Полный текст (525 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وقائلا ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾ ويشاهد أنه حي في قبره الشريف بتأدب معه ﷺ مع خشوع وخضوع، وأدب مصليا عليه ﷺ ومسلما داعيا بما يناسب الحال، وبما يشرح الله به صدره، ويقاس بذلك سائر الأنبياء، ولا يخفى عليك ما وقع لهذه الأمة المحمدية في تعظيم نبيها، وامتثال أمره والمسارعة لأمره الشريف حتى لو دعاهم إلى ما فيه الهلاك بادروا إليه وأجابوا له سريعا، وتأمل في أحوال اليهود مع موسى ﵊ كم فعل معهم من خير وأنقذهم من فرعون وجنوده، وجعل الله البحر لبني إسرائيل يبسا، ومع ذلك مروا بقوم يعبدون أصناما لهم فقالوا ﴿يَا موسَى اجعَل لنَا إلَهًا كَمَا لَهم آلهَةٌ﴾، وقالوا﴾ أَرنَا اللهَ جَهرَةً ﴿، وقالوا له: اذهب أنت وربك فقاتلا، وقالوا: إن الله بخيل. وقالوا ﴿إن اللهَ فَقيرٌ﴾، فكل ذلك أذية لموسى، وعدم احترام وتوقير. وانظر قولهم في البقرة ﴿أتتخذنا هزوا﴾، فكيف يليق بقوم يقولون لنبيهم ذلك مع قوله ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾، فما احترموا الأنبياء حال حياتهم، فكيف يحترمونهم بعد موتهم فاتق الله، وكن من المانعين واحذر أن تكون من المساعدين، أو المعينين، أو الآذنين لهم فتلحق بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، والله تعالى أعلم.
(كتاب الزكاة)
مطلب: كتاب الزكاة، وهل يكفر منكر الزكاة ؟
(سئل) هل يكفر منكر الزكاة؟
(أجاب) نعم، هي أحد أركان الإسلام، فإن أنكر أصلها كفر، وكذا إذا أنكر فرعا منها مجمعا عليه لا حيث اختلف فيه، أو كان غير مكلف، وزكاة تجارة وركاز وفطرة، والله أعلم.
(باب زكاة النابت)
مطلب: زكاة النابت، وهل تجب الزكاة في الأرض المستأجرة أو الخراجية؟ إلخ
(سئل) هل يجب إخراج الزكاة في الأرض المستأجرة، والخراجية، وعلى الأرض التي تقسم، كما في بعض البلاد والأرض التي تفصل؟
(أجاب) قال في العباب: الأرض المستأجرة، والخراجية كالمملوكة، فتجب زكاة نباتها مع الأجرة، والخراج، وما تصير به الأرض خراجية يأتي في الجهاد والجزية، ومن بيده أرض يؤدي خراجها، وجهل كيفية أصلها حكم بجواز أخذها، وبملكها الذي اليد. وأخذ الخراج من الأرض العشرية ظلم، ولا يجزئ عن الزكاة إلا إن أخذه الإمام بنية البدلية متأولا كأخذ القيمة، فإن نقص عنها تممها المالك. انتهى.
وما يؤخذ من الأرض قسما كالربع والثلث، أو فصلا هو في معنى الأجرة، فتجب زكاة نبات الأرض المأخوذ منها القسم والفصل، والله أعلم.
مطلب: لو أخرج زكاة النابت وادخره لحول ثان، هل يجب عليه زكاته أيضا إلخ ؟
(سئل) عما لو ادخر النابت إلى الحول الثاني، وقد أخرج زكاته
стр. 107
أولا، فهل تجب فيه الزكاة ثانيا؟
(أجاب) لا تجب فيه الزكاة؛ لأن المعتبر نموه، وقد أخرج زكاته، والله أعلم.
مطلب: ما بذره لو أمحل وخرج بمقدار الأصل المزكى عنه فهل تجب فيه زكاة ؟
(سئل) عما لو بذر بذرا كثيرا فأمحل، فلم يزد على الأصل، بل إما نقص، أو كان مساويا، أو زاد شيئا قليلا، وكان الحاصل نصابا، فهل تجب فيه الزكاة؟
(أجاب) نعم، تجب فيه الزكاة حيث بلغ نصابا؛ لأنه كله نماء والبذر تلف في الأرض، والله أعلم.
(باب زكاة المعدن)
مطلب: زكاة المعدن، وفي رجل اتهم أنه وجد كنزا وغرمه المشايخ مالا إلخ
(سئل) في رجل اتهم بأنه وجد كنزا، وتكلم أهل بلده بذلك على عادة الناس، فبلغ الخبر إلى شيخ البلاد المتكلم عليها من طرف الحكام، فأخذ الرجل المتهوم وغرمه جريمة، ثم إن واحدا من جماعة الشيخ قال للمغرم: إن الذي تعاون عليك فلان لرجل من أهل بلده، وقال: أنا أشهد عليه بذلك، فهل يعمل بهذه الشهادة، ويلزم المغرم المخبر للشيخ بالمال المذكور؟
(أجاب) لا ريب أن إخبار تابع الشيخ، ولو كان عدلا بصورة الشهادة لا يعمل بها؛ لأن المخبر للشيخ على فرض صدقه، وإن أخبر يقينا لا يلزم المخبر مما أخذه الشيخ شيء من المال؛ لأنه لم يستول عليه، وإنما ارتكب إثما في إخباره، ولا غرم عليه أصلا، هذا كله بناء على صدق تابع الشيخ وعدالته، وإلا فقوله مردود، وفعله غير محمود؛ لأنه لا يخاف الرب المعبود، وسيرى فعله في اليوم الموعود، وحسبه القاهر الودود، والله أعلم.
(باب زكاة الفطر)
مطلب: زكاة الفطر، وفي قرية مختلف أكلها من بر وشعير وذرة وزبيب فما الواجب عليهم في زكاة الفطر ؟
(سئل) في قرية مختلف أكلها من بر وشعير وذرة وزبيب، فما الواجب في زكاة الفطر على أهلها؟
(أجاب) ينظر في كل بلدة على حدة، فيجب على أهلها إخراج زكاة الفطر من غالب قوتهم تلك السنة، فإن كان الغالب فيها البر تعين، أو الشعير تعين، أو الذرة تعينت، أو الزبيب، فكذلك من كل قوت سليم من العيب، ويجزئ الأقط واللبن والجبن ما لم ينتزع زبدهما إن غلب قوتهما، ويجزئ الأعلى كالبر على الأدنى كالشعير، والله تعالى أعلم.
مطلب: الحيلة في أخذ الشريف الزكاة أن تدفع لفقير غير شريف ويدفعها الفقير له إلخ
(سئل) في رجل شريف يريد أخذ زكاة الفطر من أهل قرية، فما الحيلة في أخذه له؟
(أجاب) الحيلة أنه تدفع الزكاة لرجل فقير غيره، ثم يدفعها الرجل الفقير للرجل الشريف، فيحصل المراد على أن بعض العلماء ذهب إلى أن الأشراف إذا منعوا من خمس الخمس الذي لهم، جوز أخذهم الزكاة وله أيضا أن يقلد هذا القول الضعيف ويدفع له، والله تعالى أعلم.
(باب أداء زكاة المال)
مطلب: باب زكاة المال، والرجل إذا كان له مال في بلد غير بلده أمانة هل يزكي عنه في بلد المال؟ إلخ
(سئل) في رجل له مال في بلد غير التي هو فيها، موضوع أمانة، فهل يجب عليه
стр. 108
أن يزكي عنه؟
(أجاب) حيث كان المال نصابا وجب فيه الزكاة، ولكن مذهب أمامنا الشافعي أنه يزكي عنه في البلد التي المال فيها؛ لأنه لا يجوز عنده نقل الزكاة، وعند الإمام الأعظم، ومالك، وأحمد يجوز أن يزكي في أي بلد أراد؛ لأنهم يجوزون نقل الزكاة، والله أعلم.
مطلب: أخذ المكوس هل يحسب من الزكاة ويقع عنها فيه تفصيل .
(سئل) عما يقع من أخذ المكوس من التجار برا وبحرا، هل يكفي ذلك عن الزكاة؟
(أجاب) إن ما يقع في زمننا من أخذ المكوس، لا يكفي ذلك عن الزكاة؛ لأن غالب القابضين له نصارى، أو يهود، ولا يجوز دفع الزكاة لكافر، والسلطان نصره الديان لا يوليهم أخذها، ولا يذكره لهم، فإذا أخذها المكاس باسم الزكاة، فهو فضولي لا يصح قبضه لها، والغالب قصد الظلم حتى لو فرض أن رجلا تاجرا، قال لهم: أدفع لكم باسم الزكاة، لم يقبلوا منه ذلك، ويأنفون من ذلك، فإن فرض أن القابض مسلم، وشملت ولايته قبضها، وأخذها باسم الزكاة أجزأت، والله أعلم.
مطلب: حال الحول على مال الزكاة ولم ينم وتنازلت أثمانه فهل يكلف بيعها بأبخس الأثمان ليؤدي الزكاة ؟
(سئل) عما لو حال الحول على مال التجارة، ولم ينم، وكان الزمن زمن كساد، فهل يكلف التاجر بيعها بالرخص، وعلى القول بأن الزكاة تتعلق تعلق شركة إذا باع مال التجارة بعد الحول، فهل يبطل البيع في نصيب الفقراء منها؟
(أجاب) لا يكلف التاجر بيع مال التجارة بالخسران، أو بجنس القيمة وله بيع مالها ولو بعد الحول، وإن قلنا تعلق الزكاة تعلق شركة؛ لأن زكاة التجارة تتعلق بالقيمة، وعبارة ابن حجر: هذا كله أي تعلق الزكاة تعلق شركة في زكاة الأعيان إلا التمر بعد الخرص والتضمين؛ لما مر من صحة تصرف المالك فيه. أما زكاة التجارة فيصح بيع الكل، ولو بعد الوجوب لكن بغير محاباة؛ لأن تعلق هذه الزكاة بالقيمة، وهي لا تفوت بالبيع، ولكن لو وهب، أو أعتق منها هو غير موسر، فإن باعه بمحاباة بطل البيع فيما قيمته قدر الزكاة من المحاباة، وإن أفرز قدرها. وأفتى الجلال البلقيني وغيره بأنه لا يكلف عند تمام الحول ببيع عروض التجارة بدون قيمتها، أي بما لا يتغابن به، كما هو ظاهر ليخرجها عنها لما فيه من الحيف عليه، بل له التأخير إلى أن يساوي قيمتها ويخرج منها حينئذ. انتهى.
ولكن يبقى النظر في أنه كلما باع شيئا أخرج زكاته، وهذا عسر جدا، أو أنه إذا باع قدر الزكاة أخرجه، وهذا ظاهر سهل.
بقي ما إذا كان على التاجر ديون وطلبت منه وطلبت الزكاة، فهل يقدم الديون أم الزكاة؟ الظاهر تقديمه الزكاة؛ لأن تعلق الفقراء بالزكاة أشد من تعلق الغرماء، والله تعالى أعلم.
مطلب: الشريكان إذا أخرج أحدهما زكاة المال يكفي وإن لم يأذن الآخر إلخ
(سئل) عن شريكين في مال تجارة، أو زرع، أو تمر، أو ماشية، فهل لأحدهما إخراج الزكاة، وإن لم يأذن له الآخر؟
(أجاب) نعم له الإخراج في جميع المال الزكوي. قال ابن حجر في آخر كتاب الزكاة: ولكل من الشريكين إخراج
стр. 109
زكاة المشترك بغير إذن الآخر وقضيته، بل صريحه أن نية أحدهما تغني عن نية الآخر، ولا ينافيه قول الرافعي: كل حق يحتاج لنية لا ينوب فيه أحد إلا بإذنه؛ لأن محله في غير الخليطين لإذن الشارع فيه، والقول بتخصيصه بالإخراج من المشترك مردود بأنه مخالف لظاهر كلامهم والخبر لأن الخلطة تجعل ماليهما كمال واحد وقضية قولهم لإذن الشارع فيه أن يرجع على شريكه، ومر في الخلطة، وزكاة النبات ما له تعلق بذلك، والله أعلم.
(باب تعجيل الزكاة)
مطلب: باب تعجيل الزكاة
لو عجل رجل زكاة ماله قبل تمام الحول وانتقل لمحل آخر ماذا عليه إلخ؟
(سئل) في رجل دفع زكاة ماله قبل تمام الحول إلى مستحق، ثم انتقل الرجل المزبور إلى مكان هو وماله، فإذا تم الحول في ذلك المكان الذي انتقل إليه، فهل يجب حينئذ على الرجل الإخراج ثانيا، أو لا يجب حيث بقي الدافع من أهل الوجوب، والقابض من أهل الاستحقاق إلى تمام الحول، وهل في مثل ذلك كله زكاة البدن أو لا؟
(أجاب) صرح الرملي في باب تعجيل الزكاة بالإجزاء في الصورة المذكورة، وانتقاله هو ليس بشرط؛ لأن الغرض كون المال في غير بلد الإخراج؛ لأن الزكاة المعجلة يغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها، وأخذ من ذلك الشبراملسي أن زكاة الفطر مثل زكاة المال، إذ لا يظهر فرق بينهما، وإن كان تردد في ذلك ابن قاسم رحمه الله تعالى ونفعنا به، والله أعلم.
(كتاب الصوم)
مطلب: كتاب الصوم. لو رأى هلال رمضان يوم الثلاثين من رمضان أو شعبان ماذا حكمه؟ الخ
(سئل) فيما لو رؤي الهلال نهار الثلاثين من رمضان، أو شعبان، فهل يعمل بهذه الرؤية، ويجب الإفطار في الأول، والصوم في غد في الثاني؟
(أجاب) قال ابن حجر بعد قول المنهاج، أو رؤية الهلال بعد الغروب بعد أن ذكر منفيات لا يثبت بها رمضان، فعطف عليها قوله، ولا برؤية الهلال في رمضان وغيره قبل الغروب، سواء ما قبل الزوال وما بعده بالنسبة للماضي والمستقبل، وإن حصل غيم، وكان مرتفعا قدرا لولاه لرؤي قطعا خلافا للأسنوي؛ لأن الشارع إنما أناط بالرؤية بعد الغروب، ولما يأتي أن المدار عليها لا على الوجود، والله أعلم.
مطلب: لو حكم حاكم مخالف لمذهب الشافعي بإثبات الرؤية مع اختلاف المطالع فهل يجب على الشافعي الصوم أم لا إلخ .
(سئل) عما لو حكم حاكم مخالف لمذهب الشافعي بإثبات الرؤية مع اختلاف المطالع، فهل يجب علينا معاشر الشافعية الصوم بناء عنده على أنه إذا ثبت في مصر لزم في سائر الأمصار، ونحن لا نقول بلزومه إلا إذا اتحدت المطالع، وهل يجب علينا قضاء ذلك اليوم الذي حكم برؤيته الهلال، وهل القضاء فوري؟
(أجاب) نعم يجب علينا الصوم، ويجب قضاء ما أفطرناه بناء على إثبات المخالف، وعبارة ابن حجر في أول كتاب الصوم نصها:
стр. 110
إذا أثبت مخالف الهلال مع اختلاف المطالع لزمنا العمل بمقتضى إثباته؛ لأنه صار من رمضان حتى على قواعدنا أخذا من قول المجموع محل الخلاف في قبول الواحد ما لم يحكم حاكم بشهادة الواحد يراه، وإلا وجب الصوم، ولا ينقض الحكم إجماعا، ومن مقتضى إثباته أنه يجب قضاء ما أفطرناه عملا بمطلعنا، وأن القضاء فوري بناء على ما قاله المتولي وأقره المصنف والأسنوي وغيرهما، إذا ثبت أثناء يوم الشك أي ثلاثين شعبان، وإن لم يتحدث برؤيته أنه من رمضان لزمه قضاؤه فورا، كما يأتي انتهى، أي قضاء يوم الشك، والظاهر أن قول المجموع إجماعا أنه راجع للأمرين، أعني وجب، ولم ينقض، أي وجب الصوم إجماعا، ولم ينقض حكم الحاكم؛ لأن الحاكم إذا حكم في فصل مختلف فيه صيره متفقا عليهما إلا ما استثني مما ينقض فيه حكم الحاكم، كما ذكروه في القضاء، وليست هاتان الصورتان مما استثني، والله أعلم.
مطلب: إذا حصل للصائم جراحة بسببها حصل له مشقة فأفطر ماذا عليه إلخ ؟
(سئل) عن رجل حصل له جراحة، وحصل له بسببها مشقة، فأفطر في رمضان، فما يترتب عليه شرعا؟
(أجاب) يجب عليه قضاء ما أفطره من أيام رمضان فقط، والله أعلم.
(سئل) عما لو دل الحساب على كذب الشاهد في أول رمضان، أو آخره بأن شهد في الأول برؤية هلال رمضان، ودل الحساب على كذب الشاهد، وشهد في الثاني برؤية هلال شوال ودل الحساب على كذبه، فهل يجب في الأول الصوم، وفي الثاني الإفطار عملا بالرؤية المعلق بها الحكم في الإخبار وإلغاء الحساب لاحتمال الغلط فيه، أم لا يجب صوم في الأول، ولا إفطار في الثاني عملا بالحساب؛ لأنه مبني على قواعد وضوابط، وأهله حرروه، ونسبة الغلط إلى الشهود أولى من نسبته إلى الحساب، أم يفصل، فيجب الصوم، ولا يجب الإفطار احتياطا للعبادة فيهما؟
(أجاب) اعلم أن هذه المسألة وقع فيها خلاف بين علماء أهل المذهب مثل الأذرعي والسبكي والأسنوي وغيرهم، وتبعهم خلق كثير، فمن ذاهب إلى العمل بالحساب وإلغاء الشهادة مطلقا كالسبكي، ومن ذاهب إلى قبولها وإلغاء الحساب مطلقا عن أن يكون أهل الحساب بلغوا عدد التواتر أم لا، والذي اختاره ابن حجر وغيره هو أنه إن اتفق أهل الحساب على أن مقدماته قطعية، وكان المخبرون منهم بذلك عدد التواتر ردت الشهادة، وإلا بأن اختلف أهل الحساب في مقدماته بين كونها قطعية وظنية، بأن قال بعضهم: إنها قطعية وبعضهم بأنها ظنية، أو قالوا جميعا إنها ظنية، أو لم يبلغوا عدد التواتر فالعمل بالشهادة هذا ظاهر كلامهم في أول رمضان، والذي يظهر جريان مثله في أول شوال فيعمل بالحساب إذا وجدت شروطه الثلاث، وبالشهادة إذا انتفى أحد منها، وكل هذا مع استيفاء الشهود الشروط المعتبرة، وصحة الضبط، وصحة النظر
стр. 111
وإثبات الشاهد ونحو ذلك وإلا فلا يخفى أن مثل هذه الأمور تحتاج لنظر الحاكم واجتهاده، وكل هذا إذا لم يحكم حاكم بالحساب، أو بالرؤية، وإلا فالمعول عليه حكمه؛ لأنه يرفع الخلاف، ثم ينبغي تقييد الحساب بما إذا قطع بعدم الرؤية فتصير الشروط أربعة: أن يقطعوا بمقدماته، وأن يتفقوا عليها، ويقطعوا بعدم رؤيته، وأن يكونوا عدد التواتر، وأنى باجتماع هذه الشروط، فقد جعل أهل الحساب للهلال ثلاثة أحوال:
الحال الأول: يقطعون بوجوده ويحيلون رؤيته.
الثاني: أن يقطعوا بوجوده، ويجوزوا رؤيته.
الحال الثالث: أن يقطعوا بوجوده ورؤيته، والله تعالى أعلم.
مطلب: ما يثبت به رمضان إلخ
(سئل) عما يثبت به رمضان من الأمور، فإنا نرى الفقهاء يذكرون أمورا يثبت بها رمضان بغير شهادة العدل؟
(أجاب) اعلم وفقك الله أني تتبعت أطراف كلامهم فرأيتهم يثبتون رمضان بستة عشر شيئا، أحدها كمال شعبان، ثانيها شهادة العدل، ثالثها إخبار من صدقه من نحو نساء وعبيد وفسقة، رابعها الحاسب والمنجم لمن صدقهما، خامسها الاجتهاد فيما إذا اشتبه، وفي حق أسارى، سادسها العلامة القطعية كقيادة القناديل على المنابر ليلة الرؤيا، سابعها تواتر الرؤيا، ولو فساقا، ولو من كفار، ثامنها رؤية هلال شعبان في حق الرائي، فإذا تم وجب عليه رمضان، وإن لم يثبت على الجميع، تاسعها حكم حاكم بعلمه، عاشرها حكم محكم لمن رضي به بالرؤية، حادي عشرها حكم محكم بعلمه، ثاني عشرها حكم المخالف إذا اختلفت الطوالع، ثالث عشرها الشهادة على الشهادة بالرؤية، رابع عشرها الشهادة على حكم الحاكم، خامس عشرها الشهادة على حكم المحكم لمن رضي به، سادس عشرها الاستفاضة يجب بها الصوم، وإن كانت الشهادة لا تجوز بها، فتأمل ذلك، والله أعلم.
مطلب: ما لو نقص رمضان أو جاء تاما هل ثوابهما واحد إلخ ؟
(سئل) عما لو نقص رمضان بأن جاء تسعة وعشرين يوما، أو كاملا، فهل ثوابهما واحد، وعما لو طالت أيامه، أو قصرت، أو تساوت مع الليل مع ما ينضح لذلك من شدة حر في اليوم الطويل دون القصير، وفي بعض البلاد يكون النهار فيها أقصر من بعض البلاد، كمكة شرفها الله تعالى، والروم حرسها الله تعالى، فهل أجر البلدين على حد سواء؟
(أجاب) أما الأول، وهو كون رمضان تسعة وعشرين، أو ثلاثين فنص ابن حجر على أن أجرها سواء، ولعل هذا من حيث الصوم، وأما اليوم الزائد، وما يقع من ثواب تقديم الفطر، وتأخير السحور وتفطير الصائمين فيفوق به الزائد، وأما طول النهار واشتداد الحر فيه وحصول المشقة لبعض الناس دون بعض، كما يشاهد في أرباب الكسب، والمترفهين، فالظاهر زيادة الأجر الطويل باعتبار الطول واعتبار شدة الحر لقوله ﷺ : الأجر على قدر النصب، أو الأجر على قدر المشقة، ومثل ذلك يجري في طول بعض البلاد على
стр. 112
بعض فيظهر عظم أجر الطويلة على القصيرة؛ لما في الطويلة من زيادة المشقة، فتأمل، والله تعالى أعلم.
مطلب: حكم إفطار الحصادين ونحوهم في رمضان إلخ .
(سئل) عن نحو الحصادين في شهر رمضان، هل يجوز لهم الإفطار إذا حصل لهم مشقة، ولو كانوا مستأجرين، أو معينين لأهله، وهل يجب عليهم تبييت النية ليلا، ولا يجوز لهم الإفطار إلا عند حصول المشقة، وإذا أفطروا، فهل يلزمهم مع القضاء الكفارة أو لا؟
(أجاب) لا شك، ولا ريب أن نحو الحصادين كالفرانين والأتوني والمسافرين سفر قصر، وكل عمل شاق يجب عليهم تبييت النية ليلا ويصبحون صياما، ثم من لحقه منهم مشقة شديدة ينشأ عنها مبيح تيمم فله الإفطار، بل لو تحقق الهلاك وجب عليه الإفطار، وإن صح الصوم لو صام في الحالتين، قال الرملي: وأفتى الأذرعي بأنه يجب على الحصادين تبييت النية في رمضان كل ليلة، ثم من لحقه منهم مشقة شديدة أفطر وإلا فلا إثم، قال: ولمن غلبه الجوع، أو العطش حكم المريض، أي له الإفطار إن لحقه مشقة شديدة.
قال الشيخ علي الشبراملسي: قوله الحصادين ومثلهم غيرهم من سائر العملة، وعبارة ابن حجر، ويباح تركه لنحو حصادين وبنايين لنفسه ولغيره تبرعا، أو بأجرة، ولو مكرها على أحدهما، وإن لم ينحصر الأمر فيه أخذا مما يأتي في المرضعة خاف على المال إن صام، وتعذر العمل ليلا، أو لم يغنه فيؤدي إلى تلفه أو نقصه نقصا لا يتغابن به، هذا هو الظاهر من كلامهم وسيأتي في إنقاد المحترم ما يؤيده خلافا لمن أطلق في نحو الحصادين المنع، ولمن أطلق الجواز، ولو توقف كسبه لنحو قوت مضطر إليه هو أو ممونه على فطره، فظاهر أن له الإفطار لكن بقدر الضرورة. انتهى. ودخل في كلامه صورة، وهي ما لو خاف على المال، وظاهره أن له الإفطار، وإن لم يحصل له تلك المشقة، وتردد المحشي فيها، وصريح ابن حجر ما قلناه، ثم إذا أفطر لمرض، أو نحوه كمشقة، أو خوف على المال، أو الكسب لتوقفه على الإفطار وجب عليه القضاء دون الكفارة، والله أعلم.
(كتاب الاعتكاف)
مطلب: كتاب الاعتكاف ومقدار تضاعف الصلاة في المساجد الثلاثة إلخ .
(سئل) ما مقدار تضاعف الصلاة في المساجد الثلاث، المسجد الحرام، ومسجد المدينة المنورة، والمسجد الأقصى؟
(أجاب) اعلم أن الذي حرره ابن حجر في هذا الكتاب وحاشية الإيضاح أن الصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة فيما عدا المسجدين في رواية، وفي رواية بألف فيما سواهما، وفي مسجد المدينة بألف في الأقصى، وفي مسجد مكة بمائة ألف في مسجد المدينة فحصل مما مر أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف ألف ألف صلاة ثلاثا فيما سوى المساجد الثلاثة؛ لأنه إذا كانت فيه بمائة ألف في مسجد المدينة، وكانت في مسجد المدينة بألف
стр. 113
في الأقصى، وكان في الأقصى بألف في غير الأقصى كانت فيه بمائة ألف ألف ألف ثلاثا في غير الثلاث، والله أعلم.
(كتاب الحج)
مطلب: كتاب الحج، المال الحرام لا يجب فيه الحج ولا الزكاة ولا الصدقة إلخ
(سئل) في رجل عنده مال حرام، أو من شبهة، فهل يجب عليه الحج، وإذا حج منه، هل يصح حجه ويسقط عنه فرض الإسلام، وهل إذا تصدق منه يثاب، وهل تجب فيه الزكاة؟
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن المال الحرام يجب رده على مالكه وكل ما مر عليه زمن يكون آثما ببقائه عنده، فلا يطالب من عنده المال الحرام لا بحج، ولا غيره، ولا زكاة مال، ولا زكاة بدن؛ لأنه فقير حيث لم يكن عنده غيره، وأما المال الذي من شبهة، فإن كان المراد به شبهة الحرام، كأن قال بحله عالم، وبحرمته آخر، فإن قلد القائل بالحرمة، فقد علم حكمه، وإن قلد القائل بالحل جرت فيه سائر الأحكام كوجوب الحج والزكاة، وغير ذلك؛ لأنه مال مملوك وإن كان الورع تركه، وإن كان المراد بالشبهة بحيث لا يقطع بحله، كأخذ من مال ممن أكثر ماله حرام، ومال من يبيع الخمر، ومن يتعاطى الحرام، فهذا الورع تركه، ولكن يجوز أخذه، وأكله، والتعامل مع مالكه، وتجري فيه الأحكام الشرعية من وجوب الزكاة فيه، والحج والعمرة والفطرة وغير ذلك، ومع ذلك من حج من مال حرام، أو شبهة صح حجه وعمرته ووقع عن فرض الإسلام؛ لأن الحج لا تعلق له بالمال أصلا، وإنما تعلقه بالبدن والأعمال؛ لأن الإحرام والطواف والسعي، والوقوف بعرفة، ورمي الجمار، والحلق والتقصير، وجميع الأقوال التي في الحج سنة، نعم لو وجب عليه دم من دماء الحج واشترى دما بعين المال الحرام لم يجزه، وبقي الدم في ذمته، فإن اشتراه في ذمته، ثم دفع المال الحرام لم تبرأ ذمته، ولكن الدم يجزيه عن الدم الواجب، ولا شك أن المال الحرام لا يجوز التصدق به؛ لأنه يجب رده على مالكه، بل نقل بعض العلماء أنه لو اعتقد أنه يثاب بالمال الحرام، وتصدق به أنه يكفر، نعم قد يقال: فيه نوع سرور بدخوله على المتصدق عليه، ولكن هذا لا يقاوم إثم ترك الواجب، ولا تجب فيه زكاة، ولا تستحب؛ لما علم من وجوب رده على مالكه؛ لأن الزكاة تتعلق ببعض المال، ويصح ستر العورة به في الصلاة، وتصح الصلاة وإن كان لابسه آثما بلبسه؛ لأن أفعال الصلاة، وأقوالها خارجة عن اللباس. نعم الإمام أحمد ﵁ لا تصح العبادة عنده بالحرام لشدة ورعه، والله أعلم.
مطلب: مرتكب الكبائر هل يصح حجه أم لا إلخ .
(سئل) فيمن فعل معاصي كبائر مثل قتل وشرب خمر وزنا، وسعى وحج حجا مستوفيا لأركان الحج وشروطه، فهل يصح حجه، ويسقط عنه فرض الإسلام، وهل الحج يكفر الصغائر والكبائر، والتبعات، وماذا يترتب على
стр. 114
من قال بعدم التكفير؟
(أجاب) نعم يصح الحج مع وجود فعل هذه المعاصي، ولا تمنع هذه المعاصي، سواء وقعت في الحج، أو قبله صحة الحج، نعم الجماع من المحرم قبل التحلل يفسد الحج، ولو كان بحليلته، ولكن الأولى والأحق التوبة من جميع المعاصي الواقعة قبل التلبس به والتباعد عنها غاية التباعد فيه، ويحسب الحج عن حجة الإسلام، والصحيح أن الحج يكفر الصغائر والكبائر ما عدا التبعات. نعم ذهب بعض أصحابنا إلى أنه يكفرها لحديث في ذلك، ولكن الصحيح إن عزم على قضائها، ومات قبل القدرة على الوفاء، فإنها تكفر ومعنى الحج يكفر المعاصي أنه يكفر الذنوب المتعلقة بالله بمخالفة أمره، أو ارتكاب منهي عنه، وأما غير ذلك فلا يكفره الحج، مثل واجب الزكاة من عشر وغيره، وحد الزنا وصوم رمضان إذا أفطره، فلا يسقط ذلك بالحج، بل هو باق على ملابسه يجب عليه أداؤه مثل دفع الزكاة لأهلها، ويقام عليه الحد من قتل وضرب، ويصوم رمضان، وأما إثم التأخير فيكفر بالحج، والله تعالى أعلم.
مطلب: من عجز بنفسه له أن ينيب عنه، إلخ .
(سئل) في رجل كبير السن عاجز عن الحج وأدائه بنفسه من العجز والكبر، فهل إذا أعطى رجلا مالا، واستأجره ليحج عنه يجزيه ويجوز ويسقط عنه فرض حجه أم لا بد من حجه بنفسه ليسقط عنه الفرض؟
(أجاب) حيث كان الرجل عاجزا عن الحج بنفسه لكبر، أو غيره كمشقة شديدة، وكان بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر وجب عليه الإنابة لمن يكون موثوقا به أدى فرضه إن كان له قدرة على أجرة الأجير، فإن مات وجب الحج عنه من تركته، فيؤخذ منها أجرة الأجير قبل الميراث، والله أعلم.
(كتاب البيع)
مطلب: كتاب البيع. لو خلص البائع نفسه من الحاكم بجعل، هل له الرجوع بذلك على المشتري أم لا ؟
(سئل) في رجل اشترى من شركاء جملا وناقة بثمن معلوم وتسلمها، ثم إن حاكم السياسة أحضر البائعين، والجمل والناقة بين يديه ليسألهم عن حقيقة الحال، فخلصوا من بين يديه بجعل، فهل يفسخ البيع بذلك، وهل يلزم المشتري المذكور شيء من الجعل أم لا؟
(أجاب) ما ذكر ليس مما ينفسخ به عقد البيع اتفاقا، فالجمل والناقة باقيان على ذمة المشتري، ولا يلزمه شيء مما ذكر من الجعل، والله أعلم.
مطلب: إذا ادعى البائع أنه لم يقبض الثمن من المشتري فما الحكم؟ إلخ
(سئل) في رجل اشترى حمارا، وله مدة طويلة يزعم البائع أنه لم يقبض الثمن، فما الحكم الشرعي؟
(أجاب) إن أقام المشتري بينة أنه دفع للبائع الثمن بطلت دعواه، ولا حق له وإلا فله تحليف البائع أنه ما قبض الثمن، فإن حلف قضى له به، وإلا سقط حقه، والله أعلم.
(سئل) في رجل له دار وكرم بمدينة سيدنا خليل الرحمن - على نبينا وعليه وسائر الأنبياء صلوات الملك المنان - باعهما لرجل أول ذي
стр. 115
القعدة سنة اثنين وتسعين وألف، ثم اشتراهما ولد البائع أول جمادى الأولى سنة عشرين ومائة وألف، والآن أبرزت امرأة حجة شراء حصة من الكرم مؤرخة بتاريخ آخر جمادى الأولى سنة تسع ومائة وألف، فهل يعمل بشراء المرأة؟
(أجاب) حيث لم يعلم انتقال من المشتري الأول للبائع الأول فبيع البائع الأول للمرأة المذكورة غير صحيح لعدم إطلاق تصرفه فيما باعه؛ لأن شرط العاقد بائعا كان، أو مشتريا إطلاق التصرف؛ لأنه باع غير مملوك له فيكون شراء الولدين مبيع والدهما صحيحا، والملك لهما لا يجوز للمرأة أن تعارضهما في ذلك بوجه حيث كان الأمر كما ذكر، والله تعالى أعلم.
مطلب: يتيم له مال عند رجل ووصيه كان يأخذ منه غلة بثمنها الحال فهل يسوغ لدافع الغلة الرجوع بعينها حيث ارتفع سعرها أم لا؟ إلخ .
(سئل) في يتيم له مال عند رجل وله وصي عليه كان يأخذ منه كل سنة حصة من الغلة بثمنها الحال، فهل لدافع الغلة أن يرجع الآن عليه ويطلب الثمن منه لكونه ارتفع سعر الغلة؟
(أجاب) حيث أخذ القمح بسعره الحال ليس للدافع الرجوع والمطالبة بسعر اليوم لانفصال الأمر، والله أعلم.
(سئل) في رجل بيده أرض يتصرف فيها تصرف الملاك باعها لرجل وقبض ثمنها وله أولاد عم يعارضون المشتري وله ولد كذلك يعارض المشتري، فهل لهم ذلك، ويقولون في دعواهم: إنه غير عاقل؟
(أجاب) ليس لأولاد العم، ولا للابن معارضة المشتري بوجه من الوجوه؛ لأنه لا علاقة بينهم وبين البائع بوجه، ولا عبرة بما تعللوا به، إذ يحتاج لدعوى صحيحة وإثبات عند الحاكم الشرعي، والله أعلم.
مطلب: بيع القاصر عقاره لا يصح ولو كان للمرتهن، الخ .
(سئل) في أولاد قصر لهم أم ولهم زيتون رهنته عند آخر، ثم إن أحد الأولاد القصر باعه من المرتهن، فهل يصح هذا البيع أو لا؟
(أجاب) هذا البيع باطل؛ لأن شرط صحة البيع أن يكون العاقد مطلق التصرف، فالعاقد قاصر وبيعه لحصة إخوته باطل أيضا، وكذلك الرهن باطل حيث لم تكن وصية فللأولاد الرجوع على المشتري بما أخذه من ريع الزيتون، والله أعلم.
مطلب: من دفع لآخر قمحا وشعيرا وعدسا وكان الثمن رخيصا ثم ارتفع الثمن فهل يأخذ ما دفعه بعينه؟ الخ .
(سئل) في رجل دفع لآخر قمحا وشعيرا وعدسا وكر سنة مائة مد عن الجميع وخمسة، وكان يوم دفع له ذلك الثمن رخيصا، ثم ارتفع السعر، فهل له غلة حكم ما دفع له، أو قيمة يوم الدفع؟
(أجاب) حيث لم يحصل عقد بيع بينهما، فالغلة باقية عند المدفوع له يطالبه بها الدافع بالغة قيمتها ما بلغت، والله أعلم.
مطلب: هل يلزم البائع بقبض الدراهم حكم يوم البيع أم لا؟ الخ
(سئل) عن رجل باع آخر قماشا مصريا بمال معلوم مؤجل بأجل معلوم، وكان يوم العقد الطرلي بأربعة قروش والزلطة بثلاثين فضة، والريال بستين فضة، ثم زادت المعاملة، فهل له أن يأخذ منه مثل يوم العقد، أو يوم القبض؟
(أجاب) حيث جرى العقد بينهما، وكانت المعاملة بما ذكر وجب على المشتري أن يدفع له المعاملة سعر يوم وقع البيع بينهما؛ لأن معاملة ذلك اليوم
стр. 116
هي المرادة لهما، والله أعلم.
مطلب: تصرف في أرض ثلاثين سنة بلا معارض، ومات المتصرف وقام ولده مقامه لا تسمع دعوى أحد على تلك الأرض .. الخ .
(سئل) في رجل أخذ أرضا من آخر بالشراء، وله مدة نحو ثلاثين سنة متصرف فيها بلا معارض، وهي من أرض بيت المال، ثم مات الآخذ فخلفه ولده، ويدعي صاحب الأرض الأصلي أنه ما باعه إلا النصف، فهل يعمل بقوله؟
(أجاب) حيث تصرف الرجل المذكور المدة المذكورة بلا معارض، فلا تسمع دعوى المدعي المذكور؛ لأن الزارع يستحق الأرض بوضع اليد؛ لأنها لا مالك لها، إنما الزراع لهم بها اختصاص، والله أعلم.
مطلب: بيع الولد ملك أبيه بغير إذنه لا يصح .. الخ .
(سئل) في رجل له أرض يستغلها وله ولد باعها بغير إذن له، ولا وكالة، فهل هذا البيع صحيح أو لا؟
(أجاب) بيع الولد أرض أبيه من غير إذن باطل، ولو أجازه فيما بعد؛ لأنه فضولي وعقده باطل على الأصح، وإن أجاز بعده، والله أعلم.
مطلب: يشترط لصحة شراء الكتب ونحوها أن يقلب أوراقها جميعا فردا فردا .. الخ .
(سئل) في رجل اشترى كتبا عديدة من غير أن يقلبها، ولم يعلم حقيقتها، بل اشتراها من صورة الدفتر التي هي مكتوبة فيه، فهل هذا الشراء صحيح أو لا؟
(أجاب) عقد الشراء المذكور غير صحيح؛ لما هو معلوم من اشتراط علم المتعاقدين به أي المبيع، وما ذكروه من اشتراط الرؤية في كل شيء بما يليق به، ففي الكتب والورق البياض والمصحف رؤية جميع الأوراق إذا علم ذلك، فيجب رد الكتب على مالكها ورد الثمن على المشتري، والله أعلم.
مطلب: البيع الأول هو المعول عليه والثاني باطل .. الخ .
(سئل) عن أخوين باعا رجلا نصف جمل بإحدى عشر قرشا، ثم مطلهما فباعاه أيضا بثمانية، فهل البيع الثاني يفسخ الأول، وهل لهما الرجوع عليه بأجرة الجمل إذا كان استعمله؟
(أجاب) المعول عليه هو العقد الأول ويجب على المشتري أن يدفع لهما الأحد عشر قرشا، ولهما الرجوع عليه بما يخصهما من عمل الجمل قبل عقد البيع، وليس البيع الثاني فسخا للأول، والله تعالى أعلم.
مطلب: من باع كرما وكبت به صك وشهدت الشهود عليه، فهل تصح دعواه أنه باعه نصف الكرم؟ .. الخ .
(سئل) في رجل باع آخر كرما، وكتب له صك بأنه قبض ثمن الكرم المذكور، فهل له بعد ذلك أن يدعي أنه ما باع إلا نصف الكرم مع وجود بينة تشهد بأنه باع جميع الكرم؟
(أجاب) حيث شهدت البينة الشرعية بأنه باع الجميع وقبض الثمن، فليس له معارضة بوجه، فإن ظهر منه العناد كان للحاكم زجره ومنعه، فإن أبى عزره بما يليق به لوجود البينة والصك المذكور، والله أعلم.
مطلب: بينة البيع تقدم على بينة الرهن .. الخ .
(سئل) في رجل تحت يده كرم عنب يدعي أنه اشتراه من آخر، ويدعي الآخر أنه رهن وكل واحد معه بينة تشهد له بدعواه فمن المقدم منهما؟
(أجاب) بينة الرهن لا تنافي بينة البيع لصحة بيع المرهون ممن هو تحت يده، فلا تعارض بين البينتين على أن بينة البيع معها زيادة علم، وهو نقل الملك إلى المشتري فتقدم بينته قطعا؛ لما علم، والله أعلم.
مطلب: العم إذا باع أرض القصر من غير أن يكون وصيا ولا قيما فلا يصح بيعه .. الخ .
(سئل) في أولاد قصر لهم عم غير وصي، ولا منصوب من قبل الحاكم، هل يصح بيعه للأرض المذكورة، وإذا باعها، وحصل لها ريع، هل يصح
стр. 117
لهم الرجوع بها؟
(أجاب) بيع العم المذكور باطل لعدم ولايته على المبيع فللأولاد القصر الرجوع بالأرض، وإذا حصل فيها ريع فلهم الرجوع به، والله تعالى أعلم.
مطلب: يلزم المشتري دفع الثمن ولا عبرة بقوله أخذ منه الحاكم كذا .. الخ .
(سئل) في رجل باع لآخر قليا قدره سبعة وعشرون قنطار أو خمسة كل قنطار بتسعة أسدى وأخذ ذلك المشتري، واستولى عليه في مصينته، ثم ادعى المشتري أن الحاكم أخذ منه أربع قناطير ونصفا وأخذ منه أيضا كل قنطار كلبين، فهل يعمل بقوله المذكور؟
(أجاب) حيث وقع عقد البيع على ما ذكر أو لم يقع بيع أصلا، وكان المشتري طالبا ذلك القلي للشرى لزمه جميع ثمن القلي على ما وقع عليه الاتفاق، إلا إذا زاد في الثانية ثمن القلي فيلزمه الزائد أيضا؛ لأنه يضمن فيها ضمان الغصب بأقصى القيم، فيجب على المشتري أن يدفع له جميع ما ذكر على الوجه المشروح، ولا عبرة بما ذكره من أخذ الحاكم للقلي، أو للدراهم؛ لأنه دخل جميعه في ضمانه، وإن فرض أن الحاكم أخذ منه هو شيئا يكون غاصبا له هو، فلا يجوز له الرجوع على البائع بشيء، ولا أن يقطع شيئا، فإن لم يستقم لذلك كان للحاكم - أيدت أحكامه وعلا قدره ونظامه ونفذت في الأعداء سهامه وقطع رقاب المعاندين حسامه - أن يعزره التعزير اللائق به وبأمثاله الزاجر له عن غيه وضلاله، ويخلص للبائع جميع الثمن المذكور ويثاب على ذلك الثواب الجزيل، والله أعلم.
مطلب: من باع ما لا يملك بغير إذن المالك فبيعه غير صحيح .
(سئل) في ولد عمر أرضا وغرسها تينا، ثم باعها والده بغير إذن ولده، فهل البيع صحيح أو لا؟
(أجاب) حيث لم يكن الأب وكيلا عن الابن فالبيع غير صحيح، بل هو باطل يجب رده على الابن، ويرجع المشتري على الأب بالثمن، والله أعلم.
مطلب: من اشترى شيئا ولم يقبضه وهلك يهلك على بائعه .. الخ .
(سئل) في رجل يدعي على امرأة أنه باعها جملا بثمن معلوم، وهي تقر بالشراء، وتقول: دفعت له من ثمنه أحد عشر قرشا ومات قبل القبض، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
(أجاب) لا ضمان على المرأة للجمل أصلا، سواء لم يقع عقد بيع، وهو ظاهر أم وقع؛ لأن المبيع قبل قبضه من ضمان البائع، والله أعلم.
مطلب: بينة مدعي الشراء مقدمة على بينة مدعي الرهن .. الخ .
(سئل) في رجل تصرف في حصة في يد نحو خمس عشرة سنة، ثم مات وورثه ولده وتصرف فيه نحو سبع سنين، ثم ظهر أناس يدعون أن الحصة تحت يد ابنه رهن، ومعه بينة تشهد له أن أباه اشترى الحصة المذكورة، فهل يعمل بها؟
(أجاب) البينة العادلة معمول بها إجماعا، فلا يجوز المعارضة مع وجودها، حتى لو أقام الرجل بينة أنها رهن قدمت بينة مدعي الشرى؛ لأن معها زيادة علم، والله أعلم.
مطلب: الشريك في الخليط إذا باع حصة شريكه من غير إذنه لا يصح بيعها .. الخ .
(سئل) في رجل له ثلث في فرس باعها جميعا، ثم ظفر صاحب الثلثين بفرسه، والحال أن شريكه لم يأذن له في بيع حصته، فهل له الرجوع على من هي تحت يده أو لا؟
(أجاب) نعم له الرجوع بحصته على من هي تحت يده
стр. 118
لأن بيع الشريك باطل لحصة شريكه حيث لم يأذن له في البيع، فإن تلفت رجع عليه بقيمتها، وله رجوع على شريكه لتعديه بالبيع والتسليم، والله أعلم.
مطلب: تأخير الثمن لا يبطل البيع .. الخ .
(سئل) في رجل اشترى كرم عنب بعد بدو صلاحه بعد الرؤية والمعاينة التامة بدراهم معدودة، ولم يقبض الثمن، ثم باعه الأول لآخر، فهل البيع للأول أم للثاني، وهل تأخير الثمن يمنع البيع الأول أم لا؟
(أجاب) البيع للأول، وليس للثاني بيع، فجميع ما يأخذه الثاني يكون غصبا يضمنه للأول بأقصى القيم؛ لأنه غاصب، وتأخير الثمن لا يبطل عقد البيع الصحيح، والله أعلم.
مطلب: لو طلب البائع من المشتري زيادة عن الثمن ليس له ذلك .. الخ .
(سئل) عن رجل باع ثورا لآخر بستة عشر قرشا، ولم يقبضه وقبض من الثمن اثني عشر قرشا، ثم تقلب على المشتري وطلب منه الزيادة على ذلك فزاده المشتري قرشا ونصفا وقبضه، ثم طلب منه زائدا على ذلك، فما الحكم الشرعي؟
(أجاب) الواجب على المشتري، إنما هو الثمن الأول، وهو الستة عشر لا غير، فلا يجوز للبائع طلب غيرها، وإن أخذ شيئا زائدا رده عليه، والله أعلم.
مطلب: باع أشجار الرجل ثم ادعى أن الثمن بدون ثمن المثل فهل لا تسمع دعواه ؟
(سئل) عن رجل اشترى من آخر أشجار زيتون بثمن معلوم مستوفيا شروط البيع من الرؤية، ورشد العاقدين والقدرة على التسليم وغير ذلك فاستغله المشتري أربع سنين، ثم يدعي البائع أنه باع بدون ثمن المثل والحال أن الشراء بثمن المثل، ولكن الوقت وقت قحط وارتفاع أسعار، فهل يجاب لدعواه أو لا؟
(أجاب) لا تسمع دعوى البائع المذكورة، وإن فرض أنه باع بدون ثمن المثل بغبن فاحش؛ لأنه متصرف في ماله له أن يهبه بغير مقابل، فكيف بالبيع فحيث كان رشيدا لا تقبل دعواه على أن البيع مختلف القيم غلاء ورخصا، والله أعلم.
مطلب: لو أن المشتري أقال البائع واسترد المبيع ليس له الرجوع بعده .. الخ .
(سئل) في رجل باع أرضا لآخر ميمسة خوفا عليها؛ لأنه خرج من بلده، ثم عاد لبلده، ثم إن الرجل المشتري لها أقال البائع فيها، وتصرف فيها نحو سنتين، والآن يعارضه فيها، فهل له ذلك أو لا؟
(أجاب) حيث إن المشتري أقال البائع بطل حقه، وليس له معارضة صاحب الأرض بوجه؛ لأن الإقالة شريعة معمول بها ترفع العقد، كما أن البيع يثبت العقد، والله أعلم.
مطلب: رجل ادعى على وارث أن وارثه لم يدفع له ثمن ما اشتراه وأقام بينة، ثم إن الوارث وجد بينة تشهد بدفع الثمن .. الخ .
(سئل) في رجل ادعى على آخر أنه باع أباه الميت فرسا واعترف بالسداد وثبت ذلك ببينة، ثم بعد ذلك وجد المدعى عليه بينة أن أباه الميت سد ثمن الفرس، فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) حيث كان الاعتراف بناء على أن الأب لم يسد ثمن الفرس، ثم ظهر الوجه الشرعي سداد الأب، فلا يلزم الابن سداد ثمن الفرس لتبين أن الحق غير لازم له، والله أعلم.
(سئل) في رجل باع لآخر ثورا سالما من العيوب ومضى على ذلك نحو ستة أشهر والمشتري يستعمل الثور حرثا ودرسا، ثم ظهر به عيب، ويدعي المشتري أنه شرط على البائع أنه إن ظهر به عيب
стр. 119
قبل مضي سنتين يرده، فهل له رده بهذا الشرط والحالة هذه أو لا؟
(أجاب) حيث وقع العقد للبيع والثور سالم من العيوب، ولم يعلم به البائع عيبا باطنا، فليس له رده على المشتري؛ لأن الحيوان يفتدى في الصحة والسقم وتحول الطبائع، فقل ما ينفك عن عيب ظاهر، أو خفي، ولا عبرة بهذا الشرط المنافي لمقتضى العقد، والله أعلم.
مطلب: من باع حصة أخيه بغير إذنه بغيابه وحضر واطلع على البيع لكنه لم يقدر يتكلم خوفا من المشتري .. الخ .
(سئل) في ثلاثة إخوة ورثوا من أبيهم دارا، فواحد من الإخوة سافر إلى الحجاز، عمرها الله تعالى، فباع أخواه جميع الدار من غير إذن منه لهما، ولا لغيرهما، ولا وكالة، ثم جاء الرجل وله نحو سنتين مطلعا على هذا البيع وشاهد الدار، ولم يدع بحصته منها لقوة المشتري وضعفه، فهل تبطل دعواه، وهل حكم الحاكم بذلك حق؟
(أجاب) حيث لم يصدر من الأخ الغائب إذن، ولا وكالة بالبيع، فالبيع في حصته باطل، فيجب على المشتري أن يسلم له ثلث الدار إن لم يفسخ البيع؛ لأن له الخيار بذلك، فإن فسخه رجع بالثمن على البائعين، ورجعت الدار لأهلها بحكم الإرث، وأما وجود الرجل هذه المدة من غير دعوى، فلا يبطل حقه بذلك، سواء وجد فيه الضعف أم القوة؛ لأن وقوع البيع باطل في حصته لا يرجع بالتأخير إلى الصحة، وقد وقع لي أني رأيت ملكين من أطول الرجال، وعلى رأسهما كتابان يريدان الطلوع بهما إلى السماء، وأنا أبكي وأقول: نحن نعمل بما فيهما، وكأنهما يقولان: إن الناس لا تعمل بهما، كل ذلك من تغير الشرع، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنما كتبت ذلك حتى يشيع لعل الله تعالى أن يرحم المسلمين خوفا من حلول بلاء بالناس، ولا سيما المغيرون والمبدلون، فإن لم يغيروا في الدنيا فلا بد من التغيير في الآخرة، وكأنهم من الموت آمنون ومن لقاء الله آيسون، ومن غضب محمد سالمون، كلا إنهم مسئولون عما هم عاملون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فحكم الحاكم بذلك باطل، والله أعلم.
مطلب: وضع رجل صابونا عند آخر أمانة وقال له وزنه كذا، وعند استلامه قال نقص عن وزنه الأول فهل لا يقبل قوله .. الخ .
(سئل) في رجل وضع عنده أربع قناطير من الصابون على قول الواضع فمكث عنده نحو ثمانية أشهر، ثم اشتراها فوزنها حالا، فلم تبلغ القدر المخبر عنه الواضع، فهل النقص يلزم البائع أم المشتري لكونه موضوعا تحت يده؟
(أجاب) لا ريب أن الصابون يعتريه النقص؛ لما يطرأ عليه من الجفاف، فإن فرض أنه كان جافا للغاية، فلا يعمل بقول الواضع؛ لأنه يدعي شيئا لنفسه فالنقص من ضمان البائع؛ لما علم، فإن اتهم الموضوع عنده الذي هو الأمين المشتري له كان للبائع تحليفه، والله أعلم.
مطلب: من باع ملك غيره بغير إذنه فالبيع باطل .
(سئل) في ثلاثة رجال بينهم ست زيتونات شركة دفعها واحد منهم لزوجته، ثم باعها عمها من غير إذنها، فهل البيع باطل ولأهلها الأصليين الرجوع في ريعها؟
(أجاب) بيع عم الزوجة باطل ودفع الشريك حصة شركائه في المهر
стр. 120
باطل أيضا، وللشركاء الرجوع بالريع على كل من أكله كائنا من كان، والله أعلم.
مطلب: يلزم البائع أن يقبض ثمن المبيع حكم يوم العقد، وإن زادت الدراهم أو نقصت بعده لا عبرة بذلك ومثله جميع العقود .
(سئل) فيما وقع في سنة اثنين وثلاثين ومائة وألف من تغيير السلطان نصره الديان للمعاملة، وقد وقع للناس بسبب ذلك اختلاف كثير، فمن ذلك أن رجلا ابتاع متاعا من آخر بقروش معلومة مؤجلة لمدة معلومة من غير أن يعين في البيع ذهبا، ولا فضة، ولا ريالا، وأن رجلا ابتاع كرما، أو دارا بثمن معلوم مقسط في كل سنة حصة معلومة منه، وأن رجلا طلق زوجته واختارت الصبر عليه لأجل معلوم، وأن رجلا تزوج امرأة قبل تغيير المعاملة، وأن رجلا استأجر أجيرا بأجرة معلومة قبل النداء بتغيير المعاملة، وأنه إذا كان قد آجر دارا، أو دابة، أو حانوتا، أو نحوها قبل النداء بالتغيير، وأن امرأة كتب في مهرها مائة دينار عن كل دينار أربعين مصرية، وأن امرأة كتب في مهرها مائتا قرش إلى غير ذلك من الوقائع المختلفة، فهل العبرة في ذلك بيوم العقد الذي وقع البيع والإجارة والنكاح والطلاق فيه؛ لأن معاملته هي المرادة للمتعاقدين والمنوية لهما، أو بيوم الاستيفاء؛ لأنه الذي يستحق الطالب الطلب فيه، ويلزم المطلوب الدفع فيه، أوضحوا لنا الجواب؟
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن جميع ما وقع قبل النداء من عقود البيع والشراء والإجارة والنكاح، وعوض الخلع ودين الإتلاف، وسائر المعاملات، إنما يحمل على المعهود المعروف بين الناس، فإن اختلف المال في نقدين رجع للأغلب منهما معاملة بين الناس، وإن كان لهم عرف في التغيير عنه بشيء رجع إليه، كما يعبر في دمياط عن الريال بثلاثة وثلاثين فضة وفي الشام عن القرش العددي بأربعين فضة وفي القدس وكورتها يعبر عنه بثلاثين فضة، ولكن المعتبر في ذلك كله الصاغ مضبوط لا يزيد، ولا ينقص بخلاف الفضة المتعامل بها الآن، فإنها مقصوصة ليس لها ضابط شرعي، ولا عرفي بوزن، ولا عدد.
إذا علمت ذلك فالواجب لكل معامل من وقع من السؤال، أو غيره، سواء كان دينه حالا أم مؤجلا هو ما كان يتعامل به من الصاغ، فيأخذ الزلطة بخمسة وأربعين أو ستة وأربعين ويأخذ الطرلي بمائة وسبعين فضة، والريال بمائة والجنزرلي بمائة وأربعة وثمانين وخمسة عشر، وهكذا باقي المعاملة. هذا كله لمن كان ماله عدديا، فإن كان معبرا عنه بالزلط والريال والكلب والذهب، فليس له غيره، سواء كان حالا أو مؤجلا ثمن مبيع، أو أجرة، أو صداق، أو قرض، أو غير ذلك، وأما مهور النساء المعبر عنها قبل النداء بالذهب المراد من كل واحد ذهب أربعون فضة، فليس له إلا ما كان قبل النداء من الصاغ، يعبر عنه بأربعين فضة من المعاملة السابقة الديواني الصحيح المضبوط، فتأخذ بسوية أرباب الديون السابقة،
стр. 121
والله أعلم.
مطلب: المقبوض على رسوم الشراء مضمون على المشتري بأقصى القيم .. الخ .
(سئل) في رجل طلب جارية، وولديها يسومهم فأرسلهم البائع فمكثوا عند السائم نحو سبعة أشهر، ثم إنه رد الجارية وبنتها بالجدري، في حالة التلف، فماتت الأم بعد سبعة أيام، وبنتها باقية في المرض لا يعلم حالها، فما الحكم الشرعي أفد جوابا تعط ثوابا؟
(أجاب) صرح العلماء الأعلام بأن المأخوذ بالسوم مضمون على آخذه، ولا ريب أن السوم كناية عن مدة التأمل في البيع، وهي مدة يسيرة تعلم عرفا، فمكث الجارية وولديها هذه المدة غصب لهم، فيضمن الآخذ لها ما نقص منها ومن ولديها بأقصى القيم ضمان غصب؛ لما تقرر فيقومون سالمين من المرض وبالمرض ويضمن الآخذ النقص بأقصى القيم، كما يفهم ذلك من ليس في القن كالمستعير من القن، والله أعلم.
مطلب: بينة مدعي الشراء تقدم على بينة الرهن .
(سئل) في رجل تحت يده زيتون يدعي أنه اشتراه من مالكه بدين كان في ذمته، وله نحو عشرين سنة يتصرف فيه ومالكه الأول يدعي أن تحت يده بينة تشهد له بالرهن، والأول يدعي أنه بالبيع ويقيم على ذلك بينة أيضا، فمن تقدم بينته منهما؟
(أجاب) بينة مدعي الشراء مقدمة على بينة مدعي الرهن؛ لأن بينة البيع لا تعارضها، لجواز بيع المرهون لمن هو تحت يده حتى لو أقر واضع اليد بالرهن، ثم ادعى الشراء يصدق بالبينة؛ لما ذكر، والله أعلم.
مطلب: بيع المعتوه والمعتوهة باطل .. الخ .
(سئل) في امرأة معتوهة خرفانة كبيرة السن عمياء، باعت نصف كرم لها بثمن بخس لا يبلغ خمس قيمته بقول المشتري لها: إن قيمته الثمن المعين، في غيبة وليها وماتت بعد أشهر، وهي على تلك الحالة عن وارثها الغائب، فهل بيعها موقوف على إجازة وليها الوارث؟
(أجاب) لا ريب أن هذا البيع باطل؛ لأن بيع الأعمى في كل ما شرط فيه الرؤيا باطل، وقد قال ابن حجر: وعلم مما تقرر أن كل عقد اشترطت فيه الرؤية لا يصح من الأعمى؛ ولأن المعتوهة الخرفانة مختلة العقل، وذلك يقتضي الفساد أيضا، فالبيع فاسد من وجهين، والله أعلم.
(سئل) في رجل باع آخر حملا بثلاثين قرشا عدديا قبل تغيير المعاملة بالنقص، ثم عرف الجمل وأثبت، فهل اللازم للبائع ما قبض المشتري، أو قيمة الجمل يوم إثباته؟
(أجاب) إن الجمل لما تبين أنه مستحق للغير تبين بطلان البيع، فيرجع المشتري على البائع بما قبضه منه، كل شيء بعينه من ذهب وفضة وغيرها؛ لأنه وضع يده على ماله بغير حق، ولا شيء له أزيد من ذلك حتى إنه يأخذ المعاملة بما قبل النداء والتغير، حتى كأن البيع قبله، والله أعلم.
(سئل) في رجل ذمي اشترى نصف دار هو وزوجته وعملا حيلة في إسقاط الشفعة ومضى على ذلك نحو أربعة أشهر فظهر جار يريد الأخذ بالشفعة، فهل له ذلك، أو لا؟
(أجاب) هذا الجار ليس له شفعة لأمور منها ما اتفق عليه الإمامان العظيمان أبو حنيفة قدس سره، والشافعي عز قدره
стр. 122
وهو الحيل في إسقاط الشفعة، فإنها معمول بها عندهما وله صور كثيرة معمول بها مذكورة في كتب الفقه، ومنها عند الشافعي أن الجار لا شفعة له؛ لأنها لا تكون عنده إلا لشريك، ومنها أن يشترط عند الفور في الأخذ بها، فظهر أن هذا الجار لا شفعة له عند الإمامين المذكورين، والله أعلم.
مطلب: من باع ملكه ليس لأحد معارضة فيما باعه .. الخ .
(سئل) في امرأة لها على زوجها مال، وقد تزوج عليها، فطلبت مالها منه، فعوضها عن مالها حصة أشجار زيتون، وتصرفت فيها، ثم باعتها لولدها، فهل لإخوته أن يعارضوه فيما اشتراه من أمه الذي باعه لها زوجها بدراهمها التي لها عليه؟
(أجاب) حيث إن زوج المرأة عوضها الزيتون، صار ملكا لها لأخذها إياه بما لها من الدين، وصح بيعها له لولدها؛ لأنه ملكها، وليس لإخوته معه علاقة أصلا، والله أعلم.
مطلب: بينة بيع البات مقدمة على بينة بيع الوفاء .. الخ .
(سئل) في رجل بيده حجة شرعية بمشتري طبقة وبيت ومعه بينة تشهد له بذلك، والآن البائع يدعي أن ذلك بيع وفاء الذي له حكم الرهن عند السادة الحنفية، فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) لا ريب أن بينة مدعي البيع البات مقدمة على بينة مدعي بيع الوفاء؛ لأن بينة الوفاء إن قدمت تاريخها، فلا تنافي البيع الواقع بعده؛ لأن المرهون يباع لا سيما للمرتهن، وإن تأخر تاريخها، أو قارن فيقدم البيع البات؛ لأن قائله يدعي الصحة ومدعي الوفاء يدعي الفساد، ومدعي الصحة مقدم هذا إذا جارينا مذهب الإمام الأعظم من صحة بيع الوفاء بمعنى الرهن وإلا فهو باطل عند إمام الأئمة الشافعي، والله أعلم.
مطلب: من تصرف في عقار نحو ستين سنة هو وأبوه وجده من دون معارض، والآن يدعي رجل أنه كان رهنا عند بنت عمه فهل لا تسمع دعواه؟ الخ .
(سئل) في رجل بيده غراس زيتون يتصرف فيه تلقاه عن أبيه عن جده نحو ستين سنة، والآن رجل أعرابي يدعي أنه كان رهنا عند بنت عم له، وقد ماتت وخلفت ولدا، ثم مات الولد وله عصبة، فهل يصغى لقول الأعرابي المذكور؟
(أجاب) دعوى هذه الأعرابي باطلة بإجماع المسلمين لوجوه: أما الأول فلأنه غير وارث لهذه المرأة، وأما الثانية فلأن وضع يده هذه المدة مع تصرفه المذكور مشعر ببطلان دعواه، وأما الثالث فلو ورد الأمر السلطاني بأن القاضي ليس له أن يسمع دعوى فيما فوق خمس عشرة سنة دفعا لمادة الفساد والانتقاد، فليتق الله تعالى هذا المدعي هذه الدعوى قبل أن تحل به البلوى، أو تأخذه الشكوى ورائحة الحق تفوح وتفور والباطل يفور، ثم يغور بأهله إلى أسفل سافلين فورب العالمين أنه الحق اليقين، وما لهم من شافعين، والله أعلم.
(سئل) في امرأة تملك بيتا، ولها بنت وأخ وأخت باعت البيت لابنتها، ثم ماتت عن ذكر، فادعى الأخ أن البيع كان تلجئة والبنت تنكر ذلك، فهل إذا أقام الأخ بينة أن البيع كان تلجئة لأجل حرمانه الإرث تسمع دعواه، وتقبل بينته وله أخذ ما يستحقه في إرث أخته بالفريضة الشرعية أو لا؟
(أجاب):
стр. 123
لا ريب أن بيع التلجئة صحيح، كما نص عليه أئمتنا؛ لأنه بيع صحيح مستوف لجميع الشروط نص على ذلك في العباب، ويسمى في بلاد الشام بيع الميمسة أي بيع المواطأة، فلا تضره المواطأة، والله تعالى أعلم.
مطلب: رجل له عند آخر دين .. الخ .
(سئل) في رجل له عند آخر دين، فاتفق معه أن يدفع له ثورا بذلك موصوفا بصفات معلومة، ولم يره الدائن، ثم بعد ذلك ساقه المدين إلى بلد الدائن فهرب الثور فجاء المدين وأخبر الدائن ففزعا جميعا في طلبه، فظفر به الدائن فجاء به إلى قرية أخرى ووضعه عند رجل أمانة، فسرق في تلك الليلة، فهل يكون الدائن ضامنا لكونه تسلمه في غرض نفسه أم لا؟
(أجاب) حيث إن الدائن استولى على الثور وأخذه عن دينه، وإن لم يقع بينهما صيغة بيع؛ لأنه أخذه لغرض نفسه، فهو ضامن له بقيمته، كما لو أخذ متاعا للسوم، فإنه يكون ضامنا له بالقيمة، وهنا كذلك الآخذ للثور لأجل غرض نفسه ضامن له، والله أعلم.
مطلب: رجل اشترى ثورا .. الخ .
(سئل) في رجل اشترى ثورا باثني عشر قرشا، ثم مات المشتري وأخذ البائع الثور حراسا، وادعى أنه باع ولم يقبض الثمن، ثم ظهر مع الوارث شهود بأن المشتري دفع الثمن للبائع، وله سبع سنين يستعمله، فما الحكم الشرعي؟
(أجاب) حيث ثبت أن الميت دفع الثمن كان للوارث أجرة الثور هذه السبع سنين، ويرجع فيه إن كان موجودا، وإن حصل فيه نقص بتغير ونحوه رجع به أيضا، والله أعلم.
مطلب: والد باع دارا كان اشتراها من ماله لولده .. الخ .
(سئل) في والد باع دارا كان اشتراها من ماله لولده بغير مسوغ لبيعه شرعا، ثم إن المشتري لها عمرها وغرم عليها مالا، ثم نزعت منه بإبطال بيع الوالد، فهل للمشتري الرجوع بما غرم وعلى من يكون رجوعه؟
(أجاب) نعم للمشتري الرجوع بما غرمه؛ لأنه لم يبذل ماله مجانا، وإنما بذله بناء على ملكه المحل، فلما تبين أنه للغير كان له الرجوع على من غره وباعه غير ملكه قياسا على رجوع السيد بقيمة ولد أمته الذي غر الزوج بحريتها إذ لا يمكن الرجوع على الولد؛ لأنه قاصر، ولم يأذن أيضا، ولا يمكن أن يضيع مال الرجل؛ لما مر، فتعين على الغار طريقا في الضمان، والله أعلم.
مطلب: رجل دفع لجماعة برا .. الخ .
(سئل) في رجل دفع لجماعة برا معلوما، وهو يدعي أنه باعه لهم بثمن معلوم، وهم يدعون أنه أقرضه لهم قرضا بمثله، ويريد أن يقيم على ذلك شهودا غير عدول، وهم يطلبون يمينه، فهل لهم ذلك؟
(أجاب) قال في العباب عطفا على ما قبل: أو ثم قال للقاضي لا تحكم حتى تحلفه لم يقدح فيها، ويجيبه إلى تحليفه، فعلم أن المدعى عليه إذا طلب تحليف خصمه له ذلك، ولو أقام الخصم شهودا عدولا، وأما غير العدول، فلا تقبل شهادتهم، والله أعلم.
مطلب: رجل اشترى من آخر طاحونة .. الخ .
(سئل) في رجل اشترى من آخر طاحونة بثمن معلوم، ثم مضى مدة نحو ثلاثة أشهر، ثم باعها البائع لآخر يدعي البائع أنه باعه كرها
стр. 124
والمشتري الثاني يدعي أن البائع ما قبض الثمن، وأن المشتري الأول مطله بالثمن، فلمن يكون البيع؟
(أجاب) لا ريب أن البيع واقع للمشتري الأول، سواء مطل الثمن أم قبضه؛ لأن المطل لا يبطل البيع، ولا يصير ما وقع صحيحا فاسدا، والبيع الثاني باطل، سواء باع البائع باختياره أم مكرها؛ لأن بيعه للأول انتقل به الحق للأول وصار البائع الأول أجنبيا عن الطاحون فجميع تصرفه فيه باطل، فالطاحون باقية على ذمة الأول، والله أعلم.
مطلب: رجل دفع لآخر قماشا مختلف الأشكال .. الخ .
(سئل) في رجل دفع لآخر قماشا مختلف الأشكال وأقامه عليه بمبلغ زائد عن ثمن مثله بغبن فاحش، فقبله المدفوع إليه بالغبن الفاحش بشرط أن رب القماش يكمل له فوق القماش دراهم نقدا، ويضيفها لثمن القماش ويعمل له بجميع المبلغ أربع طبخات صابونا، ويحسب ثمنها بسعر فصل التجار للصابون في ذلك العام، فتسلم منه القماش على الشرط المذكور وعمل المدفوع إليه القماش طبخة واحدة وثلث طبخة، فتسلم الرجل الصابون، ولم يكمل للمدفوع إليه دراهم نقدا، كما صار الشرط بينهما، ولم يفصل ثمن الطبخة وثلث التي تسلمها، فطالبه المدفوع إليه القماش أن يكمل له دراهم على ثمن الأربع طبخ صابون التي صار الشرط بينهما عليها، فلم يكمل له، وتعهد أن يكمل له بذلك زيتا من عنده ففات أوان الزيت، ولم يكمل له زيتا، ولا دراهم، فهل والحالة هذه قبول المدفوع إليه القماش بالغبن الفاحش على الشرط المذكور صحيح أم فاسد، ولا يلزمه أن يعمل لرب القماش صابونا وله رد القماش على صاحبه إن كان باقيا، وإن استهلك منه شيء يلزمه قيمة مثله، والقول قوله في القيمة وله استرداد الطبخة والثلث صابونا حيث كان باقيا أو لا؟
(أجاب) بيع القماش بالشرط المذكور مع شرط عمل الصابون بالمبلغ فاسد، كما نص عليه الأئمة أن كل بيع وشرط فاسد إلا ما استثني، وهذا ليس منه، ووجه بطلانه جعل الدراهم وما فيها من الرفق للآخذ، وكذلك عمل الصابون مقابلا بحصة من ثمن القماش الزائد على قيمته، وذلك الرفق والعمل مجهولان، وانضمام مجهول إلى معلوم يصير الجميع مجهولا، فلم يصح عقد البيع للقماش، فيلزم الآخذ رده إن بقي وبدله باعتبار القيمة إن تلف، وأما الطبخة وثلث من الصابون، فإنها باقية على ذمة مالكها لأنه، إنما دفع ذلك بناء على صحة بيع القماش، وقد بان فساده فرجع القماش لمالكه ورد الصابون لمالكه؛ لأن المبني على الفاسد فاسد، والله أعلم.
مطلب: رجل سام من آخر مهرة وأخذها ليركبها وينظر أحوالها
(سئل) في رجل سام من آخر مهرة وأخذها ليركبها، وينظر في أحوالها كما هي العادة، وكانت حاملة عند صاحبها، فوضعت عند الرجل حصانا، ومكثت عنده قريبا من سنة فربط ابنها عند فلاح على النصف، وأخذ يركبها، ويحمل عليها، ويؤجرها
стр. 125
المدة المذكورة، فحدث من ذلك بها عنده جراحات في ظهرها وداء المغلة فكواها، ولم يأذن له في ذلك كله، ثم أرجعها إلى صاحبها فبسبب ذلك هلكت عند صاحبها، هل يلزم الرجل المذكور ضمانها، وهل لصاحبها أن يأخذ ولدها جميعا مجانا، ولا عبرة بما فعله من دفعه للفلاح على النصف، ويلزمه إحضاره وتسليمه ليد صاحب المهرة أم كيف الحال؟
(أجاب) لا ريب أن المأخوذ بالسوم مضمون، كما نص عليه الرملي وغيره، فالفرس مضمونة على آخذها حتى يردها، وتصرفه فيها زيادة على مدة السوم يصير بذلك غاصبا، ولا سيما إن طلبها مالكها فأبى، ويضمن حينئذ منافعها لتعديه؛ لأن زمن السوم يسير بحيث يتأملها ويعرضها على أهل المعرفة، ويضمن ما حدث فيها من عيب أيضا، ويجب عليه رد ولدها المضمون له أيضا، ولا سيما بالتعدي وتسليمه للغير من غير إذن مالكها، وأما الآخذ للحصان فله الرجوع على الدافع له بأجرة عمله؛ لأنه لم يعمل مجانا، والله تعالى أعلم.
مطلب: رجل باع آخر بذر ذرة .. الخ .
(سئل) في رجل باع آخر بذر ذرة ليزرعه ومضى على ذلك مدة نحو ثلاثين سنة، والآن يدعي أن ذلك البذر لم ينبت؛ لأنه زرعه، ولم ينبت، ويدعي على البائع بثمن الغلة ومنفعة الأرض وتعبه وتعب دوابه، مع أن البائع بذر من تلك الذرة واستغلها، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
(أجاب) دعوى هذا الرجل المشتري لبذر الذرة باطلة عاطلة لا تسمع شرعا، ولا عرفا لعدم جريانها على موجب الشرع، أما الأول، فلعدم شرط الإنبات، حتى لو شرط الإنبات وشهد خبيران أنها لا تنبت، كان له الرد بالعيب. الثاني من أين يعلم أنها لم تنبت. الثالث: أن الإنبات بيد الواحد القهار لا بيد بائع، ولا غيره. الرابع أن الدعوى بعد هذه المدة توجب لمدعيها البلوى؛ لأنه فتح باب فساد وعناد يخشى على المدعي الغضب من رب العباد. الخامس الغلة، وهي بيد الله تعالى، وكيف يلزمه تعبه وتعب دوابه، وهو لم ينتفع بها، وهل نسب عدم الإنبات للأرض، أو لقلة العمل أو من مليك السماوات والأرض، فليتق الله المدعي لهذه الأباطيل، ولا يطيل.
وعبارة ابن حجر اختلف جمع متأخرون فيمن اشترى حبا للبذر بشرط أنه ينبت، والذي يتجه فيه أنه إن شهد قبل بذره لعدم إنباته خبيران، تخير في رده، فإن انتفى ذلك كله بأن بذره كله، فلم ينبت شيء مع صلاحيته، وتعذر إخراجه منها، أو صار غير متقوم، أو حدث به غيره فله الأرش، وهو ما بين قيمته حبا نابتا وحبا غير نابت، والله أعلم.
مطلب: رجل اشترى من آخر شوالا من الدخان على أنه جبلي فظهر بخلافه .. الخ .
(سئل) في رجل اشترى من آخر شوالا من الدخان بناء على أنه من دخان جبله فأخذه لمصر، ثم فتحه فوجده نوعين جبليا ورملاويا، وهو أقل من الجبلي، فما الحكم الشرعي؟
(أجاب) بيع الدخان في داخل الشوال لا يصح؛ لأن رؤية بعضه لا تدل على رؤية الباقي؛ لأنه لا بد من رؤية
стр. 126
المبيع جميعا، فالمصدق هو المشتري بيمينه؛ لأنه غارم والغارم مصدق بيمينه، والله تعالى أعلم.
مطلب: رجل باع لآخر حصة من دار .. الخ .
(سئل) في رجل باع لآخر حصة من دار وقبض الثمن بيعا باتا، ثم وعده إن رد له الثمن يرد له البيع ومات البائع، فهل يعمل بهذا الوعد؟
(أجاب) الوعد لا يلزم الوفاء به، سواء مات البائع أم لم يمت، وفى الثمن أم لا، فحيث وقع عقد البيع صحيحا، وتفرقا من المجلس لا يلزم المشتري أن يرد المبيع على البائع، والله أعلم.
مطلب: شريكان توجها إلى جهة البلقاء .. الخ .
(سئل) في شريكين توجها إلى جهة البلقاء ليبيعا ما معهما من التجارة فرجع أحدهما وبقي الآخر، فجاء بجمل يدعي أنه للشركة، ثم ظهر أنه مستحق للغير، فأخذه هو وشريكه ورداه على المأخوذ منه، ثم أثبت الجمل مستحقه، وقد قال له جماعة عند أخذه: هذا الجمل حرام، ليس هو من جمال العرب، بل من جمال الحضر. والآن مالك الجمل يطالبه به، فهل يختص الغرم به لكونه الآخذ للجمل مع قول الجماعة له أنه حرام، أو يغرم معه شريكه؟
(أجاب) حيث علم الرجل إما بإخبار الجماعة له، وإما بالقرينة الدالة على أنه حرام لم يصح الشراء، ولا البيع؛ لأن الحرام لا يباع، ولا يشرى، وإذا كان كذلك لم يقع البيع، ولا الشراء للشركة لفساده، فوضع يد الرجل الشريك على الجمل المستحق للغير مضمن له فقط؛ لأنه وضع يده عليه بغير حق، ولا ضمان على شريكه الذي لم يشتر الجمل؛ لأنه لم يستول عليه. نعم إذا غرم الشريك الآخذ للجمل كان له الرجوع على الدافع للجمل له؛ لأن قرار الضمان عليه، والله أعلم.
مطلب: باب الربا .
(باب الربا)
مطلب: رجل دفع لآخر خمسة وعشرين قرشا .. الخ .
(سئل) في رجل دفع لآخر خمسة وعشرين قرشا من مدة من السنين، وفي كل سنة يبيعه شيئا ليكون حيلة في التخلص من الربا، ثم إن المدين كان يدفع للدائن في كل سنة ما حصلت عليه الموافقة، والآن يطالب الدائن المدين بأصل المال، فقال له المدين: ليس لك عندي شيء، فهل يحسب ما أخذه الدائن من رأس المال أو مما وقعت عليه الحيلة، ويطالب بأصل المال؟
(أجاب) حيث كان ما يأخذه الدائن من المدين بعقد بيع، ولو كان حيلة ليتوصل بذلك إلى الحل كان ذلك كإنزاله، فلا يحسب عليه من رأس المال، بل يجب على المدين وضع رأس المال له، والله أعلم.
(سئل) في رجل تحت يده مال وقف يدفع في كل سنة ربحه من غير معاملة، ولا حيلة شرعية، فهل هذا لازم له يحسب عليه دفعه أو لا، أو يحسب ما دفعه من رأس المال؟
(أجاب) هذا ربا الفضل، وهو باطل إجماعا لا يجب العمل به ويجب رد ما أخذه على مالكه؛ لأنه أخذ بغير حق، وإن كان بذمته مال الوقف أو غيره يجب عليه أداؤه لمستحقه، والمأخوذ منه يرجع به على قابضه. والله
стр. 127
أعلم.
مطلب: رجل أخذ من آخر ثلاث جرار من الزيت .. الخ .
(سئل) عن رجل أخذ من آخر ثلاث جرار من الزيت بتسعة قروش عددي مؤجلا ذلك، ثم مات وطلبها من أخيه فجعلها عن نفسه من غير رضى الأخ على ثماني عشرة جرة، ثم جعلها على ثلاثين جرة، ثم جعل عنها ستين قرشا وأخذ عليها بيتين رهنا، فهل يعمل بذلك أو لا؟
(أجاب) ما ذكر من جعل التسعة قروش على الزيت المذكور وجعله أيضا على زيت، وجعله على دراهم باطلة بإجماع المسلمين، وإن رضي الأخ؛ لأنه ربا ملعون آكله وموكله وشاهده وحاضره، ولا يصح أن يكون سلما؛ لأن شرطه أن يكون رأس المال حاضرا، فلا يجوز لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ويعد نفسه من الأمة المحمدية أن يعمل، ويجب على كل مسلم إنكاره والزجر عنه، ويثاب على ذلك، والله أعلم.
مطلب: رجل أخذ من آخر عشرين قرشا بالمرابحة الخ ..
(سئل) في رجل أخذ من آخر عشرين قرشا، وجعل لها ربحا كل سنة عشرة قروش فأخذ منه نحو ستين قرشا، ثم مات الآخذ وخلف وارثا، ولم يخلف سوى بيت، والآن يطالب الدافع الوارث بثلاثين قرشا أصلا وربحا، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
(أجاب) ما ذكر ربا بإجماع المسلمين، آخذه ملعون على لسان محمد ﷺ آذنه تعالى بالحرب، فهو هالك في الدنيا والآخرة، يخشى عليه سوء الخاتمة، قال تعالى﴾ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴿، فيجب على الرجل الآخذ أن يدفع للوارث أربعين قرشا؛ لأنها الزائد له ويأخذ العشرين التي هي الأصل، ولا يجوز طلب زيادة عليها؛ لأنها ربا محض لم يحل في شريعة أصلا لا شريعة اليهود، ولا النصارى، ولا أهل الإسلام، فيجب على كل مسلم مؤمن بالله واليوم الآخر منع الرجل المذكور من طلب الزيادة، فإن لم يمتنع، فعلى الحاكم أيده الله تعالى منعه، فإن لم يمتنع عزره بما يليق به، والله أعلم.
مطلب: رجل له كرم وعليه لوازم لليد عشرة قروش، أذن لآخر .. الخ .
(سئل) في رجل له كرم وعليه لوازم لليد عشرة قروش، أذن لآخر أن يدفعها عنه، وشرط عليه أن يأكل غلة كرمه بشرط حرثه وإصلاحه، ولم يفعل، فعل يحل له ذلك، وإذا أخذ من الكرم شيئا يغرمه؟
(أجاب) ليس للرجل غير العشرة قروش، ولا يحل له أن يأكل من الكرم شيئا؛ لأنه ربا ملعون آكله وموكله وشاهده على لسان محمد ﷺ ، فإذا أكل منه شيئا غرمه لصاحبه؛ لما علم، ولا عبرة بالشرط المذكور؛ لأنه باطل، وإن رضي به صاحب الكرم؛ لأنه على خلاف مراد الشرع، والله تعالى أعلم.
مطلب: رجل اشترى مصحفا وقمحا ودفع له المشتري جرة زيت .
(سئل) في رجل اشترى مصحفا وقمحا من آخر، ثم إن المشتري دفع للبائع جرة زيت، ولم تقع صيغة بيع لا من المشتري ولا من البائع، ثم إن المصحف تبين أنه وقف، فهل إذا أبطلتم البيع يرجع المشتري فيما دفعه أو لا؟
(أجاب) نعم البيع فيما
стр. 128
ذكر باطل ويرجع المشتري بما دفعه للبائع؛ لأن المبيع لا بد له من إيجاب وقبول، وبيع المصحف الوقف باطل أيضا، ويرجع البائع أيضا في القمح، والله أعلم.
مطلب: رجل اشترى نصف محل بحقوقه ومرافقه .. الخ .
(سئل) في رجل اشترى نصف محل بحقوقه ومرافقه، وما نسب إليه شرعا، ولها ساحة داخلة في حدودها منصوص عليها في البيع أن نصف الساحة داخل في البيع بموجب حجة شرعية، فهل للغير منازعة في ذلك، وهل إذا كان لها استطراق وحدث فيه بناء ينتفع به يكون على قدر الحصص؟
(أجاب) لا ريب أن استطراق الدار وساحتها داخلان في البيع عند الإطلاق فكيف، وقد نص على ذلك حتى لو نفى ذلك من عقد البيع، وكان يتوقف الانتفاع عليهما كان البيع فاسدا لعدم الانتفاع فوجب أن تكون ساحتها الداخلة في حدودها واستطراقها داخلين في البيع، وكان للمشتري نصفها ينتفع به على الوجه العادي بسائر وجوه الانتفاع، وله أيضا نصف الاستطراق ومنافعه لدخوله في ملكه، والله أعلم.
مطلب: رجل أخذ زيتونا على الشجر بمائة جرة زيت .. الخ .
(سئل) في رجل أخذ زيتونا على الشجر بمائة جرة من الزيت، ثم جاء آخر وأشركه فيما أخذ، ثم ذهب أيضا وأخذ من المالك، فهل هذا الضمان صحيح، وإذا قلتم لا، فما الحكم الشرعي؟
(أجاب) إن هذا الأخذ باطل، سواء وقع بلفظ البيع أم الضمان؛ لأنه نوع من الربا، لقولهم لا يباع الشيء بما اتخذ منه والزيت متخذ من الزيتون، فيرجع كل من الرجلين على المالك بأجرته، ويأخذ هو جميع ما خرج من الزيتون، وإن أكل الرجلان منه شيئا غرماه له، والله أعلم.
مطلب: رجل استدان من امرأة دراهم معلومة، وجعل لها ربحا .. الخ .
(سئل) في رجل استدان من امرأة دراهم معلومة، وجعل لها نظير صبرها عليه ربحا من الدراهم، فهل يلزمه دفع ذلك الربح؟
(أجاب) حيث لم يكن في ذلك حيلة شرعية، فلا يعمل بهذا الربح المجعول؛ لأنه ربا محض مذموم فاعمله ملعون آكله وشاهده وكاتبه وحاضره، والله أعلم.
مطلب: رجل له عند آخر دين، وكتب عليه تمسكا بربح .. الخ .
(سئل) في رجل له عند آخر دين، وكتب عليه به تمسكا، وجعل عليه ربحا من غير بيع صبرة، ولا حيلة مخلصة من الربا، فهل يلزمه الربح المذكور؟
(أجاب) لا ريب أن جعل الربح للمال من غير حيلة ربا باتفاق العلماء، ملعون فاعله وآكله وشاهده وحاضره على لسان محمد ﷺ معلم فاعله بحرب من الله تعالى، فأي جنود أو ملوك تحارب مليك السماوات والأرض، فليتق الله فاعله وإلا فقد أذن من الله تعالى بالمحق﴾ يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ﴿والله أعلم.
مطلب: رجل له أشجار زيتون باع الحب الذي عليها بزيت .. الخ .
(سئل) في رجل له أشجار زيتون معلومة، عليها حب باع ذلك الحب الذي على الشجر بمائة جرة من الزيت وعشرين، على أن يحصله الآخذ ويدفع ذلك المبلغ منه، فما خرج منه لم يف بذلك، فما الحكم؟
(أجاب) هذا الشراء الواقع
стр. 129
لحب الزيتون باطل؛ لأنه ربا ملعون فاعله؛ لأن بيع الشيء بما اتخذ منه ربا، فالرجل الآخذ أمين مصدق في قدر ما جاء، وعليه يمين ويلزم صاحب الزيتون أجرة نفسه؛ لأنه لم يعمل مجانا، والله أعلم.
مطلب: ما نهي عنه من البيوع
(باب ما نهي عنه من البيوع)
مطلب: رجل باع زيتونا بالإكراه .. الخ .
(سئل) في رجل باع زيتونا بالإكراه، وانتقل من المشتري لغيره لثلاث ذمم، وكل من اشتراه استغله مدة، ثم أثبت عند حاكم الشرع بيع الإكراه، وحكم له به، ورفع يد الواضع بيده عنه، فهل إذا ثبت ما ذكر له الرجوع على كل من استغل منه شيئا؟
(أجاب) حيث كان البيع بالإكراه الشرعي، ووجدت شروط الإكراه التي نص عليها العلماء، كان البيع الأول باطلا وكل بيع بني على الباطل، فهو باطل، فكل من أخذ منه شيئا أخذه بغير حق، فيجب رده على مالكه، فإن امتنع أجبره الحاكم على ذلك، فإن وجد بينة بقدر الغلة فذاك وإلا صدق الغارم، والله تعالى أعلم.
مطلب: رجل باع لآخر حمارا .. الخ .
(سئل) في رجل باع لآخر حمارا بخمسة وخمسين قرشا عدديا، منها عشرة حالة، والباقي مؤجل بأجل معلوم بشرط أن يأتي لها بكفيل بالثمن الباقي، ولم يأت له، فما الحكم والحالة هذه؟
(أجاب) حيث لم يأت المشتري بالكفيل المشروط عليه، ثبت للبائع الخيار، فله فسخ البيع، قال في المنهج وشرحه لشيخ الإسلام زكريا: وبفوت رهن، أو إشهاد، أو كفالة خير فورا من شرط له ذلك لفوت المشروط، والله أعلم.
مطلب: رجل باع آخر أشجار زيتون .. الخ .
(سئل) في رجل باع آخر أشجار زيتون بيع وفاء بثمن معلوم، وأباح له استغلال ثمرتها ما دام المبلغ بذمته، ومالك الأشجار يريد دفع ما عليها، ويرفع يد الرجل المشتري بيع وفاء، وهو يمتنع ويريد أخذ علتها قهرا، فما الحكم الشرعي لمن يؤمن ويعي، أفد جوابا لو دعي، يظهر الحق ويردع المدعي؟
(أجاب) بيع الوفاء باطل من أصله بلا خلاف، والزيتون في تصرف مالكه الأصيل، وهذه الإباحة إن سلمت، إنما تشمل ما كان موجودا من الثمر حال الإباحة، ووجه بطلان بيع الوفاء تعليقه بالشرط المبطل لأصل البيع، على أن هذه الإباحة قد يدعى بطلانها من أصلها لوجود التعليق بالديمومة، فليس لصاحب الدراهم إلا ماله فقط، ويجب عليه أن يسلم الأشجار لمالكها بلا قرار والله هو الواحد القهار.
مطلب: رجل عنده حمارة، وعند آخر حمار تبايعا ..
(سئل) في رجل عنده حمارة، وعند آخر حمار، فباع صاحب الحمارة لها بالحمار، وخمسة عشر رطلا بصلا، وباع الآخر الحمار بذلك، ثم ظهر الحمار مستحقا للغير، فهل لصاحب الحمارة الرجوع بها أو لا؟
(أجاب) حيث ثبت أن الحمار مستحق للغير بالبينة العادلة كان لصاحب الحمارة الرجوع بها؛ لأنها الثمن، وإذا خرج المبيع مستحقا كان للمشتري الرجوع بالثمن، والله أعلم.
стр. 130
مطلب: امرأة لها جنان دفعتها لأخيها ليعمل فيها بالربع .. الخ .
(سئل) في امرأة لها جنان اشترتها دفعتها لأخيها ليعمل فيها بالربع فعمل فأكل الربع، ثم مات وخلف أولادا يدعون أن هذا الربع ملك، لكون أبيهم كان واضعا يده عليه، فهل يعمل بقولهم أم لا؟
(أجاب) لا يعمل بقول أولاد الأخ المجرد عن البيان؛ لأن العامل يضع يده من حيث العمل، وملك الأخت ثابت، فلا يرجع عنها إلا بيقين من بينة، أو إقرار منها، والله تعالى أعلم.
مطلب: فصل في تفريق الصفقة
(فصل في تفريق الصفقة)
(سئل) في كرم مشترك لواحد نصفها، ولأربعة نصفها، باع واحد من الأربعة أربع قراريط، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
(أجاب) يصح البيع في ثلاث قراريط حصة الرجل؛ لأن كل واحد من الأربعة له ثلاث قراريط ويبطل في قيراط، ولكن يثبت للمشتري الخيار لتفريق الصفقة، والله أعلم.
مطلب: رجل اشترى أشجار زيتون وخرج بعضها مستحقا .. الخ .
(سئل) عن رجل اشترى أشجار زيتون، خرج بعضها مستحقا لابن عم البائع، فما الحكم الشرعي؟
(أجاب) ما خرج من المبيع مستحقا للغير بطل فيه البيع، وثبت للمشتري الخيار، فإن أجاز البيع رجع على البائع بالحصة من المسمى، فإذا كانت حصة ابن العم النصف رجع عليه بنصف الثمن المسمى، وإن فسخ البيع رجع في جميع الثمن، والله أعلم.
مطلب: باب الخيار .
(باب الخيار)
(سئل) في رجل اشترى نصف كرم من وكيل امرأة، وتبين أن ليس لها فيه إلا الثمن بالنسبة إلى الجميع، فهل للمشتري أن يأخذه بحصته من الثمن؟
(أجاب) نعم للمشتري أخذه بحصته بالثمن المسمى؛ لأن الخيار له، فإذا اختار لزوم البيع أو لزم هو فله أخذه بالحصة من المسمى، والله أعلم.
مطلب: أرض مشتركة بين جماعة باع أحدهم حصة .. الخ .
(سئل) في أرض مشتركة بين جماعة باع أحدهم حصة منها بغير إذن شركائه، فهل يصح البيع في حصته وحصة شركائه، أو تختص الحصة بما يخصه؟
(أجاب) يختص صحة البيع بحصته ويبطل في حصة من لم يأذن في البيع، ولم يبع ويثبت للمشتري الخيار، فإن أجاز أخذ المشتري الحصة بما يقابلها من الثمن، وإن فسخ أخذ جميع الثمن، والله أعلم.
(فصل في خيار الشرط)
مطلب: في خيار الشرط ورجل اشترى من آخر جملا .. الخ .
(سئل) عن رجل اشترى من آخر جملا وشرط له الخيار من الجمعة إلى الجمعة، ثم رد الجمل المشتري وقبله البائع إلا أن المشتري كان قص الجمل عنده، ويدعي عليه البائع بقيمة وبر الجمل، فما قيمته؟
(أجاب) هذا البيع باطل والجمل على ذمة مالكه، فإن وجد أهل معرفة يعرف الجمل، ويعرف وبره، وشهد أن قيمته كذا غرمه المشتري
стр. 131
وإلا حلف المشتري يمينا أن قيمته كذا، وغرم ما حلف عليه، والله أعلم.
(سئل) في رجل اشترى كرما معلوما وقبضه فخرج منه حصة مستحقة للغير، فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) الحصة المستحقة للغير لا يصح فيها البيع، ثم يثبت للمشتري الخيار، فإن اختار البيع يوزع الثمن بعد أن تقوم الحصة، ويقوم الكرم الذي صح فيه البيع وقت عقد البيع، فإذا كانت قيمة المستحق خمسين، وقيمة باقي الكرم مائة مثلا، وزع الثمن الذي جرى عليه العقد على المائة والخمسين، فيلزم المشتري ثلثا الثمن، ويسقط عنه الثلث، ولو انعكس الحال بأن كانت قيمة المستحق مائة، وقيمة غيره خمسين انعكس الحكم، والله أعلم.
مطلب: فصل في خيار العيب
(فصل في خيار العيب)
مطلب: اشترى ثورا فظهر أنه أعمى .. الخ .
(سئل) في رجل اشترى ثورا فظهر أنه أعمى فادعى البائع حدوثه، والمشتري قدمه، فهل يصدق البائع، أو المشتري؟
(أجاب) يصدق البائع، قال في المنهج: ولو اختلفا في قدم عيب يمكن حدوثه حلف بائع فيصدق لموافقته للأصل من استمرار العقد، وإنما حلف لاحتمال صدق المشتري، نعم، لو ادعى قدم عيبين فأقر البائع بقدم أحدهما، وادعى حدوث الآخر، فالمصدق المشتري بيمينه؛ لأن الرد ثبت بإقرار البائع بأحدهما، فلا يبطل بالشك، ويحلف بجوابه على القاعدة الآتية في كتاب الدعوى والبينات، فإن قال في جوابه: ليس له الرد علي بالعيب الذي ذكره، أو لا يلزمني قبوله، أو ما أقبضته وبه هذا العيب، أو ما أقبضته إلا سليما من العيب حلف على ذلك ليطابق الحلف الجواب، والله أعلم.
مطلب: رجل باع آخر جملا برجله ورم وبصدره كي .. الخ .
(سئل) في رجل باع آخر جملا برجله ورم وبصدره كي ادعى البائع أنه أراهما للمشتري، ثم ظهر بظهره ورم يسمى رائحة، وأقام على الأولين بينة بأن المشتري رآهما، فهل له الرد بالثالث الذي هو الرائحة أو لا؟
(أجاب) نعم له الرد بها حيث كانت تنقص قيمة الجمل سليما، قال في العباب: لو رضي بعيب، أو قصر في الرد به، ثم علم عيبا آخر فله الفسخ به، فالعيبان الأولان لا رد بهما لكون المشتري رضيهما على موجب قول البينة، وأما الثالث، وهو الرائحة فله الرد بها لعدم الرضى، والله أعلم.
مطلب: رجل اشترى ثورا بثمن معلوم فظهر به عيب .. الخ .
(سئل) في رجل اشترى ثورا بثمن معلوم فظهر به عيب، وهو أنه لا يحرث، فهل له الرد بالعيب المذكور والرجوع بالثمن؟
(أجاب) نعم ما ذكر من عدم الحرث عيب يرد به المبيع؛ لأنه ينقص القيمة فيرجع المشتري على البائع بالثمن، والله أعلم.
(سئل) في رجل اشترى جملا من آخر، ثم مات الجمل فشق جوفه فوجد به مرضا يسمى الجعام يظهر في الإبل بعد الحول، فهل إذا شهدت بينة ممن يعرف ذلك المرض، وأنه كان موجودا عند البائع، فهل
стр. 132
للمشتري الرجوع عليه بالنقص أو لا؟
(أجاب) نعم إن ثبت قدم العيب المسمى جعاما، وأنه كان عند البائع لزم البائع أرشه فيما يظهر، قال ابن حجر: ومثله أي الهيمان ما اشتهر عند عربان مكة من داء يصيبها يسمونه المغلة بالمعجمة، لكنهم يزعمون أنه لا يظهر إلا بعد ذبحها، فيعرفون قدمه وحدوثه، فإذا ثبت قدمه وجب أرشه فيما يظهر وقدر الأرش هنا أن يقوم الجمل هنا سليما خاليا من العيب ومعيبا فيلزم البائع النقص، والله أعلم.
مطلب: رجل اشترى من آخر نصف غنم بها عيب .. الخ .
(سئل) في رجل اشترى من آخر نصف غنم بها عيب قديم، ولكن لا يظهر إلا بعد مدة طويلة، فإذا ظهر علم أنه سابق ويشهد بذلك أهل الخبرة، فإذا ظهر ردها على مالكها فماتت جميعا، فهل هذا الرد صحيح، لكون العيب كان موجودا حال البيع، وإن لم يكن ظاهرا؟
(أجاب) حيث شهد أهل الخبرة أن هذا العيب موجود حال البيع، ثم ظهر وردها المشتري كان رده صحيحا، وماتت على ذمة مالكها الأول، فيجب عليه رد ما أخذه منه من الثمن، والله أعلم.
مطلب: رجل اشترى جملا فوجد به عيبا ..
(سئل) في رجل اشترى جملا فوجد به عيبا، يقال له الصرر، فرده على صاحبه، فلم يقبله وادعى حدوثه عند المشتري، وادعى المشتري قدمه فمن المصدق منهما حينئذ؟
(أجاب) هذا العيب إن أمكن حدوثه صدق البائع بيمينه، وإن لم يمكن حدوثه صدق المشتري بيمينه، فإن كان مع المشتري بينة تشهد بقدمه عمل بها؛ لأن الصرر مما يظهر للبينة، والله أعلم.
مطلب: رجل اشترى من آخر حمارا. الخ .
(سئل) في رجل اشترى من آخر حمارا الحاضر المنظور، ثم ظهر به عيب ظاهر، وهو أنه يرقد تحت الحمل مرارا، فهل له الرد بالعيب؟
(أجاب) نعم له الرد بالعيب المذكور، وإن جهله؛ لأنه ظاهر وقوله له الحاضر المنظور لا ينافي في الرد، إذ لو أراد البراءة منه كان ذكره له؛ لأنه ظاهر يعلم، والله تعالى أعلم.
مطلب: رجل اشترى ربع جمل به وجع في رجله ..
(سئل) في رجل له ربع جمل به وجع في رجله، حمله شريكه فزاد وجعه، ثم اشترى الربع من صاحبه، ثم كراه فزاد وجعه، فهل البيع صحيح؟
(أجاب) حيث علم صاحب الجمل المالك لثلاثة أرباع عيب الجمل لزمه ثمن الربع لصاحبه، وليس له رده قهرا، والله أعلم.
مطلب: في حكم المبيع ونحوه قبل القبض ..
(باب في حكم المبيع ونحوه قبل القبض وبعده)
(سئل) عن رجل باع آخر بقرة غائبة عن مجلس العقد رآها قبل ذلك، ثم ذهب ابن البائع وأتى بها فغصبت قبل القبض، فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) الحكم في ذلك أنه يثبت للمشتري الخيار، كما صرح به في المنهج، فإن فسخ بالعيب رجع على البائع بالثمن، وإن أجازه رجع على الغاصب بالبقرة إن وجدت، أو قيمتها إن تلفت والله أعلم.
مطلب: رجل باع آخر نصف ثورين بثمن معلوم لم يقبضه ..
(سئل) في رجل باع آخر نصف ثورين بثمن معلوم لم يقبضه، وتسلمهما المشتري، ثم مات أحدهما وباع المشتري الآخر بعد أن استعمله مدة، فما الحكم
стр. 133
الشرعي في ذلك؟
(أجاب) يلزم المشتري جميع نصف ثمن الثورين، وإن ماتا هما، أو أحدهما، ويلزمه أجرة ما استعمله منهما أجرة المثل والبيع في النصف حصة الشريك باطل، فيرجع مالكه في نصفه، فإن تعذر طالب البائع بثمن النصف أيضا، ويأخذه للحيلولة، فإن ظفر بالثور له أخذه ورد الثمن، والله تعالى أعلم.
(سئل) إذا قلتم أن البيع قبل قبضه من ضمان البائع، فما حكم الزوائد المنفصلة والمنافع؟
(أجاب) أما الزوائد المنفصلة، فهي أمانة تحت يد البائع لا يضمنها إلا بتقصير، وأما المنافع، فهي غير مضمونة على البائع إن استوفاها صرح بذلك في البهجة، ومفهومه أن غير البائع لو استوفاها كغاصب فتكون للمشتري، والله أعلم.
مطلب: إذا باع داره حيلة ثم استأجرها .. الخ .
(سئل) عما يقع كثيرا أن الرجل يبيع داره إما حيلة، أو غيرها، ثم يستأجرها قبل قبضها، فهل تصح الإجارة، وإذا قلتم لا تصح؛ لأنه تصرف قبل القبض، وهو لا يصح، فهل يلزم المستأجر الأجرة؛ لأنه يجب في إجارة فاسدة أجر المثل، كما يجب في صحيحة المسمى؟
(أجاب) لا يلزم البائع المستأجر أجرة إذا لم يحصل قبض؛ لأنه صرح في البهجة بأن البائع إذا استعمل المبيع قبل القبض، فلا تلزمه أجرة، والله أعلم.
مطلب: رجل اشترى جملا ودفع ثمنه ثم تلف قبل القبض ..
(سئل) في رجل اشترى جملا من آخر وأقبض ثمنه، ثم تلف الجمل قبل القبض، فهل للمشتري الرجوع بالثمن على البائع؟
(أجاب) نعم له الرجوع بالثمن إن بقي، أو بدله إن تلف؛ لأن البيع قبل قبضه من ضمان البائع، كما نص عليه أئمتنا متونا وشروحا، لا خلاف فيه فيما نعلم، والله أعلم.
مطلب: المدين اذا اعترف بالدين وحكم عليه به ثم تعلل لا يقبل منه ..
(سئل) في ذميين متكلمين على طائفة من الأرمن ادعى عليهما رجل لدى حاكم الشرع بمال معلوم في ذمتهما استلماه لمصالح ديرهما، فأجابا بالاعتراف بذلك فألزمهما حاكم الشرع بدفع المال لمستحقه، وكتب عليهما حجة، ثم بعد ذلك تعللا بأن هذا الدين مأخوذ بالشراء من رجل آخر بعرض لا يساوي الدين، فهل يقبل منهما هذا التعليل، وإذا قلتم لا بأن لا نقد بأيديهما يدفعان الدين منه، والحال أن لهم عقارات وأسبابا وأمتعة، بحيث لو بيع شيء منهما لوفى الدين وزيادة، فهل يؤمران ببيعه وقضاء الدين من ثمنه، وإذا تعللا بأنه وقف على كنيسة التعبد، هل يصح هذا التعليل ويصح الوقف المذكور أم لا؟
(أجاب) قال في المنهج وشرحه لشيخ الإسلام بالمعنى: وصح بيع الدين لمن هو عليه بغير دين كأن باع عمرو مائة له على زيد بمائة، فإنه صحيح، كما رجحه في الروضة هنا، وفي أصلها آخر الحج كبيعه ممن هو عليه، وهو الاستبدال السابق، ثم قال: وشرط في متفق علة الربا قبض وفي غيرهما تعيين فيه أي المجلس فقط، أي لا قبض فيه، كما لو باع ثوبا بدراهم في الذمة لا يشترط قبض الثوب في المجلس، انتهى، فعلم أن بيع الدين لمن هو
стр. 134
عليه صحيح. قال في العباب بشرط حلولهما وإقرار الدين وملائته فعلم أنه لا يشترط مساواة العرض للدين كالبيع ويباع العقار في الدين، وكذلك الأسباب، وأما التعلل بأن ذلك وقف على كنيسة التعبد، فإنه لا يصح الوقف عليها، كما نص على ذلك متونا وشروحا، قال ابن حجر: نعم لا نبطل ما فعله ذمي إلا إن ترافعوا إلينا، وإن قضى به حاكمهم فنبطله، وقال العلامة ابن شريف: إن الديورات التي في بلاد الإسلام ليست مملوكة لأهل الكفر، وكذلك الكنائس ونحوها، وأما الإفرنج الذي لم تعقد لهم جزية، وإنما يدخلون بأمان، فلا يد لهم في دار الإسلام أصلا، وأما غيرهم من الكفار ممن له عقد جزية، فلأنهم لا يعتقدون ملكهم لها، وليست وقفا عندنا؛ لأنه لا يصح وإن كان واقفها ذميا، فهي حكم ما لم يجر عليه ملك كالموات، فلا يمتنع على سلطان الإسلام أن يرفع يدهم عنها، أو عن بعضها لمصلحة تظهر له، والله تعالى أعلم.
مطلب: باع كل منهما نصف بقرته بنصف حمارة الآخر .. الخ .
(سئل) في رجل عنده بقرة، وعند آخر حمارة باع كل منهما نصف دابته بنصف الأخرى، ثم تفاسخا البيع ودفع صاحب الحمارة حمارته لامرأة في صداق، وسرقت البقرة، فكيف الحكم الشرعي؟
(أجاب) حيث فسخ البيع كانت البقرة لصاحبها يتبع السارق فيها، والله أعلم.
مطلب: اشترى فرسا كاملا وأجنبي يدعي أن البائع لم يبعها جمعيا .. الخ .
(سئل) في رجل اشترى من آخر فرسا تماما، ثم رجل أجنبي يدعي أن البائع لم يبعها جميعا، بل أبقى له فيها حصة، وجعل الأجنبي عليها كفيلا، فهل له المعارضة في ذلك؟
(أجاب) ليس للرجل الأجنبي معارضة في الفرس بوجه، بل الدعوى لصاحبها الأصل، فإن أثبت المشتري الشراء بجميعها منع البائع من المعارضة بوجه، وإن أثبت له فيها حصة تبعها، والله أعلم.
مطلب: اشترى قنطار سمن فأحضره البائع وقال هذا قنطار، ثم بعد نقله ظهر أنه أقل فهل يعمل بقول المشتري أم بقول البائع. الخ .
(سئل) في رجل اشترى من آخر قنطارا من السمن، فأحضر له سبعة ضروف وأخبر أن فيها قنطارا ورطلا من السمن، فأخذه المشتري عملا بإخبار البائع، ثم ظهر أنه ناقص تسعة أرطال بعد نقله إلى بلدة أخرى، فهل يصدق المشتري بيمينه؟
(أجاب) قال في العباب: فقبضه أي المبيع جزافا، ولو مع تصديق البائع في قدره، أو مقدرا بغير المشروط فاسد فيبطل تصرفه لكن يضمنه، فلو تلف بيده لم يفسخ ويصدق في قدر ما قبض جزافا إن تلف، انتهى، فقد علمت أن المشتري في هذه الصورة يصدق في قدر ما قبض، والله أعلم.
مطلب: أستاذ قرية له عند أهلها دراهم، اشترى منهم زيتا على طريق السلم مستوفيا شرائط .. الخ .
(سئل) عن رجل أستاذ على قرية له عند أهلها حاصل، فطلبه منهم، فلم يقدروا عليه، فجاء كبيرهم، وطلب منه دراهم سلما على زيت ويشتري له بها الحاصل، فأحضر له دراهم منه، أو من حريمه وأسلمه إياها على زيت بشروطه، ثم اشترى له بالدراهم الحاصل الذي على البلد، ودفعوه له، فهل السلم المذكور صحيح أم لا؟
(أجاب) لا ريب أن هذا السلم صحيح يجب الوفاء به حيث استوفى الشروط، ولا يقدح في صحته
стр. 135
كون الدراهم ممن له الحاصل، أو من حريمه؛ لأن ذلك قضيتان منفصلتان لا تعارض إحداهما الأخرى؛ لأن السلم لما استوفى الشروط كان صحيحا، وكون كبير البلد يأخذ بالدراهم غلة يسد بها ما هو واجب عليه لا يقتضي فساد السلم الواقع صحيحا، والله أعلم.
مطلب: باب التولية والإشراك والمرابحة والمحاطة
(باب التولية والإشراك والمرابحة والمحاطة)
(سئل) عمن اشترى من آخر فرسا بمائة زلطة، ثم جاء آخر بعد عقد البيع وركوبها عالما بالثمن، فقال له المشتري: أشهدكم أني أشركت فلانا في هذه الفرس، فقال: قبلت، فهل يكون الرجل المخاطب شريكا في الفرس؟
(أجاب) حيث كان المخاطب عالما بالثمن، وقبل قول القائل بذلك صار شريكا في الفرس بنصف الثمن، له النصف، وللآخر المشتري لها النصف الثاني؛ لأن ذلك يسمى إشراكا في البيع، وهو كالبيع في أحكامه، والله أعلم.
مطلب: شريكان أذن أحدهما للآخر بالاستدانة ..
(سئل) في شريكين أذن أحدهما لصاحبه أن يستدين تسعة أمداد من القمح، وتسعة أمداد من الشعير ليزرعهما شركة، وأذن له أن يأخذ له خاصة مدين فأخذ له ذلك، ثم مات الآذن بعد أن أكل حصته من الزرع، وخلف أولادا وتركة، فهل يجب على أولاده أن يوافوا ما على أبيهم من الدين المذكور؟
(أجاب) حيث أذن الميت لشريكه في الاستدانة صار وكيلا عنه في ذلك فيلزمه الدين، فلما مات لزم أولاده الوارثين له وفاء الدين من التركة، وذلك حصة المشترك، وثمن الدين الخاص به، والله أعلم.
مطلب: رجل دفع لمعلم صبانة قماشا ليطبخ له بالثمن صابونا .. الخ .
(سئل) في رجل دفع لمعلم صبانة قماشا ليطبخ له بها صابونا، ثم حين الحساب حاسبه على الواحد ذهب جنزرلي بخمسة قروش إلا ثلث عددي قائلا إن ذلك القدر قيمته في مصر، والحال أن الذهب الواحد كان في ذلك الزمن بخمسة قروش ونصف عددي، ومعلم الصبانة جاهل بذلك، فهل لمعلم الصبانة الرجوع على رب القماش عن كل جنزرلي بخمسة وعشرين فضة، حيث كان جاهلا لذلك أو لا؟
(أجاب) حيث لم يقع الاتفاق على الذهب الواحد بمقدار مخصوص، فكل ذلك باطل؛ لأن حساب الذهب والريال وغيرهما، إنما كان باعتبار المقصوص فيها، والمقصوص لا يضبط، ولا يصح التعامل به، ولا التزامه في الذمة، ولا تقويم المصاغ من الذهب والفضة لاختلاف الغرض به فيرجع إلى الصاغ من النقد فيقوم القماش بالصاغ، ثم يجرد العشرة أحدا عشر اثني عشر على ما تقع به العادة والاتفاق، هذا هو الشرع القويم، وغيره باطل لا يعمل به، والله أعلم.
مطلب: باب بيع الأصول والثمار
(باب بيع الأصول والثمار)
(سئل) في رجل اشترى بزر قنابيط وزرعها، وله شريك وشريكه ما حط من
стр. 136
ثمنها شيئا، فهل له فيها شيء أو لا؟
(أجاب) جميع ما خرج من بزر القنابيط للمشتري لا شيء منه لشريكه، والله أعلم.
مطلب: دار مشتركة بين ذميين مات أحدهما عن ورثة .. الخ .
(سئل) في دار مشتركة بين ذميين مات أحدهما عن ورثة، فباع الورثة نصفها لآخر بما اشتملت عليه حدودها الأربعة بموجب صك البيع المذكور فيه بجميع حقوقه ومرافقه وحديده وأخشابه وأسبابه، وما عرف به ونسب إليه، وفي بعض بيوت الدار سدة من خشب مركبة في البناء من كل جهة، ويطلبون الورثة من المشتري قلعها، وأخذها زاعمين أنها غير داخلة في البيع، هل تدخل في البيع تبعا حيث كانت مركبة في البناء لا منفصلة عنه، وإن لم يصرح بذكرها مفردة ما الحال؟
(أجاب) نص أئمة المذهب على أن جميع ما أثبت في الدار يدخل في بيعها وعد منها، وذلك كالرفرف والساباط الذي جذوعه من الطرفين عليها وكجري الماء وحريمها وشجرها ومسامير حلقها مع مفتاحه، فالسدة الداخلة في البناء داخلة في البيع قطعا، والله أعلم.
مطلب: باع لآخر أشجار زيتون بثمن معلوم .. الخ .
(سئل) في رجل باع لآخر أشجار زيتون بثمن معلوم بيعا باتا مستوفيا شرائطه الشرعية من تسلم وتسليم ولزوم من الطرفين، ثم أوعد المشتري البائع أنه متى رد له نظير الثمن يعيد له المبيع، ومضى على ذلك سنوات، ثم بعد بدو صلاح الثمرة في ملك المشتري جاء بنظير الثمن، فهل يجب على المشتري رد الثمرة الحاصلة في ملكه أم الأشجار فقط؛ لأن الثمرة زيادة منفصلة والفسخ يرفع العقد من حينه لا من أصله؟
(أجاب) حيث كان البيع لازما، كان جميع ما يحدث منه من ثمرة وغيرها ملكا للمشتري؛ لأنه ملكه يتصرف فيه كيف شاء حتى إن الثمرة التي ظهرت على الشجر للمشتري الأول، فإن أراد البيع، فهو موكول إلى خيرته إن شاء باع، وإن شاء أبا، ولا جبر؛ لأن الوعد لا يلزم الوفاء به، كما يعلم ذلك من المتون والشروح، والله أعلم.
مطلب: رجل له أرض فيها زيتون وتين .. الخ .
(سئل) في رجل له أرض فيها زيتون وتين، فقال له وكيل المشتري: بعتني نصف هذا الكرم ونصف الوطاة بكذا، فقال له: بعتك، والآن يدعي عدم دخول الزيتون في البيع، فهل يعمل بقوله؟
(أجاب) لا يعمل بقوله المذكور، بل للمشتري نصف الأرض ونصف التين والزيتون وغيرهما، إن كان قال في المنهج وشرحه لشيخ الإسلام: يدخل في بيع أرض، أو ساحة، أو بقعة، أو عرصة مطلقا في رهنها ما فيها من بناء وشجر وأصول بقل يجز مرة بعد أخرى، وتؤخذ ثمرته كذلك، والله أعلم.
مطلب: فصل في بيان بيع الثمر والزروع .. الخ
(فصل في بيان بيع الثمر والزروع)
(سئل) في رجلين اتفقا على أن أحدهما يضع البذر والأرض ويقرن ثوره بثور صاحبه، وهو يعمل بيده ويكون الخارج بينهما نصفين، ولم يعمل الرجل المذكور،
стр. 137
فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) ما يخرج يكون لصاحب البذر؛ لأن الغلة تتبع البذر ويغرم لصاحبه أجرة ثوره فقط؛ لأنه عمل طامعا، والله أعلم.
مطلب: رجل عنده ثور ضمه لآخر مع ثوره .. الخ .
(سئل) في رجل عنده ثور ضمه لآخر مع ثوره ليكون له ثمن المتحصل من الغلال والأرض والبذر لصاحبه، فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) جميع الزرع لمالك البذر، وليس لصاحب الثور إلا أجرة المثل للثور فقط، والله أعلم.
مطلب: فصل الاختلاف في كيفية البيع ..
(فصل في الاختلاف في كيفية البيع)
(سئل) في رجل اشترى أرضا بثمانية وأربعين قرشا منها ثور بأربعين قرشا وثمانية قروش، فتبين بعد شهرين ونصف أن الأرض من وقف سيدنا تميم الداري الصحابي ﵁، فأراد المشتري أخذ دراهمه لبطلان البيع، والبائع يريد أن يرد عليه الثور، والحال أن الثور الآن لا يساوي عشرة قروش؛ لأن البائع استعمل الثور هذه المدة في الدياسة، هل له رده على مشتري الأرض أم لا لكونه تصرف فيه هذه المدة حتى نقص ثمنه؟
(أجاب) حيث باع غير مملوك، فالبيع باطل ويضمن الثمن ضمان غصب، فيرد الثور ويضمن ما نقص منه باعتبار أقصى قيمة، وليس له نفقة على الثور؛ لأنه أنفق لا ليرجع، وإن جهل الفساد والحالة هذه، والله أعلم.
مطلب: رجل اشترى من آخر نصف جمل .. الخ .
(سئل) عن رجل اشترى من آخر نصف جمل، وهو يدعي الصحة والبائع يدعي الفساد، وقد استعمله مدة، فما الحكم الشرعي؟
(أجاب) مدعي صحة البيع يصدق، كما نص على ذلك أئمتنا متونا وشروحا، فعليه أجرة الجمل مدة استعماله له، أو منعه، وإن لم يستعمله، والله أعلم.
مطلب: امرأة وكلت رجلا في شراء بيوت .. الخ .
(سئل) عن امرأة وكلت رجلا في شراء بيوت وأشجار زيتون شركة له ولها فاشترى الرجل الوكيل ذلك، ثم إنه باع حصته من البيوت المشتركة بينه وبينها بغير إذنها، ولا علمها، وماتت المرأة، ولم تعلم بذلك، فلما كبر ابنها أخبره جماعة من الناس بأن هذه البيوت المبيعة لأمك نصفها، وشهدت له بذلك بينة، فهل له أن يدعي على المشتري، ويأخذ منه ما كان يخص أمه، وهل له أن يطالب المشتري بأجرة حصة أمه مدة وضع يده عليها، وهل له أن يأخذ بالشفعة لتبين أنه شريك؟
(أجاب) حيث ثبت بالبينة العادلة الشرعية أن المباع من البيوت لأم الرجل فيه النصف لوقوع عقد البيع لها فيه، كان بيع الشريك لحصة الأم باطلا لعدم إذنها في البيع، ويثبت للمشتري الخيار، فإن أجاز البيع كان لولدها أيضا الأخذ بالشفعة إن وجدت الشروط لأخذها فيه، وأما الأجرة، فهي ثابتة له حيث ثبتت الحصة له لكون المشتري استولى عليها بغير حق، والله أعلم.
مطلب: رجل باع ربع بد لآخر وقبضه المشتري .. الخ .
(سئل) في رجل باع ربع بد لرجل آخر وقبضه المشتري ومكث يتصرف فيه مدة نحو ثلاثين
стр. 138
سنة والبائع حاضر ناظر لا يتكلم، والآن يدعي أنه حين باع ربع البد كان يجهله، يريد بذلك فساد البيع، فهل تسمع دعواه ذلك أو لا؟
(أجاب) لا ينظر لدعوى الرجل المذكور؛ لأن الذي نص عليه العلماء أن المتبايعين إذا اختلفا صدق مدعي الصحة، كما صرح به أئمتنا متونا وشروحا والله أعلم.
مطلب: رجل باع أرضا بينه وبين أخيه القاصر .. الخ .
(سئل) في رجل باع أرضا بينه وبين أخيه القاصر، ومضى على ذلك نحو عشرين سنة، فادعى هو وأخوه أن البيع لا لمصلحة والمشتري يدعي أنه لمصلحة القاصر فمن يصدق منهما؟
(أجاب) لا ريب أن المشتري مدع لصحة البيع، والأخوين يريدان فساده، ومدع الصحة يقدم بيمينه، كما نص على ذلك أئمتنا في باب التحالف على أن الدعوى بعد مضي خمس عشرة سنة لا تسمع حيث نص السلطان على منع القضاة من السماع في ذلك، والله أعلم.
مطلب: فيما وقع في هذا الزمان من الرجل يدفع لزيات بلده زيتا .. الخ .
(سئل) فيما وقع في هذا الزمان من الرجل يدفع لزيات بلده زيتا من غير عقد بيع، وإنما هو تحت السعر فتارة ينزل السعر وتارة يرتفع وتارة لا، ولا، ويدفع الزيات لصاحب الزيت دراهم كذلك، فإذا وقع بينهما خلاف، فما الحكم الشرعي؟
(أجاب) حيث لم يقع بين الزيات ومالك الزيت عقد بيع بأن يقول له: بعتك هذا الزيت بكذا فيقول اشتريت، فالزيت باق على ذمة صاحبه، فله المطالبة بالزيت، والدافع للدراهم يطالب بها، فليس لصاحب الزيت إلا قيمة يوم المطالبة، هذا هو الشرع القويم يعمل به من هو على الدين القويم، والله أعلم.
(معاملة الرقيق)
مطلب: معاملة الرقيق وعن أمة استولدها سيدها .. الخ .
(سئل) عن أمة استولدها سيدها، وكان يمتعها بأمتعة من لباس وفرش وغيرها ومات عنها، والأسباب عندها فعتقت بموته، فهل الأسباب التي متعها بها سيدها لها أم للورثة غيرها؟
(أجاب) عبارة ابن حجر مع متن المنهاج: ولا يملك أي الملك محله بسائر أنواعه ما عدا المكاتب، ولو ملكه سيده، أو غيره في الأظهر لقوله تعالى ﴿مملوكا لا يقدر على شيء﴾، وكلا لا يملك بالإرث وإضافة الملك إليه في خبر الصحيحين: "من باع عبدا وله مال، فماله للبائع" إلا أن يشترطه المبتاع للاختصاص لا للملك وإلا لنافاه جعله لمالكه، انتهى. فقوله سائر أنواعه دخل في ذلك أم الولد، فإنها رقيقة ما دام سيدها حيا معها، فجميع ما كان معها ولو بتمليك سيدها للورثة على حسب إرثهم منه، والله أعلم.
(كتاب السلم)
مطلب: كتاب السلم ورجل استجر من آخر ثمانية قروش .. الخ .
(سئل) في رجل استجر من آخر ثمانية قروش إلا ثلثا، ثم جعل ذلك على اثني عشر مدا من الحنطة، فهل تلزمه أم الدراهم؟
(أجاب) هذا السلم باطل؛ لأن شرط
стр. 139
صحته أن يكون رأس مال السلم حاضر، لا دينا في الذمة، فلا يكفي، فليس على الرجل المذكور إلا الدراهم فقط لفساد السلم، والله أعلم.
مطلب: رجل أسلم آخر قدرا معلوما .. الخ .
(سئل) عن رجل أسلم آخر قدرا معلوما من الدراهم على قدر معلوم من الحنطة، بشرط أن يكون من قرية كذا، وهي صغيرة، فهل هذا السلم صحيح، والحال أنه لم يخرج منها في تلك السنة شيء؟
(أجاب) قال في المنهج وشرحه: وفسد أي السلم أيضا بتعيين قدر من ثمر قرية قليل؛ لأنه قد ينقطع، فلا يحصل منه شيء، فحيث عين السلم من حنطة القرية الصغيرة، وحنطتها قليل فسد السلم، سواء خرج منها شيء أم لا، فليس للمسلم إلا رأس مال السلم، والله أعلم.
مطلب: رجل باع آخر قدرا من الحنطة .. الخ .
(سئل) عن رجل باع آخر قدرا من الحنطة المعلومة بثمن معلوم، ثم جعل ذلك الثمن رأس مال سلم في حنطة معلومة، فهل يصح ذلك؟
(أجاب) لا يصح هذا السلم، بل هو باطل؛ لأن شرط رأس مال السلم أن لا يكون دينا، وهنا دين، فلا يصح، نعم لو بقي ثمن القمح بحاله، ثم طالبه به ودفع له عنه قمحا، وإن زاد على الأصل لدخوله تحت قولهم، وصح استبدال عن دين غير مثمن بغير دين ظاهره، ولو كان البدل من جنس بدل الدين، والله أعلم.
مطلب: رجل قروي جاء عليه نائبة ظلمية .. الخ .
(سئل) عن رجل قروي جاء عليه نائبة ظلمية لحاكم العرف، ولم يدفعها، فاستلم شيخ قريته من آخر أربعة قروش عددي في أربعة أمداد من الحنطة، وادعى أنه دفع ذلك في نائبته، والآن شيخ القرية يزعم صحة السلم عليه، ويريد إلزامه بالحنطة المذكورة، هل له ذلك ويصح أو لا؟
(أجاب) حيث لم يصدر من الرجل المذكور إذن لشيخ القرية في استلام المبلغ المذكور، فالسلم باطل للرجل، وأما شيخ القرية إن استلم سلما صحيحا، فهو لازم له، ولا يلزم الرجل المذكور من القمح شيء، إذ ليس لأحد أن يلزم ذمة أحد مالا بلا إذن، والله أعلم.
مطلب: رجل له على آخر أربعة قروش وثلث .. الخ .
(سئل) في رجل له على آخر أربعة قروش وثلث، فطالبه بها، فقال له: ليس معي شيء، فقال له: قبلتها عليك بمدي قمح، فقال: قبلت، فهل يكون ذلك سلما صحيحا يلزم به القمح، أو لا يلزم من عليه الدين إلا الدراهم؟
(أجاب) هذا سلم باطل لعدم وجود شرطه، وهو قبض رأس مال في المجلس، فلا يكون دينا، وإنما يلزمه الأربعة قروش وثلث فقط، والله أعلم.
مطلب: رجل أسلم لأناس معلومين .. الخ .
(سئل) في رجل أسلم لأناس معلومين في مقدار من الغلة معلوم لأجل معلوم، ثم نودي على الكيل بأنقص مما كان عليه، فهل للمسلم أن يأخذ بالكيل الأول أم بالذي نودي عليه، الآن؟
(أجاب) يجب على المسلم إليه دفع ما أسلم إليه فيه بالكيل الأول؛ لأنه هو اللازم لذمته، فلا عبرة بما حدث بعد ذلك من النداء، سواء زاد، أو نقص عما كان أولا؛ لأن عقد السلم منزل على المعتاد عرفا وقته، والله أعلم.
مطلب: رجل دفع لجماعة أربعة أرطال .. الخ .
(سئل) في رجل دفع لجماعة أربعة أرطال
стр. 140
من البن بأربعة وعشرين قرشا وأجلها إلى أجل معلوم وقال لهم: إن فات الأجل تكون بثلاثين مدا من القمح، فهل إذا فات الأجل يلزمهم القمح المذكور أم لا؟
(أجاب) هذا سلم باطل باتفاق، فلا يلزم إلا الدراهم المذكورة، ولا يلزمهم شيء من القمح لبطلان السلم من وجوه شتى، والله أعلم.
مطلب: امرأة أسلمت لآخر دراهم على زيت .. الخ .
(سئل) في امرأة أسلمت لآخر دراهم على زيت معلوم ورهن عندها بارودة، ثم أعارتها لآخر وضاعت، فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) يجب على الرجل دفع الزيت للمرأة المذكورة وتضمن له البارودة لصاحبها، فإن شهد بقيمتها من يعرفها لزمها ذلك وإلا حلفت يمينا على القيمة؛ لأنها غارمة ولها الرجوع على المستعير؛ لأن العارية مضمونة على آخذها وأتلفت بغير الاستعمال المأذون فيه، والله أعلم.
مطلب: رجل دفع لآخر عشرة أرطال .. الخ .
(سئل) في رجل دفع لآخر عشرة أرطال من الأرز على عشرة أجرار من زيت سلما، فهل يصح ذلك ويجب دفع الزيت أو لا؟
(أجاب) هذا السلم باطل؛ لأنه ربا؛ لأن بيع المطعوم بالمطعوم يشترط فيه الحلول والقبض، وإن وافق في الجنس شرط أيضا التماثل، فليس على الرجل الآخذ إلا رد الأرز، أو بدله، والله أعلم.
مطلب: رجل أسلم إلى آخر على مائة جرة .. الخ .
(سئل) في رجل أسلم إلى آخر على مائة جرة من الزيت سلما شرعيا، وأوصله منها سبعين، وبقي له منها ثلاثون قومها عليه بالسعر الواقع فبلغ ثمنها ستين قرشا، ثم في العام القابل لم يرض بالتقويم، ورجع إلى دين السلم لكون الزيت صار على قيمة، فقوم الثلاثين بمائة وخمسين قرشا، وألزم على زعم ذمته بها، ثم إن المسلم إليه باعه ربع بد بالمبلغ المذكور واستولى على البد ثلاث سنين يستغل البد ويأكل منافعه، فهل هذا التقويم والبيع صحيح أو لا؟
(أجاب) لا يصح الاستبدال عن دين السلم اتفاقا فتقويم الثلاثين جرة بالمال المذكور باطل، وكذلك التقويم الثاني أيضا باطل، فظهر أن ليس للمسلم إلا ما بقي له من الزيت، وهو الثلاثون جرة من الزيت، وإن بيع ربع البد بالمال المذكور باطل؛ لأنه مبني على الباطل، والمبني على الباطل باطل، والله أعلم.
مطلب: رجل أسلم آخر مالا معلوما .. الخ .
(سئل) في رجل أسلم آخر مالا معلوما على تسعة أكيال من البزرة، ثم طالبه بها في زمن لا وجود لها فيه، فقومها عليه بمال معلوم، فهل الواجب على المسلم إليه المال، أو البزرة؟
(أجاب) المصرح في كتب المذهب متونا وشروحا أن دين السلم لا يصح الاستبدال عنه، قال في شرح المنهج: أما الدين المثمن كالسلم فيه، فلا يصح استبداله بما لا يتضمن إقالة لعدم استقراره، فإنه معرض بانقطاعه للانفساخ، أو الفسخ؛ لأن عينه تقصد، فليس للمسلم إلا البزرة عينها لا بدلها من المال، والله أعلم.
مطلب: رجل غائب عن بلده وحصل لأهل البلد ظلامة .. الخ .
(سئل) في رجل غائب عن بلده فحصل لأهل البلد ظلامة فاستلم أحدهم عن الغائب على زيت زيتونه بغير إذنه،
стр. 141
فهل يلزم الغائب دفع الزيت المذكور، وباع أحدهم بعض أسبابه بغير إذنه، فهل يصح البيع أيضا أم لا؟
(أجاب) السلم الواقع على الرجل الغائب باطل بإجماع المسلمين، وكذلك بيع ماله بغير إذنه في غيبته باطل إجماعا، فلا يلزم الرجل دين السلم ويجب على المشتري رد ما اشتراه من ماله، ويرجع على قابض الثمن، والله أعلم.
مطلب: رجل استلم من آخر على بيز .. الخ .
(سئل) في رجل استلم من آخر على بيز مصبوغ، فهل يصح السلم فيه لكونه مصبوغا؟
(أجاب) حيث كان السلم في مصبوغ بعد النسج، فلا يصح السلم، وإن كان في مصبوغ قبل النسج صح السلم، والله أعلم.
مطلب: في أهل قرية اتهمهم أهل قرية أخرى .. الخ .
(سئل) في أهل قرية اتهمهم أهل قرية أخرى بقتيل، فمشى بينهم رجلان بالصلح فأصلحا بينهم، فطلبا من أهل البلد المتهمة مائة قرش في نظير ما عملاه معهم، فأذعنوا لهما بمائة قرش، ثم جاء أحدهما وقال: نبقي هذه المائة قرش على مائة جرة زيت، فأخرج من جيبه محرمة بها دراهم، وسلمها لرجلين من أهل القرية على مائة جرة من الزيت، فهل يلزمهم الزيت المذكور ويكون السلم صحيحا أو لا؟
(أجاب) ما وقع من الرجل المذكور من تسليم المحرمة بما فيها على مائة جرة زيت للرجلين المذكورين باطل لأمور منها جهالة ما في المحرمة، ومنها أن أهل القرية لم يلزمهم من المائة قرش شيء؛ لأنها إحسان منهم، ومنها عدم إذنهم للرجلين في السلم المذكور، فدعوى الرجل المذكور بالزيت باطلة؛ لما ذكر، فلا يصغى لها، والله تعالى أعلم.
مطلب: رجل أخرج من محرمته خمس زلطات .. الخ .
(سئل) في رجل أخرج من محرمته خمس زلطات سلمها لثلاثة رجال على مائة وخمسين جرة من الزيت سلما مستوفيا لشروط السلم، فهل يجب عليهم الوفاء؟
(أجاب) حيث وجدت شروط السلم الشرعية وجب على المسلم إليهم الوفاء، ولا يضر كون رأس المال قليلا أي مال السلم خمس زلط لوجود الرضا والعلم والقبض، والله أعلم.
مطلب: رجل دفع لآخر مالا معلوما .. الخ .
(سئل) في رجل دفع لآخر مالا معلوما على قدر معلوم من البزرة سلما، وللمسلم إليه قدر معلوم من القمح، قال للمسلم: هو تحت يدك حتى أسلمك البزرة، ولم يتسلم المسلم إليه القمح، فدفع له حصة من البزرة، وبقي له حصة، ولكن يدعي المسلم إليه أنه حصل في القمح سوس نقص بسببه، فهل يجب على المسلم إليه دفع بقية البزرة، وهل يضمن المسلم نقص القمح أو لا؟
(أجاب) يجب على المسلم إليه دفع ما بقي بذمته من البزرة ولا يكون المسلم ضامنا لنقص القمح؛ لأنه لم يدخل في تسليمه؛ لأن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وقبض مثل هذا بالكيل والنقل على أنه إذا لم يحصل منه تقصير في الرهن لا يكون ضامنا للنقص، والله أعلم.
مطلب: رجل استلم من آخر ستة قروش .. الخ .
(سئل) عن رجل استلم من آخر ستة قروش على ستة أمداد من القمح دفع منها مدين، وقومت الأربعة باثني عشر قرشا، ثم عمل لها ربحا ثلاثة قروش، ثم جعلت
стр. 142
عليه الخمسة عشر بعشرة أمداد من القمح، فما الحكم الشرعي فيما ذكر؟
(أجاب) ما وقع أولا من تقويم الأربعة أمداد بالاثني عشر قرشا، وجعل الربح لها ثلاثة باطل باتفاق علمائنا؛ لأن مال السلم لا يعتاض عنه ولأن ما في الذمة لا يباع لمن هو في ذمته، وما وقع ثانيا باطل لأمرين؛ لأن المبني على باطل، ولأن ما في الذمة لا يكون رأس مال سلم، فليس للرجل إلا الأربع أمداد الأصلية، ولا يجوز له طلب غيرها، إن كان منقادا للملة المحمدية، والله أعلم.
مطلب: رجل أذن لآخر أن يأخذ له دراهم .. الخ .
(سئل) في رجل أذن لآخر أن يأخذ له دراهم فأخذها، وسلمها له على ثمانية وثلاثين جرة زيت، ثم للمسلم إليه زيتون ودفعه للواسطة ليعمره ويأكل الربع والثلاثة أرباع الباقية يدفعها للمسلم نصفها يحسبه من المسلم فيه، والنصف الآخر تحت صبره إلى أن يسده في الزيت المسلم فيه، ثم مات المسلم إليه، والآن وارثه يقول: أنا لا أرضى إلا أن يحاسب المسلم بجميع ما دفع إليه، فهل له ذلك أو لا؟
(أجاب) ما وقع من الاتفاق من أن نصف الثلاثة أرباع يكون لغوا لا يحسب لكونه في نظير الصبر لا يعمل به، بل جميع ما وصل من الزيت ليد المسلم من جميع الثلاث أرباع يحسب عليه، فإن وفى بالذي له فذاك وإلا إن بقي له شيء كمل له، أو زاد عنده شيء أخذ منه، والله أعلم.
مطلب: رجل دفع لآخر مائة قرش .. الخ .
(سئل) في رجل دفع لآخر مائة قرش على سبعة وثلاثين جرة زيت، كل جرة بثمانين فضة من زيت شقبا، ثم ارتفع الزيت، فهل يجب على الآخذ دفع الزيت المذكور الواقع عليه العقد أم يدفع بالسعر الواقع؟
(أجاب) حيث كان الأمر كما ذكر، فعلى الآخذ دفع الزيت المذكور؛ لأن ما ذكر عقد سلم يلزم على المسلم إليه دفع ما وقع عليه العقد من الزيت المذكور، ولا عبرة بارتفاع السعر وانخفاضه، والله أعلم.
مطلب: رجل عليه زيت سلم لرجل شيخ بلاد .. الخ .
(سئل) في رجل عليه زيت سلم لرجل شيخ بلاد، فجاء له وطلب منه ما عليه من الزيت، فلم يجد عنده سداد، فقال له الشيخ: بعني هذا الزيتون بهذا الزيت، وخاف منه لكونه حاكما فباعه له، ثم قال في المجلس: أشهدكم أيها الحاضرون أن زيتوني ما عليه بيع، ولا شراء، ثم هذا الشيخ باع الزيتون لجماعة من أهل بلد صاحب الزيتون، فهل البيع الأول والثاني صحيح أو لا؟
(أجاب) بيع الزيتون بزيت السلم باطل اتفاقا قال في المنهج وشرحه لشيخ الإسلام في باب السلم: وخرج بما ذكر إذا أدى غير جنسه ونوعه عنه كبر باعه بشعير وتمر برني عن تمر معقلي، فلا يصح لامتناع الاعتياض عن المسلم فيه، كما مر، وقال فيما مر: أما الدين المثمن كالمسلم، فلا يصح استبداله فيما لا يتضمن إقالة لعدم استقراره، فإنه فيه معرض بانقطاعه للانفساخ، أو الفسخ ولأن عينه تقصد إذا علمت ذلك، فقد علمت أن أخذ الزيتون، ولو كان برضى المالك عن الزيت باطل؛ لما علم، وهنا وجه
стр. 143
للبطلان غير ما ذكر من الإكراه إن وجدت شروطه وفسخ البيع بإشهاد الرجل في المجلس؛ لأن الفسخ فيه نفاد، فالبيع الثاني المرتب على البيع الأول الباطل باطل؛ لأن المبني على الفاسد فاسد، والله أعلم.
مطلب: في رجل يعرف رجلا من الغور سلم له سبعة قروش .. إلخ .
(سئل) في رجل يعرف رجلا من الغور، سلم له سبعة قروش على بزرة، فجاء رجل من أهل بلده ومعه أيضا سبعة قروش فدفعا لها له حكم ما دفع الرجل، فهل لصاحب السبعة الثانية طلب على الرجل الواسطة؟.
(أجاب) ليس للرجل أن يطالب الواسطة حيث لم يتسلم ولم يضمن، وإنما لهما جميعا الطلب على الرجل الغوراني الآخذ، والله أعلم.
مطلب: في أهل قرية ربط لهم الحاكم .. إلخ .
(سئل) في أهل قرية ربط لهم الحاكم جماعة، فحضر رجل كبير قرية ومعه جماعة من اللوند، فطلب منهم ما على جماعتهم وقدره ستون أسديا فامتنعوا لقلة ما بأيديهم، فأحضر لهم كيسا لا يعلم ما فيه، فأسلمه لثلاثة منهم على ثلاث مرات، كل مرة يسلمه لواحد منهم على اثنين وعشرين جرة والثاني كذلك ولواحد على أحد وعشرين جرة، وتعهد لهم بإطلاق جماعتهم، ثم إن اللوند ربطوا منهم أيضا اثنين، فأفلت واحد وواحد بقي، ثم إنه أشهد أنه لا يدفع ذلك، فهل يلزمهم هذا الزيت؟.
(أجاب) هذا السلم باطل لعدم معرفة ما في الكيس ولوجود الشرط فاسد وهو التزامه إطلاق المرابيط وهو لا قدرة له على ذلك، على أن منعهم له من الدفع يوجب عدم دفعه للحاكم، فكل ذلك مبني على غير أساس، والله أعلم.
مطلب: في رجل دفع لآخر ستة قروش ونصف .. إلخ .
(سئل) في رجل دفع لآخر ستة قروش ونصف سلما على ستة جرار زيت، ثم إنه طلب منه الزيت في وقت لزيت فيه كالمعدوم، فهل يجوز لصاحبه أن يقومه ويجعل ثمنه رأس مال سلم آخر؟.
(أجاب) حيث كان من عليه الزيت معسرا وجب على المسلم له الصبر إلى الميسرة، قال تعالى ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ ثم إن صبر المسلم أخذ الزيت، وإلا فله فسخ السلم، وأخذ رأس المال الذي هو الستة ونصف، وأما تقويم الزيت وجعل القيمة رأس مال سلم فلا يجوز ولا يصح، فإن فعل فليس له إلا دين السلم، والله أعلم.
(فصل في القرض)
مطلب: في القرض وحاكم سياسة نزل على قرية من قرى المسلمين .. إلخ .
(سئل) في حاكم سياسة نزل على قرية من قرى المسلمين ولم يندفع عنها إلا بدراهم، فجاء بعض أهلها إلى آخر وقال له: ادفع عنا هذا الحاكم وجميع ما تدفعه له ندفعه لك، ففعل كما أمر، فهل والحالة هذه يرجع بما دفع على القائل أو لا، وإذا قلتم نعم فمن أين تكون هذه المسألة؟.
(أجاب) نعم للدافع الرجوع على القائل لأنه له في ذلك نفعا وهو يرجع على أهل بلده إن كان منصوبا لذلك أو أذنوا له في ذلك وذلك من القرض الحكمي، قال ابن حجر: أما القرض الحكمي فلا يشترط فيه
стр. 144
صيغة؛ كإطعام جائع، وكسوة عار، وإنفاق على لقيط، ومنه أمر غيره بإعطاء ما له غرض فيه؛ كإعطاء شاعر، أو ظالم، أو إطعام فقير، أو فداء أسير .. إلخ وقد علمت أنها من باب القرض، والله أعلم.
مطلب: رجل اقترض من آخر دراهم ضمنه .
(سئل) في رجل اقترض من آخر درهم قرضا وضمنه فيها غيره وجعل له حصة من القمح معلومة في نظير ذلك، فهل يجوز ذلك ويصح ويلزم القمح؟.
(أجاب) هذا العقد عقد ربا، وهو ربا الفضل، وهو البيع بزيادة وهو باطل إجماعا، ولقوله ﷺ : كل قرض جر نفعا فهو ربا. فيجب رد القمح إن أخذ ووجد، وإلا رد مثله لأنه مثلي، وعلى المقترض رد المال الذي أخذه قرضا ولا يلزمه شيء من القمح، والله أعلم.
مطلب: رجل ربطه حاكم وأخذ منه مالا .. إلخ .
(سئل) في رجل ربطه حاكم وأخذ منه مالا قهرا، وله رفيق في بلده فألزمه بمبلغ ودفعه له بناء على أنه إذا أصابته نائبة ساعده أيضا فأصابته نائبة فلم يدفع معه شيئا، فهل له رجوع عليه بما دفعه له أو لا؟.
(أجاب) لا يخفى على من له في الفقه أدنى إلمام أن الدافع له الرجوع بما دفع على الرجل لأمور منها: كونه تسلم المال منه، ومنها أن الدافع لم يبذل ماله مجانا، ومنها حيث جرت العادة بالرجوع فله الرجوع بما دفع، كما صرح بذلك أئمتنا في النقوط، والله أعلم.
مطلب: أهل قرية طلب منهم حاكم البلاد .. إلخ .
(سئل) في أهل قرية طلب منهم حاكم البلاد مالا معتادا عليهم يأخذه منهم وربط عليه رجلا منهم، فأذن أهل القرية لأخ المربوط أن يستدين المال المذكور ليفك به أخاه ويرجع عليهم فاستدان ودفع وفك أخاه، فهل له الرجوع أو لا؟.
(أجاب) نعم له الرجوع عليهم بما دفع لأن لهم في ذلك غرضا ومصلحة وهي رد الظالم عنهم، قال ابن حجر: أما القرض الحكمي فلا يشترط فيه صيغة كإطعام جائع وكسوة عار وإنفاق على لقيط، ومنه أمر غيره بإعطاء ما له فيه غرض كإعطاء شاعر أو ظالم أو إطعام فقير أو فداء أسير أو نحو ذلك، فقد صرح بأن ذلك من القرض الحكمي، والله أعلم.
مطلب: رجل دفع لآخر دراهم قرضا .. إلخ .
(سئل) في رجل دفع لآخر دراهم قرضا واختار الصبر عليه إلى مدة معلومة، فهل يلزم المقرض الصبر على المستقرض المدة التي اختارها؟.
(أجاب) المقرض محسن بقرضه والصبر وعدلا يلزم الوفاء به فلا يؤجل القرض فيجب على المقترض دفع مال القرض حالا، ولا يجوز له التأخير متى طلبه المقترض، وإن قال له: أصبر عليك لزمن معين، والله أعلم.
مطلب: رجل أقرض آخر نحاسا .. إلخ .
(سئل) في رجل أقرض آخر نحاسا معلوما وطلبه منه، فهل يجب عليه دفع المثل، فإن لم يوجد فالقيمة يوم الطلب، فإن امتنع مع يساره وقدرته فهل يجبر على أخذ ذينك من حاكم الشرع؟ أفد جوابا شافيا تعط جزاء وافيا.
(أجاب) لا شك ولا ريب أن النحاس مثلي يصح قرضه، ويجب على المقترض رد المثل وإن زادت قيمته أضعافا مضاعفة، فإن تعذر وجود المثل بأن يتفق التعذر لأن النحاس
стр. 145
كثير موجود فله دفع ثمن المثل يوم الطلب بالغا ما بلغ؛ لأنه قيمة الواجب للمقرض وهو النحاس، ويحرم على المقترض التأخير ساعة واحدة؛ حيث كان قادرا على الوفاء، قال ﷺ : مطل الغني ظلم. وفي رواية: مطل الواجد يحل عرضه وعقوبته. بل يفسق، قيل: إن تكرر الطلب، وقيل: وإن لم يتكرر لأنه ظالم بالتأخير، وكان للحاكم الشرعي جبره على دفع مثل النحاس المأخوذ إن وجد وإلا دفع ثمن المثل، فإن ظهر منه عناد في دفع الحق كان للحاكم تعزيره بحبس وغيره لامتناعه من أداء الحق الواجب عليه، وقد قال تعالى ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ فتأمل قوله تعالى ﴿ويسلموا تسليما﴾ إن كنت فهيما، والله أعلم.
(كتاب الرهن)
مطلب: كتاب الرهن ورجل تحت يده أرض .. إلخ .
(سئل) في رجل تحت يده أرض وقف يزرعها، رهنها عند رجل وشرط عليه المرتهن أن يضع ما عليها من الخراج، فهل يعمل بهذا الشرط؟.
(أجاب) هذا شرط باطل لا يعمل به، فعلى زارع الأرض أن يضع ما عليها من الخراج المستحق على الوقف لما علم من عدم العمل بالشرط المذكور، والله أعلم.
مطلب: رجل اسمه حماد باع آخر كرما .. إلخ .
(سئل) في رجل اسمه حماد، باع آخر كرما، يدعي وارث حماد أنه رهنه عند رجل يقال له خريان؛ على أن يأكل ثمره، فهل البيع الواقع للرجل المذكور صحيح ولا عبرة بالرهن؟.
(أجاب) حيث وجدت شروط البيع المعتبرة فهو صحيح معمول به إجماعا، وأما الرهن المذكور فباطل لشرط أكل الثمرة فيه لأن ذلك مما يبطل الرهن، فإذا بيع الراهن لكرمه المذكور صحيح معتد به ولا عبرة بالرهن لفساده إذ لا يترتب على فاسده حكم أصلا، والله أعلم.
(سئل) في رجل رهن ريع بد عند آخر على دين معلوم، وشرط المرتهن على الراهن أن يأكل جميع ما يتحصل من الحصة، فهل يصح هذا الشرط، وإذا أكل منه شيئا؟.
(أجاب) هذا شرط باطل لا يجوز العمل به، والرهن المشتمل عليه باطل أيضا، كما نص على ذلك أئمتنا متونا وشروحا، فيجب على المرتهن رد ما أخذه من ريع حصة البد على الراهن، وعلى الراهن دفع دينه، والله أعلم.
مطلب: في دار بعضها ملك وبعضها وقف .. إلخ .
(سئل) في دار بعضها ملك وبعضها وقف، رهن صاحب الملك حصته عند رجل على مبلغ من غير تسليم بل بلفظ تكون هذه الحصة رهنا عندك إلى حين وفاء هذا المبلغ، وكتب بينهما تمسك بهذا الإشهاد، فهل هذا الرهن بهذا اللفظ صحيح أم لا؟.
(أجاب) رهن المشاع صحيح من الشريك وغيره، ولكن لا بد في الرهن من القبض، وقبض المشاع بقبض كله كما في البيع فيكون بالتخلية في غير المنقول، وبالنقل في المنقول
следующие страницы →