← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8656

الحديث والمحدثون

محمد محمد أبو زهو

Полный текст (513 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عبد الله بن عمر بن الخطاب: أسلم عبد الله قديما، وهو صغير وهاجر مع أبيه وقيل قبله. وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ . ومن بعده شهد اليرموك وفتح مصر، وأفريقية وكان شديد الاتباع لرسول الله ﷺ . روى عن النبي ﷺ ، وعن أبيه وعمه زيد وأخته حفصة أم المؤمنين، وأبي بكر وعثمان وعلي وبلال وزيد بن ثابت، وصهيب وابن مسعود وعائشة، ورافع بن خديج وغيرهم. وروى عنه خلق كثير فمن الصحابة ابن عباس، وجابر والأغر المزني وغيرهم. ومن التابعين أولاده الأربعة بلال وحمزة، وسالم وعبد الله ومولاه نافع وأسلم "مولى عمر"، وزيد وخالد ابنا أسلم، وعروة بن الزبير وغيرهم. قال الزبير بن بكار: إن كان ابن عمر ليحفظ ما سمع من رسول الله ﷺ ، ويسأل من حضر -إذا غاب- عن قوله وفعله. وروى البيهقي في المدخل عن الزهري أنه قال: لا يعدل برأي ابن عمر، فإنه أقام بعد رسول الله ﷺ ستين سنة، فلم يخف عليه شيء من أمره ولا من أمر أصحابه. وعن مالك أنه قال: "أقام ابن عمر بعد وفاة رسول الله ﷺ ستين سنة تقدم عليه وفود الناس". وقد جنبه أبوه الخلافة، وجعل رأيه في أصحاب الشورى استشاريا فقط لذلك كان ابن عمر على الحياد، فلم يدخل في شيء من الفتن، والحروب التي وقعت بين الصحابة، بل توفر على العلم والعبادة.

стр. 142

وقد كان عبد الله معدودا من المكثرين لرواية الحديث، وساعده على ذلك أمور: ١- تقدم إسلامه، وانفساح عمره، وشدة ملازمته لمجالس النبي ﷺ ، وكثرة اتباعه لآثاره، وسؤاله إذا غاب عن قوله وفعله، مما يدل على شغفه بالعلم وتحصيل الحديث. ٢- اتصاله بالنبي ﷺ بطريق المظاهرة، فقد كانت أخته حفصة، زوجة النبي ﷺ ، فسهل عليه مخالطته في أغلب الأوقات. ٣- زهده في الدنيا والإمارة، ومجانبته للحروب التي شبت بين الصحابة مما أعانه على التفرغ للحديث تحملا وأداء. لهذا كله كان عبد الله من المكثرين، فقد روى له ألف وستمائة وثلاثون حديثا، اتفق الشيخان من ذلك على مائة وسبعين وانفرد البخاري بواحد وثمانين ومسلم بواحد وثلاثين. والباقي رواه غيرهما. كانت وفاته ﵁ سنة ٧٣هـ بعد مقتل عبد الله بن الزبير بثلاثة أشهر، وعمره سبع وثمانون عاما على المعتمد. عبد الله بن عمرو بن العاص: هو، أبو محمد عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي، السهمي. أسلم قبل أبيه وكان مجتهدا في العبادة مكثرا لتلاوة القرآن، كما كان أكثر الناس أخذا للحديث والعلم عن رسول الله ﷺ . روى البخاري في كتاب العلم أن أبا هريرة قال: "ما كان أحد أكثر حديثا عن رسول الله ﷺ مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب"، وجاء عنه أنه كان يكتب كل ما يسمعه من النبي

стр. 143

صلى الله عليه وسلم، فنهته الصحابة عن ذلك وقالوا له: إن النبي ﷺ يتكلم في الغضب والرضا، فلا تكتب كل ما تسمع فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال له: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منهما إلا حق"، يعني شفتيه الكريمتين، وجاء عن عائشة ﵂ أنها قالت لعروة بن الزبير: "يا ابن أختي، بلغني أن عبد الله بن عمرو سار بنا إلى الحج فالقه فاسأله فإنه قد حمل عن النبي ﷺ علمًا كثيرا"، وروى ابن سعد عن مجاهد أنه قال: "رأيت عند عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفة، فسألت عنها فقال: هذه الصادقة، فيها ما سمعت من رسول الله ﷺ ، ليس بيني وبينه فيها أحد". وروى ابن سعد أيضا، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: "استأذنت النبي ﷺ في كتاب ما سمعت منه، فأذن لي فكتبته فكان عبد الله يسمى صحيفته تلك الصادقة". ا. هـ. من هذا ترى أن عبد الله بن عمرو، قد توفر لديه من أسباب التحمل للحديث والإكثار منه ما لم يتوفر لغيره، فقد تقدم إسلامه وحفظ الحديث يصدره ووعاه بقلبه، ودونه بقلمه في الصحف حتى نقل عنه أنه قال: "حفظت عن النبي ﷺ ألف مثل". لماذا كانت مروياته أقل من مرويات أبي هريرة: وقد يقال: أن أبا هريرة لم يكن يكتب الحديث مثل عبد الله بن عمرو، ومع ذلك ما روي عنه أضعاف ما روي عن عبد الله كيف يتفق هذا مع ما رواه البخاري عن أبي هريرة. والجواب أن السبب في كثرة ما روي عن أبي هريرة، وقلة ما روي عن عبد الله بن عمرو مع أنه تحمل أكثر منه أمور منها:

стр. 144

أولا: أن عبد الله كان مشتغلا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلت الرواية عنه بخلاف أبي هريرة، فقد كان متصدرا للتحديث. ثانيا: أن عبد الله كان أكثر مقامه بعد الفتوح بمصر، أو بالطائف ولم تكن الرحلة إليهما من طلاب الحديث كالرحلة إلى المدينة. وكان أبو هريرة مقيما بالمدينة متصديا للفتوى، والتحديث إلى أن مات. ويظهر هذا في كثرة من أخذ الحديث عن أبي هريرة، فقد بلغ عددهم ثمانمائة نفس من التابعين، ولم يقع هذا لغيره من الصحابة على ما سبق لك. ثالثا: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي ﷺ ، بألا ينسى ما يحدثه به كما سبق ذلك في ترجمته. رابعا: إن عبد الله بن عمرو كان قد وقع له بالشام كتب من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحفظ منها جملا، ويحدث بها فتجنب التحمل عنه لذلك كثير من أئمة التابعين. لهذه الأسباب نجد أن ما روي عنه من الحديث، لا يتناسب مع غزارة علمه وكثرة ما حفظه وكتبه عن رسول الله ﷺ ، فلم يصلنا عنه سوى سبعمائة حديث اتفق الشيخان منها على سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين. روى عن عبد الله بن عمرو خلائق كثيرون من التابعين، منهم سعيد بن المسيب، وعروة وأبو سلمة، وحميد ابنا عد الرحمن، ومسروق وغيرهم وتوفي بمصر على أحد الأقوال سنة ٦٣ من الهجرة عن اثنين وسبعين عاما عاش منها بعد الرسول ﷺ ثلاثة وخمسين عاما. عبد الله بن مسعود: هو، أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود، ينتهي نسبه إلى هذيل بن

стр. 145

مدركة بن إلياس واسم أمه أم عبد بنت عبدود بن سواء بن هذيل أيضا أسلمت وهاجرت. أسلم عبد الله قديما حين أسلم سعيد بن زيد، قبل إسلام عمر بن الخطاب بزمان. جاء عنه أنه قال: "لقد رأيتني سادس ستة ما على الأرض مسلم غيرنا"، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا، والخندق وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد. وهو الذي أجهز على أبي جهل يوم بدر كما شهد اليرموك. وهو صاحب نعل رسول الله ﷺ ، كان يلبسه إياها إذا قام، فإذا خلعها وجلس جعلها ابن مسعود في ذراعه. وكان كثير الدخول على رسول الله ﷺ والخدمة له. ففي الصحيحين أن أبا موسى الأشعري قال: "قدمت أنا وأخي من اليمن، فكمثنا حينا لا نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ﷺ لما نرى من كثرة دخوله، ودخول أمه على رسول الله ﷺ ولزومه له". ولتقدم إسلامه، وملازمته للنبي ﷺ ، وشغفه بالأخذ عنه عد من كبار الصحابة، وفضلائهم وفقهائهم، والمقدمين في القرآن والحديث والفتوى، حتى شهد له رسول الله ﷺ بالنبوغ في القرآن وعلومه، فقال فيما رواه الشيخان: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ، وأبي بن كعب"، ونطق هو ﵁ متحدثا بنعمة العلم، فقال كما جاء في صحيح مسلم: "والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا، وأنا أعلم حيث أنزلت وما من آية إلا وأنا أعلم فيم نزلت، ولو علمت أن أحدا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه".

стр. 146

وقد عرف كبار الصحابة له أيضا منزلته في العلم، ورسوخه فيه فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يكتب إلى أهل الكوفة: "بعثت إليكم عمارا أميرا، وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن أهل بدر، فاقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي"، وناهيك بهذه الشهادة من مثل عمر بن الخطاب لا سيما قوله: "وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي"، وعمر هو عمر الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه، والذي كان يرى الرأي فينزل به القرآن، وإنما يعرف الفضل من الناس ذووه. وهذا أبو الدرداء يقول حين توفي ابن مسعود: "ما ترك بعده مثله". روى الحديث عن ابن مسعود خلق كثير: فمن الصحابة أبو موسى الأشعري، وعمران بن حصين، وابن عباس وابن عمر، وجابر وأنس وابن الزبير، وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة، وأبو رافع إلى غير هؤلاء من الأعلام. ومن التابعين علقمة وأبو وائل والأسود، ومسروق وعبيدة وقيس بن أبي حازم، وغيرهم من كبار التابعين. مروياته: روى لابن مسعود عن النبي ﷺ ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثا، اتفق الشيخان منها على أربعة وستين حديثا، وانفرد البخاري بأحد وعشرين حديثا، ومسلم بخمسة وثلاثين حديثا. كنا ننتظر أن يبلغنا عن ابن مسعود أضعاف ما بلغنا عنه من الحديث، لما رأيت من تقدم إسلامه، وشدة ملازمته لرسول الله ﷺ ، الأمر الذي مكنه من تحمل كثير عنه، فقد شاهد عصر النبوة جميعه، مع ملازمته للنبي ﷺ ، وشدة حرصه على الحديث

стр. 147

وقوة حفظ وزهد في الدنيا، وتفرغ لتحصيل العلم، ولكنه لم تطل به الحياة بعد رسول الله ﷺ ، فلم يتسع له زمن الأداء كما اتسع لأبي هريرة وغيره ممن ذكرنا. توفي ابن مسعود بالكوفة، وقيل بالمدينة سنة ٣٢هـ عن بضع وستين سنة. تفاوت الصحابة في رواية الحديث: كان الصحابة ﵃ معنيين بحفظ الحديث، وكانوا يختلفون في ذلك قلة وكثرة، ولذلك أسباب خاصة تعرف من ترجمة كل صحابي على حدة وأسباب عامة نجملها لك فيما يلي: أولا: الاشتغال بالخلافة والحروب عاق كثيرا من الصحابة عن تحمل الحديث وروايته كما في الخلفاء الأربعة وطلحة والزبير، وعلى العكس من ذلك مكن التفرغ من هذه الشواغل لكثير من الصحابة في كثرة التحمل والأداء، كما في أبي هريرة وعائشة وابن عمر وغيرهم. ثانيا: طول الصحبة للنبي ﷺ ، وكثرة ملازمته سفرا وحضرا وانفساح الأجل بعد وفاته، كان مدعاة للإكثار من تحمل الحديث، وروايته كما في ابن مسعود وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله وأنس وابن عمر وغيرهم، ولهذا قلت أو عدمت رواية من مات في عهد النبوة أو بعدها بقليل، كما قلت رواية من لم تطل صحبته أولم تكثر ملازمته للنبي ﷺ . ثالثا: تجدد الحوادث، واحتياج الناس إلى بيان أحكامها، كان سببا في كثرة الأداء والرواية، والحرص على طلب الحديث، حتى تعرف الأحكام الشريعة في مثل هذه الحوادث، التي لم يكن لهم عهد بمثلها فلهذا

стр. 148

بادر الصحابة إلى إظهار ما عندهم من السنن، وتلقاها عنهم الناس بقبول ولهفة. رابعا: وقوع الفتنة وظهور الكذب في الحديث من بعض الفرق كالشيعة والخوارج، الذين وضعوا كثيرا من الحديث كان داعيا إلى قلة الأحاديث، التي تروى وإلى التشدد فيمن يؤخذ عنه الحديث من الرواة. ومن هنا قلت مرويات علي ﵁، مما جعل أصحاب الحديث يستمدون أحاديثه من أصحاب ابن مسعود، كعبيدة السلماني، وشريح وأبي وائل ونحوهم، أو من أهل بيته الأثبات، ويرفضون ما وراء ذلك. خامسا: كثرة الأتباع وقلتهم ونشاطهم، وخملوهم كان له أكبر الأثر في كثرة الرواية، وقلتها عن الصحابة ﵃. فعثمان بن عفان لم يصلنا معظم أحاديثه لقلة الآخذين عنه بسبب اشتغاله بالخلافة، والحروب وجمع القرآن الكريم إلى غير ذلك. سادسا: قوة الحفظة وتقييد الحديث بالكتابة، كانا عاملين من عوامل الإكثار من الرواية. كما في أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومن على شاكلتهما. سابعا: التفرغ للعبادة والتحرج من رواية الحديث على غير اللفظ المسموع من رسول الله ﷺ ، جعل كثيرا من الصحابة يحجمون عن رواية الأحاديث، أو يقلون منها مع اعتمادهم في تبليغ الحديث على كثرة أصحاب رسول الله ﷺ ، الذين نصبوا أنفسهم لمهمة الرواية والأداء. ثامنا: أن يكون الطريق إلى الصحابي ضعيفا، فيترك أصحاب الصحيح تخريج حديثه كما في أبي عبيدة بن الجراح، أمين هذه الأمة لم يصح إليه الحديث من جهة الناقلين، فلم يخرج له في الصحيحين١.

стр. 149

أكثر الصحابة حديثا: هذه خلاصة العوامل التي أدت إلى كثرة الحديث عن بعض الصحابة، وقلته عن البعض الآخر لذا كان منهم المكثر، ومنهم المقل فأكثرهم حديثا أبو هريرة ثم عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثم أنس بن مالك ثم ابن عباس، ثم جابر بن عبد الله، ثم أبو سعيد الخدري ثم عائشة أم المؤمنين. وليس في الصحابة من يزيد حديثه على ألف غير هؤلاء. قال الإمام محمد بن سعد في الطبقات: "قال محمد بن عمر الأسلمي: إنما قلت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنهم ماتوا قبل أن يحتاج إليهم، وإنما كثر عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب؛ لأنهما وليا فسلاه قضيا بين الناس، وكل أصحاب رسول الله ﷺ ، كانوا أئمة يقتدى بهم، ويحفظ عنهم ما كانوا يفعلون ويستفتون فيفتون، وسمعوا أحاديث فأدوها، فكان الأكابر من أصحاب رسول الله صلىالله عليه وسلم أقل حديثا عنه من غيرهم مثل أبي بكر، وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي بن كعب وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصامت وأسيد بن حضير ومعاذ بن جبل ونظرائهم، فلم يأت عنهم من كثرة الحديث مثل ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله ﷺ ، مثل جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس، ورافع بن خديج وأنس، والبراء بن عازب ونظرائهم؛ لأنهم بقوا وطالت أعمارهم في الناس، فاحتاج الناس إليهم، فمضى كثير من أصحاب رسول الله ﷺ قبله، وبعده بعلمه لميؤثر عنه شيء، ولم يحتج إليه لكثرة أصحاب

стр. 150

رسول الله ﷺ ، ومنهم من لم يحدث عن رسول الله ﷺ شيئان، ولعله أكثر له صحبة ومجالسة، وسماعا من الذي حدث عنه ولكنا حملنا الأمر في ذلك منهم على التوقي في الحديث، وعلى أنه لم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله ﷺ ، وعلى الاشتغال بالعبادة، والأسفار في الجهاد في سبيل الله حتى مضوا، فلم يحفظ عنهم عن النبي ﷺ شيء". ا. هـ. الرد على شبه وردت على عدالة الصحابة، وضبطهم لرواية الحديث: ١- ربما يقول قائل: كيف يعتمد في نقل السنة المشرفة على الصحابة من غير أن نضعهم في ميزان التعديل، والتجريح وهل صنيع أبي بكر وعمر وعلي في اشتراطهم الشهادة، أو اليمين على سماع الصحبة للحديث من رسول الله ﷺ ، إلا إقرار لهذا المبدأ وهو البحث عن أحوالهم كسائر الرواة. والجواب: إننا لم نبلغ بهم درجة النبوة، ولكننا أثبتنا لهم حالة من الاستقامة في الدين تمنعهم من تعمد الكذب على رسول الله ﷺ . وهذه الحالة دل عليها القرآن الكريم، والسنة الصحيحة وإجماع من يعتد به من المسلمين قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ الآية. فهذه الآية تدل على أن الله تعالى رضي عن أصحاب رسول الله ﷺ السابقين منهم إلى الإسلام، واللاحقين وهو سبحانه لا يرضى عن الكاذب، وقد قدمنا لك الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، بمدحهم والثناء عليهم.

стр. 151

أما من لابس الفتن منهم كطلحة والزبير، ومعاوية وعلي ﵃، فكانوا في ذلك مجتهدين يرى كل منهم أن الحق في جانبه، وعليه أن يدافع عنه وقد تقرر في الشريعة أن المجتهد مأجور على كل حال، أخطأ أم أصاب إلا أنه إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وقد أخبر الله تعالى بأنه رضي عن الذين بايعوا نبيه ﷺ تحت الشجرة، فقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ، وكان من هؤلاء المبايعين الذي رضي عنهم الله سبحانه من دخل الفتن كطلحة، والزبير ﵄، فثبت بهذا أن الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم. وأما ما وقع من الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر، وعلي ﵃، فإنما كان من قبيل التثبت عند قيام عارض الشك في ضبط الراوي لا في صدقه وعدالته. يدل على ذلك قول بعضهم للراوي "أما إني لم أتهمك، ولكني أحببت أن أتثبت"، ولئلا يتساهل الناس في باب الرواية على ما قدمنا. هذا وقد اعتاد فريق من كتاب هذا العصر، أن يطلقوا ألسنتهم في أصحاب رسول الله ﷺ كمعاوية، وعمرو بن العاص وأبي هريرة ﵃، وهذا إثم كبير باتفاق علماء المسلمين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من لعن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنهم كمعاوية وعمرو بن العاص، أو من هو أفضل من هؤلاء كأبي موسى الأشعري وأبي هريرة أو من هو أفضل من هؤلاء كطلحة والزبير وعثمان، وعلي وأبي بكر وعمر وعائشة، فإنه يستحق العقوبة البليغة باتفاق المسلمين، وتنازعوا هل يعاقب بالقتل أو ما دون القتل، وقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي

стр. 152

نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"، واللعنة أعظم من السب وقد قال النبي ﷺ : "لعن المؤمن كقتله"، وأصحابه خيار المؤمنين كما قال: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم" وكل من رآه وآمن به فله من الصحبة بقدر ذلك". ا. هـ١. ٢- كيف نعتمد في نقل السنة وروايتها على الصحابة، وهم بشر كغيرهم من الرواة يقع منهم الخطأ، ويدركهم السهو والنسيان. والجواب: إن هذا قول من لم يقف على مبلغ استعدادهم الفطري للحفظ، وحميتهم الدينية في المحافظة على حديث رسول الله ﷺ . فالصحابة رزقوا حوافظ قوية، وقرائح وقادة، ساعدتهم كثيرا على حفظ الحديث وضبطه، وهم يعلمون أن الحديث أصل من أصول الدين، فضبطوه بالمذاكرة، وتعهدوه بالدرس والتعليم، حتى تثبتوا منه كل التثبت. يضاف إلى ذلك أن الخلفاء الراشدين، انتهجوا في رواية السنة خطة حكيمة، فسنوا للناس سنة التثبت، وطالبوا الراوي بالبينة عند عروض الشك. وكل هذه العوامل أثرت في اتجاه الرواية، فلم يندفع الصحابة في الإكثار الذي لا يؤمن عثاره. لذلك قل السهو والنسيان منهم وانعدم الخطأ، أو ندر وكان أحدهم إذا سها أو أخطأ في الرواية ذكره غيره ممن يحفظ الحديث على وجهه. وما جاء من اختلاف بعض الأحاديث، فذلك من قبيل الرواية بالمعنى، وقد أجازها علماء المسلمين من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين كأبي حنيفة، والشافعي والحسن البصري. ويستأنس لذلك بما رواه الطبراني في معجمه الكبير، وابن منده في معرفة الصحابة من حديث سليمان بن أكيمة الليثي أنه قال: قلت يا رسول الله، إني أسمع منك الحديث

стр. 153

لا أستطيع أن أؤدية كما أسمع منك أزيد حرفا، أو أنقص حرفا فقال: "إذا لم تحلوا حراما، أو تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس". ٣- فإن قلت ما تقول في الحديث الصحيح، وهو قوله ﷺ : "ليردن على الحوض أقوام ثم ليختلجن دوني، فأقول يا رب أصيحابي أصيحابي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم"، وهو يفيد أن فريقا من الصحابة قد ارتد بعد وفاته ﷺ ، وهذا ينافي القول بعدالتهم على الإطلاق. والجواب: أن النبي ﷺ لم يرد بالأقوام في الحديث أصحابه، الذين صدقوا في الإيمان، وإنما أراد بهم نفرا قليلا كانوا من المنافقين الذين لم يخلصوا الإيمان، وفيهم يقول الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ ، وهؤلاء كانوا يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد، ويحضرون معه المغازي لا لإعلاء كلمة الله بل لأغراض أخرى كطلب الغنيمة، أو تثبيطهم المؤمنين، أو نحو ذلك فكانوا في الظاهر معدودين من الصحابة، وهم في الواقع كفار وقد أظهروا ما كانوا يضمرون بعد وفاة رسول الله ﷺ من الكفر، والعداوة للمؤمنين وارتدوا عن الإسلام، وأما الأصحاب الصادقون فلم يكن من أحد منهم ردة أصلا، وجميعهم مات على الإيمان، والحمد لله. ٤- "أبو هريرة ﵁، وما قيل فيه": طعن أرباب الأهواء قديما، وحديثا في أبي هريرة رضي الله عنه

стр. 154

ليتخلصوا من أحاديثه التي تقف دون أهوائهم، وترد كيدهم في نحورهم، وسندهم في هذه المطاعن إما روايات مكذوبة، أو ضيعفة وإما روايات صحيحة لم يفهموها على وجهها، بل تأولوها تأويلا باطلا يتفق وأهواءهم، وإنا لذاكرون لك بعضا من هذه الطعون، والدواب عنها بإيجاز ليكون ذلك نموذجا يحتذى في الدفاع عن هذا الصحابي الجليل، فنقول وبالله التوفيق: "أ" مما طعن به أهل الأهواء في صدق أبي هريرة ﵁: "حديث الوعاءين"، وهو ما رواه البخاري في باب حفظ العلم من كتاب العلم، عن أبي هريرة قال: "حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم". قالوا: هذا الحديث لو صح لترتب عليه أن يكون النبي ﷺ قد كتم شيئا من الوحي، عن جميع الصحابة سوى أبي هريرة، وذلك لا يجوز بإجماع المسلمين. والجواب: أنه ليس في الحديث ما يفيد أن رسول الله ﷺ ، قد اختصه بهذا الوعاء دون غيره من الصحابة، وعلى تقدير أنه اختصه بهذا الوعاء دون غيره من الصحابة، فليس فيه شيء من كتمان الوحي، الذي أمر الله رسوله أن يبلغه الناس قال ابن كثير: "هذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الحروب، والفتن والملاحم، وما وقع بين الناس من الحروب والقتال وما سيقع". ا. هـ فالخبار عن بعض الحروب والملاحم التي ستقع ليس مما يتوقف عليه شيء من أصول الدين، أو فروعه فيجوز للنبي ﷺ أن يخص بمثل هذا النوع من الوحي شخصا دون آخر، أو فريقا دون فريق.

стр. 155

ب- ومما اتخذ شبهة على صدق أبي هريرة في الحديث أنه كان يروي عن رسول الله ﷺ : "من أدرك الصبح، وهو جنب فلا يصم" ويفتي به الناس فبلغ ذلك عائشة وأم سلمة ﵄، فأنكرتا عليه وذكرتا "أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر، وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم"، فرجع إلى حديثهما وقال: كذلك حدثني الفضل بن العباس، وأسامة بن زيد عنه ﷺ ، وأمهات المؤمنين أعلم بمثل ذلك من الرجال. والجواب: أن أبا هريرة لم يسمع الحديث من رسول الله ﷺ ، وإنما سمعه من الفضل، وأسامة عنه ﷺ ، وهما من أهل الصدق والأمانة، ولكن لما ترجح لديه حديث عائشة، وأم سلمة رجع إليه وترك فتواه اتباعا للحق، وأما حديث الفضل وأسامة فقد أجاب عنه العلماء بأجوبة "منها" أنه معارض بما هو أقوى منه، فيترك العم به إلى الأرجح "ومنها" أنه كان في مبدأ فرض الصيام حين كان الأكل، والشرب والجماع محرما بعد النوم، ثم أباح الله ذلك كله إلى طلوع الفجر، فكان للمجامع أن يستمر إلى طلوعه، فيلزم أن يقع اغتساله بعد طلوع الفجر، فدل على أن حديث عائشة وأم سلمة ناسخ لحديث الفضل، وأسامة ولم يبلغهما ولا أبا هريرة الناسخ، فاستمر أبو هريرة على الفتيا به، ثم رجع عنه بعد ذلك لما بلغه قال في فتح الباري "٤-١٢٨": "وفيه فضيلة لأبي هريرة لاعترافه بالحق ورجوعه إليه". ج- قالوا: روى أبو هريرة حديث: "لا عدوى، ولا صفر، ولا هامة"، فقال أعرابي: يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيخالطها البيعير الأجرب فيجربها؟ قال رسول الله ﷺ : "فمن أعدى الأول".

стр. 156

وروى أيضا حديث: "لا يوردن ممرض على مصح"، أي صاحب إبل مريضة على صاحب إبل صحيحة مخافة العدوى. قالوا: وبين الحديثين تناقض إذ الحديث الأول، ينفي العدوى والثاني يثبتها، والنبي ﷺ لا يتكلم بمثل هذا فدار الأم بين كذب أبي هريرة، أو نسيانه في الرواية فإن قلنا بكذبه ارتفعت الثقة بمروياته، وإن قلنا بنسيانه ناقض حديث ضم الرداء وقوله فيه: "فوالذي نفسي بيده ما نسيت منه شيئا بعد". والجواب: أنه لا تناقض بين الحديثين فحديث: "لا عدوى" معناه نفى أن تكون العدوى مؤثرة بذاتها دون إرادته تعالى، وحديث: "لا يوردن ممرض على مصح"، المقصود منه ألا يورد صاحب الإبل المريضة إبله على إبل صحيحة لئلا تمرض، فيتوهم الناس أن ذلك المرض جاء للإبل الصحيحة من طريق العدوى بدون إذنه تعالى، ولك أن تقول أن المقصود من الحديث الثاني هو إثبات العدوى من طريق السببية العادية، التي يجوز فيها تخلف المسبب عن سببه، فنهى النبي ﷺ عن تلك المخالطة، من باب اتقاء أسباب الهلاك العادية، امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ، وإذا لم يكن بين الحديثين تناقض، فلا كذب ولا نسيان. نعم ثبت أن أبا هريرة كان يروي الحديثين جميعا في بعض المجالس، وكان يقتصر على رواية أحدهما في بعضها، فاقتصر مرة على رواية الحديث الثاني فقيل له: إنك رويت حديث: "لا عدوى" فرطن بالحبشية وأنكر على من قال ذلك فظن أبو سلمة "الراوي للحديثين عنه"، أن إعراضه عن رواية حديث: "لا عدوى" في ذلك المجلس نسيان منه لروايته، ويجاب عن

стр. 157

ذلك بأن إعراضه عن روايته هذا الحديث، ليس من قبيل النسيان كما فهم أبو سلمة، وإنما هو من باب مراعاة حال من يحدثهم، ولذلك يقول القرطبي في الفهم: "يحتمل أن يكون أبو هريرة خاف اعتقاد جاهل يظنهما متناقضين، فسكت عن أحدهما، وكان إذا أمن ذلك حدث بهما جميعا". ا. هـ وإن أردت زيادة على ذلك، فارجع إلى فتح الباري في باب لا هامة من كتاب الطب. د- قالوا: كان أبو هريرة يدلس في الحديث، فيروي عن النبي ﷺ مالم يسمعه منه، كما في حديث: "من أصبح جنبا فلا صوم له"، وقد تقدم والتدليس أخو الكذب. والجواب عن ذلك: أن أبا هريرة بحكم تأخر إسلامه إلى سنة سبع من الهجرة، قد فاته كثير من أحاديث رسول الله ﷺ ، فكان عليه ليستكمل علمه بالحديث أن يأخذه عن الصحابة، الذين سمعوه من النبي ﷺ ، شأنه في ذلك شأنه سائر الصحابة، الذين لم يحضروا مجالسه ﷺ ، إما لاشتغالهم ببعض أمور الدنيا، وإما لحداثة أسنانهم، وإما لتأخر إسلامهم، أو لغير ذلك، يؤيد ذلك ما ثبت عن حميد قال: كنا مع أنس بن مالك فقال: "والله ما كل ما نحدثكم عن رسول الله ﷺ سمعناه منه، ولكن لم يكن يكذب بعضنا بعضا"، رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. وعن البراء قال: "ما كل الحديث سمعناه من رسول الله ﷺ ، كان يحدثنا أصحابه عنه، كانت تشغلنا عنه رعية الإبل"، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، ورواه الحاكم أيضا في المستدرك بلفظ: "ليس كلنا سمع حديث رسول الله ﷺ ، كانت لنا ضيعة

стр. 158

وأشغال، ولكن الناس كانوا لا يكذبون يومئذ، ويحدث الشاهد الغائب"، قال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. ولا ينبغي أن يعد حذف الصحابي الذي سمع الحديث، ولقنهم إياه من قبيل التدليس إذ الصحابة كلهم عدول بإجماع أهل الحق. وخلاف العلماء في الاحتجاج بالمرسل، إنما كان للجهل بحال المحذوف، وذلك لا يتأتى ههنا، ولذلك يقول ابن الصلاح في مقدمته: "مرسل الصحابي مثل ما يريوه ابن عباس، وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله ﷺ ، ولم يسمعوه منه في حكم الموصول المسند؛ لأن روايتهم عن الصحابة والجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول". ا. هـ وقال السيوطي في التدريب: "أما مرسل الصحابي كإخباره عن شيء فعله النبي ﷺ ، أو نحوه مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه، أو تأخر إسلامه، فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح الذي قطع به الجمهور من أصحابنا، وغيرهم وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح، القائلون بضعف المرسل، وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى؛ لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، وكلهم عدول وروياتهم عن غيرهم نادرة، وإذا رووها بينوها بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين، ليس أحاديث مرفوعة بل إسرائيليات أو حكايات، أو موقوفات". ا. هـ ومن ذلك كله يتبين أنه لا كذب من أبي هريرة، إذ إنه لم يقل في هذا الضرب من الحديث: "سمعت رسول الله يقول كذا أو رأيته يفعل كذا"، بل كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسم كذا أو فعل كذا وما شابه ذلك" -كما أنه لا تدليس منه أيضا؛ لأن الراوي المحذوف من الصحابة والإجماع قائم على عدالتهم.

стр. 159

هـ- قالوا: نهاء عمر عن التحديث، وقال له: "لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ ، أو لألحقنك بأرض دوس"، وهذا من عمر يدل على كذب أبي هريرة. والجواب: أن أبا هريرة كان يرى لزاما عليه أن يحدث الناس بما سمعه من رسول الله ﷺ ، خروجا من إثم كتمان العلم، وقد ألجأه ذلك إلى أن يكثر من رواية الحديث، فكان في المجلس الواحد يسرد الكثير من أحاديثه ﷺ . ولكن عمر ﵁، كان يرى أن يشتغل الناس أولا بالقرآن، وأن يقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ في غير أحاديث العمل، وأن لا يروي للناس أحاديث الرخص، لئلا يتكلوا عليها ولا الأحاديث المشكلة، التي تعلو على أفهامهم، كما أنه كان يخاف على المكثرين الخطأ في رواية الحديث إلى غير ذلك، ومن أجل ذلك كله نهى عمر الصحابة عن الإكثار من الرواية، وأغلظ لأبي هريرة القول وهدده بالنفي؛ لأنه كان أكثر الصحابة رواية للأحاديث، أفاد ذلك الحافظ ابن كثير ثم قال: "وقد جاء أن عمر أذن له بعد ذلك في التحديث، فقال مسدد: حدثنا خالد الطحان حدثنا يحيى بن عبد الله، عن أبيه عن أبي هريرة قال: بلغ عمر حديثي، فأرسل إلي فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول الله ﷺ في بيت فلان قال: قلت نعم، وقد علمت لم تسألني عن ذلك، قال: ولم سألتك، قلت: إن رسول الله ﷺ ، قال: يومئذ: "من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار"، قال: أما إذن فاذهب فحدث". ا. هـ من البداية والنهاية "٨-١٠٦، ١٠٧". و قالوا: ولم يكن عند أبي هريرة رصيد من الأحاديث أكثر

стр. 160

من غيره، وإنما الذي جعله يتفوق على غيره من الصحابة في كثرة الرواية، أنه استجاز لنفسه أن ينسب إلى رسول الله ﷺ كل كلام حسن، قاله أو لم يقله، مما هو خارج عن دائرة الحلال والحرام، كالحث على مكارم الأخلاق، وأخبار الجنة والنار. قالوا: وسند أبي هريرة في ذلك أحاديث رواها عن النبي ﷺ منها: ١- "إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس". ٢- "إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به، حدثت به أولم أحدث". ٣- "ما بلغكم عني من قول حسن لم أقله فأنا قلته". والجواب عن ذلك: أن كثرة أحاديث أبي هريرة مع تأخر إسلامه لا ترجع إلى ما زعموه، وإنما ترجع إلى انقطاعه عن الدنيا إلى مجالسه ﷺ ، وملازمته إياه سفرا وحضرا، وإلى دعاء النبي ﷺ له، ألا ينسى شيئا من حديثه، وغل أنه عاش بعد وفاته ﷺ نحوا من خمسين عاما، يأخذ عن الصحابة ما فاته من الأحاديث، ثم يرويها للناس. وأما زعمهم أنه استجاز لنفسه أن يكذب على رسول الله ﷺ في غير الحلال والحرام، فباطل من وجوه: ١- أن أبا هريرة من رواة حديث: "من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار"، وثبت عنه أنه كان يذكره بين يدي ما يريد أن يرويه، عن رسول الله ﷺ في كثير من مجالسه. ٢- وأن الصحابة قد أقروه على رواية الأحاديث، ورووها عنه،

стр. 161

ومن هؤلاء عمر وعثمان وعلي وطلحة، والزبير وزيد بن ثابت وأبو أيوب الأنصاري، وابن عباس وعائشة وجابر، وعبد الله بن عمرو، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري: "راجع في ذلك مستدرك الحاكم ج٣-ص٥١٣ وتاريخ ابن كثير ج٨-ص١٠٨"، وهذا إجماع منهم على صدقه وأمانته. ٣- وإن الأحاديث التي رواها أبو هريرة، وجد أكثرها عند غيره من الصحابة. وأما الأحاديث التي نسبوها إلى أبي هريرة، فنجيب عنها بما يلي: ١- الحديث الأول في الرواية بالمعنى لا فيما زعموه من إباحة الكذب عليه ﷺ ، ولم يروه أبو هريرة بل رواه غيره، ففي مجمع الزوائد "١-١٥٤"، عن يعقوب بن عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي، عن أبيه عن جده قال: أتينا النبي صلى الله عليه فقلنا له: بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، إنا نسمع نك الحديث، فلا نقدر أن نؤديه كما سمعنا قال: "إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا، وأصبتم المعنى فلا بأس"، روا الطبراني في الكبير، ولم أر من ذكر يعقوب ولا أباه. ا. هـ وعزاه السيوطي في تدريب الراوي "ص١٦١" إلى ابن منده في معرفة الصحابة والطبراني في الكبير. ٢، ٣- والحديثان الثاني، والثالث مكذوبان على أبي هريرة، إذ في سند الأول منهما أشعث بن براز: "كذاب ساقط لا يؤخذ حديثه"، وفي سند الثاني منهم عبد الله بن سعيد، "كذاب مشهور". قال ابن حزم في الأحكام. "ج٢- ص٧٦ وما بعدها": "وقد ذكر قوم لا يتقون الله أحاديث، في بعضها إبطال شرائع الإسلام، وفي

стр. 162

بعضها نسبة الكذب إلى رسول الله ﷺ ، وإباحة الكذب عليه"، ثم سرد تلك الأحاديث، وفيها هذان الحديثان، وأبطلهما بما ذكرناه، ثم قال ردا على من أباح أن ينسب إلى رسول الله ﷺ ما لم يقله: "حسبنا أنهم مقرون على أنفسهم بأنهم كاذبون، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من حدث عني حديث، وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين". ز- دائرة المعارف الإسلامية، رأيها في أبي هريرة. كتب أستاذنا العلامة الجليل الشيخ "محمد عرفة" عضو جماعة كبار العلماء، بمجلة نور الإسلام "مجلة الأزهر الآن" ص٦٣٩، وما بعدها من المجلد الخامس، مقالا قيما في الدفاع راوية الإسلام "أبي هريرة" ﵁، يفند فيه مزاعم أصحاب دائرة المعارف إسلامية المترجمة عن الإنجليزية. ونحن نأتي هنا بخلاصة هذا المقال قال حفظه الله: "للمستشرق جولد تسيهر" رأى في الصحابي الجليل أبي هريرة ﵁، نشره في العدد السابع من المجلد الأول من دائرة المعارف الإسلامية -هذا الرأي لا يستد إلى بحث تاريخي، ولا سند علمي. طعن جولد تسيهر في أبي هريرة طعونا عدة، كلها تدور حول عدم أمانته في نقل الأحاديث. فقد ذكر أنه مختلق، ومسرف في الاختلاق، وأنه كان يفعل ذلك بداعي الورع، وإن الذين أخذوا عنه مباشرة قد شكوا فيما ينقل، وعبروا عن هذا الشك بأسلوب ساخر، وأنه كان يضمن أحاديثه أتفه الأشياء بأسلوب مؤثر، وذلك يدل على روح المزاح التي كانت فيه، والتي كانت سببا في ظهور كثير من القصص، وصاحب

стр. 163

هذه المطاعن يعزو مطاعنه إلى كتب إسلامية، ليلقى عليها ثوبا خلابا، وليوقع في روع الناس أنها صحيحة، وهذه طريقة فيها كثير من الخداع، واللبس والتزوير، وسنميط اللثام عما فيها وبالله التوفيق: "إن أبا هريرة الذي يجرحونه هذا التجريح، ويسيئون إليه هذه الإساءة، هو من جلة الصحابة ومن أوسعهم رواية، بل هو أوسعهم رواية لا مستثنيا أحدا إلا ابن عمرو، وتجريح هذا البحر الذي ملئ علما، وأداه إلى من حملوه عنه، وأدوه إلى من بعدهم حتى وصل إلينا، تجريح لهذا العلم الغزير، ورفع للثقة عن كل مروياته، وفيه إفساد كبير، ولو كان لهذا الطعن وجه من الصحة لاحتمل، ولكنه طعن باطل، لا حق فيه. "هذا الإمام قد روى عنه ثمانمائة من أهل العلم كما قال البخاري، وهذا فيه الدلالة على ثقتهم به؛ لأنهم لو لم يثقوا به لما رووا عنه، وهو ثقة ثبت عند الصحابة وأهل الحديث. قال ابن عمر: أبو هريرة خير مني وأعلم بما يحدث. وقال طلحة بن عبيد الله أحد العشرة: ولا شك أن أبا هريرة سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع. وروى النسائي: "أن رجلا جاء إلى زيد بن ثابت، فسأله عن شيء فقال زيد: عليك أبا هريرة ... الحديث"، وقد ذكره بتمامه١. "وكان كثير الحفظ شديد الضبط، شهد له بذلك أهل العلم والثقات، قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. وحدث الأعمش عن أبي صالح قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب محمد ﷺ . وقال أبو الزعيزعة كتب مروان: أرسل

стр. 164

مروان إلى أبي هريرة فجعل يحدثه، وكان أجلسني خلف السرير أكتب ما يحدث به، حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إليه، فسأله وأمرني أن أنظر، فما غير حرفا عن حرف. "هذه آراء الثقات أصحاب هذا الشان فيه، فمن عدلوه، فهو الثبت الذ لا يجرح، ومن بهرجوه فهو الزائف الذي لا يعدل، ومن حظي بمثل هذا الثناء من هؤلاء العلماء الأفاضل، فلا يضيره ما يقال بعد ذلك فيه: إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضبانا علي لئامها ولابد لنا -بعد هذا الإجمال- أن نعرض لهذه الشبه، التي أثاروها ونفندها: ١- زعموا أن علمه الواسع بالأحاديث أثار الشك في نفوس الذين أخذوا عنه مباشرة، فلم يترددوا في التعبير عن شكوكهم بأسلوب ساخر. - وأحالوا القارئ على البخاري في كتاب فضائل الأصحاب رقم ١١ - يريدون بذلك حديث أبي هريرة: أن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة، وأني كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني، حتى لا آكل الخمير، ولا ألبس الحبير، ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع -إلى آخر الحديث "٥-١٩ من الأميرية"، والمنصف يرى من هذا الأثر أن بعض الناس قال: أكثر أبو هريرة تعجبا من كثرة حفظه وروايته، وقد أظهر لهم السبب في كثرة روايته وحفظه، وهو أنه كان ألزم الناس لرسول الله ﷺ ، وأنه ما كان يعنيه الغنى، وإنما كان يعنيه الأخذ عن رسول الله، وكان يلصق بطنه بالحصباء من الجوع، وما كان يشغله عن رسول الله تجارة

стр. 165

ولا زراعة، فحفظ ما لم يحفظوا، وسمع ما لم يسمعوا، فلما بين لهم السبب سكتوا عنه. ولنسلم ما زعموه من أنهم كانوا شاكين لا متعجبين، أفما كان ينبغي أن يأخذوا من تركهم إياه، يحدث بعد ذلك مدة عمره -وقد عمر بعد رسول الله نحوا من خمسين سنة- أنهم اقتنعوا بتعليله، وزال هذا الشك من نفوسهم، إذ لو كانوا يرون في حديثه بأسا لكفوه عن التحديث، وهم من نعلم في المحافظة على حديث رسول الله، والخوف أن يتسع الناس فيه، ويدخله التدليس والكذب. ٢- وأما زعمهم أن روايته ضمنها أتفه الأشياء بأسلوب مؤثر، وذلك يدل على ما امتاز به من روح المزاح، الأمر الذي كان سببا في ظهور كثير من القصص، وعزوهم ذلك إلى ابن قتيبة، فليس شيء أوغل في التضليل والإبهام من هذا -نحن لا ندري ما هي هذه الأحاديث التي زعموها، وكان يجب عليهم أن يبينوها لنا لنناقشهم فيها. وكان يجب عليهم أيضا إذ عزوا لابن قتيبة، أن يذكروا اسم ذلك الكتاب، فإن لابن قتيبة مؤلفات كثيرة، طبع منها كثير، إنهم لو فعلوا ذلك لكنا نبين لهم أن ما في ابن قتيبة ليس كما فهموه، إذ لا يعقل أن يثنى ابن قتيبة الثناء المستطاب على أبي هريرة في كتابه "تأويل مختلف الحديث" ص٤٨ وما بعدها، ثم هو ينسب إليه ما ذكره أصحاب الدائرة. ٣- وأما ما نقلوه من وصف "شبرنجر" لأبي هريرة من أنه المتطرف في الاختلاق ورعا، فلسنا ممن يؤمن بقول "شبرنجر" وغير "شبرنجر"، من المتطرفين في الاختلاق على أصحاب رسول الله ﷺ ، تضليلا للمسلمين، وتشويشا على الدين، وإيذاء للحقيقة، وسترا

стр. 166

للواقع، وبحسبنا أن نقول: هذا طعن لا مبرر له، وتجريح لا يستند على سند: والدعاوى إن لم تقيموا عليها ... بينات أبناؤها أدعياء وقولهم أنه المتطرف في الاختلاق ورعا، كلام متهافت؛ لأنا لا نعلم الورع إلا مانعا من الاختلاق على الناس، فضلا عن رسول الله ﷺ . وكيف يختلق أبو هريرة على رسول الله، وهو راوي حديث: "من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار"، وكان يبدأ به عندما يريد أن يحدث - فرجل سمع من رسول الله ﷺ هذا الحديث، ووعاه وأداه، وكان يستذكره ويذكر به، ويقدمه أمام تحديثه عن رسول الله، وهو مؤمن ورع تقي، يستحيل في العادة أن يكذب على رسول الله، فضلا عن أن يتطرف في الكذب عليه، ويرى أن الاختلاق والكذب عليه دين وورع. ٤- وأما قولهم أن كثيرا من الأحاديث التي عزيت إلى أبي هريرة نحلت عليه في عصر متأخر، فنحن نسلم أن أحاديث كثيرة وضعت، وعزيت زورا إلى أعاظم المحدثين مثل أبي هريرة، ولكن رجال نقد الحديث قد عنوا ببيان الموضوع منها، وبهرجوا الزائف، ولم يخف عليهم بطله، وأفسدوا على الوضاعين طريقهم. وبعد: فإذا كان أصحاب "دائرة المعارف" قد ألفوها لغرض أن تكون صورة صحيحة للمعارف الإسلامية، فما أبعدها عن أن تكون كذلك، وما أبعدهم فيها عن نيل هذا الغرض. وإذا كانوا قد ألفوها لغرض تقبيح حال المسلمين في نظر الغربيين، وتشويش عقائد المسلمين، وفتنة الشباب في دينهم فهي صالحة لهذا الغرض مؤدية له". ا. هـ ما أردنا نقله من كلام الباحث الجليل الشيخ محمد عرفه.

стр. 167

كلمة الختام في راوية الإسلام: وبعد فقد طفحت كتب المبتدعة والمستشرقين، وأعداء الدين، ومن تتلمذ لهم من جهلة المسلمين المأجورين، قدما وحديثا بالكيد للإسلام في أشخاص أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا سيما أبو هريرة راوية الإسلام الأول. وفي هذه الأزمان المتأخرة، ظهرت شرذمة من أدعياء العلم والخلق التافهين، جمعوا كناسة العصور كلها من الطعون والأزراء على صحابة رسول الله ﷺ عامة، وأبي هريرة خاصة، يريدون ليهدموا ركنا شامخا من أركان الدين، وأصلا وطيدا من أصوله، ألا وهو سنة سيد المرسلين ﷺ ، فلم يكتفوا بما أوردناه من مزاعمهم الباطلة، ولكنهم ضموا إليها تافها من القول وزورا، ولا بأس أن نذكر لك شيئا منها مع الرد عليها بإيجاز فنقول: ١- زعموا أنأبا هريرة إنما أسلم حبا في الدنيا لا رغبة في الدين. وهذه دعوى يكذبها ما كان عليه أبو هريرة من التقشف، والانقطاع إلى العلم والعبادة، والجهاد في سبيل الله، والتفاني في تبليغ أحاديثه ﷺ . ٢- وزعموا أن أبا هريرة كان خفيف الوزن في العلم، والفقه وهذا محض افتراء على التاريخ، والواقع قال ابن سعد: كان ابن عباس وابن عمر، وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع، وأبو واقد الليثي وعبد الله بن بحينة مع أشباه لهم من أصحاب رسول الله ﷺ يفتون بالمدينة، ويحدثون عن رسول الله ﷺ من لدن توفي عثمان إلى

стр. 168

أن توفوا. ا. هـ. ومعنى هذا أن أبا هريرة مكث يفتي الناس على ملأ من الصحابة، والتابعين ثلاثة وعشرين عاما. وقد ذكر ابن القيم في أعلام الموقعين "١-٩" المفتين من الصحابة، وذكر أنهم كانوا بين مكثر منها ومقل ومتوسط، وذكر أبا هريرة في المتوسطين مع أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وأبي سعيد الخدري وأم سلمة وأبي موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، وسعد بن أبي وقاص، وجابر بن عبد الله وغيرهم" فمن زعم أن أبا هريرة غير فقيه، فهو العاري عن الفقه. ٣- وزعموا أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، ثم بلغه عنه ما يخل بأمانة الوالي العادل، فعزله وأخذ ما بيده من أموال، وضربه حتى أدماه. وهذا كلام من لم يميز بين الحق والباطل من أقوال المؤرخين. والرواية التي يعول عليها أن عمر لما استحضر أبا هريرة من البحرين، قال له: استاثرت بهذه الأموال فمن أين لك قال أبو هريرة: خيل نتجت، وأعطية تتابعت، وحراج رقيق لي، فنظر عمر فوجدها كما قال، ثم دعاه عمر ليستعمله أيضا فأبى، فقال له عمر: لقد طلب العمل من كان خيرا منك، قال أبو هريرة: أنه يوسف نبي الله بن نبي الله، وأنا أبو هريرة بن أميمة. ومن ذلك يتين أن عمر حاسبه على ما بيده من مال -كما حاسب غيره من العمال- فوجد الأمر كما قال، فعرض عليه أن يوليه ثانية فأبى، وهذا من عمر يدل على وثوقه بأبي هريرة، وأنه كان لديه أمينا حق أمين. ٤- وزعموا أنه كان في الفتنة يصلى خلف علي، ويأكل مع معاوية فإذا حمي الوطيس لحق بالجبل، فإذا سئل قال: علي أعلم ومعاوية أدسم

стр. 169

والجبل أسلم. وهذا من إفكهم وأباطيلهم، والثابت تاريخيا أن أبا هريرة ﵁ اعتزل الفتنة، وأقام بالمدينة ولم يبرحها. ٥- وزعموا أنه كان متشيعا لبني أمية، ويأخذ من معاوية جعلا على وضع الأحاديث في ذم علي ﵁. والتاريخ الصحيح يسجل أن أبا هريرة روى من الأحاديث ما فيه الثناء المستطاب على علي ﵁، وآل البيت ذكر أحمد في مسنده طرفا منها، وكذلك صاحب مجمع الزوائد، وقصته مع مروان حين أرادوا دفن الحسن مع رسول الله ﷺ شاهد عدل على مبلغ حبه لآل البيت، وقد ذكرها ابن كثير في تاريخ "٨-١٠٨" ثم أين هي تلك الأحاديث، التي وضعها أبو هريرة في ذم علي ﵁ ومن رواها من الثقات. أنها لا وجود لها إلا في أدمغتهم وخيالاتهم. إن الذي نقرؤه عن أبي هريرة ﵁ في الصحيح، عن رسول الله ﷺ ، ليس هو الإزراء على أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، وإنما هو الإشارة إلى ما سيكون من بعض حكام الأمويين من ظلم. ومن تلك الأحاديث. "هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش، فقال مروان غلمة، قال أبو هريرة: إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان". "يهلك الناس هذا الحي من قريش قالوا: فما تأمرنا قال: لو أن الناس اعتزلوهم"، وفي هذا وذاك تعريض ظاهر ببعض أمراء بني أمية، وتحريض على اعتزالهم. ومما كان يدعو به كما في الصحيح: "اللهم إني أعوذ بك من رأس الستين وإمارة الصبيان"، وقد استجاب الله دعاء أبي هريرة، فمات سنة ثمان وخمسين. ولم يدرك سنة ستين التي تولى فيها يزيد وكن منه ما كان.

стр. 170

ثناء الحاكم في المستدرك على راوية الإسلام: عقد الحاكم أبو عبد الله في كتابه "المستدرك"١، فصلا قيما في الثناء على راوية الإسلام ذكر فيه كثيرا من الأحاديث الدالة على فضله، وعلو شأنه ثم ختم هذا الفصل بقوله نقلا عن شيخه أبي بكر قال: "وإنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم، فلا يفهمون معاني الأخبار: أما معطل جهمي يسمع أخباره، التي يرونها خلاف مذهبهم، الذي هو كفر فيشتمون أبا هريرة، ويرمونه بما الله تعالى قد نزهه عنه، تمويها على الرعاء والسفلة، أن أخباره لا تثبت بها الحجة. وأما خارجي يرى السيف على أمة محمد ﷺ ، ولا يرى طاعة خليفة ولا إمام، إذا سمع أخبار أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ خلاف مذهبهم الذي هو ضلال، ولم يجد حيلة في رفع أخباره بحجة وبرهان، كان مفزعه الوقيعة في أبي هريرة. أو قدري اعتزل الإسلام وأهله، وكفر أهل الإسلام، الذين يتبعون الأخبار الماضية التي قدرها الله تعالى، وقضاها قبل كسب العباد لها، إذا نظر إلى أخبار أبي هريرة، التي قد رواها عن النبي ﷺ في إثبات القدر، ولم يجد حجة يؤيد بها صحة مقالته، التي هي كفر وشرك، كانت حجته عند نفسه أن أخبار أبي هريرة لا يجوز الاحتجاج بها. أو جاهل يتعاطى الفقه، ويطلبه من غير مظانه. إذا سمع أخبار أبي هريرة فيما يخالف مذهب من قد اجتبى مذهبه، واختاره تقليدا بلا حجة ولا برهان، تكلم في أبي هريرة، ودفع أخباره التي تخالف مذهبه، ويحتج بأخاه على من خالفه إذا كانت أخباره موافقة لمذهبه.

стр. 171

قال الحاكم: وأنا ذاكر بمشيئة الله في هذا رواية أكابر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين عن أبي هريرة فقد روى عنه: زيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري وابن عباس، وابن عمر وعبد الله بن الزبير، وأبي بن كعب وجابر وعائشة، والمسور بن مخرمة وعقبة بن الحارث، وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسل، وأبو أمامة بن سهل، وأبو الطفيل، وأبو نضرة الغفاري وأبو رهم الغفاري وشداد بن الهاد، وأبو حدرد عبد الله بن حدرد الأسلمي، وأبو رزين العقيلي وواثلة بن الأسقع، وقبيصة بن ذؤيب وعمرو بن الحمق، والحجاج الأسلمي، وعبد الله بن حكيم والأغر الجهني، والشريد بن سويد ﵃ أجمعين، فقد بلغ عدد من روى عن أبي هريرة من الصحابي ثمانية وعشرين رجلا -فأما التابعون فليس فيهم أجل، ولا أشهر ولا أشرف ولا أعلم من أصحاب أبي هريرة، وذكرهم في هذا الموضع يطول لكثرتهم. والله يعصمنا من مخالفة رسول رب العالمين، والصحابة المنتخبين، وأئمة الدين من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، ﵃ أجمعين، في أمر الحافظ علينا شرائع الدين، أبي هريرة ﵁". ا. هـ. كلام هذا الإمام الكبير، في راوية الإسلام الجليل. ومما يؤسف له كل الأسف بعد هذا كله أن نابته من أدعياء الإسلام، لم يذوقوا للعلم طعما، ولم يعرفوا للإسلام قدرا، يكيدون لهذا الدين، بالنيل من أصحاب سيد المرسلين، ولا هم لهؤلاء سوى جمع الحطام. ومن عجب أنهم يرمون أباهريرة ﵁، بأنه كان يضع الأحاديث في ذم علي ﵁، على جعل يتقاضاه من معاوية ﵁، في الوقت الذي هم فيه يشتغلون صنائع، وعملاء لجمعيات "التبشير"، وهذه الجمعيات تغدق عليهم الأموال الطائلة، لقاء تسخيرهم في الطعن على الإسلام، والحط من قدر علمائه الأجلاء: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ .

стр. 172

المبحث السابع: تراجم لبعض رواة الحديث من التابعين من هم التابعون: قال الخطيب: التابعي من صحب صحابيا، ولا يكتفى فيه بمجرد اللقى، بخلاف الصحابي مع النبي ﷺ ، فإنه يكتفي فيه بذلك، لشرف النبي ﷺ ، وعلو منزلته، فالاجتماع به يؤثر في النور القلبي أضعاف ما يؤثره الاجتمع الطويل بالصحابي، وغيره من الأخيار. وقال أكثر المحدثين: هو من لقي صحابيا، وإن لم يصحبه ولذلك ذكر مسلم وابن حبان "الأعمش" في طبقة التابعين؛ لأن له لقيا وحفظا، رأى أنس بن مالك، وإن لم يصح له سماع المسند عنه. وعد الحافظ عبد الغني فيهم "يحيى بن أبي كثير" لكونه لقي أنسا. وعد فيهم أيضا "موسى بن أبي عائشة"، لكونه لقي عمرو بن حريث. واشترط ابن حبان التمييز عند اللقى، فإن كان صغيرا لم يضبط فلا عبرة برؤيته، كخلف بن خليفة عده من أتباع التابعين، وإن رأى عمرو بن حريث لكونه كان صغيرا لا يميز. قال العراقي: "وما اختاره ابن حبان له وجه كما اشترط في الصحابي رؤيته للنبي ﷺ ، وهو مميز". قال: "وقد أشار النبي ﷺ إلى الصحابة، والتابعين بقوله: "طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى لمن رأى من رآني" الحديث. فاكتفى فيها بمجرد الرؤية" "التدريب ص٢١٢".

стр. 173

هذا والتابعون كثيرون لا يحصون؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار المختلف، وكل من التقى بواحد منهم فهو تابعي. هذا ومن أشهر الرواة من التابعين بالمدينة: سعيد بن المسيب المتوفى سنة "٩٣هـ"، وعروة بن الزبير المتوفى سنة "٩٤"، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المتوفى سنة "٩٤"، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة المتوفى سنة "٩٩"، وسالم بن عبد الله بن عمر المتوفى سنة "١٠٦"، وسليمان بن يسار المتوفى سنة "٩٣"، والقاسم بن محمد بن أبي بكر المتوفى سنة "١١٢" ونافع مولى ابن عمر المتوفى سنة "١١٧" وابن،شهاب الزهري المتوفى سنة "١٢٤" وأبو الزناد المتوفى سنة "١٣٠". ومن أشهرهم بمكة: عكرمة مولى ابن عباس "١٠٥"، وعطاء بن أبي رباح "١١٥"، وأبو الزبير محمد بن مسلم "١٢٨". ومن أشهرهم بالكوفة: الشعبي عامر بن شراحيل "١٠٤"، وإبراهيم النخعي "٩٦"، وعلقمة بن قيس بن عبد الله النخعي "٦٢". ومن أشهرهم بالبصرة: الحسن بن أبي الحسن البصري "١١٠"، ومحمد بن سيرين "١١٠"، وقتادة بن دعامة الدوسي "١١٧". ومن أشهرهم بالشام: عمر بن عبد العزيز "١٠١"، ومكحول "١١٨"، وقبيصة بن ذؤيب "٨٦"، وكعب الأحبار "٣٢". ومن أشهرهم بمصر: أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني "٩٠"، ويزيد بن أبي حبيب "١٢٨". ومن أشهرهم باليمن: طاوس بن كيسان اليماني الحميري "١٠٦"، ووهب بن منبه "١١٠".

стр. 174

وقد تكفلت كتب الرجال بتراجمهم، وبيان من أخذوا عنه ومن أخذ عنهم، ولنترجم باختصار لطائفة يسيرة منهم فنقول: ابن شهاب الزهري: هو، أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة القرشي، الزهري المدني. سكن الشام. يقولون تارة الزهري، وتارة ابن شهاب نسبة إلى جد جده، وهو معدود في صغار التابعين. سمع أنس بن مالك، وسهل بن سعد، والسائب بن يزيد وشبيبا أبا جميلة، وعبد الرحمن بن أزهر، وربيعة بن عتاد، ومحمود بن الربيع وأبا الطفيل وغيرهم من الصحابة، كما سمع من كبار التابعين. وروى عنه الحديث خلق كثير من كبار التابعين وصغارهم، ومن أتباع التابعين وشيوخه. اتفق العلماء على إمامته في الحديث، وكثرة حفظه له وتمكنه فيه مع أمانته وثقته. وشهادات المحدثين له أشهر من أن تذكر، فهذا عمرو بن دينار يقول: "ما رأيت أنص للحديث من الزهري"، وهذا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يقول: قلت لأبي بم فاقكم الزهري، قال: كان يأتي المجالس من صدرها، ولا يأتيها من خلفها، ولا يبقى في المجلس شابا إلا سأله، ولا كهلا إلا سأله ولا فتى إلا سأله ولا عجوزا ولا كهلة إلا سألها حتى يحاول ربات الحجال"، وقال الليث بن سعد: ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب، ولا أكثر علما منه"، ويروي البخاري عن علي بن المديني أنه قال: "للزهري نحو ألفي حديث"، وهذا أحمد بن الفرات يقول: "ليس فيهم أجود مسندا من الزهري". رزق الزهري حافظة قوية متقدة، حتى لقد روى البخاري في تاريخه

стр. 175

أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلة. وقال الزهري: ما استودعت حفظي شيئا فخانني". وعن سعد بن إبراهيم أنه قال: "ما أرى أحدا بعد رسول الله ﷺ جمع ما جمع الزهري". وقد جمع الزهري إلى حفظ الحديث كتابته، وتدوينه حتى فاق أقرانه، قال صالح بن كيسان: كنت أطلب العلم أنا والزهري فقال: تعال نكتب السنن فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ، ثم قال: تعال نكتب ما جاء عن الصحابة فكتب ولم نكتب فنجح وضيعنا. لقد كان ابن شهاب أول من كتب الحديث، وجمعه بأمر عمر بن عبد العزيز أيام خلافته، وبالجملة فقد كان ابن شهاب أمة وحده في العلم والحفظ والضبط، جماعا للحديث ثقة فيه. سأله هشام بن عبد الملك يوما أن يملي على بعض ولده شيئا، فأملى عليه أربعمائة حديث، ثم لقيه هشام بعد شهر أو نحوه فقال له: إن ذلك الكتاب قد ضاع فدعا بكاتب، فأملاها عليه، ثم قابل ذلك بالكتاب الأول فما غادر منها حرفا واحدا. توفي الزهري سنة مائة وأربع وعشرين، ودفن بالشام بقرية تسمى "شغبدا" انظر تهذيب الأسماء واللغات "ج١-ص٩٠"، وتهذيب التهذيب "٩-٤٤٥". عكرمة مولى ابن عباس: هو، التابعي الكبير أبو عبد الله عكرمة مولى ابن عباس وراويته. أصله بربري من أهل المغرب، تملكه عبد الله بن عباس، وهو وال على البصرة لعلي بن أبي طالب ﵁. وعني بتعليمه القرآن، والسنن أشد العناية حتى حدث عكرمة عن نفسه أن ابن عباس كان يضع في رجله القيد، ويعلمه القرآن والسنن، وما زال عكرمة ينهل من مناهل ابن عباس

стр. 176

حتى تأهل للفتيا وأذنه مولاه بها، فقصده الناس من كل صوب وطرقوا باب للرواية والفتيا، وكان إلى جانب علمه بالسنة، والفقه من مشاهير القراء والمفسرين. وقد ظل على الرق حتى مات ابن عباس، وصار إلى ولده علي فباعه إلى خالد بن يزد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فجاء عكرمة إلى علي وقال له ما خير لك. بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار، فاستقال علي من بيعه وأعتقه. عاش عكرمة إلى سنة ١٠٥ من الهجرة، وله من العمر نيف وثمانون سنة. شيوخه وتلاميذه، ومنزلته في الرواية: أخذ عكرمة الحديث عن كثير من الصحابة، منهم عبد الله بن عباس مولاه والحسن بن علي وأبو قتادة وابن عمر، وأبو هريرة وأبوسعيد ومعاوية وابن عمرو بن العاص. وتلقى عنه الحديث جماعات من التابعين، منهم أبو الشعثاء والشعبي، والنخعي وأبو إسحاق السبيعي، وابن سيرين وعمرو بن دينار، وكثير من التابعين وغيرهم. وقد وثق الأئمة، والمحققون عكرمة واحتجوا به، ومن هؤلاء البخاري وأصحاب السنن، ولكن مسلما تركه، فلم يخرج له إلا حديثا واحدا في الحج مقرونا بسعيد بن جبير. وإنما تركه لطعن طائفة من العلماء فيه بأنه كذاب، وبأنه كان يرى رأي الخوارج، وبأنه كان يقبل جوائز الأمراء. وقد صنف كثير من الأئمة كتبا في الذب، عن عكرمة منهم أبو جعفر بن جرير الطبري، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو عبد الله بن منده، وأبو حاتم ابن حبان، وأبو عمر بن عبد البر وغيرهم. وممن تصدى للدفاع عنه

стр. 177

أيضا الحافظ ابن حجر في مختصره لتهذيب الكمال، وفي مقدمته لفتح الباري، وكلهم مجمعون على تبرئته من الكذب، وأن الأثر الوارد عن ابن عمر أنه قال لنافع: "لا تكذب علي كما كذب عكرمة علي ابن عباس"، لم يثبت؛ لأنه من رواية أبي خلف الجزار عن يحيى البكاء، أنه سمع ابن عمر يقول ذلك، ويحيى البكاء متروك الحديث. ومن المحال أن يجرح العدل بكلام المجروح. وهم مجمعون أيضا على أنه لم يثبت عنه أنه كان يرى رأي الخوارج، وغاية ما هناك أنه كان يرى في بعض المسائل ما يوافق آراءهم من غير أن يقصد إلى هذا الوفاق، ولكن بناء على ما قام لديه من الأدلة، فنسبوه إليهم عن غير بينة ولا برهان، ولو كان من ادعى عليه أنه ينتحل مذهبا رديئا، يعد مجروحا لمجرد الدعوة لسقطت عدالة أكثر المحدثين؛ لأنه ما من أحد منهم، إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه. وأما قبول جوائز الأمراء فالأئمة والنقاد، وجماهير المحدثين لا يرون ذلك مانعا من قبول الرواية، وهذا محمد بن شهاب الزهري، كان في ذلك أشهر من عكرمة، ومع ذلك لم يترك أحد من الأئمة الرواية عنه بسبب ذلك. طرف من ثناء العلماء عليه: قال البخاري: "ليس أحد من أصحابنا، إلا احتج بعكرمة"، وعن ابن معين: "إذا رأيت إنسانا يقع في عكرمة، فاتهمه على الإسلام"، وقال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: "أجمع عامة أهل العلم على الاحتجاج بحديث عكرمة، واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا، منهم أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وأبو نور

стр. 178

ويحيى بن معين. ولقد سألت إسحاق عن الاحتجاج بحديثه فقال: عكرمة عندنا أمام أهل الدنيا، وتعجب من سؤالي إياه"، وقال ابن منده: "عدله أمة من التابعين تزيد على سبعين رجلا من خيار التابعين، وهذه منزلة لا تكاد توجد لأحد من كبار التابعين، على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك عن الرواية عنه، ولم يستغن عن حديثه. وكان حديثه متلقى بالقبول قرنا بعد قرن إلى زمن الأئمة، الذين أخرجوا الصحيح. على أن مسلما، وكان أسوأهم رأيا فيه قد أخرج له مقرونا بغيره". ا. هـ. وقال أبو عمر بن عبد البر: "كان عكرمة من جلة العلماء، ولا يقدح فيه كلام من تكلم فيه؛ لأنه لا حجة مع أحد منهم"، قال: "وزعموا أن مالكا أسقط ذكر عكرمة من الموطأ، ولا أدري ما صحته؛ لأنه قد ذكره في الحج وصرح باسمه ومال إلى روايته عن ابن عباس، وترك عطاء في تلك المسألة مع كون عطاء أجل التابعين في علم المناسك". ا. هـ. ومن ذلك يتضح أنه إذا روى الثقات عن عكرمة حديثا، فلا ينبغي أن يرتاب فيه "تهذيب الأسماء ١-٣٤٠، ومقدمة فتح الباري ٢-١٤٨، وما بعدها وتهذيب التهذيب ٧-٢٦٣". عمر بن عبد العزيز: هو، أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي، الأموي التابعي العظيم، الخليفة الراشد، والإمام العادل والعالم الكامل. ولد عمر بمصر ببلدة حلوان، وأبوه أمير عليها سنة إحدى وستين، جمع القرآن وهو صغير وبعثه أبوه إلى المدينة يتادب بها، ويتعلم الدين، ويحفظ السنن، فكان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، فلما توفي أبوه طلبه عبد الملك بن مروان إلى دمشق وزوجه ابنته

стр. 179

فاطمة. وولي إمارة المدينة زمنا في خلافة الوليد، ثم قدم الشام سنة ٩٣، وبويع بالخلافة سنة ٩٩. سمع الحديث من أنس بن مالك، والسائب بن يزيد ويوسف بن عبد الله بن سلام، وخولة بنت حكيم، وغيرهم من الصحابة ومن التابعين كابن المسيب، وعروة وأبي بكر بن عبد الرحمن، والربيع بن سبرة وغيرهم. وروى عنه كثير من التابعين، أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، والزهري ويحيى الأنصاري، ومحمد بن المنكدر وحميد الطويل وآخرون. أجمع العلماء على كثرة علمه وصلاحه، وزهده وورعه وعدله، وحرصه على اتباع آثار النبي ﷺ ، والخلفاء الراشدين. كان عمر كثير الاهتمام بحديث رسول الله ﷺ حفظا، وجمعا حتى إنه لما أن تولى الخلافة، أصدر أمره إلى علماء الآفاق، بكتابة حديث رسول الله ﷺ . كما أمرهم بالجلوس للتحديث، والرواية حتى لا تضيع الأحاديث بموت كبار العلماء من التابعين، وهو أول خليفة أمر بذلك. وكان عمر ثقة حجة، حافظا شهد له بذلك العلماء، حتى لقد كان يقرن بالزهري في علمه. قال مجاهد: أتيناه لنعلمه فما برحنا حتى تعلمنا منه. وما زال هذا شأنه حتى وافته منيته سنة إحدى ومائة من الهجرة. انظر تاريخ الخلفاء ص١٥٣، تهذيب الأسماء ٢-١٧، وتهذيب التهذيب ٧-٤٧٥. كعب الأحبار: هو، أبو إسحاق كعب بن مانع الحميري، كان من أحبار اليهود، وأوسعهم اطلاعا على كتبهم، ويقال له: كعب الحبر وكعب الأحبار، وهو

стр. 180

من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية، والإسلام ولد باليمن وأقام بها، وفي خلافة عمر ﵁ أسلم، وانتقل إل المدينة، فأخذ عن الصحابة الكتاب والسنة، وشارك في غزو الروم ثم انتقل إلى الشام في خلافة عثمان، ﵁، وأقام بمدينة حمص إلى أن مات بها سنة ثنتين وثلاثين، وقيل أربع وثلاثين، وقد بلغ مائة وأربع سنين. وذكر ابن سعد بطريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان، عن ابن المسيب أن العباس، قال لكعب: ما منعك أن تسلم في عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر حتى أسلمت في خلافة عمر، قال: إن أبي كان كتب لي كتابا من التوراة، فقال: اعمل بهذا وختم على سائر كتبه، وأخذ علي بحق الوالد على الولد أن لا أفض الختم عنها، فلما رأيت ظهور الإسلام، قلت لعلي: أبي غيب عني علما ففتحتها، فإذا صفة محمد وأمته فجئت الآن مسلما. ا. هـ. وفي سند هذا الخبر حماد بن سلمة، وهو مختلط تحاماه البخاري، وتحاماه مسلم أيضا لكن في غير روايته عن ثابت لبقائها في ذهنه، كما هي بعد الاختلاط، وفيه أيضا علي بن زيد بن جدعان، وضعفه غير واحد. روى كعب عن رسول الله ﷺ مرسلا، وعن عمر وصهيب وعائشة وروى عنه معاوية، وأبو هريرة، وابن عباس وعبد الله بن عمرو. وعبد الله بن عمر، وابن الزبير، وأنس، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم وأخرج له البخاري ومسلم وأبو داود، والترمذي، والنسائي. ثناء العلماء عليه: ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، واتفقت كلمة نقاد الحديث على توثيقه، ولذا لا تجد له ذكرا في كتب الضعفاء والمتروكين، وترجم له النووي في تهذيبه وقال: اتفقوا على كثرة علمه، وتوثيقه. قالوا: ذكر أبو الدرداء كعبا فقال: إن عند ابن الحميرية لعلما كثيرا وذكره معاوية، فقال: ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء إن كان عنده لعلم كالبحار وإن كنا لمفرطين، ولقيه عبد الله بن سلام عند أمير المؤمنين عمر ﵁، فقال له يا كعب: من العلماء
следующие страницы →