← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8656

الحديث والمحدثون

محمد محمد أبو زهو

Полный текст (513 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه، وما كان يفتيهم به. ولقد كنت كلمت أبا بكر، ﵀ أن يحبسه لحاجة الناس إليه فأبى علي، وقال: رجل أراد جهادا يريد الشهادة، فلا أحبسه فقلت: والله إن الرجل ليرزق الشهادة، وهو على فراشه". ومن أشهر من قام بالتعليم في هذا القطر أيضا عبادة بن الصامت، الذي امتاز بجمع القرآن، وكان من أفقه الناس في الدين، شديدا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم. أنكر على معاوية كثيرًا من أموره. ومنهم أبو الدرداء الأنصاري، وكان معدودا من فقهاء الصحابة، وحفاظ الحديث، وقد أرسلهما عمر مع معاذ إلى الشام، إجابة لطلب يزيد بن أبي سفيان، فإنه كتب إلى عمر بن الخطاب: قد احتاج أهل الشام إلى من يعلمهم القرآن، ويفقههم فأرسل معاذا وعبادة وأبا الدرداء. ذكر ذلك البخاري في تاريخه. كان هؤلاء هم حجر الزاوية في الحركة العلمية، ونشر السنة المحمدية في ربوع تلك البلاد. وقد أرسل عمر أيضًا عبد الرحمن بن غنم للمهمة نفسها، وكان يقال له صاحب معاذ لكثرة ملازمته له، على أنه اختلف في صحبته. هذا وكثير من الصحابة غير هؤلاء انتشروا في الشام هداة، ومعلمين منهم شرحبيل بن حسنة، والفضل بن العباس بن عبد المطلب. يروي الحاكم أنه مدفون بالأردن. وأبو مالك الأشعري وغيرهم كثير. وقد تخرج على أيديهم كثير من التابعين في مدارس الشام، المختلفة منهم أبو إدريس الخولاني عائذ الله. وقبيصة بن ذؤيب، ومكحول بن أبي مسلم، ورجاء بن حيوة الكندي العالم، الثقة، الفاضل.

стр. 107

٦- دار الحديث بمصر: فتح المسلمون مصر، فدخل كثير من أهلها الإسلام، كذلك نزلها كثير من الصحابة، ينشرون أحكام الدين وتعاليمه، وأشهرهم عبد الله بن عمرو بن العاص، الذي كان من أكثر الصحابة، حديثا عن رسول الله ﷺ . كما امتاز عن غيره من سائر الصحابة، بكتابة ما يسمعه من رسول الله ﷺ . خرج عبد الله مع أبيه عمرو بن العاص إلى مصر عند ما ولاه إياها معاوية، ولما توفي عمرو بقي ابنه عبد الله مقيما بمصر فكان يحج ويعتم، ثم يرجع إليها إلى أن توفي بها في بعض الأقوال. وقد نزل كثير من الصحابة غير عبد الله بن عمرو مصر، وقاموا بمهمة التعليم وتفقه على أيديهم كثير من أهل البلاد، منهم عقبة بن عامر الجهني، وخارجة بن حذافة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومحمية بن جزء، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وأبو بصرة الغفاري، وأبو سعد الخير ومعاذ بن أنس الجهني، وغيرهم حتى لقد أفردهم محمد بن الربيع الجيزي بالتأليف، فبلغ عددهم مائة ونيفا وأربعين صحابيا، كما أورد أحاديثهم في تأليفه ذلك١. تخرج على هؤلاء الصحابة كثير من التابعين، منهم أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني، مفتي أهل مصر روى عن أبي أيوب الأنصاري، وأبي بصرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهني. ومنهم يزيد بن أبي حبيب. روى عن بعض الصحابة، وأكثر روايته عن التابعين، وهو بربري الأصل أبوه من أهل دنقلة، ولكنه نشأ مصر.

стр. 108

هذه نبذة قصيرة عن معاهد العلم، ودور الحديث في أشهر الأمصار الإسلامية، لذلك العهد تدلك على مكانة هؤلاء الصحابة، وتابعيهم في نشر ورواية الحديث. ثانيا: رحلة العلماء في طلب الحديث: تفاوت الصحابة في حفظ الحديث: رأيت كيف اتسعت الفتوح الإسلامية، وما تبع ذلك من تفرق الصحابة في الأمصار المتباعدة، ينشرون دين الله، وأحاديث رسول الله. وبدهي أن الصحابة لم يكونوا على درجة واحدة في حفظ الحديث، وجمع السنن، بل كانوا مختلفين اختلافا كبيرا، فكان عند بعضهم الحديث الواحد وعند بعضهم الحديثان وهكذا. فقد حدث النبي ﷺ قوما بما لم يحدث به آخرين، ووقع من الحوادث أمام قوم ما لم يطلع عليه آخرون، ومن هنا قال مسروق -وكان من التابعين: لقد جالست أصحاب محمد، فوجدتهم كالأخاذ فالأخاذ يروي الرجل، والأخاذ يروي الرجلين والأخاذ يروي العشرة، والأخذا يروي المائة، والأخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم. ماذا يكون الحال إذا تفرق الصحابة، كما رأيت وحالهم على ما رأيت. لقد تناثرت الأحاديث في الأمصار، تبعا لتفرق الصحابة في البلدان والأحاديث لا غنى عنها في فهم القرآن، والتفقه في أحكام الدين نعم جمع القرآن الكريم على عهد عثمان ﵁، ووزعت المصاحف على الأقطار، وحفظه المسلمون لا يختلفون فيه. أما السنة التي هي بيان للكتاب، فلم تكتب لا في عهد النبي ﷺ ، ولا في عهد الخلفاء الراشدين إلى نهاية القرن الأول لأسباب ستأتي فيما بعد.

стр. 109

حاجة العلاء إلى الرحلة في هذا العصر: ماذا يصنع أهل كل مصر فيما يعن لهم من الحوادث، ويتجدد لهم من الأحكام، والحال كما وصفنا؟ إنه ليس أمامهم سوى باب واحد يطرقونه مهما كلفهم ذلك من عناء، ومهما بذلوا فيه من أموالهم وأنفسهم. وذلك هو الرحلة من قطر إلى قطر -وذلك هو الذي كان من الصحابة، والتابعين بل وأتباع التاعين فشمروا عن ساعد الجد، وجابوا البلاد شرقا، وغربا مستعذبين كل مر وصاب في سبيل الحصول على حديث رسول الله ﷺ . وإنك إذا تتبعت تراجم المحدثين من الصحابة، والتابعين وتابعيهم، ومن جاء بعدهم إلى أن دونت السنة في بطون الكتب، بل وبعد تدوينها أيضا تجد أن المؤرخين لحياتهم، يقولون في الرجل منهم مثلا: هو فلان بن فلان المكي، ثم المدني، ثم الكوفي، ثم البصري، ثم الشامي، ثم المصري إيذانا منهم بأن هذا الراوي كان رحالة في طلب الحديث، والعلم. أثر الرحلة في تمحيص الأحاديث: ليس هناك من شك في أن الرحلة إلى العلماء، والتقاء الحفاظ بعضهم ببعض طريق عظيم في تثقيف العقول، وتنقيح العلوم، وتمحيص المحفوظ من الحديث وبها يقف الراوي بنفسه على سيرة الرواة في بلدانهم، ويعلم قوتهم من ضعفهم فضلا عن الاستزادة من الحديث، وحفظ ما لم يكن موجودا عند علماء بلده، وأهل مصره. وقد كانت الرحلة هي سنة العلماء، من لدن رسول الله ﷺ ، إلى أن أدرك الأمة الإسلامية التكاسل، والتواكل وقعدت عن العمل النافع، المجدي الذي كان عليه أسلافهم.

стр. 110

وقد قدمنا لك أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، كان إذا بعدت به الدار يركب إلى المدينة، فيسأل رسول الله ﷺ . واستمر أمر الصحابة على ذلك أيضا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، يرحل بعضهم إلى بعض في طلب الحديث. إلا أنه لما اتسعت الفتوح الإسلامية، وتفرق بها الصحابة، كما سبق شاعت الرحلة، وظهر أمرها بين الصحابة والتابعين في عصرنا هذا. ونحن نذكر لك طائفة من الآثار بعضها عن الصحابة، وبعضها عن التابعين لتلمس بنفسك تلك الجهود الجبارة، التي قام بها أسلافنا، حيال جمع الحديث، وليتضح لك عنايتهم بسنة رسول الله ﷺ ، وحرصهم على جمعها. فهذا أبو أيوب الأنصاري، يرحل من المدينة إلى عقبة بن عامر بمصر، يسأله عن حديث، سمعه من النبي ﷺ . فلما قدم إلى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري، أمير مصر خرج إليه فعانقه ثم قال له: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ قال: حديث سمعته من النبي ﷺ ، لم يبق أحد سمعه منه غيري، وغير عقبة فابعث من يدلني على منزله، فبعث معه من يدله على منزل عقبة، فخرج إليه عقبة فعانقه فقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ ، لم يبق أحد سمعه منه غيري، وغيرك في ستر المؤمن. قال عقبة: نعم. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ستر مؤمنا في الدنيا على خزية، ستره الله يوم القيامة"، فقال أبو أيوب: صدقت ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته، فركبها راجعا إلى المدينة، وما حل رحله فما أدركته جائزه مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر. فانظر رعاك الله إلى همة صحابة رسول الله ﷺ ، كيف هانت عليهم الدنيا، وصغرت أمامهم العظائم في سبيل المحافظة

стр. 111

على سنة رسول الله، فضحوا براحتهم وركبوا الأخطار، وقطعوا المفاوز والقفار في طلب الحديث. فأبو أيوب على تقدم صحته، وكثرة سماعه من رسول الله ﷺ ، يرحل من المدينة إلى مصر متحملا مشقة السفر، ووعثاءه، ثم هو يرجع من ساعته، ولا تحدثه نفسه بالمقام بمصر يوما، أو يومين يستجم فيه. وهذا عمرو بن أبي سلمة يقول للأوزاعي: يا أبا عمرو أنا ألزمك منذ أربعة أيام، ولم أسمع منك إلا ثلاثين حديثا. قال: وتستقل ثلاثين حديثا في أربعة أيام؟ لقد سار جابر بن عبد الله إلى مصر، واشترى راحلة فركبها حتى سأل عقبة بن عامر عن حديث واحد، وانصرف إلى المدينة، وأنت تستقل ثلاثين حديثا في أربعة أيام. فجابر بن عبد الله معدود من المكثرين في الحديث، عن رسول الله ﷺ ، ومع ذلك يستعظم أن يفوته بعض الحديث، فيرحل إلى مصر على بعد الشقة بينها، وبين المدينة ويشتري لهذه الغاية الشريفة دابة يركبها. فانظر إلى أي حد كان الصحابة يخدمون دينهم، ويجمعون أحاديث نبيهم، وكل همهم أن يكونوا سعداء بحمل الحديث، وتبليغه والعمل به. وهذا سعيد بن المسيب يقول: إني كنت لأسافر مسيرة الأيام، والليالي في الحديث الواحد "روى هذه الآثار كلها الحاكم في معرفة علوم الحديث ص٧، ٨". وروى البخاري في كتاب العلم عن صالح الهمداني، عن الشعبي عن أبي بردة عن أبيه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما رجل كانت عنده وليدة، فعلمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها، وأعتقها فتزوجها فله أجران، وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه

стр. 112

وآمن بي فله أجران وأيما مملوك أدى حق مواليه، وأدى حق ربه فله أجران"، فلما انتهى الشعبي من وراية هذا الحديث، قال للسامع الذي يتلقاه عنه: "خذها بغير شيء قد كان الرجل، يرحل فيما دونها إلى المدينة"، فكلمة الشعبي هذه، وهو من التابعين تعلمنا بما كان يقوم به العلماء من الصحابة، والتابعين من الرحلات إلى مدينة النبي ﷺ في طلب الحديث، مهما كان قليلًا. وعن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فابتعت بعيرا فشددت عليه رحلي، ثم سرت إليه شهرا، حتى قدمت الشام فإذا عبد الله بن أنيس الأنصاري، فأتيت منزله وأرسلت إليه أن جابر على الباب، فرجع إلى الرسول، فقال جابر بن عبد الله قلت: نعم، فخرج إلي فاعتنقته، واعتنقني قال: قلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في المظالم لم أسمعه أنا منه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الله ﵎ العباد ... الحديث " وهذا عبد الله بن عباس ﵄، يقول: كان يبلغنا الحديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فلو أشاء أن أرسل إليه حتى يجيئني فيحدثني فعلت، ولكني كنت أذهب إليه، فأقيل على داره، حتى يخرج فيحدثني، وهذا بسر بن عبد الله الحضرمي يقول: إن كنت لأركب إلى المصر من الأمصار في طلب الحديث الواحد لأسمعه، رواهما ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، وقد عقد بابا لذلك خاصة، سماه باب ذكر الرحلة في طلب العلم، وأخرج الخطيب عن أبي العالية، قال: كنا نسمع عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فلا نرضى حتى خرجنا إليهم، فسمعنا منهم.

стр. 113

هكذا تعاون العلماء في الأمصار المختلفة على حفظ السنة، رحل بعضهم إلى بعض، وتلقى بعضهم عن بعض، وجاهدو في سبيل الحديث، وجمعه جهادا عظيما، وضربوا المثل عاليا لمن بعدهم من أهل الحديث، فساروا على ضوء نبراسهم. وقد كان للرحلة أثر عظيم في عصور التدوين، حتى لقد عد من يكتب الحديث في بلده، ولا يرحل في طلبه ضالا طريق الرشاد، بعيدا عن محجة الهدى والسداد. فهذا يحيى بن معين يقول: أربعة لا تؤنس منهم رشدا، حارس الدرب، ومنادي القاضي وابن المحدث، ورجل يكتب في بلده، ولا يرحل في طلب الحديث، ولأمر ما يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب، قلت لطالب العلم يتخذ نعلين من حديد. التفت أيها القارئ -وتصور العصر الذي نحدثك عنه، وكيف كانت المواصلات فيه، لم تكن هناك طرق معبدة، ولا سيارات ولا طائرات بل كانت ركوبتهم الخيل، والجمال يقطعون بها الفيافي المخيفة ما بين حزون، وسهول وجبال، وتلال وأسود وذئاب، وكثيرا ما تلفحهم الصحارى بقيظها، وتقرسهم الفيافي بقرها، ويغشاهم الليل بظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج الواحد منهم يده لم يكد يراها. وكل هذه المخاطر كانت في نظرهم قليلة في جنب الله، هينة في سبيل جمعهم لحديث رسول الله ﷺ . فجزاهم الله عن المسلمين خير الجزاء. أثر الرحلة في شيوع رواية الحديث، وتعدد طرقه: تفرق علماء الصحابة في البلدان ينشرون الحديث، ويروون السنن ولتفاوتهم في حفظ الحديث قلة، وكثرة نشطت الرحلة ونزح العلماء من قطر إلى قطر في جمع الحديث. وتبع اتساع الفتوح تجدد الحوادث، والأقضية فأبرز العلماء من الصحابة ما عندهم من أحكام رسول الله ﷺ ، وقضاياه وقضايا الخليفتين من بعده. فكان طبيعيا

стр. 114

أن يترتب على كل ذلك شيوع رواية الحديث بين العلماء، في الأقطار المختلفة فبعد أن كان المصري، مثلا يتحمل الحديث، ويرويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وغيره ممن نزل مصر أصبح يروى الحديث، عن معاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وأبي موسى وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وهكذا وبعد أن كان الحديث يقع للراوي من طريق واحد، أصبح يرويه من طرق عديدة. وبعد أن كانت بعض البلدان أكثر حظا بالحديث وحملته كالمدينة مثلا، أصبحت البلدان كلها تتمتع برواية الحديث، وتعمل به في أحكامها، وقضاياها، وعباداتها، ومعاملاتها. وكل ذلك بفضل ارتحال علماء الأقطار من بلد إلى بلد في طلب الحديث، وتلقيه حتى رأينا الصحابي ينزح من المدينة، التي هي مهبط الوحي، وملاذ الحديث إلى مصر في طلب حديث، سمعه زميله من النبي ﷺ . ثالثا: ظهور الكذب في الحديث ومناهضة العلماء للكذابين: كان حسنا أن تشيع رواية الحديث بين المسلمين في الأقطار المختلفة، وكان حسنا أن يتلقى التابعون عن الصحابة، حديث رسول الله ﷺ ، بشغف عظيم، وكان حسنا أن يطبق المسلمون أحاديث نبيهم على كل أمورهم دينية كانت، أم دنيوية. ولكن لا تنس أيها القارئ إن للإسلام، كما قدمناه لك أعداء واقفين له بالمرصاد، فمن الوقت الذي وقعت فيه الفتنة بين المسلمين، بقتل الخليفة الثالث أولا وبافتراقهم إلى شيعة وخوارج، وجمهور ثانيا، وجد أعداء الإسلام من الفرس، وغيرهم ستارا يحجبهم، فعملوا في الخفاء ودسوا الأكاذيب، كما قدمناه لك. ولما شاعت رواية الحديث، واتسعت الأقطار.

стр. 115

وجد هؤلاء الكائدون جوا صالحا، لبث سمومهم وإلقاء أكاذيبهم في طول البلاد وعرضها. كان الصحابة في الدور الأول، زمن الخلافة الراشدة لا يبرحون المدينة، إلا لحاجة ماسة، وكانوا مشغولين بالحروب، وكانت المدينة هي دار الحديث الوحيدة، وكان أبو بكر وعمر قد أخذا الناس بالحزم، وأمراهم بإقلال الرواية، حتى لا تفشو وتشيع فيتخذها الجهال، والمنافقون ذريعة للكذب وإلقاء بذور الشر والفساد، وقد نجحت تلك التجربة أيما نجاح، وكفى الله السنة شر الكذابين. ولما انقضى عهد الخلافة الراشدة، وانشق المسلمون بعضهم على بعض ظهر الكذابون، والمنافقون من أهل الملل الأخرى، الذين لم يتجاوز الإيمان حناجرهم، وقد قدمنا لك بعضا من أعمالهم وخرافاتهم. فلما أن شاعت رواية الحديث، كما رأيت بين أهل الأقطار الإسلامية، ظهر هؤلاء الدجالون من أرباب الفرق المختلفة، بوجوه في نهاية التبجح، والقحة فأخذوا يكذبون على الصحابة، ويدعون أنهم رووهم الحديث، وربما لم يكونوا قد رأوهم، ولا سمعوا منهم. أخذ هؤلاء الكذابون يأتون بالعظائم، مما لم يأذن به الله ولا رسوله. فهذا جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، أبو عبد الله الكوفي الرافضي، المتوفى سنة ١٢٧هـ يقول: عندي خمسون ألف حديث ما حدثت منها بشيء. ويقول فيه سفيان: سمعت جابرا يحدث بنحو ثلاثين ألف حديث، ما أستحل أن أذكر منها شيئا، وإن كان لي كذا وكذا. وروى الحميدي عن سفيان قال: "سمعت رجلا سأل جابرا عن قوله : ﴿لَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ . فقال جابر: لم يجئ تأويل هذه الآية. قال سفيان: وكذب فقلنا: وما أراد بهذا قال: إن الرافضة تقول: إن عليا في السحاب، فلا نخرج مع من خرج من

стр. 116

ولده حتى ينادي مناد من السماء، يريد أن عليا ينادي، اخرجوا مع فلان يقول جابر: فذا تأويل هذه الآية وكذب. كانت في أخوة يوسف". وهذا همام يقول: قدم علينا أبو داود الأعمى، فجعل يقول: حدثنا البراء، وحدثنا زيد بن أرقم. فذكرنا ذلك لقتادة فقال: كذب ما سمع منهم إنما كان إذ ذاك سائلا، يتكفف الناس زمن طاعون الجارف، أي عام سبع وثمانين ويقول همام: دخل أبو داود الأعمى على قتادة فلما قام قالوا: إن هذا يزعم أنه لقي ثمانية عشر بدريا فقال قتادة: هذا كان سائلا قبل الجارف لا يعرض لشيء من هذا ولا يتكلم فيه. فوالله ما حدثنا الحسن عن بدري مشافهة، ولا حدثنا سعيد بن المسيب، عن بدري مشافهة إلا عن سعد بن مالك١. فانظر كيف ادعى هذا الأعمى، أنه سمع ثمانية عشر صحابيا، ممن شهد بدرا مع أن الحسن، وسعيد بن المسيب، وهما أكبر منه سنا وأكثر اعتناء بالحديث، وملازمة لأهله واجتهادا في الأخذ عن الصحابة، ما حدث واحد منهما عن بدري واحد، فكيف بأبي داود الأعمى، يدعي أنه لقي ثمانية عشر بدريا، سبحانك هذا بهتان عظيم. ولكن الصحابة والتابعين، ﵃ أخذوا على هؤلاء الوضاعين المسالك، وشردوا بهم من خلفهم. انظر إلى قول الشعبي ﵁. حدثني الحارث الأعور، وكان كذابا. وهذا عبد الله بن عباس ﵄ يؤتى بقضاء علي كرم الله وجهه في خريطة، فيمحوه ولا يترك منه، إلا مقدار ذراع. وذلك؛ لأن الشيعة أفسدوا كثيرا من علم الإمام علي، فقاتلهم الله أنى يؤفكون. وهذا بشير بن كعب يأتي ابن عباس، فيحدثه بأحاديث فيقول له ابن عباس: عد لحديث كذا وكذا، فيعود له ثم يحدث

стр. 117

فيقول له: عد لحديث كذا وكذا فيعود له. فقال له: ما أدري أعرفت حديثي كله، وأنكرت هذا أم أنكرت حديثي كله، وعرفت هذا. فقال له ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله ﷺ ، إذا لم يكن يكذب عليه فلما ركب الناس الصعبة، والذلول تركنا الحديث عنه. وهذا مجاهد يقول: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدث، ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر إليه فقال: يا ابن عباس. ما لي أراك لا تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ ، ولا تسمع؟، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعبة، والذلول لم نأخذ من الناس، إلا ما نعرف ذكر هذه الآثار مسلم في مقدمة صحيحة. هذا وهناك صنف من الوضاعين، كان شرا مستطيرا على الحديث، ألا وهم القصاص الذين يستهوون العامة بالمناكير، ويأخذون عليهم قلوبهم برواية الغرائب، التي لا أصل لها، وقد وجد منهم في هذا الدور خلق كثير. فهذا هو الشعبي التابعي العظيم، أحد أعيان المائة الأولى للهجرة "١٧-١٠٤" يقول: بينما عبد الملك بن مروان جالس، وعنده وجوه الناس من أهل الشام قال لهم: من أعلم أهل العراق قالوا: ما نعلم أحدا أعلم من عامر الشعبي. فأمر بالكتاب إلي، فخرجت إليه حتى نزل "تدمر"، فوافقت يوم جمعة، فدخلت أصلي في المسجد، فإذا غلى جانبي شيخ عظيم اللحية، قد أطاف به قوم فحدثهم قال: حدثني فلان، عن فلان يبلغ به النبي صلى الله عله وسلم: أن الله تعالى خلق صورين في كل صور

стр. 118

نفختان نفخة الصعق ونفخة القيامة. قال الشعبي فلم أضبط نفسي أن خففت صلاتي، ثم انصرفت فقلت: يا شيخ اتق الله، ولا تحدثنا بالخطأ إن الله تعالى لم يخلق إلا صورا واحدا، وإنما هي نفختان نفخة الصعق، ونفخة القيامة. فقال لي: يا فاجر، إنما يحدثني فلان عن فلان، وترد علي ثم رفع نعله، وضربني بها، وتتابع القوم علي ضربا معه، فوالله ما أقلعوا عني، حتى حلفت لهم أن الله تعالى خلق ثلاثين صورا له، في كل صور نفخة فأقلعوا عني. فرحلت حتى دخلت دمشق، ودخلت على عبد الملك، فسلمت عليه. فقال لي يا شعبي: بالله حدثني بأعجب شيء رأيته في سفرك، فحدثته حديث المتقدمين، ضحك حتى ضرب برجليه، ذكره السيوطي في تحذير الخواص ص٥١، ٥٢. فانظر إلى أي حد بلغ الكذب على رسول الله ﷺ في ذلك العصر، وانظر إلى استماع العامة للأكاذيب، وتعلقهم بها حتى إنهم إذا نصحوا ثاروا على الناصح، فأهانوه وضربوه. فمن ذلك نأخذ أن مهمة المحدثين في هذا الوقت، كانت من أشق ما يكون فقد أفسد القصاص، والزنادقة قلوب العامة وحشوها بالخرافات، وشأن العامة في كل زمان الاستماع للغريب من الحديث، والجلوس إلى القاص، إذا ما كان كلامه عجيبا خارجا عن فطر العقول، أو كان رقيقا يحزن القلوب ويستغزر العيون. وهذا ابن عمر يزجر القاص، ويأمره بالقيام من المسجد فلا يستمع لأمره، حتى يستعين عليه بصاحب الشرطة، فيبعث إليه شرطيا يخرجه إلى غير ذلك من الحوادث. وقد رأينا أن نتكلم على نشأة الوضع في الحديث، وتاريخه وجهود العلماء لمناهضة الوضاعين في فصل خاص، إن شاء الله عند الكلام على أنواع الحديث في الخاتمة؛ لأن الوضع لم يكن خاصا بعصر من العصور، بل هو وليد العصور جميعها، ونكتفي بهذا القدر الآن.

стр. 119

المبحث الخامس: كتابة الحديث الكتابة عند العرب قبيل الإسلام: الخط مظهر من مظاهر التحضر، وأثر من آثار الاجتماع والتمدن، لذا سبق إليه الأمم المتمدنة، وكان أبعد الناس منه الأمم البادية. والعرب لما كانوا قوما بدويين، كانوا بطبيعة الحال أميين لا يقرءون، ولا يكتبون، اللهم إلا في الجهات التي عرفتها الحضارة من جزيرتهم كاليمن، فقد كان أهل هذه البلاد يخطون، وكان خطهم يسمى بالخط المسند. على أنه لم تكن الكتابة عندهم بالشيء الذائع، يتناوله جميع الأفراد، بل كان ذلك في الخاصة منهم. ومن اليمن انتقل الخط إلى الحيرة، والأنبار لما كان من الارتباط بين ملوك الإقليمين. وكانوا يسمون خطهم بخط الجزم؛ لأنه اقتطع من المسند الحميري. ومن الحيرة انتقل الخط إلى مكة، نقله حرب بن أمية، وكان رجلا سفارا، ومن عهده بدأ الخط بمكة، فتعلمه بعض رجال قريش. هذه هي الجهات الثلاث، التي وجدت بها الكتابة الخطية على أنها، كما قلنا لم تكن بالشيء الذائع المتداول. أما بادية العرب، فلم تكن تخط بل كانت ترى الخط وصمة عار، وسمة عيب كما هو شأنها في سائر الصناعات المدنية. هذا وكأن الله تعالى أذن بنقل الكتابة من الحيرة إلى مكة، قبيل الإسلام لتكون فيما بعد عاملا من عوامل حفظ القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، ثم إنه لم تكن الكتابة منتشرة بين العرب، بل كانت منحصرة في أفراد قليلين، مما يجعل الحكم على الأمة العربية بأنها

стр. 120

أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب من السهولة بمكان، حتى لقد سماها القرآن عند مجيء الإسلام بذلك، فقال : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ ، وقد كان عدم انتشار الكتابة، وذيوعها بين العرب من أهم العوامل في تنمية ملكة الحفظ فيهم، فقد اعتمدوا على قوة الحافظة في جميع ما يهمهم من الأشعار، والأنساب، والمفاخر، والأيام. والملكة متى استعملت عظمت ونمت، ولذا كان العرب من أحفظ الأمم، التي عرفها التاريخ إلى يومنا هذا. الكتابة بمكة عند مجيء الإسلام: وأيا ما كان الأمر فقد جاء الإسلام، وليس بمكة ممن يعرف الكتابة، سوى سبعة عشر رجلا منهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح، وطلحة ويزيد بن أبي سفيان، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبو سفيان بن حرب وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وحاطب بن عمرو، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي. وبعض من نسائهم كن يكتبن أيضا، منهن الشفاء بنت عبد الله العدوية، وحفصة بنت عمر، زوج النبي ﷺ ، وأم كلثوم بنت عقبة، وكريمة بنت المقداد، وغيرهن. الكتابة بالمدينة عند قدوم النبي ﷺ إليها: أما في المدينة فكانت الكتابة بين الأوس والخزرج قليلة، وكان بعض اليهود قد علم كتابة العربية، وكان يعلمها الصبيان بالمدينة في الزمن الأول. فجاء الإسلام وفي الأوس، والخزرج عدة يكتبون، منهم سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت الذي كان يكتب العربية، والعبرانية ورافع بن مالك، وأسيد بن حضير. وغيرهم وقد عدهم البلاذري أحد عشر رجلا.

стр. 121

النبي يعمل على نشر الكتابة: هذا ولما جاء الإسلام أخذ بيد العرب إلى ترقية الكتابة، والنهوض بها والعمل على نشرها، وكان للكتابة منزلة عظيمة في حفظ الوحي، وتبليغ السالة إلى الملوك وأهل الآفاق. لذا كانت عناية النبي ﷺ بها شديدة، فقد انتهز أول فرصة لنشر الكتابة بين المسلمين، فجعل فداء بعض الأسرى في بدر ممن يعرفون الكتابة، أن يعلم الواحد منهم عشرة من صبيان المسلمين بالمدينة القراءة والكتابة، ولا يطلق إلا بعد أن يتم تعليمهم. كتابة القرآن والرسائل: وقد استعمل النبي ﷺ ، الكتابة في تدوين ما ينزل من القرآن، وفي إرسال الرسائل إلى الملوك، يدعوهم فيها إلى الإسلام، واتخذ لذلك كتابا من الصحابة. فأول من كتب له بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لكنه ارتد وهرب من المدينة إلى مكة، ثم عاد إلى الإسلام بعد الفتح، وأول من كتب له بالمدينة أبي بن كعب، وكان إذ غاب دعا النبي ﷺ ، زيد بن ثابت فكتب له، وكان زيد وأبي يكتبان الوحي، والرسائل أيضا، ثم لما فتحت مكة وأسلم معاوية بن أبي سفيان، كان يكتب للنبي الوحي، وغير هؤلاء كثير، كانوا يكتبون لرسول الله ﷺ ، كالخلفاء الراشدين، وأبان بن سعيد، وزيد بن أرقم، وحنظلة بن الربيع١. هذا وقد كتب القرآن كله بين يدي النبي ﷺ ، على الرقاع والأضلاع، والحجارة الرقاق؛ لأن الورق المعروف الآن، لم يكن قد وجد عند العرب في زمن النبي ﷺ ، وقد كان نزول

стр. 122

القرآن متفرقا على حسب الحوادث والأسئلة، فكانت الآية تنزل على النبي ﷺ ، فيأمر كاتب الوحي بكتابتها في موضع كذا من سورة كذا، وقد مكث الأمر على هذا الحال ثلاثة وعشرين عاما "على أحد الأقوال"، من يوم مبعث النبي ﷺ ، إلى أن توفاه الله. هل كتب الحديث في حياة النبي، ﷺ كما كتب القرآن؟: حكمة النهي عن كتابة الحديث: نزل القرآن كما قدمنا لك منجما آية آية وسورة سورة، واتخذ النبي ﷺ لكتابته أفرادا من الصحابة. والقرآن الكريم، وإن امتاز عن سائر كلامالبشر بجزالة المعنى، وفخامة اللفظ، وحسن السياق، وكما النظم، الأمر الذي أعجز البلغاء عن محاكاته، فخروا لبلاغته ساجدين، فإنه مع ذلك قد يلتبس الأمر على من ليسوا من فرسان البلاغة، إذ يشته عليهم الآية من القرآن بالحديث من كلام رسول الله ﷺ ، فدفعا لهذا الاشتباه، ومنعا للوقوع في خطر التغيير والتبديل، الذي وقع فيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى من قبل، منع رسول الله ﷺ من كتابة السنن، وتدوين الأحاديث، حتى يتسع المجال أمام القرآن، ويأخذ مكانه من الحفظ والكتابة معا، وحتى يثبت في صدور الحفاظ، وتألفه أسماعهم، وبذلك يزول خطر الالتباس. لذلك نهى النبي ﷺ عن كتابة الحديث. روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن، ومن

стр. 123

كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه". فتراه قد منعهم من كتابة الحديث، ووكله إلى حفظهم، وأجاز لهم روايته ونقله عنه، مع تحذيره لهم من الكذب عليه، وقد كان الصحابة كما تقدم لك على جانب عظيم في الحفظ، فلم يكن هناك خوف على السنن من الضياع. وشيء آخر جعل النبي ﷺ ، ينهاهم عن كتابة الحديث، هي المحافظة على تلك الملكة، التي امتازوا بها في الحفظ، فلو أنهم كتبوا لاتكلوا على المكتوب، وأهملوا الحفظ، فتضيع ملكاتهم بمرور الزمن. أضف إلى هذا أن الكتابة لم تكن منتشرة فيهم، ولم يكونوا أتقنوها حتى تحل محل الحفظ، وما كان من الكتابة عند أفراد قلائل، فقد انحصر عملهم في كتابة القرآن، والرسائل، ولو أنهم كلفوا مع ذلك كتابة السنن لوقع الناس في حرج عظيم، والتبس عليهم أمر السنة والكتاب. التوفيق بين أحاديث النهي عن الكتابة والإذن فيها: هذا وربما يقول قائل: أن النبي ﷺ ، كما نهى عن كتابة الحديث كذلك ورد عنه الإذن بالكتابة وإباحتها، فقد روى البخاري في كتاب العلم أن النبي ﷺ قال: "اكتبوا لأبي شاه"، يعني الخطة التي سمعها منه ﷺ ، يوم فتح مكة وقد سأله أبو شاه أن يكتبها له، وروي عن أبي هريرة أنه قال: ليس أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب. إلى غير ذلك من الآثار الدالة على إباحته ﷺ كتابة الحديث عنه، وهي بظاهرها تتعارض مع حديث أبي سعيد في النهي عن ذلك. والجواب عن هذا التعارض: أن النهي كان خاصا بوقت نزول

стр. 124

القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن بالكتاب كان في غير ذلك الوقت. أو أن النهي كان عن كتابة غير القرآن مع القرآن في صحيف واحدة، والإذن كان بكتاب ذلك متفرقا حتى يؤمن الالتباس. أو يقال: كان النهي عن الكتابة متقدما لخوف التباس القرآن بالحديث، أو لخوف الاتكال على الكتاب، وإهمال الحفظ، أو غير ذلك، وكان الإذن متأخرا ناسخا للنهي السابق، عند أمن اللبس، أو عدم الخوف من الاتكال على المكتوب. على أن بعض العلماء يرى أن حديث أبي سعيد هذا، موقوف عليه وليس من كلام النبي ﷺ قال ذلك البخاري وغيره. وعلى أي حال، فإن الحديث لم يكتب في زمن النبي ﷺ ، على النحو الذي كتب عليه القرآن، فلم يأمر النبي أحدا من كتاب الوحي بكتابة حديثه، وإن وجد من بعض الأفراد كتابة شيء فذلك قليل جدا، وقد كان جل اعتمادهم على الحفظ كما رأيت. ثم إننا لو لم نلتف إلى قول بعض العلماء في وقف حديث أبي سعيد، وقلنا برفعه إلى النبي ﷺ ، فإن الذي نميل إليه، ونستظهره هو أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، هو الإذن بكتابة الحديث، ودليلنا على ذلك: أولا: ما رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال: "لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه، قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاا لا تضلوا بعده ... الحديث "، فقد هم النبي ﷺ ، أن يكتب لأصحابه كتابا حتى لا يختلفوا من بعد، والنبي ﷺ لا يهم إلا بحق، فهذا منه ﷺ نسخ للنهي السابق في حديث أبي سعيد.

стр. 125

ثانيا: روى أحمد، والبيهقي في المدخل والعقيلي من طرق مختلفة أن أبا هريرة قال: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﷺ مني، إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب استأذن رسول الله ﷺ ، أن يكتب بيده ما سمع منه فأذن له. فاستئذان عبد الله بن عمرو من النبي في كتابة الحديث، يدل على أن الكتابة كانت منهيا عنها في أول الأمر، وقد أذن رسول الله ﷺ له بالكتابة لما استأذنه، ولا خصوصية لعبد الله بن عمرو على غيره. وعليه فيمكن أن يقال: أن رسول الله ﷺ ، لم يلتحق بالرفيق الأعلى، إلا وكتابة الحديث مأذون فيها١. كتابة الحديث بعد زمن النبي ﷺ : توفي رسول الله ﷺ ، ولم تدون السنة كما دون القرآن الكريم للحكمة، التي أشرنا إليها فيما سبق. فلما كان عهد الخلفاء الراشدين -وقد رأيت أمرهم بتقليل الرواية، مخافة أن يشغل الناس بالحديث، ويتركوا القرآن وأكثرهم لا يزال حديث عهد به، ولما يتم له جمعه في صدره- كذلك لم يريدوا أن يدونوا الحديث في الصحف، كراهة أن يتخذها الناس مصاحف، يضاهون بها صحف القرآن العزيز، فيشتبه على بعضهم القرآن بالأحاديث، وربما اشتغلوا بها عن تلاوته ودرسه. لهذا نرى عمر بن الخطاب ﵁، يجمع أصحاب رسول الله ﷺ ، ليستشيرهم في كتابة السنن، فيشيرون عليه بكتابتها، ثم يحجم عمر عن كتابتها، مخافة أن يتخذها الناس مصاحف كالقرآن، فيلتبس الأمر على عامتهم، ومن يأتي بعدهم فيقعوا فيما وقع فيه أهل

стр. 126

الكتاب حيث كتبوا الكتاب بأيديهم، وقالوا هذا من عند الله، وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم. وقد حدثنا القرآن عنهم فقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ . روى البيهقي في المدخل، عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب، أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، فأشاروا عليه أن يكتها فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: أني كنت أردت أن أكتب السنن وأني ذكرت قوما كانوا قبلكم، كتبوا كتبا فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله. وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا١. وقد كان هذا رأيا من عمر ﵁، يتناسب وحالة الناس في ذلك الوقت، فإن عهدهم بالقرآن ما يزال جديدا، لا سيما من يدخل الإسلام من أهل الآفاق، فلو أن السنن دونت ووزعت على الأمصار، وتناولها الناس بالحفظ، والدرس لزاحمت القرآن الكريم، وما أمن أن تلتبس به على كثير. فأراد عمر بثاقب فكره، أن يحبس الناس على القرآن الكريم، حتى يتمكن حفظه من نفوسهم، وترسخ صورته في قلوهم، وينتشر بين خاصهم وعامهم فلا تحوم حوله الشبهات، ولا تؤثر فيه الشكوك والأوهام، فأمر بتقليل الرواية أولا، وأحجم عن كتابة السنن ثانيا، سدا لذرائع الفساد وغلقا لباب الفتنة. وليس في هذا تضييع للأحاديث، فإنه ما زال الناس خير، وما زالت ملكاتهم قوية وحوافظهم قادرة على حفظ السنن. وقد تتابع الخلفاء على سنة عمر ﵁، فلم يشأ أحدهم أن يدون السنن، ولا أن يأمر

стр. 127

الناس بذلك حتى جاء عمر بن عبد العزيز، فأمر بجمع الحديث لدواع، اقتضت ذلك بعد حفظ الأمة لكتاب ربها، وأمنها عليه أن يشتبه بالسنن. أول من أمر بتدوين السنة من الخلفاء: كاد القرن الأول ينتهي، ولم يصدر أحد من الخلفاء أمره إلى العلماء، بجمع الحديث بل تركوه موكولا إلى حفظهم، وبعض كتابات لأفراد منهم يعملونها لأشخاصهم، أو لمن يطلبها منهم. ومرور مثل هذا الزمن الطويل، كفيل بتركيز القرآن في نفوسهم، فقد أصبح يتلوه القاصي والداني، ويعرفه الخاص والعام، لا يختلف فيه أحد، ولا يتشكك في شيء من آياته، ولأول وهلة يسمع المسلم حرفا من القرآن، يعلم لوقته أنه هو القرآن لا غيره، يحمل متانة ألفاظه، وجزالة أسلوبه وقوة إعجازه. ومرور هذا الزمن الطويل، كفيل بأن يذهب بكثير من حملة الحديث من الصحابة، والتابعين، ويهيئ لكثير من أهل الأهواء، كالخوارج والروافض أن يتزيدوا في الحديث ما شاءوا، وشاءت لهم أهواؤهم. ومرور مثل هذا الزمن، جعل العرب يختلطون بالأعاجم في البلدان المختلفة، فيحصل بينهم الازدواج والتناسل، فينشأ جيل جديد قليل الضبط ضعيف الحفظ. لذلك لما أن ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز في العام التاسع والتسعين من الهجرة نظر بثاقب رأيه إلى الحديث النبوي، فوجد من الواجب عليه كتابته، وتدوينه، فقد زال المانع وتوفرت الدواعي. فإزاء هذا كله أصدر عمر بن عبد العزيز، أمره إلى علماء الآفاق بجمع الحديث وتدوينه. روى البخاري في باب كيف يقبض العلم: "وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم، انظر ما كان من حديث رسول

стр. 128

الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ ، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك، حتى يكون سرا"، وأخرج أبو نعيم في تاريخ أصبهان: "أن عمر بن عبد العزيز، كتب إلى أهل الآفاق انظروا إلى حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه"، وروى مالك في الموطأ -رواية محمد بن الحسن- "أن عمر بن عبد العزيز، كتب إلى عامله، وقاضيه على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ ، فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء". من هذه الروايات ترى أن عمر بن عبد العزيز، كتب إلى أهل الآفاق بأن يكتبوا الحديث. لكن من ذا الذي كان له فضيلة السبق في تدوين السنن منهم المشهور على ألسن علماء الحديث وحفاظ الأثر، أن ابن شهاب الزهري، هو أول من جمع الحديث على رأس المائة الأولى للهجرة، بأمر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز. ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في باب كتابة العلم من فتح الباري ما نصه: "قال العلماء وكره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظا، كما أخذوه حفظا، لكن لما قصر الهمم، وخشي الأئمة ضياع العلم دونوه وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة، بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف وحصل بذلك خير كثير، والحمد لله". ا. هـ "ج١ ص٨١٥ الأميرية". هذا وكانت طريقتهم في التدوين تتبع وحدة الموضوع، فهم يجمعون في المؤلف الواحد الأحاديث التي تدور حول موضوع واحد كالصلاة مثلا يجمعون الأحاديث الواردة فيها في مؤلف واحد، وهكذا الصوم والزكاة والطلاق وهلم جرا. إلا أنه لم يبلغنا شيء من هذه الكتب الحديثية، والظاهر أن العلماء فيما بعد أدمجوها ضمن مصنفاتهم، لا سيما إذا كانت محفوظة لهم، كما هو الغالب من حالهم.

стр. 129

المبحث السادس: تراجم لبعض مشاهير الرواة من الصحابة، ﵃ رأينا أن تترجم لبعض مشاهير الروة من الصحابة، حتى يتبين لنا شيء من عنايتهم بالسنة النبوية، وحرصهم عليها تلقيا وأداء. ويحسن أن نقدم بين يدي ذلك كلمة موجزة عن معنى الصحابي، وبم تعرف الصحبة، وعن إجماع الأمة على عدالتهم، وتوثيقهم فنقول: من هو الصحابي؟: المحققون من أهل الحديث. كالبخاري، وأحمد بن حنبل على أن الصحابي من لقي النبي ﷺ ، وهو مميز مؤمنا به، ومات على الإسلام، طالت مجالسه له أو قصرت، روى عنه أو لم يرو، غزا معه أو لم يغز. قال البخاري في صحيحه: من صحب النبي ﷺ ، أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه. ا. هـ. وقال أبو المظفر السمعاني: أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحابي على كل من روى عنه ﷺ حديثا، أو كلمة ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة. وهذا لشرف منزلة النبي ﷺ ، أعطوا كل من رآه حكم الصحبة. وذكر أن اسم الصحابي من حيث اللغة، والظاهر يقع على من طالت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم

стр. 130

وكثرت مجالسته له على طريق التبع له، والأخذ عنه قال: وهذا طريق الأصوليين. ا. هـ. وقال ابن الصلاح في مقدمته: روينا عن شعبة، عن موسى السيلاني -وأثنى عليه خيرا- قال: أتيت أنس بن مالك فقلت: هل بقي من أصحاب رسول الله ﷺ أحد غيرك، قال: بقي ناس من الأعراب قد رأوه، فأما من صحبه فلا" إسناده جيد حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة. ا. هـ. وهذا القول قريب من قول الأصوليين. بم تعرف الصحبة؟ يعرف كون الراوي صحابيا: ١- بالتواتر كما في الخلفاء الأربعة. ٢- أو بالاستفاضة والشهرة القاصرة عن التواتر، كما في ضمام بن ثعلبة وعكاشة بن محصن. ٣- أو بأن يروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي، كما في حممة بن أبي حممة الدوسي، الذي مات بأصبهان مبطونا، فإن أبا موسى الأشعري شهد له أنه سمع النبي ﷺ . ٤- أو بقوله وإخباره عن نفسه بأنه صحابي بعد ثبوت عدالته، ومعاصرته للنبي ﷺ . ٥- وكذلك تعرف الصحبة بأخبار أحد التابعين، أن فلانا من الصحابة بناء على قبول التزكية من الواحد العدل، وهو الراجح. إجماع الأمة على عدالة الصحابة: للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، وذلك أمر مسلم به عند العلماء لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة، وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة. قال الله ﵎: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ

стр. 131

شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ . وفي نصوص السنة الشاهدة بذلك كثرة، منها حديث أبي سعيد المتفق على صحته، أن رسول الله صلى الله وسلم قال: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه" ومنها حديث عبد الله بن مغفل عند الترمذي، وابن حبان في صحيحه قال: قال رسول الله ﷺ : "الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه". وبعد تعديل الله تعالى ورسوله لهم، لا يحتاج أحد منهم إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يرد من الله تعالى ورسوله الكريم شيء في تعديلهم لأوجبت حالهم تعديلهم، لما كانوا عليه من الهجرة، والجهاد، ونصرة الإسلام، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأبناء في سبيل الله، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين. قال أبو زراعة الرازي: إذا رايت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى ذلك كله إلينا الصحابة. وهؤلاء الزنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، فالجرح بهم أولى"، قال ابن الصلاح: "ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع

стр. 132

إحسانا للظن بهم، ونظرا إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة". ا. هـ. عدد الصحابة: هذا وأصحاب رسول الله ﷺ كثيرون جدا، ولا يعرف عددهم على اليقين، ومن حدهم من العلماء فإنما أراد التقريب. روى البخاري في صحيحه أن كعب بن مالك، قال في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: "وأصحاب رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ"، وقيل لأبي زرعة: أليس يقال حديث رسول الله ﷺ أربعة آلاف حديث؟ قال: هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله ﷺ ؟ قبض رسول الله عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى عنه، وسمع منه فقيل له: هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه؟ قال: أهل المدينة، وأهل مكة ومن بينهما والأعراب ومن شهد معه حجة الوداع كل رآه وسمع منه بعرفة". ا. هـ. ومن هذا ترى أن الرواة من الصحابة، عن رسول الله ﷺ كثير جدا -لذلك نكتفي بذكر بعضهم ممن اشتهروا بالحديث، مقتصرين على الناحية الحديثية لكل راو مع إجمال الكلام على حياته العامة، فنقول: أبو هريرة: هو، عبد الرحمن بن صخر وكنيته أبو هريرة، أسلم وقدم على النبي ﷺ عام خيبر سنة سبع من الهجرة في المحرم. وهو أحفظ من روى الحديث في دهره بشهادة الإمام الشافعي ﵁ وغيره، مع قلة صحبته لرسول الله ﷺ ، والسر في ذلك أمور نذكرها لك:

стр. 133

أولا: مواظبته على حضور مجالس النبي ﷺ ، فقد روى الشيخان وغيرهما أن أبا هريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن النبي ﷺ ، إني كنت امرأ مسكينا صحب النبي صلى الله علهي وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق في الأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي ﷺ مجلسا فقال: من بسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه فلن ينسى شيئا سمعه مني، فبسطت بردة علي حتى قضى حديثه، ثم قبضتها إلي فوالذي نفسي بيده ما نسي منه شيئا بعد". ثانيا: رغبته الشديدة في تحصيل العلم، حتى نالته دعوة النبي ﷺ ، ألا ينسى شيئا من العلم، فبز أقرانه في كثرة الحديث، عن النبي ﷺ ، مع أنه لم يصحبه سوى ثلاث سنين. روى النسائي في باب العلم من سننه: "أن رجلا جاء إلى زيد بن ثابت، فسأله عن شيء فقال: عليك أبا هريرة، فإني بينما أنا جالس وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم ندعو الله ونذكره، إذ خرج علينا النبي ﷺ ، حتى جلس إلينا فسكتنا فقال: "عودوا للذي كنتم فيه" قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا. ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي، وأسالك علما لا ينسى، فقال رسول الله ﷺ : "آمين"، فقلنا يا رسول الله: ونحن نسأل الله تعالى علما لا ينسى فقال: "سبقكم بها الغلام الدوسي"، وروى البخاري في باب الحرص على الحديث من كتاب العلم، عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، قال رسول الله ﷺ : "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من

стр. 134

حرصك على الحديث -أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه". ثالثا: أدرك أبو هريرة كبار الصحابة، وأخذ عنهم الشيء الكثير من الأحاديث فتكامل علمه به واتسع أفقه فيه. رابعًا: طول حياته بعد وفاة النبي ﷺ ، فقد عاش بعده سبعة وأربعين عاما ينشر الحديث، ويبثه بين الناس بعيدا عن المناصب والمشاغل والفتن. من هذه الأمور مجتمعة، كان أبو هريرة أحفظ الصحابة للحديث، متفوقا عليهم في باب التحمل والرواية معا، وكان كل ما رواه أبو هريرة مجتمعا يثبت متفرقا، لدى جميع الصحابة أو كثير منهم، لهذا كانوا يرجعون إليه، ويعتمدون في الرواية عليه، حتى أن ابن عمر كان يترحم عليه في جنازته ويقول: "كان يحفظ على المسلمين حديث النبي ﷺ "، قال البخاري: "روى عن أبي هريرة نحو من ثمانمائة رجل من أهل العلم من الصحابة، والتابعين وغيرهم". ا. هـ. وجاء عنه من الحديث خمسة آلاف وثلثمائة وأربعة وسبعون حديثا "٥٣٧٤" اتفق الشيخان منها على ثلثمائة وخمسة وعشرين "٣٢٥"، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين "٩٣" ومسلم بمائة وتسعة وثمانين "١٨٩" توفي أبو هريرة بالمدينة سنة "٥٧" سبع وخمسين من الهجرة على المعتمد عن ثمانية وسبعين عاما ﵁. أبو سعيد الخدري: هو، سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي، استشهد أبوه يوم أحد، ولم يترك له مالا فتحمل أبو سعيد هموم العيش ومصاعب

стр. 135

الحياة صغيرا. لكن لم يمنعه ذلك عن حضور مجالس النبي ﷺ ، وتلقى الحديث عنه في رغبة وحرص فائقين، حتى تحمل عنه ما لم يتحمله من كان في مثل متاعبه المعيشية، فعد بحق من مشهوري الصحابة، وفضلائهم ومحدثيهم المكثرين ورواتهم النابهين. عاش أبو سعيد بعد رسول الله ﷺ أربعة وستين عاما، مكنته من تحمل الحديث عن كبار الصحابة ثم نشره، وأدائه إلى الناس، لذلك كثر المروي عنه حتى جاوز الألف. فقد نقل عنه أصحاب الحديث "١١٧٠" ألفا ومائة وسبعين حديثا اتفق الشيخان منها على "٤٦" ستة وأربعين وانفرد البخاري "١٦" بسنة عشر حديثا، ومسلم باثنين وخمسين حديثا "٥٢". روى الحديث عن أبي سعيد كثير من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة جابر وزيد بن ثاب، وابن عباس، وأنس وابن عمر وابن الزبير. ومن التابعين سعيد بن المسيب وأبو سلمة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعطاء بن يسار وغيرهم. وشهد مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة أولاها الخندق. وكان قوالا للحق، لا يرهب فيه أحدا مهما كان سلطانه، وعظيم شأنه. توفي أبو سعيد بالمدينة سنة أربع وسبعين عن بضع وثمانين سنة. نشر فيها كثيرا من الحديث، وكان محل تقدير الصحابة والتابعين، فرضي الله عنه. جابر بن عبد الله: هو، جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، السلمي، الصحابي

стр. 136

ابن الصحابي أحد المكثرين من رواية الحديث، عن رسول الله ﷺ . روى عن النبي ﷺ ، وعن كثير من أصحابه كأبي بكر، وعمر وعلي. وروى عنه أولاده عبد الرحمن وعقيل ومحمد. وكثير من التابعين كسعيد بن المسيب، وعمرو بن دينار والحسن البصري، وغيرهم. استشهد والده في غزوة أحد، وترك بنات صغارا ودينا كبيرا، مما جعل جابرا يذوق نصب الحياة وشظف العيش. إلا أن النبي صى الله عليه وسلم تلقاه بعطفه، وكرمه ورعاه بعنايته، حتى قضى دينه. على أن ما لقيه جابر من صعوبات الحياة، لم يكن مانعا له من تحصيل العلم، وتلقي الحديث عن النبي ﷺ ، فقد لازمه في كل غزواته بعد مقتل أبيه، وأتاح له صغر سنة وامتداد عمره، وشهوده عصر كبار الصحابة الإكثار من تحمل الحديث، وروايته حتى كان له حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه فيها العلم. عاش جابر بعد رسول الله ﷺ أربعة وستين عاما، قضاها في نشر الحديث حتى روى له "١٥٤٠" ألف وخمسمائة وأربعون حديثا. اتفق البخاري ومسلم منها على ستين حديثا. وانفرد البخاري بستة وعشرين حديثا، ومسلم بمائة وستة وعشرين حديثا. ومناقبه ﵁ كثيرة: منها ما رواه الشيخان عنه قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم اليوم خير أهل الأرض"، وكنا ألفا وأربعمائة. قال جابر: لو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. كف بصره في أواخر عمره، وتوفي سنة ثمان وسبعين من الهجرة على أحد الأقوال ﵁.

стр. 137

أنس بن مالك: هو، أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، الخزرجي النجاري، خادم رسول الله ﷺ ونزيل البصرة. جاءت به أم سليم إلى رسول الله ﷺ مقدمه المدينة، وقالت يا رسول الله: هذا غلام يخدمك، فقبله النبي ﷺ . فوجد أنس فيه أكبر العزاء عن والده، ونشأ في بيت النبوة، وشاهد ما لم يشاهده غيره، ووقف من أحوال النبي، وأفعاله على الشيء الكثير. وعاش بعد النبي ﷺ ثلاثة وثمانين عاما، فساعده ذلك على تلقي الكثير من الحديث عن رسول الله ﷺ ، وعن الكبار من أصحابه بعده. كما أمكنه طول حياته من نشر الحديث بين الناس. استقر بالبصرة بعد المدينة، وتصدر للرواية، وتخرج عليه كثير من أئمة الحديث من التابعين، أمثال الحسن وابن سيرين، وحميد الطويل، وثابت البناني وغيرهم. روى لأنس ألف ومائتان وستة وثمانون حديثا "١٢٨٦" اتفق الشيخان منها على ائة وثمانية وستين. وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين. ومسلم بأحد وسبعين. وروى البخاري في تاريخه عن قتادة قال: لما مات أنس قال مورق: ذهب اليوم نصف العلم قيل له كيف ذلك؟ قال كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث قلنا: تعال إلى من سمعه من النبي ﷺ . وكانت وفاة أنس خارج البصرة على نحو فرسخ ونصف، ودفن في موضع يعرف بقصر أنس، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه توفي سنة ثلاث وتسعين من الهجرة.

стр. 138

عائشة أم المؤمنين: هي، عائشة بنت أبي بكر الصديق، إحدى أمهات المؤمنين، وزوج النبي ﷺ ، ولدت بعد بعثة النبي بسنتين على أحد الأقوال. ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ تزوجها، وهي بنت ست سنين وبنى بها، وهي بنت تسع سنين في شوال من السنة الأولى للهجرة. وقيل من السنة الثانية بعد منصرفه من بدر. هيأ لها زواجها من رسول الله ﷺ ، واختلاطها به مع ذكائها النادر وفطنتها العظيمة، وفكرها الثاقب ورغبتها الشديدة في معرفة أحكام الدين أن تحملت كثيرا من الحديث، وعلوم القرآن حتى ضربت في كل علم بسهم وافر، وأصبحت المرجع في الحكم عند الاختلاف. فلا غرابة أن تلقى عنها كبار الصحابة، وتحمل عنها الحديث عمر بن الخطاب على كثرة ملازمته لرسول الله ﷺ . أضف إلى ذلك أنها بقيت بعد وفاته ﷺ تسعة وثلاثين عاما، يغترف الناس من بحرها الزاخر، وعلمها الفياض. فلا جرم إن كانت عائشة معدودة من المكثرين لرواية الحديث عن رسول الله ﷺ . روى لا ألفان ومائتان وعشرة أحاديث "٢٢١٠"، اتفق الشيخان من ذلك على مائة وأربعة وسبعين حديثا. وانفرد البخاري بأربعة وخمسين ومسلم بثمانية وستين. قال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض. توفيت ﵂ سنة سبع وخمسين من الهجرة.

стр. 139

عبد الله بن عباس: هو، عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ وابن أخت زوجه ميمونة بنتالحارث الهلالية أم المؤمنين. ولد قبل الهجرة بثلاث سنين على الأصح، وقبض رسول الله ﷺ ، وهو ابن ثلاث عشرة سنة على أحد الأقوال. في الصحيح أن النبي ﷺ ضمه إليه، وقال: "اللهم علمه الحكمة". كان لابن عباس بحكم قرابته من النبي ﷺ ، وصغر سنه اختلاط كثير مكنه من كثرة الرواية عنه. أضف إلى هذا ميله الطبيعي إلى تحصيل الحديث، وشغفه العظيم به مما وجه نظر النبي ﷺ إليه فسر به ودعا له. وقد ظهر لكل هذه العوامل آثارها في شخص هذا الصحابي الجليل، حتى أصبح ترجمان القرآن، وحبر الأمة وعد من المكثرين لرواية الحديث. عاش ابن عباس بعد وفاة النبي ﷺ ثمانية وخمسين عاما هيأت له أسباب الأخذ، والتحمل عن كبار الصحابة وصغارهم، روى الدارمي في مسنده عن عبد الله بن عباس أنه قال: "لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب النبي ﷺ فإنهم اليوم كثير. قال: واعجبا لك، أترى الناس يفتقرون إليك قال: فتركت ذلك الرجل، وأقبلت أسال فإن كان ليبلغني الحديث عن رجل، فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح علي من التراب فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله ﷺ ، ما جاء بك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك فقال: لا، أنا أحق

стр. 140

أن آتيك فأسألك عن الحديث فعاش ذلك الرجل الأنصاري، حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني. فقال: هذا الفتى كان أعقل مني". من هذا الأثر يمكنك أن تستخلص مقدار عقله، وحرصه على جميع الحديث، وتفانيه فيه، كما يؤخذ منه مبلغ ما وصل إليه ابن عباس من الإمامة في الحديث، والعمل على نشره، حتى كان الناس يجتمعون إليه، ويستمعون لحديثه، وهذا عمرو بن الخطاب على مهارته وحذقه، واجتهاده لله وللمسلمين، كان إذا جاءته قضية معضلة قال لابن عباس: إنها قد طرأت علينا أقضية وعضل، فأنت لها ولأمثالها ويأخذ بقوله. فاق ابن عباس غيره في العلم، والفقه، والحديث والتأويل والحساب، والفرائض والعربية حتى لقد كان يجلس يوما لا يذكر فيه إلا الفقه، ويوما التأويل، ويوما المغازي، ويوما أيام العرب. قالوا: وما جلس إليه عالم قط إلا خضع له ولا سأله إلا وجد عنده علما. حتى قال طاوس: وقد قيل له: لزم هذا الغلام، وتركت الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ : "إني رأيت سبعين رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ ، إذا تدارءوا في أمر صاروا إلى قول ابن عباس". وقصارى القول أن ابن عباس كان أمة وحده في العلم والحديث، روى له ألف وستمائة وستون حديثا، اتفق الشيخان على رواية خمسة وتسعين منها وانفرد البخاري بمائة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين. استعمله علي ﵁ على البصرة، فبقي أميرا عليها، ثم فارقها قبل مقتل علي، وعاد إلى الحجاز فقضى أخريات أيامه يعلم الناس بمكة، وتوفي بالطائف سنة ثمانية وستين من الهجرة، فرضي الله عنه.

стр. 141

عبد الله بن عمر بن الخطاب: أسلم عبد الله قديما، وهو صغير وهاجر مع أبيه وقيل قبله. وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ . ومن بعده شهد اليرموك وفتح مصر، وأفريقية وكان شديد الاتباع لرسول الله ﷺ . روى عن النبي ﷺ ، وعن أبيه وعمه زيد وأخته حفصة أم المؤمنين، وأبي بكر وعثمان وعلي وبلال وزيد بن ثابت، وصهيب وابن مسعود وعائشة، ورافع بن خديج وغيرهم. وروى عنه خلق كثير فمن الصحابة ابن عباس، وجابر والأغر المزني وغيرهم. ومن التابعين أولاده الأربعة بلال وحمزة، وسالم وعبد الله ومولاه نافع وأسلم "مولى عمر"، وزيد وخالد ابنا أسلم، وعروة بن الزبير وغيرهم. قال الزبير بن بكار: إن كان ابن عمر ليحفظ ما سمع من رسول الله ﷺ ، ويسأل من حضر -إذا غاب- عن قوله وفعله. وروى البيهقي في المدخل عن الزهري أنه قال: لا يعدل برأي ابن عمر، فإنه أقام بعد رسول الله ﷺ ستين سنة، فلم يخف عليه شيء من أمره ولا من أمر أصحابه. وعن مالك أنه قال: "أقام ابن عمر بعد وفاة رسول الله ﷺ ستين سنة تقدم عليه وفود الناس". وقد جنبه أبوه الخلافة، وجعل رأيه في أصحاب الشورى استشاريا فقط لذلك كان ابن عمر على الحياد، فلم يدخل في شيء من الفتن، والحروب التي وقعت بين الصحابة، بل توفر على العلم والعبادة.

стр. 142

وقد كان عبد الله معدودا من المكثرين لرواية الحديث، وساعده على ذلك أمور: ١- تقدم إسلامه، وانفساح عمره، وشدة ملازمته لمجالس النبي ﷺ ، وكثرة اتباعه لآثاره، وسؤاله إذا غاب عن قوله وفعله، مما يدل على شغفه بالعلم وتحصيل الحديث. ٢- اتصاله بالنبي ﷺ بطريق المظاهرة، فقد كانت أخته حفصة، زوجة النبي ﷺ ، فسهل عليه مخالطته في أغلب الأوقات. ٣- زهده في الدنيا والإمارة، ومجانبته للحروب التي شبت بين الصحابة مما أعانه على التفرغ للحديث تحملا وأداء. لهذا كله كان عبد الله من المكثرين، فقد روى له ألف وستمائة وثلاثون حديثا، اتفق الشيخان من ذلك على مائة وسبعين وانفرد البخاري بواحد وثمانين ومسلم بواحد وثلاثين. والباقي رواه غيرهما. كانت وفاته ﵁ سنة ٧٣هـ بعد مقتل عبد الله بن الزبير بثلاثة أشهر، وعمره سبع وثمانون عاما على المعتمد. عبد الله بن عمرو بن العاص: هو، أبو محمد عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي، السهمي. أسلم قبل أبيه وكان مجتهدا في العبادة مكثرا لتلاوة القرآن، كما كان أكثر الناس أخذا للحديث والعلم عن رسول الله ﷺ . روى البخاري في كتاب العلم أن أبا هريرة قال: "ما كان أحد أكثر حديثا عن رسول الله ﷺ مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب"، وجاء عنه أنه كان يكتب كل ما يسمعه من النبي

стр. 143

صلى الله عليه وسلم، فنهته الصحابة عن ذلك وقالوا له: إن النبي ﷺ يتكلم في الغضب والرضا، فلا تكتب كل ما تسمع فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال له: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منهما إلا حق"، يعني شفتيه الكريمتين، وجاء عن عائشة ﵂ أنها قالت لعروة بن الزبير: "يا ابن أختي، بلغني أن عبد الله بن عمرو سار بنا إلى الحج فالقه فاسأله فإنه قد حمل عن النبي ﷺ علمًا كثيرا"، وروى ابن سعد عن مجاهد أنه قال: "رأيت عند عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفة، فسألت عنها فقال: هذه الصادقة، فيها ما سمعت من رسول الله ﷺ ، ليس بيني وبينه فيها أحد". وروى ابن سعد أيضا، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: "استأذنت النبي ﷺ في كتاب ما سمعت منه، فأذن لي فكتبته فكان عبد الله يسمى صحيفته تلك الصادقة". ا. هـ. من هذا ترى أن عبد الله بن عمرو، قد توفر لديه من أسباب التحمل للحديث والإكثار منه ما لم يتوفر لغيره، فقد تقدم إسلامه وحفظ الحديث يصدره ووعاه بقلبه، ودونه بقلمه في الصحف حتى نقل عنه أنه قال: "حفظت عن النبي ﷺ ألف مثل". لماذا كانت مروياته أقل من مرويات أبي هريرة: وقد يقال: أن أبا هريرة لم يكن يكتب الحديث مثل عبد الله بن عمرو، ومع ذلك ما روي عنه أضعاف ما روي عن عبد الله كيف يتفق هذا مع ما رواه البخاري عن أبي هريرة. والجواب أن السبب في كثرة ما روي عن أبي هريرة، وقلة ما روي عن عبد الله بن عمرو مع أنه تحمل أكثر منه أمور منها:

стр. 144

أولا: أن عبد الله كان مشتغلا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلت الرواية عنه بخلاف أبي هريرة، فقد كان متصدرا للتحديث. ثانيا: أن عبد الله كان أكثر مقامه بعد الفتوح بمصر، أو بالطائف ولم تكن الرحلة إليهما من طلاب الحديث كالرحلة إلى المدينة. وكان أبو هريرة مقيما بالمدينة متصديا للفتوى، والتحديث إلى أن مات. ويظهر هذا في كثرة من أخذ الحديث عن أبي هريرة، فقد بلغ عددهم ثمانمائة نفس من التابعين، ولم يقع هذا لغيره من الصحابة على ما سبق لك. ثالثا: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي ﷺ ، بألا ينسى ما يحدثه به كما سبق ذلك في ترجمته. رابعا: إن عبد الله بن عمرو كان قد وقع له بالشام كتب من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحفظ منها جملا، ويحدث بها فتجنب التحمل عنه لذلك كثير من أئمة التابعين. لهذه الأسباب نجد أن ما روي عنه من الحديث، لا يتناسب مع غزارة علمه وكثرة ما حفظه وكتبه عن رسول الله ﷺ ، فلم يصلنا عنه سوى سبعمائة حديث اتفق الشيخان منها على سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين. روى عن عبد الله بن عمرو خلائق كثيرون من التابعين، منهم سعيد بن المسيب، وعروة وأبو سلمة، وحميد ابنا عد الرحمن، ومسروق وغيرهم وتوفي بمصر على أحد الأقوال سنة ٦٣ من الهجرة عن اثنين وسبعين عاما عاش منها بعد الرسول ﷺ ثلاثة وخمسين عاما. عبد الله بن مسعود: هو، أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود، ينتهي نسبه إلى هذيل بن

стр. 145

مدركة بن إلياس واسم أمه أم عبد بنت عبدود بن سواء بن هذيل أيضا أسلمت وهاجرت. أسلم عبد الله قديما حين أسلم سعيد بن زيد، قبل إسلام عمر بن الخطاب بزمان. جاء عنه أنه قال: "لقد رأيتني سادس ستة ما على الأرض مسلم غيرنا"، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا، والخندق وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد. وهو الذي أجهز على أبي جهل يوم بدر كما شهد اليرموك. وهو صاحب نعل رسول الله ﷺ ، كان يلبسه إياها إذا قام، فإذا خلعها وجلس جعلها ابن مسعود في ذراعه. وكان كثير الدخول على رسول الله ﷺ والخدمة له. ففي الصحيحين أن أبا موسى الأشعري قال: "قدمت أنا وأخي من اليمن، فكمثنا حينا لا نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ﷺ لما نرى من كثرة دخوله، ودخول أمه على رسول الله ﷺ ولزومه له". ولتقدم إسلامه، وملازمته للنبي ﷺ ، وشغفه بالأخذ عنه عد من كبار الصحابة، وفضلائهم وفقهائهم، والمقدمين في القرآن والحديث والفتوى، حتى شهد له رسول الله ﷺ بالنبوغ في القرآن وعلومه، فقال فيما رواه الشيخان: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ، وأبي بن كعب"، ونطق هو ﵁ متحدثا بنعمة العلم، فقال كما جاء في صحيح مسلم: "والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا، وأنا أعلم حيث أنزلت وما من آية إلا وأنا أعلم فيم نزلت، ولو علمت أن أحدا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه".
следующие страницы →