Полный текст (525 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
أعلم.
(سئل) في محلة من محلات مصر المحروسة محل العلم والعلماء الأعلام وحكام الإسلام أظهر الله تعالى بهم الأحكام بالأحكام وأعزبهم الأنام يعمل بها الخمر ويباع جهارا، وتأتي له الفسقة تشرب منه، وتسكر ويحصل لأهل المحلة منه الضرر الكلي للجار والمار، ويخافون علىأنفسهم ونسائهم وأولادهم كما هو معلوم لكل أحد، وكتب لهم الحاكم على مصر -أيده الله تعالى- السابق واللاحق بيورد آيات شريفة بالمنع، وكذلك حاكم الشرع القويم نصره الله تعالى، فامتنعوا منه مدة، ثم عادوا له وغالبهم من أهل الذمة مع وجود فتاوى شريفة من العلماء الأعلام أئمة المذاهب الأربع، ومع عدم الإذعان للكحام المذكورين وللأحكام الشرعية، فهل ينقض عهد أهل الذمة بذلك؟ وهل يجب على ولاة الأمور -أيدهم الغفور وأعانهم العلي الشكور من ذلك - ولو بتخريب المحل الذي هو مجمع الفساد والضرر لأمة محمد ﷺ ، ويرتبون على أفعالهم مقتضاها ويثابون على ذلك الثواب الجزيل حفظا لدين الإسلام ولإعراض أهل المحلة ولأنفسهم أفيدوا جوابا شافيا بالدليل الذي لا يحتمل التأويل أثابكم الله تعالى الجنة؟
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى لفعل الخير ولإقامة الملة المحمدية إن شاء الله تعالى أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، فقد أورثها الله تعالى لأفضل خلقه محمد ﷺ ، وهو قد ورثه فيها طائفتان: الأولى العلماء؛ لقوله ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء" وعليهم القيام بالحجة والبرهان والكشف عن المشكل والبيان.
الثانية: السلطان وأعوانه أهل العرفان وبأيديهم السيف والسنان وعليهم قمع أهل الطغيان، فحصة العلماء الآن انضمت أيضا لجناب السلطان، فلذلك ضعف الإسلام؛ لأنه لا يقوم على رجل واحدة بل إنما يقوم الإسلام بما قام به سيد الأنام من الجحة والبرهان وذلك ورثة فيه العلماء ولهم النصف من ميراث الأرض بمقتضى الإرث الشرعي، ومن السيف والسنان، وذلك حصة السلطان وجنوده أيدهم الرحمن، ولهم النصف الثاني من الأرض، والآن له نصره الله تعالى ولهم الجميع على أي وجه كان، وهذا كله لا يحل له ولا لهم إلا بحفظ خمسة أمور، وهي المسماة الكليات الخمس أو الست التي نقل الغزالي وغيره من أئمة الدين أنها الكليات لم تحل في شريعة قط من لدن آدم وشيث ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، وأما شريعة محمد ﷺ فأدلة هذه الكليات واضحة ظاهرة مشيدة التشييد مسددة غاية التسديد، موضحة بنصوص لا تقبل التأويل، قام عليها الإجماع بكل دليل لا خلاف فيها قطعا لكل حقير وجليل، فأولها حفظ
стр. 387
الدين كلياتة وجزئياتة أصولا وفروعا، وهذا مشترك حفظه بين العلماء بالأدلة ودفع الشبه والسلطان وأعوانه بجهاد الكفار الذي هو ذروة سنام الإسلام، ثم حفظ النفوس أصولها وأطرافها، وجراحاتها ومعانيها، ثم حفظ العقول ذاتا وعرضا، ثم حفظ أنساب المسلمين بالأنكحة الصحيحة والمنع من الزنا، ثم حفظ الأموال على الناس والأعراض إن لم تؤد الأذية فيها لقطع النسب وإلا كانت مرتبة الأنساب كما صرح به الزركشي وغيره، وحفظ هذه الكليات الخمس أو الست هي مرتبة ولاة الأمور من السلطان وغيره على طبق أخبار العلماء الأعلام أئمة الإسلام عن أحكامها وما يترتب عليها من الحدود وغيرها، وقد شرع الله تعالى للدين حدا بقتل المرتد، والنفوس شرع لها تعالى حدودا بقتل القاتل وقطع يد القاطع ورجله ونحوهما، وشرع لحفظ العقول حدا وهو الضرب المعلوم على الخلاف المفهوم، ومثل ذلك حفظ أنساب الناس بحدها المعلوم من حد الزنا والرجم بشرطه أو الضرب والنفي بشرطه، وحد الأموال أن السارق لها بشرطه تقطع يده وآخذها في قطع الطريق بشرطه تقطع يده ورجله من خلاف كما نص عليها القرآن المحكم، وحفظ الأعراض بعدم السب والقذف ممن قذف بشرطه، يقام عليه الحد المعلوم، ولا ريب أن مثل هذه المسألة يقع فيها الجناية على العقل وهو ظاهر بشرب الخمر، وعلى الأعراض لما هو معلوم، وعلى الأنفس لما يقع من الشربة عند زوال عقلهم من الضرب والقتل والقطع وغيرها وربما وقع بها جناية على المال وكذلك العرض، فإذا حفظت ولاة الأمور هذه الكليات حفظها الله تعالى في نفسها ودينها وعقلها وعرضها ومالها ونسبها وولدها استحقت الميراث من الأرض المذكورة بالميراث النبوي بالإعطاء الإلهي المستمر، وكانت ما تأكله من القرى والمزارع بحق ما تلقى من سيد الأولين والآخرين المفاض عليه من رب العالمين، ومثل ذلك العلماء أيدهم الله تعالى بالحق المبين، ونصرة الدين بإقامة الحجج والبراهين، وحق لهم أن يكونوا جميعا الولاة المذكورين والعلماء العاملين من حزب الرحمن، ألا إن حزب الله هم الغالبون، وهنا نصيحة قدسية خليلية هي أن نبينا محمدا ﷺ ظهر في الدنيا بمفرده معاديا العرب والعجم، ونصره الله تعالى عليهم أجمعين، وأعطاه الله تعالى السيف والسنان والحجة والبرهان وورثه فيهما جناب السلطان وجنوده أهل الشأن، والعلماء من أهل البرهان، فإذا قام هؤلاء الفريقان على الصدق والمحبة والوفاء لا يقاومهم في الأرض قبيلة من القبائل الضالة والكافرة والمعاندة والفاجرة؛ لقيامهم بما قام به رسول الله ﷺ ، وقد علمت أنه
٢ - ٢ ٢ ٢ ٢ ٢ ٢ ٢/ ٤٠١
стр. 388
والمرئ وأحد الوريدين، وبقي من الثاني حصة فرفع السكين ثم أعادها سريعا وقطع الباقي، فهل يحل المذبوح؟
(أجاب) الواجب في الذبح قطع جميع الحلقوم وهو مجرى النفس، وجميع المرئ وهو مجرى الطعام، وأما قطع الودجين فسنة فمتى قطع من الحيوان جميع المرئ وجميع الحلقوم حل ولا يحتاج إلى قطع الوريدين حتى لو رفع السكين وعادها سريعا في قطع الحلقوم والمرئ، أو أخذ غيرها حل المذبوح والله أعلم.
كتاب الأضحية
(كتاب الأضحية)
مطلب إذا قال هذه أضحية أو جعلتها أضحية إلخ
(سئل) إذا قال هذه أضحية أو جعلتها أضحية، أو هذه أو هي نذر فهل يحرم عليه الأكل منها، وإن قال: أردت المسنونة لا يقبل منه خلافا لبعضهم، ما المراد بالبعض، وهل يجوز تقليده؟
(أجاب) اعلم أن مريد الأضحية إذا قال ما ذكر خرجت الأضحية عن ذمتة وصارت واجبة التضحية بها، فهي كالنذر، وإن صدر ذلك من عامي لأنا إنما نعاملهم بظاهر عباراتهم، ولا نظر لما في نفس الأمر، مع أن ما ذكر صريح أو كالصريح، فلا نظر لغيره، فيجب على القائل ما ذكر أن يفعل بها ما يفعل بالنذر الواجب، وهذا البعض هو الأذرعي تابعا لصاحب الوسيط، ولا يجوز تقليده في ذلك لما قرر في محله، وهو بحث منه، ورد عليه بأنه نظير هذا صرار مبيع منك بألف، فلما إن كان كلا من هذين صريح في بابه فكذلك ذاك، نعم لو وقع مثل ذلك حال الذبح كأن قال: هذه أضحية فتقبلها مني كما تقبلتها من خليلك إبراهيم لم تصر واجبة، فقول الرملي يقبل منه أردت المسنونة أي ظاهرا، أما ما بينه وبين الله تعالى قيقبل منه حيث كان صادقا والله أعلم.
فصل في العقيقة
(فصل في العقيقة)
مطلب رجل له ثلاثة أولاد ويريد أن إلخ
(سئل) في رجل له ثلاثة أولاد ويريد أن يعق عنهم فما الذي يجزئ في العقيقة؟
(أجاب) الذي يجزئ في الأضحية من المعز ما له سنتان ودخل في الثالثة، ومن الضأن ما له سنة ودخل في الثانية أو أجذع مقدم أسنانه، وكل ما يجزئ في الأضحية يجزئ في العقيقة وما عدا ذلك من الصغير والمعيب لا يجزئ أضحية ولا عقيقة والله أعلم.
كتاب الأطعمة
(كتاب الأطعمة)
مطلب سئل ما حكم ما يؤخذ على الرقا والتمايم
(سئل) ما حكم ما يؤخذ على الرقا والتمايم؟
(أجاب) وقع في صحيح البخاري وغيره أن أبا سعد الخدري رقا كبير حي على قطيع غنم وقدره ثلاثون رأسا، ثم أخبر رسول الله ﷺ فقال: "أسهموا لي بسهم" فهذا دليل على جواز أخذ
стр. 389
ما يدفع للراقي أو كاتب التميمة؛ لأن فيه عملا ولا سيما إن ذهب الراقي إلى المرقي، ولكن هنا تفصيل لا بد منه، وهو أن نحو المريض يقول للراقي: إن قرأت علي كذا وعافاني الله تعالى فلك علي كذا، فهذا نذر. وإن قال: فلك كذا فهذا عقد جعالة، وأن المريض أو غيره من أقاربه أو غيره إن جعل له شيئا، فهذا إحسان فلا ينبغي رده؛ لأنه من غير طلب.
وقد يشترط الراقي أو الكاتب على المريض أو غيره جعلا وتحته صورتان، أحدهما: أن يقول له: أقرأ لك كذا وآخذ منك كذا، فيلتزم له ذلك، وهذه هي صورة الحديث، والثانية: أن يقول: اقرأ كذا بشرط أن يحصل الشفاء، فإذا حصل ندفع لك كذا، فيقول المريض: نعم، وهذا وعد إحسان.
وقد يحصل من المريض الوعد بأن يقول: اقرأ علي كذا وأنا أعطيك كذا، أو إن كان كذا وعافاني الله دفعت لك كذا، ففي هاتين الحالتين وعد هبة.
وفي العباب: وكره جماعة الأخذ على الرقية وفيه وقفة، وقد توجه الكراهة بأن يؤخذ ذلك من المريض لا على ما مر، بل يطلب ظهور غضاضة وعدم انشراح صدر من المريض، والله أعلم.
مطلب ما حكم الغريراء المسمى بالضربان إلخ
(سئل) ما حكم الغريراء الموجودة في البلاد الشامية؟
(أجاب) لم نظفر بهذا الاسم في كتب الفقهاء وإنما رأينا في مختصر الحيوان أنها الضربان أخذا من أوصاف ذكرها موجودة في الغريراء، وأنها لا تحل، والله أعلم.
كتاب الأيمان
(كتاب الأيمان)
مطلب رجل حلف بالطلاق الثلاث أنه لا يدخل المدينة إلخ .
(سئل) في رجل كان محبوسا في حبس الحاكم ومعه جماعة فحلف بالطلاق الثلاث أنه لا يدخل المدينة التي حبس فيها، فهل إذا حمله شخص وأدخله يقع عليه الطلاق.
(أجاب) نعم إذا حمل الحالف إنسان وأدخله لا يحنث ولا تنحل اليمين، والله أعلم.
(سئل) في رجل حلف على آخر بالطلاق أنه ما دام ساكنا في هذه الطبقة لا يدفع لها أجرة، ثم خرج منها بأمتعته جميعا بعد مدة رجع وسكن فيها ودفع أجرتها، فهل يقع على الحالف الطلاق.
(أجاب) الديمومية تنقطع في مثل هذه الصورة، قال في متن العباب: من حلف لا يصطاد ما دام الأمير في البلد، فخرج الأمير منها فاصطاد ثم رجع إليها واصطاد لم يحنث. انتهى.
وفي ابن حجر ولو قال ما دام في إجارته وأطلق فالمتبادر منه عرفا، كما قاله أبو ذرعة: أنه ما دام مستحقا لمنفعته فتنحل الديمومة بإيجاره لغيره، ثم استئجاره منه، وأفتى فيمن حلف لا يدخل هذا ما دام فلان فيه، فخرج فلان ثم دخل الحالف ثم فلان بأنه لا يحنث باستدامة مكثه؛ لأن استدامة الدخول ليست بدخول ويحنث بعوده إليه، وفلان فيه لبقاء اليمين إن أراد بمدة دوامه فيه ذلك الدوام وما بعده، وأطلق أخذا مما قالوه
стр. 390
في لا رأيت منكرا إلا رفعته للقاضي فلان، وأراد ما دام قاضيا من أنه إذا رآه بعد عزله لا يحنث ولا تنحل اليمين؛ لأنه قد يتولى القضاء فيرفعه إليه ويبر، وإن أراد ما دام فيه هذه المدة انحلت بخروجه. انتهى.
وفيه نظر والفرق بين ما هنا ومسألة القاضي ظاهر؛ لأن الديمومة ثم مربوطة بوصف مناسب للمحلوف عليه يطرأ أو يزول فأنيط به، وهنا لا يتصور فيه ذلك فانعدمت بخروجه منه، وإن عاد إليه، فالذي يتجه في حالة الإطلاق عدم الحنث كالحالة الأخيرة. انتهى.
فيؤخذ من كلامه أن هذا عند الإطلاق أو إرادة هذه الديمومة فإن أراد هذه الديمومة وما بعدها، فإذا دفع الأجرة بعد عقد صحيح في عوده ثانيا يحنث، والله أعلم.
مطلب رجل تشاجر مع شريك له فقال إلخ .
(سئل) في رجل تشاجر مع شريك له فقال: علي الطلاق بالثلاثة ما أظل مشاركا لك، وقسما الشركة وأراد الآن أن يشاركه، فهل له ذلك، وانحلت اليمين بقسمة الشركة الأولى.
(أجاب) حيث فسخت الشركة انقطع الاستمرار الذي هو معنى ظل إذ المعنى لا أستمر مشاركا لك، وبفسخ الشركة انقطع الاستمرار، وهذا يؤخذ مما رجحه ابن حجر في: لا أدخل هذا ما دام فلان فيه، فإن الديمومة فيه تنقطع بخروج فلان وإن عاد، والحالف في المكان سواء أطلق أو أراد ما دام فيه، والله أعلم.
(سئل) في رجل تشاجر مع زوجته فذهبت عند أهلها فلحقها ليردها فامتنعوا من أن يردوها معه، فحلف بالطلاق الثلاث إن لم ترد في هذا اليوم أنها لا ترد إلى السنة القابلة مثل اليوم، وكان ذلك في شهر القعدة يوم الأحد، فما الحيلة المخلصة له.
(أجاب) الحيلة في ذلك أنها تبقى عند أهلها ولو ذهب الزوج لها وأخلي له بيت في دار أهلها فلا مانع أن يذهب عندها ويبيت عندها وتستمر إلى السنة القابلة في الشهر المذكور، أو يرفع الأمر إلى القاضي فيحكم عليه بردها وعليها بأن ترد، فلا طلاق حينئذ، والله أعلم.
مطلب رجل حلف بالطلاق الثلاث. إلخ .
(سئل) في رجل حلف بالطلاق الثلاث من امرأته أنه لا يزوج ابنته لفلان، فهل له أن يوكل في نكاحها.
(أجاب) المصرح به متونا وشروحا أنه لو حلف لا يزوج فوكل من فعله لا يحنث؛ لأنه إنما حلف على فعل نفسه، والله أعلم.
مطلب رجل حلف بالطلاق الثلاث. إلخ.
(سئل) في رجل حلف بالطلاق الثلاث على زوجته أنها ما تذهب إلى دار أبيها في هذه السنة، ثم إنها ذهبت إلى دار أبيها في السنة المحلوف عليها، والحال أن الدار التي هي مسكن أبيها ليست خاصة بل مشتركة، وأطلق الحالف حلفه، فهل لا يقع الطلاق الثلاث بذهابها؛ لأن الإضافة إلى ما يملك تقتضي ثبوت الملك أو كيف الحال.
(أجاب) حيث لم يرد الحالف مسكن الأب بأن أطلق، أو أراد الدار المملوكة، فلا حنث بغير المملوك كله، بأن كان معارا أو مستأجرا أو مغصوبا أو وقفا أو مشتركا
стр. 391
وإن قل نصيب الشريك؛ لأن الإضافة إلى من يملك تقتضي الملك كله، وبهذا الاستدلال استدل إمامنا الشافعي، قدس سره، بأن دور مكة ملك لأهلها؛ لقوله تعالى: ﴿الذين أخرجوا من ديارهم﴾ وقوله ﷺ : "من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن" وقوله ﷺ : "ما ترك لنا عقيل من رباع" فإن أراد مسكنه الذي هو فيه حنث هذا حيث وكل إلى دينه، وإلا ففيه تفصيل يطلب من محله، والله أعلم.
مطلب رجل اتفق مع آخر أن يزوجه بنته إلخ .
(سئل) في رجل اتفق مع آخر أن يزوجه بنته بدلا عن أخته التي كان تزوجها أبو أب البنت، ثم مات زوج الأخت وحلف ولده بالطلاق الثلاث أنه لا يزوج بنته من أحد ولا من ابن على أخيه، فهل له مخلص من يمينه بأن تزوج من أحد ولا يقع عليه الطلاق.
(أجاب) نعم إذا وكل رجلا في زواج البنت المحلوف عليها لا يقع عليه طلاق؛ لأنه حلف على فعل نفسه لا على فعل الوكيل، كما صرح به الفقهاء متونا وشروحا، والله أعلم.
كتاب النذر
(كتاب النذر).
مطلب عمن نذر أو حلف بالله أو الطلاق .
(سئل) عمن نذر أو حلف بالله أو بالطلاق أو العتاق ليثنين على الله أفضل الثناء، أو ليحمدن الله تعالى بأفضل المحامد، فما المخلص من ذلك من أنواع الحمد.
(أجاب) اعلم أنه قد اختلف في ذلك، فقال يوسف بن عمر: قد اختلف في تعيين الفاضل من الحمد، فقيل: "الحمد لله بجميع محامده كلها ما علمت منها وما لم أعلم"، وقيل: "اللهم لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" وقيل: "الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده".
وقال النووي في أذكاره لو حلف ليثنين على الله أحسن الثناء فطريق بره أن يقول: لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" زاد بعضهم: "فلك الحمد حتى ترضى".
وصورة المسألة فيمن حلف ليثنين على الله بأجل الثناء وأعظمه وزاد في أول الذكر سبحانك، وزاد بعضهم في القول الأول: "عدد خلقه كلهم ما علمت منهم وما لم أعلم" وقول النووي يخرج من العهدة، ولكن لو جمع بينها كلها خرج يقينا، والله أعلم.
مطلب عما لو التزم شيئا وشك أهو صلاة أم لا .
(سئل) عما لو التزم شيئا وشك أهو صلاة أم صدقة أم صوم أم عتق أم نذر دعاء، وشك أهو إبل أم بقر أم غنم أو نذر التصدق بشيء وشك أهو ذهب أو فضة أو ثياب، فما الواجب عليه شرعا.
(أجاب) قال في العباب لو التزم شيئا ثم شك أهو صلاة أم صدقة أم صوم أم عتق احتمل أن يجب الكل وأن يجتهد كالقبلة. انتهى.
أما وجوب الكل فهو قياس ما لو ترك الصلاة من إحدى الخمس ولم يعلمها يلزمه فعل الخمس ليبرأ بيقين، فالقياس هنا لزوم الجميع، أما لو التزم شيئا وشك في قدره، أهو ألف أم مائة، أو في جنسه أهو ذهب أم فضة، أم نوعه أهو صحيح أم مكسر، فقد يقال يلزمه
стр. 392
أعظمها ليبرأ بيقين، وقد يقال: أقلها لأنه المتيقن في اللزوم، وقد يقال: يجتهد، وإذا قلنا بالاجتهاد وتحير وطلب المستحق حقه، فهل يجبر على الاجتهاد أو يترك إلى أن يظهر، قال ابن حجر: الراجح الاجتهاد ويفرق بأن من نسي صلاة من الخمس قد تيقن شغل ذمته بالكل، فلا يخرج منه إلا بيقين بخلافه هنا، فإن اجتهد ولم يظهر له شيء وأيس من ذلك اتجه وجوب الكل لأنه لا يتم خروجه من الواجب يقينا إلا بفعل الكل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والله أعلم.
مطلب فيما وقع من نذر شيء لمسجد أو لنبي أو ولي. إلخ .
(سئل) فيما يقع في بعض النواحي من نذر شيء لمسجد أو لنبي أو ولي كالسيد علي بن عليم، فهل يصح هذا النذر.
(أجاب) عبارة العباب ومن نذر زيتا أو شمعا ليسرج به مسجد أو غيره، أو وقف لذلك شيئا يشترى من ريعه صح إن انتفع به مصل أو نائم أو غيرهما ولو نادرا.
ومثله ما يتقرب ببعثه إلى القبر المعروف بجرجان، وما جمع هناك قسم على جماعة معلومين، وفي ابن حجر في آخر باب النذر، ومنها أي: نذر القربة التصدق على ميت أو قبره إن لم يرد تمليكه، والمراد العرف بأن ما يحصل له يقسم على نحو فقراء هناك، فإن لم يكن عرف بطل، قال السبكي: والأقرب عندي في الكعبة والحجرة الشريفة والمساجد الثلاثة أن من خرج من ماله عن شيء لها واقتضى العرف صرفه في جهة من جهاتها صرف إليها واختصت به. انتهى.
فإن لم يقتض العرف شيئا، فالذي يتجه أنه يرجع في تعيين المصرف لرأي ناظرها، وظاهر أن الحكم كذلك في النذر إلى مسجد غيرها، خلافا لما يوهمه كلامه. انتهى.
وأصل ذلك كله قوله ﷺ عام الفتح لعثمان بن: "طلحة يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف" فيؤخذ من ذلك، إما لخدمة المساجد الثلاث والأولياء الذين ينذر لهم، وكذلك الأنبياء الكرام إذا نذر لهم أحد، يجوز لمن يقوم بمصالحهم كالأماكن اللذين هم فيها إذا اشتهرت بهم، والله أعلم.
مطلب رجل نذر بقرة للسيد موسى الكليم إلخ .
(سئل) عن رجل نذر بقرة للسيد موسى كليم الرحمن، وله مقام يحتاج لعمارة ويرده زوار يعمل لهم طعام في أيام الزيارة، وله متول منصوب من طرف مولانا السلطان، أعزة الديان، فهل يجب على الرجل دفع البقرة للمتولي أو يتصرف فيها هو؟
(أجاب) نعم يجب على الرجل الناذر أن يدفع البقرة للمتولي ولا يجوز له التصرف فيها بوجه؛ لأنها خرجت عن ذمته بمجرد النذر وصارت عنده أمانة، فلو تصرف فيها بلا إذن من المتولي ضمنها، ويجب على المتولي أن يصرفها في مصالح المقام الأنور الأزهر الكليمي على نبينا وساكنه أفضل الصلاة وأتم السلام، والله أعلم.
(سئل) في رجل تشاجر مع أهل حرفته فقال: إن عملت في هذه الحرفة يكون علي للمسجد الأقصى والحرم
стр. 393
الشريف ثلاثون قرشا، وقد عمل في الحرفة، فماذا يلزمه.
(أجاب) هذا نذر لجاج وهو الواقع في الخصومة، فناذره مخير بين أن يلتزم ما التزمه، وهو دفع الثلاثين قرشا لجهة الوقف المذكور وبين كفارة يمين يخير فيها بين عتق رقبة أو كسوة عشرة مساكين أو إطعامهم، فإن عجز عن هذه صام ثلاثة أيام، والله أعلم.
مطلب فيما يفعله بعض الناس كقوله إن صحت دابتي
(سئل) فيما يفعله بعض الناس كقوله إن صحت دابتي مثلا فللولي الفلاني الميت منها قيراط أو قيراطان يعني به ثمن ذلك، ثم تصح دابته، فهل هذا نذر صحيح معتبر أو لا؟
وإذا قلتم بصحته وصحة دابته وأراد صرف ثمن ما ذكر مطابقا للوجه الشرعي كيف يفعل، وهل في أصل النذر المذكور تفصيل أو لا؟
وإذا قلتم فيه تفصيل فهل يفرق بين العالم بالفقه وغيره أو لا؟ وإذا كان الناذر في بلده والمنذور له في بلدة أخرى وتعذر وصول الناذر أو من يقوم مقامه لخوف طريق مثلا، فهل يكلف إرساله لبلدة المنذور له؟
(أجاب) شرط المنذور كونه قربة لم تتعين نفلا كانت أو فرض كفاية لم يتعين انتهى منهج، ثم قال وثانيها، أي: ثاني ضربي النذر نذر تبرر بأن يلتزم قربة بلا تعليق كعلي كذا وكقوله: إن شفي من مرضه لله علي كذا، لما أنعم الله علي من شفاء من مرضي أو بتعليق بحدوث نعمة أو ذهاب نقمة، كإن شفى الله مريضي فعلي كذا، فيلزمه ذلك حالا أو عند وجود الصفة إن علقه.
إذا علمت ذلك وكان المنذور له من نبي أو ولي أو من المساجد الثلاث، بل أو غيرها به جهة يعرف لها النذر من عمارة أو حصر أو زيت يشعل فيه أو يصرف لخدامه أو لمجاوريه علمت صحة النذر؛ لأن ذلك كله قربة لم تتعين، وعبارة الرملي ومثله ابن حجر عطفا على ما يصح نذره وتصدق على ميت أو قبره ولم يرد تمليكه، واطرد العرف بأن ما يحمل له يصرف على فقراء هناك، فإن لم يكن عرف بطل زاد ابن حجر.
قال السبكي: والأقرب عندي في الكعبة والحجرة الشريفة والمساجد الثلاث أن من أخرج من ماله عن شيء لها واقتضى العرف صرفه في جهة من جهاتها صرف إليها واختصت به، فإن لم يقتض العرف شيئا، فالذي يتجه أن يرجع في تعيين المصرف لرأي ناظرها، وظاهر أن الحكم كذلك في النذر إلى مسجد غيرها، خلافا لما يوهمه كلامه.
ثم قال قبل: يقع لبعض العوام جعلت هذا للنبي، ﷺ ، فيصح كما بحث؛ لأنه اشتهر في النذر في عرفهم، ويصرف لصالح الحجرة النبوية، ثم قال بعده: ولا يشترط معرفة الناذر ما نذر به كخمس ما يخرج من معشر، ثم قال في كتاب الوصية: وهي أي الوصية للكعبة وللضريح النبوي على مشرفه أفضل الصلاة والسلام لمصالحهما الخاصة بهما، كترميم ماء وهي من الكعبة دون بقية الحرم، وقيل: في الأول لمساكين مكة وللحرم يدخل فيهما مصالحهما ويظهر أخذا
стр. 394
مما تقرر ومما قالوه في النذر للقبر المعروف بجرجان صحتها كالوقف لضريح الشيخ الفلاني، ويصرف في مصالح قبره، والبناء الجائز عليه ومن يخدمونه أو يقرءون عليه، ويؤيد ذلك ما مر آنفا من صحتها ببناء قبة على قبر ولي أو عالم، أما إذا قال للشيخ الفلاني ولم ينو ضريحه ونحوه فهي باطلة، فقد بان لك صحة الوصية والوقف والنذر على نحو ولي ومسجد وعالم ونحوها على ما مر من التفصيل، والصرف على ما مر.
وعلمت أيضا أن في أصل النذر المذكور تفصيلا وهو أنه إذا كان للمنذر مصالح من عمارة وفقراء وخدام ونحوها صح النذر، وإلا فلا، ولا فرق بين العالم والجاهل، ولا بين معرفة المنذور وغيرها.
وعبارة المنهج: أو نذر أحد شيئا من نعم أو غيرها وعينه في نذره أو بعده إلى الحرم لزمه حمله إليه إن سهل عملا بما التزمه، ثم قال: أما إذا لم يسهل عليه كعقار ورحى فيلزمه حمل ثمنه إلى الحرم، فيتأتى هذا التفصيل هنا، والله تعالى أعلم.
مطلب فيما يقع من النذور للأنبياء والأولياء إلخ .
(سئل) فيما يقع من النذور من أهل المدن والقرى والبوادي لنحو رسول الله، ﷺ ، وخليل الله وكليم الله تعالى، على نبينا وعليهما وسائر الأنبياء الصلاة والسلام من نقد وحب وحيوانات وغيرها، فهل يصح النذر؟ وإذا قلتم نعم، فلمن يدفع، فرجل نذر لجناب موسى ناقة، فهل يجب عليه دفعها للمتولي على مقامه الشريف لكون له لوازم من عمارة ركية وفرش وزوار وغيرها.
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن النذر لهذه الأماكن وما شابهها مما هو من شعائر الإسلام كالمساجد والأنبياء المذكورين صحيح معمول به شرعا نص عليه أئمتنا الأعلام؛ لأن لها مصارف شرعية وضرورية لقيام نظامها من عمارتها، وعمارة اللوازم لها كالآبار التي يشرب منها الصادي والبادي ويلجأ لها الآمن والخائف، ولا سيما مقام كليم الديان جناب موسى بن عمران، فالنذر عليه صحيح نذر تبرر وقربة يثاب فاعله ويجب دفعه للمتولي على المقام الشريف بصرفه في لوازمه الضرورية والعرفية، فإن دفعه لغيره لم يصح ولم تبرأ ذمته منه، فإن تلف وجب عليه بدله؛ لأنه تعدى بصرفه لغير أهله.
ويجب على المتولي القابض له أن يصرفه في مصارفه اللازمة للمقام الشريف، وله الأكل منه بالمعروف؛ لقول رسول الله ﷺ في شأن ما يأتي للبيت الشريف:" ما أتاكم لهذا البيت فكلوا منه بالمعروف". والله أعلم.
مطلب: رجل نذر على منكر إن عاد إليه إلخ .
(سئل) في رجلا نذر على منكر إن عاد إليه يلزمه صيام عشر سنين، ثم عاد وليس له القدرة على الوفاء، هل تكفي كفارة اليمين عن كفارة النذر؟
(أجاب) هذا الواقع من الرجل نذر لجاج وهو مخير بين ما التزمه، وهو الصوم، وكفارة اليمين، قال في العباب: والإثبات في المعصية لجاج فقط، كأن أمر بشرب خمر فقال: إن شربته
стр. 395
فعلي كذا، والنفي فيها يحتمل التبرر، كإن لم أشربه وأراد إن عصمني الله منه، ويحتمل اللجاج بأن منع منه، فقال: إن لم أشربه، والله تعالى أعلم.
كتاب القضاء .
(كتاب القضاء)
(سئل) في رجل وجه له قاضي القدس الشريف وظيفة تولية بالمحلول واقعة تحت قضائه، وله عليها سلاطة المنع والإبقاء حسبما أذن له من جانب موكله حضرة السلطان، نصره العزيز الرحمن، فأرسل من بريد الموجه عنه بالمحلول فوجهت له براءة سلطانية، فهل يعمل بالتوجيه لمن بيده تقرير القاضي، حيث كان مأذونا له من جانب السلطان، نصره الله تعالى، ولا عبرة لمن في يده البراءة السلطانية، ويثاب الحاكم الشرعي على إجراء الحق لأهله ومنع المتصرفين لغير ذلك، وهل هذا الحكم مختص بأئمة الشافعية أو الحنفية؟
(أجاب) قال في المناوي في تسهيل الوقوف على أحكام الوقوف فرع أفتى بعضهم فيما لو تعارض تقرير الناظر الخاص والعام بتقديم الأول، وقيده غيره بما إذا لم يعلم السابق والأقدم، وهو يريد أن للحاكم التقرير في الوظائف مع حضور الناظر الخاص وأهليته ويرده عدهم من القواعد إن الولاية الخاصة أقوى من العامة، قالوا: ومن ثم لا يتصرف القاضي مع حضور الولي الخاص وأهليته.
إذا علمت ذلك علمت أن تقرير القاضي مقدم هنا لأمرين: الأول: من جهة سبقه فلا ينقض ما وقع منه من الأحكام لرفع الثقة بأحكامه لو رفعت الثاني كونه خاص الولاية، ونظره فيها أقوى وأبلغ فحكمه مقدم وتقريره مقوم. انتهى.
وبهذا أفتى علماء الحنفية للدرك الذي قلناه، والوجه الذي أبديناه، وأظن أن هذا الحكم لا يخالف فيه أحد من الناس حيث صادف تقريره الخاص أهلا ومحلا، والله تعالى أعلم.
مطلب: في أخوين بيدهما جباية وقف لهما إلخ .
(سئل) في أخوين بيدهما جباية وقف لهما، يتصرفان فيها مدة تزيد على ثلاثين سنة بموجب براءة عسكرية، وتقرير شرعي من ملأ بيت المقدس، قد تلقياها عن والدهما بالانحلال، وقد تصرف فيها مدة عمره ببراءة عسكرية وتقرير، وهو أيضا تلقاها عن والده وتصرف فيها نحو ستين سنة من غير معارض.
والآن برز رجل بيده براءة مالية بعثمانين جباية الوقف المذكور عن محلول والد المنازع البارز الآن ولم يعهد له ولا لأبيه تصرف ولا جباية للوقف ولم يذكر في براءته رفع الجابيين المذكورين، فهل للمتولي منع الجابيين عن وظيفتهما بقوله: إن البراءة المالية مقدمة على البراءة العسكرية، وإن الوقف لا يكون له إلا جاب واحد، فما الحكم في هذه الحادثة.
(أجاب) أيها السائل افهم المدارك قبل أن تعارك، وانظر المطالب قبل أن تطالب واعلم أن الأخوين المذكورين هما المستحقان للوظيفة
стр. 396
المذكورة لوجود تقرير القاضي الخاص وهو مقدم على تقرير العام لو وجد وعارض هذا التقرير لكان الخاص مقدما عليه، كما صرح به غير واحد، هذا إذا لم يوجد سبق بأن قررا معا كيف، والتقرير الخاص سابق، والتأخير لا يعارضه لعدم التصريح برفع الأول فالأخوان مقدمان لأمور منها:
تقديم الخاص، ومنها البراءة العسكرية حيث كان مع ميزها إذن ممن له الإذن، ومنها عدم رفعهما بالبراءة المالية، ومنها تصرفهما وتصرف من قبلهما هذه المدة، ومنها أن البراءة المالية فيها أخذ الرجل عن أبيه ولم يعهد لأبيه تصرف ولا له اسم سابق في الجباية، كان ذلك مناديا ينادي على رءوس الأشهاد أن البراءة المالية وقع فيها اشتباه وخلاف إنهاء؛ لأنه وإن وجد في دفاترهم اسم موافق لاسم أبي المنهي، فمن أين يعلم أن ذلك الاسم اسم أبيه، وإن أقام على اسم أبيه بينة، فنقول له نعم أبوك اسمه ذلك، وقد تتوافق أسماء الآباء والأجداد، وهذا فن من فن الحديث يسمى "المتفق والمفترق" وهو أن تتحد الأسماء وتختلف المسميات نحو: خليل بن أحمد فهم ستة بل أكثر، يقال لكل منهم خليل بن أحمد، وقد وقع الاتفاق في اسم المحدث واسم أبيه واسم جده، مثل أبي بكر بن أحمد جعفر بن حمدان البغدادي، ومثل أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن عيسى السقطي.
ومن غريب ما اتفق محمد بن جعفر بن محمد ثلاثة متعاصرون ما توافي سنة واحدة، وهذا فن كبير من فنون علم الحديث يجب معرفته مخافة اللبس، فقد يظن المتعدد فيه واحدا عكس في الأنساب، فليتق الله رجل يكون لأبيه ولجده مثلا أسماء توافق غيرهما فيدعيهما لنفسه ويأخذ وظائف الغير بهذا الاشتباه.
وقولهم: إن البراءة المالية مقدمة على البراءة العسكرية، لعل محله ما إذا سبق تاريخ البراءة المالية أو وقعتا معا، أو اشتبه الحال، وإلا فالنائب كالقاضي والوزير كالسلطان، والوكيل كالأصيل فما معنى إبطال حكم النائب بحكم القاضي إذا لم يكن في حكم النائب خلل فيجب على المتولي أن يدفع للأخوين المذكورين معلوم جبايتهما، ثم إن المورد للبراءة المالية عن والده بطلب وظيفة محلولة عن والده، فإذا لم يوجد الأصل فمن أين يوجد الفرع كالكتابة على الماء، فهل لها ثبوت عليه لعدم أصل تعتمد عليه، فتأمل ما شرحناه لك، ولا تخض في الأحكام الشرعية بالخيالات الرديئة، والله تعالى أعلم.
مطلب فيما شاع في هذه الأعصار من عدم سماع الدعوى إلخ .
(سئل) فيما شاع في هذه الأعصار بعد الألف من الهجرة النبوية على مشرفها أفضل الصلاة وأتم التحية من عدم سماع الدعوى بعد مضي خمس عشرة سنة، ولا سيما لمن يشاهد التصرف وهو حاضر مثلا في البلد، هل لذلك أصل من الشرع القويم، وهل أحد ممن هو مشهور بالتأليف من أئمة الشافعية
стр. 397
ذكرها وهل الزيادي ذكرها في تأليف أم في سؤال رفع له أوضحوا لنا هذه المسألة إيضاحا شافيا.
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن الحق لا يبطل بتطاول الزمان، ولو ألوفا من السنين، فمن علم أن بذمته أو ذمة موروثه القريب أو البعيد حقا لمسلم أو ذمي وجب عليه الخروج من عهدته ووفاؤه ولو بالسفر البعيد ليوصله إلى مالكه، وهذا أمر متفق عليه بين علماء الإسلام، بل هو من الشرائع القديمة ومن أحد الكليات الخمس أو الستة التي يجب حفظها على كل أحد، وهو محل منصب السلطان ونوابه، نصرهم الله تعالى.
وأما هذا الذي شاع في هذه العصور إنما أحدثه بعض ملوك آل عثمان، حرسهم الرحمن، خوفا من الانتشار، وكثرة الخصام، والترفع إلى الأحكام، وكأنهم عملوا فيه بقاعدة أبي حنيفة، ﵁، من الاستحسان الذي يقول به دون الشافعي، وقد سألت عنه السيد أحمد الحموي المؤلف في مذهب الإمام المذكور فقال: نعم نقول به، لا يجوز للقاضي أن يقضي فيما زاد على خمس عشرة سنة بشرط أن ينص له موليه في منشوره عليه، هذا كلامه.
فعلى هذا يشترط في كل قاض أن ينص له موليه على ذلك، وأما إذا أطلق له التولية فيحكم في جميع الحوادث؛ لأنه لم يمنع من شيء منها، وسألت شيخنا محمد الشرنبلالي عن ذلك، فأجاب بمثل جواب السيد أحمد، ووجهه أن القاضي ولايته تشمل ذلك، فليس له فيه الإلزام وإنما له الإخبار كأحاد العلماء لما علم، وهذا الكلام ينكشف لك عندنا وعندهم بأن القضاء يخص بالزمان كسنة مثلا، والمكان كالشام، والنوع كالحكم في الأنكحة مثلا، والمحكوم عليه كأهل الشام مثلا أو زيد.
قال في العباب: ثم إن عمم تولية كل واحد أو أطلق فهي عامة وإن خص كل واحد بمكان أو زمان أو نوع محكوم به أو عليه لم يتعده. انتهى.
إذا علمت ذلك عندنا، وهو أيضا مقتضى مذهب الحنيفة، انفتح لك الباب، وعلمت صحة الجواب من الشافعية والحنفية، أما الشافعية فهو ما ذكرناه لك من نص العباب ومثله غيره، وعلى ذلك ينزل ما أفتى به الزيادي؛ لأنه لم ينقل عنه إلا الإفتاء فقط، ولم ينقل عن غيره من أئمتنا فيها كلام.
وكذلك ما أجاب به شيخنا المذكور وكذلك السيد أحمد، وإذا وقع هذا الإفتاء
منا أو منهم هو مبني على نص سلطان الوقت لكل قاض رفعت له هذه الدعوى على المنع فيما فوق خمس عشرة سنة. ونصوص مذهبنا على أن السلطان هو الذي يولي القضاة، وإذا ولاهم وأطلق كان لهم الاستخلاف في الحكم على ما فصل في كتب الفقه.
وأما الآن في زمننا فإن السلطان، نصره الرحمن، يولي شيخ الإسلام، وهو يولي القضاة، فإن أطلق السلطان، نصره الرحمن، لشيخ الإسلام أو خصص بذلك أي مما
стр. 398
دون الخمس عشرة سنة، وشيخ الإسلام كذلك مثله فيما قيد له به لم يتعده هو، وأما إن نهاه عن الزيادة، فليس له أن يعمم تولية القضاة.
والحاصل أن زمننا هذا لا بد له من نص من جناب شيخ الإسلام للقاضي في منشوره على المنع فيما زاد عليها، وأما كون سلطان من سلاطين الوقت أو شيخ الإسلام يمنع ذلك مرة، فلا يسري ذلك على العموم، فالإفتاء الواقع الآن منا ومنهم معروض على القاضي، وهو أدرى بمنشوره، فإن كان منصوصا له على ذلك لم يتعده عملا بما قررناه لك، من حيث الحكم والإلزام والحبس والتعزير وغير ذلك، بل يقول للخصم: إن كان في ذمتك حق لخصمك فيجب عليك وفاؤه، كما يقول لك ذلك العالم منا، وأما أنا فلا قضاء لي في حادثتك؛ لأن من ولاني لم يأذن لي بالحكم فيها فخذ شرحا وافيا بالمراد دافعا للإيراد، موضحا للمذهبين، ومزيلا للمراء من العين، ومبينا للحجتين، واشرب من ماء رأس العين زلالا، ولا تشرب من ماء الطواحين؛ لأنه مكدر كل حين، والله أعلم.
باب القضاء على الغائب.
(باب القضاء على الغائب).
(سئل) في رجل غائب عليه دين وله معلوم وظيفة قبض له أخوه، فهل يجوز لحاكم الحكم على الغائب ووفاء دينه مما قبض له من معلوم الوظيفة.
(أجاب) قال في المنهج وشروحه لشيخ الإسلام هو أي القضاء على الغائب جائز في غير عقوبة لله تعالى إن كان للمدعي حجة مسخر ينكر عن الغائب لتكون الحجة على إنكار منكر، ويجب تحليفه بعد إقامة حجته أن الحق ثابت يلزمه أداؤه وذلك بعد تعديلها، والله أعلم.
مطلب في رجل مات فقرر القاضي إلخ .
(سئل) في رجل مات فقرر القاضي في وظائفه أخاه، ثم إن رجلا أنهى لحضرة السلطان نصره الله تعالى أمر الميت فقرره في وظائفه بناء على شعورها بالموت غير عالم بتقرير القاضي، فهل يعمل بتقرير القاضي أم بتقرير السلطان مع أنه ما قرره إلا بناء على ما أنهى غير عالم بما قرره القاضي ما الحال.
(أجاب) كشف النقاب عنها أن السلطان حفظه الله تعالى لما ولى القاضي صار نافذ الحكم، فلما قرر في الوظيفة الأهل لها صار مستحقا لها، فتقرير السلطان لم يصادف محلا، بل صرحوا أنه لا يجوز عزل الأهل، فسواء علم بتقرير القاضي أم لا، لا يجوز له تقرير ولا عزل الأهل، والله أعلم.
باب القسمة.
(باب القسمة).
مطلب: ثلاثة إخوة بينهم نحاس إلخ .
(سئل) في ثلاثة إخوة بينهم نحاس مشترك، أذن أحدهم لأخويه في تقطيعه أثلاثا، ثم رجع بعد التقطيع، فهل له ذلك.
(أجاب) حيث أذن الأخ لأخويه في قطع النحاس ليس له الرجوع في ذلك والتعنت مع أخويه، قال في العباب: وإن لم تبطل المنفعة بالكلية وبطلت بالقسمة منفعته المقصودة كطاحونة وحمام
стр. 399
صغيرين لم يجبر الممتنع. انتهى. فحيث أذن لم يكن ممتنعا، والله أعلم.
مطلب عن رجل له سدس دار ولامرأة إلخ .
(سئل) عن رجل له سدس دار ولامرأة خمسة أسداسها، فهل إذا طلب وكيلها القسمة، وأبى صاحب السدس إلا المهايأة فهل يجاب إلى القسمة؟
(أجاب) نعم يجبر صاحب السدس على القسمة، كما صرحوا به متونا وشروحا، بخلاف ما لو طلبها صاحب السدس، فلا يجاب، قال في المنهج وشروحه: ولو كان له عشر دار مثلا لا يصلح للسكنى، والباقي لآخر يصلح لها، ولو بضم ما يملكه بجواره أجبر صاحب العشر على القسمة بطلب صاحب التسعة أعشار؛ لأن صاحب العشر متعنت في طلبه، والآخر معذور، والله أعلم.
مطلب في رجل مات عن أولاده إلخ .
(سئل) في رجل مات عن أولاده، وخلف ما يورث، فقسم بينهم بحسب إرثهم، ومات الأولاد وخلفهم أولادهم، ثم أولاد أولادهم، يريد أحد أولاد الأولاد نقض القسمة المذكورة، فهل له ذلك أو لا؟
(أجاب) لا يجوز لمن ذكر أن يطلب نقض القسمة؛ لأن ذلك لو فتح لم يثق أحد من الناس بقسمة، بل يجب زجر ذلك ومنعه؛ لأن ذلك منه عناد محض وتعنت خالص، فليتق الله فيما عرض له، والله أعلم.
مطلب في ثلاثة إخوة بينهم أرض إلخ .
(سئل) في ثلاثة إخوة بينهم أرض وعقار مشترك عين أحدهم حصة من العقار وطلبها من أخويه نظير حصته فأعطاها إياه ورضي بها وتصرف فيها نحو عشر سنين، وقد باع الأخوان حصته مع ما بقي بيدهما لآخر، وتصرف المشتري فيها بالبناء وغيره، فهل ما تراضيا عليه مع أخيهما وبيعهما للأجنبي صحيح وليس له الرجوع على المشتري ولا على أخويه؟
(أجاب) قال في العباب: وللشركاء الكاملين القسمة بأنفسهم أو بغيرهم وهو وكيل لهم، فلا يشترط فيه إن لم يحكموه ما يشترط في منصوب الإمام، فحيث رضي الأخ والأخوان بما أخذه الأخ صار ذلك حقه، فليس للأخوين معارضته وليس للمشتري له أيضا معارضتهما وصح بيعهما للرجل المذكور وليس للأخ معارضة المشتري؛ لأنه لا حق له في ذلك لرضاه بما أخذه من الحصة ورضاهما بما بقي لهما، فتصرفهما صحيح في حصتهما، وتصرفه صحيح في حصته، والله أعلم.
مطلب في دار مشترك بين إخوة. إلخ .
(سئل) في دار مشتركة بين إخوة اقتسموها فيما بينهم بحسب الحصص بأمر حاكم الشرع، وحكم بذلك وكتب بينهم حجة شرعية بذلك، وكتب بينهم حجة شرعية بذلك، وبما خص كل واحد منهم وتصرف كل واحد منهم في حصته أكثر من ثلاثين سنة، والآن بعضهم ينازع ويريد نقض القسمة، فهل يجاب لذلك.
(أجاب) حيث كانت الدار غير متفقة بالأجزاء لا تنقض قسمتها مطلقا، سواء ظهر فيها غلط أو حيف، وسواء الغلط الفاحش وغيره، وإن قامت بينة تشهد بذلك؛ لأنها بيع، ولا أثر للغلط والحيف فيه، كما لا أثر للغبن فيه لرضاء صاحب الحق به، قال في المنهاج: على أن التصرف المذكور هذه المدة مع الحضور
стр. 400
والمشاهدة مانع دعوى نقض القسمة إذ لو وقع حيف أو غلط لذكر فيما مضى من الزمان، على أن الدعوى بعد خمس عشرة سنة لا تسمع، حيث نص على ذلك مولانا السلطان، نصره الديان، في منشور القاضي؛ لأنه لا ولاية له على ما زاد، بل هو كغيره من الناس، والله أعلم.
مطلب في خربة مشتركة بين جماعة إلخ .
(سئل) في خربة مشتركة بين جماعة تقاسموها فيما بينهم، فخص جماعة منهم بيت منها، وكان بعضهم خارجا عن البلد والبعض حاضر القسمة، فهل لمن كان حاضرا منهم أن يختص بهذا البيت مع أن فيه من يشهد بأن البيت شركة بين الطائفة المذكورة.
(أجاب) ليس للمحاضر الاختصاص بالبيت المذكور حيث سلم الحاضر استحقاق الغائب فيه، فإن لم يسلم وشهد شاهد عدل بأن البيت شركة بين من ذكر وحلف المدعي يمينا بصدق دعواه وصدق شاهده قسم بينهم على حسب الحصص، والله أعلم.
مطلب رجل له أخ مات وضم أولاد أخيه إليه إلخ .
(سئل) في رجل له أخ مات وضم أولاد أخيه إليه، فكبر رجل منهم والآن يريد أن يقاسم عمه فيما بيده مع أن عمه رباه وأخرجه من العدم، فهل له ذلك.
(أجاب) ليس لابن الأخ أن يقاسم عمه فيما هو خاص بالعم، وإن فرض أنه خدمه؛ لأنه متبرع بخدمته، والله أعلم.
مطلب في بقرة وبنتها بين رجلين تقاسماهما. إلخ .
(سئل) في بقرة وبنتها بين رجلين تقاسماهما أخذوا حد الأم، ودفع لشريكه على بنتها ثلاثة قروش، ثم مضى على ذلك نحو سنة، فباع البنت مالكها لرجل، ومضى على ذلك نحو سنة، ثم باعها المشتري، ومضى على ذلك نحو أربع سنين، ثم الآن الشريك يدعي بطلان القسمة؛ لكونه رد عليه نصف الدراهم، فهل تبطل بذلك.
(أجاب) ما وقع في هذه القسمة من دفع الدراهم من آخذ البقرة لأخذ بنتها بيع، والبيع لا يبطل برد الثمن؛ لأن هذه القسمة قسمة رد، وهي بيع لا تبطل برد الثمن أو بعضه، على أن تداول الأيدي مع مضي هذه السنين الستة مشعر بأن المدعي مبطل في دعواه، والمعين له على تحقيقها أشد إبطالا منه، فيجب على قاضي الجنة أن ينظر فيها بنور الله تعالى، والله أعلم.
مطلب في رجلان بينهما عالولان. إلخ .
(سئل) في رجلين بينهما عالولان كل واحد منهما في بلد، وكل واحد تحت يده عالول، وقع بينهما رضى وقسمة أن كل واحد منهما يأخذ ما تحت يده، وتصرف كل واحد منهما فيما تحت يده نحو خمس سنين، ثم سرق عالول من تحت يد أحدهما، فأراد يدعي نقض القسمة، فأقام الذي تحت يده شاهدا على الرضى بالقسمة، وحلف معه يمينا ومضى على ذلك الأمر مدة، والآن ابن القاسم الراضي بما ذكر، ينازع، فهل له والحالة هذه منازعة في ذلك؟
(أجاب) لا ريب أنه بعد الرضى بالقسمة وتصرف كل منهما فيما بيده المدة المذكورة ليس لأحدهما نقض القسمة؛ لأن الرضاء غلب القضاء، قال في شرح المنهج لشيخ الإسلام
стр. 401
زكريا الأنصاري: فإن لم يحكما أي الشريكان، القرعة كأن اتفقا على أن يأخذ أحدهما الجانبين، والآخر الثاني أو يأخذ أحدهما الخسيس والآخر النفيس، ويرد زائد القيمة، فلا حاجة إلى تراض ثان، فقد علمت أن مجرد الرضى الواقع بين الشريك على المقسوم كاف، ولهذا قالوا: وقد يقسم المشترك الشركاء يعني بالتراضي بينهم، وإذا وقع ذلك وبين المقسوم فلا نقض للقسمة، سواء كانت قسمة رد وهو ظاهر؛ لأنها بيع أم غيرها لوجود الرضى المذكور، والله أعلم.
مطلب أخوان بينهما دار مشتركة. إلخ .
(سئل) في أخوين بينهما دار مشتركة اقتسماها أولا وثانيا، ويخير أحدهما الآخر، والمخير يتقلب، فهل له ذلك كلما أراد.
(أجاب) حيث وقعت القسمة سواء كانت بتراض من الشركاء، أم كانت بمنصوب الحاكم، وهي بغير الإجزاء كما هنا، بل كانت بالتعديل أو الرد لم تنقض؛ لأنها بيع ولا أثر لدعوى الغلط والحيف فيه، كما لا أثر للغبن فيه لرضى صاحب الحق بتركه، فلا يجوز للأخ التقلب ولا يصغى لقوله، بل يلغى قوله لأنه خلاف الشرع القويم، والله أعلم.
مطلب: رجل له دين على ميت أحاله به على جهة. إلخ .
(سئل) في رجل له دين على ميت، أحاله به على جهة معلومة، وصار على الميت رسم قسمة، كما جرت به العادة، فهل يؤخذ رسم القسمة من الجهة المحال عليها أم لا؟
(أجاب) لا ريب أن حق المحال تعلق بالمحال عليه، وحق القاسم تعلق أولا ببيت المال، فإن لم يوحد فعلى الشركاء سواء طلب القسمة كلهم أم بعضهم؛ لأن العمل لهم قاله في المنهج كغالب كتب المذهب، إذا علمت ذلك علمت أن لا علاقة للقاسم بحق المحال؛ لأنه لم يعمل فيه شيئا، والله أعلم.
مطلب في كروم بين أخوين اقتسماها. إلخ .
(سئل) في كروم بين أخوين اقتسماها مناصفة بقضاء القاضي لهما، وقبض كل واحد منهما ما خصه بالقسمة ورضي وسقط الغبن، وجعل لأحدهما عشرين قرشا أسديا على الآخر زيادة لترجح قسمته على الآخر، وكتب بالمقاسمة حجة، ثم مات أحد الإخوة بعد أربع سنين عن طفل وتصرف وليه بالولاية عنه فيما بقي لأبيه من النصيب إلى أن بلغ وتصرف بعد بلوغه في نصيب الموروث عنه مدة ثلاث سنين.
والآن قام يدعي الابن على العم نقض القسمة، وقد مضى من تاريخ المقاسمة إلى يوم الدعوى سبعة عشر سنة، فهل تصح القسمة وإلا تنقض، وإذا ادعى الابن بأن المال المجعول لم يدفعه عمه لأبيه وإنه باق بذمته وادعى العم الدفع حال حياته يطلب منه البرهان أم يصدق بيمينه.
(أجاب) هذه القسمة التي فيها مال تسمى قسمة رد وهي بيع لما فيها من المال، فلا تنقض فيها القسمة بعد تمييز الحصص وتبينها لما علم ولو بعد مفارقة مجلس القسمة، وأما العشرون قرشا فتحتاج إلى إقامة البينة عليها، وإلا فاليمين على الطالب لها، والله أعلم.
(سئل) في أخوين نشآ في حضانة
стр. 402
أمهما واكتسبا وحصل بينهما مالا من غنم وبقر ومال وغلة وغير ذلك، ثم ماتت أمهما فاقتسما جميع ذلك بينهما نصفين، ومن جملة ذلك نحل قسم بعضه إفرازا بحيث يعرف كل منهم حصته، وبعضه كان يقسم العسل بينهما، وكان أحدهما لقي ركابا مع رجل آخر فباعه من غير إذن الآخر، فأراد أخوه نقض القسمة بهذا السبب، لقول بعض أهل القرى له أن ذلك أن ينقض القسمة، فهل له ذلك، وكان قد اتهم أحدهما بتهمة وغرمه الحاكم مالا وأخذ من مال أخيه شيئا قهرا عليه ودفعه في جرمه، فبين لنا الحكم الشرعي.
(أجاب) ما جرى بين الأخوين من قسمة ما بينهما من غنم وبقر وغلة ونحل صحيح لا ينقض ولا تبطل قسمته؛ لأن إقرار كل منهما عليها دليل على صحتها ونفادها، وشاهد لكل بملك ما حصل بيده لإقرار كل منهما صاحبه عليه، وما أخذه أخوه من غير رضاء منه، ودفعه في جرمه يضمنه له ضمان الغصب بأقصى القيم، وما تعلل به أخوه من بيع الركاب لا ينقض به القسمة لانفصالها وتمامها وما ذكر أمر آخر خارج على ذلك، والله أعلم.
مطلب في أخوين لهما عقار مشترك بينهما إلخ .
(سئل) في أخوين لهما عقار مشترك بينهما موروث عن أبيهما ولهما على أستاذ قريتهما خلعة تدفعها لهما في كل سنة فأراد أن يقسما العقار بينهما مناصفة، فجعلا حصته من العقار والخلعة نصفا، وبقية العقار نصفا، وتصرف كل منهما في النصف ثم أبطل أستاذ القرية الخلعة التي كان يدفعها لهما، فهل هذه القسمة صحيحة أم لا.
(أجاب) هذه القسمة باطلة من وجهين أحدهما: أن الخلعة مجهولة والمجهول لا يقابل بالمعلوم، الثاني: الخلعة التي على الأستاذ إحسان لا تقابل بمال؛ لأن غالب الأستاذين إنما يدفع ذلك لأجل قيام المشايخ بمصالحه، والله أعلم.
مطلب في ثلاثة إخوة مات أبوهم إلخ .
(سئل) في ثلاثة إخوة مات أبوهم عن ملك، ثم الإخوة اقتسموا ذلك الملك من شجر وأرض وغير ذلك، ولهم نحو ثلاثين سنة مقتسمون ومات بعضهم، والآن يريدون نقد القسمة، ولأخيهم شريك فيما يخصه اشترى حصته، فهل لإخوته معه شفعة؟
(أجاب) لما وقع التقاسم بين الإخوة وعرفت الحدود، وصرفت الطرق، صار كل واحد منهم مالكا لحصته، إن عمرها فمن حظه، وإن خربها فمن سوء حظه، وليس لأحد بعد ذلك طلب نقض القسمة، فطالبها بغير وجه شرعي صائر على أخيه بالباطل فيرد عنه بما أمكن، وليس لهم معه شفعة بوجه؛ لأن الشفعة للشريك وهما ليسا شركاء له، والله أعلم.
مطلب في ثلاثة أولاد عم قسموا ما بينهم إلخ .
(سئل) في ثلاثة أولاد عم قسموا ما بينهم من زيتون وأرض بعضهم عن نفسه وبعضهم بالوكالة، وكان منهم رجل غائب، ثم حضر وأجاز ذلك ووقع لهم جميعا التصرف مدة نحو خمسة عشر سنة لا ينازع أحد أحدا، وبعضهم عمر حصته، وبعضهم أهملها، ويريد بعضهم الآن
стр. 403
نقض القسمة، فهل له ذلك أم لا؟
(أجاب) حيث وقعت القسمة وصرفت الحدود لا نقض لأحد فيما خصه ولا سيما مع التصرف المذكور هذه المدة ومع علم الغائب وإجازته وتصرفه فإنه دليل على رضاه بما أخرجته له القسمة، والله أعلم.
كتاب الشهادات .
(كتاب الشهادات).
مطلب قد ذكر العلماء أن الصغيرة إذا تكررت تصير كبيرة إلخ .
(سئل) قد ذكر العلماء أن الصغيرة إذا تكررت تصير كبيرة، فما ضابط التكرر والإصرار، فإن ذلك ليس فيه نص من الكتاب أو السنة.
(أجاب) قال بعض العلماء ينظر إلى ما يحصل من ملابسة أدنى الكبائر من عدم الوثوق بملابستها في أداء الشهادة والوقوف عند حدود الله، ، ثم تنظر التكرر في الصغيرة، فإن حصل في النفس من عدم الوثوق به ما حصل من أدنى الكبائر كان ذلك كبيرة تخل بالعدالة، وهذا يؤكد أنه لا بد فيه من العزم، فإن اللفتات من غير عزم مستمر لا تكاد تخل بالوثوق، نعم قد تدل كثرة التكرر العزم في النفس.
وبهذا الضابط يعلم أن المباح المخل بقبول الشهادة كالأكل في الأسواق ونحوه بأن يصدر صدور يوجب عدم الوثوق في حدود الله، ، كان ذلك مخلا، وذلك يختلف بحسب الأحوال المقترنة والقرائن المصاحبة وصورة الفاعل وهيئته وهيئة الفعل، والمعتمد في ذلك على ما يوجد في القلب السليم عن الهواء المعتدل المزاج والعقل والديانة لعارف بالأوضاع الشرعية، فهذا هو المتعين لوزن هذه الأمور، فإن من غلب عليه التشديد في طبعه يجعل الصغيرة كبيرة، فلا بد من اعتبار ما تقدم ذكره في العقل الموازن لهذه الاعتبارات، ومتى تحللت التوبة من الصغائر فلا خلاف أنها لا تقدح في العدالة.
وكذلك ينبغي إذا كانت من أنواع مختلفة، وإنما تحصل الشبهة واللبس إذا تكررت عن النوع الواحد، وهو موضع النظر الذي تقدم التنبيه عليه، وأما الإصرار فهو عزم القلب على الاستمرار على الذنب عزما يوازن الكبيرة لو صدرت منه، ولهذا قال أبو طالب المكي: أن الإصرار على الذنب من كبائر القلب، والله أعلم.
مطلب في جماعة أخذوا من رجل جملا إلخ .
(سئل) في جماعة أخذوا من رجل جملا غصبا، ثم ادعى عليهم عند حاكم الشرع فشهد منهم شاهدان بأنه وصل له ثمن جمله، فهل تقبل شهادتهما؟
(أجاب) شرط صحة شهادة الشاهد أن لا يجر لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضررا، والشاهدان المذكوران يريدان أن يدفعا عن أنفسهما ضرر الضمان فلا تقبل شهادتهما، وللرجل أن يطالب بثمن جمله أقصى القيم؛ لأنه مأخوذ بالغصب، والله أعلم.
(سئل) عن رجل دفع لآخر جملا ليعمل عليه بحصة من عمله، فنهب الجمل، فادعى مالكه أنه نهاه عن السفر إلى المكان الذي نهب فيه، وأقام على ذلك بينة بجعل لها على
стр. 404
الشهادة فهل تقبل شهادتهما.
(أجاب) حيث ثبت بالوجه الشرعي أن الشهود لم يعلموا الشرط المشهود به، وإنما شهدوا بالأجرة على الشهادة لا تقبل شهادتهم؛ لقوله ﷺ على مثلها يعني الشمس فاشهد، والله أعلم.
مطلب عن رجل سرق له شيء فاتهم به رجلا وأخاه إلخ .
(سئل) عن رجل سرق له شيء فاتهم به رجلا وأخاه، قال لهما: احضروا ما عملته للشاهد شيئا على عادة القرى فأحضراه، فقام المدعي وشهد لنفسه وأخذ الجعل وألزم المتهم بالسرقة، فهل ما ذكر صحيح موافق للشريعة الغراء.
(أجاب) ما ذكر من شهادة المدعي لنفسه باطل بإجماع أهل الحق، والباطل لم يعهد في شريعة قط من الشرائع، فيجب على كل مسلم وغيره إنكاره والزجر عنه وتأديب العامل به؛ لمخالفته لقوله ﷺ : "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، والله تعالى أعلم.
مطلب عن تحمل الشهادة عن الأصل إلخ .
(سئل) عن تحمل الشهادة عن الأصل هل تجوز؟
(أجاب) نعم يجوز تحمل الشهادة في ثلاث صور: أن يقول أنا شاهد بكذا وأشهدك وأشهد على شهادتي، أو بأن يسمعه يشهد عند حاكم، أو بأن يسمعه ويبين سببها، كأشهد أن لفلان على فلان ألفا قرضا، ويشهد عن كل أصل فرعان ويكفي فرعان عن أصلين، والله أعلم.
مطلب في وكيل عن طائفة الأرمن إلخ .
(سئل) في وكيل عن طائفة الأرمن الذمية القاطنة ببيت المقدس مأذون له بالتصرف في مصالحهم ووفاء ديونهم وقضاء حوائجهم، وفي لوازم عرفية عليهم للحكام وغيرهم بموجب حجج وتمسكات شرعية وفرمنات شريفة، استدان من رجل مبلغا معلوما وقضى به دينا عليهم، وكتب للرجل بذلك تمسكا بخط عربي وشهود مسلمين، فهل إذا عزل هذا الوكيل القابض لذلك المبلغ وقام مقامه غيره يجب عليه وفاء هذا الدين، ولا ينفعه التعلل بكون التمسك المذكور ليس مختوما بختم الدير؟
(أجاب) نعم يجب على الوكيل القائم مقام المعزول وفاء الدين المذكور لأخذه له في مصالحهم وقضاء دينهم، فإن امتنع من الوفاء ألزمه حاكم الشرع بذلك أخذا مما ذكره العلماء في مشايخ القرى المنصوبين عليهم بأنهم لو بذلوا مالا في مصالح القرية الضرورية كان لهم الرجوع على أهلها، فكيف بهذا الوكيل الدافع للمال المأخوذ في قضاء الدين.
وأما ما تعلل به من كون التمسك غير مختوم بختم الدير فهو تعلل باطل بإجماع المسلمين، إذ شرعنا المطهر يأبى ذلك إذ لم يعول إلا على الشهود العدول، فحيث وجدوا وجب على حاكم الشرع العمل بهم، ولا عبرة بختوم أهل الإسلام فكيف يعمل بختوم الكفرة اللئام ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا، والله تعالى أعلم.
مطلب في زرع حرق فاتهمهم مالكه جماعة إلخ .
(سئل) في زرع حرق فاتهم مالكه جماعة، فقال المتهمون: ما أحرقناه، ولكن أحرقه فلان فهل يقبل
стр. 405
قولهم المذكور؟
(أجاب) لا يقبل قولهم المذكور ولأنه دفع ضرر عنهم، ولو بالعار اللاحق لهم، ولأنهم بادروا بشهادتهم فترد، والله تعالى أعلم.
مطلب عن رجل بات له ثور خارج البلد إلخ .
(سئل) عن رجل بات له ثور خارج البلد ليلا فأصبح مريضا فذبحه وباع لحمه وجلده، فاتهم به رجلا وله ابن عم أخذ له بقرا وحميرا وشعيرا من غير وجه شرعي، فهل لأهل الخير والصلاح زجر هذا الرجل عن فعله القبيح، وهل يضمن منافع الدواب وزوائدها؟
(أجاب) اعلم، وفقك الله تعالى، لطريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن قيام هذا الدين، وشرف هذه الأمة، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى عز من قائل: ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ وقد مسخ الله تعالى طائفة من اليهود لعدم نهيهم عن أخذ الحوت يوم السبت، وخسف بقوم لوط لعدم نهيهم عن المنكر الذي كانوا يأتونه، فيجب على كل مسلم، سلم المسلمون من يده ولسانه، زجر هذا الفاجر المعتدي المخالف لدين سيدنا محمد، ﷺ ، هو أقوم الأديان حتى يمتاز عن هذا الطغيان، ويدخل في عداد أهل الإيمان، وليس لهذا الرجل المدعي عند الرجل المتهوم حق مطلقا.
وأما ابن عمه الآخذ فيجب عليه رد ما أخذه له من بقر وحمير وشعير وأجرة دوابه مطلقا، سواء استعملها أم لا، وأما ابن الرجل المتهوم، فإن أقام عليه بينة شرعية بأنه أمرض ثوره فيلزمه ما نقص من قيمته فقط، ورحم الله تعالى من انتصر للحق، وأخذ بيد المظلوم ورد الظالم عن ظلمه، قال ﷺ : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا: هذا المظلوم، فما بال الظالم؟ فقال ﷺ : رده عن ظلمه". والله أعلم.
مطلب في رجل يدعي استحقاقا إلخ .
(سئل) في رجل يدعي استحقاقا في وقف جاء بشاهد يشهد له بأنه آجر هذا الاستحقاق من آخر سنة ونصفا، ويريد أن يقيم رجلا ثانيا بذلك، فهل يثبت الاستحقاق المذكور؟
(أجاب) ما ذكر من شهادة الشاهد بالإجارة للسنة ونصف لا يثبت الاستحقاق المذكور بمجرده لاحتمال أن يكون ذلك بوكالة من ناظره له، أو إجارة منه له، فلا بد من بيان جهة الاستحقاق في الدعوى لتصح ويُصغى لها، ويشهد الشاهد على طبق الدعوى كما صرحوا به متونا وشروحا، والله أعلم.
مطلب في رجل ضاع له شاتان إلخ .
(سئل) عن رجل ضاع له شاتان يدعي دخولهما مع غنم آخر، فهل يؤخذ بمجرد قوله المذكور؟
(أجاب) لا يؤخذ بقول الرجل المذكور حتى يقيم بينة أن المدعى عليه أخذها أو تصرف فيها ببيع أو ذبح، وإلا فله تحليفه أنه لا يعلمها، والله أعلم.
(سئل) في رجل يدعي على آخر أنه اشترى منه حمارة وأنها ظهرت مستحقة للغير ومعه شهود تشهد فيهم المسلمون أنهم غير عدول، فما الحكم الشرعي في ذلك؟
(أجاب) اعلم أن الفاسق وهو ما كان سارقا أو غاصبا
стр. 406
أو لا غيرة له، أو كان خاطفا للحرائر، وهذا أكبر المعاصي أو تارك الصلاة أو يشهد زورا فلا تقبل له شهادة، فمن شهد فيه المسلمون أو بعضهم أنه غير عدل لا تقبل شهادته.
فهذه الدعوى تحتاج إلى شهود عدول أتقياء أبرار أخيار أن المدعي اشترى منهم الحمارة، وشهود أن الحمارة التي اشتراها فلان من فلان عرفت في مكان، وشهد عليها فلان وفلان أن فلانا من بلد كذا أثبتها بالوجه الشرعي بالشهود العدول وأخذها من المشتري فله الرجوع بالثمن، ولكن يجب على الواقف على هذه الدعوى أن يبحث عنها ولا يقبل فيها إلا أهل الدين والصلاح، والله أعلم.
مطلب رجل له على آخر دين ورثه من أبيه إلخ .
(سئل) في رجل له على آخر دين ورثه من أبيه، فسأله عنه فأقر به، ولكن يود أن يحط عنه منه شيئا، والآن يريد أن يقيم شاهدا بأن أباه ليس له عنده شيء مع عدم ثقة الشهود، فهل يعمل به؟
(أجاب) اعلم أن الشاهد لا يعمل به من وجوه، أحدها: أن الولد الوارث هو المدعي والمطلوب منه الشهود، فإذا أحضر شهود الإقرار بعد الموت فلا
التفات إلى هذا، الشاهد الثاني: أن هذا الشاهد ناف، وشهود الإقرار مثبتون، والمثبت مقدم على النافي، الثالث: شرط الشاهد العدالة، وهي منتفية هنا، الرابع: شرط الدعوى أن لا تناقضها أخرى، وهنا وقع التناقض، والله أعلم.
مطلب في رجل سرق له بئر قمح فاتهم به آخر إلخ .
(سئل) في رجل سرق له بئر قمح فاتهم آخر به، فأقام رجلا شهد عليه بأنه أقر له أنه سرق البئر، والحال أن الشاهد قد سبق منه عند جماعة أنه قال: لا بد أن أشهد بالباطل على فلان أنه سرق بئر فلان، فهل إذا ثبت ذلك يكون ريبة ترد بها شهادة الشاهد، أم كيف الحال؟
(أجاب) حيث أقام المدعى عليه بينة شرعية أن الشاهد قال ما ذكر صار ذلك ريبة توجب رد شهادته فلا يجوز قبولها والله أعلم.
مطلب في رجل سرق له قدر فاتهم به آخر إلخ .
(سئل) في رجل سرق له قدر فاتهم به آخر فأقر به لقريب له فشهد به عند حاكم، فهل إذا حلف صاحب القدر يمينا مع الشاهد يثبت له القدر؟
(أجاب) قال في المنهج وشروحه لشيخ الإسلام ولا يثبت برجل ويمين إلا مال أو ما فسد به مال، وروى مسلم وغيره أنه ﷺ قضى بشاهد ويمين، زاد الشافعي في الأموال، وقيس بما فيه ما قصد به مال. انتهى.
فإذا حلف المدعي يمينا على طبق دعواه وصدق شاهده قضي له بالقدر، والله أعلم.
مطلب في بقر وردت موردا ثم سيقت إلخ .
(سئل) في بقر وردت موردا ثم سيقت عنه، فوجد بها بقرة مكسورة، فهل إذا شهد لصاحب البقرة المكسورة إخوة بأن السائق للبقر إنما هو فلان صاحب الثور الكاسر للبقرة تقبل شهادته؟
(أجاب) نعم حيث كان الأخ عدلا مقبول الشهادة قبلت شهادته لأخيه، فإن وجد معه آخر فذاك، وإلا حلف المدعي أيضا يمينا على صدق دعواه، والله أعلم.
(سئل) في امرأة أرهنت عند
стр. 407
أخرى مصاغا، ثم ادعت سرقته، ثم عرف منها زوج حلق شهد لها به أربع نسوة وأخوها يشهد لها به، فهل تقبل شهادة الأخ لأخته؟
(أجاب) نعم تقبل شهادة الأخ لأخته ذكر ذلك في المنهج، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل تحت يده أرض إلخ .
(سئل) في رجل تحت يده أرض تلقاها عن أبيه عن جده ادعاها رجل وأنها رهن تحت يده، وحلف عليها يمينا وأخذها، ثم وجد الواضع اليد أولا بينة شرعية تشهد له بأن جده اشتراها من أب المدعي، فهل تقبل البينة لذلك بعد اليمين الواقع عند الحكم؟
(أجاب) قال في المنهج وشرحه لشيخ الإسلام واليمين من الخصم تقطع الخصومة حالا لا الحق، فلا تبرأ ذمته؛ لأنه ﷺ أمر رجلا بعد ما حلف بالخروج من حق صاحبه كأنه عرف كذبه، رواه أبو داود والحاكم وصحح إسناده.
فتسمع بينة المدعي بعد حلف الخصم، كما لو أقر الخصم بعد حلفه، وكذا لو ردت اليمين على المدعي فنكل، ثم أقام بينة، ولو كانت يمين المدعي بعد نكول المدعي سمعت حجته، كما صرح به في فصل النكول، فعلى كل حال تسمع بينة واضع اليد وتنزع الأرض من المدعي واليمين التي حلفها لا تملكه الأرض، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل ادعى على آخر أرضا إلخ .
(سئل) في رجل ادعى على آخر أرضا وأقام عليها شاهدين بأنها أرضه وانتزعها ممن كانت تحت يده وتصرف فيها، فهل لخصمه أن يرجع عليه ويأخذ الأرض منه؟
(أجاب) ليس للخصم بعد إقامة البينة العادلة منازعة في الأرض، وإن لم يسلمها وكيف وقد تسلمها المدعي وتصرف فيها، فليس له منازعة بعد ذلك بلا وجه شرعي، والله أعلم.
مطلب في رجل مات وله جمل وسط مقصر. إلخ .
(سئل) في رجل مات وله جمل وسط مقصرا من نحو ثلاث سنين يريد رجل فاسق يشهد عليه أن فلانا قتله، فهل تقبل شهادته؟
(أجاب) الفاسق لا تقبل له شهادة؛ لأن شرط الشاهد العدالة، والله أعلم.
(سئل) في رجل خرج من بلده وله فيها ملك، وطالت غيبته نحو عشرين سنة فرجع لها فوجد حصته من زيتونه وضع يده عليها رجل معه شاهدان يشهدان على شهادة رجل ميت بأن الزيتون غرس جده، فهل تقبل هذه الشهادة؟
(أجاب) حيث كان الرجل الميت من أهل الشهادة، وشهد على شهادته رجلان عدلان وحلف معهما يمينا أن الزيتون غرس جده حكم له به؛ لأن الشاهدين سبب الملك، ويقبل في مثل ذلك نقل الشهادة، والله تعالى أعلم.
مطلب في علية تحت يد رجل يتصرف فيها نحو خمسين سنة إلخ .
(سئل) في علية تحت يد رجل يتصرف فيها نحو خمسين سنة، ثم برز رجل يدعي أنها له ورثها عن أبيه عن جده وله بيت تحتها، وقد صار عليها نزاع قبل ذلك، وشهد شاهد عند محكم أن غراراته اشتراها بثور من أبي كبير، جد المدعي، ومات الشاهد وفيه شاهدان يشهدان على شهادته، وشاهد يشهد على إقرار ولده أنه لا حق له فيها لكون أبيه باعها، فهل إذا
стр. 408
شهد من ذكر يقطع النزاع؟
(أجاب) نعم تقبل الشهادة فيما ذكر على الشهادة، حيث شهد على شهادة الأصل فرعان بما ذكر؛ لأنهما بينا السبب، وشهادة الآخر بالإقرار صحيحة؛ لأن الرجل وارث، وإقراره كإقرار المورث فيما ذكر حيث كان حاضرا، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل ساكن في داره وأبوه وجده قبله إلخ .
(سئل) في رجل ساكن في دار وأبوه وجده قبله فيها، ولم تعرف إلا له، فجاء رجل من البلد وقال: هذا البيت من هذه الدار لفلان ابن فلان، ثم مات هذا الذي قال ما ذكر، فجاء الرجل المقر له بذلك وقال: أنا تشهد لي بينة على لسان فلان الذي مات أنها سمعته يقول: هذا البيت من هذه الدار لفلان، فهل يقبل ذلك؟
(أجاب) الشهادة على شهادة الرجل الميت لا تسمع لإطلاق القول بأنه لفلان؛ لأن الشهادة على الشهادة مقبولة إن استرعاه أو بينت السبب أو سمعه يشهد عند حاكم، وما عدا ذلك لا يقبل، والله تعالى أعلم.
مطلب في بقر عقرت فاتهم في عقرها رجل إلخ .
(سئل) في بقر عقرت فاتهم في عقرها رجل، ومع ذلك البقر رجل يشهد على إقرار المتهم، فهل إذا طعن في شهادة الشاهد بالفسق، أو بسبب شهادة الزور، أو بالرشوة على الشهادة، يقبل هذا الطعن فيه؟
(أجاب) حيث شهدت بينة بارتكابه ما ترد به شهادته كالزنا، والسرقة، وترك الصلوات، وشهادة الزور، وشرب الخمر، وقتل النفس بغير حق، وارتكابه من الحرف والأمور الدنيئة ما لا يليق به، وأكل مال، وكذلك إن ثبت أن شهادته هذه لا عن أصل وإنما هي لأجل الرشوة، فترد شهادة الشاهد في كل ما ذكر.
وأما إذا طلب الشاهد بحق لأداء الشهادة في غير بلده في مسافة عدو، فله أجر الدابة ونفقة الطريق أو فوقها، فله طلب الجعل، والله تعالى أعلم.
مطلب عن راع لبقر كسر معه بقرة أخرى إلخ .
(سئل) عن راع لبقر كسر معه بقرة ومع صاحبها شاهد واحد يشهد أن الراعي ضربها بحجر فكسرها، فهل يكون ضامنا لها؟
(أجاب) حيث كان الشاهد عدلا مقبولا في الشهادة وحلف المدعي مع شاهده على أن الراعي ضربها وكسرها، وأن شاهده صادق في شهادته لزمت البقرة الراعي؛ لأنه مقصر بضربه لها، والله أعلم.
مطلب في امرأة سرق لها ثوب إلخ .
(سئل) في امرأة سرق لها ثوب ومعها أربع نسوة بعد ما عرف عند آخر يشهدن أنه ثوبها، فهل يقبلن فقط؟
(أجاب) لا تقبل النسوة الخلص في هذه المسألة، بل لا بد من رجل مع النسوة، والله أعلم.
مطلب في رجل ساكن في دار وأبوه وجده قبله إلخ .
(سئل) في رجل ساكن في دار وأبوه وجده قبله فيها، ولم تعرف إلا له، فجاء رجل من البلد، وقال: هذا البيت من هذه الدار لفلان ابن فلان، ثم مات هذا الذي قال ما ذكر، فجاء الرجل المقر له بذلك وقال: أنا معي بينة تشهد لي على لسان فلان الذي مات أنها سمعته يقول: هذا البيت من هذه الدار لفلان، فهل يقبل ذلك أم لا؟
(أجاب) هذه الشهادة على شهادة الرجل لا تكفي
стр. 409
لأمور منها: أنه لم يسترعه أن يحمله الشهادة، وأما قوله: هذا البيت لفلان، فلا يكفي، ومنها: أنه لا بد أن يشهد على كل أصل فرعان، ومنها: أن الرجل الواحد لا يكفي في هذه الدعوى، والله أعلم.
مطلب في شهادة الأب لابنه هل تقبل ويقضى له إلخ .
(سئل) في شهادة الأب لابنه هل تقبل ويقضى له بها شرعا؟
(أجاب) شهادة الأصل من أب وجد لولده أو ولد ولده لا تقبل كعكسه؛ لأنها كشهادة المرء لنفسه، والله أعلم.
مطلب في رجل غاب عن وطنه وشهد شاهدان إلخ .
(سئل) في رجل غاب عن وطنه، وشهد شاهدان أنهما سمعا بموته، فهل تقبل هذه الشهادة؟
(أجاب) هذه الشهادة لا تقبل لقوله ﷺ :"على مثلها، أي الشمس، فاشهد" فالسماع يقع فيه الاشتباه من وجوه شتى، في الاسم والنسب واللقب والأب والجد، فلا يصغى إليه، والله أعلم.
مطلب في امرأة لها عند ولدها دين إلخ .
(سئل) في امرأة لها عند ولدها دين قرض ثم مات، والآن ورثته ينكرون دين ولدها وزوجها يشهد لها بذلك، فهل تقبل شهادته لها؟
(أجاب) نعم تقبل شهادة الزوج لزوجه ذكرا كان فيما يشهد به الذكر، وأنثى فيما تقبل فيه شهادة الأنثى؛ إذ لا تهمة ولا جر نفع، ولا سيما مع اعتبار شروط الشهادة، والله أعلم.
مطلب في امرأة طلقها زوجها في حال مرضه إلخ .
(سئل) في امرأة طلقها زوجها في حال مرضه، فتقوى عليها أهله وأخذوا غالب أسبابها، فهل إذا كان معها بينة تشهد لها بذلك يقضى لها بذلك؟
(أجاب) لا ريب أن المال يقضى فيه برجلين، ورجل ويمين، ورجل وامرأتين، فإن أقامت بينة ممن ذكر قضي لها بذلك، وتحلف في صورة إقامة الرجل معه يمينه، ويقضى لها بذلك، والله أعلم.
مطلب في بنت بالغ عاقل ادعى عليها بأنها سرقت صمادة إلخ .
(سئل) في بنت بالغ عاقل ادعى عليها بأنها سرقت صمادة لامرأة فأقرت بها ثم أنكرت، وفيه رجلان يشهدان على إقرارها، هما أخوان لزوج المرأة المدعية، فهل تقبل شهادتهما بالإقرار المذكور؟
(أجاب) حيث كان الرجلان عدلان بصفة الشهود الشرعية قبلت شهادتهما قطعا اتفاقا؛ لأنهما أجنبيان عن المرأة المدعية للصمادة، وهي صاحبتها حتى لو كانت الصمادة للأخ الزوج للمرأة صحت شهادة أخويه له عند الإمام الشافعي، إمام الأئمة، وعند الإمام أبي حنيفة المعظم، والله أعلم.
مطلب في ناطور حمام إذا كان لا يمكنه اشتغال إلخ .
(سئل) في ناطور حمام إذا كان لا يمكنه اشتغال في حمام من الحمامات إلا برضى الحمامي إذا شهد له في حادثة، هل تقبل شهادته له أم لا؟
(أجاب) حيث لم يرتكب ما ترد به الشهادة تقبل شهادته، ولا يرد بحرفته المذكورة، قال في العباب: تقبل شهادة ذي حرفة دنيئة لائقة به، وهي حرفة آبائه كحجامة، وكنس خلاء، ودبغ، وحراسة، وتراب، وحمام، وإسكافي، وحائك، وصباغ، وصواغ إن لم يكثر الكذب وخلف الوعد وكذلك محترف، والتقيد بحرفة الأباء يقتضي أن الإسكافي لو صار كناسا زالت مروءته لا عكسه، والله أعلم.
(سئل) فيما
стр. 410
لو شهد الشريك لشريكه بينوا لنا الصور التي لا تصح فيها الشهادة والتي تصح، فإن في شرح الروض كلاما لشيخ الإسلام زكريا وإيرادا للزركشي، وإشكالا لصاحب المطلب، وقد نقل في المتن تفصيلا، بينوا لنا الراجح من ذلك، فإن المقام فيه حقا؟
(أجاب) اعلم أن الشاهد متى صرح بالشركة في المشهود به عينا كان أو دينا، أو علم الحاكم أنه شريك فيه، ومثله المحكم، أو قال: هذا المشهود به لنا أو بيننا، أو كان يلزم من شهادته به عود شيء من المشهود به له، كأن قال المدعي في دعواه أن زيدا أقر لنا بكذا مما هو معين كالحيوان والدار والمتاع، أو أوصى لنا به، أو هو ميراث لنا، وشهد الشاهد بأن هذا لي ولزيد، أو لزيد ولي، فلا تقبل شهادته لوجود التهمة وعدم النفع له، فإن كان قال: لزيد ولي، فيصح لزيد لا له بالشرط السابق، وعبارة ابن حجر وشريكه أي: ترد شهادته لشريكه بالمشترك.
لكن إن قال لنا أو قال بيننا، أي مثلا بخلاف ما إذا قال لزيد ولي، فيصح لزيد لا له، وشرط تقدم الصحيح، كما مر في تفريق الصفقة، وأن لا يعود له شيء مما ثبت لزيد كوارثين لم يقبضا، فإن ما ثبت لأحدهما يشاركه فيه الآخر. انتهى.
فتأمل قوله: كوارثين، وقوله: يشارك فيه الآخر، فإن كل شيء فصل فيه الشاهد، وكان يلزم منه أن ما ثبت له يشاركه فيه الآخر المدعي لا تقبل فيه الشهادة لواحد منهما، وقوله: وشرطه تقدم. إلخ، خولف فيه فيما مر.
وعبارة الروض مع شرحه لشيخ الإسلام ملخصا ما ذكره في الشرح بعد ما استظهره الزركشي واستشكله في المطلب تقييد ما أطلقه الأصحاب من قولهم: شهادة الشريك لشريكه فيما هو شريك فيه لا تقبل، أي: إن لم يقل لي ولزيد.
ثم إن قال ذلك يشترط شرطان على كلام ابن حجر: أن لا يعود للشاهد شيء من المشهود به، كالمقر به لهما والموروث لهما، وأن يقدم الصحيح كأن يقول لزيد ولي، على ما تقدم له في تفريق الصفقة، ولهذا قال شيخ الإسلام: والأحسن أن يقال: وإن كان ما شهد به لشريكه يستلزم حصول شيء فيه لم تسمع شهادته، وعليه ينزل إطلاق الأصحاب وإلا سمعت، وعليه ينزل كلام الرافعي ومن تبعه هذا حاصل ما لهم هنا.
وحاصله أن الشهادة في المشترك ترد مطلقا إلا إذا قال: لزيد ولي، ولم يستلزم عود شيء من المشهود به للشاهد، وقدم ما يصح على كلام ابن حجر، وقد ينظر فيما قالوه من الصحة فيما إذا قال: لزيد ولي، فقد أبهم حصة زيد، وباب الشهادة مبني على التحقيق؛ لقوله ﵊: "على مثلها- أي: الشمس- فاشهد" فإن النسبة صادقة بمساواة زيد في الحصة ونقصه وزيادته فوقع الإيهام وإن كان في غير باب الشهادة حمل على النصف لما علم، إلا أن يحمل كلامهم على ما إذا علمت الحصة بالصريح أو بالقرينة، والله أعلم.
стр. 411
مطلب في تعليم الأمر المحرم والمنهي عنه .
(سئل) في تعليم الأمر المحرم والمنهي عنه كلعب البهلوان وآلات الملاهي كالشطرنج واليراع والمزمار والزمر والكوبة والطنبور، وإذا جعل للمعلم جعلا على التعليم يلزم ذلك الجعل للمعلم أو لا يلزم لكونه جعلا على محرم؟
(أجاب) هذه الأمور المسئول عنها فيها تفصيل عند أئمة الشافعية لا بد منه، فالأول منها البهلوان: قال ابن حجر ومثله الرملي بعد قول المنهاج: وتصح المناضلة على سهام .. إلخ.
يؤخذ من كلامه، أي: النووي في الفتاوى وغيرها حل أنواع اللعب الخطرة من الحذاق بها الذي تغلب سلامتهم فيها، ويحل التفرج عليها. انتهى.
وعد الرملي منها ما يفعله من يسمى في عرف الناس بالبهلوان، وذكر النووي في فتاواه وأن الحاوي إذا اصطاد الحية ليرغب الناس في اعتماد معرفته، وهو حاذق في صنعته، ويسلم منها في ظنه ولسعته لم يأثم.
وأما الشطرنج فالمنصوص عليه عندنا أنه مكروه كراهة تنزيه، والأئمة الثلاثة قائلون بتحريمه، ومحله عندنا لعبه مع معتقد حله، وإلا حرم؛ لأنه يعينه على معصية، ومحله أيضا إن لم يشرط فيه مال من الجانبين، وإلا فهو قمار محرم إجماعا.
وأما اليراع فحرام على الأصح، وأما المزمار والزمر والكوبة والطنبور وضرب الأوتار وسماع ذلك فحرام، وقد عد ذلك كله ابن حجر في الزواجر من الكبائر، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ فسر ابن عباس والحسن، ﵃، لهو الحديث بالملاهي، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ فسره مجاهد بالغناء والمزامير، وفي الحديث أنه، ﷺ ، قال: "إن الله تعالى يغفر لكل مذنب إلا صاحب عرطابة أو كوبة" وفي رواية:" عرطبة" بالفتح والضم، العود، وقيل: الطنبور.
ثم قال: وقطع العراقيون ومعظم الأصحاب بأنه، أي السماع، من الكبائر، وتوقف ابن أبي ألدم فيما نسب للعراقيين وقال: لم أر أحدا منهم صرح به، بل جزم الماوردي وهو منهم بنقيض ما حكاه الإمام، فقال: إذا قلنا بتحريم الأغاني والملاهي فهي من الصغائر دون الكبائر، وهذا هو المشهور.
ولكن الفوراني في الإبانة رد إنكار ابن أبي الدم على الإمام ما ذكر بأن محل ما صرح به في ذخائره أن كون ذلك من الكبائر، وهو ظاهر كلام الشامل حيث قال: من استمع إلى شيء من ذلك ردت شهادته ولم يشترط تكرار السماع. انتهى.
هذا حاصل كلام القائلين بالحرمة ووراء ذلك مقالات لا بأس ببيانها، فنقول: يحرم ضرب واستماع كل مطرب: كطنبور وعود ورباب وجنك وكمنجة ومزمار عراقي ويراع، وهو الشبابة، ويلحق بها سائر أنواعها من ماسور وناية وزمارة وكوبة وغير ذلك من الأوتار والمعازف، جمع معزفة، قيل: وهي أصوات القينات إذا كانت
стр. 412
مع العود، وإلا فلا يقال لها ذلك، وقيل: هي كل ذي وتر؛ لأنها آلات الشرب فتدعو إليه، وفيها تشبيه بأهله وهو حرام.
وقد صح من طرق، خلافا لما وهم فيه ابن حزم، أنه ﷺ قال: "ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف" وقد علقه البخاري ووصله الإسمعيلي، وأحمد، وابن ماجه، وأبو نعيم، وأبو داود، بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها، وصححه جماعة آخرون من الأئمة كما قاله الحفاظ، وهو صريح ظاهر في تحريم آلات الملاهي المطربة.
وقد حكى الشيخان أنه لا خلاف في تحريم المزمار العراقي، وما يضرب به الأوتار، وقال أبو حامد: سئل الشافعي ﵁ فقال: أول ما أحدثه الزنادقة في العراق حتى يلهوا الناس عن الصلاة والذكر، وقد علم من غير شك أن الشافعي، ﵁، حرم سائر أنواع الزمر والشبابة من جملة الزمر وأحد أنواعه، بل هي أحق بالتحريم من غيرها.
إذا علمت هذه الأمور المذكورة من اليراع بأنواعه والمزمار والكوبة والطنبور ونحوهم حرام، بل ذهب كثير إلى أنها كبائر وسماعها كذلك، لا تقبل شهادة مرتكب ذلك، ويفسق بذلك، وكذلك عملها حرام؛ لأنه موصل للحرام، والقصد منها المعاصي علمت أنه لا أجرة لعاملها ولا جعل له، بل يجب إبطالها، وكذلك تعليم الزمر ونحوه، فإنه حرام لا أجرة للعمل، ولا للمعلم ونحوه.
ومثل ذلك كله صنعة محرمة كعمل الأواني مثل الذهب والفضة وآلات الخمر، وعبارة ابن حجر في المنهاج ومثله الرملي، أما التمويه فحرام في نحو سقف وإناء مطلقا خلافا لمن فرق؛ لأنه إضاعة مال بلا فائدة فلا أجرة لصناعه، كالإناء، ولا أرش على مزيله أو كاسره، والكوبة وغيرها سواء في ذلك، ويؤخذ من إطباقهم هنا على نفي الأجرة شدد.
وقول الماوردي والروياني يحل ما يؤخذ بصنعة محرمة كالتنجيم؛ لأنه عن طيب نفس، ويرد على ما علل به أن كسب الزاني كذلك، والخبر الصحيح أن كسب الكافر خبيث، وأن بذل المال في مقابلة ذلك سفه، فكل من أكل أموال الناس بالباطل، وقد شنع الأئمة في الرد عليهما فاتضح أنه لا أجرة لعمل ما ذكر ولا لمعلمه، بل يجب إبطاله كيف أمكن والجعل باطل، والله أعلم.
مطلب رجل بينه وبين آخر عداوة إلخ .
(سئل) في رجل بينه وبين آخر عداوة ظهرت من مدة قريبة، فهل إذا ثبتت عداوته ولو قبل الشهادة بأيام قلايل تقبل شهادته؟
(أجاب) صرح أئمتنا متونا وشروحا أن شهادة العدو عداوة دنيوية لا تقبل، وعرف العدو بأنه من يحزن لفرحه وعكسه، أي: يفرح بحزنه، فكل من وجد فيه هذا المنع لا تقبل شهادته، وعبارة المنهج مع شرحه لشيخ الإسلام، ولا تقبل الشهادة من عدو شخص عليه في عداوة دنيوية، لما روى الحاكم على شرط مسلم: "لا تجوز شهادة ذي الظنة، ولا ذي الجنة"، والظنة التهمة، والجنة العداوة
стр. 413
ولأن العداوة من أقوى الريب حيث وجدت، لا فرق فيها بين قرب الزمان وبعده، والله أعلم.
مطلب رجل سرقت له أمتعة معلومة إلخ .
(سئل) في رجل سرقت له أمتعة معلومة، فادعى على رجل بسرقتها، وأقام عليها شاهدا وحلف معها يمينا، ثم إن المدعى عليه صار يدفع ممن قيمة المدعى به إلى المدعي وأحضر ثوبا من عين الأمتعة، وقال: إن السارق لأمتعتك فلان، فهل يعمل بقوله مع ما ذكر؟
(أجاب) حيث شهد الشاهد العدل على يد حاكم أو محكم وحلف المدعي يمينا ثبت ما ادعاه، حيث عينه، ولا عبرة بقول الرجل: إن السارق لأمتعتك فلان؛ لأنه يدفع عن نفسه، والحرام على من وجد في يده، والله أعلم.
مطلب في قوم عرفوا بعدم توريث الإناث إلخ .
(سئل) في قوم عرفوا بعدم توريث الإناث ويأكلون مهورهن، وإذا مات ميت منهم وخلف ذكورا وإناثا، فيقسم الذكور الإناث، ويحسبونهن كالبهائم مع جملة الميراث، هل تقبل شهادة أحد منهم أو لا؟
(أجاب) الشاهد الذي تقبل شهادته هو العدل الذي لم يرتكب كبيرة ولم يصر على صغيرة، ولم يرتكب ما يخل بمروءته كأكل بسوق، وليس من أهله، وكشف رأس، ولبس ما لا يليق به، ولا ريب أن منع الميراث من أكبر الكبائر لمخالفته ما بينه الله تعالى في كتابه العزيز، وتقاسم الحرائر ودخولهن في الميراث من أعظم البليات، وفاعلوه خارج من الدين، كخروج الشعرة من العجين، فإن تاب، تاب الله عليه، وإلا التحق بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، والله أعلم.
مطلب في أرض رهنها مالكها على خمسين إلخ .
(سئل) في أرض رهنها مالكها على خمسين قرشا أسديا مقبوضة بيد الراهن، فطالب المرتهن الراهن بالخمسين قرشا فقال له: نعم لك عندي خمسون قرشا أسديا، ولكن دفعت لك منها عشرين قرشا أسديا، ولم يبق لك إلا ثلاثون قرشا أسديا، فأنكر المرتهن الدفع فأقام شاهدا عليه بالدفع فشهد شاهده أن الراهن دفع للمرتهن خمسة وأربعين قرشا أسديا لم يبق له في ذمته إلا خمسة قروش أسدي والمدعى عليه ينكر شهادة الشاهد في الجميع، فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) حيث لم يطابق الشاهد دعوى الراهن وزاد عليها، ولم يكذبه أي الشاهد المدعي وهو المرتهن في الزيادة فقط، بقيت الدعوى على حالها، فإن أقام الراهن بالعشرين غير هذا الشاهد قضى له بها، وإلا لزمه الخمسون لبطلان شهادة شاهده بعدم المطابقة للدعوى، كذا يستفاد من العباب، والله أعلم.
مطلب في ذمي دفع أمانة إلى جمال إلخ .
(سئل) في ذمي دفع أمانة إلى جمال يريد أن يوصلها إلى محل معلوم، فأنكرها الجمال وليس مع الذمي إلا رجل مسلم، فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) هذا المدعى به مال والمال يكفي فيه شاهد ويمين، فإذا أورد الذمي الشاهد المسلم العدل، وحلف معه يمينا على المال المدعى به المعين قدرا وصفة قضي له به، والله أعلم.
стр. 414
مطلب في رجل تحت يده أرض يتصرف فيها إلخ
(سئل) في رجل تحت يده أرض له يتصرف فيها بالزرع والحرث وغيرهما نحو ثلاثين سنة ومات البائع، وأولاده يدعون أنها رهن، وواضع اليد يدعي أنها بيع ومعه شهود في صكه لم يبق منهم إلا واحد، فهل إذا شهد الشاهد بالبيع وحلف واضع اليد يحكم له بها؟ وهل يحلف الشاهد أو لا؟
(أجاب) نعم إذا شهد هذا الشاهد بالبيع وحلف المدعي أن شاهده صادق في شهادته قضي له بالأرض؛ لأن هذا مال ويكفي في المال شاهد ويمين، ولا يحلف الشاهد كما لا يحلف القاضي؛ لأن منصبهما يأبى ذلك، والله تعالى أعلم.
مطب في رجل توفي بأسكلة يافا إلخ
(سئل) في رجل توفي بأسكلة يافا -حرسها الله تعالى- وهو دزدار+ فلعتها وله زوجة وبنت تزوجها رجل يقال له السيد جعفر يزعم أنه غرم مالا، وقدره ألف وسبعمائة قرش يدعي أن ذلك بسبب غمز محمد بيبى+ الإمام بالجامع الجديد وأنهى ذلك للدولة العلية حماها رب البرية، فأخرج فرمانا شريفا بهذا السبب وفوض أمره لجناب مفخر الوزراء الكرام إسماعيل باشا أعطاه الله ما يشاء والي محروسة الشام وأيالتها+ ثم أن الرجل المدعي وكل رجلا في الدعوى، وجاء الوكيل بالفرمان الشريف وبيوردي+ شريف من وزير الشام وفوضت الدعوى لجناب مفخر الموالي الكرام حسن أفندي حرسه الولي
المبدي
قاضى القدس الشريف فأرسل لمحروسة يافا سئل عن هذا الأمر فجاء له الخبر من جم غفير ممن يوثق به من أهل يافا، مع جناب جوخداره بأن هذا الأمر لا أصل له، وأن الرجل محمد بيبى المدعى عليه ما عرف هذا الأمر ولا هو من أهله والآن جاء الرجل ويدعي أن معه شهود يشهدون على شهادة غيرهم بأن الشيخ محمد بيبى صدر منه هذا العوان وهذا الغمز، فهل تسمع شهادة هؤلاء الشهود، مع كونهم لا يعرفون الشيخ محمدا ولا هو يعرفهم، أو كيف الحال؟
(أجاب) لا ريب أن شريعة محمد ﷺ نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء قال ﷺ للشاهد على مثلها أي الشمس فأشهد، ولا ريب أن كل شاهد مسئول عن شهادته فشهادة هؤلاء الشهود لا تقبل، بل لهم الجزاء من الرب المعبود في اليوم الموعود حتى لو شهد الأصل الذي يشهد هذا الشاهد عنه لا يقبل؛ لأنه لم يشهد بأخذ مال ولا قتل نفس، وإنما يشهد أنما غمز على فلان، فإن فرض أن الحاكم غرمه بهذا الغمز إنما له الرجوع على الآخذ منه المال؛ لقوله ﷺ : على اليد ما أخذت حتى تؤديه والشيخ محمد لم يأخذ شيئا فلا يطالب بشيء، وقد قال ﷺ في حجة الوداع في آخر أمره: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذه فليتق الله المدعي لمثل هذه الأمور، ويراقب الله في سره وعلنه وكذلك الشهود
стр. 415
فإن الله تعالى هو الولي المعبود؛ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، والله يعلم المفسد من المصلح. وأول بلاء أصاب بني إسرائيل أنه كان إذا أذنب الضعيف عوقب، وإذا أذنب القوي لا يعاقب، فهلا تبع هذا المدعي الحكم القوي وأخذ منه وأعرض عن هذا الضعيف ولم يأخذ منه، ولكن كل ضعيف فالله وليه فينتقم له، والله أعلم.
مطلب في رجل دفع لآخر مائة قرش إلخ
(سئل) في رجل دفع لآخر مائة قرش ليضارب له فيها، ثم إنه لما دعي للحساب إنما أقر بخمسين منها، فادعي عليه بالخمسين عند قاض صغير فأنكرها وتعذر عليه إقامة البينة فحلف، فهل إذا وجد معه شاهدا وحلف يمينا بالخمسين المنكر يقضي له بذلك؟
(أجاب) لو طلب المدعي يمين خصمه وقال: لا بينة لي حاضرة ولا غائبة أو قال: كل بينة أقيمها فهي زور، ثم أقام بينة شرعية كالشاهد واليمين في مسألتنا؛ لأن ذلك مما يقضى به في الأموال، وما يرجع إليه قضي له بذلك؛ لأن الإنسان قد ينسى بينته، ثم يتذكرها، ويذكره الشاهد بشهادته ولأن الإنسان قد يطلب حلف خصمه اعتمادا على أمانته؛ ليقر له فلا يحتاج إلى إقامة البينة ولأنه يريد تكذيب الخصم في حلفه، ثم إقامة البينة عليه فلا يمنع الحلف من إقامة البينة عليه كل ذلك من صريح شرح المنهج وغيره، والله تعالى أعلم.
(كتاب الدعوى والبينات)
مطلب في رجل اشترى من آخر حصة إلخ
(سئل) في رجل اشترى من آخر حصة في فرس، والآن يدعي أنها غصبت منه قبل الشراء، فهل تسمع الدعوى، وللمشتري مدة سنين مقر بالشراء؟
(أجاب) اعلم أن للدعوى شروطا ستة من جملتها أن لا تناقضها دعوى أخرى، فحيث ثبت أن المدعي اشترى الفرس من البائع، ثم ادعى أنها غصبت قبل الشراء لا تسمع دعواه؛ لوجود التناقض الواقع في دعواه؛ لأن شراءه مشعر بثبوت الملك للبائع، ودعواه الغصب صريح في عدمه في التناقض والله أعلم.
مطلب في رجل قال لآخر بعني فرسك
(سئل) في رجل قال للآخر: بعني فرسك فلم يرض فكرر عليه ذلك مرارا فلم يرض فادعى بعد ذلك أنها فرسه وبنت فرسه، فهل تقبل دعواه هذه؟
(أجاب) طلب المدعي شراء الفرس ممن هي تحت يده مشعر بثبوت الملك له دون المدعي، وقوله: إن الفرس بنت فرسه لا تسمع به الدعوى أيضا ففي هذه الدعوى تناقض من جهة طلبه الشراء. ومن فساد قوله: بنت فرسه؛ إذ لا يلزم من كونها بنت فرسه أن تكون ملكا له؛ لاحتمال مزيل له من بيع وغيره واحتمال وصية بولد الفرس فلا تسمع دعواه للوجهين المذكورين والله أعلم.
مطلب عن رجل مات وترك زوجة إلخ
(سئل) عن رجل مات وترك زوجة وأولادا، ثم وجد تحت يدها
стр. 416
أمتعة هي تدعي أنها لها والأولاد يدعون أنها من مخلفات أبيهم فكيف الحكم الشرعي في ذلك؟
(أجاب) إن أقام الأولاد بينة شرعية بشيء أنه من مخلفات والدهم فالأمر ظاهر، وكذلك إن اختص بوالدهم، وكذلك إن أقاموا بينة أن والدهم كان واضعا يده على شيء من الأمور الثلاث فلهم تحليف والدتهم على المختلف فيه، والله أعلم.
مطلب عن رجل يدعي على ميت حقا إلخ
(سئل) عن رجل يدعي على ميت حقا، فهل له أخذه بمجرد قوله؟
(أجاب) حيث خلف الميت وفاء للدين، وأقام المدعي بينة شرعية وحلف وجوبا أن طلب الوارث حلفه ثبت حقه، ولزم الوارث وفاؤه وإلا فلا، والله أعلم.
مطلب عن قرية موقوفة إلخ
(سئل) عن قرية موقوفة على نبي الله سيدنا داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولها رعايا متصرفون في أراضيها زراعة وغرسا بإذن نظار الوقف قديما وحديثا، عمر أحد رعاياها حديقة كانت مواتا، وانشأ بها شجرا تينا وزيتونا من مدة خمس وعشرين سنة، والآن يدعي أحد رعايا وقف التكية أن بعض هذه الحديقة من أرض بلده، فهل للرعايا دعوى على الأرض؟ وهل تسمع دعواهم دون متولي الوقف أو القديم يبقى على قدمه ولا تسمع دعوى الرعايا والدعوى والتحرير للنظار؟
(أجاب) الدعوى في مثل ذلك لا تجوز ولا تسمع على الزراع؛ لأنه لو توجهت عليهم يمين لا يصح منهم الحلف عليها، ولا يصح منهم الإقرار بمضمونها على أن الناظر كذلك، وإنما تسمع الدعوى عليه؛ لأجل إقامة البينة قال ابن حجر: فالدعوى على أحد هؤلاء يعني الوصي والوكيل وناظر الوقف ومثلهم كل نائب عن غيره إنما هي لإقامة البينة إذ إقرارهم لا يقبل، ولا يحلفون إن أنكروا ولو على نفس العلم إلا أن يكون الوصي وارثا والله أعلم.
مطلب في رجل يدعي أن أباه باع رجلا ذميا إلخ
(سئل) في رجل يدعي أن أباه باع رجلا ذميا جلدا بثمن معلوم لمدة لها فوق العشرين سنة، أورد عليه شاهدا هو شريك في الدعوى، ولم يخلف أبوه شيئا فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) هذه الدعوى لا تقبل من وجوه: أحدها كون الشاهد شريكا وهو لا تصح شهادته في المشترك. الثاني: كون المدعى عليه لم يخلف شيئا فلا يطالب ولده بشيء من دينه. الثالث: حيث صرح مولانا السلطان بأن القاضي لا يسمع للدعوى فيما زاد على خمسة عشرة سنة فلا يجوز له سماعها؛ لأنه معزول عنها، والله أعلم.
مطلب في رجل يدعي على مدع أنه قال إلخ
(سئل) في رجل يدعي على مدع أنه قال: أنا أشهد على من سرق فدان فلان وأن لم أشهد فهو عندي، فهل تلزمه الشهادة فإن لم يشهد يلزمه الفدان؟
(أجاب) لا يلزمه الفدان بل إن كان معه شهادة وجب عليه أداؤها وإلا فهو كاذب على نفسه، وليس ما ذكر صيغة إقرار لأن شرطها أن تشعر بالالتزام والله أعلم.
مطلب عن رجل زرع أرضا لإنسان ونهب الزرع إلخ
(سئل) عن رجل زرع أرضا لإنسان ونهب
стр. 417
ما حصل منها فأعرض عن الزارع المتصرف فيها، وله تابع يطلب من الزارع مال الأرض، ويدعي أنه دفع ذلك للمتكلم عليها فهل له ذلك؟
(أجاب) ليس للتابع المذكور مطالبة الزارع بشيء، ولا تصح منه الدعوى ولو دفع لصاحب الأرض لا رجوع له على الزارع؛ لأنه متبرع، والله تعالى أعلم.
مطلب عن رجل اشترى زيتونا من ثلاثة مات منهم اثنين إلخ
(سئل) عن رجل اشترى زيتونا من ثلاثة مات منهم اثنين وبقي واحد، وله نحو خمسة وعشرين يتصرف، والبائع له كان يتصرف فيه، والآن رجل يدعي أن الزيتون له وقد علم البيع والتصرف، ولم يحصل منه معارضة أصلا، فهل تسمع دعواه؟
(أجاب) هذه الدعوى لا تسمع لأمور: منها أن مولانا السلطان حيث نص القاضي أنه لا يسمع الدعوى فيما زاد على خمسة عشر سنة فليس له سماعها. الثاني: أن البيع والتصرف هذه المدة مع مشاهدة المدعي مانع من سماع الدعوى. الثالث: أن الدعوى الخالية عن البيان لا تسمع، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل تحت يده دار ورثها من أبيه إلخ
(سئل) في رجل تحت يده دار ورثها من أبيه عن جده، يدعي رجل أن جده واضع اليد وهبها الجد المدعي، ويدعي أن شاهدا مات شهد له بذلك، فهل تسمع دعواه؟
(أجاب) هذه الدعوى لا تسمع؛ لأن شرطها أن تكون ملزمة وهنا ليست كذلك فلا بد في دعوى الهبة من قوله وأقبضها على أن شهادة هذا الشاهد غير معمول بها؛ لعدم معرفة حاله والله أعلم.
مطلب في رجل متصرف في بئر ماء مدة تزيد على ثلاثين سنة
(سئل) في رجل متصرف في بئر ماء مدة تزيد على ثلاثين سنة والبئر في داخل حاكورة للغير، والآن صاحب الحاكورة يقول: إن البئر بئري لكونه داخل الحاكورة، والمتصرف في البئر يقول: إني تلقيت البئر عن أبي، ولي هذه المدة متصرف في البئر وأنت مشاهد تصرفي في البئر وتصرف أبي من قبلي، والحال أن كلا منهما في البلدة مقيم، فهل تسمع دعوى صاحب الحاكورة مع مشاهدة التصرف هذه المدة؟
(أجاب) حيث وجد التصرف المذكور مع عدم المعارض، وشهد بذلك بينة شرعية وجب على الحاكم العمل بذلك ومنع المعارض بشرط أن يتصرف مدة طويلة تصرف الملاك من غير معارض له في ذلك،، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل ادعى بالأصالة عن نفسه والوكالة عن أخيه إلخ
(سئل) في رجل ادعى بالأصالة عن نفسه والوكالة عن أخيه على آخر أن بذمته لوالدهما المتوفى أحد عشر قنطارا من الزيت، فاعترف بتسعة منها، ثم ادعى أنه أوصلها لأبيهما وتحاسب معه عليها، فهل إذا أقام شاهدا ويمينا على ذلك تبرأ ذمته؟
(أجاب) نعم إن شهد من هو موصوف بالعدالة، وبقية شروط الشاهد وحلف يمينا على صدق شاهده برأت ذمته من جميع الزيت المقر به، وأما الزيت الغير المقر به وهو القنطاران الباقيان فتحت الإثبات أن أثبتاهما آخذاهما وإلا فلا والله أعلم.
(سئل) عن أخ
стр. 418
ورجل أجنبي اشتريا أرضا فقال الأخ المشتري: نشركك معنا ولم يضع من الثمن شيئا، ثم أن الأخوين أنكرا الأجنبي وحلف يمينا أنه لم يشتر معهما، فهل إذا وجد شهودا بعد حلف الأخوين تقبل بينته ما الحكم شرعا؟
(أجاب) حيث وجد بينة شرعية عادلة قبلت وعمل بها، ولا يبطلها يمين الخصم حتى لو قال المدعي المذكور عند طلب يمين خصمه: لا بينة لي، أو كل بينة أقيمها فهي كاذبة أو زور، ثم أقامها قبلت ولا نظر لما ذكر والله أعلم.
مطلب رجل بقرب داره بئر ماء خراب إلخ
(سئل) في رجل بقرب داره بئر ماء خراب لم يعلم له مالك عمره وقصره، ومكث مدة طويلة يتصرف فيه، فجاء جار له وادعى أن البئر له، ولم يعلم أحد أنه تصرف فيه لا هو ولا أجداده من قبله، فهل تسمع دعواه هذه على المدعى عليه؟
(أجاب) تصرف الرجل المذكور المدة الطويلة بلا معارض، وشهد له بذلك شاهدان فلا عبرة بدعوى الرجل المذكور حتى لو أقام بينة بالملك رجحت بينة واضع اليد المذكور المتصرف والله تعالى أعلم.
(سئل) في رجل له عند آخر أربعون قرشا فطالبه بالمبلغ المزبور مرارا بمحضر من الشهود العدول فامتنع من أداء الحق، وهو في محل بعيد عن موضع الحاكم الشرعي، ولو دعي إلى الشرع فلم يجب فظفر له صاحب الحق ببقرة وولدها فباعهما بقيمة المثل من غير إذن حاكم الشرع، فهل له ذلك ويحسب له من دينه ويجب على المدين أن يوفيه بقية دينه؟
(أجاب) حيث ثبت أن الرجل الذي عليه الدين امتنع من أداء الدين ولم يجب حاكم الشرع كان لصاحب الدين أخذ ما ظفر به من ماله مقدما النقض على غيره، وله نقب جدار وكسر باب لا يصل للحق إلا به. قال في العباب: وإن كان الحق على منكر أو مماطل أو متوار أو متعذر فله أخذ قدر دينه من مال غريمه إن جانس دينه، وإن وجد بينة على المنكر أو رجا إقراره يرفعه إلى القاضي وطلب يمينه، فإن لم يجانس دينه، ووجد نقدا أخذه واشترى به الجنس، وإلا أخذ من غير الجنس بقدر دينه فقط إن أمكن الاقتصار عليه، ولو كان الحق عينا ولم يظفر إلا بغيرها فهو كظافر بغير الجنس والله أعلم.
مطلب رجل تحت يده زيتون تلقاها عن أبيه إلخ
(سئل) في رجل تحت يده زيتون تلقاها عن أبيه وهو متصرف فيه من مدة ستين سنة، والآن رجل يدعي أن الأرض تحت يده مغارسة، فهل تسمع دعواه هذه مع مشاهدة التصرف.
(أجاب) وضع اليد أقوى دليل على الملك، ولا سيما في مثل القرى التي هي وقف أو لبيت المال؛ لأن أرضها لا تملك، وإنما لزارعها لها اختصاص فحيث مضت هذه المدة بلا نزاع فلا تسوغ الدعوى عليه بغير بيان وجه شرعي، والله تعالى أعلم.
مطلب في بيت مقسوم نصفين ادعى أحد المتخاصمين فيه أن له به حقا إلخ
(سئل) في بيت مقسوم نصفين ادعى أحد المتخاصمين فيه أن له الحصة الشرقية بموجب القسمة السابقة فأنكر خصمه
стр. 419
فطلب منه اليمين فحلف، فهل إذا وجد معه بينة تشهد له بأن الحصة الشرقية له يقضي بها ولم تكن اليمين قاطعة لحقه؟
(أجاب) نعم يعمل بالبينة وإن حلفه ألف يمين، وإن قال وقت التحليف: لا بينة لي أو كل بينة أقيمها فهي زور أو باطلة، ثم أوجدها عمل بها؛ لاحتمال نسيانها أو أن الخصم يقر فيكفي مؤنة إقامة البينة والله أعلم.
مطلب عن رجل تحت يده أرض بها زيتون تلقاه عن أبيه إلخ
(سئل) عن رجل تحت يده أرض بها زيتون تلقاه عن أبيه عن جده مدة تزيد على ستين سنة يتصرف فيها الملاك من غير معارض، برز رجل الآن من أهل بلده يدعيه، فهل تسمع دعواه؟
(أجاب) حيث كان الأمر كما ذكر لا يجوز للرجل المذكور المعارضة بوجه كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بالفقه والله أعلم.
مطلب في رجل سرق له فردة قماش فأتهم بها أناسا إلخ
(سئل) في رجل سرق له فردة قماش فاتهم بها أناسا، وكان غيره قد نهب له جملة أحمال فأقر الآخذون المتهمون له بها لوجود علامات ظاهرة فيها، فهل للغير معارضة فيها.
(أجاب) حيث أقر واضع اليد بأنها للرجل المذكور فهي، له وإن أقام المدعي بينة وغيره بينة قدمت بينته والله أعلم.
مطلب رجل اشترى من آخر قدرا على أنه ملكه إلخ
(سئل) في رجل اشترى من آخر قدرا على أنه ملكه وضمنه عليه آخر إن خرج مستحقا وقبض البائع ثمنه، ثم بعد مدة ادعى أنه غير ملكه، وأنه باع ما لا يستحقه، فهل تقبل دعواه؟
(أجاب) شرط الدعوى أن لا يناقضها دعوى أخرى فدعوى الغصب يناقض دعوى الملك، فلا تقبل دعوى المذكورة لما ذكر، ولا يجوز معارضة المشتري بوجه والله أعلم.
مطلب رجل له دين على غائب وله مال فهل يجوز إلخ
(سئل) في رجل له دين على غائب وله مال، فهل تجوز الدعوى عليه، وإذا ثبت عليه الدين يوفي من ماله؟
(أجاب) نعم تجوز الدعوى على الغائب في مثل ما ذكر أن كان للمدعي حجة، ولم يقل المدعي هو أي الغائب مقر، وللقاضي نصب مسخر ينكر عن الغائب، ويجب تحليف المدعي، وإذا حكم بماله وله مال في عمل قضاه منه والله أعلم.
مطلب رجل اشترى شجر زيتون بثمن معلوم إلخ
(سئل) في رجل اشترى شجر زيتون بثمن معلوم وتصرف فيه مدة طويلة نحو عشرين سنة، ثم إنه برز ابن أخ البائع، وادعى أن لأبيه في هذا الزيتون ثلاثة أرباعه والمشتري المزبور وورثته من بعده يتصرفون من غير منازع ولا معارض، مع مشاهدة ابن أخ البائع للتصرف، فهل تسمع هذه الدعوى والحالة هذه؟
(أجاب) حيث تصرف الرجل المذكور المدة المذكورة من غير معارض، وتصرف فيه تصرف الملاك من حرث وغرس وجذاذ زيتون، وشهد له بذلك شهود بالملك اعتمادا على ذلك منع المعارض من معارضته والله أعلم.
مطلب في جماعة تحت أيديهم أشجار زيتون إلخ
(سئل) في جماعة تحت أيديهم أشجار زيتون يتصرفون فيها عن آبائهم عن أجدادهم بموجب حجج شرعية، وتصادق واقع على ذلك مدة تزيد على ستين سنة برز منازع
стр. 420
ينازع بلا مستند شرعي، فهل يجاب لدعواه؟
(أجاب) وضع اليد دليل شرعي يجب العمل به والتصرف كذلك، وأما دعوى الملك الخالية عن البيان الشرعي لا يعمل بها، بل يعرف بمنع المدعي، فإن لم ينزجر زجره الحاكم بل عزره لتعنته والله أعلم.
مطلب في رجل تحت يده ربع بد ويدعي أن يده موضوعة عليه بالشراء إلخ
(سئل) في رجل تحت يده ربع بد ويدعي أن يده موضوعة عليه بالشراء ومالكه يدعي أن ذلك بالرهن، ومعه بينة بذلك دون الأول فمن المقدم منهما؟
(أجاب) دعوى الرجل أن يده موضوعة على حصة البد بالشراء خلاف الأصل فلا يصدق إلا ببينة، فحيث لم يقدم بينة فلا عبرة بدعواه، ويعمل بدعوى الرهن والله أعلم.
(سئل) في رجل اشترى من آخر قرار بيت والبائع يتصرف فيه مدة طويلة بلا منازع، ثم إن المشتري بناه وسكنه مدة تزيد على ثلاثين سنة، والآن برز رجل يدعي أن قرار البيت كان لأجداده على قول من يقول مع أن مجموع مدة وضع يد البائع والمشتري ما يزيد على ستين سنة، فهل تسمع دعواه بذلك أو لا؟
(أجاب) حيث شاهد الرجل المدعي التصرف، والبيع بوضع اليد والبيع والبناء، ومضت هذه المدة بلا منازع فلا تسمع دعواه المذكورة على أن الشهادة على قول من يقول لا تصح، كما هو ظاهر والله أعلم.
مطلب في أرض مشتركة بين جماعة واضعين أيديهم إلخ
(سئل) في أرض مشتركة بين جماعة واضعين أيديهم، بها غرس زيتون وتين يدعي أحدهم أن له جميع الغراس، والثاني يدعي أن له النصف، وله بينة تشهد بذلك فما الحكم الشرعي؟
(أجاب) حيث وجدت البينة الشاهدة بأن فلانا له نصف هذا الغراس لكونه غرسه بيده أو اشتراه أو وهب له مثلا قضى له به، وإلا فإن أقاما بينتين أو لم تقم بينة حلف كل لصاحبه يمينا وسلم النصف لصاحبه، والنصف الثاني يقسم بينهما نصفين والله تعالى أعلم.
مطلب رجل تحت يده أرض يتصرف فيها بالزرع وغيره إلخ
(سئل) في رجل تحت يده أرض يتصرف فيها بالزرع وغيره تصرف الملاك نحو خمسين سنة عن أبيه عن جده، برز رجل يدعي أن هذه الأرض له مع مشاهدته التصرف المذكور، فهل تسمع الدعوى مع ما ذكر؟
(أجاب) حيث مضت هذه المدة المذكورة، والمدعي يشاهد التصرف المذكور بلا معارض لا تسمع دعواه على أن الدعوى لا تسمع بعد خمسة عشرة سنة؛ لنهي مولانا السلطان على أن القاضي لا يسمع الدعوى فيما زاد على خمسة عشرة والله تعالى أعلم.
مطلب في مغارة لشاهين وقنديل باعا نصفها لمحارب إلخ
(سئل) في مغارة لشاهين وقنديل باعا نصفها لمحارب بخمسة عشر قرشا، ثم اتفق الثلاث شاهين وقنديل ومحارب، وباعوا نصف ما بأيديهم لسلمان على أن يعملوها بدا بحجره وخشبته وجميع لوازمه، ثم قنديل الآن ينازع محاربا وينكر البيع، وعليه بينة شرعية تشهد لمحارب بأنه اشترى نصف الحصة وله نحو خمسة
стр. 421
عشرة سنة يتصرف فيها من غير منازع فما الحكم الشرعي؟
(أجاب) حيث وجدت البينة الشرعية أن كلا من شاهين وقنديل باعا نصف المغارة لمحارب فلا يجوز لهما ولا لأحدهما معارضة محارب بوجه؛ لأن البيع عن تراض، فيجب على قنديل أن يسلم البيع لمحارب لوجود البينة الشاهدة له بذلك على أن تصرف محارب هذه المدة المذكورة يقتضي عدم صحة منازعة قنديل له، على أن الدعوى لا تسمع بعد مضي خمسة عشرة سنة فالدعوى من قنديل باطلة لثلاثة أوجه: أحدها: البينة. والثاني: التصرف المذكور. والثالث: مضي المدة المذكورة والله أعلم.
مطلب جمل مشترك دفعه أحد الشركاء لبدوي إلخ
(سئل) في جمل مشترك دفعه أحد الشركاء لبدوي يرعاه، ثم طلبه منه فامتنع وباعه، ثم طلب منه الجمل فادعى أنه رده على الدافع وحلف يمينا، فهل هذه اليمين تمنع ضمان الجمل عن البدوي؟
(أجاب) حيث ثبت بالوجه الشرعي أن البدوي امتنع من دفع الجمل لدافعه وباعه كان ضامنا له، ودعوى الرد مع اليمين لا تفيد مع البينة المذكورة كما صرحوا به متونا وشروحا والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل باع آخر أسبابا وقبض منه بعض الثمن إلخ
(سئل) في رجل باع آخر أسبابا وقبض منه بعض الثمن وبقي عنده بقية من الثمن، ثم أخبر أنه مسافر لمصر من الأمصار فقال للبائع: أنا آتيك بأسباب ببقية الثمن فوافقه على ذلك، فهل يلزمه الوفاء للرجل حتى يأتي له بالأسباب أو له طلب بقية الثمن؟
(أجاب) حيث كان أصل الثمن المباع به الأسباب المذكورة حالا لزم المشتري توفية بقية الثمن، ولا عبرة بما وقع بينهما من التوافق والرضى؛ لأن البائع وعد المشتري وعد بر لم يصر عليه فلا يلزم الوفاء بهذا الوعد، فيجب على المشتري توفية بقية الثمن والله أعلم.
مطلب في رجل ادعى على أخيه أنه باعه نصف جمل إلخ
(سئل) في رجل ادعى على أخيه أنه باعه نصف جمل فأقر المدعى عليه بأن الجمل لأبيهما الغائب عن مجلس الدعوى، وقد كان المدعي خدم الجمل بالرعي والعلف والطلي للزيت مدة ثلاثة أشهر، وقد نزع الجمل منه من مدة ثلاثة أشهر يعمل عليه فما الحكم الشرعي في ذلك؟
(أجاب) الوجه الشرعي أن الأخ المدعي يراجع الأب، فإن صدق ولده البائع له غرم الأخ البائع لأخيه ما غرمه على الجمل من علف ودهن وغيرهما، وإن لم يصدقه بقيت الخصومة مع الأخ، فإن أثبت البيع منه أخذ الجمل وله الرجوع عليه بأجرة عمله هذه المدة أجرة مثله والله تعالى أعلم.
مطلب رجل معه بغل تعرف عليه آخر إلخ
(سئل) في رجل معه بغل تعرف عليه آخر أنه سرق منه منذ ثمان سنوات، وكان عمره إذ ذاك خمس سنوات، وواضع اليد يدعي أنه ابن فرسه، وله من العمر ثمان سنين ومعه بينة تشهد بذلك، فهل تقدم بينته على بينة المدعي المذكور؟
(أجاب) لا ريب أن بينة واضع اليد تقدم لوضع يده عند الشافعي، ولدعوى النتاج عند الإمام أبي حنيفة
стр. 422
على أن الدعوى حيث أثبت المدعي دعواه من عمر البغل المذكور، وكان قول مدعي الضياع للفعل ثابتا تناقضت؛ لأن الظاهر يكذبها، وأن هذا البغل حدث بعد ضياع بغله فلا يصغى لها حاكم الشرع لما ذكر والله أعلم.
مطلب رجل متصرف في وظيفة دزدارية قلعة يافا إلخ
(سئل) في رجل متصرف في وظيفة دزدارية قلعة يافا بموجب براءة شريفة، وقائم على خدمته على الاستقامة، فبرز له خصم اسمه بيرم وأنهى إلى حضرة السلطان ما هو خلاف الواقع، وأخذ منه الدزدارية ببراءة شريفة، وشرط في برائته أن الوظيفة المزبورة حسبة لله تعالى، ثم إن بيرم المزبور لم يحضر إلى القلعة المرقومة، فلما ظهر وتبين إلى ولاة الشام الوزر العظام الذين لهم العزل والنصب ما حصل إلى الدزدار السابق أبقوه على ما كان عليه، ولم يسبق تصرف ومضى من ذلك مدة ستة سنين، والحال أن بيرم المزبور يدعي الدعوى على الدزدار الذي تصرف من طرف وزراء الشام بما قبضه من عوائد وبادهوا فهل له ذلك مع أن براءته ليس فيها معين، بل حسبة لله تعالى؟
(أجاب) ليس لبيرم المذكور دعوى بالعوائد والبادهوا بوجه؛ لأن ذلك لا يخلو وصوله إلى الدزدار المذكور إما من باب الإكرام له والإحسان فقد ملكه بوصوله إليه حتى لو أراد مالكه الرجوع به فليس له ذلك، وإما من باب الرشوة والجزم فلا تصح دعوى بيرم به بوجه. وأما الدعوى به فلمالكه الأصلي على أن معنى الحسبة أنه لا يأخذ شيئا، بل يكون لوجه الله تعالى يقصد بذلك المرابطة وأجره على الله تعالى، فلا يليق به طلب ما ذكر المنافي لأجره والله أعلم.
مطلب أرض بها غراس تين لها تحت يد جماعة إلخ
(سئل) عن أرض بها غراس تين لها تحت يد جماعة نحو ثمانين سنة يتصرفون فيها تصرف الملاك بحرث وزرع، ونقل ملك إلى الغير وفي البلد رجل يشاهد ذلك يدعي الآن أنها تحت أيديهم بالرهن، مع أنه لا أكل ثمرا ولا حرث لها أرضا، فهل يجاب لدعواه والأرض أصلها وقف؟
(أجاب) لا يخفى أن تصرف الجماعة هذه المدة مشعر بثبوت الملك لهم، وعدم معارضة الرجل وأخذه ثمرة التين دليل على أنه لا حق له في الأرض المذكورة على أن الدعوى بعد خمسة عشر سنة لا تسمع؛ لورود الأمر السلطاني لذلك، وأرض الوقف وبيت المال يزول الاختصاص عنها بالإعراض عنها، وقد حصلت هذه المدة والله أعلم.
مطلب رجل اشترى دارا من مدة ثلاثين سنة إلخ
(سئل) في رجل اشترى دارا من مدة ثلاثين سنة، ثم تبين الآن أنها وقف، وله عليها عمارة حسبت من أجرة مثلها، ويريد أن يرجع بالثمن، فهل يرجع بمعاملة زمن البيع؛ لأنه الذي دفعه أو بمعاملة الآن؟
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن مال العدد الفضة المتعامل بها الآن وهي لا تنضبط أصلا، ولا يجوز التعامل بها في الذمة لعدم ضبطها واختلاف الأغراض بها عددا ووزنا وقيمه
стр. 423
فلا ضابط لها يرجع إليه عند التنازع الحكام والمفتيون فوجب الرجوع لأمر مضبوط لا يختلف وهو النقد الصحيح من ذهب وكلب وريال، ثم إذا علم ما دفعه المشتري من الصحيح المذكور وهو الذهب والكلب والريال فيجب، ولا يجب العدول عنه لغير زاد سعره أو نقص وإن لم يعلم فيما يقابل الصحيح من العدد وقت قبض الثمن الذي وقع عليه البيع والله تعالى أعلم.
مطلب رجل أسباهي أقطعه مولانا السلطان نصره الله تعالى قرى وأراضي ومزارع إلخ
(سئل) في رجل أسباهي أقطعه مولانا السلطان نصره الله تعالى قرى وأراضي ومزارع تحت خدم يخدمها لعموم المسلمين، ولها زراع يزرعونها فرجل زرع منها حصة نحو تسع سنين ومات وخلف وارثا وتركة، فهل يلزم دفع ما عليها من المعلوم للأسباهي المذكور؛ لكونه يستحقها من طرف السلطان؟
(أجاب) لا ريب أن منفعة الأرض مضمونة على الزراع للأرض يستحقها الأسباهي المذكور بموجب الإقطاع، فهي دين على الرجل الزارع لها يجب عليه وفاؤه لمستحقه المذكور، فلما مات الرجل تعلق الدين بتركته فيجب على الوارث قضاء ذلك الدين؛ لأنه مقدم على إرثهم، ولا يجوز لهم التصرف في التركة ما لم يسدوا هذا الدين، ونفس ميتهم مرهونة بهذا الدين حتى يقضى عنه والله تعالى أعلم.
مطلب ألاي بيك طائفة الأسباهية إلخ
(سئل) في ألاي بيك طائفة الأسباهية بلواء اللجون منصوب من طرف السلطان نصره الله تعالى لضبطهم والتكلم عليهم طلب ألاي بيك وبعد اختيارية الأسباهية لطرف دمشق الشام لأمور معتادة عليه فأحضرهم ألاي بيك قبل التوجه، وشرط عليهم أن ما يطلب منه من الدراهم في لوازم ومصارف تكون على الجميع فردوا بذلك، فهل يكون ما صرفه لازما لهم يدفعونه لهم على ما هو المعتاد؟
(أجاب) نص العلماء على أن الرجل الكبير على قوم كالقرى وغيرها يستأذنهم في التصرف في مصالحهم ولوازمهم العرفية والشرعية على أنه يلزمهم ما لزمه منها لإذنهم له في ذلك، ولو كان هذا اللازم ظلما وإلا لما نصب أحد نفسه كبيرا على قوما لما يلزمهم من اللوازم كما لا يخفى، فيجب على جميع من أذن له منهم أن يدفع ما خصه مما صرفه في اللوازم العرفية ولو كانت ظلما على أن نصب السلطان له منزل منزلة إذنهم له في ذلك، كما لا يخفى والله تعالى أعلم.
مطلب مديون لأناس غير ممتنع لأداء ما عليه إلخ
(سئل) في مديون لأناس غير ممتنع لأداء ما عليه دفع بعض نحاس لدلال يبيعه؛ لأجل وفاء ما بذمته فتعدى أحد أرباب الديون على النحاس وأخذه من الدلال قهرا، فهل يجبر على رده لصاحبه؟
(أجاب) نعم يجبر على رد النحاس قال في المنهج وشرحه لشيخ الإسلام: أو استحق دينا على غير ممتنع من أدائه طالبه به فلا يؤخذ شيئا له بغير مطالبة ولو أخذه لم يملكه ويلزمه رده، ويضمن إن تلف عنده والله أعلم.
стр. 424
مطلب في أخوين كان لهما أم إلخ
(سئل) في أخوين كان لهما أم وحصلت شيئا بكسبها وكسب أولادها، ثم من جملة ذلك نخل كان أصله نخلة وجدها أحدهما، وكل منهما يدعي أنه الواجد لها فما الحكم الشرعي؟
(أجاب) ما خلفته الأم وما كان من كسب الأخوين فهو لهما يقسم بينهما نصفين بحسب الميراث والكسب، وأما النخلة فحيث كانت تحت يدهما فيحلف كل منهما يمينا أنه الواجد لها دون أخيه، ثم تقسم بينهما نصفين، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر فهي له والله تعالى أعلم.
مطلب رجل آجر ذميا حمارا وأوصى عليه رجلا إلخ
(سئل) في رجل آجر ذميا حمارا، وأوصى عليه رجلا مسلما يحفظه، ودفع له أجرة على حفظه، فذهب الذمي إلى المحل الذي استأجره الحمار له، ورجع فسأل المؤجر المستأجر عن الحمار فأنكره، فقال المسلم الذي دفع له أجرة على حفظه الحمار: عندي وفي ذمتي عند بينة شرعية من المسلمين. والآن يريد المدعى عليه أن يدعي أن الحمار قد وصل إلى المدعي باعترافه قبل التزامه له، ويقيم رجلا شاهدا ذميا، فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) دعوى المدعي الذي قامت عليه البينة الشرعية بموجب التزامه للحمار لا تسمع بعد ذلك لأمرين: الأول: مناقضة إقراره؛ لأن إقراره يقتضي أن الحمار عنده لم يصل لصاحبه، ودعواه بعد ذلك تناقض الإقرار السابق، وشرط الدعوى أن لا تناقضها دعوى أخرى. الثاني: أن شهادة النصراني لا تقبل والله أعلم.
مطلب رجل تلقى زيتونا عن أبيه وأبوه إلخ
(سئل) في رجل تلقى زيتونا عن أبيه وأبوه تصرف فيه أكثر من ثلاثين سنة، وهو تصرف بعد أبيه أكثر من خمسة عشرة سنة لا يعلم له ولا لأبيه من قبله معارض في أرض وقف، ويضع ما عليه لجهة الوقف، وفي القرية رجلان أحدهما نازل معه في الدار، والآخر في البلد لم يسمع منها ذكر لهذا الزيتون، وشاهدان التصرف فيه بالحرث والجذاذ ونحوهما، ولا يحصل منهما معارضة بوجه، والآن هذان الرجلان المذكوران يدعيان شركة في هذا الزيتون تلقيانها عن أبوهما، فهل يجابان بدعواهما مع أن المتصرف في الوقف مقر للرجل المذكور؟
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن من أقوى أدلة الملك اليد، ولا سيما مع التصرف تصرف الملاك ولا سيما مع مشاهدة الرجلين المذكورين وقربهما، وعدم معارضتهما فدل ذلك على عدم الملك لهما إذ لو كان لهما به علاقة لما صبرا هذه المدة فدلت قرينة الحال والعرف، وشهد العقل بحسب ما جرت به العدة أنهما لا علاقة لهما سلمنا، ولكن إعراضهما هذه المدة، وتقرير المتكلم على الوقف له يدل أن الحق في الزيتون لواضع اليد لاحتمال أنه للوقف فبإعراضهما هذه المدة زالت يدهما، وثبت الحق لواضع اليد مع أن الدعوى بعد خمسة عشرة سنة لا تسمع حيث نص مولانا السلطان على عدم سماعها للقاضي، وأيضا لو شهد لواضع اليد
стр. 425
شاهدان بالملك لمشاهدة التصرف من غير معارض قبلت شهادتهما والله أعلم.
مطلب رجل له مصبنة برملة فلسطين إلخ
(سئل) في رجل له مصبنة برملة فلسطين أرسل إلى رجل ذمي تمسكا بأن يفتح المصبنة، ويتسلم من الناس نقودا أو غيرها، ويشتري زيتونا وقليا وما تحتاجه المصبنة من الصنايعية والجفت وغير ذلك، ثم مات الرجل الآذن فهل يصدق هذا الذمي في كل ما يدعي أنه استلمه من الناس ووجد في المصبنة طنجتان من الصابون لما مات الميت نزل من طرف الشرع الشريف جماعة لضبط مخلفات الميت، وضبط ما في المصبنة من القلي والشيد والصأبون فضبطوا الطبختين باسم الميت والذمي يشاهد ذلك بلا معارض، ثم الآن يدعي أنهما له فهل يسمع قوله بلا حجة؟
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن للميت شواهد ظاهرة وشواهد باطنة والباطل كذلك، فسكوت الذمي وعدم معارضته وقت الضبط من الشواهد الدالة على باطله؛ لأن من له حق لا يسعه السكوت عليه وقت ضرورته، وكون دعواه تسمع بلا حجة أشد في دعوى الباطل الذي تنظر فيه الحكام والمجتهدون بنور رباني وتوفيق صمداني، والشواهد التي تبين الحق وتزهق الباطل هي الشهود العدول المؤمنون الصادقون الخالون عن الشبهة والزيغ عن الحق، فإن أقام الذمي شهودا عدولا موصفين بما ذكر، ونظر في هذا الأمر الحاكم بنور الله لتعلقه بميت وقاصر مع ما وقع من الذمي من القصور حكم له بذلك، وأما مجرد قوله: فلا يصغي إليه عند أحد من المسلمين ولو كان المدعي من خيار المؤمنين فلا يصغى لقوله بلا حجة، فما بالك بالكافرين الذين كذبهم الله ورسوله والله أعلم.
مطلب امرأة رأت على رأس بنت سربندا إلخ
(سئل) في امرأة رأت على رأس بنت سربندا فادعت معرفته لضياعه مع أسباب أخر، ثم مضى على ذلك ما يزيد على خمسين سنة بحيث إن البنت صارت عجوزا ولها أولاد ذكور شيب، والآن وقع النزاع بينها وبين مدعية السربند المذكور وتريد إقامة شاهد لم يبلغ من العمر هذه المدة يريدان يشهدان السربند الذي كان على رأسك يا فلانة هذا الفلانة فإن شهد ألزمتهم بجميع الضائع، فما الحكم الشرعي في هذه الدعوى؟
(أجاب) هذه الدعوى أن الدعوى إن عرضت على قاض الجنة حكم فيها بأنها باطلة بلا شك، وكان الشاهد ممن استوجب النار والعار وغضب الجبار، فأين شهادته مع قوله ﷺ : على مثلها أي الشمس فاشهد. فهل شهد بذلك وهو في صلب أبيه أو في ظهر إبليس، لأنه ربما كان من نسله فهذه الدعوى باطلة من وجوه: أحدها: لا بد من حضور المدعي به المشتبه بغيره وأين هو. الثاني: عدم وجود الشاهد في ذلك الزمان. الثالث: كونها تريد الإلزام بجميع السرقة وهو باطل أيضا. الرابع: إعراضها هذه المدة، ثم دعواها المشعر ذلك
следующие страницы →