الْأَرْضُ (سورة النساء آية ٤٢) بضم التاء، وتخفيف السين.
فالضمّ في التاء على بناء الفعل للمجهول، و «الأرض» نائب فاعل، وتخفيف السين، على حذف إحدى التاءين تخفيفا، لأن أصل الفعل «تتسوّى».
وقرأ المرموز لهم ب «عمّ» وهم: «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر» «تسوّى» بفتح التاء، وتشديد السين، فالفتح في التاء على بناء الفعل للفاعل، و «الأرض» فاعل، وتشديد السين على إدغام التاء الثانية في السين.
وقرأ الباقون وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تسوّى» بفتح التاء، وتخفيف السين، على البناء للفاعل، وحذف إحدى التاءين تخفيفا.
جاء في «المفردات»: «تسوية الشيء»: جعله سواء، إمّا في الرفعة، أو في الضّعة» «١». وجاء في مختصر تفسير ابن كثير: معنى لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ:
أي لو انشقت بهم الأرض وبلعتهم ممّا يرون من أهوال الموقف، وما يحلّ بهم من الخزي، والفضيحة، والتوبيخ» «٢».
قال ابن الجزري:
.......... لامستم قصر ... معا شفا ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «لمستم» معا:
١ - من قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ (سورة النساء آية ٤٣).
٢ - وقوله تعالى أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ (سورة المائدة آية ٦) بحذف الألف التي بعد اللام، والخطاب للرجال دون النساء، على معنى: مسّ اليد جسد المرأة الأجنبيّة، أو مسّ بعض جسد الرجل جسد المرأة الاجنبيّة، فجرى الفعل من واحد، ودليله قوله تعالى: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ (سورة آل عمران آية ٧٠) ولم يقل: «ولم يماسسني بشر».
стр. 562
قال «ابن مسعود، وابن عمر» ﵄: المراد باللمس هنا:
الإفضاء باليد إلى الجسد، وبعض جسده إلى جسدها، فحمل على غير الجماع، فهو من واحد.
وقرأ الباقون: «لمستم» بإثبات ألف بعد السين، وذلك على المفاعلة التي لا تكون إلا من اثنين، وحينئذ يكون معناه: الجماع.
ويجوز أن تكون المفاعلة على غير بابها نحو: «عاقبت اللصّ» فتتحد هذه القراءة مع القراءة الأولى في المعنى.
قال ابن الجزري:
............. ... ... إلّا قليلا نصب كر
في الرّفع .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كر» وهو: «ابن عامر» «إلّا قليل» من قوله تعالى: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ (سورة النساء آية ٦٦) بالنصب على الاستثناء، وهذه القراءة
موافقة لرسم مصحف «أهل الشام» «١».
وقرأ الباقون «إلّا قليل» برفع اللام، على أنه بدل من الواو في «ما فعلوه» وهذه القراءة موافقة لرسم بقية المصاحف.
فائدة نحوية:
إذا وقع المستثنى بعد إلّا وكان الكلام مسبوقا بنفي، أو نهي، أو استفهام، وكان المستثنى من جنس المستثنى منه جاز في المستثنى أمران:
النصب على الاستثناء، واتباعه لما قبله في الأعراب «٢».
قال ابن الجزري:
تأنيث تكن دن عن غفا ... ..........
стр. 563
المعنى: قرأ المرموز له بالدال من «دن» والعين من «عن» والغين من «غفا» وهم: «ابن كثير، وحفص، ورويس» «تكن» من قوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ (سورة النساء آية ٧٣) بالتاء الفوقية على التأنيث، لمناسبة لفظ «مودّة».
وقرأ الباقون «يكن» بالياء التحية على التذكير، وذلك لأن تأنيث «مودّة» مجازي يجوز في فعله التذكير والتأنيث.
قال ابن الجزري:
.......... ... لا يظلموا دم ثق شذا الخلف شفا
المعنى: قرأ المرموز له بالدال من «دم» والثاء من «ثق» والشين من «شذا» بخلف عنه، ومدلول «شفا» وهم: «ابن كثير، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، وروح بخلف عنه» «ولا تظلمون» من قوله تعالى: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (سورة النساء آية ٧٧) بياء الغيبة، جريا على السياق، ولمناسبة صدر الآية وهو قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً إلخ.
وقرأ الباقون «ولا تظلمون» بتاء الخطاب، وهو الوجه الثاني «لروح» وذلك على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وهو ضرب من ضروب البلاغة، أو لمناسبة قوله تعالى قبل: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ أي قل لهم يا «محمد»:
«متع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا».
تنبيه:
«ولا يظلمون» من قوله تعالى: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (سورة النساء آية ٤٩) اتفق القراء العشرة على قراءته بياء الغيبة، لمناسبة قوله تعالى قبل: مَنْ يَشاءُ ولأنّ القراءة سنة متبعة، والعبرة فيها على التلقي والمشافهة.
стр. 564
قال ابن الجزري:
وحصرت حرّك ونون ظلعا ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظلعا» وهو: «يعقوب» «حصرت» من قوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (سورة النساء آية ٩٠) بنصب التاء منوّنة، والنّصب على الحال، ومعنى «حصرت»: ضيقة، وحينئذ يكون المعنى:
أو جاءوكم حالة كون صدورهم ضيقة من الجبن مبغضين قتالكم، ولا يهون عليهم أيضا قتال قومهم معكم، إذا فهم لا لكم، ولا عليكم.
وقرأ الباقون «حصرت» بسكون التاء، على أنها فعل ماض، والجملة في موضع نصب على الحال.
قال ابن الجزري:
.......... ... تثبّتوا شفا من الثّبت معا
مع حجرات ومن البيان عن ... سواهم ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «فتبيّنوا» من قوله تعالى:
١ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا (سورة النساء آية ٩٤).
٢ - كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا (سورة النساء آية ٩٤).
٣ - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (سورة الحجرات آية ٦) قرءوا هذه المواضع الثلاثة «فتثبّتوا» بثاء مثلثة، بعدها باء موحدة، بعدها تاء مثناة فوقية، على أنها مضارع من «التثبّت».
وقرأ الباقون «فتبيّنوا» في المواضع الثلاثة بباء موحدة، وياء مثناة تحتية بعدها نون، على أنها مضارع من «التبيّن». والتبيّن أعمّ من التثبت، لأن التبيّن فيه معنى التثبت، وليس كلّ من تثبت في أمر تبينه.
стр. 565
قال ابن الجزري:
.......... ... ... السّلام لست فاقصرن
عمّ فتى .......... ... ..........
المعنى: قرأ مدلول «عمّ» ومدلول «فتى» وهم: «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر، وحمزة، وخلف العاشر» «السلم» من قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً (سورة النساء آية ٩٤). قرءوا «السّلم» بفتح اللام من غير ألف بعدها، على معنى الاستسلام، والانقياد، ومنه قوله تعالى: وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ (سورة النحل آية ٨٧). وحينئذ يكون المعنى: «يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله وخرجتم للجهاد فتبيّنوا، ولا تقولوا لمن استسلم وانقاد إليكم لست مؤمنا فتقتلوه، بل يجب عليكم أن تتبيّنوا حقيقة أمره.
وقرأ الباقون «السلام» بفتح اللام، وألف بعدها، على معنى التحيّة، فتحية الإسلام هي: «السلام عليكم» وحينئذ يكون المعنى: «لا تقولوا لمن حياكم تحية الإسلام لست مؤمنا فتقتلوه، لتأخذوا سلبه.
قال ابن الجزري:
.......... وبعد مؤمنا فتح ... ثالثة بالخلف ثابتا وضح
المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثابتا» وهو «أبو جعفر بخلف عنه» «مؤمنا» من قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً (سورة النساء آية ٩٤) بفتح الميم الثانية بخلف عنه، على أنها اسم مفعول، أي لن نؤمّنك على نفسك.
وقرأ الباقون «مؤمنا» بكسر الميم الثانية، وهو الوجه الثاني «لأبي جعفر» على أنها اسم فاعل، والمعنى: لا تقولوا لمن قال «السلام عليكم» إنما فعلت ذلك متعوّذا وليس عن إيمان صحيح.
стр. 566
قال ابن الجزري:
غير ارفعوا في حقّ نل ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «في» ومدلول «حقّ» والنون من «نل» وهم: «حمزة، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وعاصم» «غير» من قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (سورة النساء آية ٩٥) برفع الراء، على أنّ «غير أولي الضرر» صفة «القاعدون» أو بدل من «القاعدون» بدل بعض من كل.
وقرأ الباقون «غير» بنصب الراء، على الاستثناء من «القاعدون».
فائدة: قال ابن مالك:
واستثن مجرورا بغير معربا ... بما لمستثنى بإلّا نصبا
المعنى: هناك ألفاظ استعملت بمعنى «إلّا» في الدلالة على الاستثناء، من هذه الألفاظ «غير» وحكم المستثنى بها الجرّ لإضافتها إليه، أمّا «غير» فإنها تعرب بما كان يعرب به المستثنى مع «إلّا» فتقول: «قام القوم غير زيد» بنصب «غير» كما تقول: «قام القوم إلّا زيدا» بنصب «زيد» هذا إذا كان الكلام تامّا موجبا.
وتقول: «ما قام أحد غير زيد» برفع «غير» على الإتباع، وبنصب «غير» على الاستثناء، كما تقول: «ما قام أحد إلا زيد وإلّا زيدا» هذا إذا كان الكلام تامّا غير موجب، ومثل ذلك الآية المتقدمة، فالكلام تام غير موجب، لهذا جاز في «غير» الرفع، والنصب.
قال ابن الجزري:
.......... نؤتيه يا ... فتى حلا ..........
المعنى: قرأ المرموز لهما ب «فتى» والحاء من «حلا» وهم: «حمزة، وخلف العاشر، وأبو عمرو» «نؤتيه» من قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (سورة النساء آية ١١٤) قرءوا «يؤتيه» بالياء التحتية
стр. 567
على الغيبة، وذلك جريا على سياق الآية، وليناسب لفظ الغيبة الذي قبله وهو قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الخ.
وقرأ الباقون «نؤتيه» بنون العظمة، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى التكلم، والالتفات ضرب من ضروب البلاغة.
تنبيه:
«نؤتيه» من قوله تعالى: وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (سورة النساء آية ٧٤) اتفق القراء العشرة على قراءته بنون العظمة، لأن القراءة سنة متبعة، ومبنية على التلقي والتوقيف.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... ويدخلون ضمّ يا
وفتح ضمّ صف ثنا حبر شفي ... وكاف أولى الطّول ثب حقّ صفي
والثّان دع ثطا صبا خلفا غدا ... وفاطر حز ..........
المعنى: اختلف القراء في «يدخلون» في خمسة مواضع وهي:
١ - قوله تعالى: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (سورة النساء آية ١٢٤).
٢ - قوله تعالى: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (سورة مريم آية ٦٠).
٣ - قوله تعالى: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (الموضع الأول من سورة غافر آية ٤٠).
٤ - قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (الموضع الثاني من سورة غافر آية ٦٠).
٥ - قوله تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ (سورة فاطر آية ٣٣).
فقرأ «ابن كثير، وأبو جعفر» «يدخلون» في سورة النساء، ومريم،
стр. 568
وموضعي غافر، بضمّ الياء، وفتح الخاء على البناء للمفعول، والواو نائب فاعل.
أمّا موضع «فاطر» فقد قرءاه بفتح الياء، وضمّ الخاء، على البناء للفاعل، والواو هي الفاعل.
وقرأ «أبو عمرو» «يدخلون» في سورة النساء، ومريم، وأول غافر، وكذا «يدخلونها» في «فاطر» بضم الياء، وفتح الخاء على البناء للمفعول.
وقرأ «يدخلون» الموضع الثاني من «غافر» بفتح الياء، وضمّ الخاء، على البناء للفاعل.
وقرأ «شعبة» «يدخلون» في النساء، ومريم، وأول غافر، بضمّ الياء، وفتح الخاء، على البناء للمفعول. أمّا الموضع الثاني من «غافر» فقد قرأه بوجهين: بالبناء للفاعل، وبالبناء للمفعول.
وقرأ «يدخلونها» في «فاطر» بالبناء للفاعل قولا واحدا.
وقرأ «روح» «يدخلون» في النساء، ومريم، وأوّل غافر، بالبناء للمفعول.
أمّا الموضع الثاني من «غافر» وكذا «يدخلونها» في «فاطر» فقد قرأهما بالبناء للفاعل.
وقرأ «رويس» «يدخلون» في «مريم، وأوّل غافر» بالبناء للمفعول، واختلف عنه في الموضع الثاني من «غافر» فقرأه بوجهين: بالبناء للمفعول، وبالبناء للفاعل.
أمّا «يدخلونها» في «فاطر» فقد قرأه بالبناء للفاعل قولا واحدا.
وقرأ الباقون وهم: «نافع، وابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يدخلون» في المواضع الخمسة بالبناء للفاعل.
تنبيه:
اتفق القراء العشرة على قراءة «يدخلون، يدخلونها» في غير
стр. 569
المواضع التي سبق الحديث عنها بالبناء للفاعل، مثل قوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ (سورة الأعراف آية ٤٠). وقوله تعالى:
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (سورة الرعد آية ٢٣). وقوله تعالى:
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (سورة النصر آية ٢). وقوله تعالى:
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ (سورة الرعد آية ٢٣). وقوله تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ (سورة النحل آية ٣١).
وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أن القراءة سنة متبعة، ولا مجال للرأي فيها.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... يصلحا كوف لدا
يصّالحا .......... ... ..........
المعنى: قرأ الكوفيون وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يصلحا» من قوله تعالى: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ (سورة النساء آية ١٢٨) بضمّ الباء، وإسكان الصاد، وكسر اللام من غير ألف بعدها، على أنه مضارع «أصلح» الثلاثي المزيد بهمزة.
وقرأ الباقون «يصّالحا» بفتح الياء، والصاد المشدّدة، وألف بعدها، وفتح اللام، وأصلها «يتصالحا» فأدغمت التاء في الصاد بعد قلبها صادا، وذلك لأن الفعل لما كان من اثنين جاء على باب المفاعلة التي تكون بين اثنين.
قال ابن الجزري:
.......... تلووا تلوا فضل كلا ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «فضل» والكاف من «كلا» وهما: «حمزة، وابن عامر» «تلووا» من قوله تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (سورة النساء آية ١٣٥). قرأ «تلوا» بضمّ اللام، وواو ساكنة
стр. 570
بعدها، على أنه فعل مضارع من «ولي يلي ولاية» وولاية الشيء هي الإقبال عليه، وأصله «توليوا» ثم حذفت الواو التي هي فاء الفعل على الأصل في حذف فاء الكلمة من المضارع كما حذفت في نحو: «يعد، يزن» من «وعد، وزن» ثم نقلت ضمة الياء إلى اللام ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين فأصبحت «تلوا» بحذف فاء الكلمة، ولامها.
وقرأ الباقون «تلووا» بإسكان اللام، وبعدها واوان: الأولى مضمومة، والثانية ساكنة، على أنه مضارع من «لوى يلوي». يقال: لويت فلانا حقه: إذا مطلته.
وأصله «تلويوا» ثم نقلت ضمة الياء إلى الواو التي قبلها، ثم حذفت الياء التي هي لام الكلمة للالتقاء الساكنين، فأصبحت «تلووا» على وزن «تفعوا» بحذف اللام.
قال ابن الجزري:
.......... ... نزّل أنزل اضمم اكسركم حلا
دم واعكس الأخرى ظبى نل ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» والحاء من «حلا» والدال من «دم» وهم: «ابن عامر، وأبو عمرو، وابن كثير» «نزل، أنزل» من قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ (سورة النساء آية ١٣٦). قرءوا «نزّل، أنزل» بضم النون، والهمزة، وكسر الزاي فيهما، وذلك على بنائهما للمفعول، ونائب الفاعل ضمير يعود على «الكتاب».
وقرأ الباقون «نزّل، أنزل» بفتح النون والهمزة، والزاي فيهما، وذلك على بنائهما للفاعل، والفاعل ضمير يعود على «الله» المتقدم في قوله تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ.
ثم أمر الناظم ﵀ بالقراءة بعكس القيود المتقدمة في «نزّل» من قوله
стр. 571
تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ (سورة النساء آية ١٤٠) للمرموز له بالظاء من «ظبى» والنون من «نل» وهما: «يعقوب، وعاصم» أي أنهما يقرءان «نزّل» بفتح النون، والزاي، على البناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود على الله تعالى، و «أن» وما بعدها في محلّ نصب ب «نزّل».
وقرأ الباقون «نزّل» بضم النون، وكسر الزاي، على البناء للمفعول، و «أن» وما بعدها في محل رفع نائب فاعل. والتقدير: وقد نزّل عليكم المنع من مجالسة المنافقين، والكافرين عند سماع الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.
قال ابن الجزري:
.......... والدّرك ... سكّن كفى ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «كفى» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «الدّرك» من قوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ (سورة النساء آية ١٤٥) بإسكان الراء للتخفيف.
وقرأ الباقون «الدّرك» بفتح الراء، على الأصل، والقراءتان لغتان بمعنى واحد وهو: «المكان».
قال «ابن عباس» ﵄: «إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار» أي في أسفل النار.
وقال «سفيان الثوري» ت ١٦١ هـ- رحمه الله تعالى: المنافقون في «توابيت ترتجّ عليهم» «١».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... نؤتيهم الياء عرك
стр. 572
المعنى: قرأ المرموز له بالعين من «عرك» وهو: «حفص» «يؤتيهم» من قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ (سورة النساء آية ١٥٢). قرأ «يؤتيهم» بالياء التحتية، لمناسبة السياق، والفاعل ضمير يعود على «الله تعالى».
وقرأ الباقون «نؤتيهم» بنون العظمة، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى التكلم، والالتفات ضرب من ضروب البلاغة، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره «نحن» يعود على «الله تعالى».
قال ابن الجزري:
تعدوا فحرّك جد وقالون اختلس ... بالخلف واشددن له ثمّ أنس
المعنى: قرأ المرموز له بالجيم من «جد» وهو «ورش» من الطريقين، أي طريقي: الأزرق، والأصبهاني «لا تعدّوا» من قوله تعالى: وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ (سورة النساء آية ١٥٤) بفتح العين، وتشديد الدال، وذلك لأن أصلها «تعتدوا» مضارع «اعتدى يعتدي اعتداء» فنقلت حركة التاء إلى العين، ثم ادغمت التاء في الدال، لوجود التجانس بينهما، حيث إنهما متفقتان في المخرج، وفي كثير من الصفات، وبيان ذلك: أن كلّا من «التاء، والدال» تخرج من طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا، كما أنهما
متفقتان في الصّفات الآتية:
الشدّة، والاستفال، والانفتاح، والإصمات، والاعتداء: مجاوزة الحقّ.
وقرأ المصرّح به وهو «قالون» بخلف عنه، والمرموز له بالثاء من «ثمّ» وهو «أبو جعفر» «تعدّوا» بإسكان العين، وتشديد «الدال» وذلك لأن أصلها «تعتدوا» فأدغمت «التاء» في «الدال» لوجود التجانس بينهما.
والوجه الثاني «لقالون» هو اختلاس فتحة العين مع تشديد «الدال».
وقرأ الباقون «تعدوا» بإسكان العين، وضم الدال مخففة، على أنه مضارع «عدا يعدو عدوانا» ومنه قوله تعالى: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ (سورة الأعراف آية ١٦٣).
стр. 573
قال «الراغب الأصفهاني» ت ٥٠٢ هـ- رحمه الله تعالى: «العدو»:
التجاوز، ومنافاة الالتئام، فتارة يعتبر بالقلب فيقال له: «العداوة والمعاداة» وتارة بالمشي فيقال له: «العدو» وتارة في الإخلال بالعدالة في المعاملة فيقال له:
«العدوان، والعدو» قال تعالى: فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ (سورة الأنعام آية ١٦٢) «١».
قال ابن الجزري:
ويا سيؤتيهم فتى .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهما ب «فتى» وهما: «حمزة، وخلف العاشر» «سنؤتيهم» من قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (سورة النساء آية ١٦٢). قرأ «سيؤتيهم» بالياء التحتية، وذلك جريا على السياق، والفاعل ضمير تقديره «هو» يعود على الله تعالى.
وقرأ الباقون «سنؤتيهم» بنون العظمة، على الالتفات من الغيبة إلى التكلم، والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره «نحن» يعود على الله تعالى أيضا.
قال ابن الجزري:
.......... وعنهما ... زاي زبورا كيف جاء فاضمما
المعنى: قرأ المشار لهما بالضمير في «عنهما» وهما مدلول «فتى»: «حمزة، وخلف العاشر» «زبورا» المنكر، «الزبور» المعرف حيثما وقعا في القرآن الكريم، نحو قوله تعالى: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً* وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ (سورة النساء آية ١٦٣). وقوله تعالى: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً* قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ (سورة الإسراء الآيتان ٥٥ - ٥٦). وقوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ (سورة الأنبياء آية ١٠٥). قرآ «زبورا، الزّبور» بضم الزاي.
стр. 574
وقرأ الباقون بفتح الزاي فيهما، والضمّ والفتح لغتان في اسم الكتاب المنزل على نبي الله «داود» ﵇.
(والله أعلم) تمت سورة النساء ولله الحمد والشكر
стр. 575
سورة المائدة
قال ابن الجزري:
سكّن معا شنآن كم صحّ خفا ... ذا الخلف ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» والصاد من «صحّ» والخاء من «خفا» والذال من «ذا» وهم: «ابن عامر، وشعبة، وابن وردان، وابن جمّاز بخلف عنه» «شنئان» معا، من قوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا (سورة المائدة آية ٢). ومن قوله تعالى:
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا (سورة المائدة آية ٨). قرءوا «شنآن» في الموضعين بإسكان النون، على أنه صفة، مثل: «عطشان، وسكران».
وقيل: إنه مصدر «شنأ» والتسكين للتخفيف نظرا لتوالي الحركات.
وقرأ الباقون «شنآن» في الموضعين بفتح النون، وهو الوجه الثاني «لابن جمّاز» وهو مصدر «شنأ» مثل: «الطيران»، والشنآن معناه: البغض. جاء في «تاج العروس»: المصدر: «شنأ» بتثليث فائه، فالفتح عن «أبي عبيدة» والضمّ، والكسر عن «أبي عمرو الشيباني» «١».
قال ابن الجزري:
.......... ... ... أن صدّوكم اكسر حز دفا
المعنى: قرأ المرموز له بالحاء من «حز» والدال من «دفا» وهما: «أبو عمرو، وابن كثير» «أن صدوكم» من قوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا (سورة المائدة آية ٢). قرآ «إن صدوكم»
стр. 576
بكسر همزة «أن» على أنّ «إن» شرطية، والصّدّ متوقع في المستقبل، وحينئذ يكون المعنى: إن وقع صدّ لكم عن المسجد الحرام مثل الذي فعل بكم أوّلا عام «الحديبية» سنة ستّ من الهجرة فلا يحملنكم بغض من صدّوكم على العدوان.
وقرأ الباقون «أن صدّوكم» بفتح الهمزة، على أنها مصدريّة، و «أن» وما دخلت عليه مفعول لأجله، وحينئذ يكون المعنى: لا يحملنكم بغض قوم على العدوان لأجل صدّهم إياكم عن المسجد الحرام في الزمن الماضي، الذي وقع عام «الحديبية» سنة ستّ من الهجرة، والآية نزلت سنة «ثمان» من الهجرة عام فتح مكة.
جاء في المفردات: «الصدّ، والصدود» قد يكون انصرافا عن الشيء، وامتناعا نحو قوله تعالى: يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (سورة النساء آية ٦١). وقد يكون صرفا، ومنعا، نحو قوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (سورة محمد آية ١) «١».
يقال: «صدّ يصدّ، يصدّ» بضمّ الصاد وكسرها في المضارع «صدّا، وصديدا»: «عجّ، وضجّ» وفي التنزيل: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (سورة الزخرف آية ٥٧) أي يضجون، ويعجون «٢».
قال ابن الجزري:
أرجلكم نصب ظبى عن كم أضا ... رد ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظبى» والعين من «عن» والكاف من «كم» والألف من «أضا» والراء من «رد» وهم: «يعقوب، وحفص، وابن عامر، ونافع، والكسائي» «وأرجلكم» من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ
стр. 577
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (سورة المائدة آية ٦). قرءوا «وأرجلكم» بنصب اللام، عطفا على «الأيدي، والوجوه» وحينئذ يكون المعنى: فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم إلى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برءوسكم.
وحينئذ يكون هناك تقديم وتأخير في الآية، وذلك جائز في العربية، لأنّ الواو لمطلق الجمع، ولا تقتضي الترتيب، وقد جاء ذلك في قوله تعالى:
يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (سورة آل عمران آية ٤٣).
والمعنى: واركعي، واسجدي، لأن الركوع قبل السجود. والسنة المطهرة جاءت بغسل الرجلين، يؤيّد ذلك الحديث الآتي:
فعن «عبد الله الصّنابحيّ» ﵁، أن رسول الله ﵌ قال: «إذا توضأ العبد فمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر «١» خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه «٢» فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة» اهـ- «٣».
وقرأ الباقون «أرجلكم» بخفض اللام، عطفا على «برءوسكم» لفظا، ومعنى، ثم نسخ «المسح» بوجوب «الغسل» وفقا لما جاءت به السنة المطهرة:
العمليّة والقولية، كما أجمع المسلمون على غسل الرجلين.
ويجوز أن يحمل «المسح» على بعض الأحوال وهو: لبس الخفّ.
قال ابن الجزري:
.......... ... ..... واقصر اشدد يا قسيّة رضى
стр. 578
المعنى: قرأ المرموز لهما ب «رضى» وهما: «حمزة، والكسائي» «قسيّة» من قوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً (سورة المائدة آية ١٣) بحذف الألف التي بعد القاف، وتشديد الياء، على وزن «فعلية» صفة مشبهة، إذ أصلها «قسيية» ثم أدغمت الياء في الياء. وذلك للمبالغة في وصف قلوب الكفار بالشدّة، والقسوة، لأنّ في صيغة «فعيل» معنى التكرير والمبالغة.
أو لأن قلوب الكفار وصفت بالطبع عليها مثل «الدرهم القسيّ» أي المغشوش، وهو الذي يخالط فضّته نحاس، أو «رصاص» أو نحو ذلك.
وقرأ الباقون «قاسية» بإثبات ألف بعد القاف، وتخفيف الياء، على أنّ «قاسية» اسم فاعل من «قسا يقسو» ومنه قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ (سورة الزمر آية ٢٢). ومعنى «قاسية»: غليظة قد نزعت منها الرحمة، والرأفة، وأصبحت لا تؤثر فيها المواعظ، ولا تقبل ما يقال لها من نصح وإرشاد.
جاء في المفردات: «القسوة»: غلظ القلب، وأصله من «حجر قاس» و «المقاساة: معالجة ذلك» اهـ- «١».
وجاء في تاج العروس: «قسا قلبه، يقسو، قسوا، وقسوة، وقساوة، وقساء» بالمدّ: صلب، وغلظ، فهو قاس، وقوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ (سورة البقرة آية ٧٤) أي غلظت، ويبست، فتأويل القسوة في القلب:
ذهاب اللين، والرحمة، والخشوع منه.
وأصل القسوة: «الصلابة من كل شيء» اهـ- «٢».
قال ابن الجزري:
من أجل كسر الهمز والنّقل ثنا ... ..........
стр. 579
المعنى: قرأ المرموز له بالثاء من «ثنا» وهو: «أبو جعفر» «من أجل» من قوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ (سورة المائدة آية ٣٢) بكسر همزة «إجل» ثم نقل حركتها إلى النون التي قبلها في «من» وإذا وقف على «من» وابتدأ ب «إجل» ابتدأ بهمزة قطع مكسورة.
ومعنى «من إجل ذلك»: أي من جناية ذلك، وجريرته.
وقرأ الباقون «أجل» بهمزة مفتوحة. ومعنى «من أجل ذلك»: أي من جرّ وسبب ذلك. من هذا يتبيّن أن الكسر والفتح في همزة «أجل» لغتان، إلّا أن الكسر بمعنى: «جناية» والفتح بمعنى «جرّ وسبب» وهما متقاربان في المعنى.
جاء في المفردات: «الأجل» بسكون الجيم، الجناية التي يخاف منها آجلا، فكلّ «أجل» جناية، وليس كل «جناية» «أجلا» اهـ- «١».
وجاء في «تاج العروس»: «أجل» بكسر الهمزة، وفتحها، لغتان، وقد يعدّى بغير «من» كقول «عديّ بن زيد»: «أجل أنّ الله قد فضلكم» اهـ- «٢».
قال ابن الجزري:
.......... ... والعين والعطف ارفع الخمس رنا
وفي الجروح ثعب حبر كم ركا ... .............
المعنى: قرأ المرموز له بالراء من «رنا»، «ركا» وهو: «الكسائي» برفع الأسماء الخمسة وهي: «والعين، والأنف، والأذن، والسنّ، والجروح» من قوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ (سورة المائدة آية ٤٥) والرفع على الاستئناف، والواو لعطف جملة اسميّة على أخرى، على تقدير أنّ «أنّ» وما في حيزها من قوله تعالى: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ في محلّ رفع باعتبار المعنى، وحينئذ
стр. 580
يكون المعنى: وكتبنا على بني إسرائيل في التوراة: النفس تقتل بالنفس، والعين تفقأ بالعين، والأنف يجدع بالأنف، والأذن تقطع بالأذن، والسنّ تقلع بالسنّ، والجروح قصاص، أي يقتصّ فيها إذا أمكن كاليد، والرجل، ونحو ذلك.
وقرأ المرموز له بالثاء من «ثعب» ومدلول «حبر» والمرموز له بالكاف من «كم» وهم: «أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر» بنصب الأسماء الأربعة الأول، عطفا على اسم «أنّ» ورفع «والجروح» قطعا لها عمّا قبلها، على أنها مبتدأ، و «قصاص» خبر.
وقرأ الباقون بنصب الأسماء الخمسة، عطفا على اسم «أنّ» لفظا، والجار والمجرور بعده خبر، و «قصاص» خبر أيضا، وهو من عطف الجمل، والتقدير:
وكتبنا على بني إسرائيل في «التوراة» أنّ النفس تقتل بالنفس، وأنّ العين تفقأ بالعين، وأنّ الأنف يجدع بالأنف، وأنّ الأذن تقطع بالأذن، وأنّ السنّ تقلع بالسنّ، وأن الجروح قصاص.
قال ابن الجزري:
.......... ... وليحكم اكسر وانصبن محرّكا
ف ق .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «ف ق» وهو: «حمزة» «وليحكم» من قوله تعالى: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ (سورة المائدة آية ٤٧) بكسر اللام، ونصب الميم، على أنّ اللام لام «كي» و «يحكم» فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي.
وقرأ الباقون «وليحكم» بسكون اللام، وجزم الميم، على أنّ «اللام» لام الأمر، وسكنت تخفيفا، حيث أصلها الكسر.
قال ابن الجزري:
.... خاطبوا تبغون كم ...... ... ..........
стр. 581
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» وهو: «ابن عامر» «يبغون» من قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ (سورة المائدة آية ٥٠) بتاء الخطاب، والمخاطب أهل الكتب السابقة مثل اليهود، والنصارى، وقد تقدم ذكرهم في أكثر من آية، مثل قوله تعالى: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ (سورة المائدة آية ٤٧) والمعنى: قل لهم «يا «محمد» أفحكم الجاهلية تبغون، أي تطلبون.
وقرأ الباقون «يبغون» بياء الغيبة، على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، أو جريا على سياق قوله تعالى قبل: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (سورة المائدة آية ٤٩).
قال «محمد بن جرير الطبري» ت ٣١٠ هـ-: معنى قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ: أيبغي هؤلاء اليهود الذين احتكموا إليك فلم يرضوا بحكمك، وقد حكمت فيهم بالقسط، حكم الجاهلية، يعني أحكام عبدة الأوثان من أهل الشرك، وعندهم كتاب الله فيه بيان حقيقة الحكم الذي حكمت به فيهم، وإنه الحق الذي لا يجوز خلافه» اهـ- «١».
قال ابن الجزري:
.......... وقبلا ... يقول واوه كفى حز ظلّا
وارفع سوى البصري ...... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «كفى» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ويقول» من قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ (سورة المائدة آية ٥٣). قرءوا «ويقول» بإثبات الواو، ورفع اللام، فالواو لعطف الجمل، ورفع اللام على الاستئناف.
وقرأ المرموز له بالحاء من «حز» والظاء من «ظلّا» وهما: «البصريان»:
«أبو عمرو، ويعقوب» «ويقول» بإثبات الواو، ونصب اللام، من قول
стр. 582
المصنف: «وارفع سوى البصري» وجه النصب أنه معطوف على قوله تعالى قبل: فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (آية ٥٢) لأن «فيصبحوا» منصوب المحلّ بأن المضمرة بعد فاء السببيّة.
وقرأ الباقون وهم: «نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر» «يقول» بحذف الواو، ورفع اللام. وجه حذف الواو أنه جواب على سؤال مقدّر، تقديره: ماذا يقول المؤمنون حين ترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة الخ. ووجه رفع اللام أنّ «يقول» إلخ كلام مستأنف.
تنبيه:
«ويقول» رسمت في مصاحف الكوفة، والبصرة، بإثبات الواو، تمشيا مع قراءتهم، ورسمت في مصاحف المدينة، ومكة، والشام بحذف الواو، تمشيا مع قراءتهم «١».
قال ابن الجزري:
.......... وعمّ يرتدد ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «عمّ» وهم: «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر» «يرتدّ» من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (سورة المائدة آية ٥٤). قرءوا «يرتدد» بدالين: الأولى مكسورة، والثانية ساكنة مع فكّ الإدغام، وذلك لأنّ حكم الفعل مضعّف الثلاثي إذا دخل عليه جازم جاز فيه الإدغام وفكّه، نحو: «لم يردّ» بالإدغام، و «لم يردد» بفك الإدغام «٢» والإدغام لغة «تميم» وفكّ الإدغام لغة «أهل الحجاز».
وقرأ الباقون «يرتدّ» بدال واحدة مفتوحة مشددة، على إدغام الدال في الدال.
стр. 583
تنبيه:
كلمة «يرتدّ» رسمت في مصاحف أهل المدينة، والشام هكذا «يرتدد» بدالين تمشيا مع قراءتهم.
ورسمت في بقية المصاحف هكذا «يرتد» بدال واحدة تمشيا مع قراءتهم «١».
جاء في المفردات: «الارتداد، والردّة»: الرجوع في الطريق الذي جاء منه، لكنّ «الردّة» تختصّ بالكفر، وهو الرجوع من الإسلام إلى الكفر قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ (سورة المائدة آية ٥٤).
والارتداد: يستعمل في الكفر، وفي غيره، قال تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ (سورة البقرة آية ٢١٧). وقال تعالى: فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (سورة الكهف آية ٦٤) «٢».
قال ابن الجزري:
.......... ... وخفض والكفّار رم حما ....
المعنى: قرأ المرموز بالراء من «رم» ومدلول «حما» وهم: «الكسائي، وأبو عمرو، ويعقوب» «والكفار» من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ (سورة المائدة آية ٥٧). قرءوا «والكفار» بخفض الراء، عطفا على «الذين» المجرور بمن، وهو قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
وقرأ الباقون «والكفار» بنصب الراء، عطفا على «الذين» الأوّل الواقع مفعولا، وهو قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ الخ.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... عبد
بضمّ بائه وطاغوت اجرر ... فوزا ..........
стр. 584
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «فوزا» وهو: «حمزة» «وعبد الطغوت» من قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ (سورة المائدة آية ٦٠) قرأ «وعبد» بضمّ الباء، وفتح الدال، و «الطاغوت» بجرّ التاء، على أنّ «عبد» مثل: «كرم» فهو بناء للمبالغة، والكثرة، والمراد به واحد، وليس بجمع «عبد» و «الطاغوت» مجرور بالإضافة.
والمعنى: وجعل منهم عبد الطاغوت، والمراد بالطاغوت: الشيطان.
وقرأ الباقون «وعبد» بفتح الباء، والدال، على أنه فعل ماض، و «الطاغوت» بالنصب مفعول به. والمعنى: وجعل منهم عبد الطاغوت.
قال ابن الجزري:
.......... ... ..... رسالاته فاجمع واكسر
عمّ صرا ظلم والانعام اعكسا ... دن عد ..........
المعنى: قرأ مدلول «عمّ» والمرموز له بالصاد من «صرا» والظاء من «ظلم» وهم: «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر، وشعبة، ويعقوب» «رسالته» من قوله تعالى: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ (سورة المائدة آية ٦٧). قرءوا «رسالاته» بإثبات ألف بعد اللام مع كسر التاء، على الجمع، وذلك أنه لما كان الرسل عليهم الصلاة والسلام، يأتي كل واحد منهم بضروب مختلفة من الشرائع المرسلة من الله تعالى، حسن الجمع ليدلّ على ذلك.
وقرأ الباقون «رسالته» بحذف الألف، ونصب التاء، على الإفراد، وذلك لأن «الرسالة» على انفرد لفظها تدلّ على ما يدلّ عليه الجمع، مثل قوله تعالى:
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها (سورة إبراهيم آية ٣٤) ونعم الله كثيرة ومتعددة.
стр. 585
وقرأ المرموز له بالدال من «دن» والعين من «عد» وهما: «ابن كثير، وحفص» «رسالته» من قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (سورة الأنعام آية ١٢٤) بغير ألف بعد اللام، ونصب التاء، على الإفراد.
وقرأ الباقون «رسالاته» بإثبات ألف بعد اللام وكسر التاء، على الجمع.
قال ابن الجزري:
.......... ... ........ تكون ارفع حما فتى رسا
المعنى: قرأ مدلول «حما» ومدلول «فتى» والمرموز له بالراء من «رسا» وهم: «أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، وخلف العاشر، والكسائي» «تكون» من قوله تعالى:
وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا
(سورة المائدة آية ٧١). قرءوا «تكون» برفع النون، على أنّ «أن» مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، أي أنّه، و «لا» نافية و «تكون» تامّة، و «فتنة» فاعل، والجملة خبر «أن» وهي مفسرة لضمير الشأن، و «حسب» حينئذ لليقين لا للشك، لأنّ «أن» المخففة من الثقيلة لا تقع إلّا بعد تيقّن.
والمعنى: لقد بالغ بنو إسرائيل في كفرهم، وعنادهم بألوان شتّى مختلفة، منها: أنهم تيقنوا أن لا تحدث ولا تقع فتنة فعمّوا عن رؤية الحقيقة، وصمّت آذانهم عن قبول نصيحة أنبيائهم.
وقرأ الباقون «تكون» بنصب النون، على أنّ «أن» حرف مصدري ونصب، دخل على فعل منفيّ بلا، و «حسب» حينئذ على بابها للظنّ، لأنّ «أنّ» الناصبة لا تقع إلّا بعد الظنّ، و «تكون» تامّة أيضا، و «فتنة» فاعل. والمعنى:
شكّ هؤلاء اليهود ألّا تحدث فتنة فعمّوا وصمّوا.
قال ابن الجزري:
عقدتم المدّ منى وخفّفا ... من صحبة ..........
стр. 586
المعنى: قرأ المرموز له بالميم من «منى» والميم من «من» وهو: «ابن ذكوان» «عقدتم» من قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ (سورة المائدة آية ٨٩). قرأ «عاقدتم» بإثبات ألف بعد العين، وتخفيف القاف، على وزن «قاتلتم» على أن المراد به المرّة الواحدة من العقد فيكون بمعنى «عقدتم» بتخفيف القاف، وحينئذ تكون المفاعلة على غير بابها فتتحد هذه القراءة مع قراءة «عقدتم» بتخفيف القاف في المعنى.
وقرأ المرموز لهم ب «صحبة» وهم: «شعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «عقدتم» بحذف الألف التي بعد العين، وتخفيف القاف، على وزن «قتلتم» وذلك على أصل الفعل.
قال «الراغب الأصفهاني»: العقد: الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل، ثمّ يستعار ذلك للمعاني نحو عقد البيع، والعهد، وغيرهما، فيقال: عقدته، وعقدت يمينه، وعاقدته، وتعاقدنا» اهـ- «١».
وقرأ الباقون «عقّدتم» بحذف الألف، وتشديد القاف، وذلك للتكثير على معنى: عقد بعد عقد.
قال ابن الجزري:
.......... ... ...... جزاء تنوين كفى
ظهرا ومثل رفع خفضهم وسم ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «كفى» وبالظاء من «ظهرا» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، ويعقوب» «فجزاء مثل» من قوله تعالى:
وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ (سورة المائدة آية ٩٥). قرءوا بتنوين همزة «جزاء» ورفع لام «مثل» على أنّ «مثل» صفة ل «جزاء» و «جزاء» مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: فعلى القاتل
стр. 587
جزاء مماثل للمقتول من الصيد في القيمة، أو في الخلقة. أو على أنّ «جزاء» خبر لمبتدإ محذوف، أي فالواجب جزاء، أو فاعل لفعل محذوف، أي فيلزمه جزاء.
وقرأ الباقون بحذف تنوين «جزاء» وخفض لام «مثل» وذلك على إضافة «جزاء» إلى «مثل» وذلك لأن العرب تستعمل في إرادة الشيء مثله يقولون:
«إني أكرم مثلك» أي أكرمك، وقد قال الله تعالى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا (سورة البقرة آية ١٣٧) أي بما آمنتم به لا بمثله، لأنهم إذا آمنوا بمثله لم يؤمنوا، فالمراد بالمثل الشيء بعينه، وحينئذ يكون المعنى على الإضافة:
فجزاء المقتول من الصيد يحكم به ذوا عدل منكم.
قال ابن الجزري:
.......... ... والعكس في كفّارة طعام عم
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «عم» وهم: «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر» «كفرة طعام» من قوله تعالى: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ (سورة المائدة آية ٩٥).
قرءوا «كفّارة» بغير تنوين، و «طعام» بالخفض على الإضافة، وذلك على أنّ «كفّارة» خبر لمبتدإ محذوف، والتقدير: أو عليه كفارة طعام مساكين.
وقرأ الباقون «كفّارة» بالتنوين، و «طعام» بالرفع، وذلك على أنّ «كفارة» خبر لمبتدإ محذوف، و «طعام» عطف بيان على «كفارة» لأن الكفّارة هي الطعام، والتقدير: أو عليه كفارة هي طعام مساكين.
تنبيه:
اتفق القراء العشرة على قراءة «مساكين» هنا بالجمع، لأن قتل الصيد لا يجزئ فيه إطعام مسكين واحد، بل جماعة مساكين، يضاف إلى ذلك أن القراءة سنة متبعة ومبنية
على التوقيف.
قال ابن الجزري:
ضمّ استحقّ افتح وكسره علا ... والأوليان الأوّلين ظلّلا
صفو فتى .......... ... ..........
стр. 588
المعنى: قرأ المرموز له بالعين من «علا» وهو: «حفص» «استحق، الأوليان» من قوله تعالى: فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ (سورة المائدة آية ١٠٧). قرأ «استحقّ» بفتح التاء، والحاء، مبنيا للفاعل، وإذا ابتدأ بها كسر الهمزة.
وقرأ «الأوليان» بإسكان الواو، وفتح اللام، وكسر النون، مثنّى «أولى» أي الأحقّان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، وهو مرفوع على أنه فاعل «استحقّ».
وقرأ المرموز له بالظاء من «ظللا» والصاد من «صفو» ومدلول «فتى» وهم: «يعقوب، وشعبة، وحمزة، وخلف العاشر» «استحقّ» بضم التاء، وكسر الحاء، مبنيا للمفعول، وإذا ابتدءوا ضموا الهمزة، ونائب فاعل «استحق» «عليهم» أي الجار والمجرور. وقرءوا «الأوّلين» بتشديد الواو المفتوحة، وكسر اللام وبعدها ياء ساكنة، وفتح النون، جمع «أوّل» المقابل «آخر» مجرور بالياء صفة «للذين» أو بدل منه، أو بدل من الضمير في «عليهم».
وقرأ الباقون «استحقّ» بضم التاء، وكسر الحاء، مبنيّا للمفعول، وإذا ابتدءوا ضموا الهمزة.
وقرءوا «الأوليان» بإسكان الواو، وفتح اللام، وكسر النون، مثنى «أولى» وهو مرفوع على أنه نائب فاعل «استحق».
قال ابن الجزري:
....... وسحر ساحر شفا ... كالصّف هود وبيونس دفا
كفى .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «سحر» في أربعة مواضع وهي:
١ - قوله تعالى: فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (سورة المائدة آية ١١٠).
стр. 589
٢ - قوله تعالى: قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (سورة يونس آية ٢).
٣ - قوله تعالى: لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (سورة هود آية ٧).
٤ - قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (سورة الصف آية ٦).
فقرأ مدلول «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ساحر» في السور الأربع بفتح السين، وألف بعدها، وكسر الحاء، على أنه اسم فاعل من «سحر» الثلاثي المجرد.
وقرأ «ابن كثير، وعاصم» موضع «يونس» «ساحر» بفتح السين وألف بعدها، وكسر الحاء، اسم فاعل.
وقرأ المواضع الثلاثة الباقية «سحر» بكسر السين، وحذف الألف، وإسكان الحاء، على أنه مصدر «سحر». والتقدير: ما هذا الخارق للعادة إلّا سحر، أو جعلوه نفس السحر مبالغة، مثل قولهم: «زيد عدل».
وقرأ الباقون «سحر» في السور الأربع، وتقدم توجيهه.
جاء في «المفردات»: «السحر» يقال على معنيين:
الأوّل: الخداع، وتخيلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله «المشعوذ» بصرف الأبصار عمّا يفعله لخفة يده، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (سورة الأعراف آية ١١٦).
والثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه، قال تعالى:
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ* تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ* يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (سورة الشعراء الآيات ٢٢١ - ٢٢٣). وعلى ذلك قوله تعالى:
وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ (سورة البقرة آية ١٠٢) اهـ- «١».
стр. 590
قال ابن الجزري:
..... ويستطيع ربّك سوى ... عليّهم ..........
المعنى: قرأ «الكسائي» «يستطيع ربك» من قوله تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ (سورة المائدة آية ١١٢). قرأ
«تستطيع» بتاء الخطاب مع إدغام لام «هل» في «تاء» «تستطيع» والمخاطب سيدنا «عيسى» ﵇.
وقرأ «ربّك» بالنصب على التعظيم. والمعنى: هل تستطيع يا عيسى سؤال ربك، وهو استفهام فيه معنى الطلب، أي اسأل لنا ربّك أن ينزل علينا مائدة من السماء.
وقرأ الباقون «يستطيع» بياء الغيبة، و «ربّك» بالرفع، على أنه فاعل «يستطيع». والمعنى: هل يطيعك ربّك، ويجيبك على مسألتك، واستطاع حينئذ تكون بمعنى «أطاع» ويجوز أن يكونوا سألوه سؤال مختبر، وذلك لأن الحواريين مؤمنون، ولا يشكّون في قدرة الله تعالى.
قال ابن الجزري:
.......... ... ...... يوم انصب الرّفع أوى
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «أوى» وهو: «نافع» «يوم» من قوله تعالى: قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (سورة المائدة آية ١١٩) بالنصب على الظرفية، و «هذا» مبتدأ، والخبر متعلق الظرف، والتقدير: هذا القول واقع يوم ينفع الصادقين صدقهم.
وقرأ الباقون «يوم» بالرفع، على أنه خبر، و «هذا» مبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مقول القول.
(ولله أعلم) تمّت سورة المائدة ولله الحمد والشكر
стр. 591
سورة الأنعام
قال ابن الجزري:
يصرف بفتح الضّمّ واكسر صحبة ... ظعن ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «صحبة» والظاء من «ظعن» وهم: «شعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، ويعقوب» «يصرف» من قوله تعالى: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ (سورة الأنعام آية ١٦). قرءوا «يصرف» بفتح الياء، وكسر الراء، على البناء للفاعل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على «الربّ» المتقدم ذكره في قوله تعالى: قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (سورة الأنعام آية ١٥) ومفعول «يصرف» محذوف لدلالة الكلام عليه، وهو ضمير العذاب، والتقدير: من يصرف الرّبّ عنه العذاب يوم القيامة فقد رحمه.
وقرأ الباقون «يصرف» بضم الياء، وفتح الراء، على البناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير يعود على «العذاب» المتقدم. والتقدير: من يصرف العذاب عنه يوم القيامة، فقد ﵀ بذلك.
قال ابن الجزري:
.......... ... ..... ويحشر يا يقول ظنّة
ومعه حفص في سبا ...... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «نحشرهم، نقول» هنا في الأنعام من قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (آية ٢٢). و «يحشرهم، يقول» في سورة «سبأ» من قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (سورة سبأ آية ٤٠).
стр. 592
فقرأ المرموز له بالظاء من «ظنة» وهو: «يعقوب» «يحشرهم» و «يقول» في السورتين بالياء التحتيّة على الغيبة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى المتقدّم في قوله تعالى في سورة «الأنعام» وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (آية ٢١). وفي قوله تعالى في سورة سبأ: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ (الآية ٣٩).
وقرأ المصرّح باسمه: «حفص» نحشرهم، نقول» في الأنعام بنون العظمة، على الالتفات من الغيبة إلى التكلم. وفي سورة «سبأ» قرأ «يحشرهم، يقول» بياء الغيبة.
وقرأ الباقون «نحشرهم، نقول» في السورتين بنون العظمة.
قال ابن الجزري:
.......... يكن رضا ... صف خلف ظام فتنة ارفع كم عضا
دم .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «تكن فتنتهم» من قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (سورة الأنعام آية ٢٣).
فقرأ المرموز لهم ب «رضا» والصاد من «صف» بخلف عنه، والظاء من «ظام» وهم: «حمزة، والكسائي، ويعقوب، وشعبة في أحد وجهيه» «يكن» بالياء التحتية على التذكير، «فتنتهم» بالنصب، وذلك على أن «فتنتهم» خبر «يكن» مقدّم، و «إلّا أن قالوا» الخ اسم يكن مؤخر.
وقرأ المرموز لهم بالكاف من «كم» والعين من «عضا» والدال من «دم» وهم: «ابن عامر، وحفص، وابن كثير» «تكن» بالتاء الفوقية على التأنيث، و «فتنتهم» بالرفع، على أنّ «فتنتهم» اسم «تكن» و «إلّا أن قالوا» الخ خبر «تكن».
وقرأ الباقون وهم: «نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وخلف العاشر،
стр. 593
وشعبة في وجهه الثاني «تكن» بالتاء الفوقية على التأنيث، و «فتنتهم» بالنصب، على أنها خبر «تكن» مقدّم، و «إلا أن قالوا» اسم «تكن» مؤخر، وأنّث الفعل وهو «تكن» لتأنيث الخبر.
قال ابن الجزري:
.. ربّنا النّصب شفا ...... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ربّنا» من قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (سورة الأنعام آية ٢٣). قرءوا «ربّنا» بنصب الباء على النداء، أو على المدح، وفصل به بين القسم وجوابه، وذلك حسن لأنّ فيه معنى الخضوع والتضرع حين لا ينفع ذلك.
وقرأ الباقون «ربّنا» بجرّ الباء، على أنها بدل من لفظ الجلالة «الله» أو نعت، أو عطف بيان.
جاء في «تاج العروس»: «الربّ»: هو الله ، وهو ربّ كل شيء، أي مالكه، وله الربوبيّة على جميع الخلق لا شريك له، وهو ربّ الأرباب، ومالك الملوك، والأملاك» اهـ- «١».
والربّ: جمعه «أربّة» بكسر الراء، وتشديد الباء، وأرباب، و «ربوب» بضم الراء والباء.
قال الشاعر:
كانت أربّتهم حفرا وغزّهم ... عقد الجوار وكانوا معشرا غدرا
«٢»
стр. 594
قال ابن الجزري:
.......... نكذّب ... بنصب رفع فوز ظلم عجب
كذا نكون معهم شام ... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «ولا نكذب، ونكون» من قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (سورة الأنعام آية ٢٧).
فقرأ المرموز له بالفاء من «فوز» والظاء من «ظلم» والعين من «عجب» وهم: «حمزة، ويعقوب، وحفص» بنصب الباء في «ولا نكذّب» ونصب النون في «ونكون» على أنّ «ولا نكذّب» منصوب بأن مضمرة بعد واو المعيّة في جواب التمنّي، «ونكون» معطوف عليه.
وقرأ الشامي وهو «ابن عامر» برفع الباء في «ولا نكذّب» عطفا على «نردّ» ونصب النون في «ونكون» بأن مضمرة بعد واو المعيّة.
وقرأ الباقون برفع الفعلين، عطفا على «نردّ» والتقدير: يا ليتنا نردّ إلى الدنيا مرّة ثانية ونوفّق للتصديق والإيمان.
قال ابن الجزري:
.......... وخف ... للدّار الآخرة خفض الرّفع كف
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كف» وهو: «ابن عامر» «وللدار الآخرة» من قوله تعالى: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ (سورة الأنعام آية ٣٢).
قرأ «ولدار» بلام واحدة كما هي مرسومة في المصحف الشامي «١»، وهي لام الابتداء، وقرأ كذلك بتخفيف الدال، وخفض تاء «الآخرة» على الإضافة،
стр. 595
وحينئذ يكون الموصوف محذوفا، والتقدير: والدار الحياة الآخرة خير للمتقين.
وقرأ الباقون «وللدّار» بلامين: لام الابتداء، ولام التعريف، مع تشديد الدال بسبب إدغام لام التعريف في الدال، لوجود التقارب بينهما في المخرج، إذ اللام تخرج من أدنى حافّتي اللسان بعد مخرج الضاد إلى منتهى طرفه مع ما يليها من أصول الثنايا العليا، والدال تخرج من طرف اللسان مع ما فوقه من الحنك الأعلى، كما أنهما متفقتان في الصفات الآتية: الجهر، والاستفال، والانفتاح، كما قرءوا برفع تاء «الآخرة» على أنها صفة «للدار» و «خير» خبرها، وهذه القراءة موافقة لرسم بقيّة المصاحف.
قال ابن الجزري:
لا يعقلون خاطبوا وتحت عم ... عن ظفر يوسف شعبة وهم
يس كم خلف مدا ظلّ .... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في لفظ «تعقلون» في أربعة مواضع وهي:
١ - قوله تعالى: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (سورة الأنعام آية ٣٢).
٢ - قوله تعالى: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (سورة الأعراف آية ١٦٩).
٣ - قوله تعالى: وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (سورة يوسف آية ١٠٩).
٤ - قوله تعالى: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (سورة يس آية ٦٨).
فقرأ «نافع، وأبو جعفر، ويعقوب» «تعقلون» في المواضع الأربعة بتاء الخطاب.
وقرأ «ابن عامر» بتاء الخطاب في ثلاثة مواضع وهي: «الأنعام، والأعراف، ويوسف» واختلف عنه في موضع يس فقرأه مرّة بتاء الخطاب، وأخرى بياء الغيبة.
стр. 596
وقرأ «شعبة» بتاء الخطاب في موضع «يوسف» وبياء الغيبة في ثلاثة مواضع وهي: «الأنعام، والأعراف، ويس».
وقرأ «حفص» بتاء الخطاب في ثلاثة مواضع وهي: «الأنعام، والأعراف، ويوسف» وبياء الغيبة في موضع يس فقط.
وقرأ الباقون وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» بياء الغيبة في المواضع الأربعة.
التوجيه:
من ينعم النظر في سياق الكلام الذي قبل هذه الآيات يجد أن قراءة الغيبة جاءت متمشية مع سياق الكلام في المواضع الأربعة، وبناء عليه تكون قراءة الغيبة في السور الأربع جاءت جريا على السياق. وقراءة الخطاب في هذه السور الأربع جاءت على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.
تنبيه:
«تعقلون» من قوله تعالى: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (سورة القصص آية ٦٠). سيتكلم الناظم على خلاف القراء في سورته إن شاء الله تعالى.
قال ابن الجزري:
.......... وخف ... يكذّب اتل رم ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «اتل» والراء من «رم» وهما: «نافع، والكسائي» «لا يكذبونك» من قوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ (سورة الأنعام آية ٣٣). قرآ «لا يكذبونك» بضم الياء، وإسكان الكاف، وتخفيف الذال، على أنه مضارع «أكذب» على وزن «أفعل» على معنى: لا يجدونك كاذبا، لأنهم يعرفونك بالصدق، فهو من باب «أحمدت الرجل» وجدته محمودا.
حكى «الكسائي» ت ١٨٠ هـ- عن العرب: «أكذبت الرجل» إذا أخبرت أنه جاء بكذب.
стр. 597
وحكى «قطرب محمد بن المستنير» ت ٢٠٦ هـ-: «أكذبت الرجل» دللت على كذبه. وقيل معنى الآية: أنهم لا يجعلونك كاذبا إذ لم يجربوا عليك ذلك.
وقرأ الباقون «لا يكذّبونك» بضمّ الياء، وفتح الكاف، وتشديد الذال، على أنه مضارع «كذّب» مضعّف الثلاثي، على معنى: أنهم لا ينسبونك إلى الكذب، كما يقال: «فسّقته، وخطّأته» أي نسبته إلى الفسق، وإلى الكذب.
إذا فيكون المعنى: أنهم لا يقدرون أن ينسبوك إلى الكذب فيما جئت به.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... فتحنا اشدد كلف
خذه كالاعراف وخلفا ذق غدا ... واقتربت كم ثق غلا الخلف شدا
المعنى: اختلف القراء في لفظ «فتحنا» في ثلاثة مواضع وهي:
١ - قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ (سورة الأنعام آية ٤٤).
٢ - قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ (سورة الأعراف آية ٩٦).
٣ - قوله تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (سورة القمر آية ١١).
فقرأ «ابن عامر، وابن وردان» «فتحنا» في السور الثلاث بتشديد التاء، نحو: «كرّم» مضعف الثلاثي.
وقرأ «ابن جماز» بالتشديد في موضع «القمر» وبالتشديد والتخفيف في موضعي: «الأنعام والأعراف».
وقرأ «رويس» بالتشديد في موضع «القمر» وبالتشديد والتخفيف في موضعي: «الأنعام والأعراف» مثل «ابن جماز» سواء بسواء.
وقرأ «روح» بالتشديد والتخفيف في موضع «القمر» وبالتخفيف في موضعي: «الأنعام والأعراف».
стр. 598
وقرأ الباقون بالتخفيف في السور الثلاث. والتخفيف والتشديد لغتان، إلّا أن التشديد فيه دلالة على التكثير.
تنبيه: اتفق القراء العشرة على القراءة بالتخفيف في لفظ «فتحنا» في غير المواضع المتقدمة مثال ذلك:
١ - قوله تعالى: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (سورة الحجر آية ١٤).
٢ - قوله تعالى: حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ (سورة المؤمنون آية ٧٧).
٣ - قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (سورة الفتح آية ١).
قال ابن الجزري:
وفتّحت يأجوج كم ثوى ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» ومدلول «ثوى» وهم: «ابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب» «فتحت» من قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ (سورة الأنبياء آية ٩٦). قرءوا «فتّحت» بتشديد التاء، وفيه معنى التكرير، والتكثير، لأنه ثمّ سدّ، وبناء، وردم، فالفتح لأشياء مختلفة يقتضي التشديد الذي فيه دلالة على التكثير.
وقرأ الباقون «فتحت» بتخفيف التاء، لأن تقديره: حتى إذا فتح سدّ يأجوج ومأجوج.
قال ابن الجزري:
.......... وضم ... غدوة في غداة كالكهف كتم
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كتم» وهو «ابن عامر» «بالغدوة» من قوله تعالى:
стр. 599
١ - وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (سورة الأنعام آية ٥٢).
٢ - وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (سورة الكهف آية ٢٨).
قرأ «بالغدوة» في الموضعين بضم الغين، وإسكان الدال، وبعدها واو مفتوحة.
وقرأ الباقون «بالغدوة» في الموضعين أيضا بفتح الغين، والدال، وألف بعدها. و «الغدوة، والغداة» لغتان بمعنى واحد، وهو أنهما ظرف لأوّل النهار.
قال ابن الجزري:
وإنّه افتح عمّ ظلّا نل فإن ... نل كم ظبّى ..........
المعنى: اختلف القراء في «أنّه، فإنه» من قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة الأنعام آية ٥٤).
فقرأ «ابن عامر، وعاصم، ويعقوب» بفتح الهمزة فيهما.
وقرأ «نافع، وأبو جعفر» «أنّه» بفتح الهمزة، و «فإنه» بكسر الهمزة.
وقرأ الباقون بكسر الهمزة فيهما.
التوجيه: الفتح في الأولى على أنها بدل من «الرحمة» بدل الشيء من الشيء، أي بدل كل من كل، فهي في موضع نصب ب «كتب» والتقدير: كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم سوءا بجهالة الخ. والفتح في الثانية على أنّ محلها رفع بالابتداء، والخبر محذوف. والتقدير: فله غفران ربه ورحمته، أو فغفران ربه ورحمته حاصلان.
والكسر في الأولى على أنها مستأنفة، والكلام قبلها تام والكسر في الثانية
стр. 600
على أنها صدر جملة وقعت خبرا ل «من» على أنها موصولة، أو جوابا ل «من» إن جعلت شرطية.
قال ابن الجزري:
.......... ... ... ويستبين صون فن
روى سبيل لا المديني ... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «ولتستبين سبيل» من قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (سورة الأنعام آية ٥٥).
فقرأ المرموز له بالصاد من «صون» والفاء من «فن» ومدلول «روى» وهم: «شعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «وليستبين» بياء التذكير، ورفع لام «سبيل» فاعل.
وقرأ «نافع، وأبو جعفر» «ولتستبين» بتاء الخطاب، ونصب لام «سبيل» على أن «تستبين» مضارع من «استبنت الشيء» المعدّى و «سبيل» مفعول به، والمعنى: ولتستوضح يا «محمد» طريق المجرمين.
وقرأ الباقون وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص، ويعقوب» «ولتستبين» بتاء التأنيث، ورفع لام «سبيل» فاعل، وجاز تأنيث الفعل وتذكيره لأن الفاعل مؤنث مجازيا.
قال ابن الجزري:
.......... ويقص ... في يقض أهملن وشدّد حرم نص
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «حرم» والنون من «نص» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو جعفر، وعاصم» «يقصّ» من قوله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (سورة الأنعام آية ٥٧). قرءوا «يقصّ» بضم القاف، وبعدها صاد مهملة مضمومة مشددة، على أنه مضارع من «القصص» و «الحقّ» مفعول به ل «يقصّ».