وأمّا الباء مع الميم في قوله تعالى: ارْكَبْ مَعَنا (سورة هود الآية ٤٢).
فقد اختلف فيها القراء العشرة: فأدغمها قولا واحدا: «أبو عمرو، والكسائي، ويعقوب»، وأدغمها بالخلاف: «ابن كثير، وعاصم، وخلاد».
وأظهرها الباقون قولا واحدا.
(والله أعلم)
стр. 107
«أقسام الوقف»
قال ابن الجزري:
وبعد ما تحسن أن تجوّدا ... لا بدّ أن تعرف وقفا وابتدأ
فاللّفظ إن تمّ ولا تعلّقا ... تام وكاف إن بمعنى علّقا
قف وابتدئ وإن بلفظ فحسن ... فقف ولا ابتدأ سوى الآي يسن
وغير ما تمّ قبيح وله ... يوقف مضطرّا ويبدا قبله
وليس في القرآن من وقف يجب ... ولا حرام غير ما له سبب
وفيهما رعاية الرّسم اشترط ... .....
المعنى: بعد أن قدّم «ابن الجزري» رحمه الله تعالى بعض القضايا الهامة الخاصة بأحكام التجويد، شرع يتحدث في هذه الأبيات عن أقسام الوقف لما له من أهميّة خاصة بقراءة القرآن الكريم. إذ بالوقف تتبيّن معاني الآيات، ويؤمن الاحتراز عن الوقوع في المشكلات.
والوقف والابتداء باب عظيم القدر اهتمّ به الصحابة والتابعون ومن بعدهم، فكانوا يتناقلون مسائله مشافهة، ويتعلمونه كما يتعلمون أحكام تجويد القرآن الكريم، لأنه لا يتأتى معرفة معاني القرآن معرفة تامّة وصحيحة إلا بمعرفة أنواع الوقوف: فالوقف حلية التلاوة، وتحلية الدّراية، وزينة القارئ، وبلاغة القارئ، وفهم المستمع، وفخر العالم.
وممّا يدلّ على أهميّة الوقف والابتداء ما صحّ
عن النبي ﷺ أنه عند ما سمع رجلا يخطب ويقول:
«من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما» ثم وقف.
فقال له الهادي البشير ﷺ معلّما ومرشدا: «بئس خطيب القوم أنت، قل:
стр. 108
«من يطع الله ورسوله فقد رشد، ثمّ قف ثمّ ابدأ وقل: ومن يعصهما فقد غوى».
فهذا الخبر يدلّ دلالة واضحة على أهميّة الوقف والابتداء، لصحّة المعنى إذ لا يجمع بين من أطاع، ومن عصى في حكم واحد. وإذا كان عدم معرفة الوقف والابتداء مستقبحا في سائر الكلام فهو في كلام الله تعالى أشدّ قبحا، وتجنّبه أولى.
والوقف ينقسم أربعة أقسام وهي:
١ - التامّ:
هو ما تمّ معناه، ولم يتعلق بما بعده لا لفظا ولا معنى مثل قوله تعالى:
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (سورة البقرة الآية ٥). وأكثر ما يكون الوقف التامّ في نهاية القصص، وخواتيم السور، وحكمه:
حسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده.
٢ - الكافي:
هو ما تمّ من جهة اللفظ وتعلّق بما بعده من جهة المعنى، مثل قوله تعالى:
أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (سورة البقرة الآية ٦) وحكمه حسن الوقف عليه، والابتداء، بما بعده.
٣ - الحسن:
هو ما تمّ في ذاته وتعلّق بما بعده لفظا ومعنى مثل: «الحمد لله» وحكمه: جواز الوقف عليه، ثم يحسن وصله بما بعده، إلّا إذا كان رأس آية، فإنه يسنّ الوقف على رءوس الآي.
٤ - القبيح:
هو ما لم يتم معناه لتعلقه بما بعده لفظا ومعنى. مثل الوقف على: «إله» من قوله تعالى:
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ (سورة آل عمران الآية ٦٢). وحكمه: قبح الوقف عليه إلّا لضرورة، فإذا وقف عليه القارئ لضرورة كانقطاع نفس، أو عطاس، فإنه يجب وصله بما بعده.
(والله أعلم)
стр. 109
«القطع، والوقف، والسكت»
قال ابن الجزري:
................ ....... ... والقطع كالوقف وبالآي شرط
والسّكت من دون تنفّس وخص ... بذي اتّصال وانفصال حيث نص
المعنى: هذا شروع من المؤلف رحمه الله تعالى في بيان معنى كل من:
١ - القطع- ٢ - الوقف- ٣ - السكت.
فالقطع: عبارة عن قطع القراءة رأسا. فهو انتهاء القراءة، كالمنتقل من حالة إلى أخرى. كالقطع على حزب، أو عشر، أو ربع، أو نحو ذلك. فهو كالوقف حيث لا يجوز إلا على تام، سواء أكان تامّا، أم كافيا، أم حسنا.
ويجب في القطع، والوقف رعاية الرسم. ويشترط في «القطع» أن لا يكون إلّا على رأس آية. بخلاف «الوقف» فإنه يكون على رأس الآية، وعلى أبعاضها.
والوقف: عبارة عن قطع الصوت عن الكلمة زمنا يتنفس فيه عادة مع نيّة استئناف القراءة.
والسكت: عبارة عن قطع الصوت زمنا دون زمن «الوقف» عادة من غير تنفس، والمشافهة تحكم زمن السكت.
والسكت مخصوص بما اتصل رسما نحو: «الأرض، وشيء، وقرآن» وبما انفصل رسما نحو: «قد أفلح، وقل أوحى» و «من راق» وبين السورتين.
(والله أعلم)
стр. 110
«مقدمة ابن الجزري»
قال ابن الجزري:
والآن حين الأخذ في المراد ... والله حسبي وهو اعتمادي
المعنى: بعد أن أتمّ «ابن الجزري» رحمه الله تعالى الحديث عن مقدمته التي اشتملت على الكثير من القضايا الهامة، قال مستعينا بالله تعالى: والآن أشرع في المقصود من ذكر اختلاف القراء العشرة، ورواتهم.
ثم قال: والله حسبي في ذلك، وعليه اعتمادي، وعليه أتوكل فيما قصدته.
وأنا العبد الفقير إلى الله تعالى أقول أيضا بقلب مخلص: أسأل الله أن يعينني، ويوفقني على إتمام هذا الشرح المبارك خدمة للقرآن الكريم إنه سميع مجيب، وأختم شرحي لهذه المقدمة بهذه الأبيات التي قالها:
«عبد المنعم بن غلبون» ت ٣٨٩ هـ:
صنّفت ذا العلم أبغي الفوز مجتهدا ... لكي أكون مع الأبرار والسّعدا
في جنّة في جوار الله خالقنا ... في ظلّ عيش مقيم دائم أبدا
وصلّ اللهم على نبينا وحبيبنا «محمّد» ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
تمّت مقدمة ابن الجزري ومصطلحاته ولله الحمد والشكر
стр. 111
«باب الاستعاذة»
قال ابن الجزري:
وقل أعوذ إن أردت تقرا ... كالنّحل جهرا لجميع القرّا
المعنى: أي هذا باب يذكر فيه المؤلف مذاهب القراء في الاستعاذة قبل الشروع في القراءة، إذا فهو خبر مبتدإ محذوف، وبدأ المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الباب لأن الاستعاذة أول ما يبدأ بها القارئ عند الشروع في القراءة.
والاستعاذة: طلب العوذ من الله تعالى، وهي عصمته.
والعوذ: مصدر عاذ بكذا: أي استجار به وامتنع. وهذا البيت يتحدّث عن صيغة الاستعاذة: والمختار في صيغتها لجميع القراء عند إرادة القراءة:
«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» والمختار لهم أيضا الجهر بها. وهذه الصيغة هي الواردة في قوله تعالى في سورة النحل:
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (سورة النحل الآية ٩٨).
قال ابن الجزري:
وإن تغيّر أو تزد لفظا فلا ... تعد الّذي قد صحّ ممّا نقلا
المعنى: يجوز لقارئ القرآن أن يغيّر صيغة الاستعاذة الواردة في سورة
стр. 112
«النحل» بقصد الزيادة في تنزيه الله تعالى. ولكن ذلك التغيير مشروط بأن لا يتجاوز ما ورد عن أئمة القراءة:
فمن ذلك ما روي عن «الأعمش سليمان بن مهران» ت ١٤٨ هـ: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم» «١» وما روي عن «الحسن البصري» ت ١١٠ هـ:
«أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم» وإدغام الهاء في الهاء «٢».
قال ابن الجزري:
وقيل يخفي حمزة حيث تلا ... وقيل لا فاتحة وعلّلا
المعنى: هذا البيت يتحدث عن: إخفاء الاستعاذة. فهو كالاستدراك على قوله السابق: «جهرا لجميع القرّا» وقد ورد عن «حمزة» روايتان في إخفاء الاستعاذة سوى الجهر:
الرواية الأولى: الإخفاء مطلقا: أي حيث قرأ سواء كان أوّل السورة، أو أثناءها، ووجه ذلك ليفرق «حمزة» بين القرآن وغيره.
والرواية الثانية: الجهر بالاستعاذة أوّل سورة «الفاتحة» وإخفاؤها فيما عدا أوّل الفاتحة.
ووجه تخصيص الفاتحة بالجهر: الفرق بين ابتداء القرآن وغيره، وذلك أن القرآن عنده كالسورة الواحدة.
وهذان القولان ضعيفان، والأصح الجهر «لحمزة» كباقي القراء.
والذي تلقيته، وقرأت به عن شيوخي رحمهم الله تعالى الجهر بالاستعاذة
стр. 113
لجميع القراء العشرة بما فيهم «حمزة».
والمختار في ذلك لجميع القراء العشرة التفصيل:
فيستحب إخفاء الاستعاذة في مواطن، والجهر بها في مواطن:
فمواطن الإخفاء أربعة:
الأول: إذا كان القارئ يقرأ سرّا، سواء كان يقرأ منفردا، أو في مجلس.
الثاني: إذا كان خاليا وحده، سواء قرأ سرّا، أو جهرا.
الثالث: إذا كان في الصلاة، سواء كانت الصلاة سرّية، أو جهريّة.
الرابع: إذا كان يقرأ مع جماعة يتدارسون القرآن، ولم يكن هو المبتدئ بالقراءة.
وما عدا ذلك يستحب فيه الجهر بالاستعاذة.
فائدة: لو قطع القارئ قراءته لعذر طارئ، كالعطاس، أو التّنحنح، أو لكلام يتعلق بمصلحة القراءة لا يعيد الاستعاذة.
أمّا لو قطعها إعراضا عن القراءة، أو لكلام لا تعلق له بالقراءة، ولو «ردّ السلام» فإنه يستأنف الاستعاذة.
قال ابن الجزري:
وقف لهم عليه أو صل واستحب ... تعوّذ وقال بعضهم يجب
المعنى: تضمن هذا البيت الحديث عن قضيتين:
الأولى: إذا كان القارئ مبتدئا بأوّل سورة سوى «براءة» تعيّن عليه الإتيان بالبسملة كما سيأتي أثناء الحديث عن «البسملة» وحينئذ يجوز له بالنسبة للوقف على الاستعاذة، أو وصلها بالبسملة أربعة أوجه:
الأول: الوقف على كل من: الاستعاذة، والبسملة، ويسمّى قطع الجميع.
الثاني: الوقف على الاستعاذة، ووصل البسملة بأوّل السورة، ويسمّى قطع
стр. 114
الأول، ووصل الثاني بالثالث.
الثالث: وصل الاستعاذة بالبسملة والوقف على البسملة، ويسمّى وصل الأوّل بالثاني، وقطع الثالث.
الرابع: وصل الاستعاذة بالبسملة مع وصل البسملة بأوّل السورة، ويسمى وصل الجميع.
أمّا إذا كان القارئ مبتدئا بأول سورة «براءة» فإنه يجوز له وجهان:
الأول: الوقف على الاستعاذة، والبدء بأوّل السورة بدون بسملة.
الثاني: وصل الاستعاذة بأوّل السورة بدون بسملة أيضا.
القضية الثانية: اختلف القراء في معنى قوله تعالى: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ (سورة النحل الآية ٩٨) هل الطلب للوجوب، أو النّدب:
فذهب جمهور أهل الأداء إلى أنه على سبيل الندب ولو تركها القارئ لا يكون آثما.
وذهب بعض العلماء إلى أنه على سبيل الوجوب، وقالوا: إن الاستعاذة واجبة عند إرادة القراءة.
وبناء على هذا المذهب لو ترك القارئ الاستعاذة يكون آثما.
تمّ باب الاستعاذة ولله الحمد والشكر
стр. 115
«باب البسملة»
قال ابن الجزري:
بسمل بين السّورتين بي نصف ... دم ثق رجا وصل فشا وعن خلف
فاسكت فصل والخلف كم حما جلا ... واختير للسّاكت في ويل ولا
بسملة والسّكت عمّن وصلا ... .....
المعنى: أتبع المؤلف رحمه الله تعالى باب الاستعاذة بباب البسملة على حسب ترتيبهما في القراءة.
والبسملة: مصدر «بسمل»: إذا قال: «بسم الله الرحمن الرحيم» كما يقال: «هلّل، وهيلل» إذا قال: «لا إله إلّا الله» و «حوقل، وحولق»: إذا قال:
«لا حول ولا قوة إلّا بالله» ومثل ذلك: «حيعل، وحمدل، وحسبل» وهي لغة مولّدة أريد بها الاختصار.
والبسملة مستحبّة عند ابتداء كل أمر مباح، أو مأمور به. وهي من «القرآن» بالإجماع في سورة النمل من قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (سورة النمل الآية ٥٠). وأمّا في أوائل السور فالخلاف فيها مشهور بين القراء، والفقهاء، والكلمة على البسملة يشمل ثلاثة أحوال:
الأولى: بين السورتين.
الثانية: في ابتداء كل سورة.
стр. 116
الثالثة: أثناء الابتداء بأواسط السور.
وبدأ المؤلف بالحديث عن البسملة بين السورتين:
فبيّن أن المرموز له بالباء من «بي» والنون من «نصف» والدّال من «دم» والثاء من «ثق» والراء من «رجا» وهم: «قالون، وعاصم، وابن كثير، وأبو جعفر، والكسائي» والأصبهاني، عن «ورش».
يقرءون بالفصل بالبسملة بين كل سورتين، سوى سورة «براءة» لما
روي عن «ابن عباس» ﵄ أنه قال: «كان النبيّ ﷺ لا يعرف خاتمة السورة حتى تنزل «بسم الله الرحمن الرحيم» فإذا نزلت: «بسم الله الرحمن الرحيم» عرف أن السورة قد ختمت، واستقبلت» اهـ «١» أي ابتدئت سورة أخرى.
ثم أمر المؤلف بالقراءة المرموز له بالفاء من «فشا» وهو: «حمزة» بوصل آخر السورة بأوّل ما بعدها من غير بسملة، وذلك لبيان ما في آخر السورة من حركة الإعراب، أو البناء، وما في أوّل السورة التّالية من همزات قطع، أو وصل، أو إظهار، أو إدغام، أو إقلاب الخ.
ثمّ أمر للمصرّح باسمه وهو: «خلف العاشر» بالقراءة له بوجهين هما:
«الوصل، بدون بسملة والسّكت»:
والمراد بالسكت: الوقف على آخر السورة السابقة وقفة لطيفة من غير تنفس، ومقداره حركتان:
والحركة قدّرها علماء القراءة بمقدار قبض الإصبع، أو بسطه.
ووجه السكت لبيان أنهما سورتان، وإشعار بالانفصال.
ثمّ بين أن المرموز له بالكاف من «كم» ومدلول «حما» والمرموز له بالجيم
стр. 117
من «جلا» وهم: «ابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب، والأزرق عن ورش» يقرءون بثلاثة أوجه وهي: ١ - البسملة- ٢ - السكت- ٣ - الوصل.
تنبيه: هذا الحكم الذي تقدم للقراء عام بين كل سورتين، سواء كانتا مرتبتين، كآخر «البقرة» وأوّل «آل عمران» أو غير مرتبتين، كآخر «الأعراف»، وأوّل «يوسف». لكن بشرط أن تكون السورة الثانية بعد الأولى حسب ترتيب «القرآن الكريم» كما مثلنا.
أمّا إذا كانت السورة الثانية قبل الأولى في الترتيب كأن وصل آخر «الكهف» بأول «يونس» تعيّن الإتيان بالبسملة لجميع القراء، ولا يجوز حينئذ:
«السكت، ولا الوصل» لأحد منهم.
وإذا وصل آخر السورة بأولها كأن كرّر قراءة سورة «الإخلاص» مثلا، فإن البسملة تكون متعينة أيضا حينئذ للجميع.
ثم بيّن المؤلف أن بعض أهل الأداء اختار الفصل بالبسملة بين: «المدثّر، والقيامة» و «الانفطار، والتطفيف» و «الفجر، والبلد» و «العصر، والهمزة» لمن روي عنه السكت في غيرها وهم: «الأزرق، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب، وخلف العاشر» وذلك لأنهم استقبحوا القراءة بالوصل بدون بسملة.
كما بين المؤلف أن بعض أهل الأداء اختار «السكت» بين هذه السور التي ذكرت قبل المسمّاة بالأربع الزّهر لمن روي عنه «الوصل» في غيرها، وهم:
«الأزرق» ومن معه، و «حمزة» وذلك لأن الوصل فيه إيهام لمعنى غير المراد.
قال ابن الجزري:
................ .... ... وفي ابتدأ السّورة كلّ بسملا
سوى براءة فلا ولو وصل ... ................ .......
المعنى: هذه الحال الثانية من أحوال الكلام على البسملة وهي: الابتداء بأوائل السور:
وقد أجمع القراء العشرة على الإتيان بالبسملة عند الابتداء بأوّل كل سورة
стр. 118
سوى سورة «براءة». وذلك لكتابتها في المصحف.
قال ابن الجزري:
..... ... ووسطا خيّر وفيها يحتمل
المعنى: هذه الحال الثالثة من أحوال الكلام على البسملة وهي: أثناء الابتداء بأواسط السور: يجوز لكل القراء الإتيان بالبسملة أثناء الابتداء بأواسط السور، لا فرق في ذلك بين سورة براءة، وغيرها.
وذهب بعض العلماء إلى استثناء وسط «براءة» فألقحه بأوّلها في عدم جواز الإتيان بالبسملة لأحد من القراء. وهذا الذي تلقيته عن شيوخي، وعلمته أبنائي.
قال ابن الجزري:
وإن وصلتها بآخر السّور ... فلا تقف وغيره لا يحتجر
المعنى: يجوز لكل من فصل بين السورتين بالبسملة ثلاثة أوجه:
الأوّل: الوقف على آخر السورة ثم على البسملة، ويسمى قطع الجميع.
الثاني: الوقف على آخر السورة، ووصل البسملة بأول السورة التالية، ويسمّى قطع الأوّل، ووصل الثاني بالثالث.
الثالث: وصل آخر السورة بالبسملة مع وصل البسملة بأول السورة التالية، ويسمّى وصل الجميع.
أمّا الوجه الرابع وهو: وصل البسملة بآخر السورة، والوقف على البسملة، فهذا الوجه ممتنع للجميع، وذلك لأنه في هذه الحالة يوهم أن البسملة لأواخر السور، لا لأوائلها.
وعلى هذا يكون ل «قالون، والأصبهاني، وابن كثير، وعاصم، والكسائي، وأبي جعفر» هذه الأوجه الثلاثة بين كل سورتين، سوى الأنفال،
стр. 119
وبراءة، فإن حكم ذلك سيأتي قريبا بإذن الله تعالى.
ويكون ل «الأزرق، وأبي عمرو، وابن عامر، ويعقوب» بين كلّ سورتين خمسة أوجه: ثلاثة البسملة، والسكت، والوصل.
ويكون ل «حمزة» بين كل سورتين سوى الأربع الزهر «الوصل» فقط.
ويكون ل «خلف العاشر» بين كل سورتين سوى الأربع الزهر «الوصل، والسكت».
ويكون لكل واحد من القراء العشرة بين «الأنفال، وبراءة» ثلاثة أوجه:
الأول: الوقف على آخر «الأنفال» وقفة يسيرة مع التنفس.
الثاني: السكت على آخر «الأنفال» بدون تنفس.
الثالث: وصل آخر الأنفال بأوّل «براءة».
والأوجه الثلاثة من غير بسملة.
وهذه الأوجه الثلاثة جائزة لكل القراء بين أوّل «براءة» وبين أيّ سورة، بشرط أن تكون هذه السورة قبل «التوبة» في الترتيب، كما لو وصل آخر «الأنعام» بأوّل «براءة».
أمّا إذا كانت هذه السورة بعد «براءة» في الترتيب، كما لو وصل آخر سورة «الفرقان» بأوّل «براءة» فالذي يظهر لي والله أعلم أنه يتعين الوقف حينئذ، ويمتنع «السكت، والوصل».
كذلك يتعين الوقف، ويمتنع «السكت، والوصل» إذا وصل آخر «براءة» بأوّلها.
تمّ باب البسملة ولله الحمد والشكر
стр. 120
«باب الإدغام الكبير»
قدّم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب على غيره من سائر الأبواب من أجل تقديم «الرحيم ملك».
وافتتح به أبواب الأصول، وسيتبعه بغيره بحسب الترتيب.
والإدغام، والإظهار، إحدى الظواهر اللغوية التي اهتم بها العلماء قديما، وحديثا، ووضعوا لها الكثير من الضوابط، والقواعد. واختلف العلماء في تعليلها، وتفسيرها، وفي أيّ القبائل العربية التي كانت تميل إلى النطق بالإظهار، وأيّها كانت تميل إلى الإدغام الخ. وفي البداية نتعرف على حقيقة كل من الإظهار، والإدغام فنقول:
الإظهار لغة: البيان، واصطلاحا إخراج كل حرف من مخرجه من غير غنة في الحرف المظهر.
والإدغام لغة: إدخال الشيء في الشيء، يقال: أدغمت اللجام في فم الدّابة أي أدخلته فيه.
واصطلاحا النطق بالحرفين حرفا كالثاني مشدّدا.
فإن قيل: هل الأصل الإظهار، أو الإدغام؟
أقول: لعلّ الإظهار هو الأصل، لأنه لا يحتاج إلى سبب في وجوده، بخلاف الإدغام فإنه يحتاج إلى سبب.
стр. 121
وينقسم الإدغام إلى كبير، وصغير:
فالكبير: هو أن يتحرك الحرفان معا المدغم، والمدغم فيه نحو الراءين في قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ (سورة البقرة الآية ١٨٥). وقد خصص المؤلف هذا الباب للحديث عن الإدغام الكبير.
والصغير: هو أن يكون المدغم ساكنا، والمدغم فيه متحركا نحو التاءين في قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ (سورة البقرة الآية ١٦).
وسمّي الأول كبيرا لكثرة العمل فيه، وهو تسكين الحرف أولا ثم إدغامه ثانيا.
وسمّي الثاني صغيرا لقلّة العمل فيه، وهو الإدغام فقط. وقد عقد المؤلف للإدغام الصغير بابا خاصا به، سيأتي بإذن الله.
واعلم أن الإدغام ينقسم قسمين: كامل، وناقص:
فالكامل: هو أن يذهب الحرف، وصفته، مثل إدغام النون الساكنة في الراء نحو قوله تعالى:
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ (سورة البقرة الآية ٢٦).
والناقص: هو أن يذهب الحرف، وتبقى صفته، مثل إدغام النون الساكنة في «الياء» نحو قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ (سورة البقرة الآية ٨) على قراءة الجمهور.
والإدغام ينقسم إلى: واجب، وجائز، وممتنع، وقد تقدم الحديث عن الإدغام الواجب أثناء قول ابن الجزري في مقدمته:
وأوّلي مثل وجنس إن سكن ... أدغم كقل ربّ وبل لا
كما تحدث ابن الجزري عن الإدغام الممتنع أثناء قوله في المقدمة:
................ ....... ... ................ ... وأبن
سبّحه فاصفح عنهم قالوا وهم ... في يوم لا تزغ قلوب قل نعم
стр. 122
وسيتكلم المؤلف في هذا الباب، وباب الإدغام الصغير عن الإدغام الجائز، وسيذكر موانع الإدغام.
واعلم أن الإدغام له شروط، وأسباب، وموانع، وسيتكلم المؤلف عن كل ذلك مفصّلا بإذن الله تعالى.
قال ابن الجزري:
إذا التقى خطّا محرّكان ... مثلان جنسان مقاربان
أدغم بخلف الدّور السّوسي معا ... ....
المعنى: هذا شروع من المؤلف رحمه الله تعالى في الحديث مفصّلا عن «الإدغام الكبير.»
وبدأ بالحديث عن: شروط الإدغام، وأسبابه، ومن ورد عنه الإدغام الكبير من القراء.
وسأتحدّث عن هذه الأمور الثلاثة بالتفصيل حسب ترتيبها بإذن الله تعالى فأقول وبالله التوفيق:
شروط الإدغام:
أن يلتقي الحرفان: المدغم، والمدغم فيه خطّا ولفظا، أو خطّأ لا لفظا، ليدخل نحو: «إنه هو» لأن الهاءين وإن لم يلتقيا لفظا لوجود الواو المدّيّة أثناء النطق، فإنهما التقيا خطّا، إذ الواو المدّيّة لا تكتب في رسم المصحف، وإنما يعوض عنها «واو» صغيرة، وهي من علامات «الضبط».
إذا فالعبرة في الإدغام التقاء الحرفين خطّأ نحو: «إنه هو». وخرج نحو:
«أنا نذير» لأن النونين وإن التقيتا لفظا إلّا أن «الألف» التي بعد «أنا» تعتبر فاصلة بينهما، ولذا فإنّ النونين في هذا المثال لا تدغمان، وكذا كل ما يماثلهما.
وأسباب الإدغام ثلاثة:
التماثل، أو التقارب، أو التجانس.
стр. 123
فالتماثل: أن يتفق الحرفان في المخرج والصفات معا، كالهاء في الهاء.
والتقارب: أن يتقاربا مخرجا، أو صفة، أو مخرجا وصفة، كالتاء في الثاء، والجيم في الذال.
والتجانس: أن يتفقا مخرجا، ويختلفا صفة، كالدال في التاء، والتاء في الطاء، والثاء في الذال.
وقد أمر المؤلف رحمه الله تعالى بالإدغام الكبير لكل من: «الدّوري والسوسي» بخلف عنهما، إذا ما وجدت الشروط، والأسباب، وعدمت الموانع التي سيذكرها فيما يأتي.
قال ابن الجزري:
................ ........ ... لكن بوجه الهمز والمدّ امنعا
المعنى: أشار المؤلف رحمه الله تعالى في شطر هذا البيت إلى بعض موانع الإدغام:
فبيّن أن «الإدغام الكبير» يمتنع «لأبي عمرو» في حالتين:
الأولى: حالة تحقيق الهمز المفرد الساكن الذي له فيه الإبدال.
والثانية: حالة مدّ «المدّ المنفصل». وسيأتي خلاف «أبي عمرو» في مدّ «المنفصل» وقصره.
ويتفرّع على ذلك الأحوال الثلاثة الآتية:
١ - اجتماع الإدغام الكبير مع همز ساكن.
٢ - اجتماع الإدغام الكبير مع «مدّ منفصل».
٣ - اجتماع الإدغام الكبير مع همز ساكن، ومدّ منفصل.
فإذا اجتمع الإدغام الكبير، والهمز الساكن نحو قوله تعالى: وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (سورة يونس الآية ٣٩) كان لأبي عمرو ثلاثة أوجه وهي:
١ - تحقيق الهمزة والإظهار
стр. 124
٢ - إبدال الهمزة والإظهار.
٣ - إبدال الهمزة والإدغام.
ويمتنع الإدغام على تحقيق الهمزة.
وإذا اجتمع الإدغام الكبير مع «مدّ منفصل» نحو قوله تعالى: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ (سورة الأنعام الآية ٥٠) كان لأبي عمرو ثلاثة أوجه وهي:
١ - قصر المنفصل والإظهار.
٢ - قصر المنفصل والإدغام.
٣ - مدّ المنفصل والإظهار.
ويمتنع الإدغام على مدّ المنفصل.
وإذا اجتمع الإدغام الكبير مع «الهمز، ومدّ منفصل» نحو قوله تعالى:
قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما (سورة يوسف الآية ٣٧) كان لأبي عمرو ثلاثة أوجه وهي:
١ - الإظهار، وتحقيق الهمزة، وقصر المنفصل.
٢ - الإظهار، وتحقيق الهمزة، ومدّ المنفصل.
٣ - الإدغام، وإبدال الهمزة، وقصر المنفصل.
ويمتنع ثلاثة أوجه وهي:
١ - الإدغام، وتحقيق الهمزة، وقصر المنفصل.
٢ - الإدغام، وتحقيق الهمزة، ومدّ المنفصل.
٣ - الإدغام، وإبدال الهمزة، ومدّ المنفصل.
قال ابن الجزري:
فكلمة مثلي مناسككّم وما ... سلككم وكلمتين عمّما
المعنى: أخبر المؤلف رحمه الله تعالى بأن «أبا عمرو» أدغم من المثلين إذا كانا في كلمة واحدة موضعين فقط وهما:
стр. 125
١ - «مناسككم» من قوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ (سورة البقرة الآية ٢٠٠).
٢ - «ما سلككم» من قوله تعالى: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (سورة المدثر الآية ٤٢). وأظهر ما عداهما، نحو قوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ (سورة فاطر الآية ١٤).
أمّا إذا كان المثلان في كلمتين فإن «أبا عمرو» يعمّم الإدغام فيهما ويدغمهما بالخلاف ما لم يمنع مانع مما سيذكره المؤلف في البيت الآتي.
وقد وقع المثلان من كلمتين في سبعة عشر حرفا وهي: الباء، والتاء، والثاء، والحاء، والراء، والسين، والعين، والغين، والفاء، والقاف، والكاف، واللام، والميم، والنون، والهاء، والواو، والياء، وهذه أمثلة لهذه الحروف:
١ - فالباء، نحو قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ (سورة البقرة الآية ١٧٦).
٢ - والتاء، نحو قوله تعالى: فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ (سورة المائدة الآية ١٠٦).
٣ - والثاء، نحو قوله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ (سورة البقرة الآية ١٩١).
٤ - والحاء، نحو قوله تعالى: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ (سورة البقرة الآية ٢٣٥).
٥ - والراء، نحو قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (سورة البقرة الآية ١٨٥).
٦ - والسين، نحو قوله تعالى: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى (سورة الحج الآية ٢).
٧ - والعين، نحو قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ (سورة البقرة الآية ٢٥٥).
٨ - والغين، نحو قوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (سورة آل عمران الآية ٨٥).
стр. 126
٩ - والفاء، نحو قوله تعالى: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ (سورة البقرة الآية ٢١٣).
١٠ - والقاف، نحو قوله تعالى: فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ (سورة الأعراف الآية ١٤٣).
١١ - والكاف، نحو قوله تعالى: إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (سورة طه الآية ٣٥).
١٢ - واللام، نحو قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ (سورة البقرة الآية ١١).
١٣ - والميم، نحو قوله تعالى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (سورة الفاتحة الآيتان ٣ - ٤).
١٤ - والنون، نحو قوله تعالى: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ (سورة البقرة الآية ٣٠).
١٥ - والهاء، نحو قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (سورة البقرة الآية ٢).
١٦ - والواو، نحو قوله تعالى: وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (سورة الأنعام الآية ١٢٧).
١٧ - والياء، نحو قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (سورة إبراهيم الآية ٣١).
قال ابن الجزري:
ما لم ينوّن أو يكن تا مضمر ... ولا مشدّدا وفي الجزم انظر
فإن تماثلا ففيه خلف ... وإن تقاربا ففيه ضعف
المعنى: هذا شروع في بيان موانع الإدغام الكبير. وهي قسمان: متفق عليها، ومختلف فيها: فالمتفق عليها ثلاثة:
المانع الأول: أن يكون الأول منهما منونا، سواء كانا مثلين نحو قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة البقرة الآية ١٧٣).
стр. 127
أو متجانسين، نحو قوله تعالى: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى (سورة الحشر الآية ١٤).
أو متقاربين، نحو قوله تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ (سورة الزمر الآية ٦).
وإنما امتنع الإدغام في هذه الحالة لأن التنوين نون ساكنة فصلت بين الحرفين، فانتفى شرط التقاء الحرفين لفظا.
المانع الثاني: أن يكون الأوّل منهما تاء ضمير لمتكلم، أو مخاطب:
نحو قوله تعالى: وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (سورة النبأ الآية ٤٠).
ونحو قوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (سورة يونس الآية ٩٩).
وإنما امتنع الإدغام في هذه الحالة، لأن تاء المتكلم مضمومة، وتاء المخاطب مفتوحة إذا كان المخاطب مذكّرا، ومكسورة إذا كانت المخاطبة مؤنثة، فامتنع الإدغام لشدة الحرص على عدم اللبس، لأن الإدغام يجعل النطق بتاء المتكلم، والمخاطب واحدا.
المانع الثالث: أن يكون الأوّل منهما مشدّدا:
نحو قوله تعالى: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (سورة القمر الآية ٤٨).
ونحو قوله تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى (سورة الرعد الآية ١٩).
ونحو قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً (سورة البقرة الآية ٢٠٠).
وإنما امتنع الإدغام في هذه الحالة، لأن الحرف المشدد مركب من حرفين:
الأول ساكن، والثاني متحرك، فحينئذ لا يحتمل الحرف الثاني أن يدغم فيه حرفان في وقت واحد.
стр. 128
ففي هذه الأحوال الثلاثة التي يكون الحرف المدغم منونا، أو تاء ضمير، أو مشدّدا، يتعين الإظهار، ويمتنع الإدغام قولا واحدا.
والموانع المختلف فيها مثل: الجزم، وتوالي الإعلال، وقلة الحروف الخ كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
فإذا كان المانع الجزم ففيه تفصيل: وذلك لأنه إما أن يكون في المثلين، أو المتجانسين، أو المتقاربين:
فإن كان في المثلين نحو قوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (سورة آل عمران الآية ٨٥) أو في المتجانسين نحو قوله تعالى: وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى (سورة النساء الآية ١٠٢).
ففي هاتين الحالتين يكون في إدغامه خلاف لأصحاب الإدغام.
وجه الإدغام: النظر إلى الحالة الموجودة وهي التقاء الحرفين لفظا وخطّا.
ووجه الإظهار: النظر إلى الحالة الأصلية قبل دخول الجازم، حيث كان في آخر الكلمة الأولى حرف حذف للجازم.
وإن كان في المتقاربين، وهو في قوله تعالى: وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ.
(سورة البقرة الآية ٢٤٧).
ففي هذه الحالة يكون فيه وجهان أيضا، وهما:
الإظهار، وهو الأرجح والأقوى، نظرا لكثرة طرقه التي جاء منها.
والإدغام، وهو ضعيف نظرا لقلّة طرقه التي روته.
قال ابن الجزري:
والخلف في واو هو المضموم ها ... وآل لوط جئت شيئا كاف ها
كاللّاء لا يحزنك فامنع ... .....
المعنى: اختلف أصحاب الإدغام الكبير في إدغام «الواو» من «هو»
стр. 129
المضموم هاؤه، وقد وقع في ثلاثة عشر موضعا، نحو قوله تعالى: فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ (سورة البقرة الآية ٢٤٩).
وعلة إظهاره مصيره إلى حرف مدّ، وذلك أنه إذا أدغم سكن، وإذا سكن صار حرف مدّ، وحرف المدّ لا يدغم. وعلّة إدغامه، وجود سبب الإدغام، وانتفاء المانع.
واختلف عنهم أيضا في إدغام «اللام» من «ءال لوط» وهو في أربعة مواضع:
اثنان في الحجر وهما في قوله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (سورة الحجر الآية ٥٩). وقوله تعالى: فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (سورة الحجر الآية ٦١).
وموضع في النمل وهو قوله تعالى: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ (سورة النمل الآية ٥٦).
وموضع في القمر وهو قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (سورة القمر الآية ٣٤).
وجه الإظهار توالى الإعلال عليه، لأن أصله «أهل» فقلبت «الهاء، همزة» ثم أبدلت ألفا، ثم بعد ذلك تدغم فيكون في الكلمة ثلاث إعلالات، وذلك قليل في لغة العرب.
ووجه الإدغام، وجود السبب، وانتفاء المانع.
واختلف عنهم أيضا في إدغام «التاء» من قوله تعالى: قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (سورة مريم الآية ٢٧).
وجه إظهاره كونه تاء مضمر.
ووجه إدغامه دون إدغام لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (سورة الكهف آية ٧١).
أن موضع مريم مكسور التاء، وموضع الكهف مفتوح التاء، والكسر ثقيل فأدغم تخفيفا، يضاف إلى ذلك صحة الرواية.
стр. 130
فإن قيل: لم لم يدغم قوله تعالى: وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (سورة النبأ الآية ٤٠) وهو مضموم، والضم أثقل من الكسر؟
أقول: الأصل في القراءة صحة النقل، يضاف إلى ذلك إخفاء النون التي قبل التاء، والإخفاء من موانع الإدغام.
واختلف عنهم أيضا في إدغام وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ (سورة الطلاق الآية ٤) على وجه إبدال الهمزة ياء ساكنة.
وجه الإظهار: أن أصل هذه الكلمة: «اللائي» بهمزة مكسورة، بعدها ياء ساكنة، فحذفت الياء لتطرفها، وانكسار ما قبلها، ثم خففت الهمزة لثقلها فأبدلت ياء ساكنة على غير قياس، فحصل في هذه الكلمة إعلالان، فلم تكن لتعلّ ثالثا بالإدغام.
وقيل: أظهرت لأن أصل الياء الهمزة، فإبدالها وتسكينها عارض، ولم يعتدّ بالعارض فيها، فلذلك لم تدغم. وإلى هذا أشار الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى بقوله:
وقبل يئسن الياء في اللّاء عارض ... سكونا أو اصلا فهو يظهر مسهلا
ووجه الإدغام: أن الياء مبدلة من الهمزة، فالتقى مثلان فأدغما.
ومعنى قول الناظم: لا يحزنك فامنع:
أي امنع الإدغام قولا واحدا في قوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ (سورة لقمان الآية ٢٣). من أجل إخفاء النون.
تنبيه: لم يرد الإدغام في قوله تعالى: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ (سورة يس الآية ٧٦) لأن الكاف وقعت بعد سكون النون، وشرط إدغامها في القاف أن تقع بعد متحرك، وقد أشار إلى ذلك «ابن الجزري» بقوله:
والكاف في القاف وهي فيها وان ... بكلمة فميم جمع واشرطن
فيهنّ عن محرّك ............. ... ................ ......
стр. 131
قال ابن الجزري:
............... وكلم ... رض سنشدّ حجّتك بذل قثم
تدغم في جنس وقرب فصّلا ... فالرّاء في اللام وهي في الراء لا
إن فتحا عن ساكن لا قال ثم ... لا عن سكون فيهما النّون ادّغم
ونحن أدغم ضاد بعض شأن نص ... سين النفوس الرأس بالخلف يخص
مع شين عرش ..... ... .....
المعنى: هذا شرع في بيان ما يدغم من المتجانسين، والمتقاربين، وهو ستة عشر حرفا، أشار إليها الناظم في قوله:
«رض سنشدّ حجّتك بذل قثم».
وهي: الراء، والضاد، والسين، والنون، والشين، والدال، والحاء، والجيم، والتاء، والكاف، والباء، والذال، واللام، والقاف، والثاء، والميم.
ثم شرع المؤلف في بيان الحروف التي يدغم فيها كل حرف من هذه الحروف الستة عشر، مع توضيح شروط ذلك الإدغام: فبين أن «الراء» تدغم في «اللام» نحو قوله تعالى: قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ (سورة هود الآية ٧٨).
وقوله تعالى: غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ* لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (سورة البقرة الآيتان ٢٨٥ - ٢٨٦).
وقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (سورة آل عمران الآية ١٩٠).
وشرط إدغام «الراء» في «اللام» ألّا تقع الراء مفتوحة بعد ساكن، فإن وقعت مفتوحة وسكن ما قبلها لم تدغم بل يتعين إظهارها، نحو قوله تعالى:
وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً (سورة النحل الآية ٨).
و «اللام» تدغم في «الراء» إذا تحرك ما قبل اللام، نحو قوله تعالى:
قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ (سورة هود الآية ٨١).
стр. 132
فإن سكن ما قبل اللام أدغمت مضمومة، ومكسورة، نحو قوله تعالى:
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا (سورة البقرة الآية ٢٠٠).
وقوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ (سورة النحل الآية ١٢٥).
وأظهرت مفتوحة، نحو قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ (سورة المنافقون الآية ١٠) وذلك لخفة الفتحة.
إلّا لام «قال» فإنها تدغم مع أنها مفتوحة بعد ساكن، وذلك لكثرة وقوعها في «القرآن الكريم» مثال ذلك قوله تعالى: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا (سورة المائدة الآية ٢٣).
وقوله تعالى: قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ (سورة القصص الآية ١٧).
«والنون» تدغم في كل من «الراء، واللام» بشرط أن يتحرك ما قبلها، نحو قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (سورة إبراهيم الآية ٧).
وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً (سورة البقرة الآية ٥٥).
فإن سكن ما قبل النون أظهرت، نحو قوله تعالى: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ (سورة النحل الآية ٥٠).
وقوله تعالى: أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (سورة الأحزاب الآية ٣٦).
إلا «النون» من «نحن» فإنها تدغم في «اللام» بعدها مع أن قبلها ساكنا، وذلك لثقل حركتها وهي الضم، مع لزومها، ولكثرة تكرارها، وورودها في «القرآن الكريم» مثال ذلك قوله تعالى: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (سورة البقرة الآية ١٣٣).
وقوله تعالى: وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (سورة البقرة الآية ١٣٨).
стр. 133
وقوله تعالى: وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (سورة يونس الآية ٧٨).
وقوله تعالى: وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (سورة هود الآية ٥٣).
و «الضاد» تدغم في «الشين» من قوله تعالى: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ (سورة النور الآية ٦٢).
وقوله: «نص» أي نصّ على إدغامه «الإمام أبو عمرو الداني». وقد قرأت على شيخي رحمه الله تعالى بالإظهار، والإدغام.
و «السين» تدغم في «الزاي» في قوله تعالى: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (سورة التكوير الآية ٧).
وفي «الشين» في قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (سورة مريم الآية ٤).
وقوله: «بالخلف يخص» أي أن السين تدغم في هذين اللفظين بالخلاف، واختص الإدغام بهذين اللفظين فقط، فلا يشمل غيرهما نحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً (سورة يونس الآية ٤٤).
فحكمه الإظهار قولا واحدا، وقد قرأت بذلك والحمد لله رب العالمين.
قال ابن الجزري:
... الدّال في عشر سنا ... ذا ضق ترى شد ثق ظبا زد صف جنا
إلّا بفتح عن سكون غيرتا ... .....
المعنى: أشار الناظم رحمه الله تعالى بهذا إلى أن «الدال» المهملة تدغم في عشرة أحرف، وهي الأوائل من العشر كلمات التي ذكرها وهي: السين، والذال، والضاد، والتاء، والشين، والثاء، والظاء، والزاي، والصاد، والجيم، وهذه أمثلة لهذه الحروف العشرة:
١ - فمثال «الدال» في «السين» قوله تعالى: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ* سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ (سورة إبراهيم الآيتان ٤٩ - ٥٠).
стр. 134
٢ - ومثال «الدال» في «الذال» قوله تعالى: وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ (سورة المائدة الآية ٩٧).
٣ - ومثال «الدال» في «الضاد» قوله تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا (سورة يونس الآية ٢١).
٤ - ومثال «الدال» في «التاء» قوله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ (سورة البقرة الآية ١٨٧).
٥ - ومثال «الدال» في «الشين» قوله تعالى: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها (سورة يوسف الآية ٢٦).
٦ - ومثال «الدال» في «الثاء» قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا (سورة النساء الآية ١٣٤).
٧ - ومثال «الدال» في «الظاء» قوله تعالى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (سورة آل عمران الآية ١٠٨).
٨ - ومثال «الدال» في «الزاي» قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ (سورة النور الآية ٣٥).
٩ - ومثال «الدال» في «الصاد» قوله تعالى: نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ (سورة يوسف الآية ٧٢).
١٠ - ومثال «الدال» في «الجيم» قوله تعالى: وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ (سورة البقرة الآية ٢٥١).
وقول الناظم: «إلّا بفتح عن سكون غيرتا» معناه أن الدال تدغم في هذه الحروف العشرة بشرط ألّا تقع «الدال» مفتوحة بعد ساكن، فإن فتحت بعد ساكن، فإنها لا تدغم إلّا في «التاء» فقط، وذلك لقوة المجانسة، إذ يخرجان معا من: طرف اللسان، وأصول الثنايا العليا، كما أنهما مشتركان في الصفات الآتية: «الشدة، والاستفال، والانفتاح، والإصمات».
стр. 135
مثال الدال المفتوحة بعد ساكن قوله تعالى: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا (سورة النحل الآية ٩١).
قال ابن الجزري:
..... ... والتّاء في العشر وفي الطّا ثبتا
والخلف في الزّكاة والتّوراة حل ... ولتأت آت ...
المعنى: هذا شروع في بيان الحروف التي تدغم فيها «التاء» فبيّن أنّ «التاء» تدغم في العشرة الأحرف التي تدغم فيها «الدال» وفي «الطاء» أيضا، فيصبح للتّاء أحد عشر حرفا، إلا أن إدغام «التاء» في «التاء» من باب المثلين، وليس من باب المتجانسين، أو المتقاربين، فإذا أسقطنا من جملة العدد «التاء» أصبحت الحروف التي تدغم «التاء» فيها عشرة أحرف، وهي: السين، والذال، والضاد، والشين، والثاء، والظاء، والزاي، والصاد، والجيم، والطاء.
وهذه أمثلة لهذه الحروف العشرة:
١ - فمثال «التاء» في «السين» قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ (سورة النساء الآية ٥٧).
وأمّا قوله تعالى: وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ (سورة البقرة الآية ٢٤٧) فلم يرد فيه الإدغام لأجل الجزم، وقد قرأته بالإظهار وعدم الإدغام.
٢ - ومثال «التاء» في «الذال» قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (سورة هود الآية ١١٤).
واختلف المدغمون في إدغام «التاء» في «الذال» من قوله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ (سورة الإسراء الآية ٢٦).
ومن قوله تعالى: فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ (سورة الروم الآية ٣٨) وقد أشار الناظم إلى هذا الخلاف بقوله:
والخلف في الزكاة والتوراة حل ... ولتأت آت ...........
стр. 136
فإن قيل: ما وجه الخلاف في هذين الموضعين بالذات؟
أقول: لعلّ وجه الإظهار أن هذين الموضعين من المجزوم.
ووجه الإدغام من أجل التقارب الذي بين الحرفين وقوة الكسرة وقد أشار الناظم إلى هذا بقوله:
................ ... وفي الجزم انظر .......
فإن تماثلا ففيه خلف ... وإن تقاربا ففيه ضعف
٣ - ومثال «التاء» في «الضاد» قوله تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (سورة العاديات الآية ١).
٤ - ومثال «التاء» في «الشين» قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ (سورة النور الآية ٤).
وقد تقدم التنبيه على الخلاف الذي في قوله تعالى: قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (سورة مريم الآية ٢٧).
٥ - ومثال «التاء» في «الثاء» قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا (سورة الأعراف الآية ١٥٣).
واختلف المدغمون في إدغام «التاء» في «الثاء» من قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ (سورة البقرة الآية ٨٣).
ومن قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها (سورة الجمعة الآية ٥).
وقد أشار الناظم إلى هذا الخلاف بقوله: «والخلف في الزكاة والتوراة حل».
٦ - ومثال «التاء» في «الظاء» قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ (سورة النساء الآية ٩٧).
٧ - ومثال «التاء» في «الزاي» قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً (سورة الزمر الآية ٧٣).
стр. 137
٨ - ومثال «التاء» في «الصاد» قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ (سورة النبأ الآية ٣٨).
٩ - ومثال «التاء» في «الجيم» قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا (سورة المائدة الآية ٩٣).
١٠ - ومثال «التاء» في «الطاء» قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ (سورة هود الآية ١١٤).
واختلف المدغمون في إدغام «التاء» في «الطاء» من قوله تعالى: وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ (سورة النساء الآية ١٠٢).
وقد أشار الناظم إلى هذا الخلاف بقوله:
والخلف في الزكاة والتوراة حل ... ولتأت آت
فإن قيل: ما وجه الخلاف في هذا الموضع بالذات؟
أقول: لعلّ وجه الإظهار في هذا الموضع أنه من المجزوم. ووجه الإدغام التجانس الذي بين الحرفين، وقوة الكسرة.
قال ابن الجزري:
................ ... ... ........ ولثا الخمس الأول
المعنى: هذا شروع في بيان الحروف التي تدغم «الثّاء» فيها، وهي الحروف الخمسة التي ذكرت أوّلا من الحروف التي تدغم «الدال» فيها، وهي:
«السين، والذال، والضاد، والتاء، والشين» وهذه أمثلة لهذه الحروف الخمسة:
١ - فمثال «الثاء» في «السين» قوله تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ (سورة النمل الآية ١٦).
٢ - ومثال «الثاء» في «الذال» قوله تعالى: وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا (سورة آل عمران الآية ١٤).
٣ - ومثال «الثاء» في «الضاد» قوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (سورة الذاريات الآية ٢٤).
стр. 138
٤ - ومثال «الثاء» في «التاء» قوله تعالى: وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (سورة الحجر الآية ٦٥).
٥ - ومثال «الثاء» في «الشين» قوله تعالى: وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ (سورة البقرة الآية ٣٥).
قال ابن الجزري:
والكاف في القاف وهي فيها وإن ... بكلمة فميم جمع واشرطن
فيهنّ عن محرّك والخلف في ... طلّقكنّ ....
المعنى: يفهم من هذا أنّ «الكاف» تدغم في «القاف» إذا تحرك ما قبل «الكاف» نحو قوله تعالى: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (سورة البقرة الآية ٣٠).
فإن سكن ما قبل «الكاف» لم تدغم نحو قوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً (سورة الجمعة الآية ١١).
ويفهم أيضا أنّ «القاف» تدغم في «الكاف» إذا تحرك ما قبل «القاف» نحو قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ (سورة المائدة الآية ٦٤).
وكذلك تدغم «القاف» في «الكاف» إذا كانت معها في كلمة واحدة، وكان بعد «الكاف» ميم جمع، نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (سورة البقرة الآية ٢١).
واختلف المدغمون في إدغام «القاف» في «الكاف» من قوله تعالى:
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ (سورة التحريم الآية ٥).
فإن قيل: ما وجه الخلاف في هذا اللفظ؟
أقول: وجه الإظهار في هذا اللفظ فقد الشرط وهو: عدم وقوع «ميم جمع» بعد الكاف.
ووجه الإدغام ثقل الكلمة بالتأنيث والجمع، وكأنّ نون النسوة الدالة على الجمع قامت مقام «واو الجمع» في الثقل فخفف اللفظ بالإدغام، والوجهان
стр. 139
صحيحان، وقرأت بهما والحمد لله ربّ العالمين. وقد أشار إلى هذا الخلاف «الإمام الشاطبي» بقوله:
وإدغام ذي التحريم طلقكنّ قلّ ... أحقّ وبالتأنيث والجمع أثقلا
فإن فقد شرط من الشرطين المتقدمين: بأن سكن ما قبل «القاف» أو لم يقع بعد «الكاف» «ميم جمع» وجب الإظهار، مثال ذلك قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا
فَوْقَكُمُ الطُّورَ
(سورة البقرة الآية ٦٣). وقوله تعالى:
نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (سورة طه الآية ١٣٢).
وقد أشار إلى ذلك «الإمام الشاطبي» بقوله:
................ ..... ... وميثاقكم أظهر ونرزقك انجلا
قال ابن الجزري:
................ ..... ... ................ ولحا زحزح في
والذّال في سين وصاد الجيم صح ... من ذي المعارج وشطأه رجح
والباء في ميم يعذّب من فقط ... ................ ........
المعنى: يفهم من هذا أنّ «الحاء» تدغم في «العين» من قوله تعالى:
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ (سورة آل عمران الآية ١٨٥).
والإدغام خاص بهذا اللفظ فقط دون غيره على خلاف بين المدغمين، وقيّد الناظم الإدغام بهذا اللفظ ليخرج ما عداه فحكمه الإظهار قولا واحدا، مثال ذلك قوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ (سورة النساء الآية ٢٤).
وقوله تعالى: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ (سورة المائدة الآية ٣).
وقول الناظم «في» هو فعل أمر من: «وفي يفي» إذا تمّ وكثر. ويجوز أن يكون فعل أمر من «الوفاء» الذي هو ضدّ الغدر، وحينئذ يكون المعنى: أتمّ إدغامه، وأعطه حقه إذا لفظت به ولا تكن غادرا، ولا مخالفا، لما ورد عن علماء القراءات الثقات.
стр. 140
ويفهم أيضا من كلام الناظم أن «الذال» تدغم في حرفين هما: «السين، والصاد» وذلك في قوله تعالى: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (سورة الكهف الآية ٦١). وقوله تعالى: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (سورة الكهف الآية ٦٣). وقوله تعالى: مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٦) (سورة الجنّ الآية ٣).
ويفهم من كلام الناظم أيضا أنّ «الجيم» تدغم في حرفين هما:
١ - «التاء» من قوله تعالى: مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ* تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ (سورة المعارج الآيتان ٢ - ٣).
٢ - «الشين» من قوله تعالى: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ (سورة الفتح الآية ٢٩). على الراجح من الوجهين، والوجهان صحيحان، وبهما قرأت.
ويفهم من كلام الناظم أيضا أنّ «الباء» تدغم في «ميم» «يعذب من يشاء» فقط، وذلك في خمسة مواضع وهي:
١ - قوله تعالى: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة آل عمران الآية ١٢٩).
٢ - قوله تعالى: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (سورة المائدة الآية ١٨).
٣ - قوله تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (سورة المائدة الآية ٤٠).
٤ - قوله تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (سورة العنكبوت الآية ٢١).
٥ - قوله تعالى: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (سورة الفتح الآية ١٤).
تنبيه: ليس من هذه المواضع قوله تعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ (سورة البقرة الآية ٢٨٤) حيث إن «أبا عمرو» يقرأه بجزم الباء، وإدغامه
стр. 141
حينئذ يكون من باب الإدغام الصغير، وليس من الإدغام الكبير.
ومعنى قول الناظم: «والباء في ميم يعذّب من فقط» أنّ ما عداه لا خلاف في إظهاره، نحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها (سورة البقرة الآية ٢٦). وقوله تعالى: سَنَكْتُبُ ما قالُوا (سورة آل عمران الآية ١٨١).
قال ابن الجزري:
................ ..... ... والحرف بالصّفة إن يدغم سقط
المعنى: يفهم من هذا أن الحرف إذا أدغم في هذا الباب فإنه يدغم إدغاما كاملا بحيث تذهب ذات الحرف وصفته، لأن الإدغام هو: النطق بالحرفين حرفا كالثاني مشدّدا.
قال ابن الجزري:
والميم عند الباء عن محرّك ... تخفى ...............
المعنى: أنّ «الميم» المتحركة إذا وقعت بعد حرف متحرك، ووقع بعد «الميم» «الباء» فإن «الميم» في هذه الحالة تخفى، أي تستتر مع الغنة:
فالإخفاء لغة: الستر، واصطلاحا: هو النطق بحرف بصفة بين الإظهار، والإدغام، عار عن التشديد مع بقاء الغنة في الحرف المخفي.
فإن قيل: لماذا عدل عن إدغام «الميم في الباء» إلى «الإخفاء»؟ أقول: من أجل المحافظة على غنة «الميم» إذ الإدغام يذهب الغنة.
فإن كان الحرف الذي قبل «الميم» ساكنا فإنه لا خلاف في إظهار «الميم» حينئذ، مثال ذلك قوله تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ (سورة البقرة الآية ١٣٢).
قال ابن الجزري:
................ .......... ... ....... وأشممن ورم أو اترك
في غير با والميم معهما وعن ... بعض بغير الفا ........
стр. 142
المعنى: تجوز الإشارة بالروم، والإشمام إلى حركة الحرف المدغم. والمراد بالروم هنا: الإخفاء، والاختلاس، وهو: الإتيان بمعظم الحركة.
والمراد بالإشمام هنا: ضمّ الشفتين مع مقارنة النطق بالإدغام.
والروم خاص بالمضموم، والمرفوع والمجرور، والمكسور.
والإشمام خاص بالمضموم، والمرفوع فقط.
والآخذون بالروم، والإشمام في هذا الباب أجمعوا على منع الروم، والإشمام في الحرف المدغم إذا كان «باء» والمدغم فيه «باء أو ميما» نحو قوله تعالى: نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ (سورة يوسف الآية ٥٦).
وقوله تعالى: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ (سورة آل عمران الآية ١٢٩).
أو كان الحرف المدغم «ميما» والمدغم فيه «باء أو ميما» نحو قوله تعالى:
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (سورة يوسف الآية ٧٧).
وقوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ (سورة الحج الآية ٧٠).
واستثنى بعض الآخذين بالروم، والإشمام في هذا الباب، الروم، والإشمام في «الفاء» المدغمة في مثلها، نحو قوله تعالى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (سورة المطففين الآية ٢٤).
وجه منع الروم، والإشمام في: «الباء، والميم، والفاء» تعذّر الروم، والإشمام، لأن هذه الحروف تخرج من «الشفتين».
قال ابن الجزري:
................ .. ... .......... ومعتلّ سكن
قبل امددن واقصره ... ... ................ ...
المعنى: إذا كان الحرف المدغم حرف علة، سواء كان حرف مدّ ولين، أو حرف لين فقط، يجوز فيه الأوجه التي تجوز في عارض السكون عند الوقف من
стр. 143
القصر، والتوسط، والمدّ، والسكون المحض، والروم، والإشمام، كما هو مبين في علم التجويد، مثال ذلك في حرف المدّ واللين، قوله تعالى: الرَّحِيمِ* مالِكِ (سورة الفاتحة الآيتان ٣ - ٤). وقوله تعالى: قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً (سورة طه الآية ٦١). وقوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً (سورة البقرة الآية ٢٠١).
ومثال ذلك في حرف اللين قوله تعالى: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ (سورة الأعراف الآية ١٤٨).
وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (سورة الفجر الآية ٦).
قال ابن الجزري:
..... والصّحيح قل ... إدغامه للعسر والإخفا أجل
المعنى: إذا وقع قبل الحرف المدغم حرف صحيح ساكن جاز فيه وجهان:
الإدغام المحض، والإخفاء، وقد يعبر عنه بالاختلاس. مثال ذلك قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (سورة البقرة الآية ١٨٥). وقوله تعالى: قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (سورة مريم الآية ٢٩).
قال ابن الجزري:
وافق في إدغام صفّا زجرا ... ذكرا وذروا فد وذكرا الاخرى
صبحا قرا خلف ... ... .....
المعنى: أشار المؤلف رحمه الله تعالى في هذا البيت، والأبيات الآتية إلى من وافق «أبا عمرو» على إدغام بعض ما تقدم، ثم استطرد فيه أحرفا أخرى ملحقة بالإدغام الكبير: فوافق «حمزة» «أبا عمرو» على إدغام أربعة أحرف بلا خلاف عن حمزة، وهي:
١ - «التاء» في «الصاد» من قوله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا. (سورة الصافات، الآية ١)
стр. 144
٢ - «التاء» في «الزاي» من قوله تعالى: فَالزَّاجِراتِ زَجْراً. (سورة الصافات، الآية ٢).
٣ - «التاء» في «الذال» من قوله تعالى: فَالتَّالِياتِ ذِكْراً. (سورة الصافات، الآية ٣).
٤ - «التاء» في «الذال» من قوله تعالى: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً. (سورة الذاريات، الآية ١).
ووافق «خلاد» «أبا عمرو» على إدغام حرفين بخلاف عنه، وهما:
١ - «التاء» في «الذال» من قوله تعالى: فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (سورة المرسلات الآية ٥).
٢ - «التاء» في «الصاد» من قوله تعالى: فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (سورة العاديات الآية ٣).
تنبيه: اعلم أن إدغام «حمزة» يكون مع المدّ المشبع، لأنه من باب المدّ اللازم، بخلاف إدغام «أبي عمرو» فهو من باب المد العارض. كما أن إدغام «حمزة» لا يكون معه «روم» بخلاف إدغام «أبي عمرو». ويفهم هذا من قول «ابن الجزري»: «وافق في إدغام صفا زجرا» الخ أي أن الموافقة في الإدغام فقط دون غيره.
قال ابن الجزري:
... وبا والصّاحب ... بك تمارى ظنّ ...
المعنى: وافق المرموز له بالظاء من «ظن» وهو «يعقوب» «أبا عمرو» على إدغام «الباء» في «الباء» من قوله تعالى: وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ (سورة النساء الآية ٣٦).
وانفرد «يعقوب» عن «أبي عمرو» بإدغام «التاء في التاء» من قوله تعالى:
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (سورة النجم الآية ٥٥). وهي قراءة صحيحة ومتواترة.
وذلك لأنّ «أبا عمرو» لا يدغم من المثلين في كلمة إلّا «مناسككم، وما سلككم».
واعلم أن إدغام «يعقوب» لا يتأتى إلا في حالة وصل «تتمارى» بالكلمة التي قبلها. أمّا في حالة الابتداء ب «تتمارى» فإنه يظهر التاءين كباقي القراء.
стр. 145
قال ابن الجزري:
................ ... ........ أنساب غبي
ثمّ تفكّروا نسبّحك كلا ... بعد ............
المعنى: وافق المرموز له بالغين من «غبي» وهو: «رويس» «أبا عمرو» على إدغام أربع كلمات وهي: قوله تعالى: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ (سورة المؤمنون الآية ١٠١). وقوله تعالى: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً* وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً* إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (سورة طه الآيات ٣٣ - ٣٥). وأدغم «رويس» وحده «التاء» في «التاء» من قوله تعالى: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ (سورة سبأ الآية ٤٦).
واعلم أن «إدغام» «رويس» لا يتأتى إلا في حالة وصل «تتفكروا» بالكلمة التي قبلها. أما في حالة الابتداء ب «تتفكروا» فإنه يظهر التاءين كباقي القراء وأن «أبا عمرو» لا يدغمها، لأنه لا يدغم من المثلين في كلمة إلّا «مناسككم، وما سلككم».
قال ابن الجزري:
..... ... ... ورجّح لذهب وقبلا
جعل نحل أنّه النّجم معا ... .....
المعنى: أن المرموز له بالغين من «غبي» وهو: «رويس» وافق «أبا عمرو» في إدغام عدد من الكلمات سيأتي تفصيلها بإذن الله تعالى. وهذا الإدغام على ثلاثة أقسام:
الأول: ما يترجح إدغامه على إظهاره.
والثاني: ما ورد فيه الخلاف من غير ترجيح.
والثالث: ما يترجح إظهاره على إدغامه.
وبدأ الناظم رحمه الله تعالى بالحديث عن القسم الأول فأفاد أن «رويسا»