتبه العلماء المحدثون عن عالم الأرواح، وعجائب استحضارها، وغرائب التنويم المغناطيسى، وما إلى ذلك يدرك لا محالة أن هذه الخوارق أمور ممكنة، وليس شىء منها بمحال أصلاً.
والمؤمنون بالله لا يتوقفون فى تصديق شىء، متى ثبت بالدليل القاطع الذى لا يتطرق إليه الشك، لأنهم يعلمون أنه لا يتقيد بالسنن التى وضعها، فهم يعلمون بأن الذى قدر على جعل النار محرقة، قادر على سلبها خاصة الإحراق، كما فعل مع إبراهيم ﵇ حين ألقى فى النار، فلم يحترق.
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ *قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (١).
وهم يعلمون أن الذى قدر على خلق الإنسان من ذكر وأنثى، وخلق آدم من تراب، قادر على أن يخلق من السيدة مريم العذراء بدون لقاح طبيعى أو صناعى.
﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً *قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ (٢).
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣).
وهم يؤمنون بأن الذى أعطى المرأة الولود القدرة على الإخصاب، قادر على أن يعطى العقيم هذه القدرة، كما فعل ذلك لأم يحيى بن زكريا ﵉.
стр. 194
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ *فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ *قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (١).
وهكذا يرى المؤمنون بالله أن الله خالق الكون، ومدبر أمره، وواضع سننه لا يتقيد بهذه السنن الظاهرة، وأن وراء هذه السنن سننًا أخرى فوق ما نعرف، وأن الكون ليس كما يزعم السطحيون من الماديين: ميكانيكيًا يسير حسب ما يتصورون، وأنه ليس له مدبر يدبر أمره وينظم شئونه .. لا، إن الكون أكبر مما يتصوره هؤلاء وأعظم، وما عرفوا منه إلا الأسماء التى يسترون بها جهلهم، وينفسون بها عن غرورهم .. وإن الأمر كما قال القرآن الكريم:
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٢).
وجاء فى كتاب (الإسلام مع الحياة) بعنوان " العلم الحديث ورد الشمس ":
جاء فى قصص الأنبياء، أن يوشع بن نون كان فى معركة مع أعداء الله، وكانت الشمس تغرب قبل أن ينتهى القتال، فخشى أن يعجزوه إذا امتد القتال إلى اليوم التالى، فقال للشمس: أنت فى طاعة الله، وأنا فى طاعة الله، فأسألك أن تقفى حتى ينتقم الله من أعدائه قبل الغروب، فاستجاب الله الدعاء، ووقفت الشمس وزيد فى النهار حتى تم النصر ليوشع.
وقال الله تعالى:
стр. 195
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (١).
قال المفسرون: إن موسى ﵇ ومن معه هربوا من فرعون لخوف القتل، ولما انتهوا إلى البحر، ولم يجدوا سبيلاً إلى ركوبه، أوحى الله إلى موسى ﵇ أن يضرب البحر بعصاه، وحينما امتثل ما أمر الله به، تجمع الماء على الطرفين بعضه فوق بعض، حتى صار كالجبل، وخرج موسى وأنصاره، وتبعهم فرعون وقومه فى نفس الطريق، فأغرقهم الله، وكان البحر يبسًا فى طريق موسى، وماء فى طريق فرعون.
وكذب الكافرون كلاً من المعجزتين أو الحادثتين:
أولاً: لأنها خرق لقوانين الطبيعة.
ثانيًا: لو صحت لجاء ذكرها فى غير الكتب الدينية، لأنها من الأحداث العالمية العجيبة.
وقرأت فى جريدة الجمهورية عدد ١٣ - ١٢ - ٥٧، أن كتابًا فى علوم الطبيعة ظهر حديثًا، وقد أثار ضجة كبرى فى الأوساط العلمية، ولدى المؤرخين حيث أثبت بالأرقام المحسوسة واقعة انشقاق البحر، ووقوف الشمس فى كبد السماء.
أما المؤلف فهو عالم روسى من علماء الطبيعة اسمه " إيمانويل فليكوفسكى " درس العلوم الطبيعية فى جامعة أدنبورج، ودرس التاريخ والقانون والطب فى جامعة موسكو، ودرس علم الإحياء فى برلين وفى زيورخ، ودرس الطب النفسى فى فينا، ولقد خرج المؤلف من أبحاثه التى استمرت أكثر من عشر سنوات إلى استنتاجات علمية تؤيد بدون قصد ما جاء فى القرآن الكريم، وسيرة الأنبياء.
وقد رأيت أن أنقل للقراء مقتطفات من الكتاب كما ترجمتها، ونشرتها جريدة الجمهورية.
стр. 196
قالت الجريدة: يقول المؤلف: إن نيزكًا هائلاً مر إلى جوار الكرة الأرضية فى عهد يوشع خليفة موسى ﵉، ثم عادت الظاهرة إلى الوجود بعد ذلك بسبعمائة عام .. وهذه الظاهرة الكونية الهائلة التى تسيرها قوى خارقة غير مرئية تفسر المعجزات التى جاء ذكرها فى الكتب السماوية والتوراة والإنجيل والقرآن.
إن اقتراب كوكب أو نيزك كبير من الأرض يحدث ظواهر متعددة، منها أن دوران الأرض حول نفسها يقل أو يقف حتى يخيل إلى الناس أن الشمس قد وقفت فى كبد السماء، ومنها انشقاق البحر، وانعقاد أعمدة من الغمام فى النهار والليل؛ ولقد مر كوكب فى عهد الفراعنة، فأمطر الأرض سيلاً أحمر طبع الأرض والنيل والبحر بلون الدم، وهذا يؤيد ما جاء فى الآية الكريمة:
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ (١).
وقد تساقط هذا التراب الأحمر فى جهات متفرقة من الأرض.
إن المعجزة التى تخرق كل قوانين الفلك والطبيعة، لا تصنعها سوى قدرة الخالق وحده.
لقد تمت المعجزة حين هرب موسى ﵇ من اضطهاد فرعون مصر، فتابعه فرعون بجيوشه، ولكن انشق البحر، فمر موسى ﵇ ومن معه بسلام، حتى إذا اتبعهم فرعون وجنوده، عاد البحر إلى سيرته الأولى، فانطبق على المطاردين، وابتلع الرجال والفرسان، ولم ينج منهم أحد.
ويقول المؤلف: إنه فى العهد الذى يقابل عهد موسى ﵇، يقول المؤرخون الصينيون: إن الشمس آنذاك لم تغرب حتى لقد حرقت الغابات، وذاب الجليد؛ وهكذا لبثت الأرض ساكنة، كأن قوة جبارة قد صنعتها، ولا يعرف على وجه التحديد كم استمر
стр. 197
وقوفها قبل أن تتابع دورانها حول نفسها مرة أخرى.
ولكن هل تابعت الأرض دورانها فى نفس الاتجاه؟
إن الأرض الآن تدور من الغرب إلى الشرق، فهل كانت هكذا دائمًا؟ .. إذا رجعنا فى الإجابة على هذا السؤال إلى الخرائط القديمة، فإن الإجابة هى: لا؛ لأن الخرائط التى رسمها قدماء المصريين فى سقف أحد المعابد تدل على أن الأرض كانت تدور قبل وقوفها من الشرق إلى الغرب، وهذا ما أكده أفلاطون فى حواره عن السياسة، حيث قال: " إن الشمس من قبل كانت تغيب حيث نراها تشرق "، وهذا يفسر الآية الكريمة:
﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (١).
* الفرق بين آيات الرسل وغيرها من الخوارق:
ولا تلتبس معجزات الرسل وآيات الأنبياء، بما يحدث على يد غيرهم من خوارق العادات، فإن المعجزات تأتى مصحوبة بالتحدى، وتصدر عن رجال عرفوا بالتقوى والصلاح، وأنهم بلغوا منهما الذروة الى لا يتطاول إليها أى إنسان.
وتأتى المعجزات بدون كسب لأحد من البشر، فالله هو الذى يمدهم بها مباشرة، لأنها كما قلنا ليست فى مقدورهم ولا مقدور غيرهم من الناس، وإنما هى آية من الله وحده، ومعجزة لنبيه يتحدى بها معارضيه.
وأما ما يظهر على يد غير الرسل من خوارق العادات، فهو كما قال الشيخ/ رشيد رضا، منقول عن جميع الأمم فى جميع العصور، نقلاً متواترًا فى جنسه دون أنواعه، وليست كلها حقيقة.
فإن منها ما له أسباب مجهولة للجمهور، وإن منها لما هى صناعى يستفاد بتعليم
стр. 198
خاص، وإن منها لمن خصائص قوى النفس فى توجيهها إلى مطالعها، فى تأثير أقوياء الإرادة فى ضعفائها.
ويدخل فى هذين الأمرين المكابدة فى بعض الأمور، أن التنويم المغناطيسى يشفى بعض المرضى، ولاسيما المصابين بالأمراض الفظيعة التى يؤثر فيها الاعتقاد والوهم؛ ثم يقول: ومنها انخداع البصر بالتخيل الذى يحذقه المشعوذون، ومنه ما فعله سحرة فرعون .. المعنى بقوله تعالى:
﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (١).
ومن انخداع السمع، كالذى فعله الذين يدّعون استخدام الجن، إذ يتكلمون ليلاً بأصوات غريبة عن أصواتهم المعتادة، فيظن مصدقهم أن ذلك صوت الجن، وقد يتكلمون نهارًا من بطونهم من غير أن يحركوا شفاهم؛ فلا ينبغى أن يؤثق بشىء من أخبارهم ... الخ.
فأين هذا من معجزات الأنبياء وآيات الرسل؟!
أين هذا من انشقاق البحر لموسى ﵇، وإحياء الموتى لعيسى ﵇، وإخراج الناقة من الصخرة لصالح ﵇، ونبع الماء من أصابع محمد ﷺ ؟!!
* الفرق بين المعجزة والكرامة:
والكرامة هى ما يكرم الله به أولياءه بما يظهر على أيديهم، وليس من شرطها أن تكون خارقة للعادة، ولا خارجة عن مألوف الناس.
стр. 199
ومن الكرامة الاستقامة، والتوفيق إلى طاعة الله، والزيادة فى العلم والعمل وهداية الخلق إلى الحق.
وقد يحدث بعض الخوارق للعادات على أيدى بعض الصالحين فى بعض الأقوال، فيعد ذلك من الكرامات التى تلازم بعض المخلصين والمتفرغين لعبادته، والذين سلمت فطرهم وزكت نفوسهم، كما وقع للسيدة مريم، وقد حكى القرآن الكريم عنها أنه:
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١).
ولكن مع ذلك لا يتحدى بها، بل الأصل فيها الإخفاء والكتمان، قال الشيخ/ أحمد الرفاعى: إن الأولياء يستترون من الكرامة كما تستتر المرأة من دم الحيض وهذا يخالف المعجزة، لأن إظهارها واجب ليتم بها تبليغ الرسالة.
* معجزة خاتم الأنبياء:
ما بعث رسول الله ﷺ إلا وقد أيده بالآيات الكونية والمعجزات المخالفة للسنن المعروفة للناس، والخارجة عن مقدور البشر، ليكون إظهارها على يديه مع بشريته دليلاً على أنه مرسل من عند الله.
فعدم حرق النار لإبراهيم ﵇، وناقة صالح ﵇، أو عصا موسى ﵇، وما ظهر على يدى عيسى ﵇ (٢) من العجائب، كلها من هذا القبيل.
стр. 200
وكانت الآيات حسية يوم أن كان العقل الإنسانى فى الطور الذى لم يبلغ فيه الرشد بعد، ويوم أن كانت هذه العجائب تبلغ من نفسية الجماهير مبلغًا لا تملك معه إلا الإذعان والتسليم.
فلما بدأ النوع الإنسانى يدخل فى سن الرشد، وبدأت الحياة العقلية تأخذ طريقها إلى الظهور والنماء، لم تعد تلك العجائب هى الأدلة الوحيدة على صدق الرسالة.
ولم يعد من السهل على العقل أن يذعن لمجرد شىء رآه خارجًا عن عرف الحياة.
إنه يريد شيئًا جديدًا يتناسب والطور الذى وصل إليه؛ يريد الإيمان الذى لا تخالطه الشكوك، واليقين الذى يبدد ظلام الشبهات.
وما كان الله ليمد النوع الإنسانى فى طفولته بما يحفظ به حياته الروحية، ثم يدعه بعد أن أخذ سبيله إلى النظر العقلى، والاستقلال الفكرى، دون أن يقيم له من الأدلة ما يتناسب والارتقاء الذى انتهى إليه، فكان أن بعث محمدًا ﷺ ، وأيده بالمعجزة العلمية، والحجة العقلية، وهو القرآن الكريم.
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (١).
وروى البخارى ومسلم عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: «ما من الأنبياء نبى إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذى أوتيته وحيًا أوحاه الله إلىّ، فـ أرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة»
وهذا القرآن ليس من تأليف أحد، إنما هو وحى الله أنزله على أكمل صورة من صور الوحى.
стр. 201
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (١).
فالآية تقرر أنواع الوحى الثلاثة:
١ - وحيًا، أى إلقاء المعنى فى القلب، المعبر عنه بالنفث فى الروع؛ وفى الحديث: «إن روح القدس نفث فى رُوعى أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب».
٢ - الكلام من وراء حجاب، وهو أن يسمع الموحى إليه كلام الله، من حيث لا يراه، كما سمع موسى ﵇ النداء من وراء الشجرة.
﴿قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ *فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
٣ - ما يلقيه ملك الوحى المرسل من الله إلى رسوله، فيراه متمثلاً بصورة رجل أو غير متمثل.
روى البخارى عن عائشة رضى الله عنها، أن الحارث بن هشام، سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحى؟ فقال: «أحيانًا يـ أتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علىّ، فيفصم عنى، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لى الملك رجلاً، فيكلمنى فـ أعى ما يقول»،
стр. 202
قالت عائشة رضى الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا.
وأكمل هذه الأنواع هو إرسال الرسول بالوحى.
وهذه الصورة هى التى نزل بها القرآن الكريم، فقد نزل بواسطة جبريل ﵇.
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ *نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ *بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١).
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
جاء هذا الوحى ثورة على الباطل فى كل صوره، وعلى الفساد فى جميع مظاهره، فثار على الخرافات التى لوثت العقول، وعلى الانحراف الذى شوه الفطر، كما ثار على العرف الفاسد الذى عطل حرية الفكر واستقلال الإرادة.
ثار على هذا كله ثورة عاتية دمرت كل معالم الشر، ومحت كل لون من ألوان الفساد، واستبدل بها الحقائق التى تهدى العقل، وتنير الضمير، وتسمو بالنفس، لتصل إلى أقصى ما قدر لها من الكمال الإنسانى.
ولم تكن هذه الثورة تستهدف مصلحة ذاتية، ولا منفعة وطنية، ولا ترجيح
стр. 203
كفة جماعة حاكمة على كفة جماعة أخرى، ولا إيثار مذهب على مذهب، وإنما كانت لخير العالم كله، ومصلحة الناس جميعًا.
جاء هذا الوحى ليحل المشكلات التى أعضلت الناس قديمًا وحديثًا؛ وليجيب على كل سؤال من هذه الأسئلة:
١ - ما هو الدين؟ وما مبادئه؟
٢ - من هو الله؟ وما صفاته؟
٣ - ما هى الرسالة؟ ومن هم الرسل؟ وما وظائفهم؟
٤ - ما ماهية الحياة بعد الموت؟
٥ - ما هو الخير؟ وما هو الشر؟
٦ - لماذا خلق الإنسان؟ وما مركزه فى الكون؟
٧ - ما علاقة الإنسان بغيره؟ وما علاقة الأمم والشعوب بعضها ببعض؟
٨ - ما علاقة الرجل بالمرأة؟
٩ - ما هى الثروة؟ وما مصدرها؟ وما هى كيفية توزيعها؟
١٠ - ما هى الحياة الطيبة؟ وما السبيل إليها؟
وهكذا يمضى القرآن يضع أمام العقل الإنسانى مئات المسائل التى لا يستغنى عنها فى دور العلم والفلسفة، والتى تعجز جميع العقول الإنسانية عن الإحاطة بعشر معشارها، فضلاً عن الإحاطة بها كلها، والتى يحتاج إليها فى قطع مرحلة هذه الحياة لتكون أعلامًا هادية، تجنبه الضلال فى شئون الدين والانحراف فى تقلبات الدنيا.
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (١).
стр. 204
كل هذه المسائل، جاءت فى أسلوب بلاغى رائع، يملك على المرء حسه، ويستولى على مشاعره، ويوقظ حواس الخير فيه، مع بعده عن الاختلاف، وسلامته من التناقض.
﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (١).
إنه لم يعرف لكتاب من الكتب مثل ما لهذا القرآن، من سمو الموضوع، وسحر البيان، وقوة التأثير، مما وجه عناية العلماء إلى الاهتمام بدراسته من حيث ألفاظه، ومعانيه، وعقائده، وآدابه، وأحكامه، وتشريعاته؛ فخلقوا بهذه الدراسة ثروة ضخمة من العلم والأدب، لا تزال ولن تزال المادة الصالحة لقيام حضارة إنسانية ينعم فيها البشر بحياة أفضل وعيش أرغد.
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٢).
هذه هى المعجزة التى أيد الله بها نبيه الأمىّ، والتى غير بها نفوسًا، وأحيا قلوبًا، وأنار بصائر، وربى أمة، وكون دولة، فى سِنِى تعد على الأصابع.
إذا كان قلب العصا حية معجزة، فإن تغيير العقول والقلوب أبلغ فى الإعجاز.
وإذا كان إحياء الميت من الخوارق التى أيد الله بها بعض أنبيائه، فإن إحياء أمة أمّية من الجهل والرذيلة، وجعلها مصدر إشعاع وهداية، هو الخارق الذى تتضاءل فى جوانبه جميع المعجزات.
الله أكبر إن دين محمد ... وكتابه أقوى وأقوم قيلا
لا تذكر الكتب السوالف عنده ... طلع الصباح فأطفئ القنديلا
стр. 205
الروح .
* الإنسان جسد وروح.
* العلم الحديث والمباحث الروحية.
* حدوث الروح.
* الروح والنفس.
* الروح بعد مفارقتها الجسد.
* السؤال فى القبر.
* مستقر الأرواح.
стр. 206
* الإنسان مركب من روح وجسد:
فبالجسد يتحرك ويحس؛ وبالروح يدرك، ويعى، ويفكر، ويعلم، ويختار، ويحب، ويكره؛ وأصل الجسد التراب - وهذه قضية مسلم بها - فإن الإنسان لا يكاد يموت حتى ينحل إلى عناصره الأولى التى لا تختلف عن باقى عناصر الأرض.
فلو أخد الإنسان جزءًا من تراب الأرض الخصبة، وحللها تحليلاً كيماويًا، لوجدها تتركب من عدة عناصر؛ ولو أخذ قطعة من جسم الإنسان، وأجرى عليها عمليات التحليل، لوجدها تتركب من هذه العناصر نفسها.
وقد أحصى العلماء العناصر التى يتألف منها جسم الإنسان، وقالوا: إنه به من الكربون ما يكفى لعمل ٩ آلاف قلم رصاص، وبه من الفسفور ما يكفى لعمل ٢٠٠٠ رأس عود كبريت، وفى الإنسان حديد، وجير، وبوتاسيوم، وملح، ومغنسيوم، وسكر، وكبريت؛ وهى كلها من المعادن التى تتألف منها تربة الأرض.
أما الروح فإن أمرها كان وما زال مثار لجدل ونقاش بين العلماء والفلاسفة، ولم ينتهوا فى شأنها إلى رأى حاسم بعد.
أما القرآن، فقد أجاب عن التساؤل الذى ثار حولها إجابة بعد معجزة من معجزاته الكثيرة:
﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (١).
стр. 207
فالروح من أمر الله الذى لا يعلمه غيره، ولم يطلع عليه أحدًا سواه، ولم يُعط الإنسان الوسائل التى توصله إلى هذا اللون من العلم والإحاطة به، فعلم الإنسان قليل ومحدود، وهو لم يدرك حقيقة المادة، ولا الكون المحسوس المحيط به، فكيف يتطلع إلى إدراك سر من أسرار الله، وغيب من غيوبه؟!
إن كل ما يمكن أن نعرفه عن الروح، هو أنها تحل فى الجسم، فتدب فيه الحياة، ويظهر فيه الإدراك، والوعى، والتفكير، والعلم، والإرادة، والاختيار، والحب، والبغض، وأنها تفارق الجسم، فيتحول إلى مادة هامدة جامدة كسائر المواد.
ومن ثم فقد كانت الروح هى المميزة للإنسان عن غيره فى هذا العالم، وبها صار عالمًا وحده، وبالروح أسجد الله للإنسان ملائكته، وسخر له ما فى السماوات وما فى الأرض جميعًا منه، وجعله سيد هذا الكون، وخليفته فى الأرض.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ *فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (١).
وقد عرّفها العلماء من المسلمين، بأنها ذات مجردة عن المادة، وأنها جسم نورانى علوى حى، يغاير هذا الجسم المادى، ويسرى فيه سريان الماء فى العود الأخضر، لا يقبل التحلل ولا الانقسام، يفيض على الجسم الحياة وتوابعها، مادام الجسم صالحًا لقبول الفيض.
* العلم الحديث والمباحث الروحية:
ووجود الروح متفق عليه فى الأديان السماوية كلها.
وظل الملايين من البشر يعتقدونه، ويؤمنون به منذ عرفوا هذه الأديان، حتى
стр. 208
كان المذهب المادى الذى انتشر فى القرون الثلاثة الأخيرة، فأخذ ينكر هذه الثنائية بقوة، ويعلن أنه ليس هناك عالم سوى هذا العالم المنظور، وأنه ليس شىء سوى المادة، وأنه لا مكان للروح فى هذا الوجود.
ولقد تأثر كثير من الناس بهذا المذهب، ووجد له معلمون وأنصار فى كل مكان، حتى كاد يطمس على كل معتقد دينى، ويطغى على كل ما عرفه الناس من التعاليم الإلهية، وجرف معه العلوم الطبيعية فى هذا الاتجاه؛ إلا أن الله قيض من العلماء من يتدارك هذا الأمر، ويقيم الأدلة العلمية على وجود عالم روحانى وراء هذا العالم المنظور بما لا يدع مجالاً للشك، ولا موضعًا للارتياب، فتأسست جمعيات لدراسة المباحث الروحية، وقد ثبت لها من الحقائق ما لم يكن يخطر على بال، ونحن نذكر ما كتبه العلامة الأستاذ/ محمد فريد وجدى ﵀ فى ذلك قال:
فى تاريخ تأسيس جمعية المباحث الروحية فى انجلترا سنة ١٨٨٢م:
جاء فى كتاب الشخصية الإنسانية، للعلامة الأستاذ (هـ. و. ميرس)، مدرس علم النفس فى جامعة كمبردج ما يأتى:
" حوالى سنة ١٨٧٣م حيث كان المذهب المادى قد أوغل فى البلاد حتى وصل إلينا، وبلغ أوج سطوته على العقول ".
اجتمع ثلة من الزملاء فى كمبردج، وأجمعوا رأيًا على أن هذه المسائل العويصة المتنازع فيها - يريد المباحث الروحية - تستحق التفاتًا، وجهدًا جديًا، أكثر مما عولجت به إلى ذلك الحين، وكنت أرى أنا أن محاولة جديرة بهذا الاسم لم تعمل إلى ذلك الوقت للبت فى: هل نحن أهل، أو غير أهل للإلمام بشىء يتعلق بالعالم غير المرئى؟ وكنت مقتنعًا بأنه لو أمكن معرفة شىء من ذلك العالم على أسلوب
стр. 209
يمكن العلم أن يقبله، ويحفظه، فلا يكون ذلك بالتنقيب فى الأساطير القديمة، ولا بوسيلة التأمل فيما بعد الطبيعة، ولكن بواسطة التجربة والمشاهدة، وبتطبيقنا على الظواهر التى تحدث فينا أساليب المباحث المضبوطة نفسها فإنها منزهة عن الهوى، ومتروى فيها، أقصد بها تلك الأساليب التى نحن مدينون بها بمعارفنا عن العالم المرئى المحسوس.
فالمباحث التى يجب علينا عملها ولا يمكن أن تقتصر على تحليل ساذج للأسانيد التاريخية، أو التى صدرت عن هذا الوحى أو ذاك، مما حدث فى الزمان الماضى، ولكن يجب أن تؤسس قبل كل شىء - ككل بحث علمى بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة - على تجارب يمكننا تكرارها اليوم، مؤملين أن تزيد عليها غدًا، فلا يمكن أن تكون إلا مباحث مؤسسة على هذه القضية، وهى: " إذا كان يوجد عالم روحانى، وكان هذا العالم الروحانى موجودًا فى أى عهد كان، وكان قابلاً لأن يظهر ويستكشف، فيجب أن يكون كذلك فى أيامنا هذه ".
" فمن هذه الوجهة، وبالجرى على هذه الاعتبارات العامة، واجهت الجمعية التى أنا عضو فيها هذه المسألة ".
ثم أخذ الأستاذ (ميرس) يسرد التجارب التى عملها، وعملها غيره، مما لا سبيل إلى نشره هنا، ثم قال: " ما هى الأدلة التى تحملنى على الاعتقاد بأن كل هذا ليس بصحيح؟ هذا سؤال يجب أن يضعه كل إنسان نصب عينه، إذ التوصل إلى التحقق بغير طريق التأمل من الجهل المطلق الذى هو عليه بماهية الوجود الحقيقية .. إنى أعترف فى كل حال بأن معارفى فيما هو مرجح أو غير مرجح فى الوجود، لم تظهر لى كافية، لرفض مشاهدات يظهر لى بحق أنها حقيقية، وأنها مع ذلك ليست
стр. 210
مناقضة لمشاهدات وأصول عامة أكثر منها تأسيسًا، ومهما كان مجال المشاهدات العلمية واسعًا، فإنه حتى باعتراف ممثلى العلم الرسمى، ليس إلا نظرة عَجْلَى فى العالم المجهول، وغير المتناهى للنواميس الطبيعية ".
هذا هو تاريخ تكوّن جمعية المباحث الروحية بلوندره سنة ١٨٨٢م، من أقطاب العلم فى إنجلترا، ولا تزال باقية الآن.
وقد جمعت من التجارب الروحية ما وقع فى نحو أربعة وخمسين مجلدًا؛ وهو ذخر علمى لم يوجد له مثيل قط فى أى عهد من عهود العقلية الإنسانية، فإذا أراد قراؤنا أن يدركوا مقام هذه الجمعية فى نظر رجال العلم، فليقرأوا ما كتبه عنها الأستاذ الكبير (وليم جمس) (١) فى كتابه (إرادة الاعتقاد).
قال فى الصفحة (٣١٣): " إن جمعية المباحث الروحية التى يمتد عملها فى إنجلترا وأمريكا قد سمحت بأن يتلاقى العالمان: العلمى والروحانى، فى مجال واحد، وإنى أعتبر أن هذه الجمعية مهما كانت وظيفتها محدودة، سيكون لها نصيب كبير فى ترتيب المعارف الإنسانية، فلهذا أستحسن أن أفضى إلى القارئ بنتائج أعمالها بإيجاز، فأقول: إذا صدقنا الجرائد، وأوهام الصالونات؛ خيل إلينا أن الضعف العقلى وسرعة التصديق، هما الرباط المعنوى الجامع بين أعضاء هذه الجمعية، وأن حب
стр. 211
العجائب هو الأصل المحرك لها، والواقع أنه يكفى أن نلقى نظرة واحدة على أعضائها لدحض هذه التهمة، فإن رئيس هذه الجمعية هو الأستاذ " سدجوبك " المعروف بأنه أشد الناس شكيمة فى النقد، وأعصاهم قيادًا فى الشك بجميع البلاد الإنجليزية، ووكيلاها: " المستر أرثر بلفور " و" الأستاذ ج. ب. لنجلى " سكرتير المجمع العلمى .. ويمكن التنويه من أعضائها العاملين بالأستاذ " ريشيه الفيزيولوجى " الفرنسى الخطير، وتشمل قائمة أعضائها رجالاً آخرين كفايتهم العلمية أشهر من نار على علم، فإذا طلب إلىّ أن أعين جريدة علمية تكون مصادر أغلاطها منقاة بأدق أساليب التمحيص؛ فإنى أنوه بمحاضر جمعية المباحث الروحية، فإن الفصول الفيزيولوجية التى تنشرها الجرائد الخاصة بهذا العلم لا تبلغ فى دقة النقد مبلغ دقة هذه المحاضر المذكورة، حتى أن صرامة الأساليب الكشافة التى طبقت منذ عدة سنين على شهادات بعض الوسطاء كانت بحيث توجد اختلاف الآراء فى باطن الجمعية نفسها " (١).
وقبل أن تتألف هذه الجمعية حمل الرأى العام المجمع العلمى الإنجليزى على تأليف لجنة لفحص الظواهر الروحية، وتمحيصها، فندبت ثلاثًا وثلاثين علمًا من أعلامها للقيام بهذه المهمة العلمية، فبذلوا فى تحقيق هذا الموضوع ثمانية عشر شهرًا، ثم حرروا تقريرًا إجماعيًا وقع فى (٥١٤) صفحة، وطبع فى أكثر اللغات الحية، جاء فى آخره ما نصه:
стр. 212
" عقدت هذه اللجنة اجتماعاتها فى البيوت الخاصة بالأعضاء لأجل نفى كل احتمال فى إعداد آلات لإحداث هذه الظواهر أو أية وسيلة من أى نوع كانت؛ وقد تحاشت اللجنة أن تستخدم الوسطاء المشتغلين بهذه المهنة، أو الذين يأخذون أجرًا على عملهم هذا، لأن واسطتها كان أحد أعضاء اللجنة، وهو شخص جليل الاعتبار فى الهيئة الاجتماعية، وحاصل على صفة النزاهة المطلقة، وليس له من غرض مالى يرمى إليه، ولا أية مصلحة فى غش اللجنة .. كل تجربة من التجارب التى عملناها بما أمكن لمجموع عقولنا أن نتخيله من التحوطات، عملت بصبر وأناة، وقد دُبِّرت هذه التجارب فى أحوال كثيرة الاختلاف، واستخدمنا لها كل المهارة الممكنة لأجل ابتكار وسائل تسمح لنا بتحقيق مشاهداتنا، وإبعاد كل احتمال لتزوير، أو توهم .. وقد اكتفت اللجنة فى تقريرها بذكر المشاهدات التى كانت مدركة بالحواس، وحقيقتها مستندة إلى الدليل القاطع .. وقد بدأ نحو أربعة أخماس أعضاء اللجنة تجاربهم، وهم فى أشد درجات الإنكار لصحة هذه الظواهر، وكانوا مقتنعين أشد الاقتناع بأنها كانت إما نتيجة التدليس، أو التوهم، أو أنها تحدث بحركة غير اعتيادية للعضلات، ولم يتنازل هؤلاء الأعضاء المنكرون للغاية عن افتراضاتهم هذه إلا بعد ظهور المشاهدات بوضوح لا تمكن مقاومته فى شروط تنفى كل فرض من الفروض السابقة .. وبعد تجارب وامتحانات مدققة مكررة، اقتنعوا مضطرين بأن هذه المشاهدات التى حدثت فى خلال هذا البحث الطويل هى مشاهدات حقة لا غبار عليها ..
стр. 213
هذا ما ورد فى ذيل ذلك التقرير الضخم؛ ولسنا فى حاجة لأن نقول: إن هذا أكبر حدث سجل فى تاريخ العلم .. ومن العبث المحض أن يتوهم متوهم أن الحقيقة تضيع، أو أن التدليس يروج بين يدى ثلاثة وثلاثين رجلاً من أعلام العلم المتمرسين على النظر والتمحيص، وتمييز الغث من السمين فى كل ضروب البحوث البشرية .. ولقد كان لهذا التقرير أثر عالمى عام، فهبّ ألوف من العلماء والفهماء فى جميع ممالك الأرض لبحث هذه الخوارق، وألفوا لها مئات من الجمعيات، ونشروا مثلها من المجلات، ووضعوا فيها ألوفًا من الكتب؛ ولا تزال هذه المؤسسات قائمة إلى اليوم، والاهتمام بها يزداد على نسبة كثرة ما يعمل فيها من التجارب والبحوث؛ وقد أقيمت لها خمسة مؤتمرات عالمية فى لوندرة، وباريس، وغيرهما؛ وأصدرت تقارير إضافية ترجمت إلى اللغات الحية ".
ثم بعد أن ذكر شهادة كثير من العلماء على صحة وجود عالم وراء هذا العالم، قال: " يرى قراؤنا مما قدمناه أن العلماء المنصرفين لدراسة الكون والكونيات، قد ظهر لهم عقب حديث اكتشافات خطيرة لم تكن تخطر لهم ببال، أن حدود العلم لا تزال بعيدة عنهم .. وأن كل ما حصلوه منه لا يعدو العلاقات الموجودة بين بعض ما يقع تحت حسهم من الموجودات .. أماكنه تلك الموجودات، وحقيقة النواميس التى تدبرها، فلا يزال أمرهما
стр. 214
مجهولاً، وقد تجلى لهم أن من الحماقة وضع حد للممكنات، والتكذيب بما لم يحيطوا بعلمه من المجهولات؛ ثم يرى قراؤنا أيضًا أن طائفة من أماثل هؤلاء العلماء قد وُفِّقوا منذ تسعين سنة عقب ظهور حوادث محققة تدل على وجود عالم وراء العالم المحسوس، إلى التنقيب عن حقيقة ذلك العالم، جارين على أسلوبهم العلمى من المشاهدة والتجربة، فوقفوا على أمور لم يكن يدور فى خلد أحد أن أقطاب العلم المادى يعودون، فيثبتون وجودها، وقد سبق لهم نفيها، والتشنيع على القائلين بها من الشئون الروحانية .. ولسنا نريد أن نثبت إمكان الوحى بالاستناد إلى اكتشافات هؤلاء العلماء فى عالم ما وراء الطبيعة، فقد أثبتنا وجوده بالحس من الغرائز التى طبعت عليها الحيوانات، ومن حوادث العبقريات، ولكننا نستأنس بها فى بحثنا هذا، استدلالاً على أن الإنسانية قد اجتازت دون الافتتان بالماديات، وبدأت تدخل إلى عهد من الحياة تتفق فيها فتوحات الروح من طريق النبوة، وفتوحات العقل من طريق العلم، فتستقيم على الجادة التى توصلها إلى كمالها المرجو لها خالصة من الشبهات الرائنة على الصدور، والشكوك المحيِّرة للعقول ".
إلى هنا كانت مرحلة العلم بالناحية الروحية إلى أواخر العقد الثانى من القرن العشرين، حتى إذا استثارت هذه المباحث عقل " وليم مكدوجل "، ورأى أن ندرة تلك الظواهر التى تعتمد على الوساطة الروحية، وهى نادرة الوجود بين الأفراد، مما يجعل من المستحيل لتلك التجارب أن تتكرر بالانتظام العلمى المطلوب فى إثبات الظواهر الكونية، والقوانين الطبيعية.
стр. 215
فطلب " مكدوجل " من صديقه الدكتور " راين " وكان أستاذًا للنبات وعضوًا فى جمعية المباحث الروحية التى سبقت الإشارة إليها، أن ينتظم فى بحث علمى تجريبى يخضع لكل الاشتراطات العلمية من القابلية للتكرار، والتحكم العلمى الدقيق، وأن يقوم " مكدوجل " بإنشاء معامل تخصص لهذا النوع من البحث فقط، وفعلاً أنشئت معامل الباراسيكولوجى " ما وراء علم النفس بجامعة ديوك " بولاية كارولينا الشمالية بالولايات المتحدة الأمريكية، ودخل فيها " راين "، وصحبته زوجته، وكانت هى الأخرى أستاذة لعلم النبات، وبدأوا فى أوائل العقد الثالث يوالون أبحاثهم التجريبية فى معامل تجريبية أدخلت إليها، وفيها جميع أساليب الضبط، والتحكم العلمى الدقيق، لدرجة أن القيود العلمية التجريبية التى أدخلت على بعض هذه التجارب كانت أكثر من أى قيود فرضت على أى تجربة علمية سابقة.
وقد كان من نتيجة هذه الأبحاث التجريبية الوصول إلى النتائج الآتية:
١ - درس " راين " ومعاونوه الظواهر الروحية الخارقة، وبدأ بظاهرة انتقال الفكر " الِّلِبْثِى " وأثبتوا وجودها علميًا.
٢ - درسوا ظاهرة الاستشفاف، أو الجلاء البصرى، وهى الإحساس بالحوادث التى تحدث على مسافات بعيدة، وأثبتوا وجودها.
٣ - أثبتوا أن انتقال الفكر، والجلاء البصرى مظهران لظاهرة واحدة أطلقوا عليها اسم: " الإدراك خارج الحواس ".
٤ - أثبتوا أن ظاهرة الإدراك خارج الحواس لا تخضع للعلاقة المكانية،