← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8656

الحديث والمحدثون

محمد محمد أبو زهو

Полный текст (513 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

على شفا جرف هار، لذهبت ثقتنا بجميع العلوم، ذلك؛ لأن علماءها لم يبذلوا فيها، من الدرس والتمحيص، والدقة والتحري، عشر معشار ما بذله علماء الحديث، في حفظ السنة ورعايتها، وتمييز صحيحها من ضعيفها، ومعرفة أحوال رواتها على اختلاف طبقاتهم وأزمنتهم وأمكنتهم، كما بينا، فإذا انهار حصن السنة الحصين، بعد تلك العناية البالغة، التي يشهد بها التاريخ والواقع، لم يبق هناك علم نرجع إليه أو نثق به، وكفى بذلك حمقا وجهلا. إنك لو فتشت عما يريده هؤلاء المارقون، لرأيتهم يريدون الإتيان على الإسلام من القواعد، لذلك ترى فريقا منهم يحاول صد الناس عن اتباع السنة، عن طريق النيل من حماتها، وتسفيه حملتها، ورميهم بكل نقيصة، بغيا وحسدا، باسم البحث الحر، والدراسة التحليلية، والطريقة العلمية، ومن عجيب أمر هؤلاء أنهم يحملون علماء السنة وحماتها، أوزار الوضاعين، من الجهلة والزنادقة والمغرضين، ويردون ما صح من الأحاديث بإجماع الأئمة، بأخبار ضعيفة، وآثار واهية، ينقلونها عن كتب الأدب والتاريخ، وعن جهلة الشيعة والمعتزلة، وهي إذا وزنت بميزان النقد الصحيح انهارت أسانيدها ومتونها، وذهبت هباء منثورا، بل ويذهبون بتسعة أعشار السنة، التي تلقاها العلماء بالقبول في جميع الإعصار والأمصار، بحديث من وضع الزنادقة لا وزن له عند علماء السنة، وهو "ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله ... " إلخ، ويتظاهرون بإجلال القرآن واحترامه، وأنه الحجة التي ليس وراءها حجة، هذا حال فريق منهم إزاء السنة، وهناك فريق آخر يحاولون أن يتلاعبوا بالقرآن عن طريق التأويلات الباطلة، والأفهام الزائفة، باسم التجديد، ونبذ القديم، ويلتقي هذا الفريق وذاك عند هدف

стр. 212

واحد، هو هدم الإسلام، وصد الناس عن اتباعه: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ . ولكن الله قد حمى عرين الدين بهؤلاء العلماء، الثقات الأمناء، فردوا كيدهم في نحورهم، وذهبوا بأباطيلهم: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ . ٦- ترك العلماء لبعض الأحاديث وسببه: لم يكن ذلك منهم استهانة بالسنة ومسايرة للأغراض والشهوات، معاذ الله أن يكون منهم هذا، وهم أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وحملة السنة وحماتها، وفي القرآن الكريم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ، وفي الحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"، وإنما كانوا يفعلون ذلك؛ لأن الحديث لم يبلغهم، أو بلغهم ولم يصح لديهم، أوصح ولكن عارضه ما هو أقوى من أدلة الشريعة أو رأوه منسوخا، إلى غير ذلك من الاعتبارات الشرعية، التي بسطها ابن تيمية في رسالته "رفع الملام عن الأئمة الأعلام". وقد تكلمنا عن أمثلة منها في المقدمة، ونزيد الآن على ما أسلفنا تلك الفوائد، حتى لا يختلط عليك الحق بالباطل، فنقول وبالله التوفيق: أولا: العقائد التي يتوقف عليها صحة الإسلام ثابتة بالأدلة القطعية من العقل والنقل، وذلك كالإيمان بوجود الله ووحدانيته، ووصفه بأوصاف الكمال والجلال، وتنزيهه عن سمات الحدوث والنقصان، وكالإيمان بملائكة الله، وكتبه ورسله والقدر خيره وشره، وكالإيمان

стр. 213

بالبعث بعد الموت، والمجازاة على الأعمال بالنعيم في الجنة، أو العذاب في النار يوم القيامة. هذا النوع من العقائد لا يثبت إلا بصريح العقل، ونصوص القرآن وما تواتر لفظا أو معنى من أحاديث سيد المرسلين ﷺ ، فإن رأيت فيه حديثا غير متواتر فلا ترده؛ لأنه عاضد للدليل القطعي، أما العقائد التي لا يتوقف عليها أصل الإيمان، ولا تحقق الإسلام فهذه يجوز إثباتها بأخبار الآحاد الصحيحة، التي لا عارض قرآنا ولا سنة متواترة ولا إجماعا، ولا عقلا صريحا، وذلك كوصف الله تعالى بشيء من أوصاف الكمال تفصيلا، وتسميته ببعض أسمائه الحسنى، وكالأخبار عن بعض المغيبات الكائنة أو المستقبلة، وكعذاب القبر ونعيمه وما يكون فيه، وكتفاصيل ما يكون يوم القيامة من الشفاعة ووزن الأعمال، ورؤية الله عزوجل. على أن الأحاديث الآحادية في هذا النوع من العقائد كثيرا ما تتعدد طرقها، فتكتسب الشهرة أو التواتر، وقد يحتف بها من القرائن أو يعاضدها من ظواهر القرآن الكريم، وإجماع العلماء الذين يعتد بإجماعهم ما يجعلها في درج الأدلة اليقينية، وجاحد هذا النوع من العقائد ضال مضل، وفاسق مبتدع. ثانيا: علمت مما تقدم أن ما لم يتواتر من الأحاديث، "وهو خبر الوحد في اصطلاح المحدثين"، يحتج به في العقائد التي لا يتوقف عليها أصل الإيمان، وذلك بناء على أن مثل هذه العقائد يكتفي فيها بالظن القوي، أو بناء على ما يراه كثير من المحققين من أن خبر الواحد يفيد

стр. 214

العلم١ لا سيما إن تعددت طرقه، أو انضم إليه ظاهر القرآن الكريم، أو إجماع علماء الدين. ونفيد هنا أن الإمام البخاري في آخر صحيحه عقد كتابا خاصا بالتوحيد، أثبت فيه لله كثيرا من أوصاف الكمال والجلال، بمقتضى الأحاديث الصحيحة، قال الحافظ في فتح الباري: "الذي يظهر من تصرف البخاري في كتاب التوحيد، أنه يسوق الأحاديث التي وردت في الصفات المقدسة، فيدخل كل حديث منها في باب، ويؤيده بآية من القرآن، للإشارة إلى خروجها عن أخبار الآحاد، على طريق التنزل في ترك الاحتجاج بها في الاعتقاديات، وأن من أنكرها خالف الكتاب والسنة جميعا، وقد أخرج ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية بسند صحيح، عن سلام بن أبي مطيع، وهو شيخ شيوخ البخاري، أنه ذكر المبتدعة فقال: ويلهم ماذا ينكرون من هذه الأحاديث، والله مافي الحديث شيء إلا وفي القرآن مثله، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير﴾ ، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَه﴾ ، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، ونحو ذلك فلم يزل -أي سلام بن أبي مطيع- يذكر الآيات من العصر إلى غروب الشمس". ا. هـ "١٣-٣٠٤" من الأميرية.

стр. 215

ثالثا: أسند اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني، قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن، وبالأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عله وسلم في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير، فمن فسر شيئا منها، وقال بقول حبهم فقد خرج عما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وفارق الجماعة؛ لأنه وصف الرب بصفة "لا شيء"، وأخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي، عن يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعي يقول: "لله أسماء وصفات لا يسع أحدا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الروية والفكر، فنثبت هذه الصفات، وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ ، وقال الترمذي في باب فضل الصدقة من جامعه: "قد ثبتت هذه الروايات فنؤمن بها ولا نتوهم، ولا يقال كيف، كذا جاء عن مالك وابن عيينة، وابن المبارك أنهم أمروها بلا كيف، وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكروها، وقالوا: هذا تشبيه، وقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه لو قيل: يد كيد، وسمع كسمع، وقال في تفسير المائدة: قال الأئمة: نؤمن بهذه الأحاديث من غير تفسير، منهم الثوري، ومالك، وابن عيينة، وابن المبارك"، وقال ابن عبد البر: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة، ولم يكيفوا شيئا منها، وأما الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، فقالوا: من أقربها فهو مشبه، فسماهم من أقر بها معطلة"، وقال إمام الحرمين في الرسالة النظامية: "اختلفت مسالك العلاء في هذه الظواهر: فرأى بعضهم تأويلا، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف، إلى الانكفاف

стр. 216

عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الله تعالى، والذي نرتضيه رأيا، وندن الله به عقيدة، اتباع سلف الأمة، للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة، فلو كان تأويل هذه الظواهر حتما، لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك هو الوجه المتبع". ا. هـ راجع فتح الباري "١٣-٣٤٢، ٣٤٣ ط الأميرية". ومن ذلك يتبين لك أن الأحاديث الصحيحة، التي اشتملت على الصفات الإلهية المقدسة، لم يردها أئمة السلف، ولكنهم آمنوا بها كما جاءت، من غير أن يخوضوا في حقيقة معناها، ومع تنزيه ربنا عن مشابهة الخلق، ولكن الذي أنكرها إنما هم الجهمية وأضرابهم من المبتدعة، وهؤلاء ليس لهم وزن عند علماء القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير، قال صاحب فتح الباري: "رد الروايات الصحيحة، والطعن في أئمة الحديث الضابطين، مع إمكان توجيه ما رووا، من الأمور التي أقدم عليها كثير من غير أهل الحديث، وهو يقتضي قصور فهم من فعل ذلك منهم، ومن ثم قال الكرماني: لا حاجة لتخطئة الرواة الثقات، بل حكم هذا حكم سائر المتشابهات إما التفويض، وإما التأويل". ا. هـ "١٣-٣٣٩ط الأميرية"، وقد علمت أن التفويض هو ما كان عليه السلف في عصور الخير، ولا ندين الله بغيره. رابعا: النصوص الشرعية على ظواهرها، ما لم يكن هناك موجب لصرفها عن هذا الظاهر من عقل صريح، أو نقل صحيح إو إجماع ظاهر، ولا يجوز رد النصوص، أو صرفها عن ظاهرها بالهوى، أو بقياس الغائب

стр. 217

على الشاهد أو بناء على الاستبعاد العادي، أو؛ لأنها خارقة للنواميس العادية التي يسير عليها عالمنا الذي نعيش فيه، فإن لكل عالم نظامًا يخصه، ونواميس يجري عليها، وبناء على ما قدمنا فن الخطأ رد أحاديث الدجال، أو نزول عيسى ﵇، أو طلوع الشمس من مغربها، أو رد أحاديث عذاب القبر أو الشافعة، أو رؤية الله في الآخرة، كما أن من الخطأ رد أحاديث شق الصدر الشريف، وانشقاق القمر أو الإسراء والمعراج، أو معجزاته ﷺ الحسية، والفاعل هو الله، والله لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، ومبنى المعجزات خرق النواميس العادية، وإلا لما كانت معجزات، ولله أن يكرم من شاء بما شاء، وهو العليم الحكيم، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ، فهذا في قتال أهل الحق مع أهل الباطل، يبتلي الله أولياءه بأعدائه، ثم تكون العاقبة للمتقين، وفي الأمم مع رسل ربها إذا كذبت وبغت يأخذها الله أخذ عزيز مقتدر، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ ، ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ، هذا ما يرشد إليه السياق في جميع الآيات، ومن الحمق أن ترد تلك الأحاديث لمجرد الظاهر من غير تأمل السياق، وقد صرح القرآن نفسه بمعجزات حسية لبعض أنبياء الله، كموسى وعيسى وإبراهيم، ﵈، فهل ترد تلك المعجزات لمخالفتها للنواميس العادية، كما هو دأب الزنادقة والملحدين، أو تقبل النصوص كلها، ولا يرد بعضها ببعض، كما هو دأب الراسخين في العلم، يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ، لا شك أن مسالك أهل الحق هو المتعين؛ لأن ذلك جميعه

стр. 218

تنزيل من الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ . ٧- الاستشهاد بالأحاديث في اللغة والنحو: علمت ما قدمنا أن الرواية بالمعنى لم تكن بعد تدوين السنة، وإنما كانت في القرن الأول قبل فساد اللسان العربي، على قلة وفي حدود ضيقة، وأن رواة الأحاديث كانوا أحرص ما يكون على نقل الألفاظ النبوية نفسها، ومن ثم أجاز المحققون من أئمة العربية الاستشهاد بالأحاديث على إثبات اللغة، وقواعد النحو، ومن هؤلاء ابن مالك والرضي والبدر الدماميني، وصاحب خزانة الأدب، وإليك عبارة صاحب الخزانة، وهي أجمع العبارات وأوفاها في تقرير هذا البحث، قال في الجزء الأول "ص٥، وما بعدها": "وأما الاستدلال بحديث النبي ﷺ ، فقد جوزه ابن مالك، وتبعه الشارح المحقق "الرضي" في ذلك، وزاد عليه الاحتجاج بكلام أهل البيت ﵃، وقد منعه ابن الضائع، وأبو حيان وسندهما أمران: أحدهما: أن الأحاديث لم تنقل كما سمعت من النبي ﷺ ، وإنما رويت بالمعنى. وثانيهما: أن أئمة النحو المتقدمين من المصريين "البصرة والكوفة". لم يتحجوا بشيء منها. ورد الأول -على تقدير تسليمه- بأن النقل بالمعنى إنما كان في الصدر الأول قبل تدوينه في الكتب، وقبل فساد اللغة، وغايته تبديل لفظ بلفظ يصح الاحتجاج به فلا فرق، على أن اليقين غير مشروط بل الظن كاف.

стр. 219

ورد الثاني بأنه لا يلزم من عدم استدلالهم بالحديث عدم صحة الاستدلال به. والصواب: جواز الاحتجاج بالحديث للنحوي في ضبط ألفاظه، ويلحق به ما روي عن الصحابة، وأهل البيت، كما صنع الشارح المحقق. ثم قال صاحب الخزانة نقلا عن الدماميني في رد المذهب الذي لا يحتج بالحديث: "وقد رد هذا المذهب الذي ذهبوا إليه البدر الدماميني في شرح التسهيل -ولله دره فإنه قد أجاد في الرد- قال: قد أكثر المصنف "يريد به ابن مالك صاحب التسهيل"، من الاستدلال بالأحاديث النبوية، وشنع أبو حيان عليه، وقال: إن ما استند إليه من ذلك لا يتم له، لتطرق احتمال الرواية بالمعنى، فلا يوثق بأن ذلك المحتج به لفظه ﷺ حتى تقوم به الحجة، وقد أجريت ذلك لبعض مشايخنا، فصوب رأي ابن مالك فيما فعله، بناء على أن اليقين ليس بمطلوب في هذا الباب، وإنما المطلوب غلبة الظن، الذي هو مناط الأحكام الشرعية، وكذا ما يتوقف عليه من نقل مفردات الألفاظ، وقوانين الأعراب، فالظن في ذلك كله كاف، ولا يخفى أنه يغلب على الظن أن ذلك المنقول المحتج به لم يبدل؛ لأن الأصل عدم التبديل، لا سيما والتشديد في الضبط والتحري في نقل الأحاديث، شائع بين النقلة والمحدثين. ومن يقول منهم بجواز النقل بالمعنى، فإنما هو عنده بمعنى التجويز العقلي، الذي لا ينافي وقوع نقيضه فلذلك تراهم يتحرون في الضبط، ويتشددون مع قولهم بجواز النقل بالمعنى، فيغلب على الظن من هذا كله أنها لم تبدل، ويكون احتمال التبديل فيها مرجوحا فيلغى، ولا يقدح في صحة الاستدلال بها.

стр. 220

"ثم إن الخلاف في جواز النقل بالمعنى إنما هو فيما لم يدون ولا كتب، وأما ما دون وحصل في بطون الكتب، فلا يجوز تبديل ألفاظه من غير خلاف بينهم، قال ابن الصلاح بعد أن ذكر اختلافهم في نقل الحديث بالمعنى: "إن هذا الخلاف لا نراه جاريا، ولا أجراه الناس -فيما نعلم- فيما تضمنته بطن الكتب، فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف، ويثبت فيه لفظا آخر". ا. هـ وتدوين الأحاديث والأخبار -بل وكثير من المرويات- وقع في الصدر الأول، قبل فساد اللغة العربية، حين كان كلام أولئك المبدلين -على تقدير تبديلهم- يسوغ الاحتجاج به، وغايته يومئذ تبديل لفظ بلفظ يصح الاحتجاج به، فلا فرق بين الجميع في صحة الاستدلال، ثم دون ذلك المبدل -على تقدير التبديل، ومنع من تغييره ونقله بالمعنى، كما قال ابن الصلاح، فبقى حجة في بابه، ولا يضر توهم ذلك السابق في شيء من استدلالهم المتأخر، والله أعلم بالصواب. ا. هـ كلام صاحب الخزانة. موقف صاحب مجلة المنار من الأحاديث، والآثار الواردة في كتابة الحديث: كتب المرحوم الأستاذ الشيخ محمد رشيد رضا، صاحب مجلة المنار في الجزء العاشر من المجلد العاشر من هذه المجلة مقالا في تدوين الأحاديث في القرن الأول، خالف فيه طريق العلماء من وجوه نذكرها، ثم تتبعها بالرد عليها فنقول: أولا: يرى أن أول من دون الحديث، هو خالد بن معدان الحمصي فيقول في ص٧٥٤: "لعل أول من كتب الحديث وغيره من التابعين في القرن الأول، وجعل ما كتبه مصنفا مجموعا، هو خالد بن معدان الحمصي.

стр. 221

روى عنه أنه لقي سبعين صحابيا. قال في تذكرة الحفاظ وقال بحير. ما رأيت أحدا ألزم للعلم منه. وكان علمه في مصحف له أزرار وعرى" ثم قال: "فخالد بن معدان جمع علمه في مصنف واحد، جعل له وقاية لها أزرار وعرى تمسكها لئلا يقع شيء من تلك الصحف، وكان ذلك في القرن الأول فإنه مات سنة ١٠٣، أو سنة ١٠٤. ولكن المشهور أن أول من كتب الحديث ابن شهاب الزهري القرشي. ولعل سبب ذلك أخذ أمراء بني أمية عنه". ا. هـ. خالف الشيخ المشهور عند العلماء قديما وحديثا من أن أول من دون الأحاديث بأمر الخليفة، لتنشر في جميع الأقطار الإسلامية هو ابن شهاب الزهري، ولا دليل يستند إليه سوى قول بحير في خالد بن معدان، "وكان علمه في مصحف له أزرار وعرى"، مع أنه لا دلالة فيه على أولية التدوين، وهذا تدوين لنفسه خاصة سبقه به كثير كعبد الله بن عمرو بن العاص، وكل ما هنالك أنه شهد له بغزارة العلم، وأنه كان يكتبه في صحف خشية أن يضيع، والثابت أن ابن شهاب كان ألزم للعلم من خالد، وأحرص على التدوين منه وأقوى حفظا من غيره، وأنه أول من دون الحديث على الإطلاق من التابعين لينشر في الأقطار الإسلامية. وقد نقل الشيخ نفسه من ثناء العلماء على الزهري، ما هو أبلغ من قول بحير في خالد حفظا، وكتابة فهلا كان ذلك عنده مبررا لأوليته في التدوين. ثانيا: يرى أن الأحاديث التي صحت في الإذن بكتابة السنة، لا تدل لكتابتها على الإطلاق، بل هي في موضوعات خاصة لا تتعداها. وإن الأحاديث الضعيفة، التي تدل للكتابة مطلقا ساقطة لا يحتج بها، ولا ينظر إليها. قال في ص٧٦٥، ٧٦٦:-

стр. 222

١- حديث أبي هريرة "اكتبوا لأبي شاه" في الصحيحين وموضوعه خاص. وروى عنه البخاري قوله: "أن عبد الله بن عمرو كان يكتب، وأنه هو لم يكن يكتب"، وله حديث عند الترمذي: "أن النبي ﷺ أذن لرجل سيئ الحفظ بأن يستيعين بيمينه". ٢- حديث أنس: "قيدوا العلم بالكتاب"، ضعيف. ٣- حديث أبي بكر: "من كتب عني علما أوحديثا، لم يزل يكتب له الأجر ما بقي ذلك العلم أو الحديث"، رواه ابن عساكر في تاريخه. ضعيف. ٤- حديث رافع بن خديج: قلت: يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء فنكتبها قال: "اكتبوا ولا حرج"، رواه الحكيم الترمذي، والطبراني والخطيب ضعيف. ٥- حديث حذيفة: "اكتبوا العلم قبل ذهاب العلماء"، عند ابن النجار في تاريخ. ضعيف أيا بل يشم منه رائحة الوضع. ٦- حديث علي في الصحيفة رواه أحمد، والبخاري والثلاثة، وموضوعها خاص ومنسوب إلى الوحي -والحديث المشار إليه، هو ما رواه هؤلاء الأئمة عن مطرف بن طريف. قال سمعت الشعبي يقول: أخبرني أو جحيفة قال: قلت لعلي بن أبي طالب: "هل عندكم من رسول الله ﷺ شيء سوى القرآن. قال: لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبدا فهما في كتابه وما في هذه الصحيفة. قلت وما في الصحيفة. قال: العقل وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر". ٧- كتاب الصدقات والديات والفرائض لعمرو بن حزم. رواه أبو داود والنسائي، وابن حبان والدارمي وموضوعه خاص. وإنما كتب

стр. 223

له ذلك ليحكم به إذ ولي عمل نجران -والحديث المذكور هو ما رواه الأئمة أن رسول الله ﷺ ، كتب كتاب الصدقات، والديات، والفرائض، والسنن لعمرو بن حزم وغيره. ٨- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص هو أكثر ما ورد في الباب، وهو كما في بعض رواياته، "قلت: يا رسول الله اكتب كل ما أسمع منك، قال: نعم. قلت: في الرضا والغضب. قال: نعم، فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقا"، قال الشيخ وقد جاء بألفاظ مختلفة من طريقين فيما أعلم الآن عند أحمد، وأبي داود والحاكم. فالطريق الأول عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أي عبد الله بن عمرو بن العاص فهو جده. وهذا الطريق فيه مقال مشهور للمحدثين لم يمنع بعض المتأخرين من الاحتجاج به، وهو تساهل منهم. ونقل هنا مقالة المتقدمين في هذا الطريق عن الميزان للذهبي. ثم قال: والطريق الثاني عن عبد الله بن المؤمل، عن ابن جريج عن عطاء عنه بلفظ: "قيدوا العلم"، وعبد الله بن المؤمل، قال أحمد أحاديثه مناكير، وقال النسائي والدارقطني ضعيف أما ما رواه ابن عبد البر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص من قوله: ما يرغبني في الحياة إلا خصلتان الصادقة والوهط، فأما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله ﷺ . وأما الوهط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص كان عبد الله يقوم عليها -ففي سنده ليث، عن مجاهد، وليث هذا هو ابن سليم. ضعفه يحيى والنسائي. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبي قال: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيا في أحد منه في ليث، ومحمد بن إسحاق وهمام لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم. ذكره في الميزان، وذكر أنه اختلط في آخر عمره. ا. هـ، ونحن نناقش الشيخ في بعض مقالته هذه لئلا يطول بنا المقال فنقول:

стр. 224

مناقشته في أحاديث أبي هريرة الثلاثة: ادعى أن حديث أبي هريرة عند الشيخين خاص بأبي شاه، ولم يبين لنا وجه تلك الخصوصية. ومن المقرر عند العلماء أن دعوى الخصوصية بلا دليل غير مقبولة. فإن أراد بالخصوصية أن قوله ﷺ : اكتبوا لأبي شاه، خاص بخطبته عام فتح مكة فذلك صريح الحديث. لكن لا يدل على منع الكتابة في غير خطبته هذه، أو لغير أبي شاه؛ لأنه لا فارق بين خطبته في هذا المقام، وبين سائر أحاديثه في وجوب العناية بحفظها ووجوب تبليغها، كما أنه لا خصوصية لأبي شاه عن غيره من سائر الصحابة ﵃، بل عن جميع المكلفين. فإن قيل: يحتمل أنه كان سيئ الحفظ قلنا: ويحتمل أنه أراد أن يضم الكتابة إلى الحفظ، والاحتمالات بابها واسع. فالمصير إلى احتمال معين ودعوى أن ما عداه باطل محض تحكم. وأما حديث أبي هريرة الثاني فقد سكت عنه. وهو ما رواه البخاري في صحيحه عن همام بن منبه قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حدثا مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب"، ولا يلتفت إلى الطعن في همام بعد تخريج البخاري له في الصحيح. ونحن نستدل بهذا الحديث على أن كتابة الحديث جائزة بل مستحبة، فإن ابن عمرو فعلها، وأبو هريرة لم ينكر عليه بل جعل ذلك من محاسنه، وأنه من أجل ذلك كان أكثر حديثا منه: قال في فتح الباري وروى أحمد، والبيهقي في المدخل من طريق عمرو بن شعيب، عن مجاهد والمغيرة بن حكيم قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه

стр. 225

وسلم مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب بيده ويعي بقلبه، وكنت أعي ولا أكتب استأذن رسول الله ﷺ في الكتابة عنه، فأذن له١ إسناده حسن. أفاد هذا الحديث أن عبد الله بن عمرو استأذن النبي ﷺ في كتابة الحديث، فأذن له وأنه لم يكن به آفة تضطره إلى الكتابة، بدليل قول أبي هريرة "فإنه كان يكتب بيده، ويعي بقلبه"، وأن موضوعه ليس بخاص، بل هو عام في الأحاديث كلها. وأما حديث أبي هريرة الثالث عند الترمذي: "أن النبي ﷺ ، أذن لرجل سيئ الحفظ بأن يستعين بيمينه"، فواضح الدلالة على أنه يجوز لمن كان على مثل حال هذا الرجل أن يستعين بالكتابة، وذلك لا يمنع جواز الكتابة لمن كان حسن الحفظ، فإن ذلك آكد لحفظه. ولعل صاحب المنار يقصد بإيراد حديث الترمذي المذكور، عقب حديث البخاري في كتابة عبد الله بن عمرو، أن عبد الله هو ذلك الرجل الذي كان سيئ الحفظ، وقد ذكرنا ما يبطل ذلك. وقد مر بك في ترجمة عبد الله بن عمرو السبب في قلة ما وصل إلينا من حديثه بالنسبة لأبي هريرة، مع أنه جمع إلى حفظ الحديث كتابته. مناقشته في حديث صحيفة علي، وكتاب عمرو بن حزم: بعد أن سلم الشيخ بصحة الحديثين، ادعى أن كلا منهما في موضوع خاص. وقد أبطلنا فيما سبق أن خصوص المكتوب، أو الكاتب لا يدل على المنع من الكتابة في غير المكتوب أو لغير الكاتب. فإن السنة وحي من الله يجب على الناس تبليغها، ومن وسائل ذلك التبليغ: الكتابة.

стр. 226

ومن العجيب قول الشيخ في كتاب عمرو بن حزم، "أن موضوعه خاص، وإنما كتب له ذلك ليحكم به، إذ ولي عمل نجران"، مع أن لفظ الحديث كما سبق:"كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقات، والديات، والفرائض والسنن لعمرو بن حزم وغيره"، فالكتابة لم تكن لعمرو بن حزم وحده، بل كانت له ولغيره، وموضوعها ليس بخاص كما هو ظاهر -وكأن الشيخ فهم أن الكتابة للحكم يلزم منها منع الكتابة للحفظ، مع أن الحفظ من وسائل الحكم، وعوامل الإصابة فيه، وإليك عبارة العلامة ابن القيم في زاد المعاد جـ١ ص٥٩ قال- في معرض كلامه على كتبه ﷺ إلى أهل الإسلام في الشرائع ما نصه: ومنها كتابه إلى أهل اليمن، وهو الكتاب الذي رواه أبو بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده، وكذلك رواه الحاكم في صحيحه والنسائي وغيرهما مسندا متصلا، ورواه أبوداود وغيره مرسلا، وهو كتاب عظيم فيه أنواع كثيرة من الفقه في الزكاة، والديات والحكام، وذكر الكبائر والطلاق، والعتاق وأحكام الصلاة في الثوب الواحد، والاحتباء فيه ومس المصحف، وغير ذلك. قال الإمام أحمد: لا شك أن رسول الله ﷺ كتبه، واحتج الفقهاء كلهم بجملة ما فيه من مقادير الديات. ا. هـ فأنت ترى أن موضوع هذا الكتاب لم يكن خاصا، والمكتوب إليهم هم أهل اليمن عامة. مناقشته في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ أذن له أن يكتب كل ما يسمع منه: نقول: هذا الحديث صححه الحفاظ، وهو من أقوى الأدلة، وأصرحها على أن كتابة الحديث جميعه جائزة بل مستحبة. وقد روى من عدة طرق يقوي بعضها بعضا. قال الحافظ في فتح الباري: وعند أحمد

стр. 227

وأبي داود من طريق يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ ، أريد حفظه فنهتني قريش، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله ﷺ ، يتكلم في الرضا والغضب. فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق"، ولهذا طرق أخرى عن عبد الله بن عمرو، ويقوي بعضها بعضا. ا. هـ١، ولكن الشيخ لما وجد هذا الحديث يحول بينه وبين ما يرمي إليه من النتائج، أخذ يتكلم في متنه تارة وفي إسناده تارة أخرى. فقال عن المتن: قد جاء بألفاظ مختلفة من طريقين فيما أعلم"، ونقول له: إن اختلاف ألفاظ الحديث الواحد لا يعد طعنا فيه، إذا كانت غير متعارضة ولا متدافعة. والحديث الذي معنا كذلك اختلفت ألفاظه طولا وقصرا، ولكن لا تنافي بينها، فلا يجوز أن يتخذ ذلك طعنا فيه. وقال عن السند: جاء من طريقين الأول، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، وفيه مقال مشهور للمتقدمين من علماء الحديث، ولكن هذا المقال لم يمنع بعض المتأخرين من الاحتجاج به، وهو تساهل منهم ثم أخذ يسرد ما قاله المتقدمون نقلا عن الميزان للذهبي٢، والطريق الثاني عن عبد الله بن المؤمل، وعبد الله بن المؤمل، قال أحمد: إن حديثه مناكير وقال النسائي والدارقطني: ضعيف. ونحن نقول له: أما الطريق الأول، فالذي عليه المحققون والجماهير من المتقدمين، والمتأخرين أنه يحتج به. قال ابن الصلاح في النوع الخامس والأربعين من مقدمته: لعمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده

стр. 228

بهذا الإسناد نسخةكبيرة أكثرها فقهيات جياد. وشعيب هذا هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. قد احتج أكثر أهل الحديث بحديثه حملا لمطلق الجد فيه على الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص، دون ابنه محمد والد شعيب لما ظهر لهم من إطلاقه ذلك. ا. هـ وقال السيوطي في التدريب قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه وأبا عبيدة وعامة أصحابنا يحتجون بحديثه ما تركه أحد من المسمين، وقال مرة: اجتمع علي، ويحيى بن معين، وأحمد وأبو خيثمة وشيوخ من أهل العلم، فتذاكروا حديث عمرو بن شعيب، فثبتوه وذكروا أنه حجة، وقال أحمد بن سعيد الدارمي: احتج أصحابنا بحديثه. قال النووي في شرح المهذب: وهو الصحيح المختار الذي عليه المحققون من أهل الحديث، وهم أهل هذا الفن وعنهم يؤخذ حملا لجده على عبد الله الصحابي، دون محمد التابعي لما ظهر لهم في إطلاقه ذلك. وسماع شعيب من عبد الله بن عمرو ثابت. وقال إسحاق بن راهويه: عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده كأيوب، عن نافع عن ابن عمر. قال النووي: وهذا التشبيه غاية الجلالة من مثل إسحاق، وقد ألف العلائي جزءا مفردا في صحة الاحتجاج بهذه النسخة، والجواب عما طعن عليها قال: ومما يحتج به لصحتها احتجاج مالك بها في الموطأ، فقد أخرج عن عبد الرحمن بن حرملة عنه حديث: " الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب"! قال: وذهب قوم إلى ترك الاحتجاج به؛ لأن روايته عن أبيه عن جده كتاب ووجادة، فمنهنا جاء ضعفه؛ لأن التصحيف يدخل على الراوي من الصحف، ولذا تجنبها أصحاب الصحيح، وقال ابن حبان: إن أراد جده عبد الله فشعيب لم يلقه فيكون منقطعا، وإن أراد محمدًا فلا صحبة له فيكون مرسلًا. قال الذهبي وغيره: وهذا القول لا شيء

стр. 229

لأن شعيبا ثبت سماعه من عبد الله، وهو الذي رباه لما مات أبوه محمد. ا. هـ كلام السيوطي بحذف يسير. وقال ابن تيمية: "وكان عند آل عبد الله بن عمرو بن العاص نسخة، كتبها عن النبي ﷺ ، وبهذا طعن بعض الناس في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه شعيب عن جده، وقالوا: هي نسخة، وشعيب هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقالوا: إن عني جده الأدنى محمدا، فهو مرسل فإنه لم يدرك النبي ﷺ ، وإن عني جده الأعلى عبد الله فهو منقطع، فإن شعيبا لم يدركه، وأما أئمة الإسلام وجمهور العلماء، فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده إذا صح النقل إليه مثل مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة ونحوهما، ومثل الشافعي وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيره. قالوا: الجد هو عبد الله فإنه يجيء مسمى، وشعيب أدركه. قالوا: وإذا كانت نسخة مكتوبة من عهد النبي ﷺ ، كان هذا أوكد لها، وأذل على صحتها، ولهذا كان في نسخة عمرو بن شعيب من الأحاديث الفقهية، التي فيها مقدرات ما احتاج إليه عامة علماء الإسلام١. ا. هـ. وأما الطريق الثاني الذي ضعفه الأئمةكما قال الشيخ، فهو وإن لم يصلح للاحتجاج به لكتابة الحديث، فهو يصلح شاهدا على ذلك، والحجة قائمة بغيره من الأحاديث الصحيحة. مناقشته في إهدار الأحاديث الضعيفة، إذا تعددت طرقها: وضعف حديث أنس، وحديث أبي بكر وحديث رافع بن خديج، وحديث حذيفة إلى غير ذلك، ونسي ما قرره العلماء من أن الأحاديث

стр. 230

الضعيفة إذا تعددت طرقها قوى بعضها بعضا، وأصبحت صالحة للاحتجاج فضلا عن الاعتبار، إذا كان الضعف ناشئا عن سوء حفظ الراوي، الصدوق الأمين كما هنا. فكيف وقد ورد في الإذن بالكتابة أحاديث صحيحة، بعضها يفيد العموم نصا، وبعضها يفيده دلالة. ثالثا: وبناء على ما سبق للشيخ من أن أحاديث الإذن بالكتابة، لا تدل للكتابة يرى أن الأحاديث الواردة في المنع من كتابة الحديث، أرجح من أحاديث الإذن بها، ويضيف إلى ذلك أن أقوى أحاديث المنع على الإطلاق، هو حديث أبي سعيد الخدري، عند مسلم وأحمد. فيقول: "وأما ما ورد في المنع فأقواه حديث أبي سعيد الخدري: "لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه"، وهو في صحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، وهو أصح ما ورد في باب النهي عن كتابة الحديث والسنة". ا. هـ. ونحن نقول في الرد عليه: علمت أن أحاديث الإذن بالكتابة منها صحيح يدل عليها نصا، أو دلالة ومنها ضعيف تعددت طرقه، فيصلح للاعتبار أن قصر عن درجة الاحتجاج. فلم يبق إلا الجمع بينهما، وبين حديث أبي سعيد. وطريق الجمع أن يقال: إن النهي عن كتابة الحديث خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن بها في غير ذلك. أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في صحيفة واحدة، والإذن فيما إذا كتب الحديث في غير صحيفة القرآن. أو أن النهي خاص بمن خشي عليه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أمن منه ذلك. رابعا: حاول الشيخ أن يجمع بين أحاديث الإذن بالكتابة، والنهي عنها بما لا يصلح، فقال: "ولذلك وجوه أحدها. أن ما أمر بكتابته

стр. 231

لأبي شاه يحتمل أن يكون خاصا به. ثانيها. لعله كان سيئ الحفظ فأمر أن يكتب له كما طلب. ثالثها: أن حديث النهي عن الكتابة مقيدة بإبقاء المكتوب، وفيه الرخصة الصريحة لمن يكتب مؤقتا، ثم يمحوه ويؤيد هذا المعنى ما رواه ابن عبد البر، عن زيد بن ثابت، وابن مسعود وعلي في محو المكتوب. وما رواه من قول مالك: فمن كتب منهم الشيء، فإنما كان يكتبه ليحفظه، فإذا حفظه محاه. وهذا الوجه يصلح جوابا عن حديث الإذن لعبد الله بن عمرو بالكتابة، ويؤيده قول عبد الله. كنت أكتب كل شيء أسمع من رسول الله ﷺ ، أريد حفظه فصرح بأنه كان يكتب ليحفظ. وقد علمت ما قاله أئمة الحديث في رواية حفيده، عن النسخةالمكتوبة، ويصلح أيضا جوابا عن صحيفة علي، وكتاب عمرو بن حزم". ا. هـ. ونحن نقول في الرد عليه: أن الخصوصية لا تثبت لمجرد الاحتمال، ودعوى أنه سيئ الحفظ، تحتاج إلى نقل صحيح، ولم يوجد ولو سلمناه، فليس حديث أبي شاه هو كل ما ورد في الإذن بالكتابة. وأما ذكره في الوجه الثالث من وجوه الجمع، فيعارضه أن عبد الله بن عمرو بن العاص، كان يكتب الحديث لا لضعف حفظه، ولكن ليرجع إليه عند الحاجة، وقد أذن له النبي ﷺ بذلك إذنا مطلا، فكتب عنه صحيفته الصادقة التي بقيت في آله إلى أن رواها عنه حفيده عمرو بن شعيب، واعتمدها أكابر المحدثين كالبخاري، ومالك، وأحمد، وإسحاق بن راهويه وغيره. ويعارضه أيضا ما ثبت أن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن النبي ﷺ ، خص عليا ﵁ بشيء من الوحي، فسأل عليا ﵁ أبو جحيفة، وقيس بن عبادة

стр. 232

والأشتر النخعي في ذلك فقال علي كرم الله وجهه: ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة، وكان فيها أحكام الديات، ومقاديرها، وأصنافها وحكم تخليص الأسير من يد العدو، والترغيب في ذلك وحكم تحريم قتل المسلم بالكافر، وفرائض الصدقة إلى غير ذلك من الأحكام. فلو كانت كتابة الحديث لأجل الحفظ فقط، ثم يجب محوها بعد ذلك لما بقيت صحيفة علي إلى زمن خلافته. وأما محو بعض الصحابة لما كتبوه، أو أمرهم بذلك فليس؛ لأن الكتابة منهي عنها على وجه البقاء. بل لخشيتهم أن يشتغل بها الناس عن القرآن، ولما يحفظوه بعد. أو؛ لأنهم رأوا أن الأولى التعويل على الحفظ استنهاضا لعزائم الناس، وهممهم على تنمية ملكة الحفظ التي فطر عليها العرب. أو؛ لأن هذه الصحف كات منقولة عن أهل الكتاب، فخافوا أن يشتغل بها الناس عن دينهم، بدليل ما رواه ابن عبد البر أن الأسود، وعلقمة أصابا صحيفة فانطلقا بها إلى عبد الله بن مسعود، فقالا: هذه صحيف فيها حديث حسن فأمر ابن مسعود بماء فمحاها وتلا: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ، قالا: انظر فيها فإن فيها حديثا عجيبا، فجعل يمحوها ويقول: هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره. قال أبو عبيدة "أحد رواة هذه القصة": يرى أن هذه الصحيفة أخذت من أهل الكتاب، فلذا كره عبد الله ﵀ النظر فيها، وأذن فلا طريق للجمع بين أحاديث النهي، وأحاديث الإذن في الكتاب على وجه مقبول، إلا بما ذكرناه، واستظهرناه لا بما ذكره الشيخ، واستظهره. خامسًا: حاول الشيخ أن يقدم أحاديث النهي، عن الكتابة على أحاديث الإذن بها على تقدير صحتها، وتعذر الجمع بينها فقال: "ولو فرضنا أن بين أحاديث النهي عن الكتابة، والإذن بها تعارضا يصح أن

стр. 233

يكون أحدهما ناسخا للآخر، لكان لنا أن نستدل على كون النهي هو المتأخر بأمرين. أحدهما: استدلال من روى عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة، ومنعها بالنهي عنها، وذلك بعد وفاة النبي ﷺ ، وثانيهما: عدم تدوين الصحابة الحديث ونشره، ولو دونوا، ونشروا لتواتر ما دونوه. ونقول في الرد عليه: أولا: أن أحاديث الإذن بالكتابة أصح عند المحدثين من أحاديث النهي بدليل أن البخاري وغيره، أعلوا حديث أبي سعيد الخدري في النهي عن كتابة الحديث. وقالوا: الصواب وقفه علي أبي سعيد مع أن هذا الحديث باعتراف الشيخ، هو أقوى أحاديث المنع على الإطلاق. ثانيا: أنه على تقدير التعارض بين أحاديث الإذن، والنهي فقد كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، هو الإذن بالكتابة دون النهي عنها، بدليل ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: لما اشتد بالنبي ﷺ وجعه، قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا، لا تضلوا بعده"، وفي بعض رواياته "لما حضرت النبي ﷺ الوفاة"، وله من حديث سعيد بن جبير أن ذلك كان يوم الخميس، وهو قبل موته ﷺ بأربعة أيام١. ووجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ ، هم قبيل وفاته أن يكتب لأمته كتابا يحصل معه الأمن من الاختلاف، وهو لا يهم إلا بحق. ثالثا: أن امتناع بعض الصحابة عن كتابة الحديث، ومنعهم منها لم يكن سببه نهي النبي ﷺ عن كتابة الحديث، بدليل

стр. 234

أن الآثار الواردة عنهم في المنع، أو الامتناع من كتابة الحديث لم ينقل فيها التعليل بذلك، وإنما كانوا يعللون بمخافة أن يشتغل الناس بها عن كتاب الله، أو بمخافة أن يهمل الناس الحفظ اعتمادا على الكتابة، أو لغير ذلك من الأغراض. رابعا: إن عدم تدوين الصحابة للحديث، كما دونوا القرآن وجمعوه لم يكن لنهي النبي ﷺ عن كتابة الحديث، وإنما كان خوف أن تختلط بصحف القرآن، فيلتبس على الناس أمر دينهم، في وقت لم يجمع القرآن فيه إلا نفر قليل من الصحابة. وقد روى البيهقي في المدخل، عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب، أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أردت أن أكتب للسنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم، كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا، فهذا الأثر يدل على جواز كتابة الحديث، بدليل أن الصحابة ﵃، أشاروا عليه بذلك، وأن عمر ﵁ رأى أن يأخذ الحيطة لكتاب الله، ويتوثق لصيانته وذلك يستدعي أن تكون الكتابة قاصرة على القرآن، وأن يكتفي في الأحاديث بالحفظ لئلا يختلط الأمر على الناس، فما كان للصحابة أن يشيروا على عمر بكتابة السنن، إذا كان النهي عنها هو آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، بل لو كان النهي عن كتابة السنن باقيا، لما جاز لهم أن يسكتوا عن الإنكار على عمر عزمه على كتابة السنن، فضلا عن أن يشيروا عليه بكتابتها. هذا ولا بأس أن ننقل هنا نصوصا لبعض العلماء في كتابة الحديث، فنقول:

стр. 235

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إن السلف اختلفوا في ذلك -يعني كتابة العلم- عملا، وتركا، وإن كان الأمر استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان، ممن يتعين عليه تبليغ العلم١. ا. هـ. وقال أبو عمر بن عبد البر: "من كره كتاب العلم إنما كرهه لوجهين: لئلا يتخذ مع القرآن كتاب يضاهي به -ولئلا يتكل الكاتب على ما يكتب، فلا يحفظ فيقل الحفظ. ثم قال: وليس أحد اليوم على هذا، ولولا الكتاب لضاع كثير من العلم. وقد أرخص رسول الله ﷺ ، في كتاب العلم ورخص فيه جماعة من العلماء، وحمدوا ذلك، وقد دخل على إبراهيم النخعي شيء في حفظه لتركه الكتاب. وعن منصور قال: كان إبراهيم يحذف الحديث فقلت له: إن سالم بن الجعد يتم الحديث، قال: إن سالما كتب، وأنا لم أكتب. قال ابن عبد البر: فهذا النخعي مع كراهته لكتابة الحديث، قد أقر بفضل الكتاب"٢. ا. هـ. وقال ابن الصلاح في النوع الخامس والعشرين من مقدمته: اختلف الصدر الأول ﵃ في كتابة الحديث، فمنهم من كره كتابة الحديث والعلم، وأمروا بحفظه ومنهم من أجاز ذلك قال: ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته. ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة". ا. هـ٣. فكيف يجمع المسلمون على نقيض آخر الأمرين، من رسول الله ﷺ .

стр. 236

سادسا: استخلص الشيخ من بحثه هذا أن الصحابة لم يدونوا الأحاديث؛ لأنهم لم يريدوا أن يجعلوها دينا عاما، دائما كالقرآن مؤيدا ذلك، يعمل عمر بن الخطاب على خلاف بعض الأحاديث. وباكتفاء علماء الأمصار، كأبي حنيفة بما بلغه منها وعدم تعنيه في جمعها. وبمخالفة الفقهاء لكثير من الأحاديث الصحيحة، ونحن ننقل ذلك عنه بالتفصيل، ونرد عليه فنقول: أ- قال الشيخ: وإذا أضفت إلى هذا ماورد في عدم رغبة الصحابة في التحديث، بل رغبتهم عنه بل في نهيهم عنه قوى عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث دينا عاما، دائما كالقرآن. ا. هـ. وتلك لعمر الله مقدمات عقيمة، ونتيجة باطلة وذلك؛ لأن الصحابة إنما أمروا بتقليل الرواية، لئلا يكثر الخطأ، أو السهو في الأحاديث فيدخلها ما ليس منها، ولئلا يتخذها المنافقون ذريعة للكذب على رسول الله ﷺ . ولئلا ينصرف الناس عن القرآن، ولما يتمكن من نفوسهم فضل تمكن. كذلك لم يدونوا الأحاديث، لئلا يلتبس الأمر على عامة الناس فيضاهوا بصحف الحديث، صحف القرآن، ومخافة أن تقضي الكتابة على ملكة الحفظ فيهم. فلم يكن عدم تدوين الأحاديث، وقلة التحديث من الصحابة ﵃ لما ذكره الشيخ، من أنهم يريدون ألا يتخذوا الأحاديث دينا عاما، دائما فهذه نتيجة لا أساس لها. وأن القرآن العظيم ليفضح أمرها، ويكشف سترها. وقد تكلمنا في المقدمة على منزلة السنة في الدين، فارجع إليها إن شئت. ب- قال الشيخ: ولو كانوا فهموا عن النبي ﷺ ، أنه يريد ذلك لكتبوا، ولأمروا بالكتابة، ولجمع الراشدون ما كتب

стр. 237

وضبطوا ما وثقوا به، وأرسلوه إلى عمالهم ليبلغوه، ويعملوا به، ولم يكتفوا بالقرآن والسنة المتبعة، المعروفة للجمهور بجريان العمل بها. وبهذا يسقط قول من قال: إن الصحابة كانوا يكتفون في نشر الحديث بالرواية. ا. هـ. نقول: إن الصحابة ﵃، فهموا عن نبيهم أنه يريد أن تكون السنة دينا عاما، دائما. وكيف لا يفهمون ذلك عنه ﷺ ، وهو يقول لهم في حجة الوداع قبل وفاته بقليل: "إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك، مما تحاقرون من أعمالكم واحذروا. إني قد تكت فيكم ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه"، رواه الحاكم وصححه وله أصل في الصحيح، وكيف لا يفهم الصحابة عن نبيهم ذلك، وهو القائل: "من رغب عن سنتي، فليس مني"، رواه مسلم إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة المشهورة١. نقول: كيف لا يفهمون ذلك عن نبيهم، والقرآن يأمرهم بطاعته يحذرهم مخالفة أمره. ويحتم عليهم قبول حكمه، والإذعان لقضائه كما جاء ذلك في كثير من آياته. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، الآية. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ، الآية. وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . الحق أن الصحابة فهموا أن السنة دين عام دائم كالقرآن، وكان هذا أمرا بدهيا عندهم لا يحتاج إلى استدلال، بل هو ضرورة من ضرورات الدين، وبدهي عند عامة المسلمين في جميع الأزمان حتى اليوم.

стр. 238

أما إنهم لو علموا ذلك لكتبوا، ولأمروا بالكتابة إلى آخر ما قاله الشيخ، فهذا غير لازم لما قدمناه لك. وأما إنهم اكتفوا بالقرآن، والسنة المتبعة المعروفة للجمهور إلخ. فهذا غير مسلم، ولا يقوله إلا من جهل طريقة الخلفاء الراشدين، وسائر الصحابة من ورائهم في العمل بأحكام الدين، وكيف كانوا يأخذونها، فقد تقدم لنا أن أبا بكر وعمر ﵄، كانا يطلبان الحكم أولا من القرآن، ثم إذا لم يجداه فيه طلباه في حديث رسول الله صلى الله عليه، وسلم فإن لم يوجد عندهما حديث في الحادثة سألا عنه أصحاب رسول الله ﷺ . فإذا لم يجدا عندهم عن رسول الله ﷺ جمعا رؤوس الناس، وعلماء الصحابة وخيارهم للمشاورة، فيما عرض من الحوادث، ثم يقضيان بما اجتمعوا عليه. كما كان من عادتهما إنه إذا استبانت لأحدهما سنة، عن رسول الله ﷺ ، بعد أن قضى على خلافها، فإنه ينقض قضاءه، ويرجع إلى سنة رسول الله ﷺ . فقوم هذا حالهم في احترام السنة يقال فيهم إنهم لم يريدوا أن يتخذوها دينا عاما دائما. اللهم إن هذا إنكار للحقائق، وسير في طريق الخيال، وهوى متبع وإعجاب بالرأي: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ، وإذا كان هذا حال العمرين، اللذين كانا أعلم الصحابة بسنة رسول الله ﷺ ، فكيف يقال: إن الصحابة كانوا يكتفون بالقرآن، والسنة المتبعة المعروفة. ج- قال الشيخ: وإذا أضفت إلى ذلك كله، حكم عمر بن الخطاب على أعين الصحابة بما يخالف بعض تلك الأحاديث، ثم ما جرى عليه علماء الأمصار في القرن الأول، والثاني من اكتفاء الواحد منهم كأبي حنيفة

стр. 239

بما بلغه ووثق به من الحديث، وإن قل وعدم تعنيه في جمع غيره إليه، ليفهم دينه ويبين أحكامه قوى عندك ذلك الترجيح. ا. هـ. وللرد عليه نقول: أولًا: ما رمي به عمر بن الخطاب من أنه كان يخالف السنة، على مرأى ومسمع من الصحابة، فهذا حكم جائر بالنسبة لعمر بن الخطاب. أليس عمر هو القائل: "أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم"١، فهل هذا قول صحابي يفهم أن السنة ليست دينا عاما دائما، ويتعمد مخالفتها، أو هو قول من عرف للسنة قدرها، وحذر الناس عن مخالفتها، ونعى على أصحاب الرأي آراءهم المعارضة لها. أما ما ورد من حكم بعض الصحابة والتابعين، أو الأئمة المجتهدين على خلاف بعض الأحاديث، فإن لهم أعذارا تكلمنا عليها في مقدمة كتابنا هذا ينبغي للقارئ الرجوع إليها، ليتضح له المقام بما يرفع الملام عن هؤلاء الأئمة. ثانيا: يرمي الأستاذ علماء المسلمين في القرنين الأول، والثاني بعدم اهتمامهم بجمع الأحاديث، وأنت أيها القارئ إذا اطلعت على ما كتبناه، عن رحلة العلماء من الصحابة، والتابعين في القرن الأول وأعمال الأئمة في القرن الثاني، فإنك ترى العجب. ترى جهودا جبارة، بذلت في سبيل جمع حديث رسول الله ﷺ ، وعناية فائقة بتمحيص الأسانيد، ونقد المتون ومناهضة الوضاعين بما لم يتوفر لدى أمة من الأمم.

стр. 240

ثالثا: يرمى الأساذ أبا حنيفة بأنه كان يكتفي بالقليل من الأحاديث، ولا يكلف نفسه عناء البحث عن سائرها ليفهم دينه إلى آخر ما قال: ومعنى هذا أن أبا حنيفة يرى في السنة ما يراه الشيخ. ونعيذ أبا حنيفة كما نعيذ سائر علماء المسلمين من هذه الوصمة القبيحة. لقد كان أبو حنيفة إماما، وإماما مجتهدا يبذل وسعه، ويفرغ جهده في استطلاع الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة. وما جاء عنه من الأحكام، مخالفا لبعض الأحاديث فهو معذور فيه على ما بيناه في المقدمة، ونزيد هنا أن أبا حنيفة ﵁، اشترط في قبول الحديث شروطا شديدة، أملاها عليه البيئة التي عاش فيها، فقد كان بالعراق التي هي عش الخوارج والشيعة، وكثير من أخلاط الأمم، وأوشاب الناس الذين أخذوا يكذبون على رسول الله ﷺ ، حتى قيل في العراق أنها "دار ضرب الحديث"، فلا عجب أن يتوقى الإمام أبو حنيفة لدينه، ويحتاط الحديث، لئلا يدخل عليه من الأباطيل ما يفسد عليه أمره، ولعل الذي دعا أبا حنيفة إلى عدم الإكثار من الرحلة في طلب الحديث، أن الكوفة كانت في الصدر الأول، مهبط الصحابة الذين بثوا أحاديثهم، وعلمهم في التابعين من أهل العراق إلى غير ذلك من الاعتبارات. وسيمر بك البيان الشافي في مبحث النزاع في حجية السنة في القرن الثاني. "د" قال الشيخ: "بل تجد الفقهاء -بعد اتفاقهم- على جعل الأحاديث أصلًا من أصول الأحكام الشرعية، وبعد تدوين الحفاظ لها في الدواوين، وبيان ما يحتج به، وما لا يحتج به لم يجتمعوا على تحرير الصحيح، والاتفاق على العمل به، فهذه كتب الفقه في المذاهب المتبعة لا سيما كتب الحنفية. فالمالكية والشافعية فيها مئات من المسائل المخالفة للأحاديث المتفق عليها، وعلى صحتها، ولا يعد أحد منهم مخالفا لأصول

стр. 241

الدين، وقد أورد ابن القيم في أعلام الموقعين شواهد كثيرة جدا، من رد الفقهاء للأحاديث الصحيحة عملا بالقياس، أو لغير ذلك ومن أغربها أخذهم ببعض الحديث الواحد دون باقية. وقد أورد لهذا أكثر من ستين شاهدا. ا. هـ. نعم إن الفقهاء اتفقوا عل جعل الأحاديث أصلا من أصول الأحكام الشرعية، ولم يخالف في ذلك أحد منهم، ولكن الأحاديث لم تجتمع كلها لدى إمام من الأئمة، حتى يكون اجتهاده، موافقا للنصوص في كل حال. بل وقع لهذا الفقيه من الحديث، ما لم يكن عند الآخر وصح عنده ما لم يصح عند غيره. لذلك وقع اختلافهم في الأحكام، ومخالفتهم للأحاديث في بعض الأحيان. ولم يكن ذلك منهم اتباعا للهوى، أو لفهمهم بأن السنة ليست دينا عاما، دائما بل لأسباب علمها العلماء، وألفوا فيها الرسائل، ومن هؤلاء الأئمة العلامة ابن تيمية، الذي ألف رسالة سماها. "رفع الملام عن الأئمة الأعلام": أما استدلال الشيخ باشتمال كتب الفقه في المذاهب المختلفة على مئات من المسائل، المخالفة للأحاديث الصحيحة، فنقول: إن جمود المتأخرين على التقليد وقف بالفقه في العصو المتأخر عن التقدم، ومسايرة الأدلة الصحيحة من حديث رسول الله ﷺ . ولو أنه وجد منهم نشاط علمي، فعرضوا مذاهب أئمتهم على الأحاديث الصحيحة، لرجعوا بالفقه إلى منبعه الأصلي من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ولضاقت دائرة الخلاف بينهم. وهؤلاء الفقهاء المتأخرون هم الذين أنحى عليهم العلامة ابن القيم باللائمة، حيث يقدمون آراء أئمتهم على الحديث الصحيح، عن نبيهم صلى

стр. 242

الله عليه وسلم في حين أن هؤلاء الأئمة جميعا، كانوا يشيرون باتباع السنة، ويأمرون الناس بترك آرائهم إذا صح الحديث، عن رسول الله ﷺ ، ولكن الشيخ عفا الله عنه خلط أعمال الفقهاء المتأخرين، الذين لا عذر لهم في ترك الأحاديث بأعمال الفقهاء المتقدمين، الذين كان لهم العذر في ذلك. كل هذا ليؤيد رأيه في أن الأحاديث النبوية ليست دينا عاما، دائما كالقرآن. وبعد فهذه الدعوى من الشيخ -عفا الله عنه- لا أساس لها بل هي تهدم نفسها بنفسها، فضلا عن أنها تخالف نصوص القرآن الكريم، وتتعارض مع ما تواتر من سنة الرسول الأمين، ولا تتفق وما أجمع عليه المسلمون في كافة الأزمان من عهد النبي ﷺ إلى اليوم.

стр. 243

الدور الرابع: السنة في القرن الثاني المبحث الأول: تدوين الحديث في هذا العصر وأشهر الكتب المؤلفة فيه ... الدور الرابع: السنة في القرآن الثاني الكلام على السنة في هذا القرن، يشتمل على خمسة مباحث: المبحث الأول: تدوين الحديث في هذا العصر، وأشهر الكتب المؤلفة فيه. المبحث الثاني: شيوع الوضع في الحديث، ومناهضة العلماء للوضاعين. المبحث الثالث: النزاع حول حجية السنة في هذا العصر. المبحث الرابع: تراجم لبعض مشاهير المحدثين في هذا العصر. المبحث الخامس: الرد على شبه لبعض المستشرقين. المبحث الأول: تدوين الحديث في هذا العصر، وأشهر الكتب المؤلفة فيه ظهر لك مما أسلفنا ما قام به الصحابة، والتابعون من جمع الحديث، والرحلة في طلبه، وذب الخرافات والأكاذيب عن ساحته، فانتشلوا الأحاديث من أيدي الخوارج والشيعة، ومن تظاهر بالإسلام من الفرس والروم، واليهود وغيرهم، وظهر لك أيضا أنهم أودعوا الأحاديث حوافظهم القوية، وقرائحهم الصافية، فكانوا بذلك في غنى عن الكتابة، وما روي عن بعضهم أنهم كانوا يكتبون الأحاديث، لم يكن منهم لضعف ملكة الحفظ، بل كان لزيادة التأكد من ضبط الأحاديث، وتحرير ألفاظها.

стр. 244

ثم لما انتشر الإسلام، واتسعت البلد، وشاع الابتداع، وتفرقت الصحابة بالأمصار، ومات كثير منهم في الحروب وغيرها، وقل الضبط لضعف ملكة الحفظ، دعت الحاجة إلى تدوين الأحاديث وكتابتها، فكتب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى إلى عامله، وقاضيه على المدينة أبي بكر بن حزم: "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء"، وأوصاه أن يكتب له ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وكذلك كتب إلى عماله في أمهات المدن الإسلامية بجمع الحديث، وممن كتب إليه بذلك محمد بن شهاب الزهري. ومن هذا الوقت أقبل العلماء على كتابة السنن وتدوينها، وشاع ذلك في الطبقة التي تلي طبقة الزهري. فكتب ابن جريج بمكة "١٥٠"، وابن إسحاق "١٥١"، ومالك "١٧٩" بالمدينة، والربيع بن صبيح "١٦٠"، وسعيد بن أبي عروبة "١٥٦"، وحماد بن سلمة "١٧٦" بالبصرة، وسفيان الثوري "١٦١" بالكوفة، والأوزاعي "١٥٦" بالشام، وهشيم "١٨٨" بواسط، ومعمر "١٥٣" باليمن، وجرير بن عبد الحميد "١٨٨"، وابن المبارك "١٨١" بخراسان. كان هؤلاء جميعا في عصر واحد، ولا يدري أيهم أسبق إلى جمع الحديث، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم، وكانت طريقتهم في جمع الحديث، أنهم يضعون الأحاديث المتناسبة في باب واحد، ثم يضمون جملة من الأبواب بعضها إلى بعض، ويجعلونها في مصنف واحد، ويخلطون الأحاديث بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، على خلاف ما كان يصنعه أهل القرن الأول كالزهري، فإنهم كانوا

стр. 245

يخصون كل مؤلف بباب من أبواب العلم، يجمعون فيه الأحاديث المتناسبة مختلطة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين. بدأ التدوين في أواخر عهد بني أمية على ما ذكرنا، ولكن لم يظهر شأنه تمام الظهور إلا في خلافة بني العباس، حول منتصف القرن الثاني، إذ نشطت حركة التدوين في العلوم المختلفة، وأخذت السنة حظها من ذلك١ في هذا الدور على النحو الذي سبق، ولكن أين هذه المؤلفات الحافلة، التي جمعها الزهري، ومن تلاه من المحدثين؟، إنه لم يصلنا منها إلا القليل، كموطأ الإمام مالك، ومسند الإمام الشافعي، والآثار للإمام محمد بن الحسن الشيباني أحد رواة الموطأ المتوفى سنة ١٨٩. ولعل سنة التطور في التأليف، هي التي قضت على هذه المؤلفات، والتاريخ يحدثنا أن التأليف في الفنون المختلفة الحديث وغيره، أخذ في التحسن طبقة بعد طبقة، وعصرا بعد عصر، حتى وصل إلى الذروة في الجودة والإتقان، ولا ضير في ذلك ما دامت مادة الأحاديث، التي رويت في كتب الزهري، وغيره موجودة في المصنفات التي تتجدد في كل عصر، آخذة لونا من الترتيب والتهذيب، يتناسب وذوق العصر الذي وضعت فيه، ولنتكلم على أشهر الكتب المؤلفة في هذا الدور فنقول: موطأ الإمام مالك: الموطأ كتاب ألفه الإمام مالك، مشتملا على حديث رسول ﷺ ، وأقوال الصحابة وفتاوى التابعين. طلب أبو جعفر

стр. 246

المنصور الخليفة العباسي إلى الإمام مالك، أن يجمع ما ثبت لديه، ويدونه في كتاب، ويوطئه للناس، فألف كتابه هذا وسماه الموطأ. وقيل: إن سبب تسميته بذلك أنه لما ألفه عرضه على شيوخه، فواطؤوه عليه فسمي الموطأ. ذكر السيوطي في مقدمته لشرح الموطأ أن مالكا قال: "عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ". تحرى مالك في موطئه القوي من حديث أهل الحجاز، حتى قالوا: إنه مكث في تأليفه أربعين سنة كاملة ينقحه، ويهذبه. روى السيوطي في مقدمته لشرح الموطأ عن الأوزاعي أنه قال: عرضنا على مالك الموطأ في أربعين يوما، فقال: "كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يوما؟ ما أقل ما تفقهون فيه". ومن عادة مالك في موطئه أن يذكر في مقدمة الموضوع، ما جاء فيه من الحديث، عن النبي ﷺ ، ثم ما ورد فيه من الآثار عن الصحابة والتابعين، وندر أن يكونوا من غير أهل المدينة؛ لأن مالكا لم يرحل عنها، وأحيانا يذكر ما عليه العمل أو الأمر المجتمع عليه في المدينة، وأحيانا يتبع الحديث بتفسير كلمة لغوية، أو بيان المراد من بعض الجمل. درجة أحاديث الموطأ: المتتبع لسيرة مالك في الحديث يجد أنه كان يتحرى في المتون، وينتقي في الأسانيد، شهد له بذلك العلماء قديما وحديثا. ولما كان الموطأ هو خلاصة لجهود هذا المحدث الكبير، والإمام القدير، في أربعين عاما جاء كتاب عظيما، متقنا في بابه، غاية في المتانة، وقد بين العلماء سلفا، وخلفا أن أحاديث الموطأ كلها صحيحة، وأن أسانيده وردت جميعها متصلة،

стр. 247

أما ما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني: "أن كتاب مالك صحيح عنده، وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل، والمنقطع وغيرهما"، فهو يعبر عن رأيه الخاص، ولكن يرى غيره من العلماء أنه ليس في الموطأ حديث مرسل، ولا منقطع إلا قد اتصل سنده من طرق أخرى، وعليه فأحاديثه صحيحة من هذا الوجه، وقد تناول الناس أحاديث الموطأ بالتخريج، حتى في زمن مؤلفه، ووصلوا ما فيه من مرسلات ومنقطعات، ومن هؤلاء من شارك مالكا في شيوخه كالسفيانين، وابن أبي ذئب وغيرهم١. وهذا هو الحافظ ابن عبد البر أحد علماء القرن الخامس، يصنف كتابا حافلا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنطقع، والمعضل قال: وجميع ما فيه من قوله "بلغني"، ومن قوله عن "الثقة" عنده مما لم يسنده أحد وستون حديثا، كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة أحاديث لا تعرف أحدها، وهو في باب العمل في السهو: "إني لا أنسى، ولكن أنسى لأسن"، والثاني: "وهو في باب ما جاء في ليلة القدر من كتاب الاعتكاف، أن رسول الله ﷺ ، أرى أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته، ألا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر"، والثالث: "وهو في كتاب الجامع"، قول معاذ: "آخر ما أوصاني به رسول الله ﷺ ، وقد وضعت رجلي في الغرز أن قال: "حسن خلقك للناس"، والرابع وهو في باب الاستمطار بالنجوم في أواخر كتاب الصلاة: "إذا نشأت بحرية، ثم تشاءمت فتلك عين غديقة". ا. هـ.

стр. 248

وهذه الأحاديث الأربعة ثبت ما يشهد بوصلها أيضا. قال ابن عبد البر في الحديث الأول أن معناه صحيح في الأصول، وقد قال سفيان: إذا قال مالك بلغني فهو إسناد صحيح، وأما الحديث الثاني فقال السيوطي في كتابه تنوير الحوالك: له شواهد من حيث المعنى مرسلة ثم سردها، وأما الثالث فقد ورد معناه عند الترمذي، وأما الحديث الرابع، فيشهد له ما ذكره الشافعي في الأم بسنده من غير طريق مالك، أن النبي ﷺ ، قال: "إذا نشأت بحرية، ثم استحالت شامية فهو أمطرها"، هذا وقد تناول العلماء تلك الأحاديث الأربعة بالبحث والتمحيص، وحكموا بوصلها، فأفردها الحافظ ابن الصلاح في تأليفه وحكم بوصلها، وكذلك الحافظ بن مرزوق المعروف بالخطيب أفرد جزءا في أسانيدها، وكذلك ابن أبي الدنيا أسند اثنين منها في أقليد التقليد. ومما يدل على أن هذه الأحاديث الأربعة، متصلة كغيرها من أحاديث الموطأ قول سفيان بن عيينة: "كان مالك لا يبلغ من الحديث إلا صحيحا، ولا يحدث إلا عن ثقات الناس"١. وبناء على شهادة العلماء من السلف، والخلف لهذا الكتاب بالصحة، والاتصال في جميع أحاديثه لا يسعنا إلا أن نتبعه في ذلك، ولا ينبغي أن يظن غير هذا بمثل الإمام الكبير، والمحدث النقادة الجليل أما مدار الهجرة، وعالم أهل الحجاز. عدد أحاديث الموطأ: اختلف العلماء في عدد أحاديثه، فابن الهباب يقول: أن مالكا روى مائة ألف حديث جمع منها في الموطأ عشرة آلاف حديث، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة، ويختبرها بالآثار، حتى رجعت إلى خمسمائة، وأبو بكر الأبهري يقول: جملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي صلى

стр. 249

الله عليه وسلم وعن الصحابة، والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثا. المسند منها ستمائة حديث، والمرسل مائتان واثنتان وعشرون حديثا، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر، ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون، وابن حزم يقول: أحصيت ما في الموطأ لمالك، وما في حديث سفيان بن عيينة، فوجدت في كل منهما من المسند خمسمائة حديث ونيفا، وثلثمائة مرسلا ونيفا، وفيه نيف وسبعون حديثا، قد ترك مالك نفسه العمل بها، وفيها أحاديث ضعيفة وهَّاها جمهور العلماء. ا. هـ. وهذا الخلاف بينهم إنما هو راجع لاختلاف آخر في روايات الموطأ، فالعادون لحديثه، إنما قال كل منهم على حسب الرواية، التي وقعت له فقد نقل السيوطي في تدريبه عن الحافظ صلا الدين العلائي أنه قال: "روى الموطأ عن مالك جماعات كثيرة، وبين رواياته اختلاف من تقديم وتأخير، وزيادة ونقص ومن أكبرها زيادات رواية ابن مصعب قال ابن حزم: في موطأ ابن مصعب هذا زيادة على سائر الموطآت نحو مائة حديث". ا. هـ. كذلك في رواية محمد بن الحسن مائة وخمسة وسبعون حديثا زادها من غير طريق مالك، منها ثلاثة عشر عن أبي حنيفة، وأربعة عن أبي يوسف والباقي عن غيرها١. ومن ذلك اختلفت أقوال الناس في عد أحاديث الموطأ، وكل حكم بما علم. روايات الموطأ: نسخ الموطأ كثيرة، والذي اشتهر منها يبلغ نحو الثلاثين نسخة، وكثيرا ما يقع بينها الاختلاف بالتقديم، والتأخير والزيادة والنقصان

стр. 250

حسب تزيد الرواة فيها، وقد ذكر السيوطي أن المشتهر عن الرواة أربع عشرة نسخة ثم سردها، منها: ١- نسخة يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، سمع الموطأ أولا عن عبد الرحمن المعروف بشبطون، ثم رحل إلى مالك مرتين، وسمع منه الموطأ بلا واسطة، إلا ثلاثة أبواب في آخر كتاب الاعتكاف. ٢- نسخة أبي مصعب أحمد بن أبي بكر القاسم، قاضي المدينة قالوا: إن موطأه آخر الموطآت التي عرضت على مالك، ويوجد في موطئه زيادة نحو مائة حديث عن سائر الموطآت. ٣- نسخة الإمام محمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة، وهو من أجل أصحاب مالك في الحديث، كما أنه من أعظم أصحاب أبي حنيفة في الفقه، ونسخته تزيد كثيرا على نسخة يحيى الليثي، لكنه شحنها بآثار من غير طريق مالك يحتج بها لفه أبي حنيفة، وهي مطبوعة في الهند وإيران، ولها هناك وفي الحرمين شهرة عظيمة، وقال في كشف الظنون: قال أبو القاسم محمد بن حسين الشافعي الموطآت المعروفة عن مالك أحد عشر موطأ، معناها متقارب والمستعمل منها أربعة: موطأ يحيى بن يحيى، وموطأ ابن بكير وأبي مصعب الزهري. وابن وهب ثم ضعف الاستعمال إلا في موطأ يحيى، ثم موطأ ابن بكير"١. شروح الموطأ: شرح الموطأ خلق كثير منهم: ١- الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري، القرطبي، المتوفى سنة ٤٦٣هـ، وله عليه شرحان أولهما "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد"، رتبه على أسماء شيوخ مالك على
следующие страницы →