← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8656

الحديث والمحدثون

محمد محمد أبو زهو

Полный текст (513 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حتى تأهل للفتيا وأذنه مولاه بها، فقصده الناس من كل صوب وطرقوا باب للرواية والفتيا، وكان إلى جانب علمه بالسنة، والفقه من مشاهير القراء والمفسرين. وقد ظل على الرق حتى مات ابن عباس، وصار إلى ولده علي فباعه إلى خالد بن يزد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فجاء عكرمة إلى علي وقال له ما خير لك. بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار، فاستقال علي من بيعه وأعتقه. عاش عكرمة إلى سنة ١٠٥ من الهجرة، وله من العمر نيف وثمانون سنة. شيوخه وتلاميذه، ومنزلته في الرواية: أخذ عكرمة الحديث عن كثير من الصحابة، منهم عبد الله بن عباس مولاه والحسن بن علي وأبو قتادة وابن عمر، وأبو هريرة وأبوسعيد ومعاوية وابن عمرو بن العاص. وتلقى عنه الحديث جماعات من التابعين، منهم أبو الشعثاء والشعبي، والنخعي وأبو إسحاق السبيعي، وابن سيرين وعمرو بن دينار، وكثير من التابعين وغيرهم. وقد وثق الأئمة، والمحققون عكرمة واحتجوا به، ومن هؤلاء البخاري وأصحاب السنن، ولكن مسلما تركه، فلم يخرج له إلا حديثا واحدا في الحج مقرونا بسعيد بن جبير. وإنما تركه لطعن طائفة من العلماء فيه بأنه كذاب، وبأنه كان يرى رأي الخوارج، وبأنه كان يقبل جوائز الأمراء. وقد صنف كثير من الأئمة كتبا في الذب، عن عكرمة منهم أبو جعفر بن جرير الطبري، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو عبد الله بن منده، وأبو حاتم ابن حبان، وأبو عمر بن عبد البر وغيرهم. وممن تصدى للدفاع عنه

стр. 177

أيضا الحافظ ابن حجر في مختصره لتهذيب الكمال، وفي مقدمته لفتح الباري، وكلهم مجمعون على تبرئته من الكذب، وأن الأثر الوارد عن ابن عمر أنه قال لنافع: "لا تكذب علي كما كذب عكرمة علي ابن عباس"، لم يثبت؛ لأنه من رواية أبي خلف الجزار عن يحيى البكاء، أنه سمع ابن عمر يقول ذلك، ويحيى البكاء متروك الحديث. ومن المحال أن يجرح العدل بكلام المجروح. وهم مجمعون أيضا على أنه لم يثبت عنه أنه كان يرى رأي الخوارج، وغاية ما هناك أنه كان يرى في بعض المسائل ما يوافق آراءهم من غير أن يقصد إلى هذا الوفاق، ولكن بناء على ما قام لديه من الأدلة، فنسبوه إليهم عن غير بينة ولا برهان، ولو كان من ادعى عليه أنه ينتحل مذهبا رديئا، يعد مجروحا لمجرد الدعوة لسقطت عدالة أكثر المحدثين؛ لأنه ما من أحد منهم، إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه. وأما قبول جوائز الأمراء فالأئمة والنقاد، وجماهير المحدثين لا يرون ذلك مانعا من قبول الرواية، وهذا محمد بن شهاب الزهري، كان في ذلك أشهر من عكرمة، ومع ذلك لم يترك أحد من الأئمة الرواية عنه بسبب ذلك. طرف من ثناء العلماء عليه: قال البخاري: "ليس أحد من أصحابنا، إلا احتج بعكرمة"، وعن ابن معين: "إذا رأيت إنسانا يقع في عكرمة، فاتهمه على الإسلام"، وقال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: "أجمع عامة أهل العلم على الاحتجاج بحديث عكرمة، واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا، منهم أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وأبو نور

стр. 178

ويحيى بن معين. ولقد سألت إسحاق عن الاحتجاج بحديثه فقال: عكرمة عندنا أمام أهل الدنيا، وتعجب من سؤالي إياه"، وقال ابن منده: "عدله أمة من التابعين تزيد على سبعين رجلا من خيار التابعين، وهذه منزلة لا تكاد توجد لأحد من كبار التابعين، على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك عن الرواية عنه، ولم يستغن عن حديثه. وكان حديثه متلقى بالقبول قرنا بعد قرن إلى زمن الأئمة، الذين أخرجوا الصحيح. على أن مسلما، وكان أسوأهم رأيا فيه قد أخرج له مقرونا بغيره". ا. هـ. وقال أبو عمر بن عبد البر: "كان عكرمة من جلة العلماء، ولا يقدح فيه كلام من تكلم فيه؛ لأنه لا حجة مع أحد منهم"، قال: "وزعموا أن مالكا أسقط ذكر عكرمة من الموطأ، ولا أدري ما صحته؛ لأنه قد ذكره في الحج وصرح باسمه ومال إلى روايته عن ابن عباس، وترك عطاء في تلك المسألة مع كون عطاء أجل التابعين في علم المناسك". ا. هـ. ومن ذلك يتضح أنه إذا روى الثقات عن عكرمة حديثا، فلا ينبغي أن يرتاب فيه "تهذيب الأسماء ١-٣٤٠، ومقدمة فتح الباري ٢-١٤٨، وما بعدها وتهذيب التهذيب ٧-٢٦٣". عمر بن عبد العزيز: هو، أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي، الأموي التابعي العظيم، الخليفة الراشد، والإمام العادل والعالم الكامل. ولد عمر بمصر ببلدة حلوان، وأبوه أمير عليها سنة إحدى وستين، جمع القرآن وهو صغير وبعثه أبوه إلى المدينة يتادب بها، ويتعلم الدين، ويحفظ السنن، فكان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، فلما توفي أبوه طلبه عبد الملك بن مروان إلى دمشق وزوجه ابنته

стр. 179

فاطمة. وولي إمارة المدينة زمنا في خلافة الوليد، ثم قدم الشام سنة ٩٣، وبويع بالخلافة سنة ٩٩. سمع الحديث من أنس بن مالك، والسائب بن يزيد ويوسف بن عبد الله بن سلام، وخولة بنت حكيم، وغيرهم من الصحابة ومن التابعين كابن المسيب، وعروة وأبي بكر بن عبد الرحمن، والربيع بن سبرة وغيرهم. وروى عنه كثير من التابعين، أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، والزهري ويحيى الأنصاري، ومحمد بن المنكدر وحميد الطويل وآخرون. أجمع العلماء على كثرة علمه وصلاحه، وزهده وورعه وعدله، وحرصه على اتباع آثار النبي ﷺ ، والخلفاء الراشدين. كان عمر كثير الاهتمام بحديث رسول الله ﷺ حفظا، وجمعا حتى إنه لما أن تولى الخلافة، أصدر أمره إلى علماء الآفاق، بكتابة حديث رسول الله ﷺ . كما أمرهم بالجلوس للتحديث، والرواية حتى لا تضيع الأحاديث بموت كبار العلماء من التابعين، وهو أول خليفة أمر بذلك. وكان عمر ثقة حجة، حافظا شهد له بذلك العلماء، حتى لقد كان يقرن بالزهري في علمه. قال مجاهد: أتيناه لنعلمه فما برحنا حتى تعلمنا منه. وما زال هذا شأنه حتى وافته منيته سنة إحدى ومائة من الهجرة. انظر تاريخ الخلفاء ص١٥٣، تهذيب الأسماء ٢-١٧، وتهذيب التهذيب ٧-٤٧٥. كعب الأحبار: هو، أبو إسحاق كعب بن مانع الحميري، كان من أحبار اليهود، وأوسعهم اطلاعا على كتبهم، ويقال له: كعب الحبر وكعب الأحبار، وهو

стр. 180

من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية، والإسلام ولد باليمن وأقام بها، وفي خلافة عمر ﵁ أسلم، وانتقل إل المدينة، فأخذ عن الصحابة الكتاب والسنة، وشارك في غزو الروم ثم انتقل إلى الشام في خلافة عثمان، ﵁، وأقام بمدينة حمص إلى أن مات بها سنة ثنتين وثلاثين، وقيل أربع وثلاثين، وقد بلغ مائة وأربع سنين. وذكر ابن سعد بطريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان، عن ابن المسيب أن العباس، قال لكعب: ما منعك أن تسلم في عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر حتى أسلمت في خلافة عمر، قال: إن أبي كان كتب لي كتابا من التوراة، فقال: اعمل بهذا وختم على سائر كتبه، وأخذ علي بحق الوالد على الولد أن لا أفض الختم عنها، فلما رأيت ظهور الإسلام، قلت لعلي: أبي غيب عني علما ففتحتها، فإذا صفة محمد وأمته فجئت الآن مسلما. ا. هـ. وفي سند هذا الخبر حماد بن سلمة، وهو مختلط تحاماه البخاري، وتحاماه مسلم أيضا لكن في غير روايته عن ثابت لبقائها في ذهنه، كما هي بعد الاختلاط، وفيه أيضا علي بن زيد بن جدعان، وضعفه غير واحد. روى كعب عن رسول الله ﷺ مرسلا، وعن عمر وصهيب وعائشة وروى عنه معاوية، وأبو هريرة، وابن عباس وعبد الله بن عمرو. وعبد الله بن عمر، وابن الزبير، وأنس، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم وأخرج له البخاري ومسلم وأبو داود، والترمذي، والنسائي. ثناء العلماء عليه: ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، واتفقت كلمة نقاد الحديث على توثيقه، ولذا لا تجد له ذكرا في كتب الضعفاء والمتروكين، وترجم له النووي في تهذيبه وقال: اتفقوا على كثرة علمه، وتوثيقه. قالوا: ذكر أبو الدرداء كعبا فقال: إن عند ابن الحميرية لعلما كثيرا وذكره معاوية، فقال: ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء إن كان عنده لعلم كالبحار وإن كنا لمفرطين، ولقيه عبد الله بن سلام عند أمير المؤمنين عمر ﵁، فقال له يا كعب: من العلماء

стр. 181

قال: الذين يعملون بالعلم قال: فما يذهب العلم من قلوب العلماء، قال: الطمع وشره النفس، وتطلب الحاجات إلى الناس قال: صدقت. طعن بعض المعاصرين فيه، وتفنيد ذلك: ومع ثناء العلماء عليه، وتوثيق النقاد له وإخراج البخاري، ومسلم وأصحاب السنن عنه نجد بعض المغرورين في هذا العصر من أدعياء العلم، يطعن في كعب بأنه كان يكذب في الأخبار، وأن له يدا في مقتل عمر ﵁. أما إنه كان يكذب في الأخبار، فدليله عندهم ما رواه البخاري في كتاب الاعتصام، عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية، يحدث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب"، والجواب عن ذلك أن هذا القول من معاوية، توثيق لكعب وثناء عليه بأنه أصدق المحدثين عن أهل الكتاب، وأن في بعض تلك الأخبار التي ينقلا بأمانة ما لا يطابق الواقع، فالكذب حينئذ مضاف إلى تلك الكتب، التي ينقل عنها لا إلى كعب، ولذلك يقول ابن الجوزي: المعنى أن بعض الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذبا لا أنه يتعمد الكذب، وإلا فقد كان كعب من أخيار الأحبار". ا. هـ فما أشبه قول معاوية: "وإن كنا لنبلو عليه الكذب"، بقول ابن عباس فيه: "بدل من قبله وقع في الكذب". وأما قولهم: أن له يدا في مقتل عمر ﵁، فدليله عندهم ما رواه ابن جرير أن كعبا، جاء إلى عمر بن الخطاب قبل مقتله بثلاثة أيام، وقال له: اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام، قال وما يدريك، قال: أجده في كتاب الله في التواة، قال عمر: إنك لتجد عمر بن

стр. 182

الخطاب في التوراة، قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك، وأنه قد فني أجلك" قالوا: فهذه القصة تدل على وقوف كعب على مكيدة قتل عمر، بل على اشتراكه فيها، ثم وضعها هو في هذه الصيغة الإسرائيلية ليدفع عن نفسه التهمة، ولينال ثقة المسلمين فيما يخبرهم به عن التوراة وغيرها. والجواب أن ابن جرير، وغيره من المؤرخين لم يلتزموا الصحة فيما ينقلون ويحكون، ولذا تجد في كتبهم الضعيف والموضوع، والباحث المنصف إذا نقل خبرا من هذه الكتب ينبغي أن يمحصه سندا ومتنا، ولا يأخذه قضية مسلمة. ونحن إذا نظرنا في هذه القصة لا نشك في أنها تنادي على نفسها بالكذب والاختلاق، وذلك: ١- لأنها لو كانت في التوراة لما اختص بعلمها كعب وحده، ولكن كان يشاركه العلم بها، أمثال عبد الله بن سلام ممن لهم علم بالتوراة. ٢- ولأنها لو صحت لكان المنتظر من عمر حينئذ أن لا يكتفي بقول كعب، ولكن يجمع طائفة ممن أسلم من أهل الكتاب، ولهم إحاطة بالتوراة، ويسألهم عن هذه القصة، وهو لو فعل لافتضح أمر كعب، وظهر للناس كذبه، ولتبين لعمر أنه شريك في مؤامرة دبرت لقتله، أو أنه على علم بها، وحينئذ يعمل عمر على الكشف عنها بشتى الوسائل، وينكل بمدبريها، ومنهم كعب هذا هو المنتظر من أي حاكم عادي يقال له مثل ذلك، فضلا عن عمر، المعروف بكمال الفطنة، وحدة الذهن، وتمحيص الأخبار. لكن شيئا من ذلك لم يحصل، فكان ذلك دليلا على اختلاقها.

стр. 183

٣- وأيضا فإنها لو صحت لكان معناها أن كعبا له يد في المؤامرة، وأنه يكشف عن نفسه بنفسه، وذلك باطل لمخالفته طباع الناس، إذ المعروف أن من اشترك في مؤامرة، يبالغ في كتمانها بعد وقوعها، تفاديا من تحمل تبعتها، ويشتد حرصه، وتزداد مبالغته في الكتمان قبل وقوعها، حرصا على نجاحها، فالكشف عن المؤامرة قبل وقوعها لا يكون إلا من مغفل أبله، وهذا خلاف ما كان عليه كعب، من حدة الذهن، ووفرة الذكاء. ٤- ثم ما للتوراة وتحديد أعمار الناس، وتاريخ وفياتهم؟ إن الله إنما أنزل الكتب نورا وهدى للناس، لا لمثل لهذه الأخبار التي لا تعدو أصحابها. ومن ذلك كله يتبين لك أن هذه القصة مفتراة بدون أدنى اشتباه، وإن رمي كعب بالكيد للإسلام في شخص عمر، والكذب في النقل عن التوراة، اتهام باطل لا يستند على دليل أو برهان، ومن عجيب أمر هؤلاء الطاعنين، أنهم يجعلون روايات المؤرخين حجة، لا يأتيها الباطل بحال إذا كان لهم غرض في إثبات مضمونها، ويتشككون في روايات البخاري، ومسلم إذا جاءت على غير ما يشتهون. وهب بن منبه: هو، التابعي العابد الثقة، أبو عبد الله وهب بن منبه، اليماني الصنعاني، عالم أهل اليمن وحافظهم، وقاضيهم على مدينة صنعاء، كان من أبناء فارس، وأصل والده "منبه" من خراسان، من أهل هراة، بعثه كسرى فيمن بعثه لأخذ اليمن، وأسلم في حياة النبي ﷺ ، وولد له وهب هذا سنة أربع وثلاثين، وهو باليمن

стр. 184

وكانت له -إلى جانب علمه بالكتاب والسنة- خبرة واسعة بكتب أهل الكتاب والتاريخ والشعر، حتى اجتمع له علم عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، روى عنه أنه قال: يقولون عبد الله بن سلام أعلم أهل زمانه، وكعب أعلم أهل زمانه، أفرأيت من جمع علمهما، "يعني نفسه"، روى الحديث عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري وجابر وغيرهم. وروى عنه ابناه عبد الله وعبد الرحمن، وابن أخيه عبد الصمد وعمرو بن دينار وسماك بن الفضل، وعوف الأعرابي وآخرون. وأخرج له البخاري، ومسلم وأبو داود والنسائي، والترمذي -وكانت وفاته سنة مائة وعشر في أحد الأقوال. ثناء العلماء عليه: قال العجيلي: كان وهب ثقة تابعيا، وقال الذهبي: كان ثقة صادقا كثير النقل من كتب الإسرائيليات، وقال النسائي: ثقة، وقال أحمد: كان يتهم بشيء من القدر ثم رجع، وقال ابن حجر: وثقة الجمهور وشذ الفلاس فقال: كان ضعيفا وشبهته في ذلك أنه كان يتهم بالقول في القدر، وقال مثنى بن الصباح: لبث وهب عشرين سنة لم يجعل بين الفجر، والعشاء وضوءا. وممن أثنى عليه عمر بن عبد العزيز، كتب إليه وهب: إني فقدت من بيت مال اليمن دنانير، فكتب إليه عمر: أما بعد فإني لست أتهم دينك ولا أمانتك، ولكن أتهم تضييعك وتفريطك، وإنما أنا حجيج المسلمين في مالهم، وإنما لأشحهم يمينك فاحلف لهم، والسلام. وإذ قد تبين لك مما أسلفنا أن كعبا، ووهبا كانا من خيار التابعين، نرانا مسوقين إلى ذكر كلمة عن "الإسرائيليات" يتبين لك منها -إن شاء الله- مدى كذب من يقدحون فيهما، وفيمن أخذ عنهم فنقول:

стр. 185

الإسرائيليات: "على أي وجه كانت تروى وتؤخذ، أخذها بالميزان الشرعي لا يعد طعنا في الصحابة والتابعين، لا خطر من الإسرائيليات إذا وزنت بميزان الشرع، التوفيق بين النهي عن سؤال أهل الكتاب، والإذن بالتحديث عنهم، ذكر الإسرائيليات في كتب الأئمة لا يفيد أنها صحيحة. كعب ووهب ليسا من اليهود". ١- ما رواه الصحابة رضوان الله عليهم، عن كعب الأحبار ووهب ابن منبه وأضرابهما ليس هو الحديث النبوي، وإنما هو أخبار إسرائيلية، نقلها هؤلاء عن كتب أهل الكتاب. ٢- وقد أخبر الله عن أهل الكتاب أنهم غيروا في كتبهم وبدلوا، فامتزج الحق فيها بالباطل، والصدق بالكذب، ومن أجل ذلك كان موقف الصحابة إزاء ما يروى لهم منها: ١- أن يصدقوا ما وافق القرآن أو السنة؛ لأن هذه الموافقة دليل على أن الموافق لم تتناوله يد التحريف والتبديل. ٢- وأن يكذبوا ما جاء على خلاف القرآن أو السنة؛ لأنا المخالفة دليل على أن أيديهم قد امتدت إليها بالعبث والتغيير. ٣- وأما ما لا يصدقه شرعنا ولا يكذبه، واحتمل أن يكون وأن لا يكون، فقد جاء فيه حديث البخاري، عن أبي هريرة قال: "كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، و ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم﴾ ... الآية "، وحديث ابن عبد البر، عن عطاء بن يسار قال: "كانت يهود يحدثون أصحاب النبي ﷺ ، فيسبحون كأنهم يتعجبون، فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي

стр. 186

أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون"، وحكمة النهي عن التصديق، والتكذيب في هذا الضرب من أخبارهم أفصح عنها حديث أبي نملة الأنصاري عند ابن عبد البر: "أنه بينا هو جالس عند رسول الله صلى الله عله وسلم جاءه رجل من اليهود، فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة، فقال رسول الله ﷺ : "الله أعلم"، فقال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم، فقال رسول الله ﷺ : ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقا لم تكذبوهم، وإن كان باطلا لم تصدقوهم"، ولفظ عبد الرزاق في هذا الحديث: "فإن كان باطلا لم تصدقوه، وإن كان حقا لم تكذبوه"، وقد أشار إلى ما أسلفنا صاحب فتح الباري إذ يقول: "قوله لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم"، أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملا، لئلا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه، أو كذبا فتصدقوه، فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه، نبه على ذلك الشافعي ﵀. ا. هـ "ج٨-ص١٢٩ من الأميرية". ٣- ولا ينبغي أن يجعل من تلقى الإسرائيليات على هذا الوجه، ذريعة للطعن في صحابة رسول الله ﷺ ، وذلك؛ لأنهم كانوا يزنوها بالميزان الشرعي كما أسلفنا، وكان ذلك منهم بعد استقرار أصول الشريعة وإرساء قواعدها، وكان في الأخبار والقصص لا في العقائد والأحكام، فلم تكن رواية هذه الأخبار بالتي تزلزل عقائدهم، أو تشوش أفكارهم، ومنزلتهم معروفة في العلم والدين -كما لا ينبغي أن يتخذ من رواية هذه الإسرائيليات، وسيلة للطعن في رواتها من

стр. 187

أمثال كعب ووهب ممن أثنى عليهم الصحابة، وزكاهم أهل البصر بالتعديل والتجريح، وذلك؛ لأنهم حكوها عن الكتب غير مصدقين لها على الإطلاق، بل كانت عقيدتهم فيا كعقيدة الصحابة، ما جاء على وفق شرعنا صدقوه، وما خالفه كذبوه، وما لم يوافق أو يخالف شرعنا ردوا فيه العلم إلى الله ، وما مثلهم فيما ينقلون، ويحكون إلا كمثل رجل أمين أراد أن يطلعك على كتاب مؤلف بغير لسانك، فترجمه إلى لغة تفهمها، لعرف ما فيه إن صدقا، وإن كذبا، والصدق أو الكذب حينئذ يضاف إلى الكتاب لا إلى الناقل، وليس أمثال ابن مسعود، وابن عباس وأبي هريرة، وابن عمرو بالقاصرين عن تمييز الخبيث من الطيب حتى يقال: أن نقلها إليهم يشوش على أفكارهم وعقائدهم. ٤- أما إذا أخذت الإسرائيليات على غير المنهج الشرعي، كأن صدق الآخذ جميع ما فيها أو كذبه، أو كان غير ملم باصول الشريعة وقواعدها، أو لم يكن لديه من قوة النظر، وشفوف الذهن ما به يستطيع أن يميز بين حقها وباطلها، أو جعلها من موارد الشريعة، يأخذ عنها العقائد والأحكام، فإنه حينئذ يكون لها أكبر الأثر في إفساد العقيدة، وتشويش الأفكار، وقد نهى الشارع عن أخذها كذلك أعظم النهي، روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث، تقرءونه محضا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله، ليشتروا به ثمنا قليلا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم، عن الذي أنزل عليكم" وروى عبد الرازق عن عبد الله "هو ابن مسعود" قال: لا تسألوا أهل

стр. 188

الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم، وقد أضلوا أنفسهم، فتكذبون بحق، وتصدقون بباطل، "زاد في رواية" إن كنتم سائليهم لا محالة فانظروا ما واطأ كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه"، وروى ابن عبد البر عن يحيى بن جعدة قال: أتى النبي ﷺ بكتاب في كتف، فقال: كفى بقوم حمقا وضلالة، أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى نبي غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم، فأنزل الله : أو لم يكفهم إنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ... الآية"، وأخرج ابن عبد البر بإسناد فيه "مجالد": أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض الكتب، فقال: يا رسول الله إني أصبت كتابا حسنا من بعض أهل الكتاب، قال: فغضب وقال: "أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيحدثونكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا، ما وسعه إلا أن يتبعني"، إلى غير ذلك من الأحاديث والآثار، وإن يكن في بعضها مقال، فتعدد طرقها، يعطيها قوة تجعلها صالحة للاحتجاج. ٥- وقد التبس على بعض المعاصرين، الذين اعتادوا أن يتلقفوا عن الكتب كل صحيح وسقيم، وجه التفويق بين هذه الأحاديث، والآثار التي تفيد النهي عن سؤال أهل الكتاب، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص في جواز الإذن بالتحديث عن أهل الكتاب، وهو ما رواه البخاري عنه، ﵁، إن النبي ﷺ قال: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار"، فزعم أن الحديث باطل غير صحيح، والحديث صحيح والحمد لله، ويكفيك أنه في صحيح البخاري مسندا موصولا،

стр. 189

ولم يتكلم فيه أحد من أهل هذا الشأن بكلمة، ولا تعارض بينه، وبين ما ذكرنا من الأحاديث والآثار، وذلك؛ لأن المعنى حدثوا عنهم بما تعلمون صدقه، وهو ما يوافق القرآن، أو السنة الصحيحة، لما في الحديث عنهم من العظة والاعتبار، ولا يجوز أن يكون المعنى، حدثوا عنهم بكل حديث حق أو باطل، إذ من المعلوم ضرورة أن النبي ﷺ لا يجيز التحديث بالكذب، كما لا يجوز أن يكون المعنى. حدثوا عنهم بما لاتعلمون كذبه، لما سنذكره، وقوله في الحديث: "ولا حرج" أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان قد تقدم منه ﷺ الزجر عن الأخذ عنهم، والنظر في كتبهم، على ما سمعت، ثم حصل التوسع في ذلك، لا لكل أحد، ولكن لم رسخ في علوم الشريعة، وتمكن من معرفة أصولها، وصار لديه من قوة النظر، ما به يستطيع أن يميز بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، كما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص، أصاب يوم "اليرموك" زاملتين من علوم أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما أذن به الشارع لا بكل ما فيهما، "كما يقول الجاهلون والمقصرون"- هذا وحذاق العلماء قديما وحديثا، من دأبهم أن ينظروا في كتب أهل الكتاب، ليجادلوهم بالتي هي أحسن، وليقيموا عليهم الحجة على صحة الرسالة المحمدية بما يعتقدون، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ، وقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، وقال: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ ، أي التوراة. قال الحافظ في الفتح "ج٦-ص٣٦١ من الأميرية": "وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية، والقواعد الدينية،

стр. 190

خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار". ا. هـ وينبغي أن يخص الإذن بمن تمكن في علوم الشريعة، وقويت معرفته بأصولها كما ذكرنا، وإلا لحدث اللبس والتخليط في العقائد١ وقد صرح بذلك الحافظ نفسه في موضع آخر من فتح الباري "ج١٣-ص٤٣٨" إذ يقول: "والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن، ويصر من الراسخين في الإيمان، فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك، بخلاف الراسخ فيجوز له، ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف، ويدل على ذلك نقل الأئمة قديما وحديثا من التوراة، وإلزامهم اليهود بالتصديق بمحمد ﷺ ، بما يستخرجونه من كتابهم، ولولا اعتقادهم جواز النظر فيه لما فعلوه، وتواردوا عليه". ا. هـ وبهذا البيان تجتمع لديك الأحاديث والآثار، ولا يكون بينها تناقض أو اختلاف -ويرى بعضهم أن معنى حديث عبد الله بن عمرو: حدثوا عن بن إسرائيل بما لم يثبت لديكم كذبه في المواعظ والقصص، لا في العقائد والأحكام- وحمل

стр. 191

الحديث على هذا المعنى غير مرضي عندنا، وذلك؛ لأن ما لم يثبت كذبه نوعان: "أحدهما" ما ثبت صدقه، وهذا تجوز حكايته بإطلاق، ولا ينبغي أن يخص بالمواعظ والقصص، و"ثانيهما" ما لم يثبت صدقه ولا كذبه، ولا فائدة تعود على المسلمين من التحديث بهذا النوع، بعد قوله ﷺ فيه: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم" ... الحديث" وشرعنا والحمد لله مكتف بنفسه، وليس بحاجة إلى مثل هذا، ففيه من العقائد والأحكام، والأخلاق والآداب، والمواعظ والأمثال، ما فيه من العقائد والأحكام، والأخلاق والآداب، والمواعظ والأمثال، ما فيه كفاية وذكرى، لكل من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. ٦- وفي تفاسير كبار الأئمة كثير من الإسرائيليات المنسوبة إلى كعب ووهب وغيرهما، كما تراه في تفسير ابن جرير وغيره، ولا ينبغي أن يذم هؤلاء الأئمة بذكرها في كتبهم؛ لأنهم رووها على أنها إسرائيليات توزن بميزان الشرع؛ ولأنهم قد ذكروا أسانيدها إلى قائليها، تاركين تمييز صحيحها من باطلها لمن يأتي بعدهم، كما فعل المحدثون عند تدوين الحديث؛ ولأنهم بذكر الإسناد قد برئوا من عهدتها؛ لأن أحوال الرجال كانت معروفة لمعاصريهم، على خلاف ما نحن عليه اليوم. هذا وليس كل ما ينسب إلى كعب، ووهب وأضرابهما صحيحا، فقد اختلق عليهم الوضاعون كثيرا، ليروجوا باطلهم بنسبته إليهم، وتناقل هذه الأخبار المكذوبة بعض القصاص والمؤرخين والأدباء، وبعض القاصرين من المفسرين، على أنها حقائق، من غير أن يتثبتوا من صحة نسبتها إلى من عزيت له، وبدون أن يفطنوا إلى أنهم كانوا يروونها على أنها إسرائيليات بتقدير صحتها عنهم، فضلوا وأضلوا، والذنب ليس ذنب كعب ووهب، ولكنه ذنب القصور والتقصير.

стр. 192

٧- ومن المضحكات المبكيات، ما زعمه بعض أدعياء العلم في عصرنا، من أنه قد عني بمطالعة الكتب التي ألفها أعداء الدين، فوجد أكثر المطاعن التي تتخذ شبهة على الإسلام، مأخوذة عن إسرائيليات، تروى عن كعب ووهب، وهذا يدل -في نظره القاصر- على أنهما من اليهود الذين تظاهروا بالإسلام ليفسدوه، وزعم هذا الدعي أيضا أن الصحاة والتابعين، ومن بعدهم من علماء الجرح والتعديل، قد أثنوا عليهما خيرا وعدلوهما، من غير أن يفطنوا إلى ما فطن له هو من أمرهما -وهذا الزعم بنوعيه لا يصدر إلا عن جاهل قد ملأه الغرور، أو مجنون لا يدري ما يقول، ولو أنه كلف نفسه النظر في أسانيد هذه الروايات، التي تنسب إليهما ليتبين أصحيحة هي عنهما أم باطلة، ثم تأمل بعد ذلك إلى أنهما، كانا يرويانها على أنها إسرائيليات، ما رمى الصحابة والتابعين ومن بعدهما من حذاق الناقدين، بهذا البهتان المبين. سعيد بن المسيب: هو التابعي الجليل، أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي، أبوه وجده صحابيان، أسلما يوم فتح مكة. ولد سعيد لسنتين مضا من خلافة عمر بن الخطاب. ورأى عمر وسمع منه ومن عثمان، وعلي وسعد بن أبي وقاص وابن عباس، وابن عمر وجبير بن مطعم وعبد الله بن زيد بن عاصم، وحكيم بن حزام وأبي هريرة، ومعاوية وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة وأم سلمة وغيرهم من الصحابة. وروى عنه جماعات من أعلام التابعين، كعطاء بن أبي رباح ومحمد

стр. 193

الباقر وعمرو بن دينار، ويحيى الأنصاري والزهري "الذي أكثر عنه من الرواية" وخلائق غيرهم. اتفق العلماء على إمامته وجلالته، وتقدمه على أهل عصره في الحديث والعلم والفضل، فقد كان رئيس أهل المدينة، في الفتوى والفقه حتى كانوا يسمونه "فقيه الفقهاء"، قال قتادة: "ما رأيت أحدا أعلم بحلال الله وحرامه من سعيد بن المسيب"، وقال مكحول: "طفت الأرض كلها في طلب العلم، فما لقيت أحدا أعلم من سعيد بن المسيب"، وكان سعيد يقول: "كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد". أجمع أهل الحديث على ثقته، وعدالته وضبطه، وجدارته وشدة حرصه في طلب الحدث، وضعفه بحفظه وجمعه. كان سعيد لا يأخذ عطاء السلطان، ويتعيش من تجارته في الزيت، وكان شديد الورع في الدين، زاهدا في الدنيا، توفي سنة ٩٣هـ. عروة بن الزبير: هو، أبو محمد عروة بن الزبير بن العوام القرشي، الأسدي، المدني، التابعي الجليل، كان من حفاظ الحديث المتقنين. سمع أباه الزبير وأخاه عبد الله، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وخالته عائشة أم المؤمنين، وسعيد بن زيد وحكيم بن حزام، وأبا هريرة وكثيرا من الصحابة والتابعين، وروى عنه عطاء وابن أبي مليكة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن والزهري، وعمر بن عبد العزيز، كما روى عنه أبناؤه الخمسة هشام، ومحمد ويحيى وعبد الله وعثمان وغيرهم. كان عروة كثير الحديث، بحكم اختلاطه بخالته عائشة أم المؤمنين،

стр. 194

وشدة حرصه في طلب العلم وروايته، مع الثقة التامة والضبط، والأمانة شهد له بذلك علماء الحديث من التابعين، وغيرهم. فابن شهاب الزهري يقول: "كان عروة بحرا لا يكدر". وهذا ابنه هشام يقول: "والله ما تعلمنا منه جزءا من ألفي جزء من حديثه"، وابن عيينة يقول: "كان أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة، القاسم وعروة وعمرة"، وقال محمد بن سعد: "كان ثقة كثير الحديث، فقيها مأمونا عالما ثبتا"، توفي عروة سنة ٩٤هـ. على أحد الأقوال. نافع مولى ابن عمر: هو، أبو عبد الله نافع مولى عبد الله عمر بن الخطاب ﵃، مكنت له سماحة الإسلام، أن أصبح من الأئمة الأعلام، مع أنه كان مملوكا لعبد الله بن عمر، فلم تلهه خدمة سيده عن التفقه في الدين، وحفظ كثير من حديث سيد المرسلين، فسمع سيده عبد الله بن عمر، وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري، وأبا لبابة ورافع بن خديج، وعائشة وغيرهم من الصحابة، وخلائق من التابعين، منهم القاسم وسالم ويزيد بن عبد الله، وأسلم مولى عمر وعبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، والحكم بن عيينة ويحيى الأنصاري، ومحمد بن عجلان والزهري، وصالح بن كيسان وأيوب وحميد الطويل، وميمون بن مهران وموسى بن عقبة، وابن عون والأعمش وغيرهم من التابعين. وروى عنه من غير التابعين ابن جريج، والأوزاعي ومالك والليث، ويونس بن عبيد وابن أبي ذؤيب، وبنو نافع عبد الله وعمر وأبو بكر، وابن أبي ليلى، والضحاك بن عثمان، وكثير غيرهم.

стр. 195

أجمعوا على توثيقه، وأمانته وعلو منزلته في رواية الحديث، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، وقال مالك: إذا سمعت من نافع حديث عن ابن عمر، لا أبالي إلا أسمعه من غيره". وقال عبيد الله بن عمر: لقد من الله علينا بنافع"، وقال ابن عيينة: أي حديث أوثق من حديث نافع"، ولبعد شأوه في الحديث والفقه، ومعرفته بسنة رسول الله ﷺ ، انتدبه عمر بن عبد العزيز الخليفة العالم، بمصر يعلمهم أحكام الدين، ويرويهم الحديث. قال محمد بن سعد: "بعث عمر بن عبد العزيز نافعا إلى مصر يعلمهم السنة" قال: "وكان كثير الحديث"، توفي نافع بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة. عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: هو، التابعي الجليل، والحافظ المتقن، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني. اتفقوا على إمامته وجلالته، وكثرة حفظه للحديث، وضبطه له وثقته فيه، حتى كان ابن عباس يعزه ويكرمه، لنباهته وعلو شأنه في الحديث والفقه، ويقول الزهري: "ما جالست عالما، إلا ورأيت أني أتيت على ما عنده، إلا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، فإني لم آته إلا وجدت عنده علما طريفا"، قال عبيد الله: ما سمعت حديثا قط، فأشاء أن أعيه إلا وعيته"، ولعلو كعبه في علوم الدين وحفظه لكثير من حديث رسول الله ﷺ ، اختير لأن يكون معلما لعمر بن عبد العزيز. قال ابن سعد: "كان عالما ثقة، فقيها كثير الحديث". أخذ عبيد الله العلم عن جماعات من الصحابة، فسمع ابن عباس وابن عمر، وأبا هريرة، وأبا سعيد الخدري، وأبا واقد الليثي، وزيد بن

стр. 196

خالد والنعمان بن بشير وعائشة، وفاطمة بنت قيس وغيرهم من الصحابة، كما سمع كثيرا من كبار التابعين. وروى عنه الحديث عراك بن مالك، والزهري وأبو الزناد، وصالح بن كيسان وغيرهم. وتوفي سنة ٩٩ على أحد الأقوال. سالم بن عبد الله بن عمر: هو، أبو عبد الله سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، القرشي العدوي، المدني التابعي الإمام، سمع أباه وأبا أيوب الأنصاري، ورافع بن خديج، وأبا هريرة وعائشة، كما سمع جماعات من التابعين، وروى عنه من التابعين عمرو بن دينار، ونافع مولى أبيه والزهري، وموسى بن عقبة، وحميد الطويل، وصالح بن كيسان وغيرهم من التابعين، كما يروى عنه خلائق من أتباع التابعين. أجمعوا على جلالته وإمامته في الفقه والحديث، حتى قال إسحاق بن راهويه: أصح الأسانيد الزهري، عن سالم عن أبيه، وقال محمد بن سعد: "كان سالم كثير الحديث عاليا في الرجال ورعا". توفي سالم سنة ست ومائة في قول البخاري وأبي نعيم. الشعبي: هو عامر بن شراحيل علامة التابعين. ولد الشعبي في خلافة عمر بن الخطاب سنة سبع عشرة. وكان إماما حافظا، وفقيها بارعا. روى الحديث عن علي بن أبي طالب، وعن أبي هريرة وابن عباس وعائشة، وابن عمر وغيرهم. وهو أكبر شيخ للإمام أبي حنيفة ﵁. ولي قضاء الكوفة زمنا، وظهرت فتواه زمن الصحابة، مما يدل على أنه كان على جانب عظيم في الحديث، والفقه.

стр. 197

وقد اتفق العلماء على إمامته وثقته، وأثنوا على علمه وفضله، وتواضعه ونبله. قال مكحول: ما رأيت أعلم من الشعبي، وقال عنه أبو حصين: ما رأيت أحدا قط أفقه من الشعبي، وقال ابن سيرين لأبي بكر الهذلي: الزم الشعبي فقد رأيته يستفتى والصحابة متوافرون، وقال ابن أبي ليلى: كان الشعبي صاحب آثار وكان إبراهيم صاحب قياس، وجاء عن الشعبي أنه كان يقول: "إنا لسنا بالفقهاء، ولكنا سمعنا الحديث ورويناه، الفقيه من إذا علم عمل". توفي ﵀ سنة ١٠٤ مائة وأربع هجرية. إبراهيم النخعي: هو، أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، الكوفي، فقيه أهل الكوفة، التابعي الجليل، دخل على عائشة ﵂، ولم يثبت له سماع عنها بل سمع جماعة من كبار التابعين، منهم علقمة وخالاه الأسود، وعبد الرحمن بنا يزيد ومسروق وغيرهم. وروى عنه جماعة من التابعين منهم السبيعي، وحبيب بن أبي ثابت، وسماك بن حرب والأعمش، وحماد بن أبي سليمان، شيخ أبي حنيفة. أجمع العلماء على توثيقه وبراعته في الفقه، فالشعبي يقول حين توفي إبراهيم: ما ترك أحدا أعلم منه، أو أفقه قبل ولا الحسن وابن سيرين قال: ولا الحسن وابن سيرين، ولا من أهل البصرة ولا الكوفة، ولا الحجاز ولا الشام. وإبراهيم وإن لم يحدث عن أحد من الصحابة، مع أنه أدرك جماعة منهم، فقد كان على منزلة في الحديث، ومكانة في علم الرواية، حتى قال الأعمش فيه: "كان النخعي صيرفي الحديث"، وهذه كلمة لها

стр. 198

مغزى عظيم، فإن العالم لا يبلغ أن يكون نقاده في الحديث إلا إذا حفظ كثيرا منه، وعرف كثيرا من أحوال رواته، وكذلك كان إبراهيم. قال أبو زرعة: "النخعي علم من أعلام الإسلام"، وقال العجلي: كان النخعي فقيها، متوقيا قليل التكلف ... توفي سنة ٩٦هـ، سنة ست وتسعين. علقمة: هو، التابعي الكبير، والفقيه الجليل، أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي عم الأسود، وعبد الرحمن بني يزيد وخالي إبراهيم النخعي. سمع عمر بن الخطاب وعثمان، وعليا وابن مسعود وسلمان الفارسي، وخبابا وحذيفة وأبا موسى، وعائشة وغيرهم من الصحابة ﵃. وروى عنه أبو وائل وإبراهيم النخعي، والشعبي وابن سيرين، وعبد الرحمن بن يزيد وأبو الضحى، وغيرهم من التابعين. أجمعوا على جلالته ووفور علمه، وجميل سيرته حتى قال إبراهيم: "كان علقمة يشبه ابن مسعود"، وقال السبيعي: كان علقمة من الربانيين، وقال أحمد بن حنبل: "علقمة ثقة من أهل الخير"، وقال أبو سعد السمعاني: "كان علقمة أكبر أصحاب ابن مسعود وأشبههم هديا ودلا به". وتوفي سنة ٦٢هـ.

стр. 199

المبحث الثامن: الرد على شبه وردت على رواية الحديث، وكتابته في القرن الأول ظهر لنا مما تقدم أن الحفظ والكتابة تعاونا على جمع الحديث، وصيانته في القرن الأول، حتى جاء عصر التدوين، ولكن بعض الزنادقة أبوا ألا أن يشككوا المؤمنين في رواية السنة، وحملتها في عهودها المختلفة، بزخرف من القول، وباطل من الأدلة، ونحن نورد مقالتهم، ثم نتبعها بما يدحضها، معتمدين على الله، فنقول: كيف كانت تروى الأحاديث النبوية: رد شبه أثيرت حول الرواية بالمعنى: يقول دعاة الإلحاد: أن الأحاديث قد رواها الرواة بالمعنى، لا بالألفاظ المسموعة منه ﷺ ، وكان هذا شأن الرواة في كل طبقة، يسمعون الأحاديث بألفاظ ثم يروونها بألفاظ أخرى وهكذا، حتى وصلت إلينا، وقد انطمست معالم ألفاظها ومعانيها، فكان للرواية بالمعنى ضرر كبير في الدين واللغة والأدب، ولهذا لم يثق العلماء على اختلاف مشاربهم بالأحاديث، فالمتكلمون ردوا منها ما لا يتفق وما ذهبوا إليه من أصول، والفقهاء أخذوا منها وتركوا، وعلماء العربية لما رأوا الحاديث قد رويت بالمعنى، ولم يعلموا على اليقين لفظه ﷺ الذي نطق به، رفضوا أن يستشهدوا بها في إثبات اللغة أو قواعد النحو، في الوقت الذي يستشهدون فيه بكلام أجلف العرب الذين كانوا يبولون على أعقابهم. قالوا: وقد كان الواجب يقضي أن تكتب الأحاديث بين يديه ﷺ كالقرآن، ويتلقاها الرواة طبقة بعد طبقة، مضبوطة الألفاظ، متواترة الإسناد، حتى يمكن الوثوق بها. الجواب: ولتفنيد هذه الشبهة ينبغي أن نتعرض للبحث في الموضوعات الآتية: ١- لماذا لم تدون السنة بين يديه صلى الله عليه سلم كالقرآن؟ ٢- رواية السنة بالمعنى لا تجوز بعد تدوينها في الكتب.

стр. 200

٣- الصحابة ومن بعدهم كانوا يحرصون على الرواية باللفظ النبوي. لا يعدلون عنه إلا عند الاضطرار. ٤- اختلاف ألفاظ الأحاديث التي تتوارد على معنى واحد، لا يرجع إلى الرواية بالمعنى وحدها. ٥- قبول التشكيك في الأحاديث يرفع الثقة عن جميع العلوم. ٦- لماذا أخذ العلماء من الأحاديث وتركوا. ٧- المحققون من أئمة العربية على جواز الاستشهاد بالأحاديث في اللغة والنحو. وإليك هذه المباحث بإيجاز حتى تنجاب عنك تلك الظلمات: ١- "لماذا لم تدون السنة بين يديه ﷺ كالقرآن". اعلم أن كتابة القرآن بين يديه ﷺ ، كان بوحي من الله ؛ لأنه متعبد بتلاوته، معجز بنظمه، ومن أجل ذلك لا تجوز روايته بالمعنى، بل لا بد من المحافظة على لفظه المنزل، فلو ترك لحوافظ العرب تعيه، بدون أن تستعين على وعيه بالكتابة، لما أمن أن يزيدوا فيه حرفا أو ينقصوه، أو يبدلوا كلمة بكلمة، أو جملة بأخرى، إلى غير ذلك من أنواع التغيير والتبديل، فيختل بذلك ركن من أركانه وهو النظم. وكذلك ترك كتابة السنة بين يديه ﷺ ، كان بوحي من الله جل شأنه؛ لأن المقصود منها المعنى دون اللفظ، ولذلك لم يتعبد بتلاوتها، ولم يقع التحدي بنظمها، وتجوز روايتها بالمعنى. هذا إلى أن في المحافظة على لفظ القرآن صيانة الشريعة، وفي الاكتفاء برواية السنة بالمعنى التيسير على الأمة، والتخفيف عنها،

стр. 201

في تحملها وأدائها، وذلك؛ لأن السنة لو كانت كالقرآن في وجوب أخذها وأدائها باللفظ المسموع منه ﷺ ، لتحملت الأمة في روايتها من ضروب الضيق والحرج ما لا يحصى، ولو كان القرآن كالسنة في جواز روايته بالمعنى لما كانت النفوس تطمئن إلى الشريعة، ولكان في القرآن منفذ للزنادقة والملحدين، إذ يقولون: لا ثقة لنا بأنه تنزيل من الله، ولكن الله صان الشريعة، وخفف عن الأمة. ولا يغيب عنك أن رواية السنة بالمعنى، يشترط فيها أن يكون الرواي خبيرا باللغة وأسرارها، وبالشريعة ومقاصدها، ذا ملكة قوية فيهما، وأن يكون الحديث الذي يريد روايته بالمعنى ليس من جوامع الكلم، ولا مما يتعبد بلفظه، ولا مما تعيه ذاكرته، فإن كان الراوي غير عالم بأساليب العرب، أو بعلوم الشريعة ومقاصدها، أو كان الحديث من جوامع الكلم، أو مما يتعبد بلفظه كأحاديث الدعاء، أو كان محفوظا للراوي، لم تجز الرواية بالمعنى في هذه الأحوال كلها، ومن ذلك كله يتبين لك أن الرواية بالمعنى لا يترتب عليها إخلال بالسنة، أو عبث بها. فإن قال قائل بعد هذا البيان: "إن ترك كتابة السنة بين يديه ﷺ مما يرفع الثقة بها"، قلنا له: معنى ذلك رمي النبي ﷺ -وحاشاه- بالتقصير في تبليغ الوحي الإلهي، أو معناه أن السنة ليست من الدين، والقول بهذا أو ذاك، ضلال مبين، واتباع لغير سبيل المؤمنين. ٢- الرواية بالمعنى لا تجوز بعد تدوين الحديث: الرواية بالمعنى لم تكن من الرواة بعد تدوين الحديث، وذلك؛ لأن الأصل في الرواية أن تكون على اللفظ المسموع منه صلى الله عليه

стр. 202

وسلم، فإذا نسي اللفظ جازت الرواية بالمعنى على سبيل التخفيف والرخصة، وبتدوين الأحاديث زال هذا المعنى الذي أوجب التيسير والرخصة، فوجب أخذ الحديث وروايته بلفظه، ولقد بدأ تدوين الحديث بشكل ظاهر منظم على رأس المائة الأولى، بأمر من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، فأخذ العلماء في جميع الأمصار يدونون ما وعته حوافظهم القوية، أو صحفهم المصونة، وتتابعوا على تدوين السنة في مراحل مختلفة، وبطرق متنوعة، إلى أن انتهت تلك المراحل والطرق بظهور الأصول الخمسة، "البخاري، ومسلم، والنسائي، وأبو داود، والترمذي" في القرن الثالث، الذي يعد بحق العصر الذهبي لتدوين السنة، ولقد كانوا في تدوينهم للسنة يقابلون ما يكتبون على الأصول، خشية الزيادة أو النقص بسبب الخطأ أو النسيان، حتى إذا اطمأنوا إلى ما كتبوا صانوا تلك الكتب، أوالصحف عن أن تمتد إليها يد تغير أو تبدل، هذا مع بقائهم على ما كان عليه أسلافهم من حفظ الحديث في الصدور، وإتقانه في الأداء، وتلقيه من أفواه المشايخ بالأسانيد المتصلة، فكان التدوين عاملًا جديدًا من عوامل حفظ السنة وصيانتها، أضيف إلى ما كانوا عليه من حفظ السنة في الصدور، ووعيها في القلوب. وما ذكرنا من أن الرواية بالمعنى لم تكن بعد تدوين الكتب، ولا تجوز بعدها، نص عليه علماء الحديث الأعلام، منهم الإمام أبو عمرو، عثمان بن عبد الرحمن، المعروف بابن الصلاح، المتوفى سنة ٦٤٢هـ، إذ يقول في مقدمته بعد أن ذكر اختلاف العلماء في جواز الرواية بالمعنى: "ثم إن هذا الخلاف، لا نراه جاريا ولا أجراه الناس -فيما نعلم- فيما تضمنته بطون الكتب، فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف، ويثبت بدله فيه لفظا آخر بمعناه، فإن الرواية

стр. 203

بالمعنى رخص فيها من رخص، لما كان عليهم في ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرج والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب؛ ولأنه أن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره، والله أعلم" ا. هـ ومثله في تقريب النواوي، وشرحه تدريب الراوي. وبذلك يسقط قول الملحدين: "إن الرواة تناقلوا الحديث بألفاظهم في جميع العصور". ٣- "الصحابة والتابعون كانوا يحرصون في رواية الحديث على اللفظ النبوي". الرواية بالمعنى كانت في المائة الأولى للهجرة، أي في عصر الصحابة والتابعين قبل أن يشيع تدوين الحديث، ولم يكونوا على وفاق في الرواية بها، فبعضهم كان يحجم عن رواية الحديث، إذا نسي لفظه ﷺ ، تورعا خشية أن لا يصيب المعنى، ويرى بأنه قد خرج من إثم كتمان العلم، بأداء غيره ممن هو أحفظ منه وأضبط، وبعضهم كان إذا نسي لفظ الحديث أو بعضه رواه على المعنى إذا كان ضابطا له، خروجا من إثم كتمان العلم، وعملا بحديث: "إذا لم تحلوا حراما، ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس"، قاله ﷺ لمن قال له من الصحابة: "يا رسول الله إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمع منك يزيد حرفا أو ينقص حرفا، قال الحسن: "لولا هذا ما حدثنا"؛ ولأن تبليغ الأحاديث واجب، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فإذا ند اللفظ عن الذهن وعلم المعنى وجب أداؤه بلفظ مماثل، روى البيهقي عن مكحول، قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع، فقلنا له يا أبا الأسقع، حدثنا

стр. 204

بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، ليس فيه وهم ولا مزيد ولا نسيان، فقال: هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئا، فقلنا نعم، وما نحن له بحافظين جدا، إنا لنزيد الواو والألف وننقص، قال: "فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم، لا تألونه حفظا، وأنتم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون، فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله ﷺ ، عسى أن لا نكون سمعناها منه لا مرة واحدة، حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى"، وأسند عن أبي أويس، قال: سألنا الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث فقال: "إن هذا يجوز في القرآن١، فكيف به في الحديث، إذا أصبت معنى الحديث، فلم تحل به حراما، ولم تحرم به حلالا فلا بأس"، وأسند عن وكيع قال: "إن لم يكن المعنى واسعا، فقد هلك الناس"، وعلى جواز الرواية بالمعنى عند نسيان اللفظ النبوي جمهور السلف، وعليه كان العمل كما بينا، ومن هنا أخذ الماوردي اشتراط نسيان لفظه ﷺ ، في جواز الرواية بالمعنى، إذ يقول: "إن نسي اللفظ جاز؛ لأنه تحمل اللفظ والمعنى، وعجز عن أداء أحدهما، فيلزمه أداء الآخر، لا سيما أن تركه قد يكون كتما للأحكام، فإن لم ينسه لم يجز أن يورده بغيره؛ لأن في كلامه ﷺ من الفصاحة ما ليس في غيره". ا. هـ ونعم ما قال، ﵀، قال السيوطي: ولا شك في اشتراط أن لا يكون مما تعبد بلفظه، قال: وعندي أنه يشترط أن لا يكون من جوامع الكلم. ا. هـ، وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه

стр. 205

وسلم إذا اضطروا إلى الرواية بالمعنى، أو شكوا في اللفظ النبوي أو في بعضه، أوردوا عقب الحديث لفظا يفيد التصون والاحتياط، وهم أعلم الناس بمعاني الكلام، لعلمهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر، روى ابن ماجه، وأحمد والحاكم عن ابن مسعود أنه قال يوما: قال رسول الله ﷺ : "فاغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، ثم قال: "أو مثله، أو نحوه، أو شبيه به"، وفي مسند الدارمي والكفاية للخطيب عن أبي الدرداء أنه كان إذا حدث عن رسول الله ﷺ ، قال: "أو نحوه أو شبهه"، وروى ابن ماجه وأحمد عن أنس بن مالك، أنه كان إذا حدث عن رسول الله ﷺ ففرغ قال: "أو كما قال رسول الله ﷺ ". هذا ما كان من صحابة رسول الله ﷺ ، والتابعين عند رواية الحديث النبوي، لا يترخصون في الرواية بالمعنى إلا عند نسيان اللفظ المسموع منه ﷺ ، وفي غير جوامع الكلم، وما تعبد بلفظه١، ثم بعد هذا كله يتبعون الحديث بقول يفيد احتياطهم في روايته، وينبهون أثناء سياق الحديث على موضع السهو أو التردد، بما لا تجده لأمة من الأمم في أي عصر من العصور، وإن شئت فاقرأ طرفا من كتب السنة المصونة كالصحيحين، أو السنن لتلمس ما كان عليه القوم من حفظ وضبط، ومن أمانة تامة، وبيان لحقيقة ما يروون: أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع وأكثر ما كانوا يفعلون، الرواية على اللفظ النبوي المسموع منه

стр. 206

صلى الله عليه وسلم، يحرصون على ذلك أشد الحرص وأبلغه؛ لأن رسول الله ﷺ أفصح العرب؛ ولأن أحاديثه دين: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ، وساعدهم على ذلك أمور: أولا: حوافظهم الواعية، وأذهانهم الصافية، وقلوبهم العاقلة، وسجل لهم التاريخ الصحيح من ذلك، العجب العجاب، فقد كانوا يحفظون القصائد والخطب الطويلة، بسماعها مرة أو مرتين أو ثلاثا، ثم تبقى في أذهانهم ما بقوا؛ لأنهم قوم أميون، دواوينهم صدورهم، وكتبهم حوافظهم، نمت فيهم ملكة الحفظ بالممارسة، ومن الخطأ أن يقاسوا على الأمم الأخرى، أو يقاسوا علينا في هذا العصر. ثانيا: تدوين كثير منهم لأحاديثه ﷺ كتابة، خشية أن يضيع منها شيء عن أذهانهم، بسبب السهو أو الخطأ أوتقديم السن، وكانت الكتابة في التابعين أكثر منها بين الصحابة، فكان هذا التدوين الشخصي إلى جانب الحفظ في الصدور من أكبر العوامل على صون الحديث، كما سمع منه ﷺ ، ومن كره تدوين الحديث من الصحابة أو التابعين كان خشية الاعتماد على الكتابة وترك الحفظز، أو؛ لأنهم تلقوها حفظا فأحبوا أن تؤخذ عنهم كذلك، أو؛ لأنهم خافوا أن تضعف ملكة الحفظ فيهم بسبب التدوين، إلى غير ذلك مما تقدم لنا تفصيله. ثالثا: تلك المجالس التي كانوا يعقدونها لتحمل الحديث وروايته، وتلك الرحلات إلى الأمصار المختلقة لذلك، فكانت هذه وتلك مما أعانت على بقاء حفظ السنة في أذهانهم، وضبطها في صدورهم، وتثبيتهم فيما عسى أن يكونوا قد شكوا أو ترددوا فيه، وتلقيهم ما فاتهم من حديثه

стр. 207

صلى الله عليه وسلم. وقد رغبهم ﷺ في التبليغ عنه، فصدعوا بما أمروا، وتفانوا في القرآن والحديث أخذا وتحملا، فرضي الله عنهم، وأثابهم أعظم المثوبة. من أجل ذلك كله نستطيع أن نقول ونحن مطمئنون: أن الرواية بالمعنى كانت قبل فساد اللسان العربي، ومن أئمة كبار في اللغة والشرع معا، وكانوا يرونها رخصة عند الاضطرار، وكان نسيانهم قليلا بل نادرا، فإن كان ففي بعض حروف العطف، أو المفردات، أو بعض الجمل. ٤- "اختلاف ألفاظ الأحاديث لا يرجع إلى الرواية بالمعنى وحدها": من الخطأ البين أن يعزى اختلاف ألفاظ الأحاديث، التي تتوارد على معنى واحد، إلى الرواية بالمعنى وحدها، بل كان لمجالسه ﷺ المتعددة بتعدد الأزمنة والأمكنة، والحوادث والأحوال، والسامعين والمستفتين، والمتخاصمين والمتقاضين، والوافدين والمبعوثين، أثر في ذلك كبير، فكانت ألفاظه ﷺ تختلف في كل ذلك، إيجازا وإطنابا، ووضوحا وخفاء، وتقديما وتأخيرا، وزيادة ونقصانا، بحسب ما تقتضيه الحال، ويدعو إليه المقام، فقد يسأل عن أفضل الأعمال مثلا، فيجيب كل سائل بجواب غير جواب صاحبه، أو عن أفضل الجهاد، فيذكر لكل مستفت نوعا من أعمال البر غير ما يذكره للآخر، أو عن أحب أنواع الصدقة فيذكر لهذا غير ما يذكره لذاك، أويسأل عن معنى البر والإثم فتعدد أجوبته بتعدد السائلين، وهكذا، فيظن من لا علم عنده أن هذا من باب التعارض، أو من عدم ضبط الرواة، وواقع الأمر أن رسول الله ﷺ ، كان طبيب

стр. 208

النفوس، فيجيب كل إنسان عن مسألته بما يناسبه، وبما يكون أنفع له أو للناس في جميع الظروف، أو في الظرف الذي كان فيه الاستفتاء. وانظر إلى اختلاف ألفاظ الأذان والإقامة والتشهد، والأذكار في الصلوات وبعدها، والأدعية فيها وفي غيرها، والرواة في الجميع عدول ضابطون، فيظن من لا علم عنده أن هذا من باب التناقض، أو أنه من عدم ضبط الرواة، أو من الوراية بالمعنى، والواقع أن كل ذلك كان بتعليم منه ﷺ ، إشارة إلى جواز الجميع، وأن في الأمر سعة وتيسيرا على الأمة -ثم انظر تعاليمه ﷺ للوفود، ووصاياه القيمة لمن يبعثهم إلى الأقطار المختلفة، معلمين ومرشدين، ومبرشين ومنذرين، وإلى كتبه للملوك والرؤساء والحكام، تجدها حافلة ببالغ العظات، ونافع الوصايا، مع تفنن في القول، ورعاية للمناسبات، وخطاب للناس على مقدار عقولهم. ولقد كان لرسول الله ﷺ خطب في الجمع والأعياد، والغزوات والحروب، ومهمات المسائل وجسام الأمور، يحذر فيها وينذر، ويبصر فيها ويرشد، ويذكر قواعد الإسلام، ومعالم الأحكام، وأحوال الجنة والنار، وأشراط الساعة، وعذاب القبر، وألفاظه في ذلك تختلف باختلاف المناسبات، وتطول وتقصر تبعا لما تقتضيه الأحوال. ولقد كانت مجالسه المباركة على كثرتها سفرا وحضرا، حافلة ببيان الأحكام، وتصحيح الأخطاء، والوصايا بتقوى الله ، والحث على مكارم الأخلاق، والتحذير من مساوئها، وربما قص عليهم فيها من أنباء الأمم الخالية، ما فيه عبرة وذكرى، يصرف القول في جميع

стр. 209

ذلك بما يتلاءم وحال السامعين، من البسط والإيجاز، والوضوح والخفاء١. فهل ترى في أحاديثه ﷺ في جميع ما ذكرنا، وتنويعها حسب ما يليق بكل حال، تناقضا واختلافا، أو أن الرواة لم يضبطوا ما سمعوا فترخصوا في الرواية بالمعنى، فكان من ذلك التناقض والاختلاف؟، اللهم لا هذا ولا ذاك، ولكنه الحكمة في التعليم، والرعاية للمناسبات، والتطلف في تبليغ الوحي الإلهي، وإعطاء ما يناسب الأفراد والجماعات، من العظات وبيان الأحكام. وما لنا نذهب بعيدا، وهذا كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيه القصة الواحدة لنبي من الأنبياء، تذكر في جملة سور منه على وجوه شتى، فتارة تذكر كلها كاملة، موجزة أو مبسوطة، وتارة يذكر طرف منها في سورة وطرف آخر في سورة أخرى، موجزا ذلك الطرف أو مبسوطا، كل ذلك مع اختلاف الألفاظ، وتنوع العبارات، كما تراه في قصة آدم ونوح وإبراهيم وموسى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام، أتر في تصريف القول في كل قصة من قصص الأنبياء مثلا تناقضا واختلافا، كما يراه من في قلوبهم مرض، أم أنه الحق من ربك، يصدق بعضه بعضا، ويشرح المجمل فيه بالمفصل، ويضم طرف من القصة الواحدة في موضع إلى طرف منها في موضع آخر، فتلتئم أطراف القصة، وإن ذلك كله كان لاختلاف المقام، ورعاية الحال، كما يعلمه الراسخون في العلم، قائلين "كل من عند ربنا".

стр. 210

أما أنه لو لم يثبت القرآن بالتواتر حفظا وكتابة، وكان ثبوته عن طريق الآحاد كالسنة، لكانت الشبهة هي الشبهة، ولكن الله عزوجل قد صانه عن الشبهات بالتواتر، ليضرب لنا فيه الأمثال على صدق السنة: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ . ٥- اعتبار التشكيك في الأحاديث يرفع الثقة بجميع العلوم: ليس لدينا علم من العلوم سعد باتصال الأسانيد بالثقات الضابطين، وتنوع تلك الأسانيد، ومعرفة أحوال الرواة، من جهة شيوخهم وتلاميذهم، وتعديلهم وتجريحهم، وحلهم وترحالهم، ومواليدهم ووفياتهم، مثل علم الحديث النبوي، ففيه من كتب الرجال والطبقات في جميع العصور والأمكنة، ما تستطيع به أن تطلع على تاريخ كل راو من رواة السنة وما قيل فيه، ولو حاولت أن تفعل ذلك أو بعضه مع رواة الأدب، أو مع رواة التاريخ أو غيرهما من العلوم، لالتوى عليك البحث، وأدركك العجز، مهما أوتيت من سعة الذهن، ووفرة المراجع، وسعة الاطلاع. وقد أتاح الله لهذه السنة النبوية المباركة، أن يخدمها في كل عصر ومصر أئمة كرام بررة، وأعلام ثقات مهرة؛ لأنها شارحة للقرآن، ومفصلة لمقاصده، بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ، فكان حفظها حفظا للقرآن، والعناية بها أخذا وتحملا، سندا ومتنا، عناية بالقرآن، الذي ضمن الله بقاءه على الدهر، بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . ولو أننا ذهبنا نستمع إلى من في قلوبهم مرض، من دعاة الإلحاد، وخصوم الإسلام، وصرنا إلى ما صاروا إليه من الشبهات، المؤسسة

стр. 211

على شفا جرف هار، لذهبت ثقتنا بجميع العلوم، ذلك؛ لأن علماءها لم يبذلوا فيها، من الدرس والتمحيص، والدقة والتحري، عشر معشار ما بذله علماء الحديث، في حفظ السنة ورعايتها، وتمييز صحيحها من ضعيفها، ومعرفة أحوال رواتها على اختلاف طبقاتهم وأزمنتهم وأمكنتهم، كما بينا، فإذا انهار حصن السنة الحصين، بعد تلك العناية البالغة، التي يشهد بها التاريخ والواقع، لم يبق هناك علم نرجع إليه أو نثق به، وكفى بذلك حمقا وجهلا. إنك لو فتشت عما يريده هؤلاء المارقون، لرأيتهم يريدون الإتيان على الإسلام من القواعد، لذلك ترى فريقا منهم يحاول صد الناس عن اتباع السنة، عن طريق النيل من حماتها، وتسفيه حملتها، ورميهم بكل نقيصة، بغيا وحسدا، باسم البحث الحر، والدراسة التحليلية، والطريقة العلمية، ومن عجيب أمر هؤلاء أنهم يحملون علماء السنة وحماتها، أوزار الوضاعين، من الجهلة والزنادقة والمغرضين، ويردون ما صح من الأحاديث بإجماع الأئمة، بأخبار ضعيفة، وآثار واهية، ينقلونها عن كتب الأدب والتاريخ، وعن جهلة الشيعة والمعتزلة، وهي إذا وزنت بميزان النقد الصحيح انهارت أسانيدها ومتونها، وذهبت هباء منثورا، بل ويذهبون بتسعة أعشار السنة، التي تلقاها العلماء بالقبول في جميع الإعصار والأمصار، بحديث من وضع الزنادقة لا وزن له عند علماء السنة، وهو "ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله ... " إلخ، ويتظاهرون بإجلال القرآن واحترامه، وأنه الحجة التي ليس وراءها حجة، هذا حال فريق منهم إزاء السنة، وهناك فريق آخر يحاولون أن يتلاعبوا بالقرآن عن طريق التأويلات الباطلة، والأفهام الزائفة، باسم التجديد، ونبذ القديم، ويلتقي هذا الفريق وذاك عند هدف

стр. 212

واحد، هو هدم الإسلام، وصد الناس عن اتباعه: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ . ولكن الله قد حمى عرين الدين بهؤلاء العلماء، الثقات الأمناء، فردوا كيدهم في نحورهم، وذهبوا بأباطيلهم: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ . ٦- ترك العلماء لبعض الأحاديث وسببه: لم يكن ذلك منهم استهانة بالسنة ومسايرة للأغراض والشهوات، معاذ الله أن يكون منهم هذا، وهم أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وحملة السنة وحماتها، وفي القرآن الكريم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ، وفي الحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"، وإنما كانوا يفعلون ذلك؛ لأن الحديث لم يبلغهم، أو بلغهم ولم يصح لديهم، أوصح ولكن عارضه ما هو أقوى من أدلة الشريعة أو رأوه منسوخا، إلى غير ذلك من الاعتبارات الشرعية، التي بسطها ابن تيمية في رسالته "رفع الملام عن الأئمة الأعلام". وقد تكلمنا عن أمثلة منها في المقدمة، ونزيد الآن على ما أسلفنا تلك الفوائد، حتى لا يختلط عليك الحق بالباطل، فنقول وبالله التوفيق: أولا: العقائد التي يتوقف عليها صحة الإسلام ثابتة بالأدلة القطعية من العقل والنقل، وذلك كالإيمان بوجود الله ووحدانيته، ووصفه بأوصاف الكمال والجلال، وتنزيهه عن سمات الحدوث والنقصان، وكالإيمان بملائكة الله، وكتبه ورسله والقدر خيره وشره، وكالإيمان

стр. 213

بالبعث بعد الموت، والمجازاة على الأعمال بالنعيم في الجنة، أو العذاب في النار يوم القيامة. هذا النوع من العقائد لا يثبت إلا بصريح العقل، ونصوص القرآن وما تواتر لفظا أو معنى من أحاديث سيد المرسلين ﷺ ، فإن رأيت فيه حديثا غير متواتر فلا ترده؛ لأنه عاضد للدليل القطعي، أما العقائد التي لا يتوقف عليها أصل الإيمان، ولا تحقق الإسلام فهذه يجوز إثباتها بأخبار الآحاد الصحيحة، التي لا عارض قرآنا ولا سنة متواترة ولا إجماعا، ولا عقلا صريحا، وذلك كوصف الله تعالى بشيء من أوصاف الكمال تفصيلا، وتسميته ببعض أسمائه الحسنى، وكالأخبار عن بعض المغيبات الكائنة أو المستقبلة، وكعذاب القبر ونعيمه وما يكون فيه، وكتفاصيل ما يكون يوم القيامة من الشفاعة ووزن الأعمال، ورؤية الله عزوجل. على أن الأحاديث الآحادية في هذا النوع من العقائد كثيرا ما تتعدد طرقها، فتكتسب الشهرة أو التواتر، وقد يحتف بها من القرائن أو يعاضدها من ظواهر القرآن الكريم، وإجماع العلماء الذين يعتد بإجماعهم ما يجعلها في درج الأدلة اليقينية، وجاحد هذا النوع من العقائد ضال مضل، وفاسق مبتدع. ثانيا: علمت مما تقدم أن ما لم يتواتر من الأحاديث، "وهو خبر الوحد في اصطلاح المحدثين"، يحتج به في العقائد التي لا يتوقف عليها أصل الإيمان، وذلك بناء على أن مثل هذه العقائد يكتفي فيها بالظن القوي، أو بناء على ما يراه كثير من المحققين من أن خبر الواحد يفيد

стр. 214

العلم١ لا سيما إن تعددت طرقه، أو انضم إليه ظاهر القرآن الكريم، أو إجماع علماء الدين. ونفيد هنا أن الإمام البخاري في آخر صحيحه عقد كتابا خاصا بالتوحيد، أثبت فيه لله كثيرا من أوصاف الكمال والجلال، بمقتضى الأحاديث الصحيحة، قال الحافظ في فتح الباري: "الذي يظهر من تصرف البخاري في كتاب التوحيد، أنه يسوق الأحاديث التي وردت في الصفات المقدسة، فيدخل كل حديث منها في باب، ويؤيده بآية من القرآن، للإشارة إلى خروجها عن أخبار الآحاد، على طريق التنزل في ترك الاحتجاج بها في الاعتقاديات، وأن من أنكرها خالف الكتاب والسنة جميعا، وقد أخرج ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية بسند صحيح، عن سلام بن أبي مطيع، وهو شيخ شيوخ البخاري، أنه ذكر المبتدعة فقال: ويلهم ماذا ينكرون من هذه الأحاديث، والله مافي الحديث شيء إلا وفي القرآن مثله، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير﴾ ، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَه﴾ ، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، ونحو ذلك فلم يزل -أي سلام بن أبي مطيع- يذكر الآيات من العصر إلى غروب الشمس". ا. هـ "١٣-٣٠٤" من الأميرية.

стр. 215

ثالثا: أسند اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني، قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن، وبالأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عله وسلم في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير، فمن فسر شيئا منها، وقال بقول حبهم فقد خرج عما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وفارق الجماعة؛ لأنه وصف الرب بصفة "لا شيء"، وأخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي، عن يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعي يقول: "لله أسماء وصفات لا يسع أحدا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الروية والفكر، فنثبت هذه الصفات، وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ ، وقال الترمذي في باب فضل الصدقة من جامعه: "قد ثبتت هذه الروايات فنؤمن بها ولا نتوهم، ولا يقال كيف، كذا جاء عن مالك وابن عيينة، وابن المبارك أنهم أمروها بلا كيف، وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكروها، وقالوا: هذا تشبيه، وقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه لو قيل: يد كيد، وسمع كسمع، وقال في تفسير المائدة: قال الأئمة: نؤمن بهذه الأحاديث من غير تفسير، منهم الثوري، ومالك، وابن عيينة، وابن المبارك"، وقال ابن عبد البر: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة، ولم يكيفوا شيئا منها، وأما الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، فقالوا: من أقربها فهو مشبه، فسماهم من أقر بها معطلة"، وقال إمام الحرمين في الرسالة النظامية: "اختلفت مسالك العلاء في هذه الظواهر: فرأى بعضهم تأويلا، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف، إلى الانكفاف
следующие страницы →