قضبان نيويورك الحديدية -في خلال ٢٤ ساعة متواصلة- ٧ آلاف عربة مترو فوق شريط القضبان الذي يبلغ طوله ٣٨٠ كم.
- وفي الفقرة الثانية من جسم التحقيق يصف المحرر مترو نيويورك وأثره في حياة سكان المدينة المزدحمة بالسكان:
ومع مجانين نيويورك عليك أن تشاركهم أول الطقوس الصباحية ليوم من أيام العمل فيها فتستقبل المترو، فإذا خرجت منه وأنت ما زلت حيًّا تُرزق "فالمجرمون يتخذون من المترو مركزًا رئيسيًّا لنشاطاتهم في بعض الحالات" واستطعت أن تصل إلى وجهتك، فأنت جدير بأن تعيش في نيويورك؛ لأن مترو نيويورك يعكس قبل أي شيء آخر الحياة على الطريقة النيويوركية.
في كل يوم يركب المترو ملايين من سكان المدينة، يتدافعون داخل تلك الفتحات التي تشبه فتحات المجاري، في عالم ينتمي بغرابته وتكويناته المعمارية والغوطية والسريالية إلى العصور الوسطى.. ممرات وأنفاق كئيبة قذرة وبشر ينتظرون فيلليني ليصورهم على طريقته ...
وبعد ساعات الذهاب والخروج من العمل، تغلق أبواب مركبات المترو ولا تفتح إلا أبواب المركبة الأمامية في المقدمة، حتى إذا اعتدى عليك مجنون استطعت أن تنبه السائق إلى ما يحدث.
وبعد منتصف الليل، يتسلل الصعاليق والمتشردون والسكارى والمشاغبون والباحثون عن أي شكل كان من أشكال الإثارة والمغامرة وتحدي الرعب اليومي، وكل الذين سقطوا من حسابات مجتمع الوفرة، يتسللون إلى ردهات المترو وطرقاته وأنفاقه تحت الأرض وكوابيس
стр. 107
الحلم الأمريكي الذي هوى تطاردهم، حينذاك تتحول مساحاته إلى مشاهد فظيعة للرعب اليومي تحت الأرض في بطن مدينة الجريمة والمخدرات والهروب الغجري المتوحش.
ديزني لاند الفقراء:
ذات ليلة صعدت إلى مركبات المترو حفنة من المراهقين الذين يعيشون في الجيتوهات "الأحياء المغلقة": سود وبورتوريكيون وملونون. وأخذوا يرسمون يوقعون بإمضاءاتهم بالأقلام السحرية ورشاشات الدهان "الأيروسول"، وبالمساحيق والألوان حولوا مركبات الجحيم في نيويورك، وتحول المترو إلى ديزني لاند الفقراء. وحاولت بلدية المدينة أن تزيل تلك الخطوط والأشكال والرسومات والتوقيعات فلم تفلح، وصار تلوين مركبات المترو صرعة جديدة، فأصرعت عصابات الصغار إليه، ونجحت في فترة وجيزة أن تحول المترو الكئيب إلى فيلم جميل من أفلام الرسوم المتحركة للأطفال، وقصيدة للمحرومين والباحثين عن الخلاص في مدينة بلا قلب ...
- وفي الفقرة الثالثة يصف المحرر موجات الهجرة الأجنبية التي تصب في مدينة نيويورك كل يوم:
أحلام الثروة تتبخر:
وفي كل صباح تفتح نيويورك ذراعيها للقادمين الجدد الذين يحلمون بالمجد والثروة: سوريون ويمنيون ويونانيون وإيطاليون.. جحافل من البشر تهبط في أكبر ميناء في العالم، من كوريا وتيوان وهونغ كونغ، تتشابه مع موجات الهجرة الأولى التي جاءت إلى البلاد، التي لم تكن تضم فقط رسل الحرية والديمقراطية
стр. 108
من البيوريتانيين؛ بل أجناسًا تباينت مشاربهم ومعتقداتهم وحرفهم، فكان منهم الفلاح الثري، والعبد الشارد، أو الحرفي الإسكافي، والعامل الماهر، والمجرم، والمشتغل بالدعارة، والمحكوم عليه سياسيًّا أو جنائيًّا ...
وكما كان الحال في البداية مع موجات الهجرة الأولى إلى الأرض الموعودة، تحمل السفن كل يوم موجات جديدة، فهذا جاء بإرادته هربًا من طغيان عقائدي، وذلك طمعًا في بناء ثروة، وكل قادم جديد تراوده أحلام حياة أرتسقراطية ولسان حالة يقول "وطني البلدي الذي يطعمني" ...
- وفي الفقرة الرابعة يصف المحرر التركيب البشري لمدينة نيويورك وأوضاع الأقليات بها:
فقرة تسحب إسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
وأكبر الأقليات عددًا في نيويورك يمثلها "الأفرو - أمريكيون" "الزنوج" يليهم الشيكانو "المكسيكيون الأمريكيون" والبورتوريكيون، وفي حين يعمل المجتمع الأبيض "الواسب
стр. 109
والكاثوليك واليهود" على تسهيل الدمج السريع للمهاجرين الجدد المنتمين إلى مجموعاته، فهو يعمل أيضًا على رفض المهاجرين من المجموعات الأخرى؛ بحيث تظل على هامش المجتمع تسكن الجيتوهات "الأحياء المغلقة" وتعيش على مساعدات الضمان الاجتماعي، وتتحمل وحدها مشاكل أزمة الطاقة والتضخم وما ينجم عنهما من بطالة.
- وفي خاتمة التحقيق يقوم المحرر بالرباط بين التفاصيل المتناثرة لصورة مدينة نيويورك.. ففي كلمات قليلة يقدم لنا وصف الصورة المتكاملة للمدينة الأمريكية المشهورة، وذلك من خلال انطباعاته العامة عن هذه المدينة:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
الدولار ... الدولار ...
نيويورك صورة مصغرة للحياة في أمريكا.. صورة مصغرة لمجتمع جديد.. حيث لا تاريخ ولا تقاليد. فالمجتمع يعرف أن الأخلاط هذه جمعت بينها قيم الآباء المؤسسين: الفعالية والإيقاع السريع، وعدم التمسك بالروتين، والنفور من المبادئ الجامدة والاستغلال الوحشي للطبيعة والقوة البشرية. يتحدثون إليك هنا عن أمور الفكر بالدولار، ويؤمنون بأن الحياة صراع ومغامرة. وحياة الإنسان رهن ببراعته في اغتنام الفرص.
стр. 110
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ثالثًا: قالب الهرم المعتدل المبني على السرد القصصي
وفي هذا القالب يلجأ المحرر إلى كتابة التحقيق الصحفي في شكل قصة يسردها كما تُسرد القصص الأدبية.. وهذا القالب وإن تماثل في بنائه الفني مع القصص الأدبية -أي: له بداية وعقدة ونهاية- إلا أنه يختلف عنها في كونه يقوم على الوقائع الحقيقية وليس على الوقائع الخيالية كما هو الشأن في القصص الأدبية.
ويستخدم هذا القالب في التحقيقات الصحفية التي تتناول الموضوعات الإنسانية كمصرع عروسة ليلة زفافها.. والحوادث مثل سقوط طائرة أو غرق باخرة أو وقوع زلزال.. بالإضافة إلى التحقيقات الصحفية التي تدور حول بعض الجرائم. ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة التحقيق الصحفي في قالب الهرم المعتدل المبني على السرد القصصي:
стр. 111
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
قالب الهرم المعتدل المبني على السرد القصصي في كتابة التحقيق الصحفي
стр. 112
نموذج للتحقيق الصحفي المكتوب بقالب الهرم المعتدل المبني على السرد القصصي:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
- بدأ المحرر تحقيقه الصحفي عن هذه الجريمة بمقدمة قصصية سرد فيها بداية الحدث، وهذه المقدمة وإن بدت كمقدمات القصص الأدبية إلا أنها قامت على الحقائق.. فالمحرر هنا يروي وقائع جريمة حدثت بالفعل:
في البلد الذي نشأ فيه كانوا ينادونه "الريس". فقد كان خبيرًا في قضايا البحر ويدير مجموعة من البحارة الأشداء في إحدى الموانئ العربية. كان طويل القامة، أسمر اللون، جمع بكده وتعبه في المهنة الشاقة مالًا كثيرًا، وطار صيته بين التجار كرجل كريم اليد طيب القلب، وإن كان من جانب آخر يعبد الخمرة والنساء الجميلات!
هاجر إلى لبنان في الأربعينات تحت ضغوط ظروف سياسية، وطاب له المناخ فاستقر فيه مع عائلته. لم يكن بحاجة للعمل فلديه ما يكفيه. ثم إنه بلغ من العمر سبعين عامًا وأصبح له أولاد وأحفاد كثيرون وصاروا ينادونه بحق: شيخ القبيلة الختيار. اعتاد في بلده الأصلي بعد الفراغ من العمل المضني الذهاب في الليل إلى البارات حيث يجالس الحسان ويعاقر بنت الحان. هذا دأبه دائمًا. وكم من مرة نبهته زوجته على هذا السلوك وقالت له: أنت تعطي أولادك وحفدتك أسوأ مثل فيما تفعل. اتق الله يا رجل!
стр. 113
ولكن على مَن تلقي مزاميرك يا داود؟
وفي بيروت لم يغير عاداته. ففي المدينة من المغريات ما لا يوجد مثلها في كل بلاد العرب. كثر ترداده على ملهى معروف. ولا عجب فقد تعرف هناك إلى غانية جميلة شابة تجيد الرقص فأحبها حبًّا جمًّا، أما هي فقد وجدت فيه الصيد الثمين. جعل يصرف عليها بسخاء جنوني حتى بلغ ما صرفه في سبيلها في مهلة ثلاثة أشهر ما يقرب من المائة ألف ليرة. وهذا المبلغ كان في ذلك الزمان يعتبر ثروة وعنوانًا للغنى الكبير.
كانت الراقصة عند اجتماعها به لا ترى في شخصه الكريم سوى أنه الصندوق الحديدي الذي يحوي المال، وأن هذا الصندوق هو تحت تصرفها تغرف منه ما تشاء لإرواء نزواتها، ثم إنه كريم لا يرد لها طلبًا. ومع هذا كله كانت تسيء معاملته وتحتقره علنًا أمام الناس وتهينه أحيانًا وتسميه: "الشيخ المتصابي"، فيبلع الإهانة بصبر؛ لأن حبه لها أعمى بصيرته ولم يعد يرى في الحياة سواها.
هذه الراقصة كانت على علاقة حميمة بمحام ناشئ أحبته بكل جوارحها، وصارت تضحي بكل شيء لإرضائه. وبما أنه فقير الحال لا يملك سوى شباب غض، فقد كانت تأخذ من الغني الثقيل وتعطي الحبيب العزيز على القلب..
وقد وصل الانحلال والضياع بالعاشق العجوز حدًّا جعله يسكت عندما قذفته الراقصة المحترفة بحذائها؛ بل الأدهى من ذلك أنه عندما يراها بحالة عصبية كان يمسك حذاءها ويعطيه لها ويقول لها: اضربيني. فشي خلقك.
- أما جسم التحقيق الصحفي عن هذه الجريمة، فقد ضمنه المحرر التطور الدرامي لأحداث الجريمة حتى وصل بالأحداث إلى نقطة العقدة التي استعد ليقدم نهايتها في الخاتمة أو النهاية، فالمحرر يعتمد في سرده لتفاصيل
стр. 114
الجسم على إثارة اهتمام القارئ، وتشويقه إلى متابعة تطور أحداث الجريمة، تمامًا كما يفعل كاتب القصة الأدبية:
هذه الأخبار غير السارة كانت تصل تباعًا إلى الزوجة الشرعية أم الأولاد، وهي ثرية ناهزت الخمسين من عمرها ولها مكانة في قومها. وقد عز على هذه المرأة الصابرة الفاضلة أن ترى زوجها ينحدر إلى هذا المستوى، ويصبح ألعوبة في يد راقصة بلا أخلاق ولا ذمة، وتسبب له الفضائح أم الناس، وشعرت أن زوجها لن يرتد عن هذه الراقصة مهما كان التقريع قاسيًا؛ فصممت على أمر.
في إحدى الأمسيات اصطحب العاشق العجوز حبيبته الراقصة إلى أحد المطاعم المشهورة في بيروت لتناول طعام العشاء. تركها قرب المطعم في السيارة جالسة في المقعد الأمامي ودخل المطعم يبحث عن مائدة تليق بالمقام حتى يدعوها إليها. في تلك اللحظة بالذات برز شخص قصير القامة يرتدي بنطلونًا من الكَتَّان الكاكي وقميصًا أبيض، واقترب من السيارة التي تجلس فيها الراقصة آتيًا من الخلف حتى وصل إلى الباب الأمامي، وهناك أخرج من جيبه مسدسًا صغيرًا صوبه بهدوء إلى رقبة الراقصة عند النقرة، وأطلق طلقًا واحدًا فقط. كان الطلق الوحيد كافيًا للقضاء على الراقصة والتسبب في موتها العاجل!
سمع الناس الطلق فالتفتوا نحو الصوت، فلمحوا شابًّا يهرب بسرعة متجهًا نحو الأسواق التجارية الضيقة، وشاهدوا ملامحه الخارجية وثيابه؛ ولكن لم يجسر أحد على اللحاق به؛ لأن المسدس كان لا يزال في يده يهدد به وهو يسابق الريح ...
وتقدموا من السيدة الجالسة في المقعد الأمامي فوجدوها قد فارقت الحياة. حصل هذا بلحظات
стр. 115
أثار الذهول لدى الجميع، وخرج العاشق العجوز ليرى ماذا جرى، وإذا به يفاجأ بالفاجعة، ويرى حبيبته وقد أصبحت جثة هامدة.
أقبل رجال الشرطة وحضر النائب العام والمحقق وبدأ التحقيق العدلي.
وأول تدبير قضائي كان توقيف العاشق العجوز مرافق الراقصة عند الحادث، وقد أسند إليه أنه وإن لم يكن القاتل بالذات فهو المحرض حسب نصوص القانون الجزائي يناله عقابه الأصلي؛ أي: الإعدام. وقد تشبث المستنطق بنظرية التحريض التي ألصقها "بالريس" مستندًا إلى أدلة اعتبرها كافية للاتهام، أهمها أن بعض الشهود رأوا العاشق قبل الحادث بساعة يتكلم مع أحد معارفه في المقهى بصوت غير مسموع، إذن فلا بد أن يكون العاشق قد دبر قضية اغتيال الراقصة في هذا الحديث الذي جرى بصوت منخفض. وقد ورد في التحقيقات أن المتهم كان يتناقض في أقواله كثيرًا ولا يعطي أجوبة شافية مقنعة على أسئلة المحقق. ومع ذلك كانت الأدلة ضعيفة لا يرتاح إليها الوجدان لإرسال المتهم إلى المشنقة. واختلف القضاة في الرأي؛ فمنهم من مال للبراءة، ومنهم من اعتبر أن الدليل كافٍ للاتهام ولمحكمة الجنايات أن تدين أو تبرئ..
وبالنتيجة أحيلت القضية أمام محكمة الجنايات. وهنا اتخذت المرافعات شكلًا عنيفًا؛ إذ إن ذوي الراقصة -وهم من أصحاب النفوذ- أثاروا الرأي العام للانتقام من الفاعل. واهتمت عائلة المتهم الثرية اهتمامًا بالغًا بمصير عميدها؛ لأنها تعرف تمامًا أنه ليس بالرجل الشرير وإن كان سلوكه الاجتماعي غير مرضٍ. ثم كيف يُقْدِمُ رجل مثله على قتل من أحب، وبذل في سبيلها جني عمره؟!
стр. 116
كانت الجلسة أمام محكمة الجنايات صاخبة، علت فيها أصوات الفريقين، وانقسم القضاة في الرأي، إلا أنه بعد نقاش ومداولة طويلة قضت المحكمة بإعلان براءة المتهم بأكثرية الأصوات؛ وذلك لضعف الدليل ولوجود الشك ...
وأُخْلِيَ سبيل العاشق الولهان ...
ومع أن حبل المشنقة كاد يدق عنق هذا العاشق لولا لطف الله وإلهامه قضاة الحكم بعدم الإدانة، فإن صاحبنا خرج من السجن ساهمًا ضائعًا يجهل ما كان يحاك ضده من مؤامرات تستهدف رأسه. إذن فهناك قاتل لم يعرف. وهناك قتيلة لم يعرف قاتلها. وهناك محرض لم تكشفه التحقيقات رغم كل الجهود التي بذلت والحكم الصادر لم يحل المشكلة ...
دام الغموض يلف هذه القضية مدة عشر سنوات، وبقيت الحقائق عن هذه الجريمة مجهولة يكتنفها ستار كثيف من الظلام.
- في نهاية التحقيق الصحفي.. حل المحرر عقدة القصة وأزاح الستار عن النهاية المثيرة والغامضة لهذه الجريمة:
بعد تلك المدة؛ أي: عندما مر الزمن على حق النيابة العامة في ملاحقة الفاعل والمحرض، وبعدما تيقن هؤلاء أنهم أصبحوا بمأمن من كل ملاحقة قضائية ظهرت الحقيقة. هذه الحقيقة باحت بها الزوجة الشرعية. وقد أرادت بقول الحقيقة تبرير موقف زوجها وإفهام الرأي العام أنه كان بالفعل بريئًا من دم الراقصة، وأن الحكم كان عادلًا. قالت: إن زوجي لم يكن على علم بشيء مما فعلته أنا، فقد اتفقت مع قاتل محترف لقاء ٢٠٠ ليرة عثمانية ذهبية للخلاص من الراقصة، التي سببت للعائلة الفضيحة، وأذلت زوجي أمام الناس. وقد
стр. 117
نفذ القاتل المهمة التي أوكلتها إليه بدقة بعدما راقب تحركات هذه الراقصة، ثم إنه بعد قبض المبلغ غادر البلاد حالًا إلى منطقة مجهولة!
وتابعت الزوجة:
ولو قضت محكمة الجنايات بإدانة زوجي، وحكمت ظلمًا بإعدامه لنفذ الحكم بسرعة؛ لأني على يقين بأن وراء الراقصة المجرمة من كان يستميت لإعدام زوجي ولو لم يكن هو القاتل؛ ولكن المحكمة برأته والحمد لله.
أما الزوج العاشق الولهان العجوز، الذي كاد يلتف حول عنقه حبل جاهز كفيل بأن يؤدي به إلى الدنيا الباقية، هذا الرجل لم يكن يدري مما يجري حوله من أهوال ومؤامرات، ولا يرى إلا جسمًا جميلًا كان يتمايل أمامه كل ليلة، ويتراقص على أنغام الموسيقى؛ فيبعث في قلبه نشوة تنسيه العالم أجمع، ولم يفهم من كل ما حدث سوى أنه حُرِمَ من هذه النشوة، وخلت الديار من الحبيب ...
وما أظلم الدنيا من غير حبيب!!
- ثم يبقى أن هناك عديدًا من الشروط التي يجب مراعاتها بشكل عام في أثناء كتابة التحقيق الصحفي وهي:
أولًا: مراعاة التناسب الكامل بين أجزاء التحقيق الصحفي؛ بحيث لا تزيد مثلًا "المقدمة" عن "التفاصيل".
ثانيًا: ألا تكون المادة غير كافية لإقناع القارئ بأهمية الموضوع الذي يطرحه التحقيق.
ثالثًا: الحرص على الاحتفاظ باهتمام القارئ حتى نهاية التحقيق عن طريق إثارة غريزة حب الاستطلاع عنده١.
رابعًا: أن يحرص المحرر على إثراء التحقيق الصحفي الذي يكتبه بحصيلة ثقافته وقراءاته وتجاربه وخبراته في الحياة وبالمعلومات التي
стр. 118
حصل عليها حول الموضوع١، وأن يحرص على أن تكون هذه المعلومات جديدة على القراء، فكلما كانت المعلومات التي يحتويها التحقيق جديدة كلما كان الموضوع نفسه جديدًا.
خامسًا: أن يحرص المحرر على أن يخلق لنفسه أسلوبًا متميزًا في كتابة التحقيق الصحفي؛ ولكن يشترط في هذا الأسلوب أن يلتزم بالقواعد التالية:
- أن يحرص على استخدام الألفاظ المألوفة.
- الابتعاد قدر الإمكان عن المصطلحات والألفاظ العلمية الصعبة أو النادرة أو التي لا تستخدم إلا في مجالات المتخصصين.
- الحذر من الانزلاق إلى العامية المبتذلة.
- الاختيار الدقيق للألفاظ والعبارات الموجزة.
- الاقتصاد في الكتابة مع البعد عن الحشو والإسهاب.
- الحرص على التزام الموضوعية في نقل الآراء والاتجاهات٢.
سادسًا: الاهتمام بالصور التي تصاحب التحقيق الصحفي، ولا بد لهذه الصور أن تضيف معلومات أو حقائق جديدة إلى الموضوع، ولا يجب أن تكون تكرارًا للمعلومات التي جاءت به٣، وعلى هذا الأساس فلا بد من الاهتمام بكلام الصور، وأن ينظر إليها باعتبارها جزءًا مكملًا للتحقيق. فكثيرًا ما تلعب الصور دورًا كبيرًا في إنجاح التحقيق الصحفي أو إفشاله؛ بل إن هناك تحقيقات صحفية تلعب فيها الصورة الدور الأول بينما يلعب الكلام الدور الثاني؛ مثل تحقيق عن "عرض أزياء الموسم" أو "معرض لزهور الربيع" أو "مهرجان للسينما أو المسرح".
стр. 119
الفصل الثالث: فن التقرير الصحفي
المبحث الأول: تعريف التقرير الصحفي
أولا: الفرق بين الخبر الصحفي والتقرير الصحفي
...
الفصل الثالث: فن التقرير الصحفي
المبحث الأول: تعريف التقرير الصحفي
التقرير الصحفي فن يقع ما بين الخبر والتحقيق الصحفي.
ويقدم التقرير الصحفي مجموعة من المعارف والمعلومات حول الوقائع في سيرها وحركتها الديناميكية، فهو إذن يتميز بالحركة والحيوية.
والتقرير الصحفي لا يستوعب الجوانب الجوهرية أو الرئيسية في الحدث فقط، كما هو الشأن في الخبر؛ وإنما يمكن أن يستوعب وصف الزمان والمكان والأشخاص والظروف التي ترتبط بالحدث.
والتقرير الصحفي لا يقتصر على الوصف المنطقي والموضوعي للأحداث؛ وإنما يسمح في نفس الوقت بإبراز الآراء الشخصية والتجارب الذاتية للمحرر الذي يكتب التقرير١. فكلما كان المحرر شاهد عِيَان على الحدث كلما زادت فرصة النجاح أمام التقرير الصحفي.
وتعريف التقرير الصحفي يمكن أن يزداد وضوحًا من خلال المقارنة بينه وبين كل من الخبر الصحفي والتحقيق الصحفي:
أولًا: الفرق بين الخبر الصحفي والتقرير الصحفي
إن الخبر الصحفي يصف بدقة وموضوعية أي واقعة أو حادثة أو فكرة جديدة وصحيحة تمس مصالح أكبر عدد من القراء، وتثير اهتمامهم بما تتضمنه من عناصر، قد تكون المحلية أو العالمية أو التوقيت أو الضخامة أو التشويق أو الصراع أو التوقع أو الغرابة أو الشهرة أو الإنسانية أو الجنس أو الجريمة أو غير ذلك من العناصر التي يختلف النظر إليها من مجتمع إلى مجتمع، ومن عصر إلى عصر آخر.
стр. 120
فإذا ما قارنا بين هذا التعريف للخبر وتعريفنا للتقرير الصحفي.. لأمكننا أن نضع أيدينا على الفروق التالية:
١- من الضروري أن يختفي كاتب الخبر ... بحيث يفقد الخبر موضوعيته؛ بل صفته كخبر إذا برز من ثناياه شخصية المحرر الذي كتبه١ ... أما في التقرير الصحفي فيفضل أن تظهر شخصية المحرر؛ حيث يكون من حقه أن يعرض إلى جانب الوقائع الملموسة انطباعاته الشخصية وآراءه وأحكامه واستنتاجاته، ويمكنه أيضًا أن يقدم الأشخاص ويعرض وجهات نظرهم.. بل يمكنه أيضًا أن يقدم معلومات ذات طابع وثائقي.
٢- يركز الخبر على نقل الحدث فقط ... في حين نرى التقرير يتوسع في سرد التفاصيل، وذلك من خلال ملاحظات المحرر؛ بحيث يستوعب الجوانب التالية:
أ- الظروف التي أدت إلى وقوع هذا الحدث.
ب- الأشخاص الذين لعبوا دورًا في هذا الحدث.
ج- تقديم مزيد من التفاصيل الجانبية عن الحدث ... وهي تفاصيل قد لا تكون ضرورية إذا اقتصر على نشر الحدث كخبر صحفي فقط.
وعلى سبيل المثال ... فعندما ألمح مناحم بيجين رئيس الوزراء الإسرائيلي عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد بأن الإسرائيلين قد شاركوا المصريين وساعدوهم في بناء الأهرام ... فإن الصحف نشرت خبر توقيع الاتفاقية وتصريح مناحم بيجين كما هو ... ولكن بعض الصحف العالمية والعربية سارعت بنشر تقارير صحفية حاولت أن تجيب من خلالها على سؤال: من بنى الأهرام؟
стр. 121
ثانيًا: الفرق بين التقرير الصحفي والتحقيق الصحفي
١- يتميز التحقيق الصحفي بالتعمق في بحث ودراسة الأبعاد المختلفة، في حين يكتفي التقرير بتقديم صورة سريعة للحدث، أو يقوم بالتركيز على جانب منه دون أن يفرق في التفاصيل المدعمة بالبحث والدراسة.. فالتقرير الصحفي يقدم تفاصيل أكثر من الخبر وأقل من التحقيق.
٢- كذلك يختلف هدف التقرير الصحفي وغرضه عن هدف التحقيق الصحفي وغرضه.
فالتحقيق الصحفي: يستهدف إقناع القارئ بأهمية وخطورة القضية أو المشكلة أو الفكرة التي يطرحها كاتب التحقيق ... وذلك بهدف كسب الرأي العام لصالح القضية التي يطرحها، أو الحل الذي يقدمه لهذه القضية "مشكلة الدروس الخصوصية - ارتفاع أسعار الكتب الجامعية - مغالاة أصحاب المساكن في تقاضي الخلو ومقدم الإيجاز".
أما التقرير الصحفي: فينحصر هدف كاتبه في إثارة اهتمام القارئ بالموضوع، وذلك بتقديم معارف ومعلومات جديدة أو ظريفة أو غريبة أو مسلية عن حدث من الأحداث الجارية، وقد لا يزيد هدف التقرير عن مجرد تسلية القارئ وإمتاعه بالمعلومات الغريبة١.
٣- ويختلف أسلوب التقرير الصحفي عن ذلك الأسلوب الذي يكتب به التحقيق الصحفي.
فالتقرير الصحفي: لا يصلح له إلا الأسلوب البسيط الواضح، والجمل القصيرة التلغرافية، وجمع أكبر كمية من الحقائق والمعلومات في أقل قدر ممكن من الكلمات، وهو في ذلك لا يعتني بما كتب في الموضوع من أبحاث ودراسات ولا تقارير ولا يعنيه أن يسجل كل الحقائق بالأرقام أو يدعمها بالبيانات والإحصائيات والرسوم٢.
стр. 122
أما التحقيق الصحفي فهو على العكس من ذلك يحتاج إلى أسلوب بسيط ولكن عميق، وهو يحتاج لكي يقنع القارئ بالقضية أو المشكلة التي يطرحها أن يعتمد في أحيان كثيرة على الدراسات والأبحاث، وأن يستعين بالأرقام والإحصائيات والرسوم الإيضاحية، وغير ذلك مما يحتاجه التحقيق الصحفي.
٤- وإذا كان التحقيق الصحفي يحاول أن يشرح ويفسر ويعلق ويبحث في الأسباب والعوامل الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو الفكرية التي تكمن وراء الخبر أو القضية أو المشكلة التي يدور حولها التحقيق الصحفي، إلا أن التقرير الصحفي غالبًا ما يكتفي بزاوية واحدة أو اثنين من زوايا الخبر أو الفكرة أو القضية١.. قد تكون الزاوية الإنسانية أو السياسية أو الفكرية أو الاجتماعية أو الاقتصادية دون أن يتطرق لباقي الجوانب التي هي مهمة التحقيق الصحفي.
٥- يتفق التقرير الصحفي مع التحقيق الصحفي في:
١- أنه قد يشتمل على بقية الفنون الصحفية الأخرى؛ كالخبر والتعليق والصور والرسوم.
٢- أنه يكتفي بالإجابة على السؤال السادس من الأسئلة الستة وهو: لماذا؟
٣- أنه يظهر ويكشف عن شخصية كاتبه.
٤- أنه ليس مطالبًا بالتعبير عن سياسة الجريدة وإن كان مطالبًا بألا يتناقض معها.
٥- أنه يرسم صورة واقعية للحياة ولا يقوم على الخيال، كما هو الشأن في القصة الأدبية٢.
стр. 123
المبحث الثاني: كتابة التقرير الصحفي
تختلف طرق كتابة التقرير الصحفي عن طرق كتابة الخبر الصحفي. فإذا كان الخبر الصحفي يكتب بطريقة الهرم المقلوب ... أي: أن توضع في المقدمة أهم الحقائق والأحداث أو المعلومات ... ثم يوضع في جسم الخبر المعلومات أو الأحداث أو الحقائق الأقل أهمية١ ... إلا أن التقرير الصحفي يكتب بطريقة معاكسة للخبر الصحفي ... أي: يكتب بطريقة الهرم المعتدل ... أي: تضم مقدمة التقرير الصحفي مدخل أو مطلع يمهد لموضوع التقرير بأن يتناول زاوية معينة من زوايا الموضوع يختارها الكاتب بعناية ... وهذا المدخل أو التمهيد لا يضم خلاصة الموضوع أو أهم حقائقه؛ وإنما يضم فقط مطلع أو مدخل منطقي يتوسل به الكاتب إلى شرح موضوع التقرير؛ بحيث يضم جسم التقرير التفاصيل والشواهد والصور الحية للموضوع؛ ليصل بنا الكاتب في النهاية إلى خاتمة التقرير الصحفي، وهي التي يكشف فيها عن نتائج أو خلاصة ما توصل إليه، أو يقدم لنا أهم نتيجة أو حقيقة وصل إليها في موضوع التقرير.
وهذا التسلسل المنطقي في بناء التقرير الصحفي يجعله يختلف عن بناء الخبر الصحفي في جانبين هامين:
الأول: أنه في حين يحتوي الخبر الصحفي على جزأين فقط وهما: مقدمة الخبر وجسم الخبر ... نجد التقرير الصحفي يحتوي على ثلاثة أجزاء هي: مقدمة التقرير ... وجسم التقرير.. وخاتمة التقرير.
стр. 124
الثاني: أن بناء الخبر من مقدمة وجسم فقط، واحتواء هذا الجسم على الحقائق الأقل أهمية يتيح لكاتبه أو للصحيفة التي تنشره أن تحذف من جسم الخبر أية أجزاء تراها ... دون أن يؤثر ذلك في سياق الخبر١. في حين أن بناء التقرير الصحفي من مقدمة وجسم وخاتمة، وقيام هذا البناء على تسلسل منطقي يجعل من أجزاء التقرير وَحْدَة عضوية مترابطة، ليس من السهل قطع أو حذف أي جزء منها دون أن يتأثر بذلك بناء التقرير نفسه، وغالبًا ما يؤدي حذف أي جزء -ولو صغيرًا منه- إلى صعوبة فهم هدف التقرير ونتيجته واهتزاز فكرته الأساسية وتسلسله المنطقي٢.
ورغم اختلاف أنواع التقرير الصحفي وتعدد مجالاته، فلا بد أن يحتوي على الأجزاء الثلاثة التالية:
أولًا: مقدمة التقرير الصحفي:
وهذه المقدمة لها عدة وظائف، أهمها:
١- أن تمهد للموضوع.
٢- أن تهيئ القارئ له.
ومقدمة التقرير الصحفي قد تحتوي على العناصر التالية:
١- واقعة ملموسة.
٢- موقف معين.
٣- صورة منطقية.
٤- زاوية جديدة لموضوع غير جديد.
وتتحدد قيمة المقدمة على ضوء الاعتبارات التالية:
١- مقدرة المقدمة على جذب انتباه القارئ إلى الموضوع الذي يعالجه التقرير الصحفي.
٢- قدرة المقدمة على دفع القارئ إلى متابعة قراءة بقية التقرير الصحفي وحتى نهايته.
ثانيًا: جسم التقرير الصحفي:
جسم التقرير الصحفي هو الجزء الذي يضم المعلومات والبيانات الجوهرية في موضوع التقرير ... كذلك يضم الأدلة والشواهد أو الحجج المنطقية التي تدعم الموضوع الذي يتناوله التقرير.
стр. 125
ومن الضروري أن يحرص كاتب التقرير على أن يضمن جسم التقرير جانبين هامين؛ هما:
١- مسار الحدث أو الواقعة التي يتناولها التقرير ... وتطور هذا المسار منذ بدايته حتى نهايته.
٢- الربط بين الوقائع التي يضمها التقرير، وأن يكشف عن العلاقات بينها حتى يكشف ما وراءها أو ما يكتنفها من غموض.
ثالثًا: خاتمة التقرير الصحفي:
وهي آخر جزء في التقرير وأهم ما فيه، ولا بد أن تتضمن:
١- تقييم المحرر لموضوع التقرير الصحفي.
٢- عرض للنتائج التي وصل إليها المحرر خلال بحثه في موضوع التقرير.
٣- التعميم لحقائق معينة أو آراء خاصة أو لبعض النتائج التي حصل عليها المحرر، وإن كان يفضل ألا يلجأ المحرر إلى التعميم إلا إذا كان مستندًا إلى وثائق أو حقائق لا تقبل الجدل أو النقاش.
ومن الضروري أن يراعي كاتب التقرير توفر صفتين هامتين في خاتمة التقرير الصحفي؛ وهما:
١- أن تحرص بقدر الإمكان أن تثير في ذهن القارئ حوارًا حول موضوع التقرير، وأن تدفعه إلى التفكير في الموضوع ومتابعته فيما بعد إن كان الموضوع يستحق المتابعة.
٢- أن تترك خاتمة التقرير صدى عن موضوع التقرير لدى القارئ، وأن تدفعه -في بعض الأحيان- إلى اتخاذ موقف أو تكوين رأي معين تجاه الموضوع أو المشكلة التي يثيرها التقرير الصحفي.
وهناك عدة محاذير يجب أن يتنبه لها كاتب التقرير الصحفي وهو يكتب خاتمة التقرير؛ أهمها:
١- أن يحذر الوقوع في براثن الخاتمة الخطابية التي لا معنى لها، والتي لا تضيف شيئًا إلى موضوع التقرير، فإن من شأن هذه الخاتمة أن تضعف من تأثير التقرير وتفسد أي جهد يكون المحرر قد بذله في كتابة التقرير وجمع مواده.
٢- أن يحذر الوقوع في خطأ عدم الاتساق بين المعلومات التي يحتويها جسم التقرير وبين النتائج التي يصل إليها في الخاتمة.. فإن من شأن ذلك أن يفقد التقرير وضوحه الفكري، ويقع به في براثن الغموض الذي يؤدي إلى عدم فهم القارئ لمعنى التقرير ومضمونه، فلا معنى مثلًا لأن يكتب المحرر تقريرًا من إيران يؤكد فيه بالشواهد والأدلة أن الشعب الإيراني كله لا يؤيد الشاه ... وفي خاتمة التقرير
стр. 126
نراه يقول بأنه من المتوقع أن يعود الشاه إلى بلاده ويحسم الصراع لصالحه. ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة التقرير الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
بناء التقرير الصحفي "الهرم المعتدل"
وكتابة التقرير الصحفي رغم أنها تأخذ شكل قالب الهرم المعتدل، إلا أنها تختلف حسب نوع كل تقرير.. ذلك أن هناك عدة أنواع من التقرير الصحفي تختلف باختلاف المجالات التي تطرقها والأشكال التي تأخذها.. ولكن يبقى أن أهم هذه الأنواع ثلاثة: التقرير الإخباري.. والتقرير الحي.. وتقرير عرض الأشخاص.. وهم موضوع المباحث التالية.
стр. 127
نموذج للتقرير الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
- لقد بدأ المحرر تقريره بمقدمة حاول أن يجعل منها تمهيدًا للموضوع، واختار لموضوع المقدمة زاوية جديدة لموضوع قديم؛ هو كيفية الوقاية من الحرب النووية. أما الزاوية الجديدة فكانت الإشارة لأقوال بعض المتطرفين في خوفهم من الحرب النووية القادمة والإشارة لاستعداد البعض منهم بالفعل للحرب القادمة:
стр. 128
اللورد بيلستد المسئول عن استعدادات الدفاع في بريطانيا يقول: إن ما لا يزيد عن ١٥ مليون نسمة فقط يمكن أن ينجوا في حالة تعرض بريطانيا لهجوم نووي.
وقال: إن عدد الباقين على قيد الحياة يمكن أن يزداد إذا طبق أفراد الشعب البريطاني التعليمات التي ستنشرها الحكومة البريطانية عما قريب ضمن كتيب يهدف إلى إرشاد الناس إلى ما يجب عمله في حالة تعرض البلاد لهجوم نووي.
وقبل تصريح اللورد بيلستد بشهر قدم التليفزيون التجاري في لندن مقابلة مع عقيد سابق في الجيش البريطاني كان نجمه لمع أبان الحرب العالمية الثانية؛ ولكن موضوع المقابلة لم يكن عن الحرب العالمية الثانية؛ بل عن الثالثة.
موضوع المقابلة اقتصر على هذا الضابط وعلى قريته الصغيرة القابعة في جزء جميل من الريف الإنجليزي. فمنذ مدة وهذا الضابط يهيئ قريته لمواجهة هجوم نووي، وكل فرد في تلك القرية يعرف الدور الذي سيلعبه والمهمة الملقاة على عاتقه في حالة تعرض بريطانيا لهجوم نووي.
كما أن القرية مجهزة بملاجئ تحت الأرض لمنع تسرب الإشعاع النووي إليها، والغرض من تلك الملاجئ أن يبقى فيها أهل القرية مدة الـ١٤ يومًا التي تعقب التفجير النووي، والتي من المفروض أن يظل مفعول الإشعاع النووي فتاكًا خلالها؛ لذلك فهي مجهزة بمخازن الطعام وخزانات المياه العذبة التي تكفي لإطعام أهل القرية وإرواء ظمئهم خلال المدة المذكورة.
стр. 129
وإذا ظن القارئ أن هذا الضابط البريطاني عليه مس من الجنون، فإننا نشير عليه بمتابعة القراءة؛ إذ سيجد أن المجانين كثر.
- أما جسم التقرير فقد حشد المحرر فيه النقاط الهامة التالية:
أ- المعلومات والبيانات الجوهرية في الموضوع، والتي تكشف عن وجود جماعات متطرفة بالفعل تستعد من اليوم لما ستسفر عنه الحرب النووية من دمار.. وهي بذلك تشكل بالنسبة للمحرر الأدلة والشواهد والحجج المنطقية التي تؤكد ما سبق وذكره من إشارات مثيرة في المقدمة عن هذه الجماعات المتطرفة:
ففي الولايات المتحدة تسيطر فكرة انتهاء الحضارة الغربية عن عقول عدد كبير من الناس الذين ينتمون إلى مدن وقرى مختلفة.
وإذا كانت نسبة كبيرة من هؤلاء المتشائمين تعتقد اعتقادًا راسخًا أن نهاية الحضارة الغربية -بل ونهاية العالم على حد تعبير المتناهين في التشاؤم منهم- ستأتي نتيجة لاندلاع حرب نووية، فإن نسبة لا بأس بها تعتقد أنه حتى لو امتنع زعماء العالم عن ضغط أزرار إطلاق الصواريخ وقرع أجراس الهول والدمار، فإن سلسلة متعاقبة من الأمراض والكوارث الطبيعية تقف بالمرصاد للفتك بالحضارة الغربية.
وفي مدينة كارسون في ولاية كاليفورنيا الأمريكية توجد مؤسسة تجارية ضخمة تنحصر نشاطاتها التجارية في تلبية طلبات الباقين على قيد الحياة، الذين ينفقون مئات الآلاف من الدولارات في شراء كميات ضخمة من المواد الغذائية لخزنها بانتظار الموعد المشئوم، وفي العام الماضي بلغت مبيعات تلك المؤسسة أكثر من مليون دولار.
ومن الشخصيات المعروفة على شاشة التليفزيون الأمريكي شخصية ألان رف الذي
стр. 130
يرشد الناس إلى الطرق السليمة للبقاء على قيد الحياة بعد انتهاء الحضارة الغربية، وبالإضافة إلى برنامجه الأسبوعي فإنه يصدر نشرة شهرية في نفس الموضوع ترسل بالبريد إلى ١٢٥٠٠٠ مشترك، يدفع كل منهم ١٤٥ دولارًا مقابل اشتراك سنوي. ومن الفضائح التي يسديها لقرائه التخلص من الودائع النقدية واقتناء الذهب والأحجار الكريمة.
ويبدو أن ولاية كاليفورنيا بالذات تئوي نسبة كبيرة من "الباقين على قيد الحياة"، فمن رواد هذه الحركة هناك شخص اسمه بوب سلون، وهو رب عائلة في الـ٥١ من العمر، مهنته مهندس ميكانيكي. ويرى بوب أن كل شخص عاقل يجب أن يخزن طعامه وما يلزمه من مياه الشرب، وأن يكيف نفسه على العيش بدون كهرباء ولا بنزين، وأن يدافع عن نفسه ضد الأشخاص الذين لم يتخذوا هذه الاستعدادات، فأخذوا على حين غرة يوم النهاية المحتومة.
وفي هذا المجال فإن بوب يسير في استعداداته دون هوادة، منزله يمتلئ بالمأكولات المعلبة، أما بركة السباحة التي تحتل جزءًا جميلًا من حديقة منزله الخلفية، فقد حولها إلى خزان ماء يتسع لكمية من مياه الشرب تصل إلى ١٨٠٠٠ جالون.
وكان بوب قد ضحى بمستقبل مهنته، وبالحياة الرغدة التي كان يتنعم بها في بلدة ريتشموند الأرستقراطية في قلب كاليفورنيا؛ لينتقل بأسرته إلى قرية نائية تقبع بين جبال وعرة تعزلها عن مباهج الحياة في معظم مدن ولاية كاليفورنيا الجذابة.
وإذا كانت القرية الإنجليزية تستعد للدفاع عن نفسها، فإن قرية بوب سلون الأمريكية تستعد للهجوم؛ إذ رسم بوب خطة منذ
стр. 131
الآن للتصرف والأخذ بزمام المبادرة في اللحظة التي تلوح فيها عند الأفق بوادر انهيار المجتمع الأمريكي.
وتقضي الخطة بأن يهب هو ورجاله ممن تحت إمرته للانقضاض على مستودعات الحرس القومي والاستيلاء على عرباته المصفحة ودباباته وأسلحته الثقيلة؛ ولكن ضد من ستستخدم هذه الترسانة من الأسلحة؟ وهل تضم قوات الاحتلال السوفيتية المتصورة الاستيلاء على قرية بوب سلون حتى قبل سقوط واشنطن؟
كلا إن هذه الأسلحة لن تستعمل لإيقاف الزحف السوفيتي عند أبواب قريته؛ بل للقضاء على مواطنيه الأمريكيين؛ إذ يعتقد بوب سلون أنه في حالة انهيار المجتمع الأمريكي سيحاول الكثيرون النزوح إلى قريته "الفاضلة"، والاستفادة من الاستعدادات الكبيرة التي قام بها أهل قريته، ثم ستدب الفوضى ويسود الذعر والقلق، وتنتهي أحلامه وتتحطم آمال الكثيرين الذين وضعوا كل ثقتهم من منقذهم. إذن لا بد من حماية القرية والدفاع عن ثرواتها المخزونة. وبالتالي لا بد من إطلاق قذائف دبابات الحرس القومي على المواطنين الأمريكيين.
وإذا ظن المرء أن تلك مجرد أفكار لن يتم تنفيذها أبدًا، فإن ما يقوم به بوب سلون ورجاله كفيل بإثبات عكس ذلك؛ إذ استأجروا ساحة واسعة وحولوها إلى ميدان تدريب على إطلاق النيران.
وعلى عكس نظرة بوب سلون المتشائمة، فإن زعيمًا لمجموعة أخرى من "الباقين على قيد الحياة" ينتظر بفارغ الصبر سقوط المجتمع الغربي وانهيار حضارته. ويعتقد الشخص هذا الذي يُدْعَى كيرت ساكسون أن انتهاء الحضارة
стр. 132
الغربية المعاصرة أمر لا بد منه؛ ولكن هذه الفكرة بالنسبة له تدعو للإثارة وحب المغامرة.
فانتهاء الحضارة يعني فرصة أخرى للبناء من جديد، وسيقتنص هو وأمثاله هذه الفرصة لدخول التاريخ بإقامتهم مجتمعًا جديدًا يعتمد نجاحه على جهود الباقين على قيد الحياة.
وعلى خلاف بوب سلون، فإن كيرت ساكسون كاتب وناشر وكيميائي، وهوايته جمع المعدات الثقيلة واقتناء الأسلحة. ومن بين مؤلفاته كتاب في أربعة أجزاء بعنوان "البقاء على قيد الحياة". وفيه يرسم صورة لحياة المجتمع الناهض من بين الأنقاض كما يراها ويخطط لها.
وإذا ما تجولت في منزله تشعر وكأنك في مستودع للخردة، فمعظم المعدات التي يقتنيها قديمة يعود بعضها إلى عام ١٩٣٤. كما حول ركنًا من منزله إلى مختبر صغير لإجراء التجارب على أنواع المواد المتفجرة التي يقوم بإنتاجها، وفي إحدى تلك التجارب انفجرت شحنة مما أدى إلى جرح يده اليسرى؛ بحيث لا يقدر على استعمالها مطلقًا.
وهو في فكرته -عن الاستعدادات التي يجب على المرء أن يتخذها كي يبقى حيًّا- يخالف أفكار ألان رف الذي يناشد أتباعه اقتناء الذهب والأحجار الكريمة؛ لأن كل همه انحصر في اقتناء الأسلحة، ويشرح هذا المخلوق نظريته قائلًا: "سيكون هنالك شخصان: واحد يملك الذهب، والآخر يملك السلاح. وقد يحاول الأول تطبيق نظام المقايضة، فيعرض ذهبه على الثاني مقابل بندقيته؛ ولكن صاحب البندقية يكون في وضع قوي يسمح له باستخدام القوة لانتزاع الذهب من الآخر، وإذا كان الكرم والعفو من شيم أجداده فقد يسمح له بمغادرة المكان حيًّا؟ ".
стр. 133
ب- الرابط بين هذه الوقائع والمعلومات في نسيج واحد والخروج من ذلك بمقولة: إن هناك من الناس الأسوياء من ينظرون بجدية إلى مثل هذه الأمور، ويضرب المحرر لذلك بمثل يؤكد أن هذه القضية أثيرت في أسئلة بعض الامتحانات المدرسية في كاليفورنيا.. بل إن الموضوع كان مادة لاستفتاء علمي في المجتمع الأمريكي:
هذه هي الحياة الجديدة التي يستعد ألان رف -بل عشرات الآلاف من الأمريكيين- لاستقبالها بعد انتهاء الحضارة المعاصرة. وإذا ظن المرء أن فكرة استخدام القوة والأسلحة الثقيلة للقضاء على الذين لم يستعدوا لذلك العصر الأسود تسيطر فقط على عقول أناس مثل بوب سلون، فما عليه إلا أن يحاول الإجابة على هذا السؤال الذي كان جزءًا من امتحانات إحدى المدارس الثانوية في كاليفورنيا في نهاية العام الماضي.
يقول السؤال: اندلعت الحرب النووية ففتكت إشعاعاتها الذرية بكل حي ولم ينجُ سوى ١٥ شخصًا فروا إلى مخبأ محصن ضد الإشعاع؛ ولكن لسوء الحظ فإن كمية الأغذية المخزونة التي يجب أن تستهلك على مدى المدة التي يظل فيها الإشعاع فتاكًا في البيئة لا تكفي إلا لعشرة أشخاص فقط؛ لذا يجب إخراج خمسة أشخاص ليلاقوا حتفهم، وعلى الطالب أن يقرر أي الأشخاص الخمسة يجب أن يساقوا إلى المذبح؟
وإذا كان الاستغراب من توجيه مثل هذا السؤال إلى طلبة المدارس هو رد الفعل الطبيعي المتوقع، فإن استطلاعًا للرأي على عينات مختلفة من طبقات المجتمع الأمريكي أثار الدهشة الممزوجة بالقلق؛ إذ كان السؤال الذي وُجه إليهم: هل تعتقد أن مصير الحضارة المعاصرة الانهيار والدمار في المستقبل القريب؟ وتفاوتت الأجوبة
стр. 134
لأن ثلاثة من عشرة يعتقدون بنهاية الحضارة المعاصرة؛ نتيجة لسلسلة من الكوارث قد تستغرق أسابيع فقط، وستة من عشرة يرون أن الحضارة بدأت عملية الانحلال منذ مدة، وبتطبيق قانون التسارع فإن النهاية تقترب يومًا بعد يوم وسنة بعد سنة، وقد فات الأوان على إيقاف العجلة.
ولكن الشيء الذي أثار الدهشة والقلق أن شخصًا واحدًا من الذين وجه إليهم هذا السؤال لم يكن ليعتقد أنه سؤال سخيف، وصرفه على أنه كلام فارغ؛ بل انحصرت الاختلافات بين وجهات النظر في الطريقة التي ستنهار فيها الحضارة الغربية.
- أما خاتمة التقرير فقد اختار لها المحرر جانبًا طريفًا يخفف من الكآبة التي يمكن أن تصيب القارئ عندما يفكر في الحرب النووية القادمة.. فقد طلب المحرر من القارئ بأن يقوم بأداء أحد الاختبارات التي وضعها دعاة مقاومة الحرب النووية! ومع أن الاختبار مستحيل أن ينفذ -وخاصة من جانب قراء الصحيفة- إلا أنه حقق أحد وظائف الخاتمة؛ وهي أن تترك صدى لدى القارئ ... عن الموضوع.. حتى لو كان هذا الانطباع مجرد الابتسام لطرافة الموضوع!:
"بدون أي إنذار مسبق، انهض من فراشك في الصباح واقطع جميع إمدادات الكهرباء والغاز والماء عن أهل البيت، وأصدر الأوامر إليهم بالبقاء في المنزل ثلاثة أيام كاملة، لا مدارس، لا عمل، لا تسوق، ولا تسمح لأي فرد باستعمال الهاتف.
الطبخ يجب أن يتم باستعمال الشموع أو بحرق أوراق الصحف القديمة، وإذا شعرت بالبرد فإياك واللجوء إلى التدفئة المركزية؛ بل تلحف بكل ما تقع عليه يدك من ملابس قديمة".
هذا هو الاختيار الذي يطلب أحد دعاة البقاء على قيد الحياة إجراءه لمعرفة مدى استعداد الأفراد لمواجهة نهاية الحضارة الغربية!!
стр. 135
المبحث الثالث: التقرير الإخباري
هو التقرير الذي يهتم -في المقام الأول- بعرض وشرح وتفسير بعض زوايا أو جوانب من الأخبار أو الأحداث أو الوقائع اليومية الجارية.. وهو لذلك يسمى في بعض الأحيان بـ"تقرير المعلومات".. وأحيانًا أخرى يسمى "التقرير الموضوعي"..
ويقوم هذا النوع من التقرير بأداء الوظائف التالية:
١- تقديم بيانات ومعلومات جديدة عن خبر أو حدث لا يستطيع الخبر الصحفي أن يوفيه حقه في النشر١.
٢- إبراز زوايا أو جوانب جديدة عن حدث معروف.
٣- تقديم الخلفية التاريخية أو الخلفية الوثائقية للخبر أو الحدث الذي يتناوله التقرير. فمن شأن هذه الخلفية أن توضح الجوانب الغامضة أو غير المفهومة في الحدث٢. وعلى سبيل المثال فإن من يكتب عن النزاع أو الصراع الأخير بين كمبوديا وفيتنام لا يمكن أن يفهم حقيقة هذا النزاع أو دوافعه -وخاصة أنه يقوم بين دولتين يتبنيان نظامًا اجتماعيًّا واحدًا- بدون الكشف عن خلفيته التاريخية، وارتباطه بالصراع الصيني السوفيتي.
стр. 136
٤- تقدم تقييم موضوعي لهذه البيانات، سواء كان ذلك عن طريق الأحكام والاستنتاجات والتعميمات التي تدلى بها الشخصيات التي يستشهد بها كاتب التقرير أو تلك التي يتوصل إليها بنفسه.
والتقرير الإخباري لا بد أن يتصف بصفتين بارزتين:
الأولى: الالتزام بالأسلوب الموضوعي في عرض المعلومات والبيانات والآراء ... ويقصد بالأسلوب الموضوعي هو عدم تحيز الكاتب أثناء سرده للمعلومات، أو أثناء تقييمه لها، أو تعميمه لنتائجها ... لذلك يفضل أن يميز كاتب التقرير تمييزًا واضحًا أثناء كتابة التقرير بين ما هو أخبار أو معلومات أو بيانات بحتة.. وبين ما هو رأي لكاتب التقرير نفسه أو لأي من الشخصيات التي يستشهد بها في التقرير.
الثاني: أنه بنفس القدر الذي يجب أن يهتم فيه كاتب التقرير بتقديم المعلومات والبيانات الجديدة، لا بد أن يهتم أيضًا بتقديم الخلفية التاريخية لموضوع التقرير، خاصة تلك الخلفية ذات الطابع الوثائقي.
والتقرير الإخباري هو الذي يلبي اليوم الاحتياجات الإعلامية للقارئ المعاصر، وخاصة فيما يتعلق بالقضايا الحيوية في المجتمع الحديث ... لذلك يندرج تحت هذا النوع العديد من التقارير؛ مثل: التقرير السياسي١، والتقرير الاقتصادي، والتقارير التي تعرض للحروب والأزمات والكوارث والزلازل.. كذلك يندرج هذا النوع التقارير المعنية بشئون التعليم والصحة والعلوم.
ونحن نعتقد أن الجزء الأكبر من مجالات التقرير الإخباري تنصرف إلى تغطية "الأخبار الجادة Hard News"، وهي الأخبار التي تحيط القراء علمًا بالأحوال والمواقف الهامة التي من شأنها التأثير في حياتهم ومستقبلهم إن آجلًا أو عاجلًا؛ مثل: أخبار الشئون العامة Public affair والشئون الاقتصادية economic affair والمشاكل الاجتماعية social problem والعلوم Science والتعليم education ورجال المال Wealthers والصحة health وما يشابه ذلك من الشئون. أما الجانب القليل من التقارير الإخبارية فهو الذي ينصرف إلى تغطية الأخبار الخفيفة Soft News، وهي الأخبار التي تثير اهتمام القراء وتسليهم مثل أخبار الطرائف وأخبار الرياضة وأخبار المجتمع وحوادث التصادم والجرائم والنكبات والجنس٢. والتقرير الإخباري شأنه شأن بقية الأنواع من التقارير يكتب بقالب الهرم المعتدل.
стр. 137
نموذج للتقرير الإخباري:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
- بدأ المحرر تقريره الإخباري عن الاضطرابات العمالية في بولدنا بمقدمة، حاول فيها أن يلخص أبرز وقائع الحدث البولوني ونتائجه؛ فالمقدمة هنا تقوم حول واقعة ملموسة يحاول المحرر تفسير بعض زواياها:
- تعيش بولونيا منذ مطلع شهر تموز "يوليو" الماضي نقمة شعبية متصاعدة، وصلت إلى ذروتها في أواسط هذا الشهر مع امتداد الإضرابات العمالية إلى عدد كبير من المصانع في مناطق عديدة، مما أجبر السلطة على القبول
стр. 138
بعد رفض استمر أسابيع، بمحاورة ممثلي العمال المضربين؛ إذ تنكر هؤلاء لتمثيل النقابات العمالية الرسمية لهم، هذه النقابات الواقعة تحت التأثير المباشر للحزب الشيوعي الحاكم.
- بعد المقدمة دخل المحرر في جسم التقرير الإخباري؛ حيث وضع في مركز الصدارة فقرة من المعلومات الخلفية التاريخية عن الأحداث المثيلة لهذه الإضرابات العمالية في التاريخ البولندي القريب:
وإذا كانت هذه الموجة من النقمة الشعبية ضد النظام في بولونيا ليست الأولى؛ إذ سبقتها تحركات عمالية وشعبية أخرى في الأعوام ١٩٥٦ و١٩٧٠ و١٩٧٦ جرى قمعها بالقوة، فإنها تبدو الأكثر شمولًا منذ قيام النظام المقرب من الاتحاد السوفيتي في سنة ١٩٤٥، والأكثر جذرية كونها تطرح -إضافة إلى المطالب الاقتصادية- مطالب سياسية يصعب على النظام الحاكم تلبيتها من دون أن يشكل ذلك تحولًا أساسيًّا في بنيته وفي سياسته الداخلية والخارجية.
- وفي الفقرة التالية من جسم التقرير أخذ المحرر يقدم بعض ملاحظاته حول طبيعة هذا الحدث:
على أن أول ما يلفت النظر فيما تشهده بولونيا اليوم هو عدم لجوء السلطة إلى العنف لمواجهة حركة الإضراب التي تشل جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الوطني منذ أسابيع؛ بل فإن وسائل الإعلام الرسمية تتداول أخبار الإضراب وتعقد على التليفزيون والراديو الرسميين ندوات مناقشة حول الموضوع، بعد أن مارست وسائل الإعلام هذه تعتيمًا كاملًا حول ما يجري استمر حتى أوائل هذا الشهر عندما ظهر أن هذا التعتيم لم يمنع امتداد الإضرابات وتزايدها.
стр. 139
ذلك أن النقمة الشعبية هي تحرك عفوي، جاء بمثابة الرد على وضع اقتصادي متأزم لم تشهده بولونيا في تاريخها الحديث، لدرجة أن ثمة شبح مجاعة يخيم على البلاد، ويدفع السكان إلى تفريغ كل مخازن التموين من محتوياتها كل يوم تحسبًا لفقدان المواد الغذائية الضرورية.
- أما بقية فقرات جسم التقرير، فقد استهدفت عرض وشرح وتفسير بعض زوايا أو جوانب الحدث البولوني ودلالاته:
ومن الطبيعي أن يسود هذا القلق البلاد. فالمأزق الاقتصادي الذي تجتازه بولونيا هو الأصعب من بين كل الدول الاشتراكية، فبولونيا وحدها مدينة للعالم الغربي بـ٢٠ مليار دولار "العالم الاشتراكي كله -بما فيه بولونيا- مدين بمبلغ ٨٠ مليار دولار للعالم الغربي" عليها تسديدها مع فائدتها، مما يشكل مبلغ ٦ مليارات دولار سنويًّا، وهو عمليًّا ما تستطيع تأمينه البلاد من العملات الصعبة بفضل صادراتها من الفحم الحجري، ويفرض عليها الاستدانة لاستيراد كل ما تحتاج إليه من الخارج.
وبالإضافة إلى الديون المتراكمة على الاقتصاد البولوني، فإن هذا الاقتصاد يعيش أزمة داخلية قوية. فلقد انخفض الناتج الوطني عام ١٩٧٩ بنسبة ١، ٢% ولم تتوصل الصناعة إلا إلى تحقيق حوالي ٥٥% من النمو المطلوب في الإنتاج. كذلك يعاني الاقتصاد البولوني من الارتفاع المضطرد في أسعار المواد التي يستوردها من البلدان الغربية ومن تضخم الاقتصاد العالمي، زيادة على ذلك تبدو العملة الوطنية
стр. 140
الـ"زلوتي" وكأنها لا تساوي شيئًا يذكر بالمقارنة مع العملات الصعبة. يضاف إلى هذه اللوحة القاتمة المحصول الزراعي السيئ للسنوات الأخيرة، واضطرار بولونيا بعد تخفيف الاتحاد السوفيتي من صادراته النفطية إليها، إلى شراء النفط من السوق السوداء بأسعار عالية جدًّا "حوالي ٣٥ دولارًا للبرميل الواحد" وطبعًا إلي دفعه بـ"العملات الصعبة".
وهكذا يتعمق مأزق الاقتصاد البولوني تحت هاجس أساسي: من أين وكيف الحصول على العملات الصعبة؟ والجواب كان ولا يزال نفسه: الاستدانة ... وزيادة الإنتاج داخليًّا للتمكن من زيادة الصادرات وزيادة الأسعار داخليًّا لمواجهة هذه الحركة التضخمية. ففي ١٩٧٩ رواحت زيادة الأسعار بين ١٤ و١٦% بينما بقيت الرواتب على حالها تقريبًا.
غير أن الشعرة التي قصمت ظهر البعير جاءت في مطلع هذا الصيف مع زيادة أسعار اللحم وتخفيف مصاريف الدولة للتمكن من إيقاف تفاقم العجز. فإذا بكل شيء في البلاد يهتز: مئات الآلاف من العمال يتوقفون عن العمل، ويحتلون المصانع، ويعلنون إضرابًا مفتوحًا مشكلين لجانًا تمثلهم، ويطالبون -إضافة إلى زيادة الرواتب وتخفيض أسعار اللحم- بمطالب سياسية؛ أهمها: تشكيل نقابات حرة، وجعل النقابات القائمة عمالية فعلًا، وليس مجرد نقابات صورية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والتعهد بعدم ملاحقة المضربين ومنظمي الإضراب، والسماح للكنيسة باستعمال وسائل الإعلام، وإلغاء المعاملة الخاصة لرجال الشرطة،
стр. 141
وبناء نصب تذكاري لشهداء إضرابات ١٩٧٠، ونشر كامل المطالب في كل وسائل الإعلام ... إلخ.
وأمام إصرار المضربين على هذه اللائحة الطويلة من المطالب "التي تضمنت حوالي ٣٧ مطلبًا" وافقت الدولة على زيادة الرواتب، وتخفيض بعض الأسعار، وتوجه رئيس الحكومة إدوارد بابيوش إلى الشعب عبر وسائل الإعلام، ثم تبعه الرجل الأول في البلاد إدوارد غيريك في محاولة للفصل بين المطالب السياسية والمطالب الاقتصادية ... لكن المضربين أصروا على عدم التنازل عن أي مطلب.
وظهر لفترة أن السلطة قررت التصلب؛ إذ اعتقلت بعض قادة الإضرابات ... لكن الحزب عقد فجأة مطلع هذا الأسبوع اجتماعات طارئة على أعلى المستويات، وظهر غيريك على شاشة التليفزيون مساء الأحد ليعلن -ولأول مرة في التاريخ الحديث لأوربا الشرقية- تجاوب القيادة مع أهم مطالب القاعدة، وإعفاء رئيس الحكومة وعدد من الوزراء من مناصبهم، والاعتراف علنًا بوجود أخطاء، وبضرورة مراجعة السياسة الاقتصادية التي تتبعها الحكومة.
- وفي خاتمة التقرير نجد المحرر يحاول تلخيص تقييمه للحدث البولوني معتمدًا في هذا التقييم على ما سبق، وقدمه في جسم التقرير من معلومات وشواهد ومعلومات خلفية، وهو في الخاتمة أيضًا يحاول أن يطرح استنتاجاته الخاصة حول تطور الحدث البولوني، وما سوف يسفر عنه في المستقبل:
... وارتاح الوضع في بولونيا؛ لكن شيئًا لم يحسم بعد، فكل مرة يتحرك فيها العمال في بولونيا يتغير فورًا رئيس الوزراء، هكذا
стр. 142
حصل عام ١٩٥٦ وعام ١٩٧٠ ... وبعد أشهر كادت تعود الأزمة إلى ما كانت عليه.
هذه المرة تنازلت السلطة جديًّا أمام شمولية النقمة الشعبية؛ لكن يجب الانتظار لمعرفة ما إذا كان هذا التنازل يعبر عن تغير جدي في السياسة الداخلية أو هو تدبير مهدئ.
وبديهي أن الأهم اليوم هو معرفة رأي موسكو بالتوجه الجديد للنظام البولوني الذي فاجأ العالم، وخاصة الإعلام الغربي الذي صوره "بعبعًا" يمهد لتحويل بولونيا إلى أفغانستان جديدة.
لكن هذا لم يحدث.
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ويلاحظ بشكل عام حول هذا التقرير أن المحرر التزم بالموضوعية فيما يتعلق بسرد الأحداث؛ ولكنه في نفس الوقت استخدم هذه الأحداث لتقديم تفسيرات تخدم وجهة نظره، كذلك يلاحظ اهتمام المحرر بتقديم أكبر كمية من المعلومات الخلفية عن الحدث، سواء في فقرات مستقلة أو بين السطور.
стр. 143
المبحث الرابع: التقرير الحي
هو التقرير الذي يركز على التصوير الحي للوقائع والأحداث.. فهو يهتم برسم صورة الوقائع أو الأحداث أكثر مما يهتم بشرحها أو تحليلها أو تفسيرها.
فالتقرير الحي يشترك مع التقرير الإخباري في أنهما يتناولان الوقائع والأحداث الجارية ... ولكن في حين يركز التقرير الإخباري على سرد البيانات والمعلومات حول هذه الواقعة وتحليلها وتقييمها.. نجد التقرير الحي يركز على وصف الحدث نفسه أو الواقعة ذاتها.
فالتقرير الحي يقوم بأداء الوظائف التالية:
١- وصف الحدث، والظروف المحيطة به، والمناخ الذي تم فيه، والناس الذين ارتبطوا به.
٢- عرض وتصوير وتسجيل التجارب الذاتية، سواء تجارب المحرر -كاتب التقرير- نفسه مع الحدث أو تجارب الأشخاص الذين يمسهم الحدث أو الذين لهم علاقة به ... وهو كثيرًا ما يدع الناس يتكلمون بأنفسهم، ويرسمون بتعبيراتهم الخاصة صورة الحدث كما وقع أو كما تصوره وهو يقع.
٣- التعبير عن الأفكار والمشاعر الشخصية لكاتب التقرير أو الأشخاص الذين يدور حولهم الحدث، ويعكس رؤيتهم الخاصة للحدث.
стр. 144
٤- أن يجعل القارئ يعيش في الحدث نفسه ... وكأنه شارك في رؤية الحدث.
والتقرير الحي قد يستعين في كثير من الأحوال بالعديد من الأدوات والأشكال التي يستعين بها التحقيق الصحفي دائمًا أن الفرق الجوهري بين التحقيق الصحفي والتقرير الحي هو أن التقرير يكتفي بالتركيز على زاوية واحدة فقط من زوايا الموضوع أو القضية أو الحدث، في حين يهتم التحقيق الصحفي بموضوع القضية ككل، أو بالعناصر الجوهرية في القضية، لا بعنصر واحد منها فقط كما يفعل التقرير الصحفي.. ثم إن التقرير الحي يقوم على التركيز الشديد في حين ينفسح المجال أمام التحقيق الصحفي للإسهاب في عرض القضية أو المشكلة بجميع جوانبها واشتراك كل أطرافها١.
ينصرف الجزء الأكبر من التقارير الحية إلى تغطية الأخبار الخفيفة soft News ولكن في نفس الوقت هناك جانب غير قليل من التقارير الحية تعطي الأخبار الثقيلة Hard News مثل التقارير التي تغطي الجلسات البرلمانية، والاجتماعات الحزبية، والمعارك الانتخابية، والمؤتمرات السياسية، والاحتفالات القومية، والعروض العسكرية، وغير ذلك من المجالات.
والتقرير الحي يكتب أيضًا بطريقة قالب الهرم المعتدل.
стр. 145
نموذج للتقرير الحي:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١