حينئذ يكون من باب الإدغام الصغير، وليس من الإدغام الكبير.
ومعنى قول الناظم: «والباء في ميم يعذّب من فقط» أنّ ما عداه لا خلاف في إظهاره، نحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها (سورة البقرة الآية ٢٦). وقوله تعالى: سَنَكْتُبُ ما قالُوا (سورة آل عمران الآية ١٨١).
قال ابن الجزري:
................ ..... ... والحرف بالصّفة إن يدغم سقط
المعنى: يفهم من هذا أن الحرف إذا أدغم في هذا الباب فإنه يدغم إدغاما كاملا بحيث تذهب ذات الحرف وصفته، لأن الإدغام هو: النطق بالحرفين حرفا كالثاني مشدّدا.
قال ابن الجزري:
والميم عند الباء عن محرّك ... تخفى ...............
المعنى: أنّ «الميم» المتحركة إذا وقعت بعد حرف متحرك، ووقع بعد «الميم» «الباء» فإن «الميم» في هذه الحالة تخفى، أي تستتر مع الغنة:
فالإخفاء لغة: الستر، واصطلاحا: هو النطق بحرف بصفة بين الإظهار، والإدغام، عار عن التشديد مع بقاء الغنة في الحرف المخفي.
فإن قيل: لماذا عدل عن إدغام «الميم في الباء» إلى «الإخفاء»؟ أقول: من أجل المحافظة على غنة «الميم» إذ الإدغام يذهب الغنة.
فإن كان الحرف الذي قبل «الميم» ساكنا فإنه لا خلاف في إظهار «الميم» حينئذ، مثال ذلك قوله تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ (سورة البقرة الآية ١٣٢).
قال ابن الجزري:
................ .......... ... ....... وأشممن ورم أو اترك
في غير با والميم معهما وعن ... بعض بغير الفا ........
стр. 142
المعنى: تجوز الإشارة بالروم، والإشمام إلى حركة الحرف المدغم. والمراد بالروم هنا: الإخفاء، والاختلاس، وهو: الإتيان بمعظم الحركة.
والمراد بالإشمام هنا: ضمّ الشفتين مع مقارنة النطق بالإدغام.
والروم خاص بالمضموم، والمرفوع والمجرور، والمكسور.
والإشمام خاص بالمضموم، والمرفوع فقط.
والآخذون بالروم، والإشمام في هذا الباب أجمعوا على منع الروم، والإشمام في الحرف المدغم إذا كان «باء» والمدغم فيه «باء أو ميما» نحو قوله تعالى: نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ (سورة يوسف الآية ٥٦).
وقوله تعالى: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ (سورة آل عمران الآية ١٢٩).
أو كان الحرف المدغم «ميما» والمدغم فيه «باء أو ميما» نحو قوله تعالى:
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (سورة يوسف الآية ٧٧).
وقوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ (سورة الحج الآية ٧٠).
واستثنى بعض الآخذين بالروم، والإشمام في هذا الباب، الروم، والإشمام في «الفاء» المدغمة في مثلها، نحو قوله تعالى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (سورة المطففين الآية ٢٤).
وجه منع الروم، والإشمام في: «الباء، والميم، والفاء» تعذّر الروم، والإشمام، لأن هذه الحروف تخرج من «الشفتين».
قال ابن الجزري:
................ .. ... .......... ومعتلّ سكن
قبل امددن واقصره ... ... ................ ...
المعنى: إذا كان الحرف المدغم حرف علة، سواء كان حرف مدّ ولين، أو حرف لين فقط، يجوز فيه الأوجه التي تجوز في عارض السكون عند الوقف من
стр. 143
القصر، والتوسط، والمدّ، والسكون المحض، والروم، والإشمام، كما هو مبين في علم التجويد، مثال ذلك في حرف المدّ واللين، قوله تعالى: الرَّحِيمِ* مالِكِ (سورة الفاتحة الآيتان ٣ - ٤). وقوله تعالى: قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً (سورة طه الآية ٦١). وقوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً (سورة البقرة الآية ٢٠١).
ومثال ذلك في حرف اللين قوله تعالى: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ (سورة الأعراف الآية ١٤٨).
وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (سورة الفجر الآية ٦).
قال ابن الجزري:
..... والصّحيح قل ... إدغامه للعسر والإخفا أجل
المعنى: إذا وقع قبل الحرف المدغم حرف صحيح ساكن جاز فيه وجهان:
الإدغام المحض، والإخفاء، وقد يعبر عنه بالاختلاس. مثال ذلك قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (سورة البقرة الآية ١٨٥). وقوله تعالى: قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (سورة مريم الآية ٢٩).
قال ابن الجزري:
وافق في إدغام صفّا زجرا ... ذكرا وذروا فد وذكرا الاخرى
صبحا قرا خلف ... ... .....
المعنى: أشار المؤلف رحمه الله تعالى في هذا البيت، والأبيات الآتية إلى من وافق «أبا عمرو» على إدغام بعض ما تقدم، ثم استطرد فيه أحرفا أخرى ملحقة بالإدغام الكبير: فوافق «حمزة» «أبا عمرو» على إدغام أربعة أحرف بلا خلاف عن حمزة، وهي:
١ - «التاء» في «الصاد» من قوله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا. (سورة الصافات، الآية ١)
стр. 144
٢ - «التاء» في «الزاي» من قوله تعالى: فَالزَّاجِراتِ زَجْراً. (سورة الصافات، الآية ٢).
٣ - «التاء» في «الذال» من قوله تعالى: فَالتَّالِياتِ ذِكْراً. (سورة الصافات، الآية ٣).
٤ - «التاء» في «الذال» من قوله تعالى: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً. (سورة الذاريات، الآية ١).
ووافق «خلاد» «أبا عمرو» على إدغام حرفين بخلاف عنه، وهما:
١ - «التاء» في «الذال» من قوله تعالى: فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (سورة المرسلات الآية ٥).
٢ - «التاء» في «الصاد» من قوله تعالى: فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (سورة العاديات الآية ٣).
تنبيه: اعلم أن إدغام «حمزة» يكون مع المدّ المشبع، لأنه من باب المدّ اللازم، بخلاف إدغام «أبي عمرو» فهو من باب المد العارض. كما أن إدغام «حمزة» لا يكون معه «روم» بخلاف إدغام «أبي عمرو». ويفهم هذا من قول «ابن الجزري»: «وافق في إدغام صفا زجرا» الخ أي أن الموافقة في الإدغام فقط دون غيره.
قال ابن الجزري:
... وبا والصّاحب ... بك تمارى ظنّ ...
المعنى: وافق المرموز له بالظاء من «ظن» وهو «يعقوب» «أبا عمرو» على إدغام «الباء» في «الباء» من قوله تعالى: وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ (سورة النساء الآية ٣٦).
وانفرد «يعقوب» عن «أبي عمرو» بإدغام «التاء في التاء» من قوله تعالى:
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (سورة النجم الآية ٥٥). وهي قراءة صحيحة ومتواترة.
وذلك لأنّ «أبا عمرو» لا يدغم من المثلين في كلمة إلّا «مناسككم، وما سلككم».
واعلم أن إدغام «يعقوب» لا يتأتى إلا في حالة وصل «تتمارى» بالكلمة التي قبلها. أمّا في حالة الابتداء ب «تتمارى» فإنه يظهر التاءين كباقي القراء.
стр. 145
قال ابن الجزري:
................ ... ........ أنساب غبي
ثمّ تفكّروا نسبّحك كلا ... بعد ............
المعنى: وافق المرموز له بالغين من «غبي» وهو: «رويس» «أبا عمرو» على إدغام أربع كلمات وهي: قوله تعالى: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ (سورة المؤمنون الآية ١٠١). وقوله تعالى: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً* وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً* إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (سورة طه الآيات ٣٣ - ٣٥). وأدغم «رويس» وحده «التاء» في «التاء» من قوله تعالى: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ (سورة سبأ الآية ٤٦).
واعلم أن «إدغام» «رويس» لا يتأتى إلا في حالة وصل «تتفكروا» بالكلمة التي قبلها. أما في حالة الابتداء ب «تتفكروا» فإنه يظهر التاءين كباقي القراء وأن «أبا عمرو» لا يدغمها، لأنه لا يدغم من المثلين في كلمة إلّا «مناسككم، وما سلككم».
قال ابن الجزري:
..... ... ... ورجّح لذهب وقبلا
جعل نحل أنّه النّجم معا ... .....
المعنى: أن المرموز له بالغين من «غبي» وهو: «رويس» وافق «أبا عمرو» في إدغام عدد من الكلمات سيأتي تفصيلها بإذن الله تعالى. وهذا الإدغام على ثلاثة أقسام:
الأول: ما يترجح إدغامه على إظهاره.
والثاني: ما ورد فيه الخلاف من غير ترجيح.
والثالث: ما يترجح إظهاره على إدغامه.
وبدأ الناظم رحمه الله تعالى بالحديث عن القسم الأول فأفاد أن «رويسا»
стр. 146
أدغم أربع كلمات في اثني عشر موضعا وهي:
١ - قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ (سورة البقرة الآية ٢٠).
٢ - قوله تعالى: فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها (سورة النمل الآية ٣٧).
و «جعل لكم» جميع ما في النحل وهو ثمانية أحرف وهي:
١ - وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً (سورة النحل الآية ٧٢).
٢ - وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً (سورة النحل الآية ٧٢).
٣ - وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ (سورة النحل الآية ٧٨).
٤ - وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً (سورة النحل الآية ٨٠).
٥ - وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً (سورة النحل الآية ٨٠).
٦ - وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا (سورة النحل الآية ٨١).
٧ - وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً (سورة النحل الآية ٨١).
٨ - وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ (سورة النحل الآية ٨١).
«وأنه هو» الموضعان الأخيران في النجم وهما:
١ - وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (سورة النجم الآية ٤٨).
٢ - وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (سورة النجم الآية ٤٩).
قال ابن الجزري:
..... ... وخلف الأوّلين مع لتصنعا
مبدّل الكهف وبا الكتابا ... بأيد بالحقّ وإن عذابا
والكاف في كانوا وكلّا أنزلا ... لكم تمثّل وجهنّم جعلا
شورى .... ... .....
المعنى: هذا شروع في بيان القسم الثاني: وهو ما ورد فيه الإدغام عن «رويس» من غير ترجيح، وهو أربعة عشر حرفا وهي:
١ - وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (الأول من النجم الآية ٤٣).
٤ - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً (سورة طه الآية ٥٣).
٥ - وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً (سورة الفرقان الآية ٤٧).
٦ - وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ (سورة القصص الآية ٧٣).
٧ - وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ (سورة السجدة الآية ٩).
٨ - الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً (سورة يس الآية ٨٠).
٩ - اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ (سورة غافر الآية ٦١).
١٠ - اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً (سورة غافر الآية ٦٤).
١١ - اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (سورة غافر الآية ٧٩).
١٢ - ١٣ - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا (سورة الزخرف الآية ١٠).
١٤ - وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (سورة الزخرف الآية ١٢).
١٥ - هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا (سورة الملك الآية ١٥).
١٦ - وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ (سورة الملك الآية ٢٣).
١٧ - وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (سورة نوح الآية ١٩).
قال ابن الجزري:
..... ... وقيل عن يعقوب ما لابن العلا
المعنى: يشير المؤلف رحمه الله تعالى بهذا إلى ما ذكره: «المبارك بن الحسن ابن أحمد بن عليّ بن فتحان، أبو الكرم الشّهرزوري، البغدادي» المولود سنة ٤٦٢ هـ والمتوفى سنة ٥٥٠ هـ في كتابه: «المصباح الزاهر في العشرة البواهر» وغيره من علماء القراءات، من إدغام «يعقوب» كلّ ما أدغمه «أبو عمرو» من المثلين والمتجانسين والمتقاربين، وهو وجه صحيح وقد قرأت به والحمد لله.
قال ابن الجزري:
بيّت حزفز تعدانني لطف ... وفي تمدّونني فضله ظرف
стр. 149
المعنى: لما فرغ الناظم من مذهب «أبي عمرو، ورويس، ويعقوب» فيما أدغموه من الإدغام الكبير، شرع في ذكر أحرف بقيت من الإدغام الكبير.
فأخبر أن المرموز له بالحاء من «حز» والفاء من «فز» وهما: «أبو عمرو، وحمزة» قرأ بإدغام «التاء» في «الطاء» قولا واحدا وذلك في قوله تعالى: بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ (سورة النساء الآية ٨١). وقرأ الباقون بالإظهار.
تنبيه: اعلم أن إدغام «أبي عمرو» لهذا الحرف يختلف عن إدغامه لما تقدم أول الباب: فهو يدغم هذا الحرف بلا خلاف، سواء قصر المنفصل، أو مدّه، وسواء أبدل الهمز المفرد، أو حققه.
ثم أخبر أن المرموز له باللام من «لطف» وهو: «هشام» أدغم «النون» في «النون» من قوله تعالى: أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ (سورة الأحقاف الآية ١٧).
والباقون بالإظهار، وعلى الإدغام يتعين إشباع المدّ.
والمرموز له بالفاء من «فضله» والظاء من «ظرف» وهما: «حمزة، ويعقوب» أدغما «النون» في «النون» من قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ (سورة النمل الآية ٣٦). مع المدّ المشبع، ولهما إثبات الياء وصلا ووقفا.
وقرأ الباقون بالإظهار.
وقرأ «نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر» بإثبات الياء وصلا فقط.
وقرأ «ابن كثير» بإثبات الياء في الحالين.
وقرأ الباقون بحذف الياء في الحالين.
قال ابن الجزري: تمدّونني في سما.
قال ابن الجزري:
مكّنّ غير المكّ تأمنّا أشم ... ورم لكلّهم وبالمحض ثرم
المعنى: قرأ جميع القراء غير «ابن كثير المكي» «مكنّي» من قوله تعالى:
стр. 150
قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ (سورة الكهف الآية ٩٥) بنون واحدة مشددة مكسورة، وذلك على إدغام «النون» التي هي لام الفعل في نون الوقاية.
وقرأ «ابن كثير المكي» بنونين خفيفتين: الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة، بدون إدغام، على الأصل.
وقوله تعالى: قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ (سورة يوسف الآية ١١) أصله «تأمننا» بنونين مظهرتين، وقد أجمع القراء العشرة على عدم إظهار النون الأولى، واختلفوا بعد ذلك في كيفية القراءة: فقرأ جميع القراء عدا «أبا جعفر» بوجهين:
الأول: الإدغام مع الإشمام، والثاني: اختلاس ضمة النون الأولى.
وقرأ «أبو جعفر» بالإدغام المحض من غير روم ولا إشمام.
تمّ باب الإدغام الكبير ولله الحمد والشكر
стр. 151
«باب هاء الكناية»
هاء الكناية في عرف القراء هي هاء الضمير التي يكنّى بها عن الواحد المذكر الغائب.
والأصل في هاء الكناية الضمّ نحو قوله تعالى: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (سورة الإسراء الآية ١). وقوله تعالى: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (سورة الملك الآية ١٣). إلّا إذا وقع قبلها كسرة، أو ياء ساكنة فإنها حينئذ تكسر للمناسبة، نحو قوله تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (سورة الملك الآية ١٣). وقوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (سورة البقرة الآية ٢).
ويجوز ضم هاء الكناية إذا وقعت بعد كسرة، أو ياء ساكنة، مراعاة للأصل، ولذلك قرئ بالوجهين: الكسر، والضم، في قوله تعالى: إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً (سورة طه الآية ١٠). وقوله تعالى: وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (سورة الفتح الآية ١٠). وقدّم الناظم رحمه الله تعالى هذا الباب على غيره لتقدم قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً.
والخلاف بين القراء في «هاء الكناية» دائر بين: ضمها، وكسرها، وإسكانها، وقصر حركتها، أي عدم مدّها بالكليّة، وإشباع حركتها وهو المعبّر عنه بالصلة.
واعلم أنّ لهاء الكناية أربعة أحوال:
стр. 152
الأولى: أن تقع بين ساكنين نحو قوله تعالى: وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ (سورة المائدة الآية ٤٦).
الثانية: أن تقع قبل ساكن، وقبلها متحرك، نحو قوله تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ (سورة القصص الآية ٧٠).
وحكمها في هاتين الحالتين عدم الصلة لجميع القراء، وذلك لأن الصلة تؤدي إلى الجمع بين الساكنين، بل تبقي «الهاء» على حركتها ضمة كانت، أو كسرة، وقد أشار إلى ذلك «الإمام الشاطبي» بقوله: ولم يصلوا ها مضمر قبل ساكن.
الثالثة: أن تقع بين متحركين، نحو قوله تعالى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (سورة الإسراء الآية ١). وقوله تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (سورة الملك الآية ١٣). وحكمها في هذه الحالة الصفة لجميع القراء، وذلك لأن «الهاء» حرف خفيّ فقوي بالصلة بحرف من جنس حركته، وإلى ذلك أشار «الإمام الشاطبي» بقوله: «وما قبله التحريك للكل وصلا».
الرابعة: أن تقع قبل متحرك، وقبلها ساكن نحو قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (سورة البقرة الآية ٧٥). وقوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (سورة البقرة الآية ٢) وحكمها في هذه الحالة الصلة بواو إذا كانت مضمومة، وبياء إذا كانت مكسورة، لابن كثير، كما قال «الإمام ابن الجزري»:
صل ها الضّمير عن سكون قبل ما ... حرّك دن ....
وقرأ باقي القراء بالقصر: أي بكسر الهاء المكسورة، وضم الهاء المضمومة من غير إشباع.
وهناك كلمات خرجت عن هذه القاعدة ذكرها الناظم رحمه الله تعالى وهذا ما سيتم شرحه وبيانه بإذن الله تعالى فيما سيأتي:
стр. 153
قال ابن الجزري:
..... ... .... فيه مهانا عن دما
المعنى: قرأ المرموز له بالعين من «عن» والدال من «دما» وهما: «حفص، وابن كثير» بصلة هاء الكناية من قوله تعالى: وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (سورة الفرقان الآية ٦٩). وقرأ الباقون بالكسر من غير صلة.
قال ابن الجزري:
سكّن يؤدّه نصله نؤته نول ... صف لي ثنا خلفهما فناه حل
وهم وحفص ألقه اقصرهنّ كم ... خلف ظبى بن ثق ....
المعنى: اختلف القراء في هاء الكناية الواقعة في الكلمات الآتية:
١ - «يؤده» معا من قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً (سورة آل عمران الآية ٧٥).
٢ - «نصله» من قوله تعالى: وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (سورة النساء الآية ١١٥).
٣ - «نؤته» في ثلاثة مواضع، موضعان في آل عمران وهما في قوله تعالى:
وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (سورة آل عمران الآية ١٤٥). وموضع في «الشورى» في قوله تعالى: وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (سورة الشورى الآية ٢٠).
٤ - «نولّه» من قوله تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى (سورة النساء الآية ١١٥).
٥ - «فألقه» من قوله تعالى: فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ (سورة النمل الآية ٢٨).
وهذا بيان القراءات الواردة في الكلمات الخمس المتقدمة: أمّا «يؤدّه، نصله، نؤته، نولّه»:
стр. 154
فقد قرأهن «أبو عمرو، وشعبة، وحمزة» بإسكان الهاء وصلا ووقفا.
وقرأهنّ «قالون، ويعقوب» بقصر الهاء، أي بكسرها من غير صلة.
وقرأهنّ «ابن ذكوان» بالقصر، والإشباع.
وقرأهنّ «أبو جعفر» بالإسكان، والقصر.
وقرأهنّ «هشام» بالإسكان، والقصر، والإشباع.
وقرأهنّ «الباقون» وهم: «ورش، وابن كثير، وحفص، والكسائي، وخلف العاشر» بالإشباع.
وجه القراءة بالإشباع: أنه الأصل في هاء الضمير. ووجه الإسكان:
التخفيف، وهو لهجة «أزد السراة». ووجه القصر، أو الاختلاس، أنه لهجة «عقيل، وكلاب». وهذا التوجيه عام في جميع «باب هاء الكناية» فلا حاجة إلى تكراره.
وأمّا «فألقه»:
فقد قرأها «أبو عمرو، وعاصم، وحمزة» بإسكان الهاء، وصلا ووقفا.
وقرأها «قالون، ويعقوب» بقصر الهاء، أي بكسرها من غير صلة.
وقرأها «ابن ذكوان» بالقصر، والإشباع.
وقرأها «أبو جعفر» بالإسكان، والقصر.
وقرأها «هشام» بالإسكان، والقصر، والإشباع.
وقرأ «الباقون» وهم: «ورش، وابن كثير، والكسائي، وخلف العاشر» بالإشباع.
قال ابن الجزري:
..... ... ...... ويتّقه ظلم
بل عد وخلفا كم ذكا وسكّنا ... خف لوم قوم خلفهم صعب حنا
والقاف عد ..... ... .....
стр. 155
المعنى: اختلف القراء في «ويتّقه» من قوله تعالى: وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (سورة النور الآية ٥٢). والقراء فيها على سبع مراتب:
الأولى: لقالون، ويعقوب «يتّقه» بكسر القاف، واختلاس كسرة الهاء.
الثانية: لحفص «يتّقه» بإسكان القاف، واختلاس كسرة الهاء.
الثالثة: لأبي عمرو، وشعبة «يتّقه» بكسر القاف، وإسكان الهاء.
الرابعة: لابن ذكوان، وابن جماز «يتّقه، يتّقه»: بكسر القاف، ولهما في «الهاء» الاختلاس، والإشباع.
الخامسة: لخلاد، وابن وردان «يتّقه، يتّقه» بكسر القاف، ولهما في «الهاء» الإسكان والإشباع.
السادسة: لهشام «يتّقه، يتّقه، يتّقه» بكسر القاف، وله في «الهاء» الاختلاس، والإسكان، والإشباع.
السابعة: للباقين وهم: ورش، وابن كثير، وخلف عن حمزة، والكسائي. وخلف العاشر «يتّقه» بكسر القاف، وإشباع كسرة الهاء.
قال ابن الجزري:
.... يرضه يفي والخلف لا ... صن ذا طوى اقصر في ظبى لذ نل ألا
والخلف خل مز ..... ... ......
المعنى: اختلف القراء في «يرضه» من قوله تعالى: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ (سورة الزمر الآية ٧). والقراء فيها على ستّ مراتب:
الأولى: لنافع، وحفص، وحمزة، ويعقوب «يرضه» باختلاس ضمة الهاء.
الثانية: لابن كثير، والكسائي، وخلف العاشر «يرضه» بالإشباع.
الثالثة: للسوسي «يرضه» بالاسكان.
стр. 156
الرابعة: لدوري أبي عمرو، وابن جماز «يرضه، يرضه» بالإسكان، والإشباع.
الخامسة: لهشام، وشعبة «يرضه، يرضه» بالإسكان، والاختلاس.
السادسة: لابن ذكوان، وابن وردان، بالاختلاس، والإشباع.
قال ابن الجزري:
.... يأته الخلف بره ... خذ غث سكون الخلف يا ..
المعنى: اختلف القراء في «يأته» من قوله تعالى: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ (سورة طه الآية ٧٥). فقرأ «قالون، وابن وردان، ورويس» بوجهين:
الأول: باختلاس كسرة «الها» والثاني: بإشباع كسرتها.
وقرأ «السوسي» بوجهين:
الأول: بإسكان «الهاء» والثاني: بإشباع الكسرة.
وقرأ الباقون: بإشباع الكسرة.
قال ابن الجزري:
..... ... ..... ولم يره
لي الخلف زلزلت خلا الخلف لما ... واقصر بخلف السّورتين خف ظما
المعنى: اختلف القراء في «لم يره» من قوله تعالى: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (سورة البلد الآية ٧). و «يره» من قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (سورة الزلزلة الآيتان ٧ - ٨).
فقرأ «هشام» «لم يره» في سورة البلد بوجهين:
الأول: بسكون الهاء، والثاني: بإشباع ضمة الهاء.
وقرأه «ابن وردان، ويعقوب» بوجهين:
وابن وردان» «ترزقانه» من قوله تعالى: قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما (سورة يوسف الآية ٣٧). بوجهين: الأول: كسر الهاء من غير صلة، الثاني: الكسر مع الصلة أي المدّ.
وقرأ «الباقون» بالكسر مع الصلة.
قال ابن الجزري:
..... ... ... عليه الله أنسانيه عف
بضمّ كسر ..... ... .....
المعنى: قرأ المرموز له بالعين من «عف» وهو «حفص» بضم الهاء من «عليه الله، أنسانيه» من قوله تعالى: وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (سورة الفتح الآية ١٠). وقوله تعالى: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ (سورة الكهف الآية ٦٣).
وقرأ الباقون بكسر الهاء.
وقيد الناظم «عليه» باسم الله تعالى، ليخرج ما عداه، نحو قوله تعالى:
وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ (سورة النحل الآية ٣٦). فإنه يقرأ بكسر الهاء من غير صلة لجميع القراء.
قال ابن الجزري:
.... أهله امكثوا فدا ... .....
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «فدا» وهو: «حمزة» بضم الهاء من لِأَهْلِهِ امْكُثُوا في (سورة طه الآية ١٠ - وسورة القصص الآية ٢٩).
وقرأ الباقون بكسر الهاء.
قال ابن الجزري:
..... ... والأصبهانيّ به انظر جوّدا
стр. 159
المعنى: قرأ «الأصبهاني» عن «ورش» بضم الهاء من «به انظر» من قوله تعالى: مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (سورة الأنعام الآية ٤٦).
وقرأ الباقون بكسر الهاء.
وقيّد الناظم «به» ب «انظر» ليخرج ما عداه، نحو قوله تعالى: لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ (سورة مريم الآية ٩٧) فإنه يقرأ بكسر الهاء من غير صلة لجميع القراء.
قال ابن الجزري:
وهمز أرجئه كسا حقّا وها ... فاقصر حما بن مل وخلف خذ لها
وأسكنن فزنل وضمّ الكسر لي ... حقّ وعن شعبة كالبصر انقل
المعنى: اختلف القراء في أرجئه وأخاه في سورتي: «الأعراف، والشعراء» من قوله تعالى:
١ - قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (سورة الأعراف الآية ١١١).
٢ - قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (سورة الشعراء الآية ٣٦).
وللقرّاء فيها ستّ قراءات:
الأولى: «لقالون، وابن وردان» بخلف عنه «أرجه» بترك الهمزة، وكسر الهاء من غير صلة.
الثانية: «لورش، والكسائي، وابن جماز، وخلف العاشر، وابن وردان» في وجهه الثاني «أرجه» بترك الهمزة، وكسر الهاء مع الصلة.
الثالثة: «لحفص، وحمزة، وشعبة» بخلف عنه «أرجه» بترك الهمزة، وسكون الهاء.
الرابعة: «لابن كثير، وهشام» بخلف عنه «أرجئه» بالهمز، وضمّ الهاء مع الصلة.
стр. 160
الخامسة: «لأبي عمرو، ويعقوب، وهشام، وشعبة» في وجههما الثاني «أرجئه» بالهمز، وضم الهاء من غير صلة.
السادسة: «لابن ذكوان» «أرجئه» بالهمزة، وكسر الهاء من غير صلة.
تمّ باب هاء الكناية ولله الحمد والشكر
стр. 161
«باب المدّ والقصر»
المدّ لغة: الزيادة، واصطلاحا: إطالة زمن الصوت بحرف المدّ عند ملاقاة همز، أو سكون.
والقصر لغة: الحبس، واصطلاحا: إثبات حرف المدّ من غير زيادة عليه.
وحروف المدّ ثلاثة وهي:
١ - الألف، ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا.
٢ - الياء الساكنة المكسور ما قبلها.
٣ - الواو الساكنة المضموم ما قبلها.
وينقسم المدّ إلى قسمين: أصليّ، وفرعيّ:
فالمدّ الأصليّ، ويسمّى أيضا بالمدّ الطبيعي: هو الذي لا يتوقف مدّه على سبب من سببي المدّ الفرعي، وهما: الهمز، أو السكون.
والمدّ الفرعيّ: هو الذي يتوقّف مدّه على سبب من همز أو سكون.
وينقسم ستّة أقسام وهي:
١ - المنفصل- ٢ - المتصل- ٣ - اللازم- ٤ - البدل- ٥ - اللين- ٦ - العارض للسكون.
فالمدّ المنفصل: هو أن يكون حرف المدّ في كلمة، والهمز بعده في الكلمة الأخرى.
стр. 162
والمدّ المتصل: هو أن يكون حرف المدّ والهمز بعده في كلمة واحدة.
والمدّ اللازم: هو أن يقع بعد حرف المدّ سكون ثابت وصلا ووقفا.
وينقسم المدّ اللازم أربعة أقسام:
١ - كلمي مثقّل- ٢ - كلمي مخفّف- ٣ - حرفي مثقّل- ٤ - حرفي مخفّف.
ومدّ البدل: هو ما تقدم فيه الهمز على حرف المدّ.
ومدّ اللين: هو الواو، والياء الساكنتان، المفتوح ما قبلهما.
والمدّ العارض للسكون: هو ما وقع بعد حرف المدّ واللين، أو حرف اللّين سكون عارض حالة الوقف.
وسبب المدّ أي موجبه نوعان: ١ - لفظيّ- ٢ - معنويّ.
فالسبب اللفظيّ: همز، أو سكون، وهذا هو المدّ الفرعي، وسبق بيان أقسامه الستّة.
والسبب المعنويّ: هو قصد المبالغة في النفي.
ويكون في مدّ «لا» النافية للجنس، للمبالغة في النفي.
ويكون أيضا في المدّ المنفصل الخاصّ بلفظ الجلالة نحو: «لا إله إلا الله» وذلك لقصد المبالغة في نفي الألوهيّة عمّا سوى الله تعالى.
قال «الإمام ابن الجزري» رحمه الله تعالى: وبه قرأت، وهو حسن.
وأنا أقول: وبه قرأت والحمد لله ربّ العالمين.
وسيأتي بعون الله تعالى التفصيل عن جميع أقسام المدود التي سبق بيانها، وبيان اختلاف القراء فيها، مع بيان مراتبهم في مقدار مدّ كلّ نوع على حدة، والله حسبي ونعم الوكيل.
قال ابن الجزري:
إن حرف مدّ قبل همز طوّلا ... جد فد ومز خلفا وعن باقي الملا
стр. 163
وسّط وقيل دونهم نل ثمّ كل ... روى فباقيهم أو اشبع ما اتّصل
للكلّ عن بعض وقصر المنفصل ... بن لي حما عن خلفهم داع ثمل
المعنى: أخبر المؤلف رحمه الله تعالى بأن المرموز له بالجيم من «جد» والفاء من «فد» والميم من «مز» بخلف عنه وهم: «الأزرق» عن ورش، وحمزة، وابن ذكوان بخلف عنه، يقرءون بتطويل حرف «المدّ» أي بمدّه مدّا مشبعا وهو ستّ حركات، وقدّر علماء القراءات «الحركة» بزمن قبض «الإصبع» أو بسطه، والعبرة في ذلك على التّلقّي، وذلك إذا وقع حرف المدّ قبل الهمز: سواء كان منفصلا عنه، أو متصلا به:
فالمنفصل نحو: «بما أنزل» من قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ (سورة البقرة الآية ٤).
والمتصل نحو: «أولئك» من قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (سورة البقرة الآية ٥).
ثمّ أمر الناظم رحمه الله تعالى بتوسيط المدّين: المغفل، والمتصل لباقي القراء العشرة، ويدخل معهم «ابن ذكوان» في وجهه الثاني. والتوسط مقداره:
أربع حركات.
ثمّ أخبر الناظم أن المرموز له بالنون من «نل» وهو: «عاصم» يقرأ المدّين بمرتبة دون مرتبة الطول، وهي خمس حركات، وهي فويق التوسط.
ثمّ أخبر أن المرموز له بالكاف من «كلّ» ومدلول «روى» وهم: «ابن عامر، والكسائي، وخلف العاشر» يقرءون المدّين بمرتبة دون مرتبة «عاصم» وهي: أربع حركات.
ثمّ أخبر أن باقي القراء وهم: «الأصبهاني عن «ورش» وقالون، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب» يقرءون المدّين بمرتبة دون مرتبة التوسط، وهي: ثلاث حركات، وهي المسمّاة بفويق القصر.
ثم أمر الناظم بإشباع «المدّ المتصل» فقط لجميع القراء العشرة.
стр. 164
ثمّ أخبر الناظم بأن المرموز له بالباء من «بن» واللام من «لي» ومدلول «حما» والعين من «عن» بخلف عنهم، والمرموز له بالدال من «داع» والثاء من «ثمل» بدون خلاف وهم: «قالون، وهشام، وأبو عمرو، ويعقوب، وحفص» بخلف عنهم، و «ابن كثير، وأبو جعفر» بدون خلاف كل هؤلاء يقرءون بقصر المنفصل، أي بمده حركتين.
مما تقدم يتبيّن أن القراء في «المدّ المنفصل» على ثمان مراتب:
الأولى: قالون، والأصبهاني، وأبو عمرو، ويعقوب بالقصر، وفويق القصر، والتوسط.
الثانية: الأزرق، وحمزة، بالإشباع فقط.
الثالثة: ابن كثير، وأبو جعفر، بالقصر فقط.
الرابعة: هشام، بالقصر، والتوسط.
الخامسة: ابن ذكوان، بالتوسط، والإشباع.
السادسة: شعبة، بالتوسط، وفويق التوسط.
السابعة: حفص، بالقصر، والتوسط، وفويق التوسط.
الثامنة: الكسائي، وخلف العاشر، بالتوسط فقط.
وجه القصر: أنه الأصل أي بقاء حرف المدّ من غير زيادة عليه، ووجه المدّ وإن تفاوتت مراتبه للتمكّن من النطق بالهمز لبعد مخرجه حيث يخرج من «أقصى الحلق».
وأنّ القراء في المدّ المتصل على أربع مراتب:
الأولى: قالون، والأصبهاني، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب، بفويق القصر، والتوسط، والإشباع.
الثانية: الأزرق، وحمزة، بالإشباع فقط.
стр. 165
الثالثة: ابن عامر، والكسائي، وخلف العاشر، بالتوسط، والإشباع.
الرابعة: عاصم، بالتوسط، وفويق التوسط، والإشباع.
تنبيه: اتفق جميع القراء على عدم قصر المدّ المتصل، وفي هذا يقول «الإمام ابن الجزري»: تتبعت قصر المتصل فما وجدته في قراءة صحيحة، ولا شاذة» اهـ.
قال ابن الجزري:
والبعض للتّعظيم عن ذي القصر مد ... .....
المعنى: ورد عن بعض أئمة القراءة الأخذ بالمدّ للتعظيم عن أصحاب قصر المنفصل المتقدم ذكرهم، وهو سبب معنوي، والمدّ هنا مقداره أربع حركات، وهو التوسط. نحو «لا إله إلّا الله» من قوله تعالى: إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (سورة الصافات الآية ٣٥). ونحو: «لا إله إلا هو» من قوله تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً
واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
(سورة التوبة الآية ٣١).
ومن العلماء الذين ورد عنهم المدّ للتعظيم:
١ - أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران، الأصبهاني، ثم النيسابوري، وهو أستاذ محقق ومن الثقات، قرأ على «ابن الأخرم، وابن بويان». وغيرهما، وله عدّة مؤلفات منها: كتاب الشامل، والغاية، والمبسوط في القراءات، توفي سنة: إحدى وثمانين وثلاثمائة من الهجرة «١».
٢ - أبو القاسم يوسف بن عليّ بن جبارة الهذلي، وهو: أستاذ كبير محقق، ومن الثقات، طاف البلاد من أجل القراءات، فكثر شيوخه، وقد بلغ عددهم
стр. 166
مائة واثنان وعشرون، وألّف «كتاب الكامل» في القراءات، جمع فيه طرقا كثيرة، وكان عالما بالنحو، والصرف، وعلل القراءات. توفي سنة خمس وستين وأربعمائة من الهجرة «١».
٣ - عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد الطبري القطان الشافعي، شيخ أهل مكة المكرمة، وهو أستاذ محقق ومن الثقات، له عدّة مصنفات منها:
«التلخيص في القراءات الثمان، وسوق العروس» جمع فيه ألفا وخمسمائة رواية، وطريق». توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة «٢». وقد قرأت بالمدّ للتعظيم، والحمد لله رب العالمين.
قال ابن الجزري:
..... ... وأزرق إن بعد همز حرف مد
مدّ له واقصر ووسّط كنأى ... فالآن أوتوا إيء آمنتم رأى
لا عن منوّن ولا السّاكن صحّ ... بكلمة أو همز وصل في الأصح
وامنع يؤاخذ وبعادا الأولى ... خلف والآن وإسرائيلا
المعنى: تحدث الناظم رحمه الله تعالى عن: «مدّ البدل» نحو: «ءادم» نحو قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها (سورة البقرة الآية ٣١) و «أوتي» نحو قوله تعالى: قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ (سورة الأنعام الآية ١٢٤) و «إيمان» نحو قوله تعالى: وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ (سورة الطور الآية ٢١).
فبين أن «الأزرق» عن «ورش» يقرأه بالقصر، والتوسط، والإشباع. وأن باقي القراء يقرءونه بالقصر فقط.
وجه القصر، أن علّة «المدّ» في كل من المنفصل، والمتصل، للتمكن من النطق بالهمز.
стр. 167
والهمز في «البدل» متقدم على حرف المدّ فليس هناك ما يدعو إلى المدّ.
ووجه من مدّه: نظر إلى وجود المدّ، والهمز في كلمة بصرف النظر عن تقدمه، أو تأخره.
وقد استثنى علماء القراءات القائلون بالتوسط، والإشباع «للأزرق» في مدّ البدل أصلين مطردين، وكلمة اتفاقا، وأصلا مطردا، وثلاث كلمات اختلافا.
أمّا الأصلان المطردان اتفاقا:
فأحدهما: أن تكون الألف مبدلة من التنوين وقفا نحو: «دعاء» من قوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً (سورة البقرة الآية ١٧١) ونحو «هزؤا» من قوله تعالى: قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً (سورة البقرة الآية ٦٧). ونحو «ملجأ» من قوله تعالى: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ (سورة التوبة الآية ٥٧).
فحكمها القصر إجماعا، لأنها غير لازمة.
والأصل الثاني المطرد اتفاقا: أن يكون قبل الهمزة ساكن صحيح متصل نحو: «القرآن» من قوله تعالى: الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ (سورة الرحمن الآيتان ١ - ٢) ونحو: «مسئولا» من قوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (سورة الإسراء الآية ٣٦) فحكمها القصر إجماعا، لحذف صورة الهمزة رسما.
وأمّا الكلمة المستثناة باتفاق فهي: «يؤاخذ» كيف وقعت، نحو قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ (سورة البقرة الآية ٢٢٥). وقوله تعالى:
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ (سورة النحل الآية ٦١) فحكمها القصر إجماعا، وذلك لأنها من «واخذت» غير مهموز، وقد صرّح بذلك «الإمام أبو
عمرو الداني» ت ٤٤٤ هـ.
والأصل المطرد المختلف فيه: حرف المدّ الواقع بعد همزة الوصل، في حالة الابتداء، نحو: «اؤتمن» من قوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ (سورة البقرة الآية ٢٨٣). ونحو: «ائتوني» من قوله تعالى:
ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا (سورة الأحقاف الآية ٤).
стр. 168
وجه المدّ في هذه الحالة وجود حرف مدّ بعد همزة محققة لفظا، وإن عرضت ابتداء.
ووجه القصر كون همزة الوصل عارضة، والابتداء بها عارض، فلم يعتدّ بالعارض. والوجهان صحيحان، وقد قرأت بهما والحمد لله ربّ العالمين.
والكلمات الثلاث المختلف فيها، هي:
الأولى: «عادا الأولى» من قوله تعالى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (سورة النجم الآية ٥٠) وهي من المغير بالنقل.
والثانية: «آلآن» المستفهم بها في موضعي يونس، من قوله تعالى:
آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (سورة يونس الآية ٥١). وقوله تعالى: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (سورة يونس الآية ٩١) وهما من المغير بالنقل، والمراد الألف الأخيرة، لأن الأولى من باب اللازم.
وأصل هذه الكلمة «ءان» بهمزة مفتوحة ممدودة، وبعدها نون مفتوحة، وهي اسم مبني علم على الزمان الحاضر، ثم دخلت عليها «أل» التي للتعريف، ثم دخلت عليها همزة الاستفهام فاجتمع فيها همزتان مفتوحتان متصلتان:
الأولى: همزة الاستفهام، والثانية: همزة الوصل. ويأتي في «آلآن» في يونس بحسب الاعتداد بالعارض، وعدمه، على الاستثناء، وعدمه للأزرق ستة أوجه، نظمها «ابن الجزري» في بيتين من الطويل وهما:
للأزرق في آلآن ستة أوجه ... على وجه إبدال لدى وصله تجري
فمدّ وثلّث ثانيا ثمّ وسّطن ... به وبقصر ثم بالقصر مع قصري
والكلمة الثالثة المختلف فيها: «إسرائيل» حيث وقعت في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (سورة البقرة الآية ٤٧) وذلك لكثرة المدود لأنها دائما مركبة مع كلمة «يبني» والوجهان صحيحان في الكلمات الثلاث، وقد قرأت بهما.
стр. 169
قال ابن الجزري:
وحرفي اللّين قبيل همزة ... عنه امددن ووسّطن بكلمة
لا موئلا موءودة ومن يمد ... قصّر سوءات وبعض خصّ مد
شيء له مع حمزة ..... ... .....
المعنى: تحدث الناظم رحمه الله تعالى عن اختلاف القراء في «حرفي اللين» إذا وقع بعدهما همز متصل نحو: «شيء» كيف وقع في القرآن الكريم: مرفوعا، أو منصوبا، أو مجرورا، ونحو: «كهيئة، سوأة» «١» مثل قوله تعالى: وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ (سورة الممتحنة الآية ١١). وقوله تعالى:
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً (سورة البقرة الآية ٤٨). وقوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (سورة البقرة الآية ٢٠).
فبيّن رحمه الله تعالى أن القراء في حرفي اللين على مذهبين:
الأول: القصر لجميع القراء عدا «الأزرق» أي عدم المدّ بالكلية، وذلك لعدم إلحاقهما بحروف المدّ.
وقد ورد عن بعض علماء القراءات أمثال:
١ - «أبي طاهر اسماعيل بن خلف الأنصاري» ت ٤٥٥ هـ صاحب كتاب «العنوان» في القراءات السبع.
٢ - و «أبي الطيب عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون» ت ٣٨٩ هـ.
٣ - و «أبي الحسن طاهر بن عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون» ت ٣٩٩ هـ.
٤ - و «الحسن بن خلف بن عبد الله بن بليمة» ت ٥١٤ هـ.
وغيرهم من: المصريين، والمغاربة. «التوسط» بالخلاف في لفظ «شيء» كيف أتى في القرآن عن: «حمزة».
стр. 170
والوجه الثاني له: «السكت» والوجهان صحيحان، وقد قرأت بهما.
المذهب الثاني:
التوسط، والإشباع «للأزرق» إلحاقا لهما بحروف المدّ لما فيهما من خفاء، سوى كلمتين وهما:
١ - «موئلا» من قوله تعالى: بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (سورة الكهف الآية ٥٨).
٢ - «الموءودة» من قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (سورة التكوير الآية ٨).
فليس فيهما سوى القصر- أي عدم المدّ بالكلية- كباقي القراء. وذلك لعروض سكونهما لأنهما من: «وال، ووأد».
واختلف أيضا عن «الأزرق» في «واو» سواتهما، سوءاتكم» من قوله تعالى: فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما (سورة الأعراف الآية ٢٢). وقوله تعالى: يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ (سورة الأعراف الآية ٢٦).
قال «ابن الجزري» في النشر: «فإني لا أعلم أحدا روى الإشباع في هذا الباب إلّا وهو يستثني «سوءات» اهـ «١».
فعلى هذا يكون الخلاف دائرا بين التوسط والقصر أي عدم المد بالكلية، وهذا معنى قول ابن الجزري في الطيبة:
..... ومن يمد ... قصّر سوءات .....
قال «ابن الجزري» ما معناه: وعلى هذا لا يتأتى لورش من طريق «الأزرق» في «سوءات» سوى أربعة أوجه وهي:
قصر الواو مع الثلاثة في البدل، والرابع التوسط فيهما طريق «الداني» وقد نظم رحمه الله تعالى ذلك في بيت هو:
стр. 171
وسوآت قصر الواو والهمز ثلّثا ... ووسّطهما فالكلّ أربعة فادر
وذهب بعض علماء القراءات إلى قصر المدّ في حرفي اللين عن «الأزرق» على لفظ «شيء» فقط كيف أتى مرفوعا، أو منصوبا، أو مجرورا. والمراد بالمدّ:
التوسط، والإشباع. أما غير «شيء» من حرفي اللين فأصحاب هذا المذهب يقرءونه بعدم المدّ بالكلية.
وهذا معنى قول «ابن الجزري»:
وبعض خصّ مد ... شيء له مع حمزة
تنبيه: سبق أن قلت إن الخلاف في حرفي اللين مشروط بوقوع همز متصل بعدهما. أما إذا كان الهمز منفصلا عن حرفي اللين نحو: «خلوا إلى، ابني ءادم» من قوله تعالى: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ (سورة البقرة الآية ١٤) وقوله تعالى:
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ (سورة المائدة الآية ٢٧). فإنه لا خلاف فيه بين القراء، وحكمه عدم المدّ بالإجماع.
قال ابن الجزري:
..... والبعض مد ... لحمزة في نفي لا كلا مرد
المعنى: ورد عن بعض علماء القراءات مدّ المبالغة في النفي للتنزيه عن «حمزة» في «لا» النافية للجنس حيثما وقعت في القرآن الكريم، ومقدار المدّ أربع حركات، وذلك لضعف السبب لأنه سبب معنوي. وهو وجه صحيح وقد قرأت به. مثال ذلك قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ (سورة البقرة الآية ٢). وقوله تعالى: لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (سورة هود الآية ٢٢).
وقوله تعالى: وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ (سورة الرعد الآية ١١). وقوله تعالى: فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها (سورة النمل الآية ٣٧).
قال ابن الجزري:
وأشبع المدّ لساكن لزم ... ونحو عين فالثّلاثة لهم
كساكن الوقف وفي اللّين يقل ... طول .....
стр. 172
المعنى: هذا شروع من المؤلف رحمه الله تعالى عن الحديث عن السبب الثاني من أسباب المدّ الفرعيّ، وهو السكون:
والسكون إمّا أن يكون لازما، أي لا يتغير وقفا، ولا وصلا.
وإمّا أن يكون السكون عارضا حالة الوقف فقط.
فإذا كان السكون لازما، فإما أن يكون قبله حرف مدّ ولين، أو حرف لين فقط:
فإن كان قبله حرف مدّ ولين فقد يكون في كلمة نحو: «الحاقّة»، «ءالآن» أو في حرف نحو «الم»، «ق»، «ص»: وحكمه في هذه الحالة إشباع المدّ بمقدار ستّ حركات لجميع القراء. وإن كان السكون لازما وقبله حرف لين نحو:
«عين» من قوله تعالى: كهيعص، عسق:
فحكمه في هذه الحالة جواز قصره، وتوسطه، ومدّه، لكل القراء.
وإن كان السكون عارضا حالة الوقف:
فإمّا أن يكون قبله حرف مدّ ولين، نحو: «الرحيم» نستعين، «للمتقين».
وحكمه في هذه الحالة جواز قصره، وتوسطه، ومدّه، لكل القراء.
وإن كان قبل السكون العارض حرف لين نحو: «البيت، خوف» من قوله تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (سورة قريش الآية ٣). وقوله تعالى:
وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (سورة قريش الآية ٤).
فحكمه في هذه الحالة جواز قصره، وتوسطه، ومدّه، لكل القراء. إلّا أن علماء القراءات الذين ورد عنهم «الطول» في هذا النوع قليلون، والأكثرون ورد عنهم فيه القصر، والتوسط. والأوجه الثلاثة صحيحة، وقد قرأت بها.
قال ابن الجزري:
..... ... ... وأقوى السّببين يستقل
стр. 173
المعنى: إذا اجتمع سببان: قويّ، وضعيف، عمل بالقويّ وألغي الضعيف إجماعا. وقد نظم بعض علماء القراءات مراتب المدود فقال:
أقوى المدود لازم فما اتّصل ... فعارض فذو انفصال فبدل
وهذه أمثلة لما اجتمع فيه سببان: أحدهما قويّ، والآخر ضعيف:
١ - قوله تعالى: وَجاؤُ أَباهُمْ من قوله تعالى: وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (سورة يوسف الآية ١٦).
فقد اجتمع مدّان: الأول: المدّ المنفصل، والثاني: مدّ البدل: والمدّ المنفصل أقوى من مدّ البدل، ولهذا يجب إلغاء مدّ البدل بالنسبة للأزرق، ويعمل له بالمدّ المنفصل. وبناء عليه فلا يجوز للأزرق القصر، أو التوسط في مدّ البدل بل يتعين إشباع المدّ عملا بأقوى السببين.
٢ - «يشاء» حالة الوقف عليها من قوله تعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ (سورة البقرة الآية ٢٨٤).
فقد اجتمع في كلمة «يشاء» حالة الوقف عليها مدّان لمن يقرأ بتحقيق الهمز، وهما: المدّ المتصل، والمدّ العارض للسكون، والمدّ المتصل أقوى من المدّ العارض للسكون. وبناء عليه فلا يجوز فيه القصر وقفا عن أحد من القراء الذين يهمزون.
٣ - «مستهزءون» حالة الوقف عليها، من قوله تعالى: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (سورة البقرة الآية ١٤).
فقد اجتمع في كلمة «مستهزءون» حالة الوقف عليها مدّان: المدّ العارض للسكون، ومدّ البدل، والمدّ العارض للسكون أقوى من مدّ البدل. وبناء عليه فلا يجوز التثليث للأزرق وقفا إلّا على مذهب من قصر مدّ البدل، عملا بأقوى السببين. وحينئذ تصبح الأوجه الجائزة للأزرق في نحو هذا ستّة أوجه وهي:
من قرأ بقصر البدل وصلا، وقف كذلك إن لم يعتدّ بالعارض، ووقف بالتوسط، والإشباع إن اعتدّ به.
стр. 174
ومن قرأ بتوسط البدل وصلا، وقف به إن لم يعتدّ بالعارض، وبالإشباع إن اعتدّ به.
ومن قرأ بإشباع البدل وصلا، وقف كذلك سواء اعتد بالعارض أو لم يعتدّ به.
وعلى ما ذكرته يستعمل القارئ القياس. وقد قرأت بذلك وأقرأت به، والحمد لله ربّ العالمين.
فإن قيل: نريد الكشف عن علّة ترتيب المدود من حيث القوّة والضعف.
أقول: أقوى المدود «المدّ اللازم» لأن سبب مدّه السكون اللازم، ولا يتمكّن من النطق بالساكن بحقه إلّا بالمد، ولذلك اتفق القراء العشرة على مدّه مدّا مشبعا.
يليه «المدّ المتصل» لأن سببه «الهمز المتصل» والهمز من أبعد الحروف مخرجا، إذ يخرج من «أقصى الحلق» ولذلك أجمع القراء على عدم قصره، ليتمكّن من النطق بالهمز. يليه «المدّ المنفصل» والدليل على أن «المنفصل» أضعف من «المتصل» صحة جواز قصر «المنفصل» دون «المتصل». يلي المدّ المنفصل «المدّ العارض للسكون» لأن الهمز وإن انفصل عن حرف المدّ إلّا أنه موجود في اللفظ وصلا ووقفا، أما السكون العارض فلا يوجد إلّا حالة الوقف. يلي «المدّ العارض» «مدّ البدل» وذلك لتقدم سببه وهو الهمز. يلي «مدّ البدل» «مدّ التعظيم، ومدّ التبرئة» وذلك لأن سببهما معنويّ، وهو أضعف من السبب اللفظيّ.
قال ابن الجزري:
والمدّ أولى إن تغيّر السّبب ... وبقي الأثر أو فاقصر أحب
المعنى: إذا وقع حرف المدّ قبل همز مغيّر سواء غير بالتسهيل، أو بالإبدال أو بالحذف جاز فيه وجهان:
أحدهما: القصر، والآخر المدّ، ولكن أيهما أولى؟
المدّ أولى فيما بقي لتغييره أثر.
стр. 175
والقصر أولى فيما لم يبق لتغييره أثر.
وقد أشار إلى ذلك الشيخ «خلف الحسيني» رحمه الله تعالى بقوله:
وإن حرف مدّ قبل همز مغيّر ... يجز قصره والمدّ ما زال أعدلا
إذا أثر الهمز المغيّر قد بقي ... ومع حذفه فالقصر كان مفضّلا
ومثال ما بقي لتغييره أثر:
رواية كل من: «قالون، والبزّيّ» في نحو قوله تعالى: هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (سورة البقرة الآية ٣١). لأنهما يقرءان بتسهيل الهمزة الأولى بين بين.
ومثال ما لم يبق لتغييره أثر:
قراءة «أبي عمرو» ورواية كل من: «قنبل، ورويس» في أحد الوجهين عنهما في نحو قوله تعالى: «هؤلاء إن كنتم صدقين» بإسقاط الهمزة الأولى.
تمّ باب المدّ والقصر ولله الحمد والشكر
стр. 176
«باب الهمزتين من كلمة»
الهمزة من أصعب الحروف في النطق، وذلك لبعد مخرجها إذ تخرج من أقصى الحلق.
كما اجتمع فيها صفتان من صفات القوّة وهما: الجهر، والشدّة. لذلك فقد عمدت بعض القبائل العربية إلى تخفيف النطق بالهمز. فمن الحقائق العامة أن الهمز كان خاصّة من الخصائص البدويّة التي اشتهرت بها قبائل وسط الجزيرة العربية، وشرقيّها: «تميم» وما جاورها.
وإن تخفيف الهمز كان خاصة حضرية امتازت بها لهجة القبائل في شمال الجزيرة، وغربيها.
وقد ورد النصّ في كلام «أبي زيد الأنصاري» ت ٢١٥ هـ أنّ «أهل الحجاز، وهذيل، وأهل مكة، والمدينة المنورة» لا ينبرون «١».
وقد نسب عدد من العلماء الأوائل ظاهرة تخفيف الهمز إلى «الحجازيين».
ولكن ينبغي أن لا نأخذ هذا الحكم مأخذ الصحة المطلقة لاعتبارين:
الأول: أنّ الأخبار تدلّ على أنّ بعض «الحجازيين» كانوا يحققون الهمز.
стр. 177
الثاني: أنّ تخفيف الهمز لم يكن مقصورا على منطقة دون أخرى، وإنما كان فاشيا في كثير من المناطق العربية وإن تفاوتت صوره ودرجاته «١».
وإذا كانت القبائل البدويّة التي تميل إلى السرعة في النطق، وتسلك أيسر السبل إلى هذه السرعة فإن تحقيق الهمز كان في لسان الخاصّة التي تخفّف من عيب هذه السرعة، أي أنّ الناطق البدويّ تعوّد «النبر» في موضوع الهمز، وهي عادة أملتها ضرورة انتظام الإيقاع النطقيّ، كما حكمتها ضرورة الإبانة عمّا يريده من نطقه لمجموعة من المقاطع المتتابعة السريعة الانطلاق على لسانه، فموقع النبر في نطقه كان دائما أبرز المقاطع وهو ما كان يمنحه كل اهتمامه وضغطه.
أمّا القبائل الحضريّة فعلى العكس من ذلك: إذ كانت متأنّية في النطق، متّئدة في أدائها، ولذا لم تكن بها حاجة إلى التماس المزيد من مظاهر الأناة، فأهملت همز كلماتها، أعني المبالغة في النبر واستعاضت عن ذلك بوسيلة أخرى كالتسهيل، والإبدال، والإسقاط.
وبالتتبع وجدت الوسائل التي سلكها العرب للتخفيف الهمز ما يأتي:
التسهيل، والإبدال، والحذف، والنقل «٢».
وقد وردت القراءات القرآنية الصحيحة بكل ذلك، وهذا ما سيتجلّى في هذا الباب، والأبواب التالية له بإذن الله تعالى.
قال ابن الجزري:
ثانيهما سهّل غنى حرم حلا ... وخلف ذي الفتح لوى أبدل جلا
خلفا ..... ... .....
المعنى: لما انقضى الكلام عن المدّ والقصر، أتبع ذلك بالكلام على
стр. 178
الهمزتين من كلمة، لأنهما وقعتا في «ء أنذرتهم» بعد المدّ والقصر في «بما أنزل، أولئك»، والهمزتان من كلمة تأتي الثانية منهما متحركة، وساكنة:
فإن كانت متحركة فتكون مفتوحة، ومكسورة، ومضمومة، ولا تكون الأولى إلّا مفتوحة، وهي همزة زائدة تدخل على الكلمة للاستفهام، ولغيره، وتكون الثانية همزة قطع، وهمزة وصل:
فمثال الثانية المفتوحة وهي همزة قطع: «ء أنذرتهم» من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (سورة البقرة الآية ٦).
ومثال الثانية المكسورة وهي همزة قطع: «أئنكم» من قوله تعالى: أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ (سورة النمل الآية ٥٥).
ومثال الثانية المضمومة وهي همزة قطع: «أؤنبئكم» من قوله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ (سورة آل عمران الآية ١٥).
وقد أمر الناظم بتسهيل الهمزة الثانية بين بين من همزتي القطع المتحركتين المتلاصقتين في كلمة واحدة، في الأحوال الثلاثة للمرموز له بالغين من «غنى» ومدلول «حرم» والحاء من «حلا» وهم: «رويس، ونافع بخلف عن الأزرق في المفتوحتين، وابن كثير، وأبو جعفر، وأبو عمرو»: وكيفيّة التسهيل إذا كانت الثانية مفتوحة تسهل بين الهمزة والألف.
وإذا كانت الثانية مكسورة تسهل بين الهمزة والياء.
وإذا كانت الثانية مضمومة تسهل بين الهمزة والواو.
ولا تعرف حقيقة ذلك إلا بالتلقي والمشافهة.
وقد روى بعض علماء القراءات عن «رويس» تحقيق الهمزة الثانية من:
أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ (في سورة الأنعام خاصة الآية ١٩)، وحينئذ يكون ل «رويس» فيها وجهان: التحقيق، والتسهيل. وقد أشار إلى ذلك «الإمام الشاطبي» رحمه الله تعالى بقوله:
стр. 179
والإبدال محض والمسهّل بين ما ... هو الهمز والحرف الّذي منه أشكلا
ثم بيّن الناظم رحمه الله تعالى أن المرموز له باللام من «لوى» وهو «هشام» يقرأ بتسهيل الهمزة الثانية من همزتي القطع إذا كانت مفتوحة بخلف عنه.
ثم أمر الناظم بإبدال الهمزة الثانية ألفا من همزتي القطع إذا كانت مفتوحة للمرموز له بالجيم من «جلا» وهو: «الأزرق» عن «ورش» بخلف عنه.
وحينئذ يصبح للأزرق في الهمزة الثانية المفتوحة وجهان: التسهيل بين بين، والإبدال ألفا.
وعلى وجه الإبدال ألفا لا بدّ من المدّ المشبع في «ء أنذرتهم» ونحوه من كل ما بعده ساكن، للفصل بين الساكنين. ولكن لا يجوز الإبدال وقفا في «ء أنت» ونحوه «١» بل يوقف عليه بالتسهيل فقط، فرارا من اجتماع ثلاث سواكن متوالية ليس فيها مدغم مثل: صَوافَّ (سورة الحج الآية ٣٦) وهو غير موجود في كلام العرب.
قال صاحب إتحاف البريّة:
ء أنت فسهّل مع أريت بوقفه ... ويمنع إبدالا سواكنه الولا
قال ابن الجزري:
..... ... وغير المكّ أن يؤتى أحد
يخبر .....
المعنى: اختلف القراء في القراءة بالاستفهام والخبر في «أن يؤتى» من قوله تعالى: أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ (سورة آل عمران الآية ٧٣).
فقرأ جميع القراء عدا «ابن كثير» بهمزة واحدة على الخبر.
وقرأ «ابن كثير» «ء أن يؤتى» بهمزتين على الاستفهام، وهو على أصله في تسهيل الهمزة الثانية بين بين.
стр. 180
قال ابن الجزري:
..... ... أن كان روى اعلم حبر عد
وحقّقت شم في صبا ... ......
المعنى: اختلف القراء في القراءة بالاستفهام والخبر في «أن كان» من قوله تعالى: أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (سورة ن الآية ١٤).
فقرأ بهمزة واحدة على الخبر المفهوم من عطفه على ما تقدم مدلول «روى» والمرموز له بالألف من «اعلم» ومدلول «حبر» والمرموز له بالعين من «عد» وهم: «الكسائي، وخلف العاشر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحفص».
وقرأ الباقون «ء أن كان» بهمزتين على الاستفهام وهم: «ابن عامر، وشعبة، وحمزة، وأبو جعفر، ويعقوب».
ثم بيّن الناظم رحمه الله تعالى أن المرموز له بالشين من شم، والفاء من في والصاد من صبا وهم: «روح، وحمزة وشعبة» يقرءون بتحقيق الهمزتين. فتعين للباقين من
المستفهمين وهم: «ابن عامر، وأبو جعفر، ورويس» القراءة بتسهيل الهمزة الثانية بين بين.
قال ابن الجزري:
..... وأعجمي ... حم شد صحبة أخبر زد لم
غص خلفهم ..... ... ......
المعنى: اختلف القراء في القراءة بالاستفهام والخبر في «أعجميّ» من قوله تعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ (سورة فصلت الآية ٤٤).
فقرأ بهمزة واحدة على الخبر بالخلاف المرموز له بالزاي من «زد» واللام من «لم» والغين من «غص» وهم: «قنبل، وهشام، ورويس».
وقرأ الباقون من القراء «ء أعجميّ» بهمزتين على الاستفهام ومعهم «قنبل،