صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- بعد المقدمة جاء جسم الحديث؛ حيث أوردت المحررة نص الحوار التليفوني مع الرئيس بني صدر.. وقد اختارت المحررة سبعة أسئلة.. على الأكثر أهمية في الحديث لتضعها في مركز الصدارة من جسم الحديث، وقد دارت كلها حول مستقبل رهائن السفارة الأمريكية ومحاولة الصحيفة معرفة موعد الإفراج عنهم:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- بعد ذلك وجهت الصحيفة سؤالًا مهمًّا إلى الرئيس بني صدر وهو عن شروطه للإفراج عن الرهائن. ويلاحظ أنه رغم أهمية هذا السؤال
стр. 72
إلا أنه يعتبر أقل أهمية من الأسئلة السبعة السابقة، وخاصة بالنسبة للقارئ الأمريكي الذي يهمه أن يعرف متى يتم الإفراج عن الرهائن أكثر مما يهمه معرفة شروط الإيرانيين للإفراج عنهم:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- وأخيرًا جاء دور الأسئلة الأقل أهمية من كل ما سبق؛ ولذلك وضعتها كتبة الحديث في ذيل الحديث الصحفي؛ أي: في نهاية جسم الحديث الصحفي، وكانت حول ما إذا كانت أزمة الرهائن قد أضعفت من مسعاه لتقوية حكومته وتوحيد البلاد، وكذلك عما إذا كان يعتقد جادًّا بأن الشاه يمكن أن يسلم إلى إيران:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟
стр. 73
المبحث السادس: المؤتمر الصحفي
المؤتمر الصحفي شكل من أشكال الحديث الصحفي، وهو عبارة عن حديث تُدْلِي به إحدى الشخصيات الهامة في حضور أكثر من صحفي؛ وذلك لشرح سياسة معينة أو مناقشة قضية تهم الرأي العام المحلي أو الدولي أو الإدلاء بأخبار تمس حدثًا من الأحداث الهامة١.
والمؤتمرات الصحفية يعقدها كبار المسئولين أو الوزراء أو الرؤساء أو الزعماء حين تكون هناك حاجة عاجلة لشرح سياسة معينة أمام أكبر عدد من الصحفيين؛ لكي تصل حقائق الموضوع إلى نسبة كبيرة من الراي العام الذي تخاطبه الصحف التي يمثلونها. كذلك فإن الحاجة إلى عقد المؤتمر الصحفي تكون في حالة صعوبة قيام المسئول بمقابلة كل صحفي على حدة، وهذا يحدث كثيرًا أثناء زيارات الملوك أو الرؤساء أو كبار الشخصيات السياسية لبعض البلاد الأجنبية؛ حيث لا تمكنهم فترة الزيارة القصيرة من مقابلة كل الصحفيين الذين يطلبون تحديد مواعيد لإجراء أحاديث صحفية خاصة لصحفهم؛ عندئذ يكون المؤتمر الصحفي هو الحل البديل، وغالبًا ما يأخذ المؤتمر الصحفي شكل حوار يجري بين الصحفيين والشخصية المسئولة التي تدعو للمؤتمر الصحفي. وعادة يبدأ المؤتمر الصحفي بكلمة أو بيان يلقيه المسئول، وتعقبه مناقشة بينه وبين الصحفيين؛ حيث يرد على كل الأسئلة التي يوجهونها إليه٢.
стр. 74
ومن الضروري أن يستعد المحرر الصحفي للمؤتمر؛ وذلك عن طريق الإعداد المسبق للحديث بجمع أكبر قدر من المعلومات والبيانات عن موضوع المؤتمر الصحفي وعن شخصية المتحدث، كذلك عن طريق الإعداد المسبق لعدد من الأسئلة. وفي المؤتمر الصحفي لا يملك الصحفي الفرصة لإيجاد علاقة الألفة أو الصداقة مع المتحدث كما هو الشأن في الحديث المباشر؛ لذلك فالمحرر الصحفي لا بد أن يحاول خلق انطباع جيد لدى المتحدث؛ وذلك عن طريق توجيه الأسئلة المباشرة والواضحة والمحددة، فلا وقت في المؤتمر الصحفي يسمح للصحفي بإعادة السؤال من جديد، وعلى المحرر الصحفي قبل أن يبدأ بتوجيه سؤاله أن يُعرِّف بنفسه وبجريدته١.
وعلى المحرر الصحفي أن يلجأ بصفة عامة إلى الأسئلة القصيرة؛ ولكن شريطة أن تحمل أكبر قدر من التساؤلات؛ لأنه قد لا تتاح للصحفي فرصة أخرى لتوجيه أسئلة؛ لكثرة عدد الصحفيين الذين يحضرون المؤتمرات الصحفية عادة، ولحرص منظمي المؤتمرات على إتاحة الفرصة الأكبر عدد من الصحفيين لتوجيه الأسئلة.
ومن الضروري أن يكون لكل محرر زاوية محددة يتناول منها المؤتمر الصحفي، وهذه الزاوية يجب أن تكون ملائمة لسياسة الصحيفة التي يمثلها ونوعية اهتماماتها وطبيعة القراء، فإذا عقد رئيس الوزراء مؤتمرًا صحفيًّا لشرح أبعاد الميزانية الجديدة، فإن الزاوية التي يجب أن ينظر بها إلى محرر الصحيفة العامة لا بد أن تختلف عن الزاوية التي ينظر بها إلى المؤتمر محرر الصحيفة المتخصصة، فمحرر صحيفة العمال لا بد أن يختلف في نظرته إلى المؤتمر عن محرر صحيفة الفلاحين أو محرر الصحيفة النسائية أو الصحيفة الحزبية..
فكل محرر صحفي يجب أن يذهب إذن إلى المؤتمر الصحفي وفي ذهنه "خط متميز" للموضوع أو "زاوية خاصة"، وهو الأمر الذي يجعل المؤتمر الصحفي يظهر في كل صحيفة وقد أخذ شكلًا مختلفًا عنه في الصحيفة الأخرى؛ وذلك لاختلاف الزاوية التي يتناول منها كل محرر المؤتمر الصحفي٢.
لذلك فإن الصحفيين إذا شاهدوا زميلًا لهم يحاول تتبع واستكمال خط متميز له من خلال الأسئلة التي يطرحها في المؤتمر الصحفي، فمن الضروري أن يساعدوه في استكمال أسئلته، أو يتركوه يتم هذه الأسئلة، ويجب أن يحرص كل صحفي ألا يقاطع زميلًا له يطرح أسئلة جيدة.
стр. 75
أما إذا كنت تريد أن تستكمل موضوعًا معينًا وقاطعك زملاؤك من الصحفيين، فلا تخجل من أن تعود ثانية إلى نفس الموضوع؛ لتستكمل موضوعك.
ولا بد أن تنصت وتنتبه إلى كل سؤال يُوَجَّه في المؤتمر الصحفي.. وإلى الأجوبة أيضًا؛ فقد تجد في بعض هذه الإجابات ما يضيف إليك معلومات جديدة، ويثير في ذهنك أفكارًا أخرى قد تخدم موضوعك١.
ولا تخجل من مقاطعة زميل لك حاول أن يستأثر بكل الأسئلة. إن المؤتمرات الصحفية التي يحضرها عدد كبير من الصحفيين غالبًا لا تتاح فيها فرصة توجيه الأسئلة سوى لعدد قليل من الصحفيين. فليس من الضروري في مثل هذه المؤتمرات أن يسأل كل صحفي. فالواجب على بقية الصحفيين الذين لا تتاح لهم فرصة توجيه الأسئلة أن ينصتوا جيدًا للأسئلة والأجوبة ويسجلوها، ثم هم يتولون بعد ذلك متابعة أفكارهم وموضوعاتهم من مصادرهم الخاصة بعد المؤتمر.
إن الشخص الذي ينظم المؤتمر الصحفي يستريح في كثير من الحالات إلى الصحفي الذي يقاطع اتجاهًا جيدًا من الأسئلة؛ لأن ذلك يعطيه فرصة الهرب من بعض الأسئلة المحرجة، فلا تحاول أن تقاطع مثل هذه الأسئلة٢.
وفي بعض الحالات يقوم الشخص الذي ينظم المؤتمر الصحفي -وخاصة إذا كان خبيرًا في عمل المؤتمرات الصحفية- بوضع عدد من أصدقائه الصحفيين في الصف الأول ومعهم أسئلة متفق عليها مسبقًا. وقد يزيد على ذلك بأن يمتنع عمدًا عن الإذن بالحديث إلا للصحفيين الأصدقاء له، أو الذين يظهرون ميلًا لطرح الأسئلة السهلة، والصحفي الماهر لا يجب أن يخضع لمثل هذا الترتيب، وعليه أن يفرض على منظم المؤتمر الصحفي أن يتيح له فرصة طرح أسئلته، سواء أكان عن طريق الإلحاح في طلب السؤال أو عن طريق مقاطعة الزملاء الصحفيين الموالين للمتحدث أو المتفقين معه، فالمهم أن يخرج الصحفي من المؤتمر الصحفي وقد حصل على بغيته من الأخبار والمعلومات والآراء الجديدة التي تصلح للنشر في الجريدة التي يعمل بها٣.
стр. 76
ولا بد أن ننتبه إلى أن من حق الصحفي أن ينشر الأسئلة التي وجهها بنفسه أو تلك التي وجهها غيره من الصحفيين، وله أن يذكر أسماء هؤلاء الزملاء والصحف التي ينتمون إليها وله ألا يفعل ذلك. ولكن ليس من حقه أن ينسب الحوار والأسئلة كلها إلى نفسه؛ وذلك أن هناك بعض الصحفيين الذين يحضرون بعض المؤتمرات الصحفية، ويكتبون ما جرى في المؤتمر وكأنه حديث شخصي بين الصحفي والشخص المسئول؛ بل إن هناك من يعلن أنه ينفرد بهذا الحديث دون غيره من الصحفيين، وهذا بالطبع سلوك غير أخلاقي، ويتنافى مع تقاليد مهنة الصحافة، ففيه سطو على جهود غيره من الصحفيين، فمن الضروري للصحفي أن يذكر أن هذا الحديث منقول عن المؤتمر الصحفي.
أما بالنسبة للبناء الفني لحديث المؤتمر الصحفي، فإن أصلح القوالب الفنية لكتابة المؤتمر الصحفي هو قالب الهرم المقلوب المتدرج، وهو بذلك يختلف عن القالب الذي يكتب به الحديث التليفوني وهو قالب الهرم المقلوب "غير المتدرج"، ويعود ذلك إلى استحالة أن تقوم أية صحيفة بنشر النص الحرفي لوقائع أي مؤتمر صحفي؛ وذلك لطول بعض هذه المؤتمرات من ناحية.. ولأن الصحيفة غالبًا ما تركز على الزوايا التي تهمها فقط من وقائع المؤتمر الصحفي وتهمل الزوايا الأخرى من ناحية ثانية.
ومن النادر أن نجد صحيفة من الصحف التي تصدر في المجتمعات الديمقراطية المتقدمة تنشر الوقائع الكاملة لأي مؤتمر صحفي، حتى لو كان لرأس الدولة التي تصدر بها الصحيفة.. ولكنا نلاحظ أن العكس يحدث في كثير من الدولة النامية.
واستخدام قالب الهرم المقلوب المتدرج في كتابة المؤتمر الصحفي يُمكِّن الصحيفة من إبراز أهم الأخبار والآراء التي قيلت في المؤتمر.. ثم هو يمكن الصحيفة أيضًا من تلخيص الكثير من وقائع المؤتمر من ناحية.. وإبراز نص بعض الأقوال الهامة للمتحدث من ناحية ثانية وذلك في جسم الحديث.. وبالطبع فإن ترتيب فقرات الجسم والمزاوجة بين التلخيص والأقوال المقتبسة يتم حسب أهمية كل منها بالنسبة لسياسة الصحيفة واهتماماتها؛ بحيث تبدأ بالأكثر أهمية ثم بالمهم.. ثم بالأقل أهمية.. وهكذا حتى نهاية المؤتمر الصحفي.
стр. 77
نموذج للمؤتمر الصحفي المبني على قالب الهرم المقلوب المتدرج:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- لقد اختارت صحيفة "ديلي ميل" أبرز ما وقع في المؤتمر الصحفي الذي عقده الجنرال بيتر وولز لتضعه في المقدمة.. وهو قوله: "إن روبرت موجابي لن يستطيع إرغامه على ترك زمبابوي":
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
стр. 78
- وفضلت الصحيفة أن تبدأ جسم المؤتمر الصحفي بفقرة من "الأقوال المقتبسة" للجنرال ولمن يعلن فيها تصميمه على البقاء في زمبابوي على الرغم من تصريحات موجابي:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- بعد تلك الفقرة من الأقوال المقتبسة رأت الصحيفة أن تقدم فقرة من المعلومات الخلفية؛ لكي تعطي للقارئ فكرة عن أرضية الخلاف بين الجنرال ولس وروبرت موجابي١.. فقد صرح موجابي في لقاء له مع السود الأمريكيين في نيويورك أثناء زيارته للولايات المتحدة الأمريكية.. أنه لا يسمح لأحد أن يقوم بمثل الأفعال التي يقوم بها الجنرال ولس، وأنه مستعد لمساعدته في ترك البلاد! وكان موجابي بذلك يرد على تصريح سابق للجنرال
стр. 79
بيتر ولس بعد عزله قال فيه: إن حزب موجابي قد فاز في الانتخابات عن طريق تخويف الناخبين..!
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- بعد ذلك أوردت الصحيفة فقرة من الأقوال المقتبسة من تصريحات الجنرال ولس في مؤتمره الصحفي، ذكر فيها أنه وُلد وتربَّى في هذه البلاد، وأنه مصمم على البقاء فيها.. وأنه لا يعرف أن هناك قانونًا يقول لأي شخص أن يترك البلد التي ولد فيها:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟
- ثم أوردت الصحيفة فقرة تلخيصية أشارت فيها إلى قول الجنرال ولس أنه لا يعتقد أن مستر موجابي يستطيع أن يقوم بعمل غير شرعي كطرده خارج البلاد:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
стр. 80
- وأنهت الصحيفة المؤتمر الصحفي بفقرة من الأقوال المقتبسة للجنرال ولس، يؤكد فيها أنه قرر وبصراحة في أوقات متعددة أنه لا يخاف من سيطرة الحكم الإفريقي.. وفي الحقيقة أن سيطرة الإفريقيين على الحكم مقبولة لديه لدرجة بعيدة.
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
البناء الفني للمؤتمر الصحفي المبني على قالب الهرم المقلوب المتدرج
стр. 81
الفصل الثاني: فن التحقيق الصحفي
المبحث الأول: تعريف التحقيق الصحفي
يقوم التحقيق الصحفي على خبر أو فكرة أو مشكلة أو قضية يلتقطها الصحفي من المجتمع الذي يعيش فيه.. ثم يقوم بجمع مادة الموضوع بما يتضمنه من بيانات أو معلومات أو آراء تتعلق بالموضوع، ثم يزاوج بينها للوصول إلى الحل الذي يراه صالحًا لعلاج المشكلة أو القضية أو الفكرة التي يطرحها التحقيق الصحفي١.
فالتحقيق الصحفي يشرح ويفسر ويبحث في الأسباب والعوامل الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو الفكرية التي تكمن وراء الخبر أو القضية أو المشكلة أو الفكرة أو الظاهرة التي يدور حولها التحقيق٢.
فالتحقيق الصحفي فن يقوم على التفسير الاجتماعي للأحداث وللأشخاص الذين اشتركوا في هذه الأحداث٣. وهو كفن قد يشتمل على بقية الفنون الصحفية الأخرى كالخبر أو الحديث أو الرأي أو الاستفتاء أو البحث٤.. بجانب أنه كثيرًا ما يستعين بالصور الفتوغرافية أو الرسوم أو الكاريكاتير٥. وقد تساعدنا المقارنة بين فن التحقيق الصحفي وغيره من الفنون الصحفية على مزيد من الفهم لمفهوم التحقيق الصحفي.
стр. 82
فالتحقيق الصحفي يختلف على سبيل المثال عن الخبر في كون الخبر الصحفي يجيب على أكبر عدد من الأسئلة الخمسة والمعروفة؛ وهي: من؟ ومتى؟ وأين؟ وماذا؟ ولماذا؟ ١ في حين أن التحقيق الصحفي غالبًا ما يركز الإجابة على سؤال واحد وهو: لماذا؟ كذلك يختلف التحقيق الصحفي عن الخبر أيضًا في كون الخبر لا يجب على محرره أن يظهر شخصيته٢؛ بينما التحقيق الصحفي غالبًا ما يكشف عن شخصية كاتبه.
ويختلف التحقيق الصحفي عن المقال الافتتاحي في كون المقال الافتتاحي يجب أن يعبر عن سياسة الجريدة؛ بينما التحقيق الصحفي ليس مطلوبًا منه التعبير عن هذه السياسة، وإن كان مطالبًا بألا يتناقض معها.
ويختلف التحقيق الصحفي عن القصة الأدبية في كون القصة الأدبية تُبْنَى على الخيال أو تلتقط جزءًا من الواقع ثم تكسوه بالخيال، في حين أن التحقيق الصحفي يرسم صورة واقعية للحياة٣.
والتحقيق الصحفي فن حديث نسبيًّا في الصحافة، فهو لم يستخدم على نطاق واسع إلا في مطلع القرن العشرين، وإن كان قد عرف قبل ذلك بقرن كامل على الأقل.
ويعود الفضل في ظهور التحقيق الصحفي ثم تطوره وانتشاره حتى صار أحد الفنون الصحفية الرئيسية في الصحافة العالمية إلى انتشار التعليم وظهور الأفكار الديمقراطية بما تعنيه من حرية المناقشة وحرية الرأي٤. ثم جاء تقدم الفكر الاجتماعي بما يعنيه من تنبه الأذهان إلى ما يحيط بها من القضايا والمشاكل الاقتصادية والسياسية وغيرها. وهو الأمر الذي دفع الناس إلى العمل من أجل تغيير واقعهم الاجتماعي إلى الأفضل.
стр. 83
وقد كان التحقيق الصحفي هو أحد الأدوات الصحفية الهامة لمناقشة هذه المشاكل والقضايا الاجتماعية مناقشة موضوعية وحرة١، ومن خلالها طرحت العديد من الحلول لهذه المشاكل، والتي استهدفت في آخر الأمر الوصول إلى مجتمعات أفضل. غير أن التحقيق الصحفي لم يتطور وينتشر بشكل واسع إلا بعد ازدهار فن طباعة الرتوجرافور أو فن الطباعة الغائرة٢، وهو الأمر الذي ساعد على ظهور الصحف والمجلات المصورة.
ثم جاءت أحداث الحرب العالمية الثانية لتساهم في تقدم فن التحقيق الصحفي في الصحافة؛ حيث تطورت فنون الاتصال التليفوني والتلغرافي ونقل الصور بسرعة، فتعطش الناس إلى معرفة الأخبار وتحليلها ودراسة أبعادها وآثارها؛ فكان من الضروري الاعتماد على فن التحقيق الصحفي لإشباع هذه الحاجات الجديدة.
وأخيرًا، فقد ازدهر فن التحقيق الصحفي في السنوات العشرين الأخيرة بفضل التقدم الذي شهدته ميادين الطباعة والتصوير والرسم وصناعة الكليشيهات، فضلًا عن التقدم الهائل في فن التصوير الصحفي٣.
والتحقيق الصحفي يلبي وظائف الصحافة الأساسية، فهو من ناحية يلبي وظيفة الإعلام.. حيث يقوم التحقيق بنشر الحقائق والمعلومات الجديدة بين القراء.
وهو من ناحية ثانية يلبي وظيفة الصحافة في تفسير الأنباء.. فالتحقيق الصحفي يقوم بتفسير الأخبار والأحداث وشرحها، وذلك عن طريق الكشف عن أبعادها الاجتماعية والاقتصادية ودلالاتها السياسية.
стр. 84
والتحقيق الصحفي من ناحية ثالثة يلبي وظيفة الصحافة في التوجيه والإرشاد؛ وذلك بتصديه لقضايا المجتمع ومشكلاته وبالبحث لها عن حلول.
ومن ناحية رابعة، فإن التحقيق الصحفي يلبي وظيفة الصحافة في التسلية والإمتاع، فهو كثيرًا ما يركز على الجوانب الطريفة والمسلية في الحياة.
وأخيرًا، فإن التحقيق الصحفي يلبي وظيفة الصحافة في الإعلان؛ وذلك بترويج سلعة ما، أو الإشادة بمشروع معين، وهو ما يسمى بالتحقيقات الإعلانية.
والحياة الاجتماعية هي التي تقدم للمحقق الصحفي الموضوعات التي يكتب عنها١، فهو غالبًا ما يلتقط أفكار موضوعاته من الأخبار الهامة المنشورة في الصحف والمجلات، أو من بين ثنايا الأحاديث أو المقالات الصحفية، أو مما تذيعه الإذاعة أو التليفزيون من أخبار في برامجها المختلفة. كذلك فإن الملاحظة الشخصية للمحقق الصحفي بالإضافة إلى تجربته الاجتماعية في الحياة غالبًا ما تشكل مصدرًا هامًّا من مصادر التحقيق الصحفي. ويضاف إلى ذلك ما تقع عليه يدي المحقق الصحفي من نشرات أو وثائق أو أبحاث هامة.
وأخيرًا، فإن الرحلات والحفلات العامة والخاصة وكل ما من شأنه أن يعبر عن الحياة الاجتماعية تعتبر مصدرًا أساسيًّا من مصادر التحقيق الصحفي.
والتحقيق الصحفي يمكن أن يستوعب بموضوعاته حياة المجتمع بمجالاتها المتنوعة. فالتحقيق الصحفي يمكن أن يكون موضوعه إحدى المشكلات أو القضايا العامة التي تهم المجتمع كله أو إحدى طبقاته أو فئاته المختلفة. وقد يكون موضوع التحقيق أيضًا شخصية من الشخصيات العامة في المجتمع أو بحثًا علميًّا أو كشفًا أو اختراعًا جديدًا أو مكانًا تاريخيًّا أو حفلًا
стр. 85
أو مهرجانًا أو غير ذلك من الموضوعات التي تمتلئ بها حياتنا الاجتماعية١.
ورغم تشعب مجالات التحقيق الصحفي وتعدد موضوعاته إلا أنه يمكن أن نذكر خمسة أنواع رئيسية منها؛ هي٢:
١- تحقيق "الخلفية ... Bakground":
وهو التحقيق الذي يستهدف شرح وتحليل الأحداث، والكشف عن أبعادها ودلالاتها.. إنه تحقيق يبحث بالدرجة الأولى عما وراء الخبر.
٢- تحقيق "الاستعلام أو التحري ... Ing uiry":
وهو التحقيق الصحفي الذي يلتقط مسألة من المسائل التي تهم الرأي العام، فيجمع كل التفاصيل المتعلقة بها ويعرضها على القراء ويلقي الضوء على جميع الجوانب.. وهذا النوع من التحقيقات ينطلق من النظر إلى التحقيق الصحفي باعتباره أداة من أدوات تشكيل الرأي العام.
٣- تحقيق "البحث أو التحقق ... Investigation":
وهذا النوع من التحقيقات الصحفية يشبه إلى حد كبير التحقيق الذي تجريه الشرطة في كشف الجرائم الغامضة.. أي أنه تحقيق يستهدف الكشف عما لا يعرفه أحد.. مثل الكشف عن تلاعب في توزيع المواد التموينية..! أو الكشف عن اختلاسات في بعض مرافق الحكومة..! أو الكشف عن انحراف بعض السياسيين أو سوء استغلال البعض لوظائفهم..!
стр. 86
ويندرج تحت هذا النوع من التحقيقات الصحفية ما يسمى بتحقيقات تنظيف المجتمع من الفساد مثلما حدث عندما كشفت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية.. في يونيو ١٩٧٢ تورط الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في التجسس على المقر الانتخابي للحزب الديمقراطي.. وقد انتهت تحقيقات الواشنطن بوست باستقالة نيكسون، وهو ما عرف بفضيحة ووترجيت..
٤- تحقيق.. "التوقع.. Anticipation":
وهذا النوع من التحقيقات الصحفية يستهدف مساعدة القارئ ليس فقط في معرفة كيف وقع هذا الحدث أو ماذا جرى في هذه القضية.. وإنما يستهدف أيضًا وبدرجة أهم مساعدة القارئ في معرفة كيف سيتطور هذا الحدث.. وإلى أين ستنتهي الأمور بهذه القضية! إلى أن كاتب التحقيق الصحفي لن يقول للقارئ: ماذا جرى؟ أو ماذا يجري؟ وإنما يقول له: ماذا سيجري في المستقبل؟ مثلًا: ماذا سيحدث بعد ارتفاع الأسعار؟
وأين سينفق الناس علاواتهم الجديدة؟
ومن سيفوز بالانتخابات في أمريكا كارتر أم ريجان؟
٥- تحقيق "الهروب.. Escapism":
وهذا التحقيق يلبي حاجة القارئ إلى التسلية والإمتاع.. وهو يأخذ صفة "الهروبية" من كونه يشد القارئ بعيدًا عن مشاكله اليومية ويهرب به عن اهتماماته السياسية.. ليقدم له الجوانب الطريفة والمسلية والممتعة في الحياة؛ مثل الرحلات المثيرة "أحد هواة تسلق الجبال ينجح في الوصول إلى قمة الهملايا! "، ومثل القصص العاطفية "فتاة أمريكية تقع في غرام شاب صيني! "، ومثل الأحداث الغريبة "رفضت دفع ١٢٥ قرشًا لعلاجها.. وماتت وفي حجرتها كنز من التسول..! "، ومثل الموضوعات التي تدور عن نجوم السينما والمسرح والرياضة "أكثر من وجه لبيتر سيلزر! ".
وبجانب هذه الأنواع الخمسة الهامة للتحقيقات الصحفية.. هناك أنواع أخرى للتحقيقات لا بد أن يوليها محرر التحقيقات اهتمامه، مثل التحقيقات التي تعرض للأفلام الجديدة أو المسرحيات والمعارض والندوات
стр. 87
والكتب، أو هناك التحقيقات التي تتناول بعض القضايا التاريخية أو تتناول موضوعات الأزياء والموضة.. وكل هذه تحقيقات عادية لا غنى لأية صحيفة عنها؛ ولكن يجب ألا يتم تناولها بشكل روتيني؛ وإنما يُراعَى في كتابتها اختيار زوايا جديدة تهم القارئ وتدفعه إلى قراءتها.. فالمهم دائمًا أن تختار الموضوع الذي يهم القراء.
стр. 88
المبحث الثاني: إعداد التحقيق الصحفي
أولًا: اختيار فكرة التحقيق
أول خطوة في الإعداد للتحقيق الصحفي هي اختيار فكرة التحقيق أو موضوعه.
وهذه العملية تخضع لعدة اعتبارات، لعل أهمها أن تكون هذه الفكرة مستوحاة من الأحداث الجارية أو مرتبطة بالقضايا التي تشغل المجتمع١.
كذلك لا بد وأن تكون فكرة التحقيق الصحفي جديدة ومبتكرة وقادرة على جذب اهتمام القارئ.. ولكن يجب أن نعي أن أي موضوع أو فكرة سبق طرحها يمكن أن تطرح من جديد.. بشرط أن يتم تناولها من زاوية
стр. 89
جديدة.. مثلًا امتحانات الثانوية العامة.. موضوع يتكرر كل عام وبنفس الطريقة في الصحف.. ماذا لو تم تناوله من زاوية جديدة غير تلك الزوايا التي تدخل الرعب في قلوب الطلاب.. مثل: هؤلاء هم الذين يضعون امتحانات الثانوية العامة..! ومثل: كيف يعيش العمال في المطبعة التي تطبع أسئلة الامتحانات؟ ومثل: هل يمكن تسرب أسئلة الامتحانات؟ ومثل: أوائل العام الماضي.. أين هم الآن؟
وهناك مثلًا موضوع آخر كإعلان الميزانية السنوية للحكومة.. وهو موضوع جامد؛ ولكنه يتكرر كل عام.. ماذا لو تم تناوله من زوايا أقل جفافًا.. مثل: ٦ كيلو لحم.. و٧ كيلو سمك.. وثلاث قطع جاتوه.. نصيب كل فرد في الميزانية الجديدة.. أي: أن يعاد تفسير الميزانية ليقدم المحرر نصيب كل قارئ من الميزانية الجديدة.. فهذا أدعى لجذب اهتمام القارئ من الأرقام العامة الصماء للميزانية..
إن الحصول على فكرة تحقيق صحفي مبتكر هي أصعب جزء في عمل محرر التحقيقات الصحفية ولإدراك الصحف -وخاصة في المجتمعات المتقدمة- لهذه الحقيقة صارت تكلف مندوبي الأخبار في الصحيفة بأن يقدم كل منهم عددًا معينًا من الأفكار التي تصلح لتكون تحقيقات صحفية في المجالات التي يغطون أخبارها١، واعتبر ذلك جزءًا أساسيًّا من عملهم.
وهناك بعض الصحف التي تكلف عددًا من الخبراء والاختصاصيين في مجالات أنشطة الصحيفة المختلفة بتقديم أفكار لتحقيقات صحيفة.. فهي مثلًا تكلف بعض كبار الأطباء باقتراح أفكار لبعض التحقيقات عن الطب..
стр. 90
وكذلك الأمر مع أساتذة الجامعات ورجال التعليم ورجال الأعمال والبارزين في المهن المختلفة.. وبهذه الطريقة تضمن الصحف تغذية قسم التحقيقات الصحفية بمورد لا ينضب من الأفكار الصحفية١.
واختيار المحرر لفكرة التحقيق لا يعني أنه يستطيع أن يبدأ في تنفيذه؛ وإنما عليه أن يطرح هذه الفكرة في اجتماع قسم التحقيقات الذي يضم غالبًا خيرة الصحفيين العاملين في الصحيفة، وعليه أن يستمع إلى ملاحظات زملائه من أعضاء القسم ومن رئيسه، وغالبًا ما يحضر هذا الاجتماع رئيس التحرير ونواب رئيس التحرير، ليس فقط لمناقشة الاقتراحات المقدمة من المحررين؛ وإنما لتغذية القسم بالاقتراحات الجديدة.
وعلى المحرر قبل أن يطرح فكرة التحقيق للمناقشة في داخل قسم التحقيقات أن يدرس الفكرة بعناية، وأن يبحث عما إذا كان قد سبق وعولج الموضوع في صحيفة أخرى.. ويكفي أن يسمع في الاجتماع من يقول: لقد سبق نشر هذا الموضوع منذ مدة قصيرة في صحيفة كذا..
إن هذه الكلمة كفيلة بأن تقتل الاقتراح..!
ولكن إذا كان المحرر صاحب الاقتراح قد سبق له دراسة الخلفية الوثائقية للموضوع.. يمكنه عندئذ أن يثبت أن الموضوع جديد ولم يسبق أن تناولته صحيفة أخرى. كذلك يمكنه أن يكشف عن أهمية الزاوية الجديدة التي يتناول منها الموضوع إذا ما كان قد سبق وتناولت الموضوع صحيفة أخرى..
стр. 91
ثانيًا: جَمْعُ المادة الأولية للتحقيق
المادة الأولية للتحقيق الصحفي هي المعلومات الخلفية للموضوع.. وهذه المعلومات يمكن للمحرر أن يحصل عليها من جهتين:
أ- أرشيف المعلومات بالصحيفة: وفي هذا الأرشيف يجد المحرر جميع ما كُتب عن الموضوع في الصحف والمجلات وكل ما وُضع حول الموضوع من دراسات ووثائق وبيانات.
ب- المكتبة: وفيها يجد المحرر الكتب والمؤلفات التي وضعت في الموضوع أو حوله أو التي تناولته من قريب أو بعيد.
ومن خلال التعامل مع الأرشيف والمكتبة يمكن للمحرر الحصول على التطور التاريخي للموضوع من ناحية، وعلى البيانات الأساسية له من ناحية ثانية، يضاف إلى ذلك ما يرتبط بالموضوع من أرقام وإحصائيات.
فإذا كان المحرر يتناول مثلًا قضية الأحوال الشخصية.. يمكنه أن يحصل من الأرشيف على جميع القوانين التي صدرت للأحوال الشخصية، ويمكنه أن يضع يده على تطور هذه القوانين.. كذلك يمكنه أن يلم بكل ما كتب في الصحف عن الموضوع، وكل ما دار حوله من مناقشات، سواء في الصحف أو في البرلمان أو في مجلس الوزراء.. فمناقشات البرلمان أو مجلس الوزراء تنشرها الصحف أيضًا.
أما المكتبة، فهي تتيح للمحرر أن يطالع الكتب والمؤلفات التي وُضعت في الأحوال الشخصية، ويمكن أن يعرف رأي الشريعة الإسلامية في الموضوع.. ويطلع أيضًا على آراء كبار الأئمة والمشرعين والاجتهادات المختلفة في الموضوع.. وهو الأمر الذي يتيح له ثقافة واسعة وإلمام كامل بكل جوانب الموضوع.
وعلى ضوء هذه الخلفية.. يمكن للمحرر بعد ذلك أن يبدأ في تنفيذ التحقيق الصحفي.
стр. 92
ثالثا: تنفيذ التحقبق الصحفي
...
ثالثًا: تنفيذ التحقيق الصحفي
تنفيذ التحقيق يبدأ عندما يخطو المحرر خطواته الأولى في البحث عن المعلومات الحية عن الموضوع.. والمعلومات "الحية" توجد بالدرجة الأولى عند الأشخاص الذين يدور حولهم موضوع التحقيق أو يمسهم من قريب أو بعيد.. معنى ذلك: أن المحرر قد يضطر إلى إجراء العديد من المقابلات الصحفية مع عدد من الأشخاص الذين يمكنهم إضافة معلومات هامة في الموضوع، سواء كانوا من المسئولين في الحكومة أو من المتخصصين في الموضوع من رجال الجامعات أو الباحثين في مراكز البحوث أو من المواطنين العاديين الذين يمس الموضوع حياتهم أو مصالحهم. وهذه المقابلات تتطلب إعدادًا سابقًا من المحرر يشبه في كثير من الحالات الإعداد المسبق للحديث الصحفي الذي سبق وشرحناه عند الحديث عن إعداد الحديث الصحفي؛ مثل دراسة الشخصية التي يلتقي معها، ومثل الإعداد المسبق لأسئلة المقابلة. كذلك فالمحرر مطالب أثناء إجرائه لهذه المقابلات أن يحرص على ضرورة تحديد موعد سابق مع الشخصيات التي يلتقي بها، وعليه أيضًا أن يفهم طبيعة الشخصية التي يجري معها المقابلة.. وهل تنتمي إلى الفئة المتعاونة أم الفئة المترددة أم الفئة المتهربة، وأن يتعامل مع كل شخص حسب طبيعته. كذلك من الضروري أن يلتزم المحرر بقواعد إدارة الحوار الصحفي، وبقواعد تسجيل الحوار، سواء كان عن طريق النوتة أو دفتر الملاحظات أو جهاز التسجيل.
ولكن من الضروري أن نلاحظ أن المعلومات "الحية" في التحقيق الصحفي لا تؤخذ فقط من أفواه الشخصيات التي يمسها الموضوع.. بل إن بعض الوثائق أو البيانات أو الأرقام أو التقارير التي لم يسبق نشرها وتحوي بيانات هامة في الموضوع يمكن أن تشكل مصدرًا أكثر حيوية من الشخصيات الحية١.
وعلى سبيل المثال فإن الوثائق السرية للبنتاجون "وزارة الدفاع الأمريكية" حول الفظائع التي ارتكبتها القوات الأمريكية في فيتنام، والتي حصلت عليه صحيفة نيويورك تايمز عام ١٩٧١ ونشرتها٢ أحدثت دويًّا هائلًا في المجتمع الأمريكي؛ أدى فيما بعد إلى الانسحاب الأمريكي من فيتنام..! وكان مجرد نشر الوثائق سبقًا صحفيًّا يسجل كعلامة بارزة في تاريخ هذه الصحيفة.
стр. 93
المبحث الثالث: كتابة التحقيق الصحفي
أولا: قالب الهرم المعتدل المبني على العرض الموضوعي
...
المبحث الثالث: كتابة التحقيق الصحفي
هناك ثلاثة قوالب فنية لكتابة التحقيق الصحفي تقوم جميعها على أساس البناء الفني للهرم المعتدل.. أي: أن كل قالب لا بد وأن يتكون من ثلاثة أجزاء: المقدمة.. والجسم.. والخاتمة، وهذه القوالب الثلاثة هي:
أولًا: قالب الهرم المعتدل المبني على العرض الموضوعي
في هذا القالب يعرض المحرر وبشكل موضوعي القضية أو المشكلة التي يتناولها التحقيق من خلال مقدمة يحرص فيها على إثارة اهتمام القراء بالموضوع، وهذه المقدمة قد تأخذ عدة أشكال؛ منها قيام المحرر بالتركيز على الزاوية الأساسية لموضوع التحقيق في حين يعرض في جسم التحقيق بقية زوايا الموضوع، وتتولى الخاتمة تقديم خلاصة ما انتهى إليه المحرر من آراء أو تصورات أو حلول للقضية أو المشكلة التي يتناولها التحقيق الصحفي.
وقد تأخذ المقدمة شكل التلخيص السريع لجميع زوايا الموضوع في حين تعرض كل زاوية من هذه الزوايا بالتفصيل في جسم التحقيق.. أما الخاتمة فهي تتولى أيضًا تقديم خلاصة النتائج التي توصل إليها المحرر. أما أبرز الأشكال التي يأخذها هذا القالب في كتابة التحقيق الصحفي، فهو يقوم على طرح المحرر لمجموعة من الأسئلة أو التساؤلات التي تثير اهتمام القارئ بالموضوع.. ثم يقوم بعد ذلك بالإجابة على كل سؤال أو تساؤل منها في جسم التحقيق.. وذلك من خلال عرض المعلومات والوقائع والبيانات التي حصل عليها.. وكذلك من خلال عرض المقابلات الصحفية التي أجراها مع الشخصيات التي ترتبط بالموضوع.. ثم أيضًا من خلال البيانات والمعلومات الخلفية التي جمعها عن الموضوع، سواء من أرشيف المعلومات بالصحيفة أو من المكتبة.. إن ذلك كله يشكل في النهاية الشواهد والأدلة التي يجيب بها المحرر على جميع الأسئلة أو التساؤلات التي طرحها في المقدمة.
стр. 94
أما خاتمة هذا التحقيق، فهي تقدم خلاصة مختصرة للنتيجة أو النتائج التي توصل إليها المحرر، وقد تأخذ هذه الخلاصة شكل التأييد أو المعارضة لرأي من الآراء التي طرحت داخل جسم التحقيق، وقد يتبنى المحرر اتجاهًا جديدًا لم يذكر في جسم التحقيق.. ورغم أن فن التحقيق الصحفي لا يمنع المحرر من إبداء رأيه في الموضوع الذي يتناوله.. إلا أنه يلزمه بأن يكون هذا الرأي منسجمًا مع مجموعة الشواهد والأدلة التي قدمها في جسم التحقيق حتى يكون مقنعًا للقارئ.. أي باختصار: لا بد أن يكون موضوعيًّا..
ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة التحقيق الصحفي في قالب الهرم المعتدل المبني على العرض الموضوعي:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
قالب الهرم المعتدل المبني على العرض الموضوعي في كتابة التحقيق الصحفي
стр. 95
نموذج للتحقيق الصحفي المكتوب بقالب الهرم المعتدل المبني على العرض الموضوعي:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ظ
١
- بدأ محرر صحيفة الأهرام تحقيقه الصحفي عن أزمة التاكسي في القاهرة بمقدمة ضمنها مجموعة من الأسئلة التي طرحت أزمة التاكسي بمختلف جوانبها:
ماذا نصنع إزاء ما يجري الآن في شوارع القاهرة؟ التوصيلة التي يقدرها عداد التاكسي بـ٢٠ قرشًا.. يطلب فيها سائق تاكسي البادج جنيهين، لدرجة أنه وصل أجر تاكسي البادج من المطار إلى وسط القاهرة ١٠ جنيهات، وببساطة شديدة:
стр. 96
السؤال الحائر الذي يجب أن نبحث له عن إجابة هو: مَن المسئول عن ذلك؟
هل هو الاستغلال والجشع من جانب قائدي التاكسي كما يقول الجمهور، أم هي مشكلة خاصة بأصحاب وسائقي التاكسيات، تتعلق بمسائل الصيانة وقطع الغيار والضرائب والأسعار العالية للسيارات التي ارتفعت بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، أم هي مشكلة اختناقات مرور وسوء حالة الطرقات بالمدن وخاصة مدينة القاهرة؟
ما هي الأبعاد الحقيقية؟ وما هي الحلول العملية المطلوبة؟
- أما جسم التحقيق، فقد ضمنه المحرر وجهات نظر جميع الأطراف الذين تتعلق مصالحهم بهذه المشكلة، فبدأ أولًا بآراء الجمهور من الذين يستخدمون التاكسي في قضاء مصالحهم:
في البداية ماذا يقول الناس عن أزمة التاكسي؟
- المواطن محمد فرغلي الموظف بوزارة التأمينات يقول:
إن الجديد في المشكلة هو عدم قبول عدد كثير من سائقي تاكسي العداد المحاسبة على أساس العداد، ونظرًا لأزمة المواصلات فالمواطن مجبر على قبول التسعيرة التي يحددها السائق للمشوار، وهي لا تقل عن ثلاثة أو أربعة أضعاف قيمة المشوار إذا استعمل السائق العداد، بالإضافة إلى ركوب عدد إضافي ولا يلتزم معهم بالعداد.
- سعدية عبد الحكيم ربة بيت تشكو من أن الاستغلال وصل إلى أن سائق التاكسي أصبح لا يعترف بالعائلة أو مجموعة الأفراد الذين يركبون معه، يريد أن يعامل كل واحد منهم على أنه
стр. 97
راكب منفصل، ويحصل من كل فرد على أجر حتى ولو كانوا أسرة واحدة أو مجموعة أصدقاء!
وتحكي قصة سائق تاكسي في مصر الجديدة صمم على تقاضي أجر منها وأجر آخر من أختها لتوصيلهما، كما أنه أضاف في الطريق ركابًا آخرين.
البنديرة لا يعترف بها السائقون!
- المحاسب عبد العزيز كاسب يقول: إن سبب رفض سائقي تاكسيات العداد الاعتراف بقيمة البنديرة كأساس لحساب أجر التوصيلة هو نظام تاكسي البادج الذي يسير في شوارع القاهرة منذ فترة، ويفرض على الركاب الأجر الذي يريده، ويمثل أضعاف بنديرة التاكسي لنفس المشوار، ويتساءل عن سبب عدم تنفيذ القانون الذي يلزم تاكسيات البادج بالسير في مسارات محددة يحصل مقابلها على تعريفة أجر محددة، وهو الهدف الأصلي من سيارات البادج، فالمفروض فيها أن لها مواقف محددة تشرف عليها الحكومة من الجيزة لرمسيس أو من التحرير للهرم للمساهمة في حل أزمة المواصلات.
- يسرية عبد المنعم موظفة بالشئون الاجتماعية تقول: إن الحكومة يجب أن تبحث عن حل سريع لمشكلة مغالاة سائقي التاكسي في أجور التوصيل، وأن تلغي تاكسي البادج أو تلزمه بخطوط محددة لها أجور محددة، وأن يراقب المرور سائقي تاكسي البنديرة، ويشدد العقوبة على الذين يرفضون تشغيل العداد، أو يشغلون العداد ويرفضون أن يحصلوا على أجر التوصيلة بناء على العداد.
- وتقول عواطف محمود وهي موظفة: إنها تضطر لركوب التاكسي للذهاب لعملها والعودة؛ لأن وسائل المواصلات العامة غير محتملة
стр. 98
والمغالاة في أجور التاكسي قد تضطرها للاستقالة من العمل؛ لأن ارتفاع أجور التوصيل أصبح يستوعب معظم المرتب الشهري!
- ثم استعرض المحرر بعد ذلك وجهة النظر الأخرى -أي: السائقون- إذ لا يجب على المحرر أن يكتفي بوجهة نظر واحدة في التحقيق؛ وإنما واجبه أن يتيح لكل الأطراف أن تستعرض وجهات نظرها.. فهو من هذه الزاوية كالمحقق القانوني، يبحث عن الحقيقة المجردة بلا تحيز إلى طرف ضد طرف آخر:
السائقون يدافعون عن أنفسهم!
والآن ماذا يقول السائقون؟
- يقول عبد الله السيد الغندور رئيس اللجنة المهنية النقابية للقاهرة:
إن مشكلة تاكسي البادج أنه عملية غير منظمة حتى الآن، وإن التزام السائق بالمسارات داخل المدينة لن يحقق العائد المطلوب، ويشير إلى أن التاكسي الذي يتم ترخيصه بين المحافظات بحمولة ٣ ركاب لا يمكن أن يغطي المصاريف، ويجب ألا يرخص لتاكسي البادج غير ٥ راكب؛ حتى لا يؤدي إلى خسارة، ويطالب بحل هذه المشكلة مع وزارة الداخلية.
أما بالنسبة لتاكسي العداد، فإن تسعيرته لم تتغير بالرغم من اختلاف تكاليف المعيشة، فقد ارتفع فقط خلال السنوات العشرة الأخيرة من ٦ قروش إلى ٨ قروش.
ويطالب السائقون برفع قيمة العداد إلى ١٥ قرشًا.
الأسعار.. هي السبب!
ويوضح رئيس اللجنة أن من أهم أسباب المشكلة ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، فمثلًا أسعار السيارات تضاعفت خلال السنوات الأخيرة
стр. 99
التاكسي ١٢٨ الذي كان ثمنه ١٤٥٠ جنيهًا من عشر سنوات أصبح الآن ثمنه من شركة النصر ٢٩٥٠ جنيهًا، ويباع الآن بنحو ٤٠٠٠ جنيه! ويحتاج تجهيزه لتاكسي من حيث اللون والعداد إلى نحو ٣٠٠ جنيه!
هذا بجانب أن الطرقات أيضًا غير ممهدة وتتسبب في إفساد السيارات وحاجتها المستمرة للإصلاح.
أما مشكلة الميكانيكي والكهربائي والسمكري فلا تقتصر فقط على المغالاة في الأجر؛ بل هناك ضغط كبير عليهم مما يؤدي لتعطيل السيارة لعدة أيام في انتظار إصلاحها، وذلك يعتبر تكاليف إضافية على صاحب التاكسي.
ويقول عبد الله الغندور: إن ذلك هو سبب عدم الالتزام بأجرة العداد وسبب تحميل الركاب لتغطية المصاريف.
وكان رأي الغندور بالنسبة لما يقال أن السائق هو المستفيد وليس صاحب السيارة، فقال: حتى صاحب التاكسي والسائق لا يلتزمان بالعداد، وأصبح الآن أن يقوم السائق بتأجير السيارة التاكسي من مالكها، ويقدم له مبلغًا ثابتًا متفقًا عليه، فهناك الآن ما يقال عليه "اتفاق مقاولة" بين السائق وصاحب السيارة.
ويقول رئيس اللجنة النقابية: إن هناك ضرورة لعلاج المشكلة حتى لا نفاجأ باختفاء التاكسي؛ لأن الإحصائيات توضح أن عدد تراخيص التاكسي الجديدة بالقاهرة الكبرى بلغت ٢١ ألفًا في عام ٧٤ و٧٥، حاليًا انخفض العدد إلى نحو ٨ آلاف ترخيص جديد فقط.
أي: أن التراخيص انخفضت إلى نحو الثلث؛ نتيجة لارتفاع التكاليف. كما أن التقديرات توضح أن هناك نحو ٣ آلاف تاكسي معطل لا يعمل؛ نتيجة لارتفاع تكاليف الإصلاح!
стр. 100
- ثم جاء المحرر بآراء المسئولين في مرور القاهرة، ولخص وجهة نظرهم في المشكلة:
في إدارة مرور القاهرة قال المسئولون: إن تاكسي البادج يمثل مشكلة؛ لأن صدور الترخيص به يستلزم شروطًا محددة لا يلتزم بها أصحاب وقائدو هذه السيارات، وأساس الهدف من تاكسي البادج أن تخصص له مواقف خاصة، يصدر بتحديدها قرار من المحافظ المختص، وعلى قائدي هذه السيارات الانتظار في هذه المواقف لاستقبال الركاب وتحديد تعريفة الركوب بقرار من المحافظ بعد أخذ رأي المجلس المحلي.
كما يؤكد المسئولون أن هذه التاكسيات التي تقف بمواقف محددة لا تلتزم بالتعريفة؛ ولكن المواطنين لا يشكون.
- وفي الجزء الأخير من جسم التحقيق الصحفي عرض المحرر وجهة نظر الوزير المسئول عن المشكلة:
الوزير يتكلم بصراحة تامة!
ولكن ماذا يقول رئيس نقابة النقل البري المسئول عن سائقي التاكسيات، وهو في نفس الوقت وزير الدولة لشئون الاتصال الجزئي؟
يقول الوزير محمد أحمد العقيلي:
المفروض أن التاكسي بدون عداد "تاكسي البادج" لا يعمل في وسط البلد؛ ولكن الحكومة لا تمانع حاليًا في مروره وسط المدينة؛ نظرًا لأزمة المواصلات.
ويقول العقيلي: إن الأجرة بالنسبة لتاكسي العداد أصبحت غير مجزية للتشغيل؛ نظرًا لسعر السيارة وسوء حالة الشوارع والتكاليف التي يتحملها التاكسي، فمعظم السائقين
стр. 101
من أصحاب سيارات التاكسي يشترون بالتقسيط، ومطلوب منهم توفير القسط الشهري وتوفير مقابل للمعيشة، ويؤدي ذلك للضغط على السائق، وبذله الجهد الذي لا يجد معه وقتًا للراحة..
ويضيف الوزير: إن حل مشكلة عدم الالتزام بالعداد وحل مشكلة تحميل راكب على راكب يتحقق من خلال إعداد تعريفة جديدة مجزية ومناسبة للوقت الحالي لتاكسي العداد، تراعي الظروف الاقتصادية للمجتمع وتكاليف ومصاريف التاكسي.
ويذكر العقيلي أنه تمت المطالبة في المجلس المحلي لمحافظة القاهرة برفع بداية بنديرة التاكسي إلى ١٥ قرشًا بدلًا من ٨ قروش؛ ولكن المجلس لم يوافق. حل المشكلة كما يوضح العقيلي في ضرورة الوصول إلى تعريفة عادلة لتاكسي العداد والبحث عن حل عملي لتاكسي البادج.
- وفي نهاية التحقيق جاء دور الخاتمة التي ضمنها المحرر الخلاصة التي انتهى إليها من تحقيقه حول المشكلة.. وكذلك ضمنها آراءه التي توصل إليها من خلال استعراضه لآراء جميع الأطراف في المشكلة:
والآن، إن المشكلة تحتاج لحل سريع تحتاج إلى حسم من المرور ووزارة الداخلية لمواجهة تسيب تاكسيات البادج تحتاج أيضًا إلى رقابة وزارة الداخلية للالتزام بالعداد وتحتاج إلى إصرار المواطن على عدم التفريط في حقه؛ ولكن المطلوب أولًا دراسة متكاملة لتكلفة تشغيل التاكسي، وتحديد ما هي بنديرة العداد العادلة التي تحقق صالح المواطن وصالح سائق التاكسي ومالكه!
стр. 102
ثانيًا: قالب الهرم المعتدل المبني على الوصف التفصيلي
وفي هذا القالب يصف المحرر في مقدمة التحقيق صورة عامة سريعة للحدث.. أو يصف جزءًا بارزًا منه.. بينما يترك الوصف التفصيلي للحدث؛ ليكتب في جسم التحقيق الصحفي.. أما الخاتمة فهي إما تربط بين التفاصيل المتناثرة لصورة الحدث؛ بحيث تقدم لنا في النهاية الصورة المتكاملة له أو تقتصر على الانطباعات الأخيرة للمحرر عن هذا الحدث.
وهذا القالب يصلح لكتابة التحقيقات الصحفية التي تدور حول الرحلات أو المسابقات الرياضية أو المناقشات البرلمانية أو الاحتفالات والمهرجانات أو الاجتماعات والندوات الانتخابية. ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة التحقيق الصحفي في قالب الهرم المعتدل المبني على الوصف التفصيلي:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
قالب الهرم المعتدل المبني على الوصف التفصيلي في كتابة التحقيق الصحفي
стр. 103
نموذج للتحقيق الصحفي المكتوب بقالب الهرم المعتدل المبني على الوصف التفصيلي:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
- في مقدمة هذا التحقيق الذي يصف فيه المحرر زيارته الأولى إلى مدينة نيويورك اختار أن يرسم صورة عامة وسريعة للمدينة:
نيويورك تتبدل ملامحها كل لحظة. وهنا يفتخرون بأنه ما من مدينة في العالم تفوق نيويورك في سرعة التغيير؛ ولكن هنا أيضًا كما قال لي صديقي الكاتب الأمريكي الزنجي بول رالف: لا يشعر المرء بغياب الروح كما يشعر هنا. نيويورك مسرحية عبثية متجددة العناصر الدرامية من مسرحيات الهابيننينج "happening" ... مسرح مفتوح على قارعة الطريق ... وكل
стр. 104
ما يجري في الشارع من أحداث ومواقف، بمحاذاة ناطحات السحاب التي تناطح بقممها السحب، والأضواء البراقة التي لا تكف عن التغيير في سرعة غريبة، وتتلون بألوان قوس قزح، والضوضاء والصياح المتعالي، وصراخ بائعات الهوى في الشارع ٤٢، وحركة العابرين في مانهاتن، والمسدسات التي تتأرجح في أكياسها الجلدية مع رجال البوليس الذين يذرعون الشارع جيئة وذهابًا، مرة سيرًا على الأقدام، ومرة أخرى فوق ظهور الخيول.. أنغام الديسكو وإيقاعات الجنون المنغم المنبعث من أجهزة التسجيل الاستريو التي يضمونها في حنان بالغ إلى صدورهم.. ومدمنو المخدرات الذين يقفون على قارعة الطريق ويلعنون في النظام والمارة والعم سام، ويتوسلون إليك أن تمنحهم قطعة الخمسة والعشرين سنتًا، والمتسولون على كل شكل ولون ... هذا عدا المهرجين الذين يعزفون في أبواقهم النحاسية ويمثلون في عرض الشارع.. بشر من كل لون وجنس وملة.
ونيويورك هي مسرح حي لشتى اللغات وجبانة واسعة للبشر.. ما زالت كلمات المغني العجوز تلاحقني أينما كانت وجهتي، آه يا مدينة الفجر والأسى والأبراج بلون الدم.
- وفي جسم التحقيق وصف المحرر تفاصيل الصورة التي رآها في زيارته لمدينة نيويورك.. حيث بدأ الفقرة الأولى من جسم التحقيق بوصف أحياء المدينة وشوارعها ومناخها:
ونيويورك عدة مدن في مدينة واحدة.. تبلغ مساحة نيويورك ١٠ آلاف كيلو متر مربع. والمقصود بنيويورك هنا ولاية نيويورك الكبرى، التي تتألف من ٣ ولايات هي: نيويورك ونيوجرسي
стр. 105
وكونيكتيكت. ويبلغ عدد سكانها ١٦ مليون نسمة. أما مدينة نيويورك سيتي، فيبلغ عدد سكانها ٧٨٩٥٠٠٠ نسمة. مساحة المدينة ٧٠٠ كيلو متر مربع وطولها ٥٥ كم. وهي تتألف من مناطق وأحياء كبرى؛ هي: مانهاتن وبرونكس وبروكلين وكوينز وستاتن أيلاند، وأصغر هذه الأحياء وأقدمها وأعظمها ازدحامًا بالسكان في الوقت ذاته هو حي مانهاتن. تبلغ مساحته ٧٥ كم٢، ويصل عدد سكانه إلى ١٤٤٠٠٠ نسمة، يعيشون في تكدس عجيب فوق جزيرة صغيرة.. مانهاتن طولها ٢٥ كم، وعرضها ٥ كيلو مترات. في الصيف ترتفع درجة الحرارة في نيويورك -وهي حرارة مشبعة بالرطوبة- إلى ٣٥ درجة مئوية سنتيغراد. وفي الشتاء تهبط إلى ١٠ درجات مئوية سنتيغراد، وفي ذلك الفصل تجر الرياح القادمة من المحيط أحياء مانهاتن، الفقيرة منها والغنية على حد سواء، لتعصف بالبيوت والبشر، وفي نيويورك، يقولون لك: إن فصل الخريف هو أجمل فصول العام على الإطلاق، فإذا سألت عن الربيع قالوا لك: إن المدينة لا تعرف فصلًا بذلك الاسم!
يبلغ طول شوارع نيويورك وميادينها الواسعة ٩ آلاف كيلو متر، ويبلغ طول شارع برادواي، حي الملاهي والمسارح التي تقدم مختلف الأشكال الدرامية التقليدية الكلاسيكية والطليعية في الوقت ذاته، والذي يمتد في طوله عبر حي مانهاتن والبرونكس ٤٠٢ كم. ويربط بين جزيرة مانهاتن بإقليم نيويورك الكبرى وبالجزر الأخرى ٣٧ جسرًا ونفقًا، ويبلغ طول جسر لوفيرذانو الذي يعتبر أطول جسر في العالم -المعلق فوق المحيط ليصل بين بروكلين وستاتن أيلاند- ٤.٢ كم، وفي ساعات الليل والنهار تنهب
стр. 106
قضبان نيويورك الحديدية -في خلال ٢٤ ساعة متواصلة- ٧ آلاف عربة مترو فوق شريط القضبان الذي يبلغ طوله ٣٨٠ كم.
- وفي الفقرة الثانية من جسم التحقيق يصف المحرر مترو نيويورك وأثره في حياة سكان المدينة المزدحمة بالسكان:
ومع مجانين نيويورك عليك أن تشاركهم أول الطقوس الصباحية ليوم من أيام العمل فيها فتستقبل المترو، فإذا خرجت منه وأنت ما زلت حيًّا تُرزق "فالمجرمون يتخذون من المترو مركزًا رئيسيًّا لنشاطاتهم في بعض الحالات" واستطعت أن تصل إلى وجهتك، فأنت جدير بأن تعيش في نيويورك؛ لأن مترو نيويورك يعكس قبل أي شيء آخر الحياة على الطريقة النيويوركية.
في كل يوم يركب المترو ملايين من سكان المدينة، يتدافعون داخل تلك الفتحات التي تشبه فتحات المجاري، في عالم ينتمي بغرابته وتكويناته المعمارية والغوطية والسريالية إلى العصور الوسطى.. ممرات وأنفاق كئيبة قذرة وبشر ينتظرون فيلليني ليصورهم على طريقته ...
وبعد ساعات الذهاب والخروج من العمل، تغلق أبواب مركبات المترو ولا تفتح إلا أبواب المركبة الأمامية في المقدمة، حتى إذا اعتدى عليك مجنون استطعت أن تنبه السائق إلى ما يحدث.
وبعد منتصف الليل، يتسلل الصعاليق والمتشردون والسكارى والمشاغبون والباحثون عن أي شكل كان من أشكال الإثارة والمغامرة وتحدي الرعب اليومي، وكل الذين سقطوا من حسابات مجتمع الوفرة، يتسللون إلى ردهات المترو وطرقاته وأنفاقه تحت الأرض وكوابيس
стр. 107
الحلم الأمريكي الذي هوى تطاردهم، حينذاك تتحول مساحاته إلى مشاهد فظيعة للرعب اليومي تحت الأرض في بطن مدينة الجريمة والمخدرات والهروب الغجري المتوحش.
ديزني لاند الفقراء:
ذات ليلة صعدت إلى مركبات المترو حفنة من المراهقين الذين يعيشون في الجيتوهات "الأحياء المغلقة": سود وبورتوريكيون وملونون. وأخذوا يرسمون يوقعون بإمضاءاتهم بالأقلام السحرية ورشاشات الدهان "الأيروسول"، وبالمساحيق والألوان حولوا مركبات الجحيم في نيويورك، وتحول المترو إلى ديزني لاند الفقراء. وحاولت بلدية المدينة أن تزيل تلك الخطوط والأشكال والرسومات والتوقيعات فلم تفلح، وصار تلوين مركبات المترو صرعة جديدة، فأصرعت عصابات الصغار إليه، ونجحت في فترة وجيزة أن تحول المترو الكئيب إلى فيلم جميل من أفلام الرسوم المتحركة للأطفال، وقصيدة للمحرومين والباحثين عن الخلاص في مدينة بلا قلب ...
- وفي الفقرة الثالثة يصف المحرر موجات الهجرة الأجنبية التي تصب في مدينة نيويورك كل يوم:
أحلام الثروة تتبخر:
وفي كل صباح تفتح نيويورك ذراعيها للقادمين الجدد الذين يحلمون بالمجد والثروة: سوريون ويمنيون ويونانيون وإيطاليون.. جحافل من البشر تهبط في أكبر ميناء في العالم، من كوريا وتيوان وهونغ كونغ، تتشابه مع موجات الهجرة الأولى التي جاءت إلى البلاد، التي لم تكن تضم فقط رسل الحرية والديمقراطية
стр. 108
من البيوريتانيين؛ بل أجناسًا تباينت مشاربهم ومعتقداتهم وحرفهم، فكان منهم الفلاح الثري، والعبد الشارد، أو الحرفي الإسكافي، والعامل الماهر، والمجرم، والمشتغل بالدعارة، والمحكوم عليه سياسيًّا أو جنائيًّا ...
وكما كان الحال في البداية مع موجات الهجرة الأولى إلى الأرض الموعودة، تحمل السفن كل يوم موجات جديدة، فهذا جاء بإرادته هربًا من طغيان عقائدي، وذلك طمعًا في بناء ثروة، وكل قادم جديد تراوده أحلام حياة أرتسقراطية ولسان حالة يقول "وطني البلدي الذي يطعمني" ...
- وفي الفقرة الرابعة يصف المحرر التركيب البشري لمدينة نيويورك وأوضاع الأقليات بها:
فقرة تسحب إسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
وأكبر الأقليات عددًا في نيويورك يمثلها "الأفرو - أمريكيون" "الزنوج" يليهم الشيكانو "المكسيكيون الأمريكيون" والبورتوريكيون، وفي حين يعمل المجتمع الأبيض "الواسب
стр. 109
والكاثوليك واليهود" على تسهيل الدمج السريع للمهاجرين الجدد المنتمين إلى مجموعاته، فهو يعمل أيضًا على رفض المهاجرين من المجموعات الأخرى؛ بحيث تظل على هامش المجتمع تسكن الجيتوهات "الأحياء المغلقة" وتعيش على مساعدات الضمان الاجتماعي، وتتحمل وحدها مشاكل أزمة الطاقة والتضخم وما ينجم عنهما من بطالة.
- وفي خاتمة التحقيق يقوم المحرر بالرباط بين التفاصيل المتناثرة لصورة مدينة نيويورك.. ففي كلمات قليلة يقدم لنا وصف الصورة المتكاملة للمدينة الأمريكية المشهورة، وذلك من خلال انطباعاته العامة عن هذه المدينة:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
الدولار ... الدولار ...
نيويورك صورة مصغرة للحياة في أمريكا.. صورة مصغرة لمجتمع جديد.. حيث لا تاريخ ولا تقاليد. فالمجتمع يعرف أن الأخلاط هذه جمعت بينها قيم الآباء المؤسسين: الفعالية والإيقاع السريع، وعدم التمسك بالروتين، والنفور من المبادئ الجامدة والاستغلال الوحشي للطبيعة والقوة البشرية. يتحدثون إليك هنا عن أمور الفكر بالدولار، ويؤمنون بأن الحياة صراع ومغامرة. وحياة الإنسان رهن ببراعته في اغتنام الفرص.
стр. 110
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ثالثًا: قالب الهرم المعتدل المبني على السرد القصصي
وفي هذا القالب يلجأ المحرر إلى كتابة التحقيق الصحفي في شكل قصة يسردها كما تُسرد القصص الأدبية.. وهذا القالب وإن تماثل في بنائه الفني مع القصص الأدبية -أي: له بداية وعقدة ونهاية- إلا أنه يختلف عنها في كونه يقوم على الوقائع الحقيقية وليس على الوقائع الخيالية كما هو الشأن في القصص الأدبية.
ويستخدم هذا القالب في التحقيقات الصحفية التي تتناول الموضوعات الإنسانية كمصرع عروسة ليلة زفافها.. والحوادث مثل سقوط طائرة أو غرق باخرة أو وقوع زلزال.. بالإضافة إلى التحقيقات الصحفية التي تدور حول بعض الجرائم. ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة التحقيق الصحفي في قالب الهرم المعتدل المبني على السرد القصصي: