وبناء نصب تذكاري لشهداء إضرابات ١٩٧٠، ونشر كامل المطالب في كل وسائل الإعلام ... إلخ.
وأمام إصرار المضربين على هذه اللائحة الطويلة من المطالب "التي تضمنت حوالي ٣٧ مطلبًا" وافقت الدولة على زيادة الرواتب، وتخفيض بعض الأسعار، وتوجه رئيس الحكومة إدوارد بابيوش إلى الشعب عبر وسائل الإعلام، ثم تبعه الرجل الأول في البلاد إدوارد غيريك في محاولة للفصل بين المطالب السياسية والمطالب الاقتصادية ... لكن المضربين أصروا على عدم التنازل عن أي مطلب.
وظهر لفترة أن السلطة قررت التصلب؛ إذ اعتقلت بعض قادة الإضرابات ... لكن الحزب عقد فجأة مطلع هذا الأسبوع اجتماعات طارئة على أعلى المستويات، وظهر غيريك على شاشة التليفزيون مساء الأحد ليعلن -ولأول مرة في التاريخ الحديث لأوربا الشرقية- تجاوب القيادة مع أهم مطالب القاعدة، وإعفاء رئيس الحكومة وعدد من الوزراء من مناصبهم، والاعتراف علنًا بوجود أخطاء، وبضرورة مراجعة السياسة الاقتصادية التي تتبعها الحكومة.
- وفي خاتمة التقرير نجد المحرر يحاول تلخيص تقييمه للحدث البولوني معتمدًا في هذا التقييم على ما سبق، وقدمه في جسم التقرير من معلومات وشواهد ومعلومات خلفية، وهو في الخاتمة أيضًا يحاول أن يطرح استنتاجاته الخاصة حول تطور الحدث البولوني، وما سوف يسفر عنه في المستقبل:
... وارتاح الوضع في بولونيا؛ لكن شيئًا لم يحسم بعد، فكل مرة يتحرك فيها العمال في بولونيا يتغير فورًا رئيس الوزراء، هكذا
стр. 142
حصل عام ١٩٥٦ وعام ١٩٧٠ ... وبعد أشهر كادت تعود الأزمة إلى ما كانت عليه.
هذه المرة تنازلت السلطة جديًّا أمام شمولية النقمة الشعبية؛ لكن يجب الانتظار لمعرفة ما إذا كان هذا التنازل يعبر عن تغير جدي في السياسة الداخلية أو هو تدبير مهدئ.
وبديهي أن الأهم اليوم هو معرفة رأي موسكو بالتوجه الجديد للنظام البولوني الذي فاجأ العالم، وخاصة الإعلام الغربي الذي صوره "بعبعًا" يمهد لتحويل بولونيا إلى أفغانستان جديدة.
لكن هذا لم يحدث.
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ويلاحظ بشكل عام حول هذا التقرير أن المحرر التزم بالموضوعية فيما يتعلق بسرد الأحداث؛ ولكنه في نفس الوقت استخدم هذه الأحداث لتقديم تفسيرات تخدم وجهة نظره، كذلك يلاحظ اهتمام المحرر بتقديم أكبر كمية من المعلومات الخلفية عن الحدث، سواء في فقرات مستقلة أو بين السطور.
стр. 143
المبحث الرابع: التقرير الحي
هو التقرير الذي يركز على التصوير الحي للوقائع والأحداث.. فهو يهتم برسم صورة الوقائع أو الأحداث أكثر مما يهتم بشرحها أو تحليلها أو تفسيرها.
فالتقرير الحي يشترك مع التقرير الإخباري في أنهما يتناولان الوقائع والأحداث الجارية ... ولكن في حين يركز التقرير الإخباري على سرد البيانات والمعلومات حول هذه الواقعة وتحليلها وتقييمها.. نجد التقرير الحي يركز على وصف الحدث نفسه أو الواقعة ذاتها.
فالتقرير الحي يقوم بأداء الوظائف التالية:
١- وصف الحدث، والظروف المحيطة به، والمناخ الذي تم فيه، والناس الذين ارتبطوا به.
٢- عرض وتصوير وتسجيل التجارب الذاتية، سواء تجارب المحرر -كاتب التقرير- نفسه مع الحدث أو تجارب الأشخاص الذين يمسهم الحدث أو الذين لهم علاقة به ... وهو كثيرًا ما يدع الناس يتكلمون بأنفسهم، ويرسمون بتعبيراتهم الخاصة صورة الحدث كما وقع أو كما تصوره وهو يقع.
٣- التعبير عن الأفكار والمشاعر الشخصية لكاتب التقرير أو الأشخاص الذين يدور حولهم الحدث، ويعكس رؤيتهم الخاصة للحدث.
стр. 144
٤- أن يجعل القارئ يعيش في الحدث نفسه ... وكأنه شارك في رؤية الحدث.
والتقرير الحي قد يستعين في كثير من الأحوال بالعديد من الأدوات والأشكال التي يستعين بها التحقيق الصحفي دائمًا أن الفرق الجوهري بين التحقيق الصحفي والتقرير الحي هو أن التقرير يكتفي بالتركيز على زاوية واحدة فقط من زوايا الموضوع أو القضية أو الحدث، في حين يهتم التحقيق الصحفي بموضوع القضية ككل، أو بالعناصر الجوهرية في القضية، لا بعنصر واحد منها فقط كما يفعل التقرير الصحفي.. ثم إن التقرير الحي يقوم على التركيز الشديد في حين ينفسح المجال أمام التحقيق الصحفي للإسهاب في عرض القضية أو المشكلة بجميع جوانبها واشتراك كل أطرافها١.
ينصرف الجزء الأكبر من التقارير الحية إلى تغطية الأخبار الخفيفة soft News ولكن في نفس الوقت هناك جانب غير قليل من التقارير الحية تعطي الأخبار الثقيلة Hard News مثل التقارير التي تغطي الجلسات البرلمانية، والاجتماعات الحزبية، والمعارك الانتخابية، والمؤتمرات السياسية، والاحتفالات القومية، والعروض العسكرية، وغير ذلك من المجالات.
والتقرير الحي يكتب أيضًا بطريقة قالب الهرم المعتدل.
стр. 145
نموذج للتقرير الحي:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
стр. 146
- بدأ المحرر الرياضي للأهرام تقريره عن المباراة بين فريق الأهلي لكرة القدم مع فريق المصري في إحدى مباريات مسابقة الدوري العام في مصر.. بمقدمة حاول فيها أن يرسم صورة للروح العامة للمباراة ... حيث ركز على وصف الحدث نفسه ... وهو هنا المباراة.. أكثر مما ركز على سرد وقائعه وتفاصيله:
احتاج الأهلي المصري بأربعة أهداف للا شيء، سجلت كلها على مدى ربع الساعة الأخير من الشوط الأول، ويمكن الآن القول بأن الفرسان الحمر قد ضمنوا استعادة بطولتهم التي فقدوها في الموسم الماضي بغرابة بالغة، ووراء الفوز الثقيل حدث مميز؛ ألا وهو عودة الخطيب في توقيت بالغ الحساسية وبعد غيبة ١١ مباراة لقيادة فرسانه، وبكل ما تعنيه العودة من حلاوة في الأداء، وثقة في النفوس، وفاعلية بلا حدود للهجمات، وعلى مدى الشوط الأول الذي سجل خلاله الأهلي الأهداف الأربعة -وهي أعلى نسبة يسجلها منذ بداية الدور الثاني للمسابقة- تمكن النجم العائد -برغم عدم اكتمال لياقته- من تسجيل هدف والمشاركة في آخر، علاوة على التمريرات البينية القاتلة لزملائه، وكم تأثرت الفاعلية أثر خروجه بعد ربع الساعة من بداية الشوط الثاني، التي لم تهتز الشباك خلاله ولو لمرة واحدة.
- أما جسم التقرير، فقد وضع المحرر في مطلعه تشكيل كل من الفريقين المتباريين:
التشكيل: مثل الأهلي: ثابت البطل - أحمد عبد الباقي ومصطفى يونس وماهر همام وفتحي مبروك - جمال عبد الحميد وخالد جاد الله ومختار مختار - مصطفى عبده ومحمود الخطيب وشريف عبد المنعم.
стр. 147
وفي بداية الشوط الثاني اشترك طاهر الشيخ بدلًا من شريف؛ لإحساسه بشد عضلي خفيف، ثم اشترك مجدي عبد الغني بدلًا من الخطيب بعد مرور ١٥ دقيقة.
مثل المصري: فاروق رضوان - صلاح سليم والخضري والزهار وعليوة محمد طه وأحمد متولي والصفتي - مسعد السقا ومسعد نور وجمال فؤاد.
وفي بداية الشوط الثاني اشترك الحارس حسين صالح بدلًا من زميله رضوان.
- أما الفقرات التالية من جسم التقرير، فقد خصصها المحرر لوصف أحداث المباراة ... ويلاحظ حرص المحرر في أن يجعل القارئ يعيش الحدث نفسه -أي: المباراة- بحيث إن القارئ الذي لم يشاهد المباراة يمكنه أن يأخذ صورة حية لما حدث فيها، وكأنه كان يشهدها بالفعل!:
بداية عصيبة: ظهر المصري كمنافس مشاكس منذ بداية الشوط الأول، بينما اتسم أداء الأهلي بالعصبية نظرًا لأهمية المباراة. وتلوح فرصة مبكرة لشريف الذي احتل مركزًا طيبًا في الساعد الأيمن؛ ولكن الكرة ارتطمت بساقه، ويلجأ ثلاثي هجوم المصري إلى البقاء في الأمام كحركة ذكية لمنع خط ظهر الأهلي من التقدم والذي قل من أفراده الاشتراك في الكرات مع المهاجمين المنافسين، فتعرض مرمى ثابت لبعض الحرج، وبداية من الدقيقة التاسعة يبدأ الخطيب سلسلة من الألعاب المثيرة التي تبدأ بتسديدة قوية تسقط من يدي الحارس رضوان وترتد الكرة بالغة الخطر لمسعد نور؛ ولكنه يتردد في التسديد فيفوته القطار، ويعود الخطيب فيراوغ كالثعلب ويرسل أولى هداياه الثمينة إلى خالد الذي يسدد في يدي الحارس. ثم يترفق القدر
стр. 148
بعبد الباقي الذي فقد الكرة في مراوغة خاطئة، وكاد يدفع الثمن غاليًا؛ ولكن مسعد سدد فوق العارضة. وكأنما رأى يونس أن الأمر قد زاد حدة فرفع علم الإجادة وساهم بقدر وافر في القضاء على أي بادرة خطورة حتى نهاية المباراة، وينشط مصطفى عبده فجأة وبقوة ويطيح بالدفاع الأيسر للمصري؛ ولكنه يضيع فرصتين هائلتين بالتسديد أعلى العارضة. ومن تمريرة رائعة أخرى للخطيب يسدد عبده فترتد إلى شريف؛ ولكنه يسدد بعيدًا من المرمى.
هدف لمبروك: في الدقيقة ٣١ يتبادل خالد ومختار الكرة التي تصل إلى عبد الباقي ومنه إلى شريف الذي احتل مكانًا في أقصى الجناح الأيمن، ويرفع الكرة عالية لتتخطى الكل وتصل إلى فتحي مبروك المتابع -كما يجب- وينقض عليها بقوة برأسه لتسكن الشباك وتسجل هدفًا طال انتظاره وتصبح نقطة تحول لسير المباراة.
هدف لمختار: أثار هدف مبروك هياجًا هائلًا في أداء الزي الأحمر الذي ضغط بشدة بالغة. وفي الدقيقة ٣٦ يتحكم الكابتن العائد في الكرة ويسدد في المرمى فترتد إليه الكرة ثانية في مكان منحرف جهة اليمين، فيعيد تسديدها فتلمس يدي الحارس وتصل إلى مختار، فلا يجد صعوبة في إيداعها المرمى مسجلًا هدفًا ثانيًا معززًا.
هدف للخطيب: وفي الدقيقة ٤٠ يأتي دور الخطيب للتسجيل، وأثر كرة عرضية من عبد الباقي يوقف الخطيب الكرة على صدره ويسددها أرضية بالقدم اليمنى ببراعة خبير لتسكن الزاوية اليمنى للمرمى كالسهم الزاحف.
هدف لشريف: في الدقيقة ٤٤ يمر خالد الكرة إلى عبده الذي ينطلق متخطيًا الظهير سليم
стр. 149
ويرسلها عرضية بارتفاع نصف متر، وإذا بالأرض تنشق عن شريف عبد المنعم الذي يسددها برأسه من الوضع طائرًا ببراعة ومرونة فائقة لتسكن الزاوية اليسرى من المرمى مسجلة رابع وآخر الأهداف.
شوط عقيم: على مدى الربع الساعة الأول من بداية الشوط الثاني -أي: فترة وجود الخطيب- سنحت للأهلي ثلاث فرص مؤكدة للتسجيل؛ الأولى تمثلت في تمريرة عرضية سريعة للخطيب، قابلها جمال عبد الحميد وعن قرب من الوضع راقدًا فأضاعها، والثانية وأثر تمريرة أخرى بينية من الخطيب لمختار الذي سدد بجوار القائم الأيسر تمامًا، ومن ضربة ركنية لعبده سدد الشيخ الكرة بالرأس في العارضة، ثم يشترك مجدي عبد الغني بدلًا من الخطيب ويتقدم جمال كرأس حربة.. ورويدًا يهدأ أداء الأهلي ويقل مستواه في الوقت الذي ينشط فيه المصري، ويزداد تحكمه في الكرة، يساعده في ذلك عدة أخطاء في أداء الأهلي، تمثلت في انضمام مختار للداخل بدلًا من الفتح في الجناح، والتمرير غير المتقن من الوسط خاصة من مجدي عبد الغني، ويتعرض ثابت لبعض الهجمات الخطيرة وإن كانت قليلة. ولا يخلو الأمر من خطورة للأهلي؛ إحداها تمثلت في ضربة رأس من الشيخ في يدي الحارس.
- وفي النهاية وضع المحرر في خاتمة التقرير تقييمه للمباراة، ورأيه في بعض اللاعبين، وكذلك رأيه في التحكيم:
وبجانب الاختلاف البين في أداء الأهلي ما بين جدية فائقة وأهداف متتالية في الشوط الأول، ثم هدوء وارتباك وعقم في الثاني، فلقد بذل المصري أقصى ما في الوسع، وكان خصمًا شريفًا، فلم يلجأ في أي وقت برغم ثقل الهزيمة لعنف أو خشونة، وفي مقام الإجادة المميزة فهناك الحكم عبد الله فكري، ثم الخطيب ويونس وماهر وعبد الباقي ومبروك، بجانب مسعد نور والسقا والصفتي.
стр. 150
المبحث الخامس: تقرير عرض الشخصيات
هو التقرير الذي يهتم بعرض شخصية ما من الشخصيات المرتبطة بالأحداث، أو التي تلعب دورًا بارزًا في المجتمع المحلي أو المجتمع الدولي.
فعندما تنجح أنديرا غاندي رئيسة الوزراء السابقة للهند في انتخابات فرعية للبرلمان الهندي رغم تكتل الحكومة ضدها.. فإن ذلك قد يدفع الصحفي إلى عدم الاكتفاء بكتابة تقرير إخباري عن هذه الانتخابات ودلالاتها ونتائجها وأثرها على الحياة السياسية في الهند ... وإنما لأن يكتب تقريرًا صحفيًّا يعرض فيه ويحلل شخصية أنديرا غاندي وتاريخها السياسي وملامح شخصيتها ومدى طموحها السياسي وفكرها السياسي والاجتماعي وطموحاتها للمستقبل.
وعندئذ قد يبرز سؤال: ما هو الفرق بين تقرير عرض الأشخاص وبين الحديث الصحفي؟
لنعد أولًا إلى تعريف الحديث الصحفي وبعدها يمكن أن ندرك الفرق بينه وبين التقرير الصحفي، وخاصة تقرير عرض الأشخاص.
إن الحديث الصحفي قد يقوم على الحوار بين الصحفي وبين شخصية عامة في المجتمع المحلي أو العالمي.. وهو حوار قد يستهدف الحصول على أخبار ومعلومات وحقائق جديدة أو شرح وجهات نظر معينة أو تصوير جوانب طريفة أو مسلية في حياة هذه الشخصية١.
стр. 151
والحديث الصحفي قد يُجْرَى مع شخص واحد أو عدة أشخاص كما هو الأمر في الاستفتاء الصحفي.. وقد يجريه محرر واحد أو عدة محررين كما هو الشأن في المؤتمر الصحفي.
والحديث الصحفي لا يستهدف الإجابة على السؤال "ماذا"؛ ولكنه يستهدف بالدرجة الأولى الإجابة على سؤال "لماذا؟ ".
والحديث الصحفي فن مستقل بذاته؛ ولكن هذا لا يمنع من أن يكون "أداة" للحصول على خبر صحفي.. أو أن يكون جزءًا من تحقيق صحفي.
وفي هاتين الحالتين -أي: عندما يكون أداة للحصول على خبر، وعندما يكون جزءًا من تحقيق صحفي- يقف فقط عند حد "المقابلة الصحفية".. أي: يقف عند عملية الإجراءات التي تنتهي بإجراء الحديث.. أما بعد ذلك فيختلف الحديث الصحفي كفن من فنون التحرير الصحفي ... عن المقابلات الصحفية التي تدخل في فن الخبر الصحفي أو في فن التحقيق الصحفي.. أي: أن الفرق يبدأ عند بدء مرحلة الكتابة الصحفية أو التحرير الصحفي١.
أما التقرير الصحفي الذي يعرض الأشخاص، فهو لا يهتم -بالدرجة لأولى- بإجراء حوار مع الشخصية موضوع التقرير، كما هو الشأن في الحديث الصحفي؛ وإنما يهتم بالدرجة الأولى بالرسم المتقن لملامح هذه الشخصية٢.
وقد يجري كاتب هذا اللون من التقارير حوارًا مع الشخصية موضوع التقرير؛ ولكن الحوار يجيء في المرتبة الثانية أو الثالثة في الأهمية، وقد لا يستفيد المحرر من هذه المقابلة في الحصول على أخبار أو آراء أو تصريحات؛ وإنما قد يركز استفادته في أخذ فكرة عن ملامح هذه الشخصية وطريقة تفكيرها وأسلوب حياتها، وإن كان هذا لا يمنع المحرر من الاستفادة بأقوال أو تصريحات لهذه الشخصية إذا كان مضمونها يخدم موضوع التقرير٣.
стр. 152
إن تقرير عرض الأشخاص يقوم بأداء الوظائف التالية:
١- الرسم المتقن للشخصيات المشتركة في الأحداث اليومية الجارية.
٢- تصوير عملية الصراع بين الإنسان والطبيعة أو الإنسان والمجتمع أو الإنسان والمرض أو الإنسان والإنسان؛ من أجل الشهرة أو المجد أو المال؛ مثل: صراع أنديرا غاندي من أجل المجد، وصراع جاكلين كيندي من أجل الشهرة، وصراع الرئيس بومدين مع المرض، وصراع شاه إيران مع شعبه.. وصراع الإمام الخميني مع الشاه، وغير ذلك من ألوان الصراع.
وكاتب هذا اللون من التقارير الذي يعرض الأشخاص لا بد أن يحرص كي لا يقع في المحاذير التالية:
١- أن يحرص على الرسم المتقن للشخصية التي يعرضها والتعبير الصادق عن أفكارها وأسلوب حياتها. فلا يضع على لسان الشخصية آراء أو أقوالًا لم تقلها.
٢- أن يحرص كاتب التقرير على أن يميز تمييزًا واضحًا بين آراء الشخصية وانطباعاتها عن الشخص موضوع التقرير وبين آراء هذا الشخص نفسه.
٣- أن يحذر كاتب التقرير من الوقوع في خطأ الإيحاء بأن أفكار الشخصية موضوع التقرير تتوافق مع الأفكار التي يطرحها المحرر نفسه عن هذه الشخصية. فإن هذا يجعل التقرير أقرب إلى الدعاية الشخصية عن الشخص موضوع التقرير، وهو الأمر الذي يفقد التقرير الصحفي موضوعيته، ويفقد القارئ ثقته في كاتب التقرير نفسه.
وتقرير عرض الأشخاص مثله مثل التقرير الإخباري والتقرير الحي.. يكتب بقالب الهرم المعتدل.
стр. 153
نموذج لتقرير عرض الشخصيات:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
- اختار المحرر أن يبدأ تقريره عن أدموند ماسكي وزير الخارجية الجديد للولايات المتحدة الأمريكية بأن يكشف عن دلالة هذا التعيين ومبرراته بالنسبة للرئيس الأمريكي جيمي كارتر:
стр. 154
يعتبر اختيار الرئيس كارتر السناتور أدموند ماسكي كوزير جديد للخارجية خلفًا للوزير المستقيل سايروس فانس، إشارة إلى عدم الاستسلام للأحداث التي أوقعت إدارة كارتر في مأزق كبير في أعقاب العملية الفاشلة لإنقاذ الرهائن في إيران. والسناتور ماسكي يحظى باحترام كبير في واشنطن والولايات المتحدة، ومعروف جيدًا في الخارج.
- وفي جسم التقرير أخذ المحرر في رسم صورة دقيقة لشخصية وزير الخارجية الأمريكي الجديد؛ حيث بدأ باستعراض آرائه السياسية، وخاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية:
ومن المعلوم أن الوزير الجديد على اطلاع على القضايا والشئون الخارجية طوال السنوات الـ٢٢ الماضية. كما يعتبر أنه ينتمي إلى المدرسة ذاتها التي انتمى إليها معظم الأمريكيين الذين كانت لهم طموحات في الوصول إلى كرسي الرئاسة الأمريكية.
فموقف ماسكي من موسكو أقرب إلى مواقف فانس منها من مواقف بريجنسكي، إلا أن الرجل الذي أيد الحد من التسلح النووي وإشراك الكرملين في إيجاد الحلول للمشاكل الدولية التي تهم البلدين انحاز عن هذا الخط ليعلن أثر التدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان عن موقف يقربه من بريجنسكي أكثر. ثم جاء التدخل العسكري الأمريكي الفاشل في إيران فأعلن ماسكي عن تأييده له، وهذا ما قربه إلى بريجنسكي أيضًا.
القراءات الأولية للمؤشرات السياسية المستجدة في العاصمة الأمريكية تدل على أن الرئيس جيمي كارتر أراد من خلال تعيينه السيد ماسكي أن يطمئن الحلفاء الأوربيين، الذين لا تبهرهم عنتريات بريجنسكي إلى أنه سيعتمد سياسة مكملة للسياسة التي كان ينفذها سايروس فانس
стр. 155
وهي التي تتضمن المزيد من التعاون مع أوربا، وتخفيف حدة التهديدات العسكرية لإيران، وإفساح المجال أمام الإجراءات التي اتخذها الحلفاء لإنهاء الأزمة.
- ثم تعرض المحرر لموقف ماسكي من النزاع العربي الإسرائيلي.. وأفرد لهذا الموقف مساحة كبيرة من الموضوع.. وهو أمر لا يُلام عليه المحرر؛ لأنه يكتب التقرير في مجلة عربية ليقرأه قراء عرب يهمهم بالطبع موقف وزير الخارجية الأمريكي الجديد من قضية فلسطين ومن مجمل النزاع العربي الإسرائيلي:
لقد انتهج لنفسه خطًّا سياسيًّا مواليًا لإسرائيل خلال كافة عمليات التصويت التي رافقت حياته السياسية، وهذه ظاهرة نموذجية لمعظم -إن لم يكن لكافة- أولئك الذين تراودهم طموحات في الوصول إلى منصب رئاسة الجمهورية.
وسجل ماسكي حافل بالتأييد لإسرائيل في كل القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط. إلا أنه عام ١٩٧٨ صوت إلى جانب صفقة طائرات "ف-١٥" للمملكة العربية السعودية؛ لكنه في العام التالي صوت إلى جانب مشروع لتعديل القانون الذي عرضه سناتور نيويورك اليهودي جاكوب جافيتس، والذي دعا إلى فرض قيود على سمة الدخول الممنوحة لممثلي منظمة التحرير الفلسطينية الراغبين في زيارة الولايات المتحدة. كذلك صوت ماسكي ضد التعديل المقدَّم من قبل سناتور ولاية كارولينا الشمالية الجمهوري جيسي هيلمز، الذي دعا إلى تجميد مبلغ ٤.٨ بلايين دولار لإسرائيل ما لم تقم بالتوقيع على معاهدة عدم تزايد السكان؛ لكن مناقشة التعديل توقفت فيما بعد؛ نظرًا إلى انعدام التأييد والمساندة له، ثم عاد ماسكي في وقت لاحق إلى تأييد المشروع دون قيد أو شرط.
- ثم عرض المحرر لبعض الجوانب الشخصية في صورة أدموند ماسكي:
стр. 156
والمعروف عن ماسكي أنه شخص عاطفي، حاد الطباع وفظ، فخلال سعيه إلى ترشيح نفسه للرئاسة عام ١٩٧٢، لم يتمكن من أن يتحمل الضغط الذي مارسه تجاهه رئيس تحرير جريدة محافظة في نيوهمشاير.
وعندما كتب هذا الأخير مقالة هاجم فيها زوجة السناتور ماسكي، وتعرض لها بالنقد والتجريح، بكى ماسكي أمام الجمهور، وانسحب على أثر ذلك من المعركة.
- ثم أشار المحرر في مجال عرضه لملامح شخصية ماسكي إلى ما تردد عن صراع محتمل بينه وبين زبيغنيو بريجنسكي مستشار الرئيس كارتر لشئون الأمن القومي:
- نصح أحد الشيوخ الأمريكيين زميله السابق وزير الخارجية الجديد أدمون ماسكي بشراء قفازات للملاكمة تحضيرًا للجولة الأولى التي سيقوم بها مع مستشار الرئيس كارتر لشئون الأمن القومي البولوني الكاثوليكي مثله زبيغنيو بريجنسكي.. فرد الوزير الجديد الواثق جدًّا من كلامه: لقد وعد الرئيس كارتر عند عرضه عليَّ هذه الوظيفة بأن أكون أنا الناطق الرسمي باسم خارجية هذه البلاد وليس سواي. وكان يعني بالطبع بريجنسكي الذي تسبب إلى حد كبير في استقالة سايروس فانس وزير الخارجية السابق.
- ثم ينهي المحرر تقريره عن ماسكي بخاتمة قصيرة؛ ولكنها تحمل خلاصة رأيه في وزير خارجية أمريكا الجديد:
стр. 157
وإذا كان الرئيس كارتر يعاني من عدم الخبرة في شئون وشجون واشنطن السياسية فأدمون ماسكي يعرف هذه المدينة جيدًا، وسيقدم كل العون لكارتر.
- أما أهم ما يؤخذ على هذا التقرير فهو خلوه من المعلومات الخلفية التاريخية عن وزير الخارجية الأمريكي الجديد؛ مثل: سنوات عمره، وتاريخه العلمي والسياسي.. وكذلك لم يقدم أية تفاصيل عن أسرته.. وهي أشياء ضرورية في مثل هذه التقارير.
- ويبقى أن نسجل بعض الملاحظات العامة حول فن التقرير الصحفي؛ وهي:
أولًا: من الضروري إدراك أنه لا يوجد فصل تام بين أنواع التقرير الصحفي الثلاثة، فهناك تقارير كثيرة قد تجمع بين صفات التقرير الإخباري.. وفي نفس الوقت تحمل أيضًا بعضًا من صفات التقرير الحي.. فالصحافة مهنة لا تعرف الحدود الصارمة القاطعة بين الفنون الصحفية.
ثانيًا: من الضروري أن يحرص كاتب التقرير الصحفي على اختيار الوقائع والبيانات التي يضمها التقرير بدقة وعناية؛ بحيث لا ينتقي منها سوى تلك المعلومات أو البيانات أو الوقائع التي تساعد على إقناع القارئ بموضوع التقرير ... فكثيرًا ما يجد المحرر كاتب التقرير بين يديه كم كبير من المعلومات؛ بحيث لا يغريه بكتابة أية معلومة أو واقعة تقع بين يديه؛ وإنما يكتفي بنشر تلك المعلومات والبيانات الأساسية والضرورية في الموضوع ... والكافية لإقناع القارئ بموضوع التقرير، والتي ترد على تساؤلاته حول الموضوع.
كذلك فإذا وجد المحرر أن المعلومات أو البيانات أو الوقائع التي بين يديه غير كافية لتغطية جوانب موضوع التقرير، عليه أن يكتفي بتقديم أهم هذه الوقائع أو البيانات في شكل خبر صحفي فقط، ولا داعي إلى تحويلها إلى تقرير صحفي.. فكثيرًا ما يشارك الصحفي في حضور ندوة أو اجتماع أو مهرجان
стр. 158
ولا يجد فيها ما يستحق أن يكون مادة لتقرير صحفي.. وفي هذه الحالة لا يحتاج تغطية مثل هذه الندوات أو المهرجانات لسوى خبر صحفي فقط، فإن أسوأ التقارير هي التي تعتمد على مادة غير كافية لإشباع حاجة القارئ إلى المعلومات حول موضوع التقرير١.
ثالثًا: لا بد أن يكون لكل تقرير صحفي هدف واضح وخطة معينة.. وعلى ضوء هذا الهدف وعلى أساس من هذه الخطة يجب أن يختار الصحفي المعلومات والبيانات التي تخدم هذا الهدف.
رابعًا: يجب أن يحرص كاتب التقرير على الالتزام بالموضوعية، ويرتبط بذلك عدم تشويه الحقائق أو الإقلال من أهميتها أو تضخيم هذه الأهمية، فإن منح كاتب التقرير حق التعبير عن رأيه في أثناء كتابته للتقرير لا يعني أننا نعطيه الحق في تشويه الحقائق؛ وإنما في أن يذكر الحقائق وبجانبها يمكنه أن يذكر وجهة نظره الخاصة٢.
стр. 159
الفصل الرابع: فن المقال الصحفي
المبحث الأول: تعريف المقال الصحفي
المقال الصحفي: هو الأداة الصحفية التي تعبر بشكل مباشر عن سياسة الصحيفة، وعن آراء بعض كُتَّابها في الأحداث اليومية الجارية، وفي القضايا التي تشغل الرأي العام المحلي أو الدولي. ويقوم المقال الصحفي بهذه الوظيفة من خلال شرح وتفسير الأحداث الجارية، والتعليق عليها بما يكشف عن أبعادها ودلالاتها المختلفة١.
وإذا كان الجانب الأكبر من المقالات الصحفية يعبر عن سياسة الصحيفة كما هو الشأن في المقال الافتتاحي، أو يعبر عن آراء كبار كُتَّابها كما هو الشأن في العمود الصحفي أو المقال التحليلي.. إلا أن هناك جانب آخر من المقالات الصحفية قد يعبر عن رأي الكُتَّاب والمفكرين الذين لا يعملون في الصحيفة، ولا يشترط أن يكتب هؤلاء بما يؤيد سياسة الصحيفة؛ بل كثيرًا ما تنشر لهم الصحف مقالات تخالف سياساتها، وذلك عملًا بحرية الرأي، وخاصة في المجتمعات الديمقراطية.
كذلك فإن المقال الصحفي لا يقتصر على شرح الأحداث الجارية وتفسيرها والتعليق عليها؛ وإنما يمكن في بعض الحالات أن يطرح كاتب المقال فكرة جديدة أو تصورًا مبتكرًا أو رؤية خاصة يمكن أن تشكل في حد ذاتها قضية تشغل الرأي العام، وخاصة إذا كانت تمس مصالح القراء أو تثير اهتمامهم لأي سبب من الأسباب.
стр. 160
وظائف المقال الصحفي:
١- الإعلام: وذلك بتقديم المعلومات والأفكار الجديدة عن الأحداث أو القضايا أو المشاكل التي تشغل الرأي العام.
٢- شرح وتفسير الأخبار اليومية الجارية والتعليق عليها بما يوضح أبعادها أو جوانبها المختلفة١.
٣- التثقيف.. وذلك عن طريق نشر المعارف الإنسانية المختلفة.
٤- الدعاية السياسية: وذلك بنشر سياسة الحكومات والأحزاب ومواقفها المختلفة من قضايا المجتمع.
٥- الدعاية الأيديولوجية: وذلك عن طريق نشر الأفكار والفلسفات والدفاع عنها ضد خصومها أو منافسيها.
٦- تعبئة الجماهير: وذلك لخدمة نظام سياسي أو اجتماعي معين أو للمساهمة في التنمية الوطنية.
٧- تكوين الرأي العام في المجتمع والتأثير على اتجاهاته، سواء بالسلب أو الإيجاب٢.
٨- التسلية والإمتاع: وهو الأمر الذي تحققه المقالات الترفيهية أو الضاحكة أو الساخرة أو المقالات المسلية أو الظريفة.
لغة المقال الصحفي:
والمقال الصحفي يختلف عن المقال الأدبي أو المقال العلمي:
فالمقال الأدبي هو الذي يعبر عن عواطف كاتبه وتجربته الذاتية ومشاعره الوجدانية تجاه موقف خاص أو موقف عام.
أما المقال العلمي فهو أداة العالم لوصف الحقائق العلمية من خلال منهج علمي يقوم على الموضوعية المطلقة.
أما المقال الصحفي فهو وسط بين الاثنين.. ففيه شيء من ذاتية الكاتب الأدبي.. وفيه شيء من موضوعية العالم٣.
стр. 161
لذلك فلغة المقال الصحفي هي لغة الحياة العامة.. أي: لغة المواطن العادي.. فهي لغة يفهمها جميع القراء مهما اختلفت مستوياتهم التعليمية أو الثقافية أو الاجتماعية.
فإذا كانت لغة المقال الأدبي تقوم على الصور البيانية أو المحسنات اللفظية.. وإذا كانت لغة المقال العلمي تقوم على النظريات والأرقام والإحصائيات والمصطلحات العلمية التي لا يفهمها سوى المتخصصون في كل علم من العلوم.
أما لغة المقال الصحفي فهي تقوم على السهولة والبساطة والوضوح، وهي قد تستفيد بشيء من جمال الأسلوب الأدبي، وقد تستفيد بكثير من دقة الأسلوب العلمي.. ولكن يبقى أن ما يميز المقال الصحفي هو أسلوبه البسيط الواضح السهل١.
ومن الضروري أن نؤكد أن كون لغة المقال الصحفي يجب أن تكون لغة الحياة العامة ... لا يجب أن يعني أن تكون لغة المقال الصحفي هي العامية.. وإنما يجب أن تكون لغة المقال الصحفي لغة عربية فصحى؛ ولكنها ليست فصحى العصر الجاهلي أو العصر العثماني أو العصر المملوكي؛ وإنما فصحى عصر الصحافة ... أي: العصر الحديث.. ثم هي من ناحية أخرى ليست الفصحى الأدبية القائمة على الصور البيانية والمحسنات اللفظية والتركيبات اللغوية؛ وإنما هي الفصحى الصحفية القائمة على البساطة والوضوح والسهولة.. أي: فصحى الحياة العامة.. فصحى التعامل اليومي بين الناس مهما اختلفت مستوياتهم الثقافية.. أي: تلك اللغة العربية الفصحى التي وضحت وسهلت؛ بحيث صارت مفهومة للمواطن العربي العادي.. مهما اختلف مستوى تعليمه، ومهما اختلف القطر العربي الذي ينتمي إليه.
أنواع المقال الصحفي:
وللمقال الصحفي أنواع مختلفة، أخذت تتطور حتى صار كل منها يشكل فنًّا صحفيًّا مستقلًّا بذاته؛ وهي:
١- المقال الافتتاحي.
٢- العمود الصحفي.
٣- المقال النقدي.
٤- المقال التحليلي.
стр. 162
المبحث الثاني: فن المقال الافتتاحي
المقال الافتتاحي "Leading Article" أو "Editorial Article" يقوم على شرح وتفسير الأخبار والأحداث اليومية والتعليق عليها، بما يكشف عن سياسة الصحيفة تجاه الأحداث والقضايا الجارية في المجتمع.
والمقال الافتتاحي يربط القراء بالصحيفة من ناحية.. وبالأحداث اليومية الجارية من ناحية ثانية١.
كذلك فالمقال الافتتاحي يخلق مشاركة وجدانية بين الصحيفة والقراء، ويدفع القارئ إلى المشاركة في مواجهة القضايا والمشاكل التي تهم المجتمع.
والمقال الافتتاحي يتميز بالخصائص التالية:
١- التعبير عن سياسة الصحيفة، سواء كانت هذه الصحيفة مستقلة أو تابعة لحزب من الأحزاب أو معبرة عن اتجاه سياسي أو اجتماعي أو فكري في البلد الذي تصدر فيه.
٢- متابعة الأحداث اليومية، سواء تلك التي تقع في النطاق المحلي أو تلك التي تقع على النطاق الدولي.
٣- اهتمامه بالقضايا التي تهم الرأي العام وتشغل أذهان القراء.
٤- ضرورة إبراز الخلفية التاريخية للأحداث والقضايا التي يتناولها المقال الافتتاحي بالشرح والتحليل.
стр. 163
٥- استخدام لغة سهلة بسيطة وأسلوب واضح محدد يتلاءم وطبيعة قراء الصحيفة الذين تختلف مستوياتهم الثقافية.
٦- القدرة على إقناع القارئ بالقضية أو الرأي الذي تنادي به الصحيفة، بما يقدمه الكاتب من حجج منطقية وأدلة كافية١.
وتختلف وظيفة المقال الافتتاحي حسب طبيعة المجتمع الذي تصدر فيه الصحيفة.. فالمقال الافتتاحي في المجتمعات الليبرالية يعبر عن مالك الصحيفة، سواء كان هذا المالك فردًا من الأفراد، أو جماعة من الجماعات السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية، أو حزبًا من الأحزاب.
أما في الدول الاشتراكية أو الدول الشمولية، فالمقال الافتتاحي يعبر عن سياسة الدولة أو الحزب الحاكم فيها؛ حيث يلعب المقال هنا دور الداعية للنظام السياسي والاجتماعي القائم وللأيديولوجية الفلسفية التي يدين بها هذا النظام.
فليس صحيحًا إذن ما يقال عن أن المقال الافتتاحي يعبر عن رأي هيئة تحرير الصحيفة، سواء في المجتمعات الليبرالية أو المجتمعات الشمولية.. ولنتصور مثلًا وقوع خلاف في الرأي بين هيئة تحرير الصحيفة وبين من يملكها في قضية أو مشكلة معينة.. فالحل الذي يحدث فعلًا في مثل هذه المواقف أن تستبعد هيئة تحرير الصحيفة، ويستقدم غيرهم ممن تتوافق أفكارهم مع ملاك الصحيفة.
والمقال الافتتاحي يكتبه رئيس التحرير أو كبار الكُتَّاب في الصحيفة من الذين يثق بهم رئيس التحرير أو أصحاب الصحيفة.
والمقال الافتتاحي لا يوقع اليوم باعتبار أنه يمثل رأي الصحيفة لا رأي كاتبه حتى ولو كان رئيس التحرير.. ومن المعروف أن المقال الافتتاحي ظل يوقع باسم كاتبه حتى نشوب الحرب العالمية الثانية، وتحول الصحافة إلى صحافة خبر بعد أن كانت صحافة رأي٢.
стр. 164
أما بالنسبة للمساحة التي يجب أن يحتلها المقال الافتتاحي والمكان الذي ينشر فيه ... فغالبًا لا تزيد مساحته عن عمود أو نصف عمود بعد أن كان يحتل قبل الحرب العالمية الثانية مساحة صفحة كاملة، وأحيانًا أكثر عندما كانت الصحافة ما تزال صحافة رأي١.
أما مكان المقال الافتتاحي، فبعد أن كان يحتل في الماضي الصفحة الأولى.. تراجع في الصحافة المعاصرة إلى الصفحات الداخلية، وغالبًا ما يوضع في أحد زوايا صفحة الرأي بالصحيفة.
أما موضوعات المقال الافتتاحي، فهي شاملة لكل الأخبار والحوادث والقضايا والمشاكل التي تشغل الرأي العام.. فالمقال الافتتاحي لا يقتصر فقط على مناقشة القضايا والأخبار السياسية؛ وإنما يمكن أن يتعرض أيضًا للأخبار والقضايا الاقتصادية بل والاجتماعية والثقافية؛ ولكن غالبًا ما يهتم المقال الافتتاحي بالقضايا الجادة، تاركًا القضايا الخفيفة لغيره من الفنون الصحفية التي تصلح لتغطية الموضوعات الخفيفة.
أما المعادلة التي يقوم عليها المقال الافتتاحي، فهي محاولة الربط بين سياسة الصحيفة من ناحية وبين طبيعة النظام السياسي والاجتماعي في البلد الذي تصدر فيه الصحيفة من ناحية ثانية، ثم مراعاة نوع قراء الصحيفة من ناحية ثالثة٢.
والمقال الافتتاحي الجيد هو الذي يختار موضوعه بعناية فائقة من ناحية.. وهو الذي يكثر من الحجج والبراهين والأسانيد المنطقية الكفيلة بإقناع القارئ من ناحية ثانية.. وهو الذي يتميز بنسق فكري موحد ومتجانس يشمل المقال من أوله لآخره من ناحية ثالثة٣.
стр. 165
وهناك من يقلل من أهمية المقال الافتتاحي في الصحافة المعاصرة بحجة أن غالبية القراء يعرضون عنه ولا يقبلون على قراءته!
وقد يكون ذلك صحيحًا بالنسبة لكثير من الصحف عديمة الأهمية أو قليلة التأثير.
ولكن المقال الافتتاحي يقرأ بعناية من جانب غالبية القراء بالنسبة للصحف المؤثرة في الرأي العام١.
إن افتتاحيات صحف مثل: التايمز اللندنية والنيويورك تايمز الأمريكية والواشنطن بوسط الأمريكية واللوموند والفيجارو الفرنسيتين، يقبل عليها القراء؛ لأنهم يعرفون مدى تأثيرها على الحكومة وعلى الرأي العام في نفس الوقت، وكثيرًا ما استطاعت افتتاحيات هذه الصحف أن تفرض على الحكومة تغيير سياسيات أو قرارات معينة، أو تفرض عليها تبني مواقف معينة، سواء في السياسة الداخلية أو السياسة الخارجية.
ومن ناحية أخرى، فإن افتتاحيات بعض الصحف قد تؤخذ كدليل على اتجاه الحكومات في الدول التي تصدر فيها هذه الصحف، كما هو الشأن في افتتاحيات صحيفة "البرافدا" السوفيتية وصحيفة "الشعب" الصينية.
كتابة المقال الافتتاحي:
يكتب المقال الافتتاحي بطريقة مخالفة لكتابة الخبر الصحفي ومماثلة لطريقة كتابة التقرير الصحفي.. أي: أنه يكتب بطريقة الهرم المعتدل.. أي: من ثلاثة أجزاء: المقدمة.. والجسم.. والخاتمة٢.
فالمقال الافتتاحي يتكون من الأجزاء الثلاثة التالية:
أولًا: مقدمة المقال الافتتاحي
وهي تحتوي على مدخل يثير الانتباه إلى أهمية الخبر أو القضية أو المشكلة أو الفكرة التي يدور حولها المقال، وهذه المقدمة يمكن أن تضم النقاط التالية:
стр. 166
١- عرض فكرة مثيرة لاهتمام القراء.
٢- طرح قضية هامة تمس مصالح القراء.
٣- إبراز خبر هام يشغل الرأي العام.
٤- وصف مشكلة خطيرة صارت حديث الناس في المجتمع١.
والمقدمة تقوم بعدد من الوظائف؛ هي:
١- تهيئة ذهن القارئ لموضوع المقال.
٢- إعادة تذكرة القارئ بالخبر أو الحادثة أو القضية موضوع المقال.. وهنا لا بد من التفرقة بين تذكير القارئ بالخبر وبين الإغراق في ذكر تفاصيل الخبر.. فالمفروض أن المقال يناقش خبرًا جاريًا أي نشر في يوم نشر المقال أو قبله بقليل؛ بحيث يمكن للقارئ أن يتذكر تفاصيله، لا سيما أن الافتتاحية لا تناقش غالبًا سوى الأخبار الهامة٢.
٣- جذب انتباه القارئ ودفعه إلى قراءة المقال عن طريق الطرح الجيد والشيق للموضوع٣.
ثم يبقى أن نعرف أن مقدمة كل مقال قد تختلف عن غيره من المقالات، وذلك حسب طبيعة الموضوع الذي يعرضه المقال٤.
ثانيًا: جسم المقال الافتتاحي
وهو الجزء الذي يحتوي على المادة الجوهرية في المقال.. والجسم قد يحتوي على النقاط التالية:
١- البيانات والمعلومات والحقائق الكافية عن الموضوع.
٢- الأدلة والحجج والأسانيد التي تؤيد وجهة نظر كاتب المقال.
стр. 167
٣- الخلفية التاريخية للموضوع.
٤- أبعاد الموضوع ودلالاته السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الفكرية.
ووظيفة جسم المقال الافتتاحي تنحصر في النقاط التالية:
١- تقديم البيانات الكافية لإشباع رغبة القارئ في الموضوع.
٢- تقديم الحجج المنطقية التي تدعم وجهة نظر الصحيفة في الموضوع.
٣- إقناع القارئ بموقف الصحيفة أو سياستها تجاه موضوع المقال.
ثالثًا: خاتمة المقال الافتتاحي
وهي أهم أجزاء المقال، وعليها يتوقف مدى اقتناع القارئ أو عدم اقتناعه بسياسة الصحيفة.
وغالبًا ما تضم الخاتمة النقاط التالية:
١- خلاصة الآراء والأفكار التي تصل إليها الصحيفة في موضوع المقال.
٢- دعوة القارئ للمشاركة في إيجاد الحلول للقضية أو المشكلة المطروحة إن كان الأمر يفترض مشاركة القارئ أو تعبئته لتحقيق هدف معين أو لتنفيذ خطة معينة.
٣- دفع القارئ إلى اتخاذ موقف معين تجاه موضوع معين١.
ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة المقال الافتتاحي المبني على قالب الهرم المعتدل:
стр. 168
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
البناء الفني للمقال الافتتاحي المبني على قالب الهرم المعتدل
стр. 169
نموذج للمقال الافتتاحي المبني على قالب الهرم المعتدل
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
إذا طبقنا مفاهيمنا النظرية على هذا المقال الافتتاحي لوجدنا أنفسنا أمام الحقائق التالية:
стр. 170
١- أن المقال شرح وتفسير لخبر هام نشر في اليوم السابق لنشر المقال، وهو عبارة عن مؤتمر صحفي أعلن فيه رئيس الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن عدد سكان البلاد وصل إلى ٤٠.٥ مليون نسمة بزيادة نصف مليون فرد في خلال خمسة أشهر فقط.
٢- أن مقدمة المقال قامت على إبراز خبر هام يشغل الرأي العام وطرح لقضية هامة تمس مصالح القراء ... وعلى وصف مشكلة خطيرة صارت حديث المجتمع.
٣- أن جسم المقال قد تضمن العديد من البيانات والحقائق والأرقام التي تؤيد وجهة نظر الصحيفة في خطورة مشكلة تزايد السكان في مصر.. كذلك فقد قدم المقال عددًا من الحجج التي تؤكد الأثر السلبي لتزايد السكان على مستقبل البلاد حين ذكر: "أن كل تقدم نحققه سوف يبتلع القادمون الجدد من السكان آثاره"، وحين ذكر أيضًا: "أن كل الجهود التي ستُبذل قد لا تحقق غير الحفاظ على المستوى الذي نعيش عليه الآن".
٤- أما خاتمة المقال فقد حوت خلاصة الرأي الذي انتهت إليه الصحيفة في الموضوع؛ وهو: "إن كل أجهزة الدولة مطالبة بأن تتوقف طويلًا أمام اتجاهات الزيادة السكانية الكبيرة التي تحدث في مصر، وأن تواجه هذه الزيادة بحزم لا يجب التهوين منه، وبخطة مهما تكلفت فإنها سوف تحقق عائدًا أكبر كثيرًا مما لو تركنا الأمور تسير كما هي ليزيد تعدادنا بمعدل فرد واحد كل ٢٩ ثانية".
стр. 171
المبحث الثالث: فن العمود الصحفي
العمود الصحفي: هو مساحة محدودة من الصحيفة لا تزيد عن "نهر" أو "عمود"، تضعه الصحيفة تحت تصرف أحد كبار الكُتَّاب بها، يعبر من خلاله عما يراه من آراء أو أفكار أو خواطر أو انطباعات فيما يراه من قضايا وموضوعات ومشاكل.. وبالأسلوب الذي يرتضيه.
وغالبًا ما يحتل العمود الصحفي مكانًا ثابتًا لا يتغير على إحدى صفحات الجريدة.. وينشر تحت عنوان ثابت.. ويظهر في موعد ثابت، قد يكون كل يوم.. أو كل أسبوع١.
ولا بد أن يحمل العمود الصحفي توقيع كاتبه.
وليس من الضروري أن يلتزم كاتب العمود الصحفي بسياسة الصحيفة.. وإن كان من المتعارف عليه ألا يكون معارضًا لهذه السياسة٢.
موضوعات العمود الصحفي:
وليست هناك حدود أو قيود على المجالات والموضوعات التي يطرقها كاتب العمود الصحفي ... فمن حقه أن يكتب في السياسة أو الاقتصاد أو في مشاكل الحياة الاجتماعية أو في قضايا الفكر أو الثقافة أو في الفن أو الأدب.. ولكن الزاوية التي يتناول بها كاتب العمود الصحفي مثل هذه القضايا تختلف عن الزاوية التي يتناولها به كتاب المقال الافتتاحي أو كتاب الأخبار أو التحقيقات الصحفية أو التقارير الصحفية.
стр. 172
فكاتب العمود الصحفي من الضروري أن يهتم أثناء تناوله لمثل هذه القضايا بالتركيز على كل ما يهم القراء، وأن يخاطب قلوبهم ومشاعرهم وأحاسيسهم؛ بحيث يخرج من تناوله لمثل هذه الموضوعات بالحكمة وبالعبرة والموعظة١.
وعلى سبيل المثال عندما يكتب مصطفى أمين في عموده اليومي "فكرة" بصحيفة الأخبار عن مرور خمس سنوات على خروجه من السجن فينتهي إلى القول:
"إن طعم الحرية لذيذ! إنها تاج على رءوس الأحرار لا يراه إلا المقيدون بالسلاسل والأغلال. إن الجنة مفتوحة الأبواب، والجحيم مغلق الأبواب مليء بالسلاسل والقيود والأغلال. الحمد لله على نعيم الحرية"٢.
وعندما يتعرض أنيس منصور في عموده اليومي بالأهرام "مواقف" لأحداث إيران.. لا يعنيه أن يحلل هذه الأحداث، ولا أن يكشف عما وراءها ولا أبعادها أو دلالاتها المختلفة، كما هو الأمر في التقرير الصحفي أو التحقيق الصحفي أو المقال الافتتاحي؛ وإنما هو فقط يقارن بين ما رآه بنفسه منذ سنوات قليلة في طهران حين كان يحوط بالشاه ملوك وأمراء ورؤساء الدول يحتفلون معه بأقدم عرش في التاريخ.. ثم منظر الشاه وهو يترك بلاده وحيدًا إلا من زوجته وعدد من حاشيته٣..
الفرق بين العمود ... والمقال الافتتاحي:
يلاحظ أن العمود الصحفي يتفق مع المقال الافتتاحي في النواحي التالية:
١- أن له مكانًا ثابتًا في الصحيفة.
٢- أن له عنوانًا ثابتًا في الصحيفة.
٣- أنه ينشر بانتظام.
стр. 173
ويختلف العمود الصحفي مع المقال الافتتاحي في النواحي التالية:
١- أن كاتب العمود ليس ملزمًا بالتعبير الحرفي عن سياسة الصحيفة؛ بينما كاتب المقال الافتتاحي ملزم بذلك.
٢- أن العمود الصحفي يوقع باسم كاتبه، في حين لا يوقع المقال الافتتاحي باعتبار أنه يمثل آراء هيئة تحرير الصحيفة كلها، وليس محرر بعينه١.
أسلوب العمود الصحفي:
إن العمود الصحفي يهتم أكثر ما يهتم بكل ما يمس مشاعر القراء وعواطفهم.. لذلك لا بد أن يتوفر فيه شيء من جمال الأسلوب الذي يتميز به الأسلوب الأدبي.. فلا يعيب العمود الصحفي أن يعتني كاتبه بألفاظه، وأن يختار أوقعها على العين وأقربها إلى القلب.. وذلك عن طريق استخدام بعض الصور البيانية والموسيقى اللفظية أو الأخيلة الأدبية.. ولكن بشرط ألا يغرق كاتب العمود في ذلك؛ بحيث يفقد العمود صفته الصحفية ويصبح أدبًا خالصًا.. فهنا يتخطى العمود الصحفي لغة الصحافة التي تتلاءم وطبيعة القراء جميعًا.. إلى لغة الأدب التي هي لغة نسبة ضئيلة من القراء ... وفنون الصحافة لم توجد لمخاطبة فئة محدودة من القراء؛ وإنما وُجدت لتخاطب القراء جميعًا مهما اختلفت مستوياتهم الثقافية٢.
خصائص العمود الصحفي:
والعمود الصحفي يتميز بالخصائص التالية:
١- الجمع بين بساطة اللغة الصحفية وسهولتها ووضوحها.. وبين جمال اللغة الأدبية.
٢- أنه يعبر عن التجربة الذاتية للكاتب.
٣- أنه يقوم على أساس وجود علاقة حميمة بين الكاتب والقراء.
стр. 174
٤- أنه يقوم على تطبيق القاعدة الذهبية في الصحافة، والتي تقول: أكبر كمية من المعاني والمعلومات في أقل قدر ممكن من الألفاظ١.
كتابة العمود الصحفي:
يكتب العمود الصحفي كما يكتب المقال الافتتاحي٢.. أي: من ثلاثة أجزاء: مقدمة.. وجسم.. وخاتمة.
أولًا: مقدمة العمود الصحفي:
مقدمة العمود الصحفي تشمل مدخلًا أو زاوية، يمهد بها الكاتب لموضوع العمود ... وهذا المدخل أو الزاوية يمكن أن يشمل النقاط التالية:
١- خبرًا من الأخبار أو حدثًا من الأحداث الهامة الجارية، بشرط أن يركز الكاتب على زاوية معينة أثارت انتباهه، ويرى أنها تهم القراء في نفس الوقت، وعلى سبيل المثال يكتب محمد زكي عبد القادر في عموده اليومي بصحيفة الأخبار "نحو النور"، يعلن عن النتائج المتوقعة لمباحثات كامب ديفيد قبل إعلان الاتفاق بيوم واحد فيقول:
"أكتب هذا قبل أن يذاع البيان الختامي لمؤتمر كامب ديفيد، وأيًّا كان البيان وما يمكن أن يتضمنه فإنه طبقًا لكل البيانات والمعلومات والتوقعات لن يكون إلا إذا وقعت معجزة، محققًا للشرعية الدولية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة"٣.
٢- فكرة أو خاطرة أو لمحة أو انطباع يرى الكاتب أنه يحتاج إلى شرح وتوضيح، أو إلى تفسير وتعليق، أو إلى استخلاص العبرة منه، وعلى سبيل المثال يكتب أنيس منصور في "مواقف" يعبر عن خاطرة شخصية فيقول:
стр. 175
"أصبح الإنسان يخجل عندما يسمع قصة حب أو أغنية عشق، أو عندما يرى وجوهًا نضرة تتلون بالنظر وتتوجع بالهمس.
هل أصيبت قلوبنا بالتصلب؟ هل جفت عقولنا؟ هل تطاير ريش أجنحتنا؟
هل تحولنا من طيور عالية الحركة إلى طيور داجنة لاصقة بالأرض؟ ... لا أظن ذلك.. ولكني أرى أن الدنيا شغلتنا عن جوهرنا"١.
٣- قضية أو مشكلة أو حدث يرى الكاتب أنه يمس مصالح القراء أو يثير اهتمامهم ... وللكاتب في الحدث أو القضية وجهة نظر يريد الإفصاح عنها.
ولكن يشترط أن تكون الزاوية التي يتناول الكاتب من خلالها هذه القضية ... أقرب إلى اهتمام الناس وتفكيرهم ... أو قد تكون الزاوية هي تجربة الكاتب الذاتية مع الحدث أو القضية نفسها.
ولنضرب مثلًا بأنيس منصور أيضًا؛ حيث كتب يعلق على مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الثالث "سبتمبر سنة ١٩٧٨"، فبدأ عموده "مواقف" قائلًا:
"لم أدخل السينما في حياتي إلا بعد أن تخرجت من الجامعة، ودخلتها سرًّا، فقد تعلمت أن السينما والمسرح والجلوس على المقاهي عبث لا يصح ... ثم إني لا أقدر عليه.."٢.
٤- حكمة مأثورة أو مثل شعبي معروف أو قول لمفكر أو كاتب أو فيلسوف، وأحيانًا يبدأ العمود الصحفي بتصريح هام لشخصية من الشخصيات التي تلعب دورًا في الأخبار اليومية ... فيستند إليه كاتب العمود في إبراز الفكرة التي يريد قولها.
стр. 176
ونموذج لذلك ما كتبه كامل زهيري في عموده اليومي "من ثقب الباب"، الذي ينشر يوميًّا في الصفحة الأخيرة بالجمهورية.. حيث بدأ العمود قائلًا:
"توقفت عند خطاب الأستاذ خالد الحسن رئيس وفد فلسطين في المؤتمر البرلماني العربي حين قال: إنه وُلد في يافا ولا يستطيع العودة إليها..
وكثيرون من الفلسطينيين الذين أعرفهم ولدوا على أرض فلسطين -مثل خالد الحسن- ولا يستطيعون العود إليها"١.
ثانيًا: جسم العمود الصحفي:
وهو يضم جوهر المادة التي يحتويها العمود الصحفي.. وقد يشمل النقاط التالية:
١- الأدلة أو الشواهد أو الحجج التي يؤكد بها الكاتب رأيه.
٢- تفاصيل الحدث أو الصورة الحية أو القصة أو المشكلة أو القضية التي يطرحها الكاتب على القراء.
٣- وعندما يكون العمود عبارة عن سؤال من القارئ وإجابة من الكاتب، فإن جسم العمود الصحفي يتضمن إجابة الكاتب على سؤال القارئ.
ثالثًا: خاتمة العمود الصحفي:
وهي كالمقال الافتتاحي أهم جزء فيه؛ حيث تتضمن رأي الكاتب وخلاصة ما يريد قوله للقراء، وقد تشمل خاتمة العمود الصحفي على النقاط التالية:
١- خلاصة رأي الكاتب في الحدث أو القضية أو المشكلة التي يعرضها.
٢- العبرة أو الموعظة أو الحكمة التي يخرج بها الكاتب.
٣- النصيحة التي يقدمها الكاتب للقراء بعد أن يجيب على سؤال يقدم له من قارئ في الأعمدة التي يكون موضوعها الإجابة على بعض أسئلة القراء٢.
стр. 177
ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة العمود الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
البناء الفني للعمود الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل
стр. 178
نموذج للعمود الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل:
شكل اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
- بدأ الكاتب عموده الصحفي بحكمة فقال:
الطريق إلى النار محفوف بالنيات الطيبة. كلمة حكيمة، ويقال: إنها حديث شريف.
- أما جسم العمود الصحفي فقد حشده الكاتب بالأدلة والشواهد والحجج المنطقية التي تؤكد المعنى الذي أراد الوصول إليه من خلال هذه الحكمة:
أي: من الممكن أن يكون الإنسان حسن النية، ومع ذلك يكون ضارًّا تمامًا، كأن تشفق على ابنك المريض فتعطيه طعامًا ممنوعًا. فأنت بمنتهى حسن النية قد أصبته بضرر بليغ!
من مثل ذلك يقال في التليفزيون للشباب: فالشباب لا يعجب الآباء والمربين والساسة ورجال الدين. فهم "متعصبون" أو "متشددون" في دينهم؛ ولذلك لا بد من شفائهم من هذا المرض!
ولقد سمعت أستاذًا فاضلًا يطالب بفتح الساحات الشعبية للشباب؛ لكي يلعب الكرة. فالشباب لديه طاقة هائلة لا يعرف كيف ينفقها. ولا علاج له إلا الرياضة التي تهد حيله. فإذا عاد إلى البيت ارتمى على الفراش نائمًا خامدًا، وبذلك لا يفكر في دينه أو في دنياه؟!
стр. 179
وهو كلام مفيد؛ ولكنه ليس العلاج، تمامًا كما يصف الطبيب لأحد المرضى أن يتعاطى القطرة مع أنه يشكو من أوجاع في بطنه.
فالقطرة دواء؛ ولكنها ليست لهذا المرض!
وعيب هذا الذي يقال للشباب هو أننا ننظر إليهم على أنهم مرضى شواذ ووحوش ضارية، يجب أن نقلم أظافرها وأنيابها، ونكتم أنفسها ونبدد طاقتها، مع أن الذي نواجهه ليس مرضًا. فهم شباب مؤمن بالله؛ ولذلك فهو متمسك بالقيم الأخلاقية التي يطالب بها الذين هم أكبر سنًّا؛ إذن فالمرض -إن كان هناك- هو التمسك المتشدد بتعاليم الدين. وليس الدين، أي دين. إذن العلاج هو: كيف تخفف قبضهم على دينهم؟ أي: كيف نطلق سراحهم من هذه الأقفاص الحديدية التي حبسوا أنفسهم فيها؟
- أما خاتمة العمود، فقد حملت خلاصة رأي الكاتب في الموضوع، والعبرة أو النصيحة التي يقدمها في الموضوع:
العلاج هو أن نناقشهم، وأن نفكر معهم، وأن نحترم عقولهم، فهم صغار، وكانت لنا أفكار أسخف من ذلك كثيرًا!
أنيس منصور
- أنواع العمود الصحفي:
هناك خمسة أنواع من العمود الصحفي؛ وهي:
١- العمود الصحفي الذي يغلب عليه الاهتمام بالشئون العامة.. فيتعرض لمختلف القضايا كالسياسة أو الاقتصاد، أو لشئون الأدب والفن، أو لقضايا الحب والزواج والطلاق ومشاكل الحياة الاجتماعية اليومية.. ولكن من الزاوية التي تهم القراء.. وتمس مشاعرهم.. ومن أمثلة هذا العمود في الصحافة العربية: فكرة لمصطفى أمين، ومواقف لأنيس منصور، ومن القلب لمحسن محمد، ومن ثقب الباب لكامل زهيري، وغيرهم.
стр. 180
ونقدم نموذجًا لهذا النوع: العمود الذي كتبه مصطفى أمين عن المشاكل العاطفية للشباب، وذلك في عموده اليومي "فكرة" بصحيفة الأخبار القاهرية.
شكل اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
١
شباب كثيرون يكتبون لي رسائل دامية. كلماتها تذرف دموعًا. سطورها تقطر دمًا. إنها دائمًا القصة الدائمة: طالب أحب طالبة وتعاهدا على الحب إلى الأبد. ولكن الأبد لا يستمر طويلًا! ثم يموت الحب فجأة بالسكتة القلبية في قلب الفتاة، أو تغير رأيها، أو يضغط أهلها عليها لتتزوج العريس "الجاهز" الواقف بالباب!
وكل واحد من هؤلاء يقول: إن الصدمة قد حطمته، وإن الخيانة قضت عليه، بعضهم كره الحياة، وبعضهم كره النساء، وبعضهم أصيب بمرض مزمن، وبعضهم يفكر في الانتحار. وكل هذا كلام فارغ، فليس في استطاعة أي امرأة أن تقضي على رجل. وكل واحد من هؤلاء الشبان سعيد الحظ؛ لأنه لم يتزوج الفتاة التي تخلت عنه. فخير لك أن تتركك المرأة وأنت على شاطئ البحر، من أن تتخلى عنك وأنت في وسط البحر..
وكل واحد منا محتاج لامرأة تصمد معه في العواطف، لا تطير أمام هبوب الرياح. في حاجة إلى جبل يقاوم أعاصير الحياة، لا إلى امرأة من قش يحرقها عود ثقاب، في حاجة