Полный текст (525 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
عشرة سنة يتصرف فيها من غير منازع فما الحكم الشرعي؟
(أجاب) حيث وجدت البينة الشرعية أن كلا من شاهين وقنديل باعا نصف المغارة لمحارب فلا يجوز لهما ولا لأحدهما معارضة محارب بوجه؛ لأن البيع عن تراض، فيجب على قنديل أن يسلم البيع لمحارب لوجود البينة الشاهدة له بذلك على أن تصرف محارب هذه المدة المذكورة يقتضي عدم صحة منازعة قنديل له، على أن الدعوى لا تسمع بعد مضي خمسة عشرة سنة فالدعوى من قنديل باطلة لثلاثة أوجه: أحدها: البينة. والثاني: التصرف المذكور. والثالث: مضي المدة المذكورة والله أعلم.
مطلب جمل مشترك دفعه أحد الشركاء لبدوي إلخ
(سئل) في جمل مشترك دفعه أحد الشركاء لبدوي يرعاه، ثم طلبه منه فامتنع وباعه، ثم طلب منه الجمل فادعى أنه رده على الدافع وحلف يمينا، فهل هذه اليمين تمنع ضمان الجمل عن البدوي؟
(أجاب) حيث ثبت بالوجه الشرعي أن البدوي امتنع من دفع الجمل لدافعه وباعه كان ضامنا له، ودعوى الرد مع اليمين لا تفيد مع البينة المذكورة كما صرحوا به متونا وشروحا والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل باع آخر أسبابا وقبض منه بعض الثمن إلخ
(سئل) في رجل باع آخر أسبابا وقبض منه بعض الثمن وبقي عنده بقية من الثمن، ثم أخبر أنه مسافر لمصر من الأمصار فقال للبائع: أنا آتيك بأسباب ببقية الثمن فوافقه على ذلك، فهل يلزمه الوفاء للرجل حتى يأتي له بالأسباب أو له طلب بقية الثمن؟
(أجاب) حيث كان أصل الثمن المباع به الأسباب المذكورة حالا لزم المشتري توفية بقية الثمن، ولا عبرة بما وقع بينهما من التوافق والرضى؛ لأن البائع وعد المشتري وعد بر لم يصر عليه فلا يلزم الوفاء بهذا الوعد، فيجب على المشتري توفية بقية الثمن والله أعلم.
مطلب في رجل ادعى على أخيه أنه باعه نصف جمل إلخ
(سئل) في رجل ادعى على أخيه أنه باعه نصف جمل فأقر المدعى عليه بأن الجمل لأبيهما الغائب عن مجلس الدعوى، وقد كان المدعي خدم الجمل بالرعي والعلف والطلي للزيت مدة ثلاثة أشهر، وقد نزع الجمل منه من مدة ثلاثة أشهر يعمل عليه فما الحكم الشرعي في ذلك؟
(أجاب) الوجه الشرعي أن الأخ المدعي يراجع الأب، فإن صدق ولده البائع له غرم الأخ البائع لأخيه ما غرمه على الجمل من علف ودهن وغيرهما، وإن لم يصدقه بقيت الخصومة مع الأخ، فإن أثبت البيع منه أخذ الجمل وله الرجوع عليه بأجرة عمله هذه المدة أجرة مثله والله تعالى أعلم.
مطلب رجل معه بغل تعرف عليه آخر إلخ
(سئل) في رجل معه بغل تعرف عليه آخر أنه سرق منه منذ ثمان سنوات، وكان عمره إذ ذاك خمس سنوات، وواضع اليد يدعي أنه ابن فرسه، وله من العمر ثمان سنين ومعه بينة تشهد بذلك، فهل تقدم بينته على بينة المدعي المذكور؟
(أجاب) لا ريب أن بينة واضع اليد تقدم لوضع يده عند الشافعي، ولدعوى النتاج عند الإمام أبي حنيفة
стр. 422
على أن الدعوى حيث أثبت المدعي دعواه من عمر البغل المذكور، وكان قول مدعي الضياع للفعل ثابتا تناقضت؛ لأن الظاهر يكذبها، وأن هذا البغل حدث بعد ضياع بغله فلا يصغى لها حاكم الشرع لما ذكر والله أعلم.
مطلب رجل متصرف في وظيفة دزدارية قلعة يافا إلخ
(سئل) في رجل متصرف في وظيفة دزدارية قلعة يافا بموجب براءة شريفة، وقائم على خدمته على الاستقامة، فبرز له خصم اسمه بيرم وأنهى إلى حضرة السلطان ما هو خلاف الواقع، وأخذ منه الدزدارية ببراءة شريفة، وشرط في برائته أن الوظيفة المزبورة حسبة لله تعالى، ثم إن بيرم المزبور لم يحضر إلى القلعة المرقومة، فلما ظهر وتبين إلى ولاة الشام الوزر العظام الذين لهم العزل والنصب ما حصل إلى الدزدار السابق أبقوه على ما كان عليه، ولم يسبق تصرف ومضى من ذلك مدة ستة سنين، والحال أن بيرم المزبور يدعي الدعوى على الدزدار الذي تصرف من طرف وزراء الشام بما قبضه من عوائد وبادهوا فهل له ذلك مع أن براءته ليس فيها معين، بل حسبة لله تعالى؟
(أجاب) ليس لبيرم المذكور دعوى بالعوائد والبادهوا بوجه؛ لأن ذلك لا يخلو وصوله إلى الدزدار المذكور إما من باب الإكرام له والإحسان فقد ملكه بوصوله إليه حتى لو أراد مالكه الرجوع به فليس له ذلك، وإما من باب الرشوة والجزم فلا تصح دعوى بيرم به بوجه. وأما الدعوى به فلمالكه الأصلي على أن معنى الحسبة أنه لا يأخذ شيئا، بل يكون لوجه الله تعالى يقصد بذلك المرابطة وأجره على الله تعالى، فلا يليق به طلب ما ذكر المنافي لأجره والله أعلم.
مطلب أرض بها غراس تين لها تحت يد جماعة إلخ
(سئل) عن أرض بها غراس تين لها تحت يد جماعة نحو ثمانين سنة يتصرفون فيها تصرف الملاك بحرث وزرع، ونقل ملك إلى الغير وفي البلد رجل يشاهد ذلك يدعي الآن أنها تحت أيديهم بالرهن، مع أنه لا أكل ثمرا ولا حرث لها أرضا، فهل يجاب لدعواه والأرض أصلها وقف؟
(أجاب) لا يخفى أن تصرف الجماعة هذه المدة مشعر بثبوت الملك لهم، وعدم معارضة الرجل وأخذه ثمرة التين دليل على أنه لا حق له في الأرض المذكورة على أن الدعوى بعد خمسة عشر سنة لا تسمع؛ لورود الأمر السلطاني لذلك، وأرض الوقف وبيت المال يزول الاختصاص عنها بالإعراض عنها، وقد حصلت هذه المدة والله أعلم.
مطلب رجل اشترى دارا من مدة ثلاثين سنة إلخ
(سئل) في رجل اشترى دارا من مدة ثلاثين سنة، ثم تبين الآن أنها وقف، وله عليها عمارة حسبت من أجرة مثلها، ويريد أن يرجع بالثمن، فهل يرجع بمعاملة زمن البيع؛ لأنه الذي دفعه أو بمعاملة الآن؟
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن مال العدد الفضة المتعامل بها الآن وهي لا تنضبط أصلا، ولا يجوز التعامل بها في الذمة لعدم ضبطها واختلاف الأغراض بها عددا ووزنا وقيمه
стр. 423
فلا ضابط لها يرجع إليه عند التنازع الحكام والمفتيون فوجب الرجوع لأمر مضبوط لا يختلف وهو النقد الصحيح من ذهب وكلب وريال، ثم إذا علم ما دفعه المشتري من الصحيح المذكور وهو الذهب والكلب والريال فيجب، ولا يجب العدول عنه لغير زاد سعره أو نقص وإن لم يعلم فيما يقابل الصحيح من العدد وقت قبض الثمن الذي وقع عليه البيع والله تعالى أعلم.
مطلب رجل أسباهي أقطعه مولانا السلطان نصره الله تعالى قرى وأراضي ومزارع إلخ
(سئل) في رجل أسباهي أقطعه مولانا السلطان نصره الله تعالى قرى وأراضي ومزارع تحت خدم يخدمها لعموم المسلمين، ولها زراع يزرعونها فرجل زرع منها حصة نحو تسع سنين ومات وخلف وارثا وتركة، فهل يلزم دفع ما عليها من المعلوم للأسباهي المذكور؛ لكونه يستحقها من طرف السلطان؟
(أجاب) لا ريب أن منفعة الأرض مضمونة على الزراع للأرض يستحقها الأسباهي المذكور بموجب الإقطاع، فهي دين على الرجل الزارع لها يجب عليه وفاؤه لمستحقه المذكور، فلما مات الرجل تعلق الدين بتركته فيجب على الوارث قضاء ذلك الدين؛ لأنه مقدم على إرثهم، ولا يجوز لهم التصرف في التركة ما لم يسدوا هذا الدين، ونفس ميتهم مرهونة بهذا الدين حتى يقضى عنه والله تعالى أعلم.
مطلب ألاي بيك طائفة الأسباهية إلخ
(سئل) في ألاي بيك طائفة الأسباهية بلواء اللجون منصوب من طرف السلطان نصره الله تعالى لضبطهم والتكلم عليهم طلب ألاي بيك وبعد اختيارية الأسباهية لطرف دمشق الشام لأمور معتادة عليه فأحضرهم ألاي بيك قبل التوجه، وشرط عليهم أن ما يطلب منه من الدراهم في لوازم ومصارف تكون على الجميع فردوا بذلك، فهل يكون ما صرفه لازما لهم يدفعونه لهم على ما هو المعتاد؟
(أجاب) نص العلماء على أن الرجل الكبير على قوم كالقرى وغيرها يستأذنهم في التصرف في مصالحهم ولوازمهم العرفية والشرعية على أنه يلزمهم ما لزمه منها لإذنهم له في ذلك، ولو كان هذا اللازم ظلما وإلا لما نصب أحد نفسه كبيرا على قوما لما يلزمهم من اللوازم كما لا يخفى، فيجب على جميع من أذن له منهم أن يدفع ما خصه مما صرفه في اللوازم العرفية ولو كانت ظلما على أن نصب السلطان له منزل منزلة إذنهم له في ذلك، كما لا يخفى والله تعالى أعلم.
مطلب مديون لأناس غير ممتنع لأداء ما عليه إلخ
(سئل) في مديون لأناس غير ممتنع لأداء ما عليه دفع بعض نحاس لدلال يبيعه؛ لأجل وفاء ما بذمته فتعدى أحد أرباب الديون على النحاس وأخذه من الدلال قهرا، فهل يجبر على رده لصاحبه؟
(أجاب) نعم يجبر على رد النحاس قال في المنهج وشرحه لشيخ الإسلام: أو استحق دينا على غير ممتنع من أدائه طالبه به فلا يؤخذ شيئا له بغير مطالبة ولو أخذه لم يملكه ويلزمه رده، ويضمن إن تلف عنده والله أعلم.
стр. 424
مطلب في أخوين كان لهما أم إلخ
(سئل) في أخوين كان لهما أم وحصلت شيئا بكسبها وكسب أولادها، ثم من جملة ذلك نخل كان أصله نخلة وجدها أحدهما، وكل منهما يدعي أنه الواجد لها فما الحكم الشرعي؟
(أجاب) ما خلفته الأم وما كان من كسب الأخوين فهو لهما يقسم بينهما نصفين بحسب الميراث والكسب، وأما النخلة فحيث كانت تحت يدهما فيحلف كل منهما يمينا أنه الواجد لها دون أخيه، ثم تقسم بينهما نصفين، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر فهي له والله تعالى أعلم.
مطلب رجل آجر ذميا حمارا وأوصى عليه رجلا إلخ
(سئل) في رجل آجر ذميا حمارا، وأوصى عليه رجلا مسلما يحفظه، ودفع له أجرة على حفظه، فذهب الذمي إلى المحل الذي استأجره الحمار له، ورجع فسأل المؤجر المستأجر عن الحمار فأنكره، فقال المسلم الذي دفع له أجرة على حفظه الحمار: عندي وفي ذمتي عند بينة شرعية من المسلمين. والآن يريد المدعى عليه أن يدعي أن الحمار قد وصل إلى المدعي باعترافه قبل التزامه له، ويقيم رجلا شاهدا ذميا، فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) دعوى المدعي الذي قامت عليه البينة الشرعية بموجب التزامه للحمار لا تسمع بعد ذلك لأمرين: الأول: مناقضة إقراره؛ لأن إقراره يقتضي أن الحمار عنده لم يصل لصاحبه، ودعواه بعد ذلك تناقض الإقرار السابق، وشرط الدعوى أن لا تناقضها دعوى أخرى. الثاني: أن شهادة النصراني لا تقبل والله أعلم.
مطلب رجل تلقى زيتونا عن أبيه وأبوه إلخ
(سئل) في رجل تلقى زيتونا عن أبيه وأبوه تصرف فيه أكثر من ثلاثين سنة، وهو تصرف بعد أبيه أكثر من خمسة عشرة سنة لا يعلم له ولا لأبيه من قبله معارض في أرض وقف، ويضع ما عليه لجهة الوقف، وفي القرية رجلان أحدهما نازل معه في الدار، والآخر في البلد لم يسمع منها ذكر لهذا الزيتون، وشاهدان التصرف فيه بالحرث والجذاذ ونحوهما، ولا يحصل منهما معارضة بوجه، والآن هذان الرجلان المذكوران يدعيان شركة في هذا الزيتون تلقيانها عن أبوهما، فهل يجابان بدعواهما مع أن المتصرف في الوقف مقر للرجل المذكور؟
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن من أقوى أدلة الملك اليد، ولا سيما مع التصرف تصرف الملاك ولا سيما مع مشاهدة الرجلين المذكورين وقربهما، وعدم معارضتهما فدل ذلك على عدم الملك لهما إذ لو كان لهما به علاقة لما صبرا هذه المدة فدلت قرينة الحال والعرف، وشهد العقل بحسب ما جرت به العدة أنهما لا علاقة لهما سلمنا، ولكن إعراضهما هذه المدة، وتقرير المتكلم على الوقف له يدل أن الحق في الزيتون لواضع اليد لاحتمال أنه للوقف فبإعراضهما هذه المدة زالت يدهما، وثبت الحق لواضع اليد مع أن الدعوى بعد خمسة عشرة سنة لا تسمع حيث نص مولانا السلطان على عدم سماعها للقاضي، وأيضا لو شهد لواضع اليد
стр. 425
شاهدان بالملك لمشاهدة التصرف من غير معارض قبلت شهادتهما والله أعلم.
مطلب رجل له مصبنة برملة فلسطين إلخ
(سئل) في رجل له مصبنة برملة فلسطين أرسل إلى رجل ذمي تمسكا بأن يفتح المصبنة، ويتسلم من الناس نقودا أو غيرها، ويشتري زيتونا وقليا وما تحتاجه المصبنة من الصنايعية والجفت وغير ذلك، ثم مات الرجل الآذن فهل يصدق هذا الذمي في كل ما يدعي أنه استلمه من الناس ووجد في المصبنة طنجتان من الصابون لما مات الميت نزل من طرف الشرع الشريف جماعة لضبط مخلفات الميت، وضبط ما في المصبنة من القلي والشيد والصأبون فضبطوا الطبختين باسم الميت والذمي يشاهد ذلك بلا معارض، ثم الآن يدعي أنهما له فهل يسمع قوله بلا حجة؟
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن للميت شواهد ظاهرة وشواهد باطنة والباطل كذلك، فسكوت الذمي وعدم معارضته وقت الضبط من الشواهد الدالة على باطله؛ لأن من له حق لا يسعه السكوت عليه وقت ضرورته، وكون دعواه تسمع بلا حجة أشد في دعوى الباطل الذي تنظر فيه الحكام والمجتهدون بنور رباني وتوفيق صمداني، والشواهد التي تبين الحق وتزهق الباطل هي الشهود العدول المؤمنون الصادقون الخالون عن الشبهة والزيغ عن الحق، فإن أقام الذمي شهودا عدولا موصفين بما ذكر، ونظر في هذا الأمر الحاكم بنور الله لتعلقه بميت وقاصر مع ما وقع من الذمي من القصور حكم له بذلك، وأما مجرد قوله: فلا يصغي إليه عند أحد من المسلمين ولو كان المدعي من خيار المؤمنين فلا يصغى لقوله بلا حجة، فما بالك بالكافرين الذين كذبهم الله ورسوله والله أعلم.
مطلب امرأة رأت على رأس بنت سربندا إلخ
(سئل) في امرأة رأت على رأس بنت سربندا فادعت معرفته لضياعه مع أسباب أخر، ثم مضى على ذلك ما يزيد على خمسين سنة بحيث إن البنت صارت عجوزا ولها أولاد ذكور شيب، والآن وقع النزاع بينها وبين مدعية السربند المذكور وتريد إقامة شاهد لم يبلغ من العمر هذه المدة يريدان يشهدان السربند الذي كان على رأسك يا فلانة هذا الفلانة فإن شهد ألزمتهم بجميع الضائع، فما الحكم الشرعي في هذه الدعوى؟
(أجاب) هذه الدعوى أن الدعوى إن عرضت على قاض الجنة حكم فيها بأنها باطلة بلا شك، وكان الشاهد ممن استوجب النار والعار وغضب الجبار، فأين شهادته مع قوله ﷺ : على مثلها أي الشمس فاشهد. فهل شهد بذلك وهو في صلب أبيه أو في ظهر إبليس، لأنه ربما كان من نسله فهذه الدعوى باطلة من وجوه: أحدها: لا بد من حضور المدعي به المشتبه بغيره وأين هو. الثاني: عدم وجود الشاهد في ذلك الزمان. الثالث: كونها تريد الإلزام بجميع السرقة وهو باطل أيضا. الرابع: إعراضها هذه المدة، ثم دعواها المشعر ذلك
стр. 426
ببطلان الدعوى فليتق الله المدعي قبل أن تحل به البلوى. الخامس: أن القاضي لا يسمع الدعوى فيما فوق خمسة عشرة حيث منع ذلك من سماعها السلطان نصره الملك الديان والله أعلم.
مطلب في قرية بعض أراضيها ميري للسلطان
(سئل) في قرية بعض أراضيها ميري لحضرة السلطان نصره الله تعالى، وبعضها وقف أهلي على أناس معلومين قام بعض المستحقين أستأجر أرض الميري، واستولى على أرض الوقف مع جملة أرض الميري مدة تزيد على ثمانية عشر سنة ولم يدفع للمستحقين للوقف شيئا، ثم توفي وترك ميراثا وورثاء، فهل للمستحقين مطالبة الوارث بريع أرض الوقف المذكورة التي استولى عليها مورثه بغير حق أو لا؟
(أجاب) لا ريب أن جميع ما استولي عليه الميت من حصة الوقف يكون دينا في ذمته يستوفى من تركته مقدما على الإرث؛ لأنه لا إرث إلا بعد وفاء الدين فيحتسب جميع ما أخذه ويدفع لأهل الوقف على حسب استحقاقهم في الوقف عليه موجب شرط الواقف، ويجب على المتولي على التركة وفاء ذلك الدين منها تخليصا لروح ميته من الحبس لخبر: "نفس المؤمن مرهونة أي محبوسة عن مقامها الكريم بدينه حتى يقضي عنه" ولا يجوز له التصرف في شيء من التركة حتى يقضي ما عليه من الدين والله أعلم.
مطلب رجل مات عن ورثة ترك ما يورث إلخ
(سئل) في رجل مات عن ورثة ترك ما يورث عنه شرعا فسأل أحد المستحقين فقيل له: جميع مخلفاته وقف لا تستحق فيه الإناث فاعتمد قولهم أحد أولاده البنات فلم يخاصمهم لاعتماده على قولهم، ثم ظهر أن العقارات ملك لا وقف، فهل لمن له استحقاق في الميراث أن يطالبهم بحصة من ميراثه لكونه ملكا وبيع بعضها من أحد المستحقين وإن طالت المدة؟
(أجاب) حيث كان المخلف عن الميت ملكا له فلا عبرة بقول القائل: إنه وقف المجرد عن البيان فلمن له حق فيه أن يطالب بحقه الواجب له بحسب الميراث الشرعي، ولا عبرة بطول المدة؛ لأن طولها لا يسقط حقا ولا سيما مع وجود العذر المذكور، وهو قول الوقف الذي ظن به عدم الاستحقاق والله أعلم.
مطلب رجل مات فادعى رجل آخر على وارثه إلخ
(سئل) في رجل ميت يدعي رجل آخر على وارثه أنه دفع له دراهم ليخرجها على زيت، وليس له بينة تشهد له بالإخراج ولا بعدمه فما حكم الشرع في ذلك؟
(أجاب) حيث أثبت الرجل الدافع دراهمه فلا يلزم الوارث إلا يمين أنه لا يعلم أن مورثه أخرج هذه الدراهم على زيت، فإن علم الوارث أنه أخرجها على زيت عرفه من أخرج له الدراهم، ويثبت بذلك ويلحقه صاحب المال والله أعلم.
مطلب رجل متصرف في نصف قيراط في بلد إلخ
(سئل) عن رجل متصرف في نصف قيراط في بلد، ثم باعه لآخر بيعا باتا بثمن معلوم وقبض ثمنه، ثم مات البائع فادعى وارثه عدم البيع، فهل إذا أقام المشتري بينة بذلك يقضى له بالنصف المذكور، ويمنع المدعي من معارضته؟
(أجاب) إن أقام المشتري البينة الشرعية أنه
стр. 427
اشترى النصف المذكور وعمل بها شرعا، ومنع المدعي من معارضته بعد ذلك؛ لأن تصرفه فيه هذه المدة التي تقرب من أربعين سنة أقوى دليل على صحة البيع، ولا سيما مع عدم المعارضة والمنازعة في المدة المذكورة، ومع وضع يده عليه، والله تعالى أعلم.
مطلب امرأة معها حجة شرعية كتبت في محكمة بيت المقدس إلخ
(سئل) عن امرأة معها حجة شرعية كتبت في محكمة بيت المقدس حرسها الله تعالى بشراء دار من رجل ملكتها بحجتين شرعيتين ثابتتين، فهل لمن باع بموجب حجة للبائع أن يعارض المرأة المشترية من بائعه، ويضرها بالترفق بالحكام وغرم المال؟
(أجاب) لا ريب أن أذية الناس بالسعي للحكام وغيرهم حرام شديد الحرمة، بل كبيرة من الكبائر يزجر فاعلها ويصد ويمنع ويثاب ولي الأمر أيده الله تعالى بذلك، ولا سيما عن مثل هذه المرأة الضعيفة لقوله ﷺ : "اتقوا الله في الضعيفين المرأة والمملوك". وإذا ظهر لولي الأمر من المدعي العناد ودعوى الفساد عزره بما يليق به بين العباد لخبر "لإقامة حد في الأرض خير من أن تمطر الأرض أربعين صباحا" فلا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم أنه إلى ربه الكريم منتقل وصاير إما لغضبه وناره التي ترمي بشرر كالقصر كأنه جملات صفر: ﴿يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾ وإما إلى الجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. تنال بالتقوى والمرحمة ودفع الضرر عن عباد الله تعالى، وإقامة شعائر الله تعالى فسعيد من دخلها والشقي من حرمها، والله بصير بالعباد فلا يدعي هذه الدعوى الباطلة إلا شقي ملحد موصوف بالطرد والإبعاد والله هو الموفق للرشاد.
مطلب أخوين بينهما مال مشترك ولكن إلخ
(سئل) في أخوين بينهما مال مشترك، ولكن أحمد يدعي أن البقر وهي اثنا عشر رأسا هي أولاد البقرة اشترتها زوجته علياء من عمها صالح، ويدعي أن حصته من الغنم لأولاده أخذوها من أجرة رعيهم للغير وحمد الله أخوه+ أخوها يشهد لها بشراء البقرة المذكورة، فما حكم الشرع الفاصل بينهما؟
(أجاب)
جميع ما بيديهما مما ورثاه أو اكتسباه يقسم بينهما نصفين، وأما البقرة التي لها فإن إقامة علياء زوجة الأخ شاهدين عدلين أو شاهدا ولو كان أخاه المذكور عدلا، وحلفت معه يمينا على صدقه وأنها اشترت البقرة وحدها من مالها لنفسها أخذت البقر الاثنى عشر وأولاد أحمد أن أقاموا شاهدين كذلك أوشاهدا ويمينا على ما عينوه من الغنم أخذوه، وما صرفه أحمد على البقرة وأولادها يرجع به على الزوجة، فإن كان من المال المشترك يرجع عليه أخوه بالنصف وما عدا ذلك يقسم بينهما نصفين هذا ما شهدت به نصوص الشرع القويم. اهـ.
مطلب رجل تكررت منه الشكايا على آخر بدعاوى غير صحيحة إلخ
(سئل) في رجل تكررت منه الشكايا على آخر بدعاوى غير صحيحة لا أصل لها قاصدا بذلك تغريمه وإيذائه، ولا بينة له
стр. 428
على دعواه ومنعه الحاكم الشرعي من معارضته بالوجه الشرعي بحجة شرعية، والآن يريد الدعوى لأجل ضرره وأذيته، فهل القضية إذا فصلت بالوجه الشرعي، وأراد الخصم نقض الدعوى وإعادتها لا تعاد، ولا تسمع ما الحال؟
(أجاب) لا ريب أن أذية الخلق ولو ذميا لا يجوز، والدعاوى الباطلة كبيرة من الكبائر؛ لما فيها من الوعيد الشديد، ففي الحديث: "من ادعى بما ليس له فليتبؤ مقعده من النار". صرح بذلك ابن حجر في الزواجر، ومثل ذلك الخصومة بباطل زور، وقال غريب عن ابن عباس ﵄ قال رسول الله ﷺ : "كفي بك أن لا تزال مخصما". والبخاري: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم". أي كثير الخصومة، ومثل ذلك المخاصمة بغير علم، بل إذا ظهر للحاكم الشرع أيده الله تعالى عناد الخصم وبطلان دعواه، وكثرة خصامه عزره؛ لأن له أن يعزر على كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وقد علمت أن ما ذكر معاصي عديدة، والله تعالى أعلم.
مطلب بلدة وقع فيها خوف فجاء لامرأة أبوها إلخ
(سئل) في بلدة وقع فيها خوف فجاء لامرأة أبوها ليخرجها منها فخرجت معه، ومكثت نحو شهر ورجعت لزوجها، ثم مات أبوها، ثم ماتت هي وادعى زوجها أنه يوم ذهبت مع أبيها كان معها مال لها عده لها، ويوم رجعت أخبرت أنه بقي عند أبيها، فهل للزوج طلب على ولد أب الميت بما ذكرا؟
(أجاب) ما ذكر لا يثبت به حق، وإنما هو حكايات لا تصلح مستندا شرعيا، نعم للزوج تحليف ولد الأب أنه لا يعلم أن أباه أخذ من ابنته مالا، فإن أقر له بشيء، أو أقام عليه بينة شريعة بما علمته أو رأته أن البنت التي هي زوجة الرجل دفعت لأبيها كذا، وبقي عنده حتى مات وخلف تركة لزوم ولده وفاؤه، والله تعالى أعلم.
مطلب رجل استدان دراهم واشترى لنفسه أمتعة إلخ
(سئل) في رجل استدان دراهم، واشترى لنفسه بحضرة جماعة أمتعة من فرش وبسط ومخد، وغير ذلك ووضعها في بيته للتجمل فصار بين الزوج والزوجة مشاجرة ومخاصمة فأراد الزوج أخذ أمتعته؛ ليبيعها ويوفي ديونه فمنعته وادعت أن ذلك ملكها وهي مما تصلح لهما، فهل القول قولها، أم قوله؟
(أجاب) حيث أقام الزوج على الأمتعة بينة أنها له قضي له بها، وإن لم يقم بينة تحالفا، وجعل بينهما نصفين، وإن حلف أحدهما دون الآخر قضي له بما حلف هذا نص الشافي والجمهور، والله تعالى أعلم.
مطلب رجل بيده زيتون يستغله تلقاه عن أبيه إلخ
(سئل) في رجل بيده زيتون يستغله تلقاه عن أبيه عن جده من نحو سبعين سنة، والآن برز له رجل من أهل البلد يدعيه مع مشاهدته للتصرف، ويريد أن يقيم شاهدا يشهد بأن هذه الأرض ليس فيها زيتون لغير أهلها فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) وضع اليد والتصرف من أقوى الأدلة الشرعية على الملك ولا سيما مشاهدة الرجل المدعي للتصرف وسكوته عليه هذه المدة المذكورة على أنه لا تسمع الدعوى بعد خمسة
стр. 429
عشرة سنة حيث نص السلطان نصره الرحمن على منع القضاة من ذلك على أن هذه الشهادة لا تقبل ولا تنافي ثبوت الملك فيما بعد ذلك؛ لأن الملك ينتقل في اللحظة الواحدة فعهد الشاهد فيما مضى منقوض فيما بعد ذلك بانتقال الملك إلى المتصرف الدال عليه وضع اليد والتصرف، والله تعالى أعلم.
مطلب امرأة اشترت جارية من آخر بثمن معلوم إلخ
(سئل) في امرأة اشترت جارية من آخر بثمن معلوم، ثم بعد مدة ادعت الجارية أنها حرة وظهرت كذلك، فهل حيث لم يثبت البائع أنها رقيقة فلا يصح بيعها إذ الحر لا يدخل تحت اليد، والقول قولها في دعوى الحرية لتمسكها بالأصل، وترجع المشترية على بائعها بالثمن؟
(أجاب) حيث ادعت الجارية أنها حرة الأصل، ولم يسبق منها إقرار برق حال تكليفها، ولم يحكم برقها حال صفرها حلفت فقصدت بيمينها الأصل؛ لأن الأصل الحرية وعبارة المنهج مع شرحه: ولو ادعى رق غير صبي ومجنون مجهول نسب ولو سكران، فقال: أنا حر أصالة حلف فيصدق؛ لأن الأصل الحرية، وعلى المدعي البينة وإن استخدمه قبل إنكاره، وجرى عليه البيع مرارا وتداولته الأيدي وخرج بدعواها حرية الأصل ما لو قالت: أعتقتني أو أعتقني من باعني منك فلا تصدق بغير بينة انتهى، فإذا حكم بحريتها بعد اعتبار ما ذكر كان للمشترية الرجوع بالثمن كما ذكره في المنهج وغيره والله تعالى أعلم.
مطلب رجل له في كرم زيتون ستة عشر قيراطا إلخ
(سئل) في رجل له في كرم زيتون ستة عشر قيراطا وللآخر الباقي غاب صاحب الثلثين عن بلده مدة ثلاثين سنة، ومعه ولد صغير فمات الأب في غيبته عن ولده المذكور، فجاء لبلدة أبيه ليتصرف في الحصة الموروثة له في الكرم، فمنعه واضع اليد وادعى أن جميع الكرم ملكه وملك أبيه، وواضع يده عليه وليس له ولا لأبيه حق فيه، فهل إذا أقام المدعي بينة أن الحصة ملك لأبيه لم تخرج عن ملكه مات عنها وتركها ميراثا تسمع دعواه، وتقبل بينته وتكون الغيبة من الأعذار المانعة، ويمنع واضع اليد المتعدي لكونه بلا برهان؟
(أجاب) نعم تسمع دعوى الابن بالثلثين في الزيتون، ولا عبرة بوضع اليد ولا بينة الواضع يده على الحصة المقتضية للملك بوضع اليد؛ لأن الابن خارج، وبينته مقدمة ودعواه مسموعة وغيبته عذر وأي عذر، والله تعالى أعلم.
مطلب جماعة قاصدين بلدهم إلخ
(سئل) في جماعة قاصدين بلدهم لقيهم جماعة قاصدين رجلا يقال له شلش، والحال أن المسمى بشلش رجلان أحدهما بدير عمار، والآخر بشقبي+ فسألوهم عن بلد شلش فقالوا لهم: سيروا معنا ظنا منهم أن مرادهم شلش الذي بدير عمار فساروا معهم إلى أن دخلوا دير عمار فأقاموا بها أربعة أيام، ثم خرجوا من دير عمار ففي أثناء الطريق لقيهم قطاع الطريق فأخذوا ما معهم من البقر فادعوا على الجماعة الذين سألوهم أنهم هم الذين أضاعوا بقرهم بسبب أنهم دلوهم على غير الذي أرادوا التوجه له، وهذه الدعوى تزيد على
стр. 430
عشرين سنة فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) هذه الدعوى لا تسمع لوجوه كثيرة: أحدها: أن دعوى السبب لا تسمع. الثاني: أنهم ما استولوا على بقرهم. الثالث: أنهم أخبروهم على ظن هم فيه صادقون؛ لتعدد شلش المسئول عن بلده، فالخطأ من السائلين إذ لم يبينوا أي شلش يريدون. الرابع: أنهم بإقامتهم في دير عمار حصل لهم الضرر من النهب والدمار، فهل ساروا في الوقت والساعة لشقبا لتبيين الحال لهم. الخامس: أنهم خرجوا منها لشقبا، ثم حصل لهم النهب. السادس: أن الدعوى بعد خمسة عشرة سنة لا تسمع فأذعن للحق إن كنت ممن آمن وشكر، وإلا تلحق بمن طغى وكفر، والله تعالى أعلم.
مطلب في معنى اشتهر أن الدعوة لا تسمع بعد مضي خمسة عشرة سنة إلخ
(سئل) في معنى اشتهر أن الدعوة لا تسمع بعد مضي خمسة عشرة سنة؟
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن حق الخلق لا يسقط بمضي الزمن ولو ألف عام؛ لقوله ﷺ : "إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا". قاله في يوم عرفات وعلى من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدفع ما عليه من حقوق العباد؛ كي لا تبقى روحه محبوسة عن مقامها؛ لما ورد في الحديث الشريف. وإنما المعنى المذكور وهو عدم سماع الدعوى في ذلك إنما مشاع من طرف السلطان نصره الرحمن من منع القضاة أن يسمعوا دعوى فيما زاد على خمسة عشر سنة رفعا بالنزاع، ولأجل حسن النظام، ولكن هذا مشروط بأن ينص السلطان للقاضي على ذلك، فيصير ليس له حكم فيما زاد لأنه بالنسبة إليه كالمعزول فله أن يعرف المدعى عليه بوجوب الحق عليه كالعالم والمفتي، وليس له إلزامه، فإن أردت طريق الجنة دفعت ما عليك من حقوق الخلق، وإن سلكت طريق النار فلا تأمن من العار، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل له على آخر زيت سلم إلخ
(سئل) في رجل له على آخر زيت سلم وللرجل ثلاثة أرباع بدو أرض جناين وضع يده عليها المسلم تحت ما له من الزيت قهرا، ثم تصالح معه على ربع من البدو له سابقا ربع، فصار له النصف وبقي واضعا يده على الأرض، ثم مات المسلم إليه، ويدعي المسلم أن الصلح ما صار إلا على الأرض وربع البدو كان منتصرا بأقاربه، ثم افتتن معهم وخاف على الأرض فجاء الرجل وقال له: هذه الأرض لأولاد فلان قل لهم يأتون لي يبيعون لي هذه الأرض، ثم إنه أنكر هذا القول، فهل إذا شهد عليه هذا الرجل بما جرى منه، وحلف أولاد الرجل معه يقضى له بالأرض، ولا يفيده ما يتعلل به سابقا على الإقرار؟
(أجاب) حيث وجد الشاهد بصفة العدالة وشهد على الرجل الواضع يده على الأرض بأنه طلب من الورثة أن يبيعوه الأرض قبلت شهادته، ولكن يحلف كل من الورثة يمينا على صدق دعواه وشاهده، ويقضى لهم بالأرض، والله تعالى أعلم.
مطلب رجل مفقود عليه ديون إلخ
(سئل) في رجل مفقود عليه ديون حالة للغرماء، وله ديون على الناس
стр. 431
فهل لحاكم الشرع الشريف إذا ثبت عليه ماله من الديون، وعليه منها أن يستوفي ماله ويدفعها لأرباب الديون التي عليه أو كيف الحال؟
(أجاب) لا ريب أن القضاء على الغائب
جايز
في غير عقوبة الله تعالى إن كان للمدعي حجة ولم يقل هو الغائب مقر وعبارة المنهج وشرحه: وللقاضي نصب مسخر بفتح الخاء المعجمة المشددة ينكر عن الغائب؛ لتكون الحجة على إنكار منكر، ويجب تحليفه أي المدعي يمين الاستظهار بعد إقامة حجته أن الحق عليه يلزمه أداؤه، ثم قال: وإذا حكم الغائب بماله وله مال في عمله قضاه منه لغيبته انتهى. قال ابن حجر: وله مال ولو كان دينا ثابتا أي: فللقاضي أن يوفي من الدين الثابت للغائب دينه الثابت عليه، والله تعالى أعلم.
مطلب في أخت معاملة لأخيها فاجتمع لها عليه مبلغ إلخ
(سئل) في أخت معاملة لأخيها فاجتمع لها عليه مبلغ فطالبته فدفع لها عجلة بحصة من المبلغ الذي عليه، ثم ماتت وخلفت ورثة، والآن يدعي أن العجلة تحت يديها أمانة والورثة يدعون أنها بيع، ومع كل بينة تشهد له بما يدعيه فمن تقدم بينته؟
(أجاب) بينة مدعي الشراء مقدمة على بينة مدعي الأمانة؛ لأن لا ولي معها زيادة علم، ولا تنافي بين البيع والأمانة؛ لأنه يمكن إن يضعها أمانة، ثم يبيعها لها، والله تعالى أعلم.
مطلب في امرأة معها مصاغ دفعه لها أبو زوجها إلخ
(سئل) في امرأة معها مصاغ دفعه لها أبو زوجها وأمه ينازعه فيه سلفها، فهل إذا شهد بينة شرعية بدفع ما ذكر لها ذلك من صداقها، فهل يمنع سلفها من نزاعها؟
(أجاب) نعم إذا أقامت المرأة المذكورة شاهدين أو شاهدا وحلفت معه يمينا بأن حماها وحماتها دفعا ذلك لها من صداقها امتنع على سلفها نزاعها، ورد عنها ردا جميلا والأخذ أخذا وبيلا، وكفى بالله وكيلا، والله تعالى أعلم.
مطلب رجل تلقى أشجار زيتون عن أبيه وجده إلخ
(سئل) في رجل تلقى أشجار زيتون عن أبيه وجده لم يعرف له منازع منذ خمسين سنة، والقرية تيمارية، والمتكلم عليها يقره على ذلك، والآن أهل البلد يدعون أنه تابع للبلد ويكون سوية بينهم، هل تسمع دعواهم وفيهم رجل يقول: إن هذا الزيتون لأهل البلد يأخذ منه حصته؟
(أجاب) دعوى أهل البلد المذكورة لا تسمع لأمور منها: أنهم غير واضعين اليد، ومنها أنهم لم يعينوا أنها مملوكة لهم، ومنها عدم معارضتهم هذه المدة المذكورة، ومنها أن الدعوى بعد خمسة عشرة سنة لا تسمع بناء على منع القاضي من السلطان بعدم سماعها فما فوق ذلك، ومنها أن البلد للمتكلم عليها من طرف السلطان نصره الرحمن وهو مقر للرجل على ذلك هذه المدة حتى لو فرضنا أنها لم يكن لها مالك، وأقر المتكلم على البلد الفلاح عليها صارت من علائقه، ليس لأهل البلد معه كلام، ومنها أن أخبار الرجل لا يعمل به حق ولو أداه بلفظ الشهادة لا تقبل؛ لأنه شريك، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل تخاصم مع جماعة فشكاهم إلخ
(سئل) في رجل تخاصم مع جماعة فشكاهم إلى حاكم السياسة فعين عليه من طرفه معينا،
стр. 432
فلما مثلوا بين يديه أتاهم أناس غيرهم فلم يثبت عليهم عند حاكم الشرع ومنعه حاكم الشرع عنهم، ثم ادعى أنه دفع أجرة الطريق للمعين، ثم رفع المتهومين إلى حاكم الشرع فقال لهم: أعينوه لأجل الصلح بينهم، فهل يلزمهم ذلك شرعا؟
(أجاب) حيث كان الرجل في دعواه مبطلا، ولم يثبت ما ادعاه على المدعى عليهم فأجرة المعين لازمة له؛ لأنه مبطل ومتعد، وليس للقاضي إلزام المدعى عليه بذلك، ولا أمره له بالدفع؛ لأنه خلاف الشرع لما علم مما ذكرناه،، والله تعالى أعلم.
مطلب في أرض من أراضي بيت المال بها محل خرب إلخ
(سئل) في أرض من أراضي بيت المال بها محل خرب لم يعهد له عمارة من أحد من الناس، وإنما يقال: إنه من قسم بداح بن رباح وسلامة بن إبراهيم الطارش وحسين بن رباح ومرتضى بن سرور وحسن المهر فحسن المهر وإبراهيم الطارش وكلا بداحا في بيع تلك الأرض الخربة، ثم إن المذكورين باعوا الأرض المذكورة من عبد الكريم بوكالة حسن المهر وإبراهيم الطارش لبداح، ومات حسن المهر وإبراهيم الطارش وأولادهما يدعيان عدم البيع والوكالة، ومكث الرجل في حياتهما نحو خمسة عشرة سنة يعمر الأرض بالحرث والزرع من غير معارض له فيها ولا منازع لا من الطارش ولا من حسن ولا من غيرهما ممن ذكر وغيرهم، ولم يعهد للمذكورين ولا لغيرهم بها حرث ولا زرع، فهل لأولاد الطارش وأولاد حسن معه منازعة لكونهما يدعيان عدم البيع والوكالة؟
(أجاب) هذه الأرض إنما يحصل الاختصاص بها بالعمارة فحيث لم يوجد لمن ذكر بها عمارة من زرع ولا غرس فلا حق لهم في الأرض بوجه، فلا منازعة لهم ولا لغيرهم لهم نزاع؛ لعدم ثبوت حق لهم في الأرض ورفع يدهما كان لدفع شرهما ونزاعهما والرجل ملك الأرض بالعمارة؛ لأنه حققه بالعمل سيما مع مشاهدات الميت والوارث للعمارة ولم يعارضوه ويدفع ما عليها للمتكلم عليها من قبل السلطان، والله تعالى أعلم.
مطلب في حاكورة تلقاها وارث عن مورثه إلخ
(سئل) في حاكورة تلقاها وارث عن مورثه بموجب حجج شرعية بملكيتها، ولها حدود أربع من القبلة والشرق والشمال والغرب، ثم قال في الحجة بجميع حقوق ذلك كله وطرقه وجدره ومنافعه ومرافقه واستطراقاته، وما يعرف به وينسب إليه حق له ذلك شرعا داخلا في وفي الحاكورة قبو سفلي تحت أرضها داخل في حدودها، فهل يكون داخلا في البيع أو لا؟
(أجاب) لا يخفى على كل من له نظر قويم في الشرع العظيم أن جميع ما دخل في هذه الحدود داخل في ملك المالك حتى الهواء الصاعد والعمق النازل إلى سبع أرضين؛ لقوله ﵊: "من غصب قيد شبر من أرض طرقه من سبع أرضين فما عوقب الغاصب إلا بما غصبه وهو مقدار الشبر إلى الأرض السابعة". فهذا القيد داخل في البيع قطعا حتى
стр. 433
ما حاذاه من الأرض السابعة فهو داخل في البيع قطعا حتى يوجد ما يمنع ذلك بالحق الذي ثبت السماوات والأرضون وما بينهما عليه قال تعالى: ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾، والله تعالى أعلم.
مطلب في يتيم بلغ بالحلم والسن وله أم وإخوة إلخ
(سئل) في يتيم بلغ بالحلم والسن وله أم وإخوة وأهل وأقارب، ولم يرض بمعيشتهم، فهل يجوز له مفارقتهم والارتحال عنهم لطلب المعيشة، وهل يجوز لهم منعه والحجر عليه وإذا قلتم لهم ذلك بأي وجه؟
(أجاب) حيث كان بالغا عاقلا ولا ريبة فله التوجه حيث أراد، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل أخذ وظيفة عن إنسان إلخ
(سئل) في رجل أخذ وظيفة عن إنسان من غير وجه شرعي، ثم فرغ عنها لآخر، وأخذ نظير الفراغ قدرا معلوما ثم ذهب صاحب الوظيفة الأصلي إلى الدولة العليا فأعيدت وظيفته عليه، فهل للمفروغ له أن يرجع على الفارغ بما أخذه من المال؟
(أجاب) حيث إن الرجل كان أخذ الوظيفة من غير وجه شرعي كان فراغه لم يصادف محلا، وأخذه المال باطل؛ لعدم استحقاقه للوظيفة فوجب عليه رد المال لمالكه لما علم؛ لأن مالك المال لم يبذله له مجانا، بل لأجل الفراغ الصحيح ولم يوجد فهو كبيع غير المملوك، والله تعالى أعلم.
مطلب في شريكين تفاسخا عقد الشركة إلخ
(سئل) في شريكين تفاسخا عقد الشركة وكتب بينهما حجة شرعية بمعرفة حاكم الشرع وحكمه بأنه لا يستحق أحدهما قبل الآخر حقا مطلقا من سائر المعاملات من القيم والمثليات وأبرأ كل منها صاحبه إبراء عاما، ثم إن أحدهما يريد الدعوى على صاحبه تعنتا وبغضا وإضرار له وتغريما للمال بغير مسوغ شرعي له في ذلك، فهل للحاكم منعه من باطله وزجره وتنكيله؟
(أجاب) حيث ظهر لمولانا الحاكم أيدت أحكامه من الخصم العناد منعه وزجره عن غيه وباطله، فإن لم يفد فيه ذلك أدبه بما يليق به؛ لأن منصبه منع الخصام وإقامة الاحكام وقمع اللئام ونصر الكرام؛ ليحصل بذلك حسن النظام في الدنيا ودار القيام، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل دلال للمسلمين وغيرهم دفع له رجل ذمي إلخ
(سئل) في رجل دلال للمسلمين وغيرهم دفع له رجل ذمي بغمة ليبيعها له فظهرت أنها مأخوذة بالسرقة بعد بيعها لرجل مصري، فرجع المصري على الدلال بالثمن، فهل للدلال الرجوع على الذمي بالثمن، وإذا امتنع من الدفع فهل لحاكم العرف تعزيره بما يليق وإذا كتب عليه حجة لكونها بالقهر والجبر يعمل بها؟
(أجاب) نعم له الرجوع عليه بالثمن فإن دفع بنفسه فذاك وإلا رفعه الدلال لحاكم الشرع ليأمره بعد الإثبات بالدفع، فإن امتثل لحكم الشرع كان له ذمة وعهد وإلا فلا ولحاكم العرف أيده الله تعالى زجره وتنكيله بما يليق بعناده وفساده، ولا يعمل بحجة مخالفة للشرع القويم، ولا سيما مع الإكراه المنابذ للشرع المتين، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل دفع لآخر اثنين وعشرين قرشا إلخ
(سئل) في رجل دفع لآخر اثنين وعشرين قرشا تحت ثمن زيت يأتي به له من البر فادعى الآخذ أنه أتى بالزيت
стр. 434
وضاع نهبا فهل تضيع الدراهم على مالكها؟
(أجاب) آخذ الدراهم ضامن لها لأنه أخذها لغرض نفسه؛ ليأتي بها بزيت ويأخذ ربحه، والآن أخذ الثمن المذكور وهو نظير أخذ المتاع للسوم وهو مضمون فكذا هنا، فعليه غرمها ضاعت أو سلمت، والله تعالى أعلم.
مطلب وقف على المسجد يقال إن به نبيا من الأنبياء إلخ
(سئل) في وقف على المسجد يقال: إن به نبيا ﵊ في قرية خراب وللأرض معلوم، فكيف يعمل به شرعا؟
(أجاب) يجب على من تحت يده معلوم الأرض أن يدفع عن المسجد الموقوف ما يدفع عنه الضرر، مثل مرمة وكوة ونحو ذلك مما يحفظ عين المسجد لاحتمال عمارة القرية ولاحتمال مرور مصل أو قافلة بها، واحتراما لما فيها من النبي المعظم، فإن فضل شيء وأمكن عمارة القرية حفظ لها، وإلا عمل به أقرب مسجد إليها؛ لأن المساجد لله تعالى كلها، والله تعالى أعلم.
مطلب في بلد عليها لوازم عرفية دفع رجل ما عليه إلخ
(سئل) في بلد عليها لوازم عرفية دفع رجل ما عليه منها، وبقية أهل البلد نهبوا جملا ودفعوه في تلك اللوازم، فهل على الرجل الدافع ما عليه من ذلك الجمل شيء؟
(أجاب) لا شيء على الرجل من الجمل؛ لكونه دفع ما عليه ولم يستول على الجمل، وإنما يطالب به الآخذون له الواضعون أيديهم عليه، والله تعالى أعلم.
مطلب في أقارب اتهموا في قتيل فنهب لهم المتهمون جمالا إلخ
(سئل) في أقارب اتهموا في قتيل فنهب لهم المتهمون جمالا، ثم صار بينهم صلح فرجع بعض الجمال وبعضها لم يرجع، فهل لصاحب الجمل الذي لم يرجع طلب على أقاربه؟
(أجاب) ليس للرجل طلب بجمله على أقاربه؛ لأنهم لم يستولوا عليه، ولا عبرة بالتهم الباطلة، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل كان يأخذ من وقف الخليل ﵇ إلخ
(سئل) في رجل كان يأخذ من وقف خليل الرحمن قدرا معلوما يسمى استحقاقا، وذلك أن الوقف كان له فائض يصرف للفقراء والمستحقين، فرغ إنسان عن قدر من ذلك لآخر، وأخذ منه على الفراغ مالا، ثم منع جميع الاستحقاقات متول على الوقف؛ لضيقه عن ذلك، فهل الفراغ صحيح؟
(أجاب) الفراغ غير صحيح؛ لعدم تقرر ذلك على الفارغ والمأخوذ من باب الإحسان، والصدقة لا تملك إلا بالأخذ، والله تعالى أعلم.
مطلب في ولد عليه ديون كثيرة فهرب من ذلك إلى الهند إلخ
(سئل) في ولد عليه ديون كثيرة فهرب من ذلك إلى الهند، ورجل يدعي أنه وجد في دفتره على ذلك الولد دينا وله والد، فهل يطالب والده بشيء من الدين المذكور، والحال أن لا ملك في بلده أصلا كيف الحال؟
(أجاب) لا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يطالب الوالد المذكور بشيء من الدين الذي على ولده، وذلك بإجماع المسلمين؛ لأن الوالد لو قتل ولده لا يطالب بقصاص، فكيف يطالب بالدين اللازم له، فليتق الله تعالى الطالب المذكور؛ لأمور منها: عدم ثبوت دينه؛ لأن مجرد الدفتر لا يعمل به شرعا، ومنه عدم لزوم ذلك لو فرض ثبوته للوالد، ومنها أن الدين
стр. 435
لا يلزم من غير كفالة ولا ضمان، ومنها أن الله تعالى أمر الولد بالإحسان إلى والده وهو من الإساءة؛ لثقل ذلك على النفوس، ومنها مخالفة ذلك للشريعة الغراء والملة البيضاء، ومنها عدم تسليط الشرع للغريم على الوالد المذكور إلا ان يوجد رجل ينابذ الشرع القويم فيخرج عنه إلى مذهب الشيطان الرجيم اللئيم فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل توفي عن وظيفة إلخ
(سئل) في رجل توفي عن وظيفة فقرر القاضي فيها ابنه الأهل لها، وتصرف فيها لمدة سنين يؤدي خدمتها على حسب الإمكان ويتناول معلومها من المتولي عليها، وكان والده تلقاها بالانحلال عن آخر بموجب تقارير شرعية، والآن يريد المتولي منع التصرف فيها يتعلل عليها بأنها حادثة ليست موجودة في دفاتر محاسباته، فهل يعمل بقوله وتلغى التقارير والتصرف في الوظيفة ومشاهدة ذلك، أو لا عبرة بقوله مع وجود التقارير والتصرف المذكورين، ويأمر الحاكم الشرعي المتولى المذكور بدفع معلومها من ربع الوقف، ويثاب على ذلك؟
(أجاب) حيث كان لهذه الوظيفة أصل، ويشهد له تصرف والد الميت ومن قبله، وقرر ابن الميت من له ولاية التقرير وجب على المتولى على ذلك الوقف دفع معلوم المقرر فيها، ولا عبرة بما تعلل به المتولى؛ لأنه لا يصلح مستندا شرعيا كما هو مقرر في الأصول والفروع، والله تعالى أعلم.
مطلب عمن ذكر بسوء عند حاكم فطلبه إلخ
(سئل) عمن ذكر بسوء عند حاكم فطلبه الحاكم فلم يجده، فأخذ ابن عمه عنه وغرمه مالا، فهل له الرجوع به على ابن عمه؟
(أجاب) لا رجوع له بما غرمه على ابن عمه المتهوم؛ لقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديه". فلا رجوع له إلا على ظالمه الآخذ لماله،، والله تعالى أعلم.
مطلب في ولد نشأ في كنف أبيه إلخ
(سئل) في ولد نشأ في كنف أبيه وكان يشتغل معه في أشغاله وأمر معاشه واكتسابه وغير ذلك، ثم مات الأب وخلف الولد المذكور وشقيقه له، والابن يدعي أن المخلف عن أبيه من كسبه فهل يعمل بقوله؟
(أجاب) حيث إن أصل المعمول فيه للأب كالمال والأرض والأشجار ونحوها فلا شيء للولد من جهة الكسب؛ لأنه متبرع به، والجميع يكون تركة للأب، ويقسم على الورثة بحسب الفريضة الشرعية حتى لو أثبت الابن ذلك بالوجه الشرعي أو صدقه باقي الورثة لما علم، وإن انفرد الولد بتحصيل شيء معلوم من جهة أخرى غير جهة الأب، وأقام عليه البيان الشرعي فهو له وإلا فلا عبرة بدعواه والحكم كما مر والله تعالى أعلم؟
стр. 436
مطلب أسباهي له ربع خربة ببراءة سلطانية له ولآبائه إلخ
(سئل) في أسباهي له ربع خربة ببراءة سلطانية له ولآبائه بحسب تقرير السلطان نصره الديان لهم، والثلاثة أرباع وقف على خليل الرحمن ﵊، ودفاتر الوقف الشريف ناطقة بأن للأسباهي الربع والثلاثة أرباع لجهة الوقف الشريف، فهل يجوز لأحد ممن يتكلم على الوقف أن يعارض الأسباهي في ربعه المذكور ويضمه إلى الوقف؟
(أجاب) حيث ثبت بالوجه الشرعي أن مولانا السلطان زاده نصر الملك الديان أنه أقطع الأسباهي الربع المذكور لا يجوز لأحد من الناس أن يعارضه فيه بوجه لأمور: منها ما ذكر منها أن الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام لا يرضون نسبة هذا الأمر إليهم؛ لأن الله تعالى بعثهم لإصلاح الدين والدنيا، وليس لهم علاقة بأمور الدنيا، ومنها قوله ﷺ : "من غصب قيد شبر طوقه من سبع أرضين" فعلى ولي الأمر نصره الله تعالى أن يرد الحق لأهله، ويكون ذلك نصرة لأنبياء الله تعالى ورسله؛ لأن ذلك مما يرضون به وسيما أبو الأنبياء الكرام شيخ الرسل العظام أصل كل خير، ورأس كل هدى، ودفع كل ضرر وبلاء إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم إن اتبع ملة إبراهيم حنيفا، ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ومن ملة إبراهيم العدل والحق ونصرة المظلومين وردع المعتدي، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والله تعالى أعلم.
مطلب رجل قتل لإنسان فرسا بإقراره إلخ
(سئل) في رجل قتل لإنسان فرسا بإقراره، ثم أتفق مع صاحبها على أن يحلف له ويسمي رجالا ليس لهم دخل في قتلها، فحلف وسمى رجالا بحسب ضلاله وزعمه، فألزم الرجل عند أقوام لا يؤمنون بيوم الحساب، بل نبذوا الحق وراء ظهورهم، واتبعوا أهوية أنفسهم فغرم كبير المسمين لصاحب الفرس حصة من قيمة الفرس، فهل ما ذكره صحيح مطابق للشريعة الغراء، وإذا قلتم لا فهل يجب على كل مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينكر على الفاعلين كذلك، ويمنعهم من غيهم وضلالهم، وهل للكبير الغارم الرجوع على الآخذ منه أم كيف الحال؟
(أجاب) اعلم أن الله تعالى أرسل محمدا ﷺ رحمة للعالمين وتنبيها لأقوام غافلين، وأنزل عليه القرآن تبيانا لكل شيء ونجاتا للعالمين، وقال الله تعالى فيه: ﴿
ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ وقال تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ وقال أيضا: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ وقال أيضا: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ وفسرت شهادة المرء على نفسه بالإقرار إذا علم ذلك ظهر أن ما ذكره من براءة المقر، ومؤاخذة المقر عنه ليس من الشريعة الغراء من شيء، وأنه ضلال وبهتان وافتراء على الله تعالى، وحرمان
стр. 437
ومنابذة للشريعة الغراء، وخذلان يجب على كل من يؤمن بالله ويوم الحساب منابذة القائلين بذلك، والعاملين به في كل وجه وباب؛ لأنه أمر مبتدع وفسق مخترع لا يقول به أحد من أهل الكتاب ولا من الجاهلية، وغيرهم من ذوي الألباب، ولا يساعده عقل ولا نقل في كتاب، فالله حسيب العامل به ومحمد ﷺ خصيمه وقصميه، وكيف يحل لمالك الفرس أخذ هذا المال ممن لم يجن ولم يقترف الذنب والخطيئة، ويترك المقر والجاني فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهذا شيء يجب التنبه له غفل عنه الناس أجمعون، وهو أنهم إذا سمعوا بهذا الأمر تساهلوا فيه، ولم يبالغوا في إنكاره مع أنه من أعظم ما يجب إنكاره ومعارضة فاعله وإضراره؛ لأنه نقض للشريعة حكما، وإبطال لها نثرا ونظما فتأمل واعتبر أيها الخائن الخاسر المعادي لله في دينه، ولنبيه في شرعه وتبيينه فلا تجوز المطالبة بهذا المال ولا العمل به، ويجب رد ما أخذ من الرجل الكبير عليه، ويجب على كل ولي أمر من قاض أو حاكم المنع من العمل بهذا الأمر الفظيع القبيح الوضيع، وتخليص مال الرجل وإيصاله له فما مآل المبتدع لهذا الأمر، والمؤيد له عند الله تعالى ورسوله ﷺ إلا وبار ودمار وخيبة وخسار وغضب الجبار، ثم العار والمصير إلى النار وبئس القرار، والله تعالى أعلم.
مطلب طائفة من النصارى لهم دير خارج بيت المقدس إلخ
(سئل) في طائفة من النصارى لهم دير خارج بيت المقدس وجد به جماعة مقتولون، ولأحد المقتولين أخت ادعت أن المغرى عليهم وكيل الطائفة المذكورين بإغرائه لبعض من هو مشهور بقطع الطريق ونهب الأموال وقتل الأنفس فأرشى عليها ونفاها من القدس الشريف فخرجت وهي معلنة بدعواها المذكورة في الطرقات والأسواق والبنادر التي حلت بها، وأنه راودها عن نفسها فأبت فلذلك أغرى على أخيها، ومن معه، ثم ظهر رجل أقر على نفسه أنه قتل من ذكر ومن معه جماعة من المسلمين سماهم ذكر منهم رجلا خادما عند السادة الداودية، فأخذوا ينسبون إليهم بألسنتهم ما لا يليق بهم، ولا ينسب إليهم، فهل يترتب على قول النصارى وأخبار الرجل حكم شرعي؟ وإذا قلتم لا فهل للحاكم أيدت أحكامه تعزير الطائفة القائلين ما ذكر، ومنعهم من غيهم وضلالهم أوضحوا لنا ذلك بالأدلة الساطعة والأقوال اللامعة والحجة القاطعة والبراهين الجامعة؟
(أجاب) اعلم وفقنا الله تعالى وإياك أن أفسق الفاسقين الكافر، وكذلك المذكور من الفاسقين بموجب إقراره بقتل النفس المحرمة، وقد قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾. قال البيضاوي: فتعرفوا وتفصحوا حال كونكم جاهلين
стр. 438
بحالهم فتصبحوا فتصيروا على ما فعلتم نادمين أي مغتمين على ما وقع منكم تتمنون أنه لم يقع، وقال ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجه: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه". ولو قبلت أخبار الفاسقين لم نثق بشيء من الدين. وقال ﷺ : "علي مثلها أي الشمس فاشهد". وقد علمت ما وقع من الافتراء والكذب والزور والضلال والبهتان من الكفرة اللئام على سيد الأنام مع القطع بظهور المعجزة والبرهان، فما زادهم ذلك إلا الطغيان والله المستعان على أن دعوى المرأة الذمية على أهل دينها تقدح في قلب قاض الجنة تحقيق الظنة؛ لأن الإنسان ناصر لأهل دينه خاذل لغيره بالوضع كما هو مشاهد معلوم عليه أهل المنطوق والمفهوم لا يجوز العدول عنه إلى أوهام قوبلت بهذه لكانت كالدرة مع الجبل، فإقرار الرجل المسلم قاصر عليه، وقول الكافر لا يعول عليه ولو أقسم عليه أنهم لا إيمان لهم لو اطلعت عليهم وما هو عليه من القبائح لوليت منهم فرارا ولملئت رعبا وما لقيت لهم ذمة ولا عهدا، بل مكائد للمسلمين لا تعلم لها حدا ولكن رد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين إذا علمت ذلك، وتحققت ما هنالك علمت أن الخائضين في أهل الإسلام ولا سيما المشايخ الأعلام والسادة الكرام، يجب على ولي الأمر أيدت أحكامه وأعلى في الخافقين نظامه أن يعزر أعداء الله ورسوله وأعداء أولياء الله وأهل الإسلام؛ لأن منصبه قمع اللئام وإقامة الأحكام بالأحكام، ورفع معالم الإسلام لأن مثل هذه السرية التي ليس فيها مرية ولو وقعت من أهل الإسلام لكان الواجب لهم التعزير والتحقير على هذا الأمر الخطير، فكيف بإخوان الشياطين فتنصب عليهم الحدود بحسب ما شرط من فتح البلاد بأمر الودود فنصر الله تعالى من كان للحق ناصرا، ولأهل الباطل قاهرا حتى يصح الإسلام به مفاخرا وعلى الدين الباطل ظاهرا، والله تعالى أعلم.
مطلب أرض اشتراها محمد بن عواد من عواد بن غانم إلخ
(سئل) في أرض اشتراها محمد بن عواد من عواد بن غانم وتصرف فيها في حياته نحو عشرين سنة، ثم مات عواد وورثه غانم ومكث نحو خمسة عشرة سنة، ثم موت غانم وله ورثة، ثم بعد موت غانم بنحو خمس سنين ادعى وارثها أن نصف هذه الأرض لهم مع عدم معارضتهم ومنازعتهم نحو أربعين سنة، فهل تسمع دعواهم والحال أن الأرض وقف على كليم الله تعالى موسى بن عمران على نبينا وعليه الصلاة والسلام؟
(أجاب) هذه الأرض لا تملك، وإنما الزراع لها له بها اختصاص وانتفاع، فلما وضع الرجل يده على الأرض هذه المدة فلا تسمع الدعوى عليه مع ذكر.
стр. 439
وصار أحق بها من غيره فليس لأحد أن يرفع يده عنها قهرا، ولو أقام بينة مع مضي المدة المذكورة والتصرف المذكور المانع من المعارضة والله أعلم.
مطلب عن أرض وقف على ولي الله تعالى إلخ
(سئل) عن أرض وقف على ولي الله تعالى يقال له أبو نجيم وهو مدفون بأرض بادية ليس بها أحد، فهل لمن الأرض تحت يده أن يصرف معلومها في وجوه الخير كبناء بئر أو عمارة مسجد أو صرف للفقراء والمستحقين؟
(أجاب) نعم يجوز للرجل المؤمن بالله واليوم الآخر أن يصرف معلوم الأرض فيما جرت به العادة السابقة، فإن لم تكن عادة كان لمن الأرض تحت يده أن يصرف معلومها في وجوه الخير مقدما الأهم فالأهم كبناء بئر وعمارة مسجد وصرف لفقراء المسلمين، ويقدم الأشد احتياجا للمسلمين على غيره، والله يعلم المصلح من المفسد وهو أعلم.
مطلب في رجل أذن له متول على وقف إلخ
(سئل) في رجل أذن له متول على وقف في عمارة دكان من الوقف كان يسكنه فصرف عليه ستة عشر قرشا بإذنه، ثم مات المستأجر للدكان وخلف ورثة، ثم نزع الدكان منه، فهل له الرجوع عليه بما غرمه الميت من المال المذكور؟
(أجاب) هذا يسمى الآن في العرف خلوا وهو معمول به شرعا للحاجة الداعية إليه، ولوجود الإذن المقتضي له، وقد أفتى بذلك بعض المتأخرين فيجوز للورثة الرجوع على الناظر، ويجب عليه أن يدفع لهم من مال الوقف، والله تعالى أعلم.
مطلب عن رجل فلاح خرج من بلده لأخرى وله فيها شجر وأرض إلخ
(سئل) عن رجل فلاح خرج من بلده لأخرى وله فيها شجر وأرض وضع أهل البلد يدهم عليها في نظير ما يطعمونه لضيف ونحوه، والحال أنه يضع ما على الأرض للمتكلم عليها، فهل يجب عليهم رفع أيديهم عنهما وإن أكلوا شيئا غرموه؟
(أجاب) يجب عليهم رفع أيديهم عن أرضه وشجره وعليهم غرم ما أكلوه منهما، فإن امتنعوا من ذلك ألزمهم الحاكم أيدت أحكامه، فإن امتنعوا عزرهم بما يليق بهم وما ذكروه من الضيافة لا يعمل به بإجماع المسلمين؛ لأن ذلك إكرام من أهل القرية لنازلهم، وليس ذلك على الأرض والله أعلم.
مطلب عن قرية من قرى بيت المقدس لزمها دية إلخ
(سئل) عن قرية من قرى بيت المقدس عمرها الله تعالى لزمها دية رجل فهرب رجل ممن لزمته الدية، وقد صار عليهم كفلا فباع ما له في القرية الكفلاء، وسدوا ما عليه من الدية فهل البيع صحيح؟
(أجاب) هذا البيع باطل لعدم تسلط الكفلاء على مال الغائب شرعا، فيدفع ما عليه من معلوم الدية، ويرجع له ماله والله أعلم.
(سئل) في أختين لهم قدر معلوم في الصرة الرومية بتقرير شرعي نزلت أحدهما للأخرى وقررت معلومها بتقرير شرعي، ثم نزلت هذه المرأة عن الحصتين لامرأة أخرى وقررها حاكم الشرع، وتصرفت في المعلوم نحو عشرين سنة، فأنهى رجل عن أحد الأختين وأخذ حصتها، وكتب لهم براءة بذلك على حسب أنهاه، فهل يعمل بالبراءة أو بتقرير القاضي
стр. 440
السابق على تاريخ القاضي؟
(أجاب) لما نصب مولانا السلطان قاضيا عاما يتعاطى الأحكام كان كأنه السلطان؛ لأنه نائبه والنائب كالأصيل، فلما قرر القاضي المنزول لها صارت هي المستحقة للمعلوم، وما أنهاه الرجل للسلطان عن المعلوم، وقرره فيه لم يصادف محلا؛ لأن المعلوم له أهل على أن تقرير الخاص مقدم على العام كما صرحوا به والله أعلم.
مطلب في مسجد قديم مهجور لا يصلي به أحد إلخ
(سئل) في مسجد قديم مهجور لا يصلي به أحد من الناس إلا يوم العيد، وله أراض فوضع رجل من المسلمين يده عليه وعمره وصانه وهيئه للصلاة، فهل يجب على من تحت يده شيء من الوقف أن يدفعه للرجل المذكور؟
(أجاب) لا يخفى أنه يجب على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم أنه إلى الحساب صائر أن يسعى في عمارة المساجد، ويظهر شعارها، ويعلي منارها؛ قال تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾ وقال ﷺ : "من عمر لله مسجدا ولو مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة". فيجب على كل مسلم أن يدفع ما للجامع عنده من معلوم الوقف الواجب له شرعا، وعلى المسلمين جميعا إعانة الرجل على العمارة، وخلاص الحق من أهله؛ ليحصل لهم الثواب من الملك الوهاب، وإقامة شعائر المسجد بالصلاة والعبادة والله أعلم.
مطلب في جماعة واضعي أيديهم على بلدة إلخ
(سئل) في جماعة واضعي أيديهم على بلدة يدعون أنها موقوفة عليهم من زمن قديم، ومعهم على ذلك إثبات، وحجة ومعهم أيضا بيرديات شريفة من الوزراء والحكام أن لا يتعارضهم في ذلك أحد بوجه من الوجوه، فهل والحالة هذه يجوز لأحد من أهالي البلاد أو غيرهم أن يعارضهم في ذلك؟
(أجاب) قال ﷺ فيما روته السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وفي رواية: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". وروى ابن ماجه عن أبي جحيفة "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعدي من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعدي من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". فمن أراد أن يحدث على أهل القرية ما ليس عليهم أو يأخذ منهم شيئا بغير حق فقد خالف الله ورسوله وعصى السلطان في أمره؛ لأن طاعته واجبة فيما أمر ونهى ما لم يخالف الشرع، ودخل في عموم أهل البدع ورد أمره عليه، وأصبح لا ناصر له من الله تعالى ولا مدد من رسوله ﷺ ولا طاعة لسلطانه فقد باء بالوبار والدمار والعار، ثم المصير إلى النار فقل: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل أتهم بسرقة وضرب عليها إلخ
(سئل) في رجل أتهم بسرقة وضرب عليها ضربا مبرحا، وضرب أيضا ليقر على غيره فاتهم في حال الضرب
стр. 441
جماعة وغرمهم حاكم السياسة، فهل يلزم بما غرمه الجماعة المذكورون؟
(أجاب) لا يلزم الرجل المتهم للجماعة المذكورين شيئا مما غرموه؛ لأنه لم يستول لهم على مال على أنه مكروه، وإقرار المكره باطل فلا يعمل به فلا يجوز للجماعة المتهمين أن يعارضوا الرجل بوجه لما علم والله أعلم.
مطلب والد وعد ولده بأن يدفع له قنطارا من الزبيب إلخ
(سئل) عن والد وعد ولده بأن يدفع له قنطارا من الزبيب، وذلك في عهدة قريب له أيضا، فهل يلزم الوالد ذلك؟ وهل يعمل بهذا الضمان؟
(أجاب) ما صدر من الوالد من الوعد لا يعمل به بإجماع المسلمين، وكل مخالف في ذلك خارج عن الدين القيم، ولا يعمل أيضا بالضمان المترتب على ذلك فلا يلزم الوالد ولا الضامن شيء من ذلك. والولد المنازع والده في ذلك عاق له مخالف لقول الله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا أن اشكر لي ولوالديك﴾ وقال أيضا: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ فتأمل هذه الآية، فكل من أعان ولدا على والده أو قواه عليه فقد عصى الله تعالى وأصبح من الخاسرين والله أعلم.
مطلب أرض مستحكرة بيد رجل متصرف إلخ
(سئل) في أرض مستحكرة بيد رجل متصرف فيها بالوجه الشرعي بموجب حجة شرعية ثابتة المضمون مخلدة بيده دخلها آخر وسكن بها بغير إذن مستأجرها، فنهاه فلم ينته فرفع أمره لحاكم الشرع، ونبذ عليه بالخروج منها فلم يخرج ولم يمتثل ما أمر به فماذا يثبت عليه شرعا؟
(أجاب) دخول الأرض بغير رضا مستحقها غصب لها ذنبه كبيرة، والمخالفة بعدم الخروج ذنب أكبر، ومخالفة حاكم الشرع أجل وأعظم فقد اجتمع في الداخل ثلاث عقوبات هي للعقوبة موجبات، فإذا ثبت ذلك لحاكم الشرع عزره عليها بما يليق به؛ لأن كل معصية لا حد فيها ولا كفارة يعزر عليها وعلى كل حال تجب أجرة الأرض أقصى الأجر لما علم، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجلين بينهما أرض شركة إلخ
(سئل) في رجلين بينهما أرض شركة أحدهما اسمه علي والآخر اسمه إسماعيل فزرعها علي تينا وزيتونا من غير قسمة فدعاه إسماعيل إلى الشرع فأبى أن ينقاد وصمم على ذلك وعنده مزح شديد إذ دعي للشرع فيغضب ويقذف داعيه باللواط وغيره من الألفاظ القبيحة، ومع ذلك يزعم أنه تلميذ السيد أحمد الرفاعي وله شيخ معطيه العهد وجعله مغنيا إلى الفقراء، فهل يكون مرتدا بمخالفة الشرع الشريف؟ وهل تبين زوجته منه؟ وهل تحرم ذبيحته؟ وهل يجب على شيخه زجره أو طرده إن عصاه؟ وهل يجب على المسلمين زجره إذا سمعوه أو هم شركاؤه إذا لم ينهوه عن ذلك؟
(أجاب) يجب على كل مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر، ويدعي أنه من أمة محمد ﷺ أن ينقاد للشرع الشريف، ويعمل به وتجري عليه أحكامه؛ قال تعالى:
стр. 442
﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ وقال تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ فمن دعي إلى الشرع وأبى فلا يخلو حاله من أمور منها عدم الرضى بما حكم الله تعالى به ورسوله فلا خلاف في كفره وردته، وتبين منه زوجته إن كانت قبل الدخول بها أو بعده وقد انقضت عدتها قبل توبته ورجوعه للإسلام وتحرم ذبيحته ومنها أن لا يكون الحامل له على ذلك إلا نفسه والتكبر فهو عاص آثم يخشى عليه الكفر، ومنها أن يجد في نفسه ميلا لغير الشرع لحب الدنيا لعلمه أنه في الشرع مغلوب فهو كذلك عاص مرتكب كبيرة لتقديمه غير الشرع عليه، ومنها أن يكون راضيا بحكم الشرع منقادا له غير أنه يدعي لرجل يحكم بينهما فلا يرضى به إما لخصومة بينه وبين الرجل المذكور وإما لعلمه بميله عن الحق أو رشوته، فهذا لا يضر الامتناع من الدعوى عنده، وأما قذف الرجل المدعي فيترتب على ألفاظه مقتضياتها من حد إن كان قذفه صريحا أو تعزير إن كان فيه أذية لخصمه. وأما الرجل الذي ينسب إلى شيخ من السادة الصوفية مثل سيدي عبد القادر أو سيدي أحمد الرفاعي وغيرهما فيجب عليه سلوك الأدب مع الله ورسوله ومع الخلق ويتحمل الأذى منهم، ويصبر على الجفا والجوع والسهر والعبادة والصوم والمراقبة، ويكون مع الناس ببدنه ومع الله بقلبه وتوجهه ومراقبته، والقيام بواجبات الشرع ونوافله، فإن كان بهذه الصفة فهو فقير صادق وشيخه إن كان أرقى منه ويحفظه عند الخطأ ووقوع المخالفة، ويمنعه بحاله وقاله عن كل ما يغضب الله تعالى فهو شيخ هاد حق، وطريقه طريق صدق، وإلا فكل منهما كاذب مفتر على الطريق مدنس لها هادم لها فهو عليها أضر من قطاع الطريق؛ لأنهم لم يدعوا سلوك طريق العارفين الواصلين. وأما مثل هؤلاء وأضرابهم فلا كثر الله منهم في الأرض، ولأنهم أضر على الناس من الأشقياء والفساق لتزينهم بزينة الصلاح، وفعلهم فعل أهل الضلال فضلوا وأضلوا وزلوا وما جلوا، ويجب على كل مؤمن يعرف الحق أن يأمرهم به وينهاهم عن الباطل والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل ربطه حاكم السياسة على مال كان على أهل بلدته إلخ
(سئل) في رجل ربطه حاكم السياسة على مال كان على أهل بلدته، ثم إنه اجتمع أهل تلك البلد ووزعوا ذلك المال عليهم ودفعوا منه شيئا، وبقي منه شيء اختلفوا فيه وكل يمتنع من دفعه، فهل يكون لازما للجميع أو للمربوط وحده؟
(أجاب) من دفع شيئا من أهل البلد فهو متبرع به لا رجوع له به، وأما هذا الباقي على الرجل لا يلزم أحدا أن يدفع منه شيء والله تعالى أعلم.
(سئل) عن سؤال رفع للمرحوم العلامة الشيخ خير الدين الرملي فأجاب عنه وهذا صورة السؤال والجواب
стр. 443
أيا من بتحرير المسائل وامق
ومن فهمه للصخر من رام فالق
لأنت إمام عالم متبحر
وحيد فريد بالفرائد ناطق
وخير لدين الله تهدي لشرعه
وأنت على أهل الفضائل فائق
إذا قام برهان بتزويج قاصر
لها من أبيها وهو في الجحد عالق
على وجه بعد السؤال ونكره
ولم يبد عذرا حين صار التناطق
وقد حكم القاضي كذا بنكاحها
بغيبتها والزوج بالحكم واثق
فهل بعد هذا الحكم لو أنها ادعت
بلوغا قبيل الحكم للحكم سابق
وأن أباها ليس خصما وأنها
هي الخصم فيما يدعى ويشاقق
به ينتفي الحكم الذي قد جرى له
فأوضح لنا عن دائما هو فارق
وسامح عبيدا عاجزا ومقصرا
كثيرا الخطايا وهو في الذنب غارق
وإني ابن عثمان الشهير بكاتب
بشرع رسول جاء للكفر ماحق
عليه صلاة الله ثم سلامه
مدى الدهر والأيام ما لاح بارق
كذا الآل والصحب الكرام وتابع
ومن لهم في الخير والدين لاحق
فأجابه رحمه الله تعالى بما صورته في فتاواه
نعم ينتفي الحكم الذي قد جرى له
لأن أباها ليس خصما يشاقق ... إذا ما احتمالات البلوغ تأكدت
عليها ولاحت للبلوغ بوارق ... ويقبل منها لدفع من بعد حكمه
كذلك دفع الدفع والزيد لاحق ... وهذا من الدفع الصحيح الذي حكوا
على الأشبه المختار وهو الموافق
(أجاب) عن السؤال المذكور ثانيا بقوله رحمه الله تعالى:
لك الحمد يا من للبرية رازق
ومن للنوى والحب لا ريب فالق ... فمنك استمد العون في كل حادث
وإني بما أملته منك واثق ... إذا كان سن البنت محتملا لها
له تدعى وهو البلوغ الموافق ... فقالت نكاحي غير بت وإن أتى
على صغرى من عاقديه التصادق ... وما والدي خصم فكيف حضوره
وما الخصم في الدعوى سواي يشاقق ... تجاب لدعواها والقول قولها
وتبطل دعوى المدعي وهو مارق
انتهى فالمقصود من فيض جودكم أن تفضلوا بحله وشرحه، وبينوا لنا مقصود المجيب بعبارة سهلة يفهمها كل من يقف عليها فإن الفقير بضاعته مزجاة، ومراده اقتناص الشرائد والتقاط الفرائد أثابكم الله تعالى الجنة.
(أجاب) اعلم زادك الله تعالى توفيقا أن صورة هذه المسألة التي بها ينكشف عنها الغطا ويتضح مدركها أن رجلا
стр. 444
ادعى على آخر عند حاكم أنه زوجه ابنته فلانة القاصرة زواجا صحيحا، فأنكر أبوها الزواج وهو معنى قوله في النظم: "وهو في الجحد عالق"، فأقام الزوج بينة بعد الإنكار أن الأب المذكور زوج ابنته المذكورة الغائبة من فلان المدعي وهو معنى قوله: إذا قام برهان فحكم القاضي بصحة نكاحها اعتمادا على البرهان المذكور وهو البينة وذلك في غيبة البنت، وحكمه أيضا بناء على أنها قاصر إلى الآن فوثق الزوج المدعي بصحة هذا النكاح اعتمادا على الحكم والبينة وأن الزوجة قاصر فالحكم على الأب صحيح؛ لأنها لا تصح عليها الدعوى؛ لأن شرط صحة الدعوى أن يكون المدعى عليه كاملا، ثم بعد تمام ذلك وانبرامه جاءت الزوجة المذكورة أو وكيلها إلى الحاكم قائلة للحاكم: إن حكمك غير صحيح لعدم صحة الدعوى؛ لأنها وقعت على والدي والحال أني بالغ وأن ولاية أبي عني ارتفعت، وإنما الدعوى وإقامة الشهود علي فأقام الشهود على أبي غير صحيحة؛ لعدم صحة الدعوى عليه، لأنه ليس بخصم لأن شرطه لو أقر بالمدعي به صح إقراره ولو أبى لا يصح منه ذلك، ثم إن إمارة البلوغ فيها ظاهرة متأكدة وشواهدها بارقة مشرقة فيقبل منها القاضي ذلك ويقول لها: لا لوم علي؛ لأن ما جرى من باب فقه القضاء لا من باب علم القضاء وظاهر ذلك أنه يقبل منها ذلك، وإن لم تقم عليه بينة نعم لو ادعت البلوغ في سن ممكن بالحيض قبلت؛ لأنه لا يعرف إلا منها، وأما لو ادعت بالسن فقد يقال على قواعدنا إنها تكلف البينة، ثم يقول لها القاضي: حكمي على أبيك تبين بطلانه؛ لكونه غير خصم وأنت الخصم وهذا الزوج يدعي عليك أنك زوجته فتنكر هي ذلك، فإن أقام الزوج عليها البينة وأن أباها زوجها بالولاية عليها في حال سفرها فيقبل، ويحكم بنكاحها ثانيا هذا هو الظاهر المتبادر من النظم والمدرك وإن كان الشيخ أحمد المصري الذي في نابلس فهم أن الحكم باطل والنكاح أيضا باطل من أصله أخذ ذلك من جواب الشيخ خير الدين الثاني تجاب لدعواها بعد قولها: "غير بت" ولكن هذا غير مراد؛ لأن المسئول عنه إنما هو ارتفاع الحكم لا سيما قوله في الجواب الأول، ويقبل منها الدفع بعد حكمه أي إنكار النكاح من أصله، فإن أقام الزوج بينة فلها معارضتها وهذا معنى قوله ثانيا كذلك دفع الدفع والزيد لاحق. فإن أقام البينة ثانيا بعد إبطالها الأولى فلها دفعها، وهذا معنى قوله: والزيد لاحق وهكذا وظهر من تقريره أن هذه المسألة في هذه الحالة ينقض فيها حكم الحاكم فتراجع من محليها وهذا ظاهر عند إنكار الأب النكاح كما في السؤال، وأما لو أقر به وحكم الحاكم بإقراره، فهل لها دفع هذا الحكم والحالة ما ذكر وظاهر الجواب الثاني أن لها ذلك أخذا من قولها: "وإن أتى على صغرى من عاقديه
стр. 445
التصادق". هذا كله إذا ادعى عليها في زمن يمكن فيه بلوغها وإلا صحت الدعوى وحكم بصحة النكاح، وهنا فروع تتفرع على هذه المسألة منها إذا لم تدعي هذه المرأة هذه الدعوى بأن لم تعلم بحكمها كما هو المشاهد من نساء العصر، فهل يجب على من يعلم هذا الحكم أن يخبرها به من أبيها أو غيره؛ لأن الدعوى عليها ما صحت والنكاح في ظاهر الحال باطل. الثاني: أن مثل هذه الدعوى إذا وقعت عند القاضي، فهل يجب السؤال عن حال البنت هل هي بالغ فتكون الدعوى عليها، أو غير بالغ فعلى وليها. الثالث: هل يجب على الشهود الشاهدين على الأب السؤال عن الزوجة لتصلح شهادتها إذا لم تكن بالغ وترد إن كانت بالغا؟
الرابع: إذا كان الزوج هو الذي تزوجها بنفسه فأمره ظاهر إن كانت دعواه صحيحة فهي زوجته في نفس الأمر، وإن كانت كاذبة فليست بزوجة له.
ومحل صحة قول الحنيفة ﵃ شاهداك زوجاك إذا كانت الدعوى صحيحة، وهناك الدعوى على الأب غير صحيحة. الخامس: إذا ادعى الزوج أن المزوج لها منه وليه، وقد أقام الشهود على الأب في حال احتمال البلوغ وتسلم الزوجة، ويتفرع على هذا الحال الخامس فروع؛ منها أنه يجب على غير الزوجان أن يعلم الزوج بذلك ويقول له: إن دعواك على الأب غير صحيحة فلا يجوز لك قربان هذه المرأة. ومنها أنه إذا كان من أهل العلم يحرم عليه أن يدخل عليها بهذه الدعوى، ومنها أنه إذا لم يتضح الحال لها إلا بعد دخول الزوج بها فإذا رفعت أمرها للقاضي وقالت: إن هذا الزوج إنما أخذني بدعواه على أبي والحال أني كنت إذ ذاك بالغة فتبين بطلان النكاح، ولها مهر المثل عليه لكون وطئه شبهة، ومنها إذا ماتت الزوجة ثم علم الحال فهل يرث الزوج شخصيا منها؟ ومنها إذا مات الزوج والزوجة تعلم ما ذكر فهل ترث منه ويحل لها أخذ الميراث فيما بينها وبين الله تعالى؟ ومنها لو مات الزوج عنها قبل الدخول بها فهل يجب عليها العدة عدة الوفاة؟
الفرع السادس: إذا علم القاضي منها البلوغ مقتضاه أنه لا يجوز له الحكم عليها لأنه لا يجوز له الحكم بخلاف علمه. السابع: إذا علم الزوج ذلك وكان المزوج له الولي، وكانت حال الدعوى بالغة فيحرم عليه النظر إلى أمه؛ لكون عقده لم يثبت. الثامن: إذا كان لها أخت أو من يحرم جمعه معها كعماتها وخالتها فهل له أن يعقد على من ذكر إذا لم يدخل بهذه لأن نكاحها لم يثبت، ولا عبرة بما وقع مع الأب؟
التاسع: فهل يحرم على أبي الزوج وابنه النظر إليها لا لكون ما وقع مع الأب لا عبرة به ولم يعلم الواقع ما هو؟
العاشر: إذا علم حكم هذه المسألة رجل من المسلمين وكان الزوج دخل بها في هذه الحالة أن يرفع الأمر إلى القاضي ويدعي على الزوج دعوى حسبة لكونه يدخل عليها بغير وجه شرعي. الحادي عشر ما حكم الأولاد
стр. 446
المنعقدة بينهما في هذه الحالة، ولو أمعنا النظر كنا استخرجنا غير هذا والمرجو من أهل الفضل والعلم م بمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵁ مراجعة هذه المسائل من مظانها. وأما عند الإمام الشافعي ﵁ فالدعوى على الأب صحيحة معمول بها ولو بعد بلوغها.
وهل للحنفي أن يقلد الشافعي في ذلك فإذا قلد امتنع الحكم انتهى. واعلم أيها الواقف على هذه الفروع أن المراد منها تنبيه الطالب على مدارك المسائل، وتشعب الفروع منها حتى يتوقف غاية التوقف في الجواب، ويعلم ما يترتب عليه، ويعلم أن جميع هذه الفروع يعلم حكمها من مذهب الإمام الأعظم؛ لأن الفقهاء أجلهم الله تعالى لا تخفى عليهم الخفايا فكيف بالواضحات الجلايا. ومرادنا من أهل المذهب الكشف عنهم؛ لأنهم أدرى به منا وأوسع اطلاعا، فمن وقف على فرع نص في المراد نرجو منه أن يكتبها بذيلة طبق السؤال من غير زيادة ولا نقصان وله علينا المنة والفضل، وليس المراد إلا التبرك بمذهب الإمام الأعظم نفعنا الله تعالى به وبمن حوى مذهبه، والله تعالى أعلم.
(سئل) في رجل اشترى من آخر بارودة بثمن معلوم، ثم ظهرت مستحقة للغير، وشهد شاهدان عدلان أنها لفلان المدعي بها ما خرجت عن ذمته، ولا نعلم مزيلا لها عن ذمته، وذلك بحضور البائع لها، ولم يكن ذلك على يد حاكم شرعي فهل يجب على البائع لها رد الثمن على مالكه؟
(أجاب) حيث شهد من تقبل شهادته على البارودة أنها ملك فلان لا نعلم له مزيلا تبين بطلان البيع الأول، ويجب دفع الثمن والله تعالى أعلم.
مطلب فيما وقع سنة اثنين وثلاثين ومائة وألف من النداء إلخ
(سئل) فيما وقع سنة اثنين وثلاثين ومائة وألف من النداء على تغيير المعاملة بأنقص لورود الأمر الشريف السلطاني، فهل لمن دين سابق أن يأخذ بالحساب الأول أم بالحساب الجديد الذي نادى عليه حضرة السلطان نصره الله تعالى؟
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن ما له دين وإن كان صحيحا مثل الذهب والريال والزلط فليس له إلا عين ذلك الصاغ مثلا الذي له عشرة ذهب أو عشرة ريال أو عشرة زلط ليس له غيرها والذي له مثل عددي كمائة قرش عددي فله ما يقابلها من الصحيح بأن يحسب الريال بمائة فضي والزلط وستة وأربعين والكلب بأربعة وثمانين والطولي بمائة وسبعين، وأما الفضة المقصوصة فلا يجوز التعامل بها؛ لأنها لا تدخل تحت ضابط إسلامي، ولأنها لم تبق على أصل بل يدخلها النقص بالقص الذي لم ينضبط والزيف والزغل والغش فلا يجب على من له دين حينئذ قبولها، وليس لحاكم الشرع إلزامه على أخذها؛ لعدم ضبطها بالوزن وغيره، فإن قيل: إنها معاملة السلطان نصره الله تعالى كلا لأنها لم تبق على وضع واحد
стр. 447
كما تقدم، والله تعالى أعلم.
مطلب رجل ادعى على أرض تحت يد جماعة إلخ
(سئل) عن رجل ادعى على أرض تحت يد جماعة يتصرفون فيها تصرف الملاك، وتخاصم هو وهم ولم يجد له شهودا وأقاموا هم شهودا على أن الأرض لهم، ثم بعد مدة مات الشهود جميعا، وحصل بين ورثتهم وبين الذين تحت أيديهم الأرض خصومة فذهب ورثة الشهود إلى الرجل المذكور، وقالوا: إنما كان مورثونا شهدوا لهؤلاء الجماعة؛ لكونهم لهم حصة في الأرض، فهل يقبل قولهم ذلك ويقدح في شهادة مورثيهم أم لا؟
(أجاب) كلام الورثة لا يسري على المدعى عليهم للعداوة، ولأنهم ليسوا شهودا حتى ولو كانوا شهودا كان ذلك منهم رجوعا عن الشهادة، فإذا وقع الحكم ثبتت الأرض لمن حكم له بها، ويغرم الشهود ما فوتوه، وإذا علم ذلك فلا عبرة بقول الورثة، ولا يقدح قولهم ذلك في شهادة مورثهم، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل بيده وظيفة فراشة إلخ
(سئل) في رجل بيده وظيفة فراشة وكناسة وشغالة+ مسجد قائم بها تلقاها بالفراغ عن رجل، وقرره بها حاكم وتصرف فيها مدة نحو سنتين، ثم أنهى رجل لمتولي الوقف فقرره فيها، فهل يعمل بالتقرير الثاني؟
(أجاب) حيث كان للحاكم التقرير وقرر الرجل صار مستحقا لها وحيث كان أهلا لها لا يجوز عزله، وإلا فالوظيفة تكون باقية بالاسم الأول؛ لأنه إنما نزل لمعين ونزل عنها مجانا فلا عوض لمعين، فإن حصلت له حصل غرضه وإلا فهي باقية باسمه، وهو ما صححه المناوي في تسهيل الأوقاف تبعا للسبكي التابع في ذلك للبلقيني، وإن كان قد ناقش فيه بعد ذلك إذ المعول عليه كلام السبكي والبلقيني، وفي ذلك دفع لمادة الفساد على أن كلامهما فيما إذا لم يقرر الثاني والحال أن الثاني قرر بمن له التقرير، والله تعالى أعلم.
مطلب عن رجل مات وعليه نصف وظيفة إلخ
(سئل) عن رجل مات وعليه نصف وظيفة تولية على وقف مسجد، ونصف وظيفة مشيخة زاوية وسكناها بذراريه، وبوابة لمقام ولي الله تعالى الشيخ جراح فقرر القاضي في الوظائف ولدي الميت شعبان وأحمد سوية، ثم مات شعبان عن بنت فقرر القاضي ما كان عليه لأخيه أحمد، ثم مات أحمد عن ولد يدعى محمدا فقرره القاضي في الوظائف المذكورة عن أبيه والآن ابنة شعبان تعارض المقرر في الوظائف وتزعم المشاركة معه لكون أبيها شعبان كان شريكا لأخيه أحمد والد المقرر فيها، فهل الوظائف للمقرر فيها وهو محمد، وتمنع البنت من المعارضة له؟
(أجاب)
ليس بمرتاب من عرف الحق والصواب أن أمر الوظائف موكول للسلطان نصره الديان ونوابه القائمين مقامه في هذا الشأن وكل شأن، فلما قرر القاضي أحمد فيما لشعبان من الوظائف استحقها أحمد بموجب التقرير، فلما مات أحمد وقرر القاضي ولده محمدا صار له الحق بموجب التقرير، فظهر لك الصواب أن بنت شعبان ليس لها دخل في هذا الباب،
стр. 448
ولأن أمر الوظائف من قبيل المناصب التي حجبت عنها النساء، وإن كن من ولي الألباب؛ لأن محاسن الشرع الشريف تأبى أن يكون لهن في ذلك حظ أو خطاب فافهم ذلك، والله تعالى أعلم.
مطلب في ولد أتى به والده لمن يعلم الناس القرآن إلخ
(سئل) في ولد أتى به والده لمن يعلم الناس القرآن وقال له أقرئ هذا الولد القرآن ولك على ختامته مثل عادة الناس فأقرأه من قل أوحي إلى خاتمة الأنعام فأخرجه والده وعلمه المعلم فأبى، فهل يستحق عليه أجرة ما علمه له؟
(أجاب) نعم يستحق عليه أجرة ثلاثة أرباع القرآن؛ لأنه وإن علمه الأنعام وهي من الربع الرابع لم يعلمه من قل أوحي إلى آخر القرآن، والله تعالى أعلم.
مطلب في مديون عليه ديون لجماعة متعددة إلخ
(سئل) في مديون عليه ديون لجماعة متعددة أثبت بعض هؤلاء الجماعة ديونهم بالوجه الشرعي، والبعض منهم لم يثبت فإذا أثبت الباقون ديونهم بالوجه الشرعي فهل يقدم السابق بالإثبات بوفاء دينه أو يتساوون في المحاصصة؛ لأن ما بيده من النقود لا يفي بديونه؟
(أجاب) لا يخفى أن المفلس هو الذي عليه دين آدمي لازم حال زائد على ماله، فإذا طلب هو أو الغرماء أو بعضهم ودينه كذلك الحجر حجر عليه في ماله إن استقل، أو على وليه في مال مواليه إن لم يستقل وجوبا، فإذا حجر عليه فيقسم ماله على أرباب الديون بالمحاصصة ولا فرق في ذلك على من تقدم إثبات دينه ومن تأخر، ومن سبق دينه على دين صاحبه أو تأخر أو تقارن بأن دفاعا له مثلا معا حتى لو قسم ماله بالمحاصة، وظهر غريم آخر أو حدث دين سبق سببه الحجر كان استحق مبيع مفلس قبل حجره، وثمنه المقبوض تالف شارك الغريم في الصورتين الغرماء بالحصة وقبل الحجر عليه كل من دفع له شيئا من ماله ملكه سواء تقدم إثبات دينه أو تأخر أو قارن؛ لأن الغرماء حقهم قبل الحجر بذمتهم يخلصها ممن شاء، وبعد الحجر تعلق حقهم بمال أيضا وهذا هو فائدة الحجر، فعلى كل حال دعوى تقدم الإثبات أو لزوم الدين ليس معتبرا شرعا فلا يعمل بها حاكم الشرع، ولا يصغى لها لأنها خلاف الشرع القويم كما علم، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل تنازع مع آخر فقال أنا لي عندكم مهرة إلخ
(سئل) في رجل تنازع مع آخر فقال أنا لي عندكم مهرة قتلها عمك بإغراء الكلاب عليها، وفي البلد جماعة اختيارية كبار يعرفون هذه الدعوى، والمدعى عليهم يطلبون الشرع الشريف، والمدعي يطلب دعائم العرب والفلاحين، فهل يصغى لقول المدعي؟
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى لم يبعث نبي بعد محمد ﷺ وجميع الشرائع نسخت بشرعه ﷺ ، فمن كان يؤمن بالله ورسوله ﷺ فلا يطلب إلا شرعه القويم، فمن لم يعمل به فهو كافر ملعون على لسان محمد ﷺ وإن كان ذميا يهوديا أو نصرانيا ولم يرض بشرعنا نقض عهده وحل دمه؛ لقوله تعالى:
стр. 449
﴿أن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ وقوله تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ وقال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. فهل يوجد في الدنيا أقبح وأخسر وألعن من رجل يدعى لشرع الله تعالى ورسوله ﷺ ولم يرض به، ويرضى بما شرعه إبليس اللعين وأعوانه أولئك هم الخاسرون والله تعالى الموفق.
مطلب في رجل له أقارب وباع ما يخصه في قريته إلخ
(سئل) في رجل له أقارب وباع ما يخصه في قريته من أرض وشجر وبيت وغير ذلك، وعلى القرية لوازم عرفية للضيف وللحكام وغير ذلك، فهل يكون ذلك المغرم على أقاربه أم على الأكل لمنافع الأرض والشجر؟
(أجاب) لا ريب أن المغرم تابع للمغنم فمن غنم غرم حتى لو شرط أن لا مغرم على المشتري فسد البيع؛ لأن كل بيع وشرط فاسد ولا سيما مثل هذا الشرط الذي فيه إسقاط حق لازم أو إلزام ما لا يلزم فليس على أقاربه مغرم أصلا لا شرعا ولا عرفا، بل على المتولى على الأرض والشجر إن قلنا بصحة البيع وإلا رجع المبيع لصاحبه وحسب على المشتري ما أكله من الأرض، والله تعالى أعلم.
مطلب في خربة جارية في وقف نبي الله ورسوله داود إلخ
(سئل) في خربة جارية في وقف نبي الله ورسوله داود على نبينا وعليه وعلى ولده وسائر الأنبياء صلوات الملك المعبود عليها لجهة الميري بموجب دفتر التحرير وفرمانات من طرف حضرة سدة السلاطين في كل سنة ثلاثمائة وخمسون أخشاية+ كان كل متول على الوقف يدفع ذلك لمن يقاطعه السلطان على تلك الناحية فجاء مقاطعجي وطلب من المتولى سنداته على ذلك فبرزها، ثم طلب منه سندا بالدفع إلى المقاطعجية فلقي معه سندا لبعض السنين، وفي بعضها من المقاطعجية وهبنا له ما عليه نظير الدعاء منه لنا، فطلب منه معلوم ما لا سند له وما ذكر فيه وهبنا له ما لنا عليه والمتولى ليس له في التولية إلا قريب ستة أشهر، والحال أن المتولين السابقين ماتوا جملة، فهل للمقاطع أن يطلب ما زاد على مدة مقاطعته من غير إثبات وكالته عن كل مقاطعجي بخصوصه سابقا عليها، ويلزم المتولى دفعها له من مخلفات المتولين السابقين؟
(أجاب) لا ريب أن هذه المقاطعة الواقعة من الملوك وأتباعهم الوزراء والباشاوات أيدهم جميعا الديان واقعة في غالب الأقاليم والأقطار، وذلك لأن سعة نظر السلطان وكثرة مصالحه وعمومها يقتضي ذلك، وإن كان في بعض الأحوال مخالفة للقواعد ويستأنس لها بما وقع من سيدنا عمر في سواد العراق من إجارته لأهله إجارة مؤبدة للمصلحة العامة، وجعل على كل جريب دراهم معلومة وعليه عمل الأئمة بعده إلى زمننا هذا، والمقاطعة الواقعة من جانب السلطان نصره الديان ومن أتباعه المعتمد عليهم
стр. 450
في ذلك المأذون لهم فيه صحيحة معمول بها شرعا لا يجوز لمن ولي الميرى الداخلة في جنابه أن يطلب زائدا على ما هو المفروض عليها لما يلزم على ذلك من نقض أمور كثيرة مثل هذه وأصل عامه+ وخاصه ولما يلزم عليه من نقض ما أبرمه الملوك السالفة من سعة نظرهم وجلالة منصبهم وأن أمورهم لا تنقض كما هو الشائع الذائع هذا مع آحاد الناس، بل مع أهل الذمة فكيف تنقض أمورهم فيما يتعلق بالأنبياء الكرام والسادة الأعلام ولا سيما مع من سماه الله تعالى خليفة في الأرض الذي ينبغي للملوك المدعيين الخلافة أن يجعلوه إمامهم ورئيسهم، ثم إن جانب السلطان نصره الرحمن لما قاطع على الميرى الداخلة هذه الخربة في حسابه ليس له إلا طلب مدته المعلومة المقررة له بموجب صكه الذي بيده، وأما ما قبل ذلك فليس له طلبه؛ لأنه داخل في حساب المقاطع السابقة فهو إما آخذه وإما عفا عنه والأمر في ذلك واضح، وإما باقي في ذمة المتولي الذي كان في زمنه فليس للسلطان ولا أتباعه ولا للمقاطع الآخر أن يطلبه الآن؛ لأن دعواه به لا تصح لأنه ليس وليا عن المقاطع الذي كان إذ ذاك ولا هو وارث له، وطلب تمسكات سابقات على ما له ولايته ليس مما ينبغي، ولا يصغى له شرعا حتى لو فرض أنه أظهر فرمانا آخر بسؤال والبحث لا يصغى له؛ لأن السلطان ما له طلب إلا على من قاطعه لا غير، فإذا علمت ذلك وكان المقاطع الموجود الآن المدعى على المتولي المذكور ليس له طلب إلا ما يخصه من زمنه ومدة وصايته عليه، وليس له طلب أصلا لا على المتولي الموجود وهو ظاهر، ولا على من قبله من المتولية سواء مات أو كان حيا سواء مات مجهلا أو معلوم الحال، ولا يخفى أن مثل هذه الجزئية المتعلقة بهذا النبي الجليل لا ينبغي للسلطان ولا لأتباعه التقصير فيها والبحث عليها؛ لأنها من الدنيا الدنيئة الحقيرة، وقليله أن يكرم بها مثل هذا النبي الكريم لأن غناء الملوك بهمهم العلية وسيوفهم المجلية وغزواتهم السنية وقهرهم للأعداء الدينية، وإقبالهم على طلب المدد من مثل الأنبياء البررة النقية والعلماء العاملين الناظرين لرب البرية، فإن سلكوا هذا الطريق فقد سلكوا طريق التوفيق، وإن خالفوا ذلك وأكرموا الأعداء وأهانوا الأولياء خيف عليهم التمزيق والله أعلم.
(فصل في تعارض البينتين)
مطلب في بنت تدعي أنها اشترت من أمها إلخ
(سئل) في بنت تدعي أنها اشترت من أمها ثمانية قراريط من بيت علوي بخمسين قرشا عددية، والورثة لأمها يدعون أن البيع وقع من أمها بالإكراه، فما الحكم الشرعي في ذلك والبنت المشترية تدعي أنها دفعت لأمها الخمسين قرشا
стр. 451
ما الحال؟
(أجاب) الوجه الشرعي إن أقامت البنت بينة أن أمها باعتها الثمان قراريط بالخمسين قرشا لزمها دفع الخمسين إلى الورثة إلا إن أقامت بينة أنها دفعتها إلى أمها، وإن أقام الورثة بينة الإكراه قدمت وتبين بطلان البيع ورجعت الثمان قراريط إلى الورثة، أو تقم البنت بينة فلا يعمل بقولها المجرد،، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل بيده بقرة بنت بقرته يدعيها إنسان إلخ
(سئل) في رجل بيده بقرة بنت بقرته يدعيها إنسان أنها سرقت منه فأخذها قهرا، ويريد أن يقيم عليها بينة أنها بنت بقرته، فمن المقدم من البينتين؟
(أجاب) تقدم بينة واضع اليد وإن تأخر تاريخها أو كانت شاهدا أو يمينا وبينة الخارج شاهدين ولم يثبت سبب الملك من شراء أو غيره ترجيحا لبينته بيده، هذا إذا أقامها بعد بينة الخارج ولو قبل تعديله ولا عبرة بزوال الملك بالغصب حيث ثبتت يد الواضع،، والله تعالى أعلم.
مطلب عن رجل له كرم له طريق قديم إلخ
(سئل) عن رجل له كرم له طريق قديم من أرض الغير لا يعلم حدوثه، بل تلقى ذلك عن أبيه عن جده، فهل للمالك أن يمنعه؟
(أجاب) حيث لم يعلم حدوث الطريق فالمصدق الخصم في ذلك كما صرح به ابن حجر؛ لأن مروره بالأرض مشعر بأن ذلك عن يد شرعية فلا تزال بمجرد الاحتمال،، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل باع ثورا ثم ادعاه رجل ذمي إلخ
(سئل) في رجل باع آخر ثورا، ثم ادعاه رجل ذمي بأنه من حاكم أخذه نهبا وألزمه بثمنه، ومع البائع بينة شرعية أنه ثوره ابن بقرته فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) دعوى الذمي المذكور غير صحيحة؛ لأن يده على الثور إن ثبتت ليست يدا شرعية تسمع منها الدعوى، فإن فرض أنه ادعى دعوى صحيحة هو أو غيره، وأقام البائع بينة أنه ثوره باق على ملكه إلى عقد البيع من المشتري، وأقام المدعي بينة أيضا سقطتا فإن صدق المشتري أحدهما فالثور له، وله أن يحلف لكل يمينا ويبقى تحت يده بأن أقام الذمي بينة فقط بعد الدعوى الصحيحة فالثور له إن لم يعارضه المشتري وإلا أقام بينة أيضا قدمت على بينة الذمة؛ لأنه واضع اليد وهي مرجحة إذا أقامها بعد بينة الذمي الخارج، وإن تأخر تاريخها أو كانت شاهدا ويمينا، وبينة الخارج شاهدين أو لم تبين سبب الملك من مشتر أو غيره ترجحت بينته بيده، والله أعلم.
مطلب عن رجل ذمي يدعي على آخر مثله أنه ضرب له بقرة إلخ
(سئل) عن رجل ذمي يدعي على آخر مثله أنه ضرب له بقرة فعيبها، ويريد أن يقيم شاهدا أنه ضربها في وقت كذا، ومع المدعى عليه شاهدان يشهدان له أنه كان ذلك الوقت في مكان بعيد عن محل ضربها لا يمكن الضرب فيه عادة، فهل ترجح بينته؟
(أجاب) ترجح بينة المدعى عليه كما لا يخفى، والله أعلم.
مطلب في بيوت خربة بين ملكي رجلين إلخ
(سئل) في بيوت خربة بين ملكي رجلين وضمن دار كذلك كل يدعي أن ذلك له، ولا بينة مع واحد منهما فما الحكم شرعا؟
(أجاب) حيث لم يكن لواحد منهما يد قسمت البيوت والساحة
стр. 452
بينهما نصفين سواء حلفا أو نكلا، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضي له دون الناكل كما لو أقام بينة أو اختص بيد،، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل تلقى حصة بد عن أبيه إرثا إلخ
(سئل) في رجل تلقى حصة بد عن أبيه إرثا تصرف كل منهما في الحصة تصرف الملاك مدة تزيد على خمسين سنة، ثم إن ولد المشتري أي المتلقي للحصة باعها لآخر، وتصرف فيها المشتري كذلك نحو سبع سنين، ثم إن وارث البائع الأول يدعي أن هذه الحصة لم تكن بيعا، وإنما كانت رهنا تحت يد من ذكر، ويدعي أن معه بينة تشهد على إقرار البائع بعد البيع أنها رهن فهل يعمل بهذه البينة؟
(أجاب) حيث وجد التصرف المذكور بلا معارض كان ذلك دليلا على الملك وهو أقوى دليل يدل على الملك فلا تقبل شهادة الشهود بذلك الإقرار الواقع من البائع بعد البيع؛ لأنه لا ملك له فيه، ولا يصح إقراره بالرهن بمال الغير لأنه انتقل لآخر على أن إقراره بالرهن يقتضي الفساد والمشتري يدعي الصحة، والمدعي لها مقدم على مدعي الفساد كما صرح به أئمتنا في باب التحالف، والحاصل أن المقر لو كان حيا، وادعى هذه الدعوى لا تقبل منه لوجود التناقض الواقع منه وهو التصرف المذكور والإقرار بالملك والبيع، فكيف بالشهود الناقلين عنه؛ لأن غاية شهادتهم إثبات الإقرار وهو لا يعمل به لو صدر منه حيا،، والله تعالى أعلم.
مطلب في غنم اختلط بعضها ببعض فولد فيها نعجتان إلخ
(سئل) في غنم اختلط بعضها ببعض فولد فيها نعجتان وجد لأحدهما ولدان ذكر وأنثى، ولم يوجد للأخرى ولد فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) قد وقع نظير هذه في آدميتين لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فوزن اللبنين فوجد لبن الذكر أثقل فيمكن جريان ذلك، ويحلف المدعى عليه فإن أقر بولد فذاك وإلا فليس عليه إلا اليمين إن لم توجد بينة تشهد بذلك، والله أعلم.
مطلب في امرأة مات زوجها وتدعي أن لها عليه دينا إلخ
(سئل) في امرأة مات زوجها وتدعي الزوجة أن لها عليه دينا، وعنده عقفا تدعي أنها اشترتها بمالها، وتريد أخذها فما الحكم في ذلك؟
(أجاب) الحكم الشرعي في ذلك أنها تقيم على الدين بينة فإذا شهدت ثبت، فإن لم توجد البينة فلها تحليف الورثة على دينها، والعقفا إن أقامت عليها بينة فهي لها وإلا فلها تحليف الورثة،، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل مات عن ابنته وأولاد عم عصبة أشقاء إلخ
(سئل) في رجل مات عن ابنته وأولاد عم عصبة أشقاء، وفيهم رجل بعيد يدعي أنه وقع بينهم اتفاق بأنه مهما جاءهم من الخارج يكن بينهم شركة، فهل يدخل معهم في هذه الشركة؟
(أجاب) نصف هذه التركة للبنت وإذا ماتت كان لوارثها، والنصف الثاني لأولاد العم العصبة القريبين، ولا شيء فيه للبعيد وإن وقع ألف اتفاق وألف قاض باتفاق فلا دخل له فيه بوجه؛ لأن هذا الاتفاق باطل ولأن الميراث هدية من الله تعالى ومنحة بنص كتاب الله تعالى لا يستحقه غير الوارث، والله تعالى
стр. 453
أعلم.
مطلب في رجل يقال له نصر الله له ولد يقال له حماد إلخ
(سئل) في رجل يقال له نصر الله له ولد يقال له حماد ادعى أن خلفا باعه بيتا ولم يثبت ذلك، ثم مات وله ولد وأولاد أخ يدعون ما ادعاه عمهم، ونصر الله وخلف ماتا ولهما نحو أكثر من خمسين سنة، فهل تسمع دعوى الولد وأولاد الأخ المذكورين المجردة أم لا والحالة هذه؟
(أجاب) لا يصغى لدعوى المدعيين المذكورين من غير برهان شرعي على أن الدعوى بعد خمس عشرة لا يسمعها القاضي المنصوص على منعه فيما تقلده من القضاء؛ لأنه ليس بحاكم فيما زاد عليها على أن المدعي إذا كان حاضرا مشاهدا التصرف هذه المدة لا تسمع دعواه؛ لأن طول هذه المدة مع الدعوى مشعر بعدم الحق شرعا،، والله تعالى أعلم.
مطلب في جماعة تحت يدهم أرض تلقوها عن آبائهم إلخ
(سئل) في جماعة تحت يدهم أرض تلقوها عن آبائهم وأجدادهم يتصرفون فيها تصرف الملاك في أملاكهم، ومعهم شاهدان بل أكثر يشهدون لهم بذلك، فظهر لهم منازع في الأرض يدعي أن معه شاهدا يشهد له أنه حرث الأرض للمدعي من غير معرفة حدودها، فمن الذي تقدم من المدعيين بينته؟
(أجاب) دعوى المدعي المذكور بشهادة الذي حرث الأرض له باطلة من أوجه: الأول: أن واضع اليد يرجح بوضع يده. الثاني: أن الشاهدين يرجحان على الشاهد واليمين. الثالث: أن شهادة الرجل بحرث الأرض لا تقبل؛ لاحتمال أن تكون عن إجارة أو إعارة. الرابع: أن الشهادة بلا تحديد الحدود الأربعة باطلة؛ لأن شرط الشهادة أن تكون على طبق الدعوى، وشرط الدعوى أن تكون مفصلة مبينا فيها الحدود،، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل سرق له أمتعة من جملتها ثوب إلخ
(سئل) في رجل سرق له أمتعة من جملتها ثوب مناوي مخيط رؤي على امرأة ثوب يشابهه بعلامة في طرفه، ويريدون أن يقيموا على ذلك شهودا وزوج المرأة التي رؤي الثوب عليها معه بينة تشهد له أنه اشترى الثوب وفصله بحضورهم، وأن العلامة موجودة فيه من قبل خياطته، فهل تقدم بينة زوج المرأة التي رؤي عليها الثوب؟
(أجاب) لا يخفى أن بينة زوج المرأة مقدمة لأمور: منها: أنه واضع اليد وبينته مقدمة عند التعارض. الثاني: أن بينته معها زيادة علم، وهي كون أن الثوب قطع بحضرة الشهود وخيط، ومنها: أن بينة المدعي تشهد بأن الثوب سرق مخيطا، وبينة الزوج تشهد أن هذا الثوب نعلمه قبل القطع والخياطة، والله أعلم.
مطلب في امرأة ماتت عن ورثة ولها بذمة غائب إلخ
(سئل) في امرأة ماتت عن ورثة ولها بذمة غائب غيبة منقطعة دراهم معلومة كان استدانها منها قبل غيبته، ورهن عندها رهنا، وتريد الورثة الدعوى بالدين وإثباته على الغائب، فهل للقاضي أن ينصب قيما عنه، ويثبت الورثة الدين في وجه القيم، ويقبضه من مال الغائب وعن عقاره؟
(أجاب) نعم للقاضي الحكم على الغائب بعد الإثبات الشرعي للدين وللرهن، ويجب أن يحلف
стр. 454
الورثة أن الدين باق يلزم المدعى عليه وفاؤه، وللقاضي نصب مسخر ينكر عن الغائب فتكون الحجة على إنكار، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل سرق له ثوب مخيط إلخ
(سئل) في رجل سرق له ثوب مخيط فرأى ثوبا يشابهه بإمارة فيه، وواضع اليد يدعي أنه فصل في بيته، ومع كل منهما بينة تشهد له بدعواه فمن تقدم بينته، وهل تصح الشهادة مع غيبة الثوب أو لا بد من حضوره؟ وهل يطلب من الشاهد معرفة أمارات في الثوب بعينها أو كيف الحال؟
(أجاب) بينة الرجل المدعي أنه فصل الثوب وخاطه وهي تعلم به مقدمة، ولا تجوز الشهادة على الغيبة بل لا بد أن يحضر الثوب ويشهد الشاهد على عينه، ولا يكلف لأمارات لأنه لا ينبغي التعنت بالشاهد، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل بيده ثور شراه عجلا إلخ
(سئل) في رجل بيده ثور شراه عجلا من مدة نحو عشر سنين ومعه بينة تشهد له بذلك، وباستصحاب ملكه إلى الآن ادعى رجل أنه ملكه، وأنه ضاع من نحو أربع سنين، وأنه اشتراه قبل ضياعه بنحو شهر، ومعه بينة تشهد له بذلك فمن ترجح بينته منهما؟
(أجاب) بينة واضع اليد ترجح بأمرين بوضع اليد والتاريخ السابق؛ قال ابن حجر بعد قول المتن: ترجح بالتاريخ السابق أما إذا كانت أي العين بيد متقدمة التاريخ فتقدم قطعا انتهى. فهنا بينة ذي اليد تقدم قطعا للأمرين السابقين انتهى. والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل بيده فرس يتصرف فيها إلخ
(سئل) في رجل بيده فرس يتصرف فيها من نحو ستة سنين، وببلده رجل يشاهد تصرفه في الفرس هذه المدة، وقد ضاع للمشاهد للتصرف فرس من نحو ثلاث سنين فادعى هذه الفرس المذكورة وأنها هي التي ضاعت من نحو ثلاث سنين وأنها في ملكه قبل ضياعها نحو اثنا عشر سنة، ومع واضع اليد بينة تشهد له بوضع يده والتصرف فيها المدة المذكورة، فإذا أقام المدعي بينة على دعواه فبينة من تقدم؟
(أجاب) حيث أقام المدعي الخارج بينة بعد تمام دعواه فأقام واضع اليد بينة بعدها، فإنها ترجح وإن تأخر تاريخها أو كانت شاهدا ويمينا وبينة الخارج شاهدين أو لم تبين السبب للملك من شراء أو غيره ترجيحا لبينته بيده هذا حاصل عبارة المنهج وشرحه فترجح بينة واضع اليد بيده؛ لأنها من أقوى الأدلة إذ لا تحتاج لشيء، ولأنا نحكم على كل من رأينا بيده شيئا أنه له عملا بيده، والله تعالى أعلم.
مطلب فيما لو اختلف البائع مع المشتري إلخ
(سئل) فيما لو اختلف البائع مع المشتري في المبيع فالمشتري يدعي أن البيع بات بموجب صك البيع، والبائع يدعي الوفاة باتفاقهما على ذلك فأيهما تقدم بينته؟
(أجاب) تقدم بينة بيع البات؛ لأن معها زيادة علم وترجح بزيادة العلم، وأيضا مذهب الإمام الأعظم الشافعي قدس سره أن بيع الوفاة باطل فيصير الاختلاف في صحة البيع وفساده، ومدعي البيع البات مقدم على مدعي الفساد على أنه لا تنافي بين ادعاء بيع
стр. 455
الوفاة والبيع البات، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل سرق له دراهم فاتهم رجلا إلخ
(سئل) في رجل سرق له دراهم فاتهم رجلا فجاء برجلين شهدا له أن الذي سرق الدراهم فلان، ثم جاء رجل أقر واعترف أنه هو الذي سرق الدراهم، فهل يعمل بالشهادة ويلزم المتهوم بالدراهم أو بإقرار المقر ويتبين كذب الشهود؟
(أجاب) لا ريب أن شهادة الشاهد العدل الموثوق به المستجمع للشروط المعتبرة شرعا إنما تفيد ذلك الظن، وأنى بذلك في شهود هذا الزمان الذي صار فيه العدل مثل الكبريت الأحمر قل أن يوجد، وإقرار المقر أفادنا اليقين فكيف يلغى اليقين ويتبع الظن، فالمقر يؤاخذ بإقراره عملا بقوله تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ وفسرت شهادة المرء على نفسه بالإقرار فالمقر هو المطالب بالحق ويتبين كذب الشاهدين. والحاكم ترفع له هذه الدعوى من النظر ما يزيل به البلوى من زور الشاهدين المذكورين، وله من الله خير المأوى، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل دفع لآخر جملا يدعي الآخذ أنه أخذه على حصة من الربح إلخ
(سئل) في رجل دفع لآخر جملا يدعي الآخذ أنه أخذه على حصة من الربح، وأذن له المالك أن يؤجره وأن يحمله بالمعروف ويقيم على ذلك بينة ومالكه أنه دفعه له أمانة محملا ليبيع حمله، ولم يأذن له أن يحمله غير حمله وقد حمله في رجوعه ستين رطلا من الملح فزلق الجمل وانكسر، ويقيم المالك على مدعاه بينة فمن تقدم بينته عند تعارض البينتين؟
(أجاب) الرجل الآخذ للجمل على حصة تقدم بينته؛ لأن المالك يريد إحباط عمله وأنه مجانا والأصل عدمه، ولأن بينته معها زيادة علم بعمل الحصة له، ولأن الأصل براءة ذمته من الغرم، ولأن بينته لا تنافي بينة المدعي ولا تعارضه لاحتمال أنها صادقة بأن يدفعه له أولا أمانة، ثم يجعل له حصة فلا منافاة فهذه أربعة أوجه ترجح بينة الآخذ للجمل، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل له ولدان أحدهما بالغ والآخر قاصر زوجهما إلخ
(سئل) في رجل له ولدان أحدهما بالغ والآخر قاصر زوجهما أبوهما ابنتين قاصرتين من أبيهما، ووقع هذا العقد في قرية من قرى المسلمين بحضور جماعة كثيرين، ثم ماتت البنتان قبل الدخول عليهما فطلب أبوهما مهرهما لتقرره بالموت من الزوجين وأبيهما فادعوا أن العقد الواقع باطل؛ لعدم ملكهما وقت العقد لحال الصداق، ولأن الولد الكبير لم يأذن لوالده في الزواج أيضا، ويريد أبو البنتين أن يقيم بينة من الحاضرين للعقد أنه ملكهما ما يفي بحال الصداق قبل العقد في مجلسه، وبقية الحاضرين في المجلس يشهدون أن هذا التمليك لم يحصل، فهل تتعارض البينتان وتتساقطان فلا يعمل بهما، وإذا قلتم بالتساقط وظهر كون الزوجين لا يملكان عند العقد حال المهر يتبين بطلان النكاح فلا يلزمهما شيء من المهر؟
(أجاب) حيث كان الحاضرون النافون للتمليك ضابطين للمجلس
стр. 456
لم يفارقوه بحيث يقع التمليك في غيبتهم، وكانوا صاغين لجميع ما وقع فطنين حاذقين لا ينسبون للغفلة فتعارض البينتان فلا يعمل بهما، فيرجع الحال للأولاد فإن كانوا فقراء لا يملكون حال الصداق فعقد الأب على البكر بالإجبار والحال ما ذكر باطل؛ قال ابن حجر: ولو زاد بعض الحاضرين أي على بعض صفة للمجلس قبل إلا إن احتفت القرائن الظاهرة على أن البقية ضابطون له من أوله إلى آخره وقالوا: لم نسمعها مع الإصغاء إلى جميع ما وقع، وكان مثلهم لا ينسب للغفلة في ذلك فحينئذ يقع التعارض كما هو ظاهر؛ لأن المحصور يعارض الإثبات الجزئي كما صرحوا به وإن علم بطلان العقد، وثبت ما ذكر فلا يطالب الأولاد ولا الوالد بشيء لما علم، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل له على جماعة دين فأفلسوا إلخ
(سئل) في رجل له على جماعة دين فأفلسوا ولم يجدوا سدادا إلا بيتا لهم فباعوه له بالدين، ثم مكثوا مدة نحو عشرين سنة، فادعى بعضهم أنه كان قاصرا فطلب منهم الرجل دينه ويتركه لهم فما قدروا عليه، ثم وقع منهم بيع ثانيا بشهود تشهد بذلك، ثم مات المشتري وترك أولادا والبائعون يدعون أن البيت رهن، فهل بينة الشراء تقدم على بينة الرهن؟
(أجاب) تقدم بينة البيع؛ لأن معها زيادة علم، ولا تنافي بينة الرهن لو قامت لما علم أن بينة البيع تقدم، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل من أهل قرية صار عليه ضيم فرحل إلخ
(سئل) في رجل من أهل قرية صار عليه ضيم فرحل إلى قرية أخرى، ثم اعتدل حاله فرجع إلى قريته وله فيها أراضي وأشجار ومزارع وغير ذلك فوجد رجلا من أهل القرية قد وضع يده على حصة من أرضه، ومعه بينة شرعية تشهد له بأن الأرض من مزارعه ومزارع آبائه وأجداده، ومعه أيضا بينة أخرى تشهد بأن أبا الواضع أقر واعترف بأنها لنوفل الخارج من البلد، فهل إذا قامت بينة يجب رفع يده عنها ويطالب بريعها؟
(أجاب) حيث حدد الرجل الأرض بحدودها الأربع، وشهدت بينة أن الأرض المذكورة المحدودة المعلومة من مزارعه ومزارع آبائه وأجداده قضي له بالأرض المذكورة، فإن أقام واضع اليد بينة أن الأرض من مزارعه ومزارع آبائه وأجداده رجحت بينة المدعي المذكور الذي كان طائحا؛ لأن ذلك اعتراف منه بغصبها، وإذا أقام كل من المتداعيين بينة رجحت بينة واضع اليد إلا إن قال المدعي: هو غصبها مني وإقرار المدعى عليه صريح في غصبها، وخروج الرجل من بلده لا يزيل يده عن أرضه؛ لقول الصديق: ولا ترفع يد الزارع عن الأرض فإن خرجوا وعادوا فهي لهم، وهم أحق بها وأولى وله ريعها مدة وضع يده، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل دفع لامرأته في صداقها أرضا واستغلتها إلخ
(سئل) في رجل دفع لامرأته في صداقها أرضا واستغلتها نحو خمس عشرة سنة، وللدافع أهل نازعوه في دفع الأرض فقال لهم على رؤوس الأشهاد: هي ملكي ودفعتها لها، ثم مات وله أقارب
стр. 457
يدعون أنه دفع شيئا لا يملكه ومن هي تحت يده معه بينة أنها ملك الدافع، فهل تقدم بينته أو بينتهم؟
(أجاب) لا ريب أن بينة واضع اليد تقدم على بينة القريب الخارج، ومما يدل على بطلان دعواه أن ابن عمه لما أقر أنها ملكه وأنه دفعها في صداق زوجته لم يبطل دعواه، وأيضا سكوته هذه المدة دليل على بطلان دعواه على أن الدعوى بعد خمس عشرة سنة لا تسمع، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل غصب له بهيمة فوجدها في يد آخر إلخ
(سئل) في رجل غصب له بهيمة فوجدها في يد آخر فأقام عليها بينة أنها بهيمته التي غصبت، فأقام واضع اليد أن هذه ليست بهيمة المدعي التي غصبت؛ لأن بها علامة ليست بهذه المدعاة فأفتاه مفتي أن هذا من تعارض البينتين فترجح بينة واضع اليد، فهل هو صحيح أم لا؟
(أجاب) هذا الإفتاء خطأ من وجهين: الأول: أن هذا ليس من تعارض البينتين؛ لأن شرطه الاتفاق في المدعي إثباتا ونفيا، وهذا ليس منه بل من تعرض النفي الذي يدعيه واضع اليد والإثبات الذي يدعيه الخارج؛ لأنه يقول: إن هذه دابتي غصبت مني، وواضع اليد يقول: ليست دابتك والإثبات مقدم على النفي لما معه من زيادة العلم فتقدم هنا بينة الرجل المدعي للغصب. الثاني: سلمنا أن هذا من تعارض البينتين ففي مثل هذه الصور تقدم بينة الخارج وعبارة ابن حجر وكذا قدمت بينة الخارج لو شهدت أنها ملكه، وإنما أودعه أو أعاره للداخل أو باعه أو غصبه منه وأطلقت بينة الداخل انتهى. فهنا غاية الأمر أن المدعي يقول للمشتري: إن بائعك غصبني فتقدم بينة الخارج هنا من وجهين: من كون بينته مثبتة وقائلة إن بائع المشتري غصبها، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل تحت يده حمارة بنت حمارته إلخ
(سئل) في رجل تحت يده حمارة بنت حمارته ولدت في ملكه ومعه بينة تشهد له بذلك، ورجل يدعي أنها حمارته وسرقت من نحو ثلاثة سنين، ومعه بينة تشهد له بذلك فأي البينتين تقدم؟
(أجاب) لا ريب أن بينة واضع اليد المدعي للنتاج تقدم عند الإمام الشافعي ﵁ لوضع يده وعند أبي حنيفة ﵁ لدعواه النتاج كما نص على ذلك متونا وشروحا، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل ادعى أن لأبيه عند فلان مقدارا من الزيت إلخ
(سئل) في رجل ادعى أن لأبيه عند فلان مقدارا من الزيت، فتحاسب معه على يد رجل فأقر له بقدر معلوم أنه لأبيه في ذمته، ثم أقام شاهدا على أن أب المدعي ليس له عند المدعى عليه حق، فهل يعمل بشهادة الشاهد بالإقرار بعد الموت أو بشهادة براءة الذمة؟
(أجاب) يقدم الشاهد بالإقرار بعد الموت؛ لأن معه زيادة علم، ولا تعارضه شهادة الشاهد بالبراءة لاحتمال معاملة سابقة تركها الخصم، ثم شغلت ذمته بدين آخر أقر به بعد الموت نعم إن ادعى أن هذا الإقرار لم يكن عن حقيقة فله أن يحلف المدعي أن هذا الدين لوالدي عندك، ويحلف
стр. 458
أيضا يمينا أخرى على صدق شاهده، والله تعالى أعلم.
مطلب في أولاد ميت تلقوا زيتونا إلخ
(سئل) في أولاد ميت تلقوا زيتونا عن أبيهم كان واضع اليد عليه وتصرف أولاده من بعده، برز جماعة هم أولاد أخ لصاحب الزيتون الأصلي يدعون أن عمهم لم يبع الزيتون، فهل إذا أقام الأولاد الوارثون بينة أن أباهم اشترى يعمل بها؟
(أجاب) حيث وجدت البينة الشرعية العادلة أن أباهم اشترى من عمهم عمل بها على أن وضع اليد مشعر بصحتها وصحة الدعوى فيبرهن عليها، والله تعالى أعلم.
مطلب في ثلاثة اشتروا ثورا إلخ
(سئل) في ثلاثة اشتروا ثورا، واثنان منهم يقولان: إن البيع وقع مؤجلا بأجل فاسد يريدان إبطال البيع، والثالث يقول: إن البيع وقع من غير أجل أصلا، ومعه بينة تشهد له بذلك فأي البينتين تقدم؟
(أجاب) حيث شهدت البينة بالبيع الخالي عن الأجل أصلا عمل بها على أنه إذا لم يوجد بينة، واختلف البائع والمشتري في مثل هذه الصورة صدق مدعي الصحة؛ لأن الأصل في العقود الصحة إلا إذا تحقق المبطل، والله تعالى أعلم.
مطلب في رجل واضع يده على دار تلقاها إلخ
(سئل) في رجل واضع يده على دار تلقاها عن أبيه عن جده لا يعرف له منازع، وظهر الآن له منازع فيها يدعي أن له فيها له حصة، فهل يعمل بمجرد قوله من غير بينة أو لا؟
(أجاب) لا يعمل بقول المدعي المجرد عن البينة بإجماع المسلمين؛ لقوله ﷺ : لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. وعلى أن الدعوى بعد خمس عشرة سنة لا يسمعها القاضي بناء على ورود الأمر السلطاني، والله تعالى أعلم.
(فصل في القائف)
مطلب هل ورد في القائف شيء يعتد به إلخ
(سئل) هل ورد في القائف شيء يعتد به؟ وهل يعمل به في زمننا هذا؟ وهل يوجد الآن أحد عنده من الفراسة ما يعرف به النسب؟
(أجاب) نعم ورد فيه الخبر الصحيح الذي رواه إماما الفن الإمام البخاري والإمام مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ مسرورا فقال: ألم تر أن مجزرا المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدا عليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وقد بدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض انتهى. وسبب ذلك أن المشركين كانوا طعنوا في صحة نسبهما، ويعمل به في زمننا وغيره؛ لأن الفقهاء عولوا عليه عند اشتباه النسب وقد سمعنا في زمننا هذا، بل شاهدنا من له غاية المعرفة بذلك منها أني توجهت لمصر مع رجل يقال له سعد، فأخبروني عن امرأة عندهم في البيوت، وذلك أن غلاما سرق منها خروفا وهي ترعى فسألها عنه فقالت: تبعث أثره فرأيت أمه تربانيه وأباه سويركيا، ثم ظهر كذلك. وحكي عن قاضي
стр. 459
العرب أن شيخا كبيرا تزوج بكرا صغيرة، ثم جامعها ومات، ثم أخذها بعده قبل انقضاء العدة شاب، ثم ولدت ولدا، ثم وقع بين أهل الشيخ والشاب خلاف في الولد كل منهم يدعيه له فترافعا عند قاضيهم فأمر القاضي الولد المختلف فيه أن يذهب ويسرق من ابنة من العرب خروفا فسرق ذلك الولد خروفا من بنت غير أنها لم تره، فجاءت البنت صائحة فسألها القاضي وقال لها: أما عرفت السارق؟ فقالت: لا فقال لها: أما قصصت أثره؟ فقالت: نعم إنه غلام أمه شابة وأباه شيخ فان فقضى قاضي العرب بالولد وألحقه بالشيخ ونفاه عن الشاب والله أعلم.
(كتاب أمهات الأولاد)
مطلب التسبب في الإلقاء هل هو جائز إلخ
(سئل) عن التسبب في الإلقاء هل هو جائز أو لا؟
(أجاب) قال الرملي في باب أمهات الأولاد بعد كلام طويل: الراجح تحريمه أي الإلقاء بعد نفخ الروح مطلقا وجوازه قبله انتهى. أي سواء كانت حرة أم أمة محترما أم غير محترم، والذي في الأحاديث أن نفخ الروح يكون بعد تمام أربعة أشهر مائة وعشرين يوما والله تعالى أعلم.
(باب ما يتعلق بالتصوف)
مطلب في رجال من الصوفية يدعون أنهم على قدم إلخ
(سئل) في رجال من الصوفية يدعون أنهم على قدم القوم وأحوالهم مخالفة للشريعة باطنا وظاهرا، ومن أحوالهم الذميمة استحلال المحرمات لا سيما الخلوة بالنساء، وشيخهم يدعي العصمة ومن تبعه، ويصومون أيام العيدين وأيام التشريق، ولهم أوراد خارقة للشريعة اخترعوها من تلقاء أنفسهم، ويخرج الشيخ المذكور بالعصبة على النساء مسفرات الوجوه ويقبلن يديه وأقدامه، ويختلي بهن من غير حضور محرم، ويأمرهن باجتناب أزواجهن خوفا من الحمل، وهذه النساء المذكورات التي يختلي بهن من المترفات ويخرجن إلى خلوته، ويجلسن معه من غير إذن أزواجهن ويهديهن إليه من الرياحين والطيب ما لا يوصف، ويجعلون لهن مسجدا في مقبرة شيخهم الأول ويطوفون بقبره فإن أنكر عليهم أحد يتقولون ذلك في الشريعة حرام وفي الحقيقة حلال، فهل يجوز أن ندعهم على ما هم عليه من المنكر واستحلال المحرمات، ومن أزواج النساء موافقونهم على ما هم عليه، وإذا استدل عليهم أحد بحديث يقولوا يكذب، وأيضا إذا أحد جاء لهم بالنقل يقولون يكذب مصنفه وتكذب أنت، فماذا يترتب عليه؟
(أجاب) اعلم وفقك الله تعالى أن طريق التصوف مضبوط معلوم عند أهله طبق الكتاب والسنة لا مخالفة لأهله في حكم من الأحكام، ولكن كثير من حملة الصوفية والذين هم باسم الضلالة والبدعة أحق ما بينوه؛
стр. 460
لأنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون فعلم التصوف علم نفيس شريف أحكم أساسه، وعلا في الخافقين رأسه وعظم في المشارق والمغارب نبراسه، ولكن بعزته عند أهله وعلو قدره وفضله قد ترجم عن أصوله ومبادئه وغوامض معارفه ومبانيه بعبارات خفيات وإشارات دقيقات فهو كعلم الكيمياء، فأين المتقنون مع كثرة كتبه ومتعاطيه، وكم من زغلي وخسيس علته كامنة وما ظفر بما يعنيه. وهؤلاء المتصوفة في هذا الزمن مثلهم من يتعاطى الزيف والزغل فيقع في الباطل والزلل، وهنا أصل ضل عنه جميع متصوفة هذا الزمن فحل بهم الوبار والوهن وهو إتقان ظاهر الشريعة الذي عليه الفقهاء، فهذا لا بد منه لكل صوفي وغيره، ولا يخرج عنه إلا كل مبتدع وضال بل كافر؛ لأن رسول الله ﷺ إنما كان يحكم بالظاهر المناسب للعام والخاص والعرب والعجم والألكن والفصيح. وأما الذي عليه الصوفية من الدقة والغموض والغوص على المعاني البديعة الأحوال الرفيعة الناشئ عنها الجد والاجتهاد، والقيام على قدم السداد والصوم والسهر وإتعاب النفس وقهر الشيطان والقيام بما يرضي الرحمن، وقد قال ابن زروق في قواعد الصوفية: للفقيه أن يعترض على الصوفي كما ذكر، وليس للصوفي أن يعترض على الفقيه؛ لأن الذي هو عليه هو المطالب به العامة والخاصة، ثم ظهر زنادقة أرادوا أن يقتفوا أولئك الأعلام فضلوا عن الطريق القويم، وحادوا عن الصراط المستقيم فركبوا متن عميا وخبطوا خبط عشوا فضلوا وأضلوا، فهل سمعت أو نقل إليك عن أجل ممن يقتدى به في التصوف استحلال محرم أو استباحة محظورا، وأنه ادعى العصمة فأبو الحسن الشاذلي قدس سره يقول: نسألك العصمة في الحركات والسكنات والكلمات والإرادات فها هو سبيل العصمة ولم يدعها، ومع ذلك أعترض عليه بأن لا تكون إلا للأنبياء فأجيب عنه بأن سؤالها بمعنى عدم الوقوع مع جوازه لا بمعنى امتناع الوقوع؛ لأنه لا يكون إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأما صوم العيدين وأيام التشريق فيدل على جهله وربما جره ذلك إلى الكفر لورود النهي في الصحيحين وغيرهما عن صوم العيدين؛ لأنه أعراض عن ضيافة الله تعالى والنهي في صوم التشريق في خبر أبي داود بإسناد صحيح فمن صام هذه الأيام فهو آثم مخطئ مخالف لما عليه إجماع المسلمين الذي هو حجة اتفاقا؛ لقوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة". ولا يصح الصوم المذكور عند الإمام الشافعي ﵁ وإن كان يصح عند أبي حنيفة ﵁ لكنه يأثم عند الصائم لما مر.
والأوراد المخالفة للكتاب والسنة لا يجوز استعمالها، ولا يجوز الخروج على النساء
следующие страницы →