وقرأ «شعبة» بتاء الخطاب في موضع «يوسف» وبياء الغيبة في ثلاثة مواضع وهي: «الأنعام، والأعراف، ويس».
وقرأ «حفص» بتاء الخطاب في ثلاثة مواضع وهي: «الأنعام، والأعراف، ويوسف» وبياء الغيبة في موضع يس فقط.
وقرأ الباقون وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» بياء الغيبة في المواضع الأربعة.
التوجيه:
من ينعم النظر في سياق الكلام الذي قبل هذه الآيات يجد أن قراءة الغيبة جاءت متمشية مع سياق الكلام في المواضع الأربعة، وبناء عليه تكون قراءة الغيبة في السور الأربع جاءت جريا على السياق. وقراءة الخطاب في هذه السور الأربع جاءت على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب.
تنبيه:
«تعقلون» من قوله تعالى: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (سورة القصص آية ٦٠). سيتكلم الناظم على خلاف القراء في سورته إن شاء الله تعالى.
قال ابن الجزري:
.......... وخف ... يكذّب اتل رم ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «اتل» والراء من «رم» وهما: «نافع، والكسائي» «لا يكذبونك» من قوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ (سورة الأنعام آية ٣٣). قرآ «لا يكذبونك» بضم الياء، وإسكان الكاف، وتخفيف الذال، على أنه مضارع «أكذب» على وزن «أفعل» على معنى: لا يجدونك كاذبا، لأنهم يعرفونك بالصدق، فهو من باب «أحمدت الرجل» وجدته محمودا.
حكى «الكسائي» ت ١٨٠ هـ- عن العرب: «أكذبت الرجل» إذا أخبرت أنه جاء بكذب.
стр. 597
وحكى «قطرب محمد بن المستنير» ت ٢٠٦ هـ-: «أكذبت الرجل» دللت على كذبه. وقيل معنى الآية: أنهم لا يجعلونك كاذبا إذ لم يجربوا عليك ذلك.
وقرأ الباقون «لا يكذّبونك» بضمّ الياء، وفتح الكاف، وتشديد الذال، على أنه مضارع «كذّب» مضعّف الثلاثي، على معنى: أنهم لا ينسبونك إلى الكذب، كما يقال: «فسّقته، وخطّأته» أي نسبته إلى الفسق، وإلى الكذب.
إذا فيكون المعنى: أنهم لا يقدرون أن ينسبوك إلى الكذب فيما جئت به.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... فتحنا اشدد كلف
خذه كالاعراف وخلفا ذق غدا ... واقتربت كم ثق غلا الخلف شدا
المعنى: اختلف القراء في لفظ «فتحنا» في ثلاثة مواضع وهي:
١ - قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ (سورة الأنعام آية ٤٤).
٢ - قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ (سورة الأعراف آية ٩٦).
٣ - قوله تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (سورة القمر آية ١١).
فقرأ «ابن عامر، وابن وردان» «فتحنا» في السور الثلاث بتشديد التاء، نحو: «كرّم» مضعف الثلاثي.
وقرأ «ابن جماز» بالتشديد في موضع «القمر» وبالتشديد والتخفيف في موضعي: «الأنعام والأعراف».
وقرأ «رويس» بالتشديد في موضع «القمر» وبالتشديد والتخفيف في موضعي: «الأنعام والأعراف» مثل «ابن جماز» سواء بسواء.
وقرأ «روح» بالتشديد والتخفيف في موضع «القمر» وبالتخفيف في موضعي: «الأنعام والأعراف».
стр. 598
وقرأ الباقون بالتخفيف في السور الثلاث. والتخفيف والتشديد لغتان، إلّا أن التشديد فيه دلالة على التكثير.
تنبيه: اتفق القراء العشرة على القراءة بالتخفيف في لفظ «فتحنا» في غير المواضع المتقدمة مثال ذلك:
١ - قوله تعالى: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (سورة الحجر آية ١٤).
٢ - قوله تعالى: حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ (سورة المؤمنون آية ٧٧).
٣ - قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (سورة الفتح آية ١).
قال ابن الجزري:
وفتّحت يأجوج كم ثوى ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كم» ومدلول «ثوى» وهم: «ابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب» «فتحت» من قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ (سورة الأنبياء آية ٩٦). قرءوا «فتّحت» بتشديد التاء، وفيه معنى التكرير، والتكثير، لأنه ثمّ سدّ، وبناء، وردم، فالفتح لأشياء مختلفة يقتضي التشديد الذي فيه دلالة على التكثير.
وقرأ الباقون «فتحت» بتخفيف التاء، لأن تقديره: حتى إذا فتح سدّ يأجوج ومأجوج.
قال ابن الجزري:
.......... وضم ... غدوة في غداة كالكهف كتم
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كتم» وهو «ابن عامر» «بالغدوة» من قوله تعالى:
стр. 599
١ - وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (سورة الأنعام آية ٥٢).
٢ - وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (سورة الكهف آية ٢٨).
قرأ «بالغدوة» في الموضعين بضم الغين، وإسكان الدال، وبعدها واو مفتوحة.
وقرأ الباقون «بالغدوة» في الموضعين أيضا بفتح الغين، والدال، وألف بعدها. و «الغدوة، والغداة» لغتان بمعنى واحد، وهو أنهما ظرف لأوّل النهار.
قال ابن الجزري:
وإنّه افتح عمّ ظلّا نل فإن ... نل كم ظبّى ..........
المعنى: اختلف القراء في «أنّه، فإنه» من قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (سورة الأنعام آية ٥٤).
فقرأ «ابن عامر، وعاصم، ويعقوب» بفتح الهمزة فيهما.
وقرأ «نافع، وأبو جعفر» «أنّه» بفتح الهمزة، و «فإنه» بكسر الهمزة.
وقرأ الباقون بكسر الهمزة فيهما.
التوجيه: الفتح في الأولى على أنها بدل من «الرحمة» بدل الشيء من الشيء، أي بدل كل من كل، فهي في موضع نصب ب «كتب» والتقدير: كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم سوءا بجهالة الخ. والفتح في الثانية على أنّ محلها رفع بالابتداء، والخبر محذوف. والتقدير: فله غفران ربه ورحمته، أو فغفران ربه ورحمته حاصلان.
والكسر في الأولى على أنها مستأنفة، والكلام قبلها تام والكسر في الثانية
стр. 600
على أنها صدر جملة وقعت خبرا ل «من» على أنها موصولة، أو جوابا ل «من» إن جعلت شرطية.
قال ابن الجزري:
.......... ... ... ويستبين صون فن
روى سبيل لا المديني ... ... ..........
المعنى: اختلف القراء في «ولتستبين سبيل» من قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (سورة الأنعام آية ٥٥).
فقرأ المرموز له بالصاد من «صون» والفاء من «فن» ومدلول «روى» وهم: «شعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «وليستبين» بياء التذكير، ورفع لام «سبيل» فاعل.
وقرأ «نافع، وأبو جعفر» «ولتستبين» بتاء الخطاب، ونصب لام «سبيل» على أن «تستبين» مضارع من «استبنت الشيء» المعدّى و «سبيل» مفعول به، والمعنى: ولتستوضح يا «محمد» طريق المجرمين.
وقرأ الباقون وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص، ويعقوب» «ولتستبين» بتاء التأنيث، ورفع لام «سبيل» فاعل، وجاز تأنيث الفعل وتذكيره لأن الفاعل مؤنث مجازيا.
قال ابن الجزري:
.......... ويقص ... في يقض أهملن وشدّد حرم نص
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «حرم» والنون من «نص» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو جعفر، وعاصم» «يقصّ» من قوله تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (سورة الأنعام آية ٥٧). قرءوا «يقصّ» بضم القاف، وبعدها صاد مهملة مضمومة مشددة، على أنه مضارع من «القصص» و «الحقّ» مفعول به ل «يقصّ».
стр. 601
وقرأ الباقون «يقض» بسكون القاف، وبعدها ضاد معجمة مكسورة مخففة، على أنه مضارع من «القضاء»، و «الحقّ» صفة لمصدر محذوف مفعول به، والتقدير: يقض القضاء الحقّ.
تنبيه:
رسم «يقض» بدون ياء تبعا للفظ القراءة، كما رسم «سندع الزبانية» سورة العلق (آية ١٨) بدون واو، وذلك اكتفاء بالكسرة التي قبل الضاد، وبالضمة التي قبل الواو «١».
قال ابن الجزري:
وذكّر استهوى توفّى مضجعا ... فضل ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «فضل» وهو: «حمزة» بتذكير لفظي:
«استهوته» من قوله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ (سورة الأنعام آية ٧١).
و «توفته» من قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (سورة الأنعام آية ٦١).
قرأ «استهواه» بألف ممالة بعد الواو، على تذكير الفعل، لكون الفاعل جمع تكسير، وهو «الشياطين» فالتذكير على معنى جمع الشياطين.
وقرأ أيضا «توفاه» بألف ممالة بعد الفاء، وهو فعل ماض حذفت منه تاء التأنيث، على تذكير الجمع.
وقرأ الباقون «استهوته» بالتاء الساكنة من غير ألف على تأنيث الفعل، على معنى جماعة الشياطين. وقرءوا أيضا «توفته» بتاء ساكنة مكان الألف، على أنه فعل ماض وأنّث على معنى الجماعة.
стр. 602
قال ابن الجزري:
.......... ... ... وننجي الخفّ كيف وقعا
ظلّ وفي الثّان اتل من حقّ وفي ... كاف ظبى رض تحت صاد شرّف
والحجر أولى العنكبا ظلم شفا ... والثّان صحبة ظهير دلفا
ويونس الأخرى علا ظبي رعا ... وثقل صفّ كم ..........
المعنى: اختلف القراء في تخفيف، وتشديد الكلمات الآتية:
١ - «ينجيكم» من قوله تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (سورة الأنعام آية ٦٣). ومن قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها (سورة الأنعام آية ٦٤).
٢ - «ننجيك» من قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ (سورة يونس آية ٩٢).
٣ - «ننجي» من قوله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا (سورة يونس آية ١٠٣). ومن قوله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا (سورة مريم آية ٧٢).
٤ - «ننج» من قوله تعالى: كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (سورة يونس آية ١٠٣).
٥ - «لمنجوهم» من قوله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (سورة الحجر آية ٥٩).
٦ - «لننجينه» من قوله تعالى: لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ (سورة العنكبوت آية ٣٢).
٧ - «منجوك» من قوله تعالى: إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ (سورة العنكبوت آية ٣٣).
٨ - «ينجي» من قوله تعالى: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ (سورة الزمر آية ٦١).
٩ - «تنجيكم» من قوله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (سورة الصف آية ١٠).
هذه إحدى عشرة كلمة جاء فيها خلاف القراء العشرة بين التخفيف، والتشديد:
فالتخفيف على أن «الاشتقاق من «أنجى» الرباعي. والتشديد على أنه
стр. 603
من «نجّى» مضعف الثلاثي. وإليك قراءة القراء العشرة في هذه الكلمات:
قرأ «يعقوب» بالتخفيف في عشرة مواضع، وبالتشديد في موضع الزمر فقط.
وقرأ «هشام» بالتشديد في الأحد عشر موضعا.
وقرأ «نافع، وأبو عمرو» بالتخفيف في الموضع الثاني من «الأنعام» وفي موضع «الصف» وبالتشديد في التسعة الباقية.
وقرأ «ابن كثير» بالتخفيف في الموضع الثاني من «الأنعام» وفي الموضع الثاني من «العنكبوت» وفي موضع «الصف» وبالتشديد في الثمانية الباقية.
وقرأ «ابن ذكوان» بالتخفيف في الموضع الثاني من «الأنعام» وبالتشديد في العشرة الباقية.
وقرأ «حمزة، وخلف العاشر» بالتخفيف في «الحجر»، وموضعي العنكبوت، والزمر، والصف، وبالتشديد في الستة الباقية.
وقرأ «الكسائي» بالتخفيف في الموضع الأخير من «يونس» وموضع الحجر، ومريم، وموضعي العنكبوت، والزمر، والصف، وبالتشديد في الأربعة الباقية.
وقرأ «شعبة» بالتخفيف في الموضع الثاني من «العنكبوت»، وبالتشديد في العشرة الباقية.
وقرأ «حفص» بالتخفيف في الموضع الأخير من «يونس» وموضع «الصف» وبالتشديد في التسعة الباقية.
تنبيه: «ننجي» من قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (سورة الأنبياء آية ٨٨) وسيأتي خلاف القراء فيه في سورة الأنبياء حسبما ذكر «الناظم» ﵀.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وخفية معا
بكسر ضمّ صف .......... ... ..........
стр. 604
المعنى: قرأ المرموز له بالصاد من «صف» «وهو: «شعبة» «خفية» معا:
من قوله تعالى:
١ - قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً (سورة الأنعام آية ٦٣).
٢ - ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً (سورة الأعراف آية ٥٥).
قرأ بكسر الخاء في الموضعين.
وقرأ الباقون بضم الخاء في الموضعين أيضا، وهما لغتان في مصدر «خفي».
قيل معناه: تذلّلا واستكانة وخفية.
قال ابن الجزري:
.......... وأنجانا كفى ... أنجيتنا الغير ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «كفى» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «أنجانا» من قوله تعالى: لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (سورة الأنعام آية ٦٣). قرءوا «أنجانا» بألف بعد الجيم من غير ياء، ولا تاء، بلفظ الغيب، وذلك جريا على سياق ما قبله، وما بعده، لأن قبله قوله تعالى: تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً والهاء للغائب، وبعده قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ (آية ٦٤).
وقرأ الباقون «أنجيتنا» بياء تحتية ساكنة بعد الجيم، وبعدها تاء فوقية مفتوحة، على الخطاب، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، حكاية لدعائهم.
تنبيه:
اتفق القراء العشرة على قراءة «أنجيتنا» من قوله تعالى: لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (سورة يونس آية ٢٢) بياء تحتية ساكنة بعد
стр. 605
الجيم، وبعدها تاء فوقية مفتوحة على الخطاب، لأنه إخبار عن توجههم إلى الله تعالى بالدعاء، وذلك إنما يكون بالخطاب.
جاء في «تاج العروس»: «نجا من كذا ينجو، نجوا»، بفتح النون، وسكون الجيم، و «نجاء» ممدود، و «نجاة» بالقصر: خلص منه «١».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وينسي كيفا
ثقلا .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كيّفا» وهو: «ابن عامر» «ينسينك» من قوله تعالى: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (سورة الأنعام آية ٦٨).
قرأ «ينسينّك» بفتح النون التي قبل السين، وتشديد السين، على أنه مضارع «نسّى» مضعّف الثلاثي.
وقرأ الباقون «ينسينّك» بإسكان النون، وتخفيف السين، مضارع «أنسى» الرباعي. والمفعول الثاني على القراءتين محذوف، والتقدير: ما أمرت به من ترك مجالسة الخائضين في آيات الله.
قال ابن الجزري:
... وآزر ارفعوا ظلما .... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالظاء من «ظلما» وهو: «يعقوب» «ءازر» من قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ (سورة الأنعام آية ٧٤) بضمّ الراء، على أنه منادى حذف منه حرف النداء.
стр. 606
وقرأ الباقون «آزر» بفتح الراء، على أنه بدل من «أبيه» وهو مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
قال ابن الجزري:
.......... وخف ... نون تحاجّوني مدا من لي اختلف
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «مدّا» والميم من «من» واللام من «لي» بخلف عنه، وهم: «نافع، وأبو جعفر، وابن ذكوان، وهشام» بخلف عنه «أتحجونّي» من قوله تعالى: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ (سورة الأنعام آية ٨٠). قرءوا «أتحاجّوني» بتخفيف النون، وذلك لأن أصل الفعل «أتحاجونني» بنونين: الأولى علامة رفع الفعل، والثانية نون الوقاية، وهي فاصلة بين الفعل والياء، فلما اجتمع مثلان حذفت النون الثانية التي هي للوقاية للتخفيف، ولا يحسن أن يكون المحذوف النون الأولى لأنها علامة الرفع في الفعل، وحذفها علامة النصب، أو الجزم.
قال ابن مالك في ألفيته:
واجعل لنحو يفعلان النونا ... رفعا وتدعين وتسألونا
وحذفها للجزم والنصب سمه ... كلم تكوني لترمي مظلمه
وبناء عليه لو قلنا بحذف النون الأولى التي هي علامة رفع الفعل لاشتبه الفعل المرفوع بالمنصوب، والمجزوم. يضاف إلى ذلك أن الثقل إنما حدث بوجود النون الثانية، فحذف ما حدث به الثقل أولى من غيره.
وقرأ الباقون «أتحاجّوني» بتشديد النون، وذلك على إدغام نون الرفع في نون الوقاية للتخفيف. وعلى قراءة التشديد يجب مدّ الواو مدّا مشبعا قدره ستّ حركات للتشديد كي لا يجتمع ساكنان: الواو، وأوّل المشدّد، فصارت المدة تفصل بين الساكنين، كما تفصل الحركة بينهما.
وبذلك قرأ «هشام» في وجهه الثاني.
стр. 607
والمحاجّة: أن يطلب كل واحد أن يردّ الآخر عن حجته، ومحجّته.
و «الحجّة» بالضم: الدليل والبرهان.
وقال «الأزهري» ت ٣٧٠ هـ-: الحجّة: الوجه الذي يكون به الظفر عند الخصومة» اهـ-.
وإنّما سمّيت حجّة لأنها تحجّ أي تقصد، لأن القصد لها وإليها، وجمع «الحجة» حجج، وحجاج «١».
قال ابن الجزري:
ودرجات نوّنوا كفا معا ... يعقوب معهم هنا ...
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «كفا» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «درجت» معا من قوله تعالى: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (سورة الأنعام آية ٨٣). ومن قوله تعالى: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (سورة يوسف آية ٧٦). قرءوا «درجات» في السورتين بتنوين التاء، وذلك على أن الفعل مسلّط على «من» لأن المرفوع في الحقيقة هو صاحب الدرجات، لا «الدرجات» كقوله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ (سورة البقرة آية ٢٥٣). وبناء عليه يكون «درجات» منصوب على الظرفية، و «من» مفعول «نرفع» والتقدير: نرفع من نشاء مراتب ومنازل.
وقرأ «يعقوب» بتنوين التاء في «درجات» موضع الأنعام فقط. وبعدم التنوين في موضع «يوسف».
وقرأ الباقون «درجات» في الموضعين بغير تنوين، وذلك على أن الفعل مسلط على «درجات» فتكون مفعول «نرفع» و «درجات» مضاف، و «من» مضاف إليه، لأن
الدرجات إذا رفعت فصاحبها مرفوع إليها، كما في قوله تعالى:
стр. 608
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ (سورة غافر آية ١٥) فأضاف الرفع إلى «درجات» فالقراءتان متقاربتان في المعنى، لأن من رفعت درجاته فقد رفع، ومن رفع فقد رفعت درجاته.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... واللّيسعا
شدّد وحرّك سكّنن معا شفا ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «واليسع» معا، من قوله تعالى:
١ - وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً (سورة الأنعام آية ٨٦).
٢ - وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ (سورة ص آية ٤٨). قرءوا «واليسع» في السورتين بلام مشدّدة مفتوحة، وبعدها ياء ساكنة، وذلك على أن أصله «ليسع» على وزن «ضيغم» وهو اسم أعجميّ علم على نبيّ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو معرفة بدون اللام، فقدر تنكيره ثم دخلت عليه «ال» أي الألف واللام للتعريف، ثم أدغمت اللام في اللام للتماثل، وقيل: بتقدير تنكيره لأن الأعلام لا يصحّ دخول الألف واللام عليها، إذ لا يجتمع على الاسم تعريفان: العلمية، والألف واللام. وقيل: الألف واللام زائدتان وليستا للتعريف.
وقرأ الباقون «واليسع» بلام ساكنة خفيفة، وبعدها ياء مفتوحة، على أن أصله «يسع» على وزن «يضع» ثم دخلت عليه الألف واللام، كما دخلت على «يزيد» كما في قول «ابن ميّادة» وهو: «الرماح بن أبرد بن ثوبان» يمدح «الوليد ابن يزيد»:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدا بأعباء الخلافة كاهله
قال النحويون: دخول الألف واللام على «يزيد» يحتمل أمرين:
الأول: أن تكون للتعريف ويكون ذلك على تقدير أن الشاعر قبل أن
стр. 609
يدخل «أل» قدّر في «يزيد» التنكير فصار شائعا شيوع «رجل» ونحوه من النكرات.
والثاني: أن تكون «ال» زيدت فيه للضرورة «١».
قال ابن الجزري:
.......... ... ويجعلوا يبدو ويخفوا دع حفا
المعنى: قرأ المرموز له بالدال من «دع» والحاء من «حفا» وهما: «ابن كثير، وأبو عمرو» «تجعلونه، تبدونها، وتخفون» من قوله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً (سورة الأنعام آية ٩١).
قرآ الأفعال الثلاثة «يجعلونه، يبدونها، ويخفون» بياء الغيبة، وذلك لمناسبة الغيبة في قوله تعالى في صدر الآية: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ الخ.
وقرأ الباقون الأفعال الثلاثة بتاء الخطاب، وذلك على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، أو ردّا على المخاطبة التي قبل في قوله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى الخ أي قل لهم ذلك.
قال ابن الجزري:
ينذر صف .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالصاد من «صف» وهو: «شعبة» «ولتنذر» من قوله تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها (سورة الأنعام آية ٩٢).
قرأ «ولينذر» بياء الغيبة، على أن الفعل مسند إلى ضمير «الكتاب» والمراد
стр. 610
به «القرآن الكريم» كما قال تعالى في سورة الأنبياء (آية ٤٥): قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ.
وقرأ الباقون «ولتنذر» بتاء الخطاب، والمخاطب نبينا «محمد» ﷺ فهو فاعل الإنذار، كما قال تعالى في سورة النازعات (آية ٤٥): إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها. والإنذار: إخبار فيه تخويف، قال تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (سورة الليل آية ١٤).
قال ابن الجزري:
.......... بينكم ارفع في كلا ... حقّ صفا ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «في» والكاف من «كلا» ومدلول «حقّ» ومدلول «صفا» وهم: «حمزة، وابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وشعبة، وخلف العاشر» «بينكم» من قوله تعالى: وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ (سورة الأنعام آية ٩٤). قرءوا «بينكم» برفع النون، على أنّ «بين» اسم غير ظرف معناه «الوصل» فأسند الفعل إليه، والمعنى: لقد تقطّع وصلكم، وإذا تقطع وصلهم افترقوا، وهو المعنى المراد من الآية.
وإنما استعملت «بين» بمعنى «الوصل» لأنها تستعمل كثيرا مع السببين المتلابسين بمعنى «الوصل» تقول: بيني وبينه رحم وصداقة، أي بيني وبينه صلة، فلما استعملت بمعنى الوصل جاز استعمالها في الآية كذلك.
ويجوز أن تكون «بين» ظرف، وجاز إسناد الفعل إليه، لأنه يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها، فأسند الفعل إليه مجازا، كما أضيف إليه في قوله تعالى: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ (سورة المائدة آية ١٠٦).
وقرأ الباقون «بينكم» بنصب النون، على أنها ظرف ل «تقطع» والفاعل ضمير والمراد به «الوصل» لتقدّم ما يدلّ عليه وهو لفظ «شركاء» والتقدير: لقد تقطع وصلكم بينكم، ودلّ على حذف «الوصل» قوله تعالى: وَما نَرى مَعَكُمْ
стр. 611
شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ فدلّ هذا على التقاطع، والتهاجر بينهم وبين شركائهم إذ تبرءوا بهم، ولم يكونوا معهم، وتقاطعهم لهم هو ترك وصلهم لهم، فحسن إضمار «الوصل» بعد «تقطع» لدلالة الكلام عليه.
جاء في «المفردات»: «بين» موضوع للخلالة بين الشيئين ووسطهما «١».
قال تعالى: وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (سورة الكهف آية ٣٢). و «بين» يستعمل تارة اسما، وتارة ظرفا: فمن قرأ «بينكم» برفع النون جعله اسما، ومن قرأ «بينكم» بنصب النون جعله ظرفا غير متمكن، فمن الظرف قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (سورة الحجرات آية ١). ولا يستعمل «بين» إلّا فيما كان له مسافة نحو: «بين البلدين» أو له عدد ما: اثنان فصاعدا، نحو: «بين الرجلين وبين القوم». ولا يضاف «بين» إلى ما يقتضي معنى الوحدة إلّا إذا كرر، نحو قوله تعالى: فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً (سورة طه آية ٥٨) و «بين» يزاد فيه «ما» أو الألف، فيجعل بمنزلة «حين» نحو: «بينما زيد يفعل كذا» «وبينا يفعل كذا» اهـ- «٢».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وجاعل اقرأ جعلا
والليل نصب الكوف .......... ... ..........
المعنى: قرأ الكوفيون وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «وجعل الليل» من قوله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً (سورة الأنعام آية ٩٦). قرءوا «وجعل» بفتح العين، واللام، من غير ألف بينهما، على أنه فعل ماض، وقرءوا «الليل» بالنصب، على أنه مفعول به ل «جعل» وهذه القراءة مناسبة لقوله تعالى بعد: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ (آية ٩٧).
وقرأ الباقون «وجاعل» بالألف بعد الجيم، وكسر العين، ورفع اللام،
стр. 612
و «الليل» بالخفض، على أنّ «جاعل» اسم فاعل أضيف إلى مفعوله، وهذه القراءة مناسبة لقوله تعالى قبل: فالِقُ الْإِصْباحِ.
قال ابن الجزري:
.......... قاف مستقر ... فاكسر شذا حبر ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالشين من «شذا» ومدلول «حبر» وهم: «روح، وابن كثير، وأبو عمرو» «فمستقر» من قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ (سورة الأنعام آية ٩٨). قرءوا «فمستقرّ» بكسر القاف، على أنه اسم فاعل مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: فمنكم مستقرّ في الرحم، أي قد صار إليها واستقرّ فيها، ومنكم من هو مستودع في صلب أبيه.
وقرأ الباقون «فمستقرّ» بفتح القاف، على أنه اسم مكان مبتدأ، والخبر محذوف أيضا، والتقدير: فمنكم من هو قارّ في الأرحام، ومنكم من هو مستودع في صلب أبيه.
وجاء في «تاج العروس»: قال «علي بن جعفر» المعروف بابن القطّاع ت ٥١٥ هـ-: «قرّ في المكان» «يقرّ» بكسر القاف، وفتحها، أي من باب «ضرب، وعلم» اه- «١».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... وفي ضمّي ثمر
شفا كيس .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ثمره» في ثلاثة مواضع وهي:
١ - قوله تعالى: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ (سورة الأنعام آية ٩٩).
٢ - قوله تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ (سورة الأنعام آية ١٤١).
стр. 613
٣ - قوله تعالى: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ (سورة يس آية ٣٥). قرءوا «ثمره» في المواضع الثلاثة بضم الثاء، والميم، على أنه جمع «ثمرة» مثل:
«خشبة وخشب» أو على أنه جمع «ثمار» مثل: «حمار وحمر». و «ثمار» جمع «ثمرة» وحينئذ يكون جمع الجمع.
وقرأ الباقون «ثمره» في المواضع الثلاثة أيضا بفتح الثاء، والميم، على أنه جمع «ثمرة» مثل: «بقرة وبقر» وحينئذ يكون اسم جنس جمعيّ.
واسم الجنس الجمعي: هو ما يدلّ على أكثر من اثنين، ويفرق بينه وبين مفرده بالتاء، نحو: «شجرة وشجر» وبقرة وبقر، وكلمة وكلم.
تنبيه: سيأتي خلاف القراء في قوله تعالى: وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ وقوله:
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ في سورة «الكهف» إن شاء الله تعالى.
و «الثمر»: اسم لكل ما يتطعّم من أعمال الشجر، والواحد «ثمرة» والجمع «ثمار، وثمرات» قال تعالى: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ (سورة البقرة آية ٢٢).
قال ابن الجزري:
.......... وخرّقوا اشدد ... مدّا ..........
المعنى: قرأ مدلول «مدا» وهما: «نافع، وأبو جعفر» «وخرقوا» من قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ (سورة الأنعام آية ١٠٠). قرآ «وخرّقوا» بتشديد الراء، وذلك للتكثير، لأن المشركين ادعوا الملائكة بنات الله، واليهود ادعت «عزيرا» ابن الله، والنصارى ادعت «المسيح» ابن الله، وهذا كله كذب وافتراء، فكثّر ذلك من كفرهم، فلعلّ تشديد «وخرّقوا» لمطابقة المعنى، تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا.
وقرأ الباقون «وخرقوا» بتخفيف الراء، على الأصل، ولأن الفعل يدلّ على القليل والكثير.
стр. 614
قال «ابن الأعرابي محمد بن زياد» ت ٢٣١ هـ-: لا جمع للخرق، اهـ-.
وقال «محمد بن الحسن بن دريد» ت ٣٢١ هـ-: جمع «الخرق» «أخراق» «كسرب، وأسراب» اهـ-.
وقال «الصاحب بن عبّاد» ت ٣٨٥ هـ-: جمع «خرق» «خراق» «كغراب» اهـ-.
وقال غيرهم: جمع «الخرق» «خروق» «١».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... ودارست لحبر فامدد
وحرّك اسكن كم ظبّى ... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهما ب «حبر» وهما: «ابن كثير، وأبو عمرو» «درست» من قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ (سورة الأنعام آية ١٠٥).
قرأ «دارست» بألف بعد الدال، وسكون السين، وفتح التاء، على وزن «قابلت» على أن «المفاعلة» من الجانبين، أي وليقولوا: دارست أهل الكتب السابقة كاليهود، والنصارى، ودارسوك، من «المدارسة» أي ذاكرتهم، وذاكروك، ودلّ على هذا المعنى قولهم في سورة «الفرقان»: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ (سورة الفرقان آية ٤).
وقرأ المرموز له بالكاف من «كم» والظاء من «ظبى» وهما: «ابن عامر، ويعقوب» «درست» بحذف الألف التي بعد الدال، وفتح السين، وسكون التاء، على وزن «فعلت» بفتح الفاء والعين واللام، وسكون التاء، وذلك على إسناد الفعل إلى الآيات، فأخبر الله عن الكفار أنهم يقولون: هذه الآيات التي جئتنا
стр. 615
بها يا «محمد» قد قدمت، وبليت، ومضت عليها دهور، وكانت من أساطير الأوّلين فجئتنا بها، ودلّ على هذا المعنى قوله تعالى في سورة «الفرقان» (آية ٥):
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.
وقرأ الباقون «درست» بغير ألف، وإسكان السين، وفتح التاء، على وزن «فعلت» بفتح الفاء والعين، وسكون اللام، وذلك على إسناد الفعل إلى النبيّ ﷺ ، فالتاء للخطاب، والمعنى: أن الله أخبر عن الكفار أنهم قالوا للنبي ﵊: هذه الآيات التي جئتنا بها كانت نتيجة أنك درست، وحفظت كتب الأمم السابقة، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى في سورة النحل (آية ٢٤): وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
جاء في «تاج العروس»: «درس الشيء» بضم الهمزة، «يدرس» «دروسا» بضم الدال: «عفا» و «درسته الريح درسا»: محته.
وقال «ابن جنّي» ت ٣٩٥ هـ-: «درس الكتاب، يدرسه، درسا»: ذلّله بكثرة القراءة حتى خفّ حفظه عليه «كأدرسه» اهـ-. «١».
قال ابن الجزري:
.......... والحضرمي ... عدوا عدوّا كعلوّا فاعلم
المعنى: قرأ «يعقوب الحضرمي» «عدوا» من قوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ (سورة الأنعام آية ١٠٨).
قرأ «عدوّا» بضم العين، والدال، وتشديد الواو مثل «علوّا» وأصلها «عدوو» على وزن «فعول» فأدغمت الواو المدّية في الواو التي هي لام الكلمة.
وقرأ الباقون «عدوا» بفتح العين، وإسكان الدال، وتخفيف الواو، على وزن «فعل».
стр. 616
والقراءتان لغتان في المصدر بمعنى واحد وهو: الاعتداء بغير علم.
قال «الراغب الأصفهاني»: «العدو»: التجاوز، ومنافاة الالتئام، فتارة يعتبر بالقلب فيقال له: العداوة، والمعاداة، وتارة بالمشي فيقال له: العدو، وتارة في الإخلال بالعدالة في المعاملة، فيقال له: العدوان، والعدو، قال تعالى:
فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ اهـ- «١».
وقال «الزبيدي»: «عدا عليه، عدوا» بفتح العين، وسكون الدال، و «عدوّا» بضم العين، والدال، و «عداء» بفتح العين، والدال «كسحاب» و «عدوانا» بضم العين، وكسرها مع إسكان الدال: ظلمه ظلما جاوز فيه القدر اهـ- «٢».
قال ابن الجزري:
وإنّها افتح عن رضى عمّ صدا ... خلف ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالعين من «عن» ومدلول «رضى» ومدلول «عمّ» والصاد من «صدا» بخلف عنه، وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، ونافع، وابن عامر، وأبو جعفر، وشعبة بخلف عنه» «أنها» من قوله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (سورة الأنعام آية ١٠٩). قرءوا «أنّها» بفتح الهمزة.
قال «مكي بن أبي طالب» ت ٤٣٧ هـ-: وحجّة من فتح الهمزة أنه جعل «أنّ» بمنزلة «لعلّ» لغة فيها على قول «الخليل بن أحمد» ت ١٧٠ هـ- حكي عن العرب: «ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا» أي لعلك. ويجوز أن يعمل فيها «يشعركم» فيفتح على المفعول به، لأن معنى «شعرت به»: «دريت» فهو في اليقين كعلمت، وتكون «لا» في قوله تعالى: لا يُؤْمِنُونَ زائدة، والتقدير:
стр. 617
وما يدريكم أيها المؤمنون أن الآية إذا جاءتهم يؤمنون، أي أنهم لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية التي اقترحوا بها. وهذا المعنى إنما يصحّ على قراءة من قرأ «يؤمنون» بياء الغيبة، ويكون «يشعركم» خطابا للمؤمنين، والضمير في «يؤمنون» للكفار في القراءة بالياء.
ومن قرأ «تؤمنون» بالتاء فالخطاب في «يشعركم» للكفار، ويقوّي هذا المعنى قوله تعالى بعد: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ (آية ١١١).
و «ما» في قوله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ للاستفهام، وفي «يشعركم» ضمير «ما» والمعنى: وأيّ شيء يدريكم أيها المؤمنون إيمانهم إذا جاءتهم الآية، أي: لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية. ولا يحسن أن تكون «ما» نافية، لأنه يصير التقدير:
وليس يدريكم الله أنهم لا يؤمنون، وهذا مناقض، لأنه تعالى قد أدرانا أنهم لا يؤمنون بقوله تعالى بعد: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ إلى قوله: يَجْهَلُونَ اهـ- «١».
وقرأ الباقون «إنها» بكسر الهمزة، وهو الوجه الثاني «لشعبة» وذلك على الاستئناف، إخبارا عنهم بعدم الإيمان، لأنه طبع على قلوبهم.
قال ابن الجزري:
.......... ... .... وتؤمنون خاطب في كدا
المعنى: قرأ المرموز له بالفاء من «في» والكاف من «كدا» وهما: «حمزة، وابن عامر» «لا يؤمنون» من قوله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (سورة الأنعام آية ١٠٩).
قرآ «لا تؤمنون» بتاء الخطاب، لمناسبة الخطاب في قوله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ وهو للكفار، وحينئذ يكون المعنى: وما يدريكم أيها الكفار المقترحون
стр. 618
مجيء الآية الدالّة على نبوّة نبيّ الله «محمد» ﷺ أنها إذا جاءتكم تؤمنون، فالله طبع على قلوبكم، وبناء عليه تكون «لا» زائدة.
وقرأ الباقون «لا يؤمنون» بياء الغيبة، وذلك على أن الخطاب في «يشعركم» للمؤمنين، والواو في «يؤمنون» للكفار لمناسبة الغيبة في قوله تعالى قبل: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها وبناء عليه يكون المعنى: وما يدريكم أيها المؤمنون أن لو أنزل الله الآية التي طلبها الكفار أنهم يؤمنون، إذا فعدم إيمانهم مقطوع به لأن الله ختم على قلوبهم.
قال ابن الجزري:
وقبلا كسرا وفتحا ضمّ حق ... كفى وفي الكهف كفى ذكرا خفق
المعنى: اختلف القراء في «قبلا» هنا، وفي سورة الكهف، من قوله تعالى:
١ - وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا (سورة الأنعام آية ١١١).
٢ - أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (سورة الكهف آية ٥٥).
فقرأ المرموز لهم ب «كفى» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «قبلا» في الموضعين بضم القاف، والباء، على أنه جمع «قبيل» مثل «رغيف»، و «رغف» ونصبه على الحال، والمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء فوجا فوجا، ونوعا نوعا، من سائر المخلوقات.
وقرأ المرموز لهم ب «حق» وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» موضع «الأنعام» بضم القاف، والباء، وموضع «الكهف» بكسر القاف، وفتح الباء، بمعنى مقابلة، أي معاينة، ونصبه على الحال، وقيل: بمعنى ناحية، وجهة، ونصبه حينئذ على الظرفية.
وقرأ المرموز له بالذال من «ذكرا» والخاء من «خفق» وهو: «أبو جعفر» موضع «الأنعام» بكسر القاف، وفتح الباء، وموضع «الكهف» بضمّ القاف، والباء.
стр. 619
وقرأ الباقون وهم: «نافع، وابن عامر» «قبلا» في السورتين بكسر القاف، وفتح الباء.
قال ابن الجزري:
وكلمات اقصر كفى ظلّا وفي ... يونس والطّول شفا حقّا نفي
المعنى: اختلف القراء في «كلمت» في أربعة مواضع، وهي:
١ - قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا (سورة الأنعام آية ١١٥).
٢ - قوله تعالى: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (سورة يونس آية ٣٣).
٣ - قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (سورة يونس آية ٩٦).
٤ - قوله تعالى: وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (سورة غافر آية ٦).
فقرأ «عاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «كلمت» في المواضع الأربعة بحذف الألف التي بعد الميم، على التوحيد، والمراد بها الجنس فيشمل القليل، والكثير.
وقرأ «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر» «كلمت» في المواضع الأربعة بإثبات الألف التي بعد الميم، على الجمع، لأن كلمات الله تعالى متنوعة: أمرا، ونهيا، وغير ذلك.
وهي مرسومة بالتاء المفتوحة في جميع المصاحف، فمن قرأها بالجمع وقف بالتاء. ومن قرأها بالإفراد فمنهم من وقف بالتاء وهم: «عاصم، وحمزة، وخلف العاشر». ومنهم من وقف بالهاء وهما: «الكسائي، ويعقوب».
وقرأ «ابن كثير، وأبو عمرو» بالجمع في موضع «الأنعام» وبالإفراد في موضعي: «يونس» وموضع «غافر». وعلى قراءة الجمع يقفان بالتاء، وعلى قراءة الإفراد يقفان بالهاء.
стр. 620
تنبيه:
اعلم أنه لم يرد خلاف بين القراء العشرة في لفظ «كلمت» بين الإفراد والجمع في غير المواضع الأربعة التي سبق ذكرها، وذلك لأن القراءة سنة متبعة، ومبنية على التوقيف علما بأنه ورد لفظ «كلمة» في القرآن غير المواضع صاحبة الخلاف في أكثر من موضع، مثال ذلك:
١ - قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا (سورة الأعراف آية ١٣٧).
٢ - قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (سورة يونس آية ١٩).
٣ - قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (سورة هود آية ١١٠).
٤ - قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ (سورة هود آية ١١٩).
٥ - قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (سورة طه آية ١٢٩).
٦ - قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (سورة فصلت آية ٤٥).
٧ - قوله تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ (سورة الشورى آية ١٤).
قال ابن الجزري:
فصّل فتح الضّمّ والكسر أوى ... ثوى كفى وحرّم اتل عن ثوى
المعنى: اختلف القراء في «فصل، حرم» من قوله تعالى: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ (سورة الأنعام آية ١١٩).
فقرأ «نافع، وحفص، وأبو جعفر، ويعقوب» «فصّل» بفتح الفاء، والصاد المشددة، و «حرّم» بفتح الحاء، والراء المشددة، وذلك على بناء الفعلين للفاعل، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره «هو» يعود على «الله» المتقدم ذكره.
стр. 621
وقرأ «شعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «فصّل» بالبناء للفاعل، و «حرّم» بالبناء للمفعول.
وقرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر» «فصّل»، و «حرّم» ببناء الفعلين للمفعول، ونائب فاعل «فصّل» «ما» ونائب فاعل «حرّم» ضمير مستتر جوازا تقديره «هو» يعود على «ما».
قال ابن الجزري:
واضمم يضلوا مع يونس كفى ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «كفى» وهم: «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ليضلون» هنا، «ليضلوا» في يونس، من قوله تعالى:
١ - وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ (سورة الأنعام آية ١١٩).
٢ - رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ (سورة يونس آية ٨٨). قرءوا «ليضلون»، «ليضلوا» بضم الياء فيهما، على أنه مضارع من «أضلّ» الرباعي، والواو فاعل، والمفعول محذوف، والتقدير: ليضلوا غيرهم.
وقرأ الباقون الفعلين بفتح الياء، على أنه مضارع «ضلّ» الثلاثي، وهو فعل لازم، والواو فاعل، يقال: ضلّ فلان، وأضلّ غيره.
قال ابن الجزري:
.......... ... ضيقا معا في ضيّقا مكّ وفى
المعنى: قرأ «ابن كثير المكيّ» «ضيقا» معا هنا، وفي «الفرقان» من قوله تعالى:
١ - وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً (سورة الأنعام آية ١٢٥).
٢ - وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ (سورة الفرقان آية ١٣).
قرأ «ضيقا» في السورتين بسكون الياء مخففة.
стр. 622
وقرأ الباقون «ضيّقا» في الموضعين بكسر الياء مشددة. والتخفيف، والتشديد لغتان بمعنى واحد مثل: «ميت، ميّت». مخففا ومشددا، والضّيق:
ضدّ السعة.
قال ابن الجزري:
را حرجا بالكسر صن مدا ...... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالصاد من «صن» ومدلول «مدا» وهم: «شعبة، ونافع، وأبو جعفر» «حرجا» من قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً (سورة الأنعام آية ١٢٥). قرءوا «حرجا» بكسر الراء، على وزن «دنق» على أنه صفة «ضيقا» ومعناه: الضيق.
وقرأ الباقون «حرجا» بفتح الراء، على أنه مصدر وصف به. وقيل:
الفتح على أنه جمع «حرجة» بفتح الحاء، وسكون الراء: وهو ما التفّ من الشجر.
وقد نقلت لنا الأخبار أن «عمر بن الخطاب» ﵁ سأل رجلا من «كنانة» راعيا، قائلا له: ما الحرجة عندكم؟ قال: الحرجة: الشجرة تكون بين الأشجار، لا تصل إليها راعية، ولا وحشيّة، ولا شيء» اهـ-.
فقال «عمر» ﵁: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير» اهـ- «١».
وبناء عليه يكون المعنى: أن الله جلّ ذكره وصف صدر الكافر بشدّة الضيق عن وصول الموعظة إليه، ودخول الإيمان فيه، فشبّه في امتناع وصول المواعظ إليه بالحرجة، وهي الشجرة التي لا يوصل إليها لرعي ولا لغيره.
جاء في «تاج العروس»: «الحرج» بفتح الراء: المكان الضيق» «٢».
стр. 623
قال ابن الجزري:
.......... وخف ... ساكن يصعد دنا والمدّ صف
والعين خفّف صن دما ... ... .......
المعنى: اختلف القراء في «يصعد» من قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ (سورة الأنعام آية ١٢٥).
فقرأ «ابن كثير» «يصعد» بإسكان الصاد، وتخفيف العين بلا ألف، على أنه مضارع «صعد» على وزن «كتف» بمعنى: ارتفع.
شبّه الله الكافر في نفوره عن الإيمان، وثقله عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يطاق.
وقرأ «شعبة» «يصّاعد» بتشديد الصاد، وألف بعدها وتخفيف العين، على أنه مضارع «تصاعد» وأصله «يتصاعد» أي يتعاطى الصعود، ويتكلفه، ثم أدغمت التاء في الصاد تخفيفا، لوجود التقارب بينهما في المخرج، واتفاقهما في بعض الصفات، وذلك أن التاء تخرج من طرف اللسان، مع ما يليه من أصول الثنايا العليا، والصاد تخرج من طرف اللسان، مع أطراف الثنايا السفلى، كما أنهما مشتركان في الصفات الآتية: الهمس، والشدة، والإصمات.
فهو من حيث المعنى مثل المعنى الذي في القراءة السابقة، غير أنه فيه معنى فعل شيء بعد شيء، وذلك أثقل على فاعله.
وقرأ الباقون «يصّعّد» بفتح الصاد المشددة، وحذف الألف وتشديد العين، على أنه مضارع «تصعّد» وأصله «يتصعّد» فأدغمت التاء في الصاد.
ومعنى «يتصعّد»: يتكلف ما لا يطيق شيئا بعد شيء، مثل قولك:
يتجرّع.
جاء في «المفردات»: الصعود: الذهاب في المكان العالي «١».
стр. 624
وجاء في «القاموس»: «صعد في السلم- بكسر العين كسمع- صعودا، وصعّد في الجبل» بتشديد العين، وعليه، تصعيدا: رقى.
و «الصّعود» بفتح الصاد المشددة: ضدّ الهبوط، والجمع «صعد» بضم الصاد، والعين، و «صعائد» اهـ- «١».
قال ابن الجزري:
.......... يحشر يا ... حفص وروح ثان يونس عيا
المعنى: اختلف القراء في «يحشرهم» هنا، وفي الموضع الثاني من سورة يونس، وهما في قوله تعالى:
١ - وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ (سورة الأنعام آية ١٢٨).
٢ - وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ (سورة يونس آية ٤٥).
فقرأ «حفص» «يحشرهم» في الموضعين بالياء التحية، على أن الفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره «هو» يعود على «ربهم» في قوله تعالى في سورة الأنعام (آية ١٢٧): لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ويعود على «الله» في قوله تعالى في سورة يونس (آية ٤٤): إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً.
وقرأ «روح» «يحشرهم» بالياء في موضع الأنعام، و «نحشرهم» بالنون في الموضع الثاني من يونس، والفاعل ضمير مستتر تقديره «نحن» وذلك على الالتفات من الغيبة إلى التكلم.
وقرأ الباقون «نحشرهم» بالنون في الموضعين، وقد سبق توجيه ذلك.
تنبيهان:
الأول:
«نحشرهم» من قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ الموضع الأول من سورة «يونس»
стр. 625
(آية ٢٨). اتفق القراء العشرة على قراءته «نحشرهم» بالنون، كي يتفق مع قوله تعالى بعد: ثُمَّ نَقُولُ، ...... فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ.
التنبيه الثاني:
«يحشرهم» من قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ (سورة الفرقان آية ١٧) سيذكر الناظم رحمه الله تعالى خلاف القراء فيه في سورة الفرقان.
قال ابن الجزري:
خطاب عمّا يعملوا كم هود مع ... نمل إذ ثوى عد كس ..........
المعنى: اختلف القراء في لفظ «يعملون» الذي قبله «عمّا» هنا، أي الأنعام وفي سورة «هود» وفي سورة «النمل» من قوله تعالى:
١ - وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (سورة الأنعام آية ١٣٢).
٢ - فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (سورة هود آية ١٢٣).
٣ - سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (سورة النمل آية ٩٣).
فقرأ «ابن عامر» «تعملون» بتاء الخطاب في المواضع الثلاثة، وجه الخطاب في موضع «الأنعام» مناسبة الخطاب في قوله تعالى قبل: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا (سورة الأنعام آية ١٣٠). ووجه الخطاب في موضع «هود» مناسبة الخطاب قبل في قوله تعالى: وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (سورة هود آية ١٢٢).
ووجه الخطاب في موضع «النمل» مناسبة الخطاب قبل في نفس الآية سَيُرِيكُمْ آياتِهِ.
وقرأ «نافع، وحفص، وأبو جعفر، ويعقوب» «يعملون» بالغيبة في موضع الأنعام فقط، و «تعملون» بتاء الخطاب في موضعي «هود، والنمل» وسيأتي توجيه قراءة الغيبة في الأنعام.
стр. 626
وقرأ الباقون وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، وشعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يعملون» بياء الغيبة في المواضع الثلاثة.
وجه الغيبة في موضع «الأنعام» مناسبة الغيبة في قوله تعالى قبل في نفس الآية: وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا. ووجه الغيبة في «هود، والنمل» الالتفات من الخطاب إلى الغيبة.
تنبيه:
«تعملون» من قوله تعالى: قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (سورة سبأ آية ٢٥). اتفق القراء العشرة على قراءته بتاء الخطاب، لمناسبة الخطاب في قوله تعالى أوّل الآية: قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا.
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... مكانات جمع
في الكلّ صف .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالصاد من «صف» وهو: «شعبة» «مكانتكم»، و «مكانتهم» بالجمع حيثما وقعا في القرآن الكريم نحو قوله تعالى:
١ - قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ (سورة الأنعام آية ١٣٥).
٢ - وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (سورة هود آية ١٢١).
٣ - قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (سورة الزمر آية ٣٩).
٤ - وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ (سورة يس آية ٦٧). وجه قراءة الجمع أنها جمع «مكانة» وهي الحالة التي هم عليها، ولما كانوا على أحوال مختلفة من أمرهم جمعت لاختلاف الأنواع.
وقرأ الباقون «مكانتكم»، و «مكانتهم» حيثما وقعا بالإفراد، وهي مصدر يدلّ على القليل والكثير من صنفه من غير جمع. وأصل المصدر ألّا يثنى ولا يجمع مثل الفعل.
стр. 627
والفعل مأخوذ من المصدر، فكما أن الفعل لا يثنى ولا يجمع، فكذلك المصدر، إلّا إذا اختلفت أنواعه فحينئذ يشابه المفعول فيجوز جمعه، وعلى ذلك جاءت قراءة «شعبة».
قال ابن الجزري:
....... ومن يكون كالقصص ... شفا ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يكون» في الموضعين: هنا، والقصص بياء التذكير، وهما في قوله تعالى:
١ - فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ (سورة الأنعام آية ١٣٥).
٢ - وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ (سورة القصص آية ٣٧). وجه قراءة التذكير أن «عاقبة» تأنيثها غير حقيقي. لأنها لا ذكر لها من لفظها.
وقرأ الباقون «تكون» في الموضعين بتاء التأنيث، لتأنيث لفظ «عاقبة».
قال ابن الجزري:
.......... ... ...... بزعمهم معا ضمّ رمص
المعنى: قرأ المرموز له بالراء من «رمص» وهو: «الكسائي» «بزعمهم» معا بضمّ الزاي، لغة «بني سعد» وهما في قوله تعالى:
١ - فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا (سورة الأنعام آية ١٣٦).
٢ - وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ (سورة الأنعام آية ١٣٨).
وقرأ الباقون بفتح الزاي في الموضعين أيضا، لغة «أهل الحجاز».
جاء في «المفردات»: الزّعم حكاية قول يكون مظنة للكذب» «١».
стр. 628
وجاء في «القاموس»: «الزّعم» مثلثة: القول الحق، والباطل، والكذب، ضدّ، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه» اهـ- «١».
قال ابن الجزري:
زيّن ضمّ اكسر وقتل الرّفع كر ... أولاد نصب شركائهم بجر
رفع كدا .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كر»، «كدا» وهو: «ابن عامر» وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ (سورة الأنعام آية ١٣٧) بضمّ الزاي من «زيّن» وكسر الياء بالبناء للمفعول، و «قتل» برفع اللام، نائب فاعل «زيّن» و «أولادهم» بالنصب مفعول للمصدر وهو «قتل» و «شركائهم» بالخفض، على إضافة «قتل» إليه، وهي من إضافة المصدر إلى فاعله.
وقرأ الباقون «زيّن» بفتح الزاي، والياء مبنيا للفاعل، و «قتل» بنصب اللام مفعول به، و «أولادهم» بالخفض على الإضافة إلى المصدر، و «شركاؤهم» بالرفع فاعل «زيّن». والمعنى: زيّن لكثير من المشركين شركاؤهم قتل أولادهم تقرّبا لآلهتهم، أو بالوأد خوف العار، أو الفقر.
مهمة:
طعن بعض القاصرين في قراءة «ابن عامر» بحجة أنه لا يجوز الفصل بين المتضايفين إلّا بالظرف وفي الشعر خاصة، لأنهما كالكلمة الواحدة.
وأقول لهؤلاء الجاحدين: هذا الكلام لا قيمة له، واعتراض لا وجه له، لأنه ورد من لسان العرب ما يشهد لصحة قراءة «ابن عامر» نثرا، ونظما: فقد نقل بعض الأئمة الفضل بالجملة فضلا عن المفرد في قولهم: «غلام إن شاء الله أخيك». وقال عليه الصلاة، والسلام- وهو أفصح العرب على الإطلاق-:
«فهل أنتم تاركوا إلي صاحبي» ففصل بالجارّ والمجرور. ومن الشعر قول «الأخفش سعيد بن مسعدة ت ٢١٥ هـ-: «فزججتها بمزجّة زجّ القلوص أبي
стр. 629
مزادة». أي زجّ أبي مزادة القلوص، فالقلوص مفعول به للمصدر، وفصل به بين المضافين وهو غير ظرف.
وهذه القضية تصدّى لها الكثيرون من العلماء المخلصين بالدفاع عنها بالبراهين القاطعة التي لا تدع مجالا للشك، فلا داعي للإطناب، وخير الكلام ما قلّ ودلّ.
وأقول لكل من ينكر هذه القراءة: قراءة «ابن عامر» صحيحة، وثابتة بطريق التواتر حتى وصلت إلينا وقد تلقيتها والحمد لله عن مشايخي بطريق صحيح، ولقّيتها أيضا
أبنائي، وهي أيضا موافقة لرسم المصحف الشامي، ولقواعد اللغة العربية نثرا ونظما. والله أعلم.
قال ابن الجزري:
..... أنّث يكن لي الخلف ما ... صب ثق وميتة كسا ثنا دما
والثّان كم ثنّى ....... ... ..........
المعنى: اختلف القراء «يكن ميتة» من قوله تعالى: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ (سورة الأنعام آية ١٣٩). و «يكون ميتة» من قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً (سورة الأنعام آية ١٤٥).
فقرأ «ابن ذكوان، وأبو جعفر، وهشام بخلف عنه» «تكن» بالتاء على تأنيث الفعل، و «ميتة» بالرفع، و «أبو جعفر» على قاعدته في تشديد ياء «ميتة».
ووجه هذه القراءة أن تأنيث «تكن» لتأنيث لفظ «ميتة» و «يكن» تامّة بمعنى حدث ووقع، وهي تحتاج إلى فاعل فقط ف «ميتة» فاعل «تكن».
وقرأ «هشام» في وجه الثاني، و «ابن كثير» «يكن» بالياء على التذكير، و «ميتة» بالرفع. ووجه هذه القراءة أن «يكن» تامّة تحتاج إلى فاعل، و «ميتة» فاعل، وذكر الفعل لأن تأنيث «ميتة» غير حقيقي.
وقرأ «شعبة» «تكن» بالتأنيث، و «ميتة» بالنصب. ووجه هذه القراءة أن
стр. 630
«تكن» ناقصة تحتاج إلى اسم وخبر، واسمها ضمير يعود على «ما» وأنّث «تكن لتأنيث معنى «ما» لأنها هي «الميتة» في المعنى، و «ميتة» خبر «تكن».
وقرأ «نافع، وأبو عمرو، وحفص، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «يكن» بالياء على التذكير، و «ميتة» بالنصب.
ووجه هذه القراءة أن تذكير الفعل لتذكير «ما» في قوله تعالى قبل:
وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا. (سورة الأنعام آية ١٣٩). واسم «يكن» ضمير مستتر يعود على «ما» ونصب «ميتة» على أنها خبر «يكن».
والتقدير: وإن يكن ما في بطون الأنعام ميتة فهم في أكله شركاء.
أمّا «يكون ميتة» فقد تكلم الناظم على تذكير وتأنيث «يكون» في قوله:
يكون إذ حما نفا ... روى ..........
وتكلم على رفع «ميتة» في قوله:
وميتة كسا ثنا دما ... والثان كم ثنّى ..........
ويتلخّص من ذلك القراءات الآتية:
أولا: قرأ «ابن عامر، وأبو جعفر» «تكون» بالتاء على تأنيث الفعل، و «ميتة» بالرفع، وأبو «جعفر» على قاعدته في تشديد ياء «ميتة». ووجه هذه القراءة أن «تكون» تامة، و «ميتة» فاعل، وأنث «تكون» لتأنيث لفظ «ميتة».
ثانيا: قرأ «نافع، وأبو عمرو، وعاصم، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «يكون» بالياء على التذكير، و «ميتة» بالنصب.
ووجه هذه القراءة أن اسم «يكون» ضمير تقديره «هو» والمراد به «الموجود»، والتقدير: قل يا محمد لا أجد فيما أوحي إليّ محرّما على طاعم يطعمه إلا أن يكون الموجود ميتة أو دما مسفوحا فإنه رجس، والموجود مذكّر، فذكّر الفعل وهو «يكون» و «ميتة» خبر «يكون».
стр. 631
ثالثا: قرأ «ابن كثير، وحمزة» «تكون» بالتاء على تأنيث الفعل، و «ميتة» بالنصب خبر «تكون».
قال ابن الجزري:
.......... حصاد افتح كلا ... حما نما ..........
المعنى: قرأ المرموز له بالكاف من «كلا» ومدلول «حما» والنون من «نما» وهم: «ابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب، وعاصم» «حصاده» من قوله تعالى:
وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ (سورة الأنعام آية ١٤١). قرءوا بفتح الحاء.
وقرأ الباقون بكسر الحاء، والفتح والكسر لغتان في مصدر «حصد».
قال «ابن عباس» ﵄ في معنى قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ: يعني الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله» اهـ- «١».
وقال «الراغب الأصفهاني»: «أصل الحصد قطع الزرع زمن الحصاد، بفتح الحاء وكسرها، كقولك زمن الجذاذ بفتح الجيم وكسرها» اهـ- «٢».
وجاء في «القاموس»: «حصد الزرع والنبات» «يحصده» بكسر الصاد، وبضمها «حصدا، وحصادا» بفتح الحاء، وبكسرها: قطعه «بالمنجل» بكسر الميم، وفتح الجيم كاحتصده، وهو حاصد، من «حصد» و «حصاد» اه- «٣».
قال ابن الجزري:
.......... ... .......... والمعز حرّك حقّ لا
خلف منى .......... ... ..........
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «حقّ» واللام من «لا» بخلف عنه، والميم من
стр. 632
«منى» وهم: «ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وابن ذكوان، وهشام بخلف عنه» «المعز» من قوله تعالى: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ (سورة الأنعام آية ١٤٣). قرءوا «المعز» بفتح العين، على أنه جمع «ماعز» نحو «حارس، وحرس» و «خادم، وخدم».
وقرأ الباقون «المعز» بإسكان العين، وهو الوجه الثاني «لهشام» على أنه جمع «ماعز» أيضا نحو: «صاحب، وصحب». من هذا يتبين أنهما بمعنى واحد، والمعز: جماعة المعز.
قال ابن الجزري:
.......... ... تذكّرون صحب خفّفا
كلّا .......... ... ..........
المعنى: اختلف القراء العشرة في تخفيف الذال، وتشديدها من لفظ «تذكرون» إذا كان بالتاء، وكان أصله «تتذكرون» بتاءين حيثما وقع في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (سورة الأنعام آية ١٥٢).
فقرأ المرموز لهم ب «صحب» وهم: «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تذكرون» حيثما وقع هذا الفعل بتخفيف الذال، وذلك على حذف إحدى التاءين تخفيفا، لأن الأصل «تتذكرون».
وقرأ الباقون جميع ألفاظ «تذكرون» بتشديد الذال، وذلك على إدغام التاء في الذال، لتقاربهما في المخرج، إذ التاء تخرج من طرف اللسان مع ما يليه من أصول الثنايا العليا، والذال تخرج من طرف اللسان مع أطراف الثنايا العليا، والحرفان متفقان في الصفات الآتية: الاستفال، والانفتاح، والإصمات.
قال ابن الجزري:
... وأن كم ظنّ واكسرها شفا ... ..........
стр. 633
المعنى: قرأ المرموز له بالألف من «أن» والكاف من «كم» «وأن» من قوله تعالى: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ (سورة الأنعام آية ١٥٣) بفتح الهمزة، وتخفيف النون، على أنّ «أن» مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، وقبل «أن» لام مقدرة، و «هذا» مبتدأ، و «صراطي» خبر، والجملة من المبتدإ والخبر خبر «أن».
وقرأ المرموز لهم ب «شفا» وهم: «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «وإنّ» بكسر الهمزة، وتشديد النون، فكسر الهمزة على الاستئناف، و «هذا» اسم «إنّ» و «صراطي» خبرها، و «مستقيما» صفة.
وقرأ الباقون وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر» «وأنّ» بفتح الهمزة، وتشديد النون، وذلك على تقدير اللام، أي ولأنّ هذا الخ، و «هذا» اسم «أنّ» و «صراطي» خبرها، و «مستقيما» صفة.
قال ابن الجزري:
.......... ... يأتيهم كالنّحل عنهم وصفا
المعنى: قرأ مدلول «شفا» الذين عاد عليهم الضمير في «عنهم» وهم:
«حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «تأتيهم» من قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ (سورة الأنعام آية ١٥٨). ومن قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ (سورة النحل آية ٣٣). قرءوا «يأتيهم» في الموضعين بالياء على تذكير الفعل.
وقرأ الباقون «تأتيهم» في الموضعين أيضا بالتاء، على تأنيث الفعل، وجاز تذكير الفعل وتأنيثه، لأن الفاعل وهو «الملائكة» جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز في فعله التذكير والتأنيث.
قال ابن الجزري:
وفرّقوا امدده وخفّفه معا ... رضى ..........
стр. 634
المعنى: قرأ المرموز لهما ب «رضى» وهما: «حمزة، والكسائي» «فرقوا» هنا، وفي الروم، من قوله تعالى:
١ - إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (سورة الأنعام آية ١٥٩).
٢ - مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً (سورة الروم آية ٣٢).
قرآ «فارقوا» بألف بعد الفاء، وتخفيف الراء، على أنه فعل ماض، من «المفارقة» وهي «الترك». والمعنى: أنهم تركوا دينهم القيّم، وكفروا به.
وقرأ الباقون «فرّقوا» في الموضعين بغير ألف، وتشديد الراء، على أنه فعل ماض، مضعّف العين، من «التفريق» على معنى: أنهم فرّقوا دينهم فآمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض الآخر ومن كان هذا شأنه فقد ترك الدين القيّم. من هذا يتبيّن أن القراءتين متقاربتان في المعنى.
قال ابن الجزري:
.......... ... .... وعشر نوّنن بعد ارفعا
خفضا ليعقوب .......... ... ..........
المعنى: قرأ «يعقوب» «عشر أمثالها» من قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (سورة الأنعام آية ١٦٠) بتنوين «عشر» و «أمثالها» بالرفع، على أن «عشر» مبتدأ مؤخر، خبره الجار والمجرور قبله، و «أمثالها» صفة لعشر.
وقرأ الباقون «عشر» بدون تنوين، و «أمثالها» بالخفض، على أن «عشر» مبتدأ مؤخر، خبره الجار والمجرور قبله، و «عشر» مضاف، و «أمثال» مضاف إليه، و «أمثال» مضاف، والهاء مضاف إليه.
قال ابن الجزري:
.......... ودينا قيّما ... فافتحه مع كسر بثقله سما
стр. 635
المعنى: قرأ المرموز لهم ب «سما» وهم: «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب» «دينا قيما» من قوله تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (سورة الأنعام آية ١٦١). قرءوا «قيّما» بفتح القاف، وكسر الياء مشدّدة، على أنها صفة ل «دينا» و «قيّم» على وزن «فيعل» أصلها «قيوم» فاجتمعت الواو، والياء، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء.
وقرأ الباقون «قيما» بكسر القاف، وفتح الياء مخففة، على وزن «شبع» على أنها صفة ل «دينا» و «قيما» مصدر «قام» وأصله «قوم» فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة التي قبلها فأصبحت «قيم» وكان القياس ألا تعلّ، كما لم تعلّ «عوض، وحول، من هذا يتبين أن إعلال «قيم» جاء على غير قياس.
(والله أعلم) تمّت سورة الأنعام ولله الحمد والشكر