← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8656

الحديث والمحدثون

محمد محمد أبو زهو

Полный текст (513 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المنصور الخليفة العباسي إلى الإمام مالك، أن يجمع ما ثبت لديه، ويدونه في كتاب، ويوطئه للناس، فألف كتابه هذا وسماه الموطأ. وقيل: إن سبب تسميته بذلك أنه لما ألفه عرضه على شيوخه، فواطؤوه عليه فسمي الموطأ. ذكر السيوطي في مقدمته لشرح الموطأ أن مالكا قال: "عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ". تحرى مالك في موطئه القوي من حديث أهل الحجاز، حتى قالوا: إنه مكث في تأليفه أربعين سنة كاملة ينقحه، ويهذبه. روى السيوطي في مقدمته لشرح الموطأ عن الأوزاعي أنه قال: عرضنا على مالك الموطأ في أربعين يوما، فقال: "كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يوما؟ ما أقل ما تفقهون فيه". ومن عادة مالك في موطئه أن يذكر في مقدمة الموضوع، ما جاء فيه من الحديث، عن النبي ﷺ ، ثم ما ورد فيه من الآثار عن الصحابة والتابعين، وندر أن يكونوا من غير أهل المدينة؛ لأن مالكا لم يرحل عنها، وأحيانا يذكر ما عليه العمل أو الأمر المجتمع عليه في المدينة، وأحيانا يتبع الحديث بتفسير كلمة لغوية، أو بيان المراد من بعض الجمل. درجة أحاديث الموطأ: المتتبع لسيرة مالك في الحديث يجد أنه كان يتحرى في المتون، وينتقي في الأسانيد، شهد له بذلك العلماء قديما وحديثا. ولما كان الموطأ هو خلاصة لجهود هذا المحدث الكبير، والإمام القدير، في أربعين عاما جاء كتاب عظيما، متقنا في بابه، غاية في المتانة، وقد بين العلماء سلفا، وخلفا أن أحاديث الموطأ كلها صحيحة، وأن أسانيده وردت جميعها متصلة،

стр. 247

أما ما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني: "أن كتاب مالك صحيح عنده، وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل، والمنقطع وغيرهما"، فهو يعبر عن رأيه الخاص، ولكن يرى غيره من العلماء أنه ليس في الموطأ حديث مرسل، ولا منقطع إلا قد اتصل سنده من طرق أخرى، وعليه فأحاديثه صحيحة من هذا الوجه، وقد تناول الناس أحاديث الموطأ بالتخريج، حتى في زمن مؤلفه، ووصلوا ما فيه من مرسلات ومنقطعات، ومن هؤلاء من شارك مالكا في شيوخه كالسفيانين، وابن أبي ذئب وغيرهم١. وهذا هو الحافظ ابن عبد البر أحد علماء القرن الخامس، يصنف كتابا حافلا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنطقع، والمعضل قال: وجميع ما فيه من قوله "بلغني"، ومن قوله عن "الثقة" عنده مما لم يسنده أحد وستون حديثا، كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة أحاديث لا تعرف أحدها، وهو في باب العمل في السهو: "إني لا أنسى، ولكن أنسى لأسن"، والثاني: "وهو في باب ما جاء في ليلة القدر من كتاب الاعتكاف، أن رسول الله ﷺ ، أرى أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته، ألا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر"، والثالث: "وهو في كتاب الجامع"، قول معاذ: "آخر ما أوصاني به رسول الله ﷺ ، وقد وضعت رجلي في الغرز أن قال: "حسن خلقك للناس"، والرابع وهو في باب الاستمطار بالنجوم في أواخر كتاب الصلاة: "إذا نشأت بحرية، ثم تشاءمت فتلك عين غديقة". ا. هـ.

стр. 248

وهذه الأحاديث الأربعة ثبت ما يشهد بوصلها أيضا. قال ابن عبد البر في الحديث الأول أن معناه صحيح في الأصول، وقد قال سفيان: إذا قال مالك بلغني فهو إسناد صحيح، وأما الحديث الثاني فقال السيوطي في كتابه تنوير الحوالك: له شواهد من حيث المعنى مرسلة ثم سردها، وأما الثالث فقد ورد معناه عند الترمذي، وأما الحديث الرابع، فيشهد له ما ذكره الشافعي في الأم بسنده من غير طريق مالك، أن النبي ﷺ ، قال: "إذا نشأت بحرية، ثم استحالت شامية فهو أمطرها"، هذا وقد تناول العلماء تلك الأحاديث الأربعة بالبحث والتمحيص، وحكموا بوصلها، فأفردها الحافظ ابن الصلاح في تأليفه وحكم بوصلها، وكذلك الحافظ بن مرزوق المعروف بالخطيب أفرد جزءا في أسانيدها، وكذلك ابن أبي الدنيا أسند اثنين منها في أقليد التقليد. ومما يدل على أن هذه الأحاديث الأربعة، متصلة كغيرها من أحاديث الموطأ قول سفيان بن عيينة: "كان مالك لا يبلغ من الحديث إلا صحيحا، ولا يحدث إلا عن ثقات الناس"١. وبناء على شهادة العلماء من السلف، والخلف لهذا الكتاب بالصحة، والاتصال في جميع أحاديثه لا يسعنا إلا أن نتبعه في ذلك، ولا ينبغي أن يظن غير هذا بمثل الإمام الكبير، والمحدث النقادة الجليل أما مدار الهجرة، وعالم أهل الحجاز. عدد أحاديث الموطأ: اختلف العلماء في عدد أحاديثه، فابن الهباب يقول: أن مالكا روى مائة ألف حديث جمع منها في الموطأ عشرة آلاف حديث، ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة، ويختبرها بالآثار، حتى رجعت إلى خمسمائة، وأبو بكر الأبهري يقول: جملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي صلى

стр. 249

الله عليه وسلم وعن الصحابة، والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثا. المسند منها ستمائة حديث، والمرسل مائتان واثنتان وعشرون حديثا، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر، ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون، وابن حزم يقول: أحصيت ما في الموطأ لمالك، وما في حديث سفيان بن عيينة، فوجدت في كل منهما من المسند خمسمائة حديث ونيفا، وثلثمائة مرسلا ونيفا، وفيه نيف وسبعون حديثا، قد ترك مالك نفسه العمل بها، وفيها أحاديث ضعيفة وهَّاها جمهور العلماء. ا. هـ. وهذا الخلاف بينهم إنما هو راجع لاختلاف آخر في روايات الموطأ، فالعادون لحديثه، إنما قال كل منهم على حسب الرواية، التي وقعت له فقد نقل السيوطي في تدريبه عن الحافظ صلا الدين العلائي أنه قال: "روى الموطأ عن مالك جماعات كثيرة، وبين رواياته اختلاف من تقديم وتأخير، وزيادة ونقص ومن أكبرها زيادات رواية ابن مصعب قال ابن حزم: في موطأ ابن مصعب هذا زيادة على سائر الموطآت نحو مائة حديث". ا. هـ. كذلك في رواية محمد بن الحسن مائة وخمسة وسبعون حديثا زادها من غير طريق مالك، منها ثلاثة عشر عن أبي حنيفة، وأربعة عن أبي يوسف والباقي عن غيرها١. ومن ذلك اختلفت أقوال الناس في عد أحاديث الموطأ، وكل حكم بما علم. روايات الموطأ: نسخ الموطأ كثيرة، والذي اشتهر منها يبلغ نحو الثلاثين نسخة، وكثيرا ما يقع بينها الاختلاف بالتقديم، والتأخير والزيادة والنقصان

стр. 250

حسب تزيد الرواة فيها، وقد ذكر السيوطي أن المشتهر عن الرواة أربع عشرة نسخة ثم سردها، منها: ١- نسخة يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، سمع الموطأ أولا عن عبد الرحمن المعروف بشبطون، ثم رحل إلى مالك مرتين، وسمع منه الموطأ بلا واسطة، إلا ثلاثة أبواب في آخر كتاب الاعتكاف. ٢- نسخة أبي مصعب أحمد بن أبي بكر القاسم، قاضي المدينة قالوا: إن موطأه آخر الموطآت التي عرضت على مالك، ويوجد في موطئه زيادة نحو مائة حديث عن سائر الموطآت. ٣- نسخة الإمام محمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة، وهو من أجل أصحاب مالك في الحديث، كما أنه من أعظم أصحاب أبي حنيفة في الفقه، ونسخته تزيد كثيرا على نسخة يحيى الليثي، لكنه شحنها بآثار من غير طريق مالك يحتج بها لفه أبي حنيفة، وهي مطبوعة في الهند وإيران، ولها هناك وفي الحرمين شهرة عظيمة، وقال في كشف الظنون: قال أبو القاسم محمد بن حسين الشافعي الموطآت المعروفة عن مالك أحد عشر موطأ، معناها متقارب والمستعمل منها أربعة: موطأ يحيى بن يحيى، وموطأ ابن بكير وأبي مصعب الزهري. وابن وهب ثم ضعف الاستعمال إلا في موطأ يحيى، ثم موطأ ابن بكير"١. شروح الموطأ: شرح الموطأ خلق كثير منهم: ١- الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري، القرطبي، المتوفى سنة ٤٦٣هـ، وله عليه شرحان أولهما "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد"، رتبه على أسماء شيوخ مالك على

стр. 251

حروف المعجم وهو كتاب لم يتقدمه أحد إلى مثله. قال ابن حزم: "لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله. فكيف أحسن منه". وقال ابن عبد البر في وصف هذا الكتاب: سمير فؤادي من ثلاثين حجة ... وصاقل ذهني والمفرج عن همي بسطت لهم فيه كلام نبيهم ... لما في معانيه من الفقه والعلم وفيه من الآداب ما يهتدى به ... إلى البر والتقوى، ونهي عن الظلم والثاني: "كتاب الاستذكار في شرح مذاهب علماء الأمصار"، شرح فيه الموطأ على وجهه، وكان أبو عمر ﵁، موفقا في التأليف معانا عليه. ٢- ومنهم جلال الدين السيوطي، المتوفى سنة ٩١١، وسمى شرحه "كشف المغطى في شرح الموطأ"، واختصره في شرحه "تنوير الحوالك"، وطبع هذا الأخير مع الشرح بمصر في ثلاثة أجزاء صغيرة. ٣- ومحمد بن عبد الباقي الزرقاني، المصري المالكي، المتوفى سنة ١٠١٤هـ شرحه شرحا وسطا في ثلاثة مجلدات. ٤- وعبد الحي بن محمد اللكنوي الهندي المولود سنة ١٢٦٤هـ في كتابه "التعليق الممجد على موطأ الإمام محمد"، وقد طبع بالهند. ٥- كما شرح الموطأ قطب الدين أحمد بن عبد الرحيم، المحدث الحنفي الدهلوي، المتوفى سنة ١١٧٦ شرحه في شرحين أحدهما باللسان الفارسي، وسماه "المصفى" جرد فيه الأحاديث والآثار، وحذف أقوال مالك وبعض بلاغاته، وتكلم فيه كلام المجتهدين، وثانيهما بالعربية وسماه "المسوى" اكتفى فيه بذكر اختلافات المذاهب وعلى شيء من شرح الغريب وغيره مما لا بد منه١.

стр. 252

مختصرات الموطأ: اختصره كثير من العلماء منهم الإمام، أبو سليمان الخطابي، المتوفى سنة "٢٨٨" وأبو الوليد الباجي، المتوفى سنة "٤٧٤". وابن رشيق القيرواني، المتوفى سنة "٤٥٦"، وابن عبد البر وسمى كتابه التقصي في مسند الموطأ، ومرسله وأبو القاسم عبد الرحمن الغافقي الجوهري، المتوفى سنة "٣٨٥هـ"، اشتمل مختصره على ستمائة وستة وستين حديثا مسندا١. عناية الناس بالموطأ: منذ ألف مالك الموطأ، والعلماء يضربون أكباد الإبل إلى المدينة يسمعونه منه، حتى لقد رواه عن مالك بغير واسطة أكثر من ألف رجل، فكان ذلك مصادقا لقول النبي ﷺ ، فيما رواه الترمذي: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم، فما يجدون أعلم من عالم المدينة"، قال عبد الرازق: "هو مالك بن أنس". عني الناس بالموطأ على اختلاف مشاربهم، فكان منهم المبرزون من الفقهاء كالشافعي، ومحمد بن الحسن وابن وهب، وابن القاسم ومنهم نحارير المحدثين كيحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق بن همام، ومنهم الملوك والأمراء كالرشيد، وابنيه الأمين والمأمون، وبذلك اشتهر الموطأ في عصر مؤلفه، فانكب الناس جميعا عليه من جميع ديار الإسلام، القاصي منهم والداني ثم لم يأت زمان، إلا ازداد الموطأ فيه شهرة على شهرة، واشتدت عناية الناس به، ولا عجب فعليه بنى فقهاء الأمصار مذاهبهم حتى أهل العراق في بعض أمورهم،

стр. 253

ولم يزل العلماء يخرجون أحاديثه، ويذكرون متابعاته وشواهده، ويشرحون غريبه، ويضبطون مشكله ويبحثون عن فقهه ويفتشون عن رجاله، كما لم يزل الخلفاء يعرفون له قدره. فهذا أبو نعيم يروى في الحلية عن مالك بن أنس أنه قال: شاورني هارون الرشيد أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه فقلت: لا تفعل فإن أصحاب رسول الله ﷺ ، اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان وكل مصيب. فقال: وفقك الله يا أبا عبد الله، وقال القاضي الفاضل في بعض رسائله: ما أعلم أن لملك رحلة في طلب العلم، إلا للرشيد فإنه رحل بولديه الأمين، والمأمون لسماع الموطأ على مالك. وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد بخزانة المصريين، ثم رحل لسماعه صلاح الدين الأيوبي إلى الإسكندرية، فسمعه على ابن طاهر بن عوف١. رأى بعض الكاتبين في الموطأ، والرد عليه: يزعم بعض الكاتبين العصريين أن مالكا ﵀، لم يكن محدثا وأن كتاب الموطأ لم يكن كتاب حديث، وآثار وقد ذهب إلى هذا الزعم الأستاذ علي حسن عبد القادر وأيده في كتابه: "نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي". ونحن ننقل لك بعض فقرات من كلامه في ذلك، ثم نكر عليها بالأبطال. قال الأستاذ في كتابه المذكور: "وكتاب مالك الأساسي هو الموطأ الذي يعد -إذا ما استثنينا المجموع لزيد- أول كتاب فقهي وصل إلينا في الإسلام على العموم، والذي يصور لنا على وجه التقريب إلى

стр. 254

أي حد وصلت الخطوات في التدوين الفقهي إلى ذلك الوقت، ولا يمكن أن يعتبر الموطأ أول كتاب كبير في الحديث، فبالرغم مما له من مكانة في الإسلام، وما لمالك أمام دار الهجرة من تقدير، فإن كتابه لم يعتبر في الأصل كتابا في الحديث. ثم قال: والحقيقة أن كتاب مالك ليس كتاب حديثث بالمعنى الصحيح، كالكتب التي وضعها المحدثون في القرون التالية، ولم يذكر في تاريخ الكتب ضمن كتب الحديث. فهو في الواقع كتاب فقه. ليس من أجل أن الموطأ لم يستوعب جميع أبواب كتب الحديث الجامعة، بل من ناحية الغرض من هذا الكتاب ومن ناحية الوضع. لم يكن الغرض فيه الإتيان بالأحاديث الصحيحة التي كانت موجودة إذ ذاك وجمعها، وإنما كان الغرض عند مالك النظر في الفقه والقانون. ثم أخذ يستدل لذلك بأن مالكا أودعه أقوال الصحابة، وفتاوي التابعين وبعض آراء له. إلى أن قال: ومن هنا نرى أن مالكا لم يكن جامعا للحديث، ولكنه كان زيادة على هذا أولا، وبالذات شارحا للأحاديث من جهة النظر العملية، ويمكن التدليل على هذا بأمثلة كثيرة من الموطأ -وساق بعض الأمثلة، وبعد أن تكلم عن الرأي عند مالك، قال: فمن هذا يتبين لنا بسهولة أن مالكا لم يكن محدثا، وأن الحديث عنده لم يكن المعتمد الوحيد لديه١". من هذا نرى أن الأستاذ يبعد الموطأ من مجموعة الكتب الحديثية، ويخرج مالكا من زمرة أئمة الحديث، وسنرد عليه في كلا الأمرين. أولا: الرد على زعمه بأن الموطأ ليس كتاب حديث. رأينا الأستاذ يعتمد في إخراج الموطأ من كتب الحديث على أمرين.

стр. 255

أحدهما أنه لم يكن غرض مالك أن يجمع كتابا في الحديث الصحيح، بل كان غرضه النظر في الفقه والقانون إلخ. ثانيهما وضع الكتاب، وترتيبه على أبواب الفقه. وللرد عليه نقول: ١- سلمنا أن غرض مالك النظر في الفقه، والقانون كما قلت، فهل يمنع هذا من أن يكون له مع ذلك غرض آخر، وهو جمع طائفة من الأحاديث الصحيحة في كتابه، فيكون كتابا جامعا للحديث النبوي، وللفقه الإسلامي وبذلك يكون مرجعا للعلماء على اختلاف مشاربهم، محدثين وفقهاء؟ بل هذا هو الواقع الذي حدثنا عنه التاريخ. فقد روى الثقات أن علماء الأمصار على اختلاف منازعهم، رحلوا إلى المدينة لسماع الموطأ من مالك، وكان منهم الفقهاء المجتهدون أمثال مالك، كالشافعي الإمام، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف صاحبي أبي حنيفة النعمان. فسماع هؤلاء للموطأ وروايتهم له ونظرهم فيه ورجوعهم عن بعض المسائل إلى ما دل عليه الحديث من الموطأ، كما حصل من الإمام محمد بن الحسن، أكبر دليل على أن الموطأ أدخل في باب الحديث منه في باب الفقه، والرأي. هذا وقد سبق لك عناية المحدثين بالموطأ، حتى في عصر مالك نفسه أمثال يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرازق بن همام وغيرهم، حتى الملوك والأمراء أمثال الرشيد. وصلاح الدين الأيوبي مما يدلك على أن الموطأ أقرب إلى الحديث منه إلى الفقه. ٢- أن استدلال الأستاذ بوضع الكتاب على هذا النحو من ترتيبه على الأبواب، وإيداعه كثيرا من أقوال الصحابة، وفتاوى التابعين وبعض

стр. 256

آراء مالك على أنه كتاب فقه لا كتاب حديث. لا يدل على ما ذهب إليه، ولا يخرج الموطأ عن كونه كتاب حديث، فالبخاري الذي هو إمام المحدثين غير منازع، قد سلك هذه الطريقة في جامعه الصحيح، ورتبه على أبواب الفقه، وذكر فيه الموقوفات وكثيرا من الآيات القرآنية، وكان له اجتهادات وآراء مال إليا واستدل عليها في كتابه، ومع ذلك لم يقل أحد: "إن صحيح البخاري، ليس كتاب حديث، بل هو كتاب فقه، وإنه إلى الفقه أقرب منه إلى الحديث". ولم يكن من غرض البخاري على ما صرح به أن يستوعب الأحاديث الصحيحة، التي كانت موجودة في عصره، ويجمعها ولو كان ما يقوله الأستاذ حقا، لكان صحيح البخاري أولى بالخروج من جملة الكتب الحديثية، مع أنه من أمهاتها، والمقدم في الحديث على جميعها. فمسلك مالك في وضع كتابه على أبواب الفقه مختلطة أحاديثه بأقوال الصحابة، وفتاوى التابعين لم ينفرد به عن سائر المحدثين في عصره، بل كانت تلك طريقة المحدثين عامة في التصنيف من أقران مالك أمثال ابن عيينة، وشعبة ابن الحجاج، وعبد الرزاق، والليث بن سعد وأضرابهم. ثانيا: الرد على زعمه أن مالكا لم يكن محدثا كثيرا ما يردد الأستاذ في كتابه أن مالكا، لم يكن معدودا في طائفة أهل الحديث مخالفا في ذلك إجماع أئمة المسلمين في كل قرن من القرون. ولعل الذي جعل الأستاذ يقول ذلك، أنه وجد مالكا يجتهد رأيه في بعض مسائل لم تسعفه فيها النصوص. أو أنه بنى ذلك الزعم على زعمه في الموطا أنه ليس كتاب حديث، بل هو كتاب فقه فمالك إذن عنده فقيه لا محدث، وقد تبين لك بطلان هذا الزعم فيما سبق. أما أن مالكا

стр. 257

كان يرى ويجتهد فهذا مسلم؛ لأنه إمام جليل بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، ولكن ذلك لا يخرجه عن كونهم محدثا من كبار المحدثين، وجهبذا من جهابذة النقاد. اجتمع لدى مالك ثروة حديثية عظيمة، لم تجتمع لأحد من أقرانه، فقد ذكروا أنه روى مائة ألف حديث، وأنه كان نقادة للرجال بحاثة عن الأسانيد أقر له بذلك أقرانه قبل تلاميذه، والناس في كل عصر يعتمدون على حديثه، حتى إن البخاري إذا وجد الحدي عن مالك، فإنه لا يعدل عنه، ثم إن المحدث لا يخرجه من زمرة المحدثين نظره في الرأي، وبلوغه درجة الاجتهاد، وتكلمه على تفسير القرآن وفقه الحديث، فذلك وإن كان يلحقه بصفوف الفقهاء، لكنه لا يخرجه عن حظيرة المحدثين النبهاء، وليس مالك ببدع في ذلك، بل كان غيره من المحدثين من جمع إلى الحديث الرأي والاجتهاد، وكان له مذهب خاص كالثوري، وابن عيينة، والأوزاعي وإن بادت مذاهبهم. وهذا هو البخاري بلغ درجة الاجتهاد، وكان له آراء خالف فيها كثيرا من الفقهاء، كما ستقف عليه فيما بعد. يقول الأستاذ تحت عنوان: "مكان الموطأ في تدوين الحديث١". على أن مالكا، وإن لم يكن محدثا حقيقيا، فقد أعطى للمحدثين فائدة كبيرة، وأمد البحث النقدي التاريخي بأداة ثمينة، وإن لم يكن ذلك غرض مالك ذلك أنه كان ينظر بالنسبة لأغراضه العملية، إلى ما هو معترف به في المدينة من الروايات، ولم يكن قد امتد إليه هذا الشك والارتياب في الحديث، الذي أقض مضاجع المحدثين المتأخرين. فإن مسألة الإسناد لم تكن بعد أمرا ضروريا بدليل أنا نجد ثلث الموطأ مرسلا، أو مقطوعا بلا خطام، ولا أزمة كما يقول المحدثون، وقد استعمل مالك بكل هدوء المراسيل

стр. 258

في استنتاجه الفقهي؛ لأنه لم يكن يدور في خلده إلا تأييده السنة، والعمل ولم يفكر كثيرا في النقد الشكلي، فمن أحاديثه البالغة ١٧٢٠ نجد ٦٠٠ "ستمائة" فقط مسندة و٢٢٢ مائتين واثنين وعشرين مرسلة و٦١٣ "ستمائة وثلاثة عشر"، موقوفة و٢٨٥ "مائتين وخمسة وثمانين" مقطوعة وبينما كان المحدثون يبحثون عن الطرق المختلفة للحديث، كان مالك يكتفي بطريق واحد الأمر، الذي يميز المحدث من غير المحدث. ولهذا نجد عند مالك كثيرا من الأحاديث، التي لا توجد عند المتأخرين". ا. هـ. ونقول للأستاذ: من أين يعطى مالك للمحدثين فائدة كبيرة، وهو غير محدث وهل فاقد الشيء يعطيه، ومن أين هو يمد البحث النقدي التاريخي بأداءة ثمينة في الوقت، الذي تقرر فيه أنه كان لا يعتني بالأسانيد، ولا يجمع طرق الأحاديث الأمر، الذي يميز المحدث عن غير المحدث أن هذا تناقض ظاهر. يقرر الأستاذ أن مالكا لم يكن يعني بالإسناد؛ لأن مسألة الإسناد لم تكن بعد أمرا ضروريا، فلم يكن قد سرى إلى مالك الشك في أمر الأسانيد، حتى يبحث عنها، واستدل على ذلك بوجود المراسيل، والموقوفات والمقاطيع في الموطأ -وهذا افتيات على التاريخ. من الذي قال: إن مسألة الإسناد لم تعد بعد أمرا ضروريا؟، والناس من زمن فتنة الخوارج، والشيعة في عناء البحث عن الأسانيد، وتمييز الغث من السمين، وكلما امتد الزمان كثر الكذابون والمتقولون في الأحاديث خصوصا في عصر مالك، وكيف يرمي الأستاذ مالكا بالغفلة، وعدم الإمعان فيما يتلقاه من العلم، وهو القائل: ربما جلس إلينا الشيخ، فيحدث جل نهاره ما نأخذ عنه حديثا واحدا ما بنا أن تهمه، ولكن لم يكن من أهل الحديث. وكيف لا ينظر مالك في الرجال، ويفحص الأسانيد وهو القائل: "أدركت جماعة من أهل المدينة

стр. 259

ما أخذت عنهم شيئا من العلم، وإنهم لمن يؤخذ عنهم العلم وكانوا أصنافا، فمنهم من كان كاذبا في أحاديث الناس، ولا يكذب في علمه فتركته لكذبه في غير علمه، ومنهم من كان جاهلا بما عنده فلم يكن عندي أهلا للأخذ عنه، ومنهم من كان يرمي برأي سوء"، وكيف لا يكون مالك محدثا، وهذا يحيى بن سعيد القطان يقول: كان مالك إماما في الحديث"، وهذا أبو قدامة يقول: كان مالك أحفظ أهل زمانه١. أما وجود المراسيل، والموقوفات والمقطوعات في الوطأ، فقد كان مالك يرى الاحتجاج بها، وقد تقدم لك الكلام على ذلك فيما سبق، ويكفي في توثيقه قول سفيان بن عيينة وهو من أقرانه: "كان مالك لا يبلغ من الحديث إلا صحيحا، ولا يحدث إلا عن ثقات الناس". الحق أن مالكا كان إماما في الفقه والحديث معا.

стр. 260

المبحث الثاني: شيوع الوضع في الحديث في هذا العصر بالرغم من تعاون الكتابة، والحفظ على جمع الحديث وضبطه في هذا الدور فإنه قد انبث جراثيم الشر، وعوامل الفتنة من الذين أخذوا يضعون الأحاديث، ويلقون على الناس الأساطير، وينشرون فيهم الخرافات والأكاذيب. وجد في هذا الوقت طوائف كثيرة تعمل على إفساد الحديث، وتجتهد في تزييفه، وأشهر هذه الطوائف هم الدعاة السياسيون، والقصاص، والزنادقة ونحن نذكر لك شيئا من أعمال كل طائفة من هذه الطوائف الثلاثة لترى مقدار خطرهم على الحديث، كما ترى أن مهمة أهل الحديث في ذلك العصر كانت من الصعوبة بمكان. أولا: الدعاة السياسيون: قامت الدولة العباسية على أنقاض دولة بني أمية، فكان هذا العصر عصر انتقال سياسي خطير، انتقلت فيه الخلافة من بيت إلى بيت. وبالضرورة لم يكن هذا الانتقال طفرة. بل تقدمه دعوة سرية مكثت شطرا من الزمان لم يكن هذا الانتقال طفرة. بل تقدمه دعوة سرية مكثت شطرا من الزمان، تظهر حينا وسرعان ما تخبو حتى لمحها بعض الأدباء الأمويين، فقال يحذر قومه: أرى خلل الرماد وميض نار ... ويوشك أن يكون له ضرام لئن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام بدأت هذه الدعوة السرية من أول القرن الثاني، واتخذ لها من النقباء اثنا عشر رجلا من ورائهم سبعون آخرون، يأتمرون بأمرهم ويبثون الدعوة بين الناس مختفين في زي تجار حينا، وحينا في زي حجاج. مكثوا على هذا أعواما كثيرة وما أن جاء عام سبع وعشرين ومائة، حتى كمن خلف السار داهية السواس أبو مسلم الخراساني، الذي لعب دورا هاما في قلب الدولة الأموية، وإقامة الدولة العباسية. تزعم أبو مسلم الحركة الانقلابية في بلاد خراسان، فوجد نفوسا طيعة وقلوبا مستعدة لقبول الدعوة لآل بيت رسول الله ﷺ ، من بني العباس واستخدم لذلك الدعاة في طول البلاد وعرضها١. اتخذ هؤلاء الدعاة فيما اتخذوا الأحاديث النبوية مطية لأغراضهم.

стр. 261

السياسية فدسوا فيها ما ليس منها، مما يوافق تلك الأغراض ووضع الأحاديث التي تنذر بخلافة بني أمية، وتنفر الناس منهم وفي الوقت نفسه، وضعوا الحأاديث المبشرة بخلافة بني العباس لتحبب الناس فيهم. وإليك طائفة من هذه المفتريات: ١- أحاديث وضعوها للتنفير من بني أمية: من ذلك قولهم: أن رجلا قام إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية، فقال: سودت وجوه المؤمنين فقال: لا تؤنبني فإن النبي ﷺ رأى بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ، ونزلت: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ، يملكها بنو أمية يا محمد، وقال: إن رسول الله ﷺ رأى بني الحكم بن أبي العاص ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات. وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ ، ثم يروون عن يعلى بن مرة أن المراد بالشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية، ويروون عن عائشة أنها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأبيك وجدك: إنكم الشجرة الملعونة في القرآن. ومن ذلك ما يروونه أيضا: "رأيت بني أمية على منابر الأرض، وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء". ٢- أحاديث وضعوها في التبشير بخلافة بني العباس: عن عبد العزيز بن بكار، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 262

"يلي ولد العباس من كل يوم يليه بنو أمية يومين ولكل شهر شهرين، وعن عبد الله بن عباس: "أن النبي ﷺ نظر إلى العباس مقبلا، فقال: هذا عمي أبو الخلفاء الأربعين أجود قريش كفا وأجملها. من ولده السفاح والمنصور والمهدي. يا عمي بي فتح الله هذا الأمر وسيختمه برجل من ولدك". وعن ابن عباس مرفوعا: "إذا سكن بنوك السواد ولبسوا السواد، وكان شيعتهم أهل خراسان لم يزل الأمر فيهم حتى يدفعوه إلى عيسى بن مريم، وعنه ﷺ ، قال: "رأيت بني مروان يتعاورون على منبري فساءني ذلك، ورأيت بني العباس يتعاورون على منبري فسرني ذلك". هذا وهناك أحاديث، وضعها دعاة بني العباس مروية عن علي بن أبي طالب، أو بعض أولاده أو غيرهم وقصدهم بذلك تخدير أعصاب الشيعة، وصرفهم عن المطالبة بالخلافة لمن يتولونه وإليك طائفة منها. عن علي بن موسى الرضي عن أبي موسى، عن أبيه جعفر عن محمد، عن أبيه علي عن أبيه الحسين، عن أبيه علي بن أبي طالب مرفوعا: "هبط علي جبريل وعليه قباء أسود، وعمامة سوداء فقلت: "ما هذه الصورة التي لم أرك هبطت علي فيها"، قال: "هذه صورة الملوك من ولد العباس". قلت: "وهم على حق". قال: "نعم"، قال النبي ﷺ : "اللهم للعباس وولده حيث كانوا، وأين كانوا". قال جبريل: "ليأتين على أمتك زمان يعز الله الإسلام بهذا السواد". قلت: "رياستهم ممن". قال: "من ولد العباس"، قلت: "وأتباعهم". قال: "من أهل خراسان". قلت: "وأي شيء يملك ولد العباس". قال: "يملكون الأصفر والأخضر، والمدر والسرير، والمنبر والدنيا، والمحشر والملك إلى المنشر".

стр. 263

ومن ذلك زعمهم أن النبي ﷺ ، قال للعباس -وعلي عنده: "يكون الملك في ولدك، ثم التفت إلى علي فقال: لا يملك أحد من ولدك". ويروون عن أم سلمة أنها قالت: كنت عند النبي ﷺ ، فتذاكروا الخلافة فقالوا: ولد فاطمة. قال رسول الله ﷺ : لن يصلوا إليها أبدا، ولكنها في ولد عمي صنو أبي حتى يسلموها إلى المسيح. ٢- أحاديث وضعت للتنفير من بني العباس: ثم إننا نرى الشيعة وغيرهم من دعاة بني أمية بعد أن تم الأمر لبني العباس، أو كاد يضعون الأحاديث في التنفير منهم، والتحذير من طاعتهم. ومن ذلك ما يروونه عن سعيد بن المسيب أنه قال: لما فتحت أداني خراسان بكى عمر بن الخطاب، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك وقد فتح الله عليك مثل هذا الفتح؟، قال: وما لي لا أبكي والله لوددت أن بيننا وبينهم بحرا من النار. سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أقبلت رايات ولد العباس من عقاب خراسان، جاءوا بنفي الإسلام فمن سار تحت لوائهم لم تنله شفاعتي يوم القيامة". وعن ثوبان مرفوعا: "ويل لأمتي من بني العباس، صبغوها وألبسوها السواد ألبسهم الله ثياب النار. هلاكهم على يد رجل من أهل بيت هذه، وأشار إلى أم حبيبة". وعن أبي شراعة قال: كنا عند ابن عباس في البيت، فقال: هل فيكم غريب قالوا: لا. قال: إذا خرجت الرايات السود فاستوصوا بالفرس خيرا، فإن دولتنا معهم فقال أبو هريرة: ألا أحدثك ما سمعت من رسول الله ﷺ . قال: وأنك هنا؟. حدث. قال: سمعته يقول:

стр. 264

"إذا أقبلت الرايات السود من قبل المشرق، فإن أولها فتنة وأوسطها حرج وآخرها ضلالة١". وهذه الأحاديث كلها أباطيل لا يعول عليها في قليل، ولا كثير ومنها ترى أن هؤلاء الدعاة لبني العباس، وخصومهم من الشيعة وغيرهم ممن لا خلاق لهم، ولا دين قد استباحوا الكذب على رسول الله ﷺ ليحصلوا على تلك الأغراض الدنيئة. ثانيا: الزنادقة: هم، قوم من أعداء الإسلام تظاهروا به، وانتحلوا في الدين نحلا وآراء لا تتفق وأصوله العامة وقواعده المقررة، وغرضهم من ذلك استدراج العامة إلى الخروج من الإسلام، وإضعاف شوكة المسلمين وقد وجد منهم في هذا العصر خلق كثير أخذوا يضعون الأحاديث، لاجتذاب العامة إلى معتقدهم الزائف، ويغمرون الناس بوابل من الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ ، الأمر الذي جعل خلفاء بني العباس يتعقبونهم، ويقتلونهم أما؛ لأنهم كانوا يضعون الأحاديث في ذم بني العباس، وتنفير الناس منهم. وهذا باب فتنة يدخلون منه على المسلمين يضعفون به دولتهم وإما؛ لأن الخلفاء كانوا حريصين على دينهم. لا يهمنا أن يكون هذا أو ذك أو هما معا. بل الذي يهمنا أن هؤلاء الزنادقة، كذبوا كثيرا على رسول الله ﷺ ، واختلقوا من الأحاديث ما لم يأت عنه بل ما ترده أصول الدين، والعقل السليم وغرضهم كما ذكرنا هو طمس

стр. 265

هذا الدين والقضاء على الأصل الثاني من أصوله، وهو الحديث النبوي عمدة المسلمين في الأحكام وفهم القرآن. يروي السيوطي في تاريخ الخلفاء١ عن ابن عساكر، عن ابن علية أنه قال: أخذ هارون الرشيد زنيقا، فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق: لم تضرب عني؟. قال له: أريح العباد منك. قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله كلها ما فيها حرف نطق به؟، قال: فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري، وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا". ا. هـ. فمن هذه الحادثة تلمح الحالة، التي أصابت الحديث من عمل الزنادقة، كما ترى منها جهود المحدثين في ذلك العصر لتنقية الحديث، والتمييز بين الغث والسمين. فهذا زنديق واحد يضع ألف حديث، ولو امتد به الأجل لوضع الآلاف المؤلفة فما بالك بالزنادقة الكثيرين، الذين أخذوا يضعون الأحاديث في الخفاء؟. كان من الزنادقة من يكتب الحديث لشيخه فينتهز غفلة شيخه، ويدس في الكتاس كثيرا من الأحاديث المكذوبة، فيرويها الشيخ على أنها من حديثه. وكان المهدي العباسي يقول: أقر عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربعمائة حديث، فهي تجول في أيدي الناس إلى غير ذلك، مما شحنت به كتب الموضوعات. ثالثا: القصاص: احترف القصص طائفة من الجهلة بالحديث، الذين رق دينهم ليتكسبوا به، ولتكون لهم عند عامة الناس الحظوة، والصدارة ولقد لاقى المحدثون

стр. 266

منهم كل شدة ولحقهم من ورائهم العناء الكبير. ذلك أن طبيعة العامة تنجذب إلى كل غريب من القول، لا سيما القصص فأقبلوا على هؤلاء القصاص، الذين أخذوا يضعون الأقاويل -ويروونها عن رسول الله ﷺ ، وهو منها بريء، ونحن نذكر لك بعض الحوادث، التي تدل على مبلغ إفسادهم للحديث، ومقدار تعلق العامة بهم حتى إنهم كانوا يفضلونهم على الأئمة من العلماء. ١- روى ابن الجوزي في كتابه "القصاص والمذكرين"، عن أبي الوليد الطيالسي أنه قال: كنت مع شعبة، فدنا منه شاب فسأله عن حديث: فقال له: أقاص أنت؟ قال: نعم. قال: اذهب فإنا لا نحدث القصاص. فقلت له: لم يا أبا بسطام؟ قال: يأخذون الحديث منا شبرا، فيجعلونه ذراعا". فهذه شهادة من شعبة، وهو من أعيان المحدثين في هذا العصر، تلقي ضوءا على أعمال القصاص الإفسادية للأحاديث، كما أنها ترينا مبلغ تنبه العلماء لأفاعيلهم، ما يتزيدونه في الحديث من أباطيلهم. ٢- وأخرج ابن الجوزي بسنده إلى حجر بن عبد الجبار الحضرمي أنه قال: كان في المسجد قاص يقال له: زرعة. فأرادت أم أبي حنيفة أن تستفتي في شيء فأفتاها أبو حنيفة، فلم تقبل وقالت: لا أقبل إلا ما يقول زرعة القاص، فجاء بها أبو حنيفة إلى زرعة فقال: هذه أمي تستفيك في كذا وكذا فقال: أنت أعلم مني وأفقه فافتها أنت قال أبو حنيفة: قد أفتيتها بكذا وكذا فقال زرعة: القول كما أبو حنيفة فرضيت وانصرفت١". فهذه القصة ترينا كيف كان القصاص يسيطرون على عقول العامة.

стр. 267

أبو حنيفة الذي بلغ في الفقه والعلم، والذكاء، والفهم مبلغا عظيما وطار صيته في الآفاق لا تقنع أمه بفتواه، حتى تطلب فتوى زرعة القاص. هذا ولم تكن هذه الفرق الثلاث تعمل وحدها في وضع الأحاديث بل كان وراءهم كثير من الفرق مجسمة، ومرجئة وغيرهم يختلقون الحديث، لترويج بدعهم كما كان وراءهم كثير من جهلة المتصوفة، يستبيحون وضع الأحاديث الأحاديث في الترغيب والترهيب، يرتجون من ورائها خيرهم وخير الناس، إلا غير هؤلاء ممن أضلهم الله. اتحدوا جميعا على وضع الأحاديث واختلاق الأسانيد. لكن الله تعالى لم يترك حديث نبيه ﷺ تلعب به الأهواء، ويتزيد فيه الكذابون كما يشاءون. بل قيض في كل زمان من ينافح عنه، ويكافح دونه. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ . مناهضة العلماء للوضاعين: هيأ الله تعالى للدفاع عن الأحاديث في هذا العصر طائفة من فطاحل النقاد، وكبار الحفاظ انتدبوا أنفسهم لتخليص الحق من الباطل، وتقربوا إلى الله بالكشف عن أحوال هؤلاء الكذابين على رسوله ﷺ المتزايدين في حديثه. وأنزلوا الرواة منازلهم، وبينوا للناس درجاتهم ولقبوهم بما يستحقونه من المحاسن، أو المثالب لا تأخذهم بأحد رحمة في دين الله فتراهم يقولون فلان ثقة. فلا حجة. فلان كذاب. فلان لين الحديث. فلان لا بأس به. فلا ضعيف. إلى غير ذلك من ألقاب الرعفة، أو سمات الضعة والسقوط. نشط علماء الحديث في هذا العصر -الذي يعرف عند المؤرخين بعصر التدوين- نشاطا عظيما في تدوين الحديث، حتى لم يبق أحد منهم.

стр. 268

إلا صنف الكتب الحديثية، ورحل في سبيل ذلك المراحل العديدة، وقطع الأسفار البعيدة إلى الأمصار الإسلامية المختلفة. فتجمع لديهم ثروة عظيمة من الأحاديث، وتعددت أمامهم طرقها وأسانيدها وبسبب ذلك انكشف لهم ما كان خافيا من اتصال بعض الأسانيد، أو انقطاعها وبإمعانهم النظ في متون الأحاديث، وفحصهم الدقيق عن قيمتها ظهر لهم الدخيل من غير الدخيل منها، فكانت نهضة مباركة في جمع الحديث، وثورة عنيفة في وجوه الوضاعين غير أنهم لم يصلوا إلى هذه المرحلة الحاسمة، والنصر المبين على أعداء الإسلام الألداء إلا بشق الأنفس. فهذا أبو داود السجستاني في رسالته إلى أهل مكة يقول ما خلاصته: كان سفيان ووكيع وأمثالهما يجتهدون غاية الاجتهاد فلا يتمكنون من الحديث المرفوع المتصل إلا من دون ألف حديث١. فإذاكان الحديث الواحد المستوفي الشرائط، لا يمكن الحصول عليه إلا من بين الف حديث سواه من ضعيف وموضوع. ظهر لنا ما كان يكابده هؤلاء الأئمة من جهد جهيد، حتى أبلوا ذلك البلاء المبين، وفي الحق أن علماء الحديث أبانوا عن علم غزير في الحديث، ورجاله ومتونه، وأسانيده كا أظهروا حيطة شديدة في الأخذ والتحمل عن الشيوخ. فأنت تراهم لم يكتفوا في تصحيح الحديث بدين الراوي وأمانته، وكثرة حفظه حتى يكون مع ذلك ضابطا عارفا بما يتحمله من الحديث غير متساهل فيه. فهذا مالك بن أنس يقول: "لا يؤخذ العلم عن أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذلك: لا يؤخذ عن سفيه، ولا يؤخذ من صاحب هوى، يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذ في أحاديث الناس، وإن كان لا يتهم

стр. 269

على أحاديث رسول الله ﷺ ، ولا من شيخ له فضل، وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث به"١، وسئل مالك أيؤخذ العلم ممن ليس له طلب ولا مجالسة فقال: لا. فقيل: أيؤخذ ممن هو صحيح ثقة غير أنه لا يحفظ ولا يفهم مايحدث به فقال: لا يكتب العلم إلا عمن يحفظ، ويكون قد طلب وجالس الناس، وعرف وعمل ويكن معه ورع"، ويقول مالك أيضًا: لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله ﷺ عند هذه الأساطين، فما أخذت عنهم شيئا، وأن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان به أمينا؛ لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، وقدم علينا ابن شهاب، فكنا نزدحم عند بابه"، وهذا عبد الله بن المبارك يقول: قلت لسفيان الثوري: أن عباد بن كثير من تعرف حاله، وإذا حدث جاء بأمر عظيم أترى أن أقول للناس: لا تاخذوا عنه؟ قال سفيان: بلى. قال عبد الله: فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عباد أثنيت عليه في دينه، وأقول: لا تأخذوا عنه". وهذا يحيى بن سعيد القطان، يقول: "لم نر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث"٢. وهذا سفيان الثوري يقول: إني أحب أن أكتب الحديث على ثلاثة أوجه. حديث أكتبه أريد أن أتخذه دينا. وحديث رجل أكتبه، فأوقفه لا أطرحه ولا أدين به، وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه ولا أعبأ به. والأوزاعي ﵁ يقول: "تعلم ما لا يؤخذ، كما تتعلم ما يؤخذ٣". وهذا خليفة المسلمين في القرن الثاني هارون الرشيد يقول للزنديق، وقد قال: أني وضعت ألف حديث على رسول الله. فأين أنت يا عدو الله من أبي

стр. 270

إسحاق الفزاري، وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا"، وتقدم لك هذا الأثر قريبا. من هذا كله يظهر لك جليا ما كان عليه أئمة الحديث، في هذا العصر من بصيرة نقادة، ومعرفة تامة بالسنة متونها وأسانيدها، فتراهم غربلوا الرواة وأقصوا كثيرا منهم عن حظيرة السنة، والتمتع بشرف روايتها. كما ميزوا الأحاديث، فحديث علموا صحته، وعملوا به وحديث علموا كذبه فتركوه، وحديث تبين لهم ضعفه فلم يعتمدوا عليه وحده، وحديث اشتبه أمره فتوقفوا فيه، حتى يظهر حاله وينكشف أمره. وتراهم يأمرون بحمل جميع ما يسمعونه لينتقوا منه الصحيح، حتى أصبحوا بحق صيارفة الحديث، ونقاد الأسانيد. وإليك جملة مما ذكره ابن عدي في كامله، تلقي لنا ضوءا على جهود هؤلاء الجهابذة في هذا العصر قال ﵀ ما نصه: "وأما القرن الثان فقد كان في أوائله من أوساط التابعين جماعة من الضعفاء. وضعف أكثرهم نشأ غالبا من قبل تحملهم وضبطهم للحديث. فكانوا يرسلون كثيرا ويرفعون الموقوف، وكانت لهم أغلاط، وذلك مثل أبي هارون العبدري المتوفى سنة ١٤٣هـ. ولما كان آخر عصر التابعين، وهو حدود الخمسين ومائة تكلم في التعديل، والتجريح طائفة من الأئمة فضعف الأعمش المتوفى سنة ١٢٨هـ جماعة ووثق آخرين. ونظر في الرجال شعبة المتوفى سنة ١٦٠هـ، وكان متثبتا لا يكاد يروي إلا عن ثقة. ومثله مالك المتوفى سنة ١٧٩هـ، وممن كان في هذا العصر إذا قال: قبل قوله معمر المتوفى سنة ١٥٣، وهشام الدستوائي المتوفى سنة ١٥٤، والأوزاعي المتوفى سنة ١٥٦هـ. وسفيان الثوري المتوفى سنة ١٦١هـ.

стр. 271

وابن الماجشون المتوفى سنة ٢١٣هـ، وحماد بن سلمة المتوفى سنة ١٦٧هـ. والليث بن سعد المتوفى سنة ١٧٥. وبعد هؤلاء طبقة. منهم ابن المبارك المتوفى سنة ١٨١. وهشيم بن بشير المتوفى سنة ١٨٨هـ. وأبو إسحاق الفزاري المتوفى سنة ١٨٥هـ. والمعافى بن عمران الموصلي المتوفى سنة ١٨٥هـ. وبشر بن المفضل المتوفى سنة ١٨٦هـ. وابن عيينة المتوفى سنة ١٩٧هـ. وقد كان في زمنهم طبقة أخرى منهم ابن علية المتوفى سنة ١٩٣هـ. وابن وهب المتوفى سنة ١٩٧هـ. ووكيع بن الجراح المتوفى سنة ١٩٧هـ. وقد انتدب في ذلك الزمان لنقد الرجال، الحافظان الحجتان يحيى بن سعيد القطان، المتوفى سنة ١٨٩، وعبد الرحمن بن مهدي المتوفى سنة ١٩٨هـ، وكان للناس وثوق بهما فصار من وثقاه مقبولا، ومن جرحاه مجروحا. ومن اختلفا فيه، وذلك قليل رجع الناس إلى ما ترجح عندهم. ثم ظهرت بعدهم طبقة أخرى يرجع إليهم في ذلك، منهم يزيد بن هارون المتوفى سنة ٢٠٦هـ، وأبو داود الطيالسي المتوفى سنة ٢٠٤، وعبد الرزاق بن همام المتوفى سنة ٢١١هـ، وأبو عاصم الضحاك النبيل بن مخلد المتوفى "سنة ٢١٢هـ". ا. هـ١.

стр. 272

المبحث الثالث: النزاع حول حجية السنة في القرن الثاني رأيت كيف عمل الوضاعون على إفساد الحديث النبوي، كما رأيت جهود الأئمة في مناهضتهم، وتزييف ما قذفوا به من أباطيلهم وأكاذيبهم. والآن نحدثك عن خصوم آخرين للسنة، ظهروا في هذا العصر أيضا بمبدأ خبيث وأقاموها حربا شعواء على الحديث وأئمة الحديث. كان هؤلاء القوم طوائف مختلفة، فطائفة رفضوا السنة جملة وتفصيلا، وأنكروا أن تكون أصلا من أصول التشريع الإسلامي، زاعمين أن في القرآن غنية لهم عن كل ما سواه، وأنه يتعذر الاطمئنان إلى الأحاديث من جهة أنه يجوز على رواتها الخطأ، والنسيان، والكذب، وطائفة أخرى قالوا: لا نقبل من الحديث، إلا ما كان بيانا لما نطق به الكتاب العزيز، وطائفة ثالثة قالوا: لا نقبل من السنة أخبار الخاصة التي ترعف عند المحدثين "بأخبار الآحاد" مهما كان رواتها من العدالة والضبط، ولا نعتمد إلا ما تواتر نقله عن النبي ﷺ . تلك هي الطوائف، التي لم تقم للسنة وزنا، ولم ترفع لها رأسا في هذا العصر، وهي لا تقل خطرا عن الطوائف الأخرى، التي حاول تزييف السنة عن طريق الكذب عليه ﷺ . وقد تصدى للرد على هذه الفرق المبطلة، كثير من أئمة المسلمين وفي مقدمتهم الإمام الجليل، محمد بن إدريس الشافعي، الذي وهبه الله تعالى بيانا ناصعا، وحجة دامغة، ومقدرة علمية فائقة. وقد جاء في كتابه المعروف "بالأم" رواية الربيع بن سليمان المرادي عنه حوار بينه، وبين بعض المنسوبين إلى هذه الفرق، كما جاء في رسالته المشهورة دفاع مجيد عن السنة وحجيتها. ونحن نذكر لك طرفا من أقواله، لتكون على بينة مما قام به العلماء في القضاء على هذه الطوائف الزائغة. مناظرة الإمام الشافعي لمن يرد الأحاديث كلها: قال الشافعي رحمه الله تعالى: قال لي قائل: ينسب إلى العلم بمذهب أصحابه. أنت عربي والقرآن نزل بلسان من أنت منهم. وأنت أدرى بحفظه. وفيه لله فرائض أنزلها. لو شك شاك قد تلبس عليه القرآن.

стр. 273

بحرف منها استتبته فإن تاب وإلا قتلته. وقد قال الله في القرآن: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، فكيف جاز عند نفسك، أو لأحد في شيء فرضه الله أن يقول مرة الفرض فيه عام. ومرة الفرض فيه خاص، ومرة الأمر فيه فرض ومرة الأمر فيه دلالة. وإن شاء ذو أباحه. وكثر ما فرقت بينه من هذا. عندك حديث ترويه عن رجل، عن آخر، عن آخر أو حديثان، أو ثلاثة حتى تبلغ به رسول الله ﷺ . وقد وجدتك، ومن ذهب مذهبك لا تبرئون أحدا لقيتموه، وقدمتموه في الصدق والحفظ. ولا أحدا لقيت ممن لقيتم من أن يغلط، وينسى ويخطئ في حديثه، بل وجدتكم تقولون لغير واحد منهم أخطأ فلان في حديث كذا، وفلان في حديث كذا. ووجدتكم لو قال رجل لحديث أحللتم به، وحرمتم من علم الخاصة. "لم يقل هذا رسول الله ﷺ ، إنما أخطأتم أو من حدثكم وكذبتم، أو من حدثكم"، لم تستتيبوه ولم تزيدوا على أن تقولوا له: بئس ما قلت، أفيجوز أن يفرق بين شيء من أحكام القرآن، وظاهره واحد عند من سمعه بخبر من هو كما وصفتم، وتقيمون أخبارهم مقام كتاب الله، وأنتم تعطون بها وتمنعون بها. قال: وإذا أقمتم على أن تقبلوا أخباهم، وفيهم ما ذكرت فما حجتكم فيه على من ردها، وقال: لا أقبل منها شيئا إذا كان يمكن فيهم الوهم، ولا أقبل إلا ما أشهد به على الله١، كما أشهد بكتابه الذي لا يسع أحدا الشك في حرف منه. أو يجوز أن يقوم شيء مقام الإحاطة٢، وليس بها؟ فقلت له: من علم اللسان الذي به كتاب الله، وأحكام الله دله علمه بهما على قبول أخبار

стр. 274

الصادقين عن رسول الله صلى الله وسلم ... قال: فاذكر شيئا أن حضرك. قلت: قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ، قال: فقد علمنا أن الكتاب كتاب الله. فما الحكمة؟. قلت: سنة رسول الله ﷺ . قال: أفيحتمل أن يكون يعلمهم الكتاب جملة، والحكمة خاصة وهي أحكامه؟ قلت: تعني بأن يبين لهم عن الله مثل ما بين لهم في جملة الفرائض من الصلاة، والزكاة والحج وغيرها، فيكون الله تعالى قد أحكم فرائض من فرائضه بكتابه، وبين كيف هي على لسان نبيه ﷺ ، قال: إنه ليحتمل ذلك. قلت: فإن ذهبت هذا المذهب، فهو في معنى الأول قبله الذي لا تصل إليه، إلا بخبر عن رسول الله ﷺ . قال: فإن ذهبت مذهب تكرير الكلام؟، قلت: وأيهم أولى به إذا ذكر الكتاب والحكمة أن يكونا شيئين أو شيئا واحدا. قال: يحتمل أن يكونا كما وصفت كتابا، وسنة فيكونا شيئين، ويحتمل أن يكونا شيئا واحدا، قلت: فأظهرهما أولاهما وفي القرآن دلالة على ما قلنا، وخلاف ما ذهت إليه قال: وأين؟. قلت: قول الله . ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ، فأخبر أنه يتلى في بيوتهن شيئان. قال: فهذا القرآن يتلى فكيف تتلى الحكمة؟، قلت: إنما معنى التلاوة أن ينطق بالسنة كما ينطق بالقرآن. قال: فهذه أبين في أن الحكمة غير القرآن من الأولى. وقلت: افترض الله علينا اتباع نبيه ﷺ ، قال: وأين؟. قلت: قال الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . وقال الله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ .

стр. 275

وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، قال: ما من شيء أولى بنا أن نقوله في الحكمة من أنها سنة رسول الله ﷺ ، ولو كان كما قال بعض أصحابنا. "إن الله أمر بالتسليم لحكم رسول الله ﷺ . وحكمه إنما هو لما أنزله"، لكان من لم يسلم له أولى أن ينسب إلى عدم التسليم، لحكم الله منه إلى عدم التسليم لحكم رسول الله ﷺ . قلت: لقد فرض الله علينا اتباع أمره. فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، قال: إنه لبين في التنزيل أن علينا فرضا أن نأخذ الذي أمرنا به، وننتهي عما نهانا رسول الله ﷺ ، قلت: والفرض علينا وعلى من هو قبلنا، ومن بعدنا واحد. قال: نعم. فقلت: فإن كان ذلك علينا فرضا في اتباع أمر رسول الله ﷺ ، أنحيط أنه إذا فرض علينا شيئا، فقد دلنا على الأمر الذي يؤخذ به فرضه قال: نعم. قلت: فهل تجد السبيل إلى تأدية فرض الله في اتباع أوامر رسول الله ﷺ ، أو أحد قبلك أو بعدك ممن لم يشاهد رسول الله ﷺ ، إلا بالخبر عن رسول الله ﷺ ، وقلت له أيضا. يلزمك هذا في ناسخ القرآن ومنسوخه. قال: فاذكر منه شيئا قلت. قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ، وقال في الفرائض: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ . فزعمنا١ بالخبر عن رسول الله ﷺ أن آية الفرائض

стр. 276

نسخت الوصية للوالدين والأقرين، فلو كنا ممن لا يقبل الخبر فقال قائل: الوصية نسخت الفرائض، هل نجد الحجة عليه إلا الخبر عن رسول الله ﷺ . قال: هذا شبيه بالكتاب والحكمة، والحجة لك ثابتة بأن علينا قبول الخبر عن رسول الله ﷺ . وقد صرت إلى أن قبول الخبر لازم للمسلمين لما ذكرت، وما في مثل معانيه من كتاب الله، وليست تدخلني أنفة من إظهار الانتقال، عما كنت أرى إلى غيره إذا بانت الحجة فيه، بل أتدين بأن علي الرجوع عما كنت أرى إلى ما رأيته الحق، وهنا سأل المناظر عن العام في القرآن، يبقى على عمومه مرة ويخصص مرة، فأجابه الإمام بأمثلة كثيرة ثم قال للمناظر: "فقد بان لك في أحكام الله تعالى في كتابه فرض طاعة رسوله، والموضع الذي وضعه الله به من الإبانة عنه، ما أنزل خاصا، وعاما، وناسخا، ومنسوخا. قال: نعم، وما زلت أقول بخلاف هذا حتى بأن لي خطأ من ذهب هذا المذهب، ولقد ذهب فيه أناس مذهبين. أحد الفريقين لا يقبل خبرا، وفي كتاب الله البيان. قلت: فما لزمه؟. قال: أفضى به ذلك إلى عظيم من الأمر فقال: من جاء بما يقع عليه اسم صلاة، وأقل ما يقع عليه اسم زكاة، فقد أدى ما عليه لا وقت في ذلك ولو صلى ركعتين في كل يوم، أو في كل أيام. وقال: ما لم يكن فيه كتاب الله فليس على أحد فيه فرض، وقال غيره: ما كان فيه قرآن يقبل فيه الخبر، فقال بقريب من قوله فيما ليس فيه قرآن، فدخل عليه ما دخل على الأول أو قريب منه. ودخل عليه أن صار إلى قبول الخبر بعد رده، وصار إلى ألا يعرف ناسخا، ولا منسوخا، ولا خاصا، ولا عاما، وأخطأ. قال: ومذهب الضلال في هذين المذهبين واضح لست أقول بواحد منهما. ولكن هل من حجة في أن تبيح المحرم بإحاطة بغير إحاطة؟ قلت: نعم. قال: ما هو، قلت: ما تقول في هذا الرجل

стр. 277

إلى جنبي، أمحرم الدم والمال؟ قال: نعم. قلت: فإن شهد عليه شاهدان بأنه قتل رجلا، وأخذ ماله وهو هذا الذي في يديه. قال: أقتله فور وأدفع ماله الذي في يديه إلى ورثة المشهود له. قلت: أو يمكن في الشاهدين أن يشهدا بالكذب والغلط؟. قال: نعم. قلت: فكيف أبحث الدم والمال المحرمين بإحاطة شاهدين، وليسا بإحاطة قال: أمرت بقبول الشهادة. قلت: فإن كنت أمرت بذلك على صدق الشاهدين في الظاهر، فقبلتهما على الظاهر، ولا يعلم الغيب إلا الله، فأنا لنطلب في المحدث أكثر مما نطلب في الشاهد، فنجيز شهادة البشر لا نقبل حديث واحد منهم، ونجد الدلالة على صدق المحدث، وغلطه ممن شركه من الحفاظ، وبالكتاب وبالسنة ففي هذه الدلالات، ولا يمكن هذا في الشهادات. فقال لي: قد قبلت منك أن أقبل الخبر عن رسول الله ﷺ ، وعلمت أن الدلالة على معنى ما أراد بما وصفت من فرض الله طاعته، فأنا إذا قبلت خبره فعن الله قبل ما أجمع عليه المسلمون، فلم يختلفوا فيه، وعلمت ما ذكرت من أنهم لا يجتمعون، ولا يختلفون إلا على حق إن شاء الله تعالى". ا. هـ بحذف بعض الجمل١. استدلال الإمام الشافعي، ﵁ على حجية خبر الواحد: ننقل لك فقرات مما جاء في رسالة الإمام القرشي، ﵁ تحت عنوان "الحجة٢ في تثبيت خبر الواحد"، قال الشافعي: قال لي قائل. اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنص خبر، أو دلالة يه أو إجماع فقلت له: أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله

стр. 278

ابن مسعود عن أبيه أن النبي ﷺ ، قال: "نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها، ووعاها وأداها فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم، إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم"، فلما ندب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظها، وأدائها امرأ يؤديها والمرء واحد دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه؛ لأنه إنما يؤدي عنه حلال يؤتى وحرام يجتنب وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى ونصيحة في دين، ودنيا ودل على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه يكون له حافظا، ولا يكون فيه فقيها وأمر رسول الله بلزوم جماعة المسلمين، مما يحتج به في أن إجماع المسلمين إن شاء الله لازم. قال الشافعي: أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ أتاهم آت فقال: إن رسول الله قد أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إل الكعبة"، وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفقه، وقد كانوا على قبلة فرض الله عليهم استقبالها، ولم يكن لهم أن يدعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم به عليهم الحجة، ولم يلقوا رسول الله ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه في تحويل القبلة، فيكونوا مستقبلين بكتاب الله، وسنة نبيه سماعا من رسول الله، ولا بخبر عامة وانتقلوا بخبر واحد إذا كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم، فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي ﷺ ، أنه أحدث عليهم من تحويل القبلة. ولم يكونوا ليفعلوه إن شاء الله بخبر إلا عن علم بأن الحجة، تثبت بمثله إذا كان من أهل الصدق، ولا ليحدثوا أيضا مثل هذا العظيم في دينهم، إلا عن علم بأن لهم أحداثه، ولا يدعون أن يخبروا رسول

стр. 279

الله بما صنعوا منه. ولو كان ما قبلوا من خبر الواحد عن رسول الله في تحويل القبلة -وهو فرض- مما لا يجوز لهم لقال لهم: -إن شاء الله- رسول الله ﷺ . قد كنتم على قبلة، ولم يكن لكم تركها إلا بعد علم تقوم به عليكم حجة من سماعكم مني، أو خبر عامة أو أكثر من خبر واحد عني. قال الشافعي: أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: "كنت أسقي أبا طلحة، وأبا عبيدة بن الجرح، وأبي بن كعب شرابا من فضيح١، وتمر فجاءهم آت. فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس٢ لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت"، وهؤلاء في العلم والمكان من النبي ﷺ وتقدم صحبته بالموضع، الذي لا ينكره عالم، وقد كان الشراب عندهم حلالًا يشربونه، فجاءهم آت واحد، وأخبرهم بتحريم الخمر. فأمر أبوطلحة -وهو مالك الجرار- بكسر الجرار ولم يقل هو ولا هم ولا واحد منهم: نحن على تحليلها، حتى نلقى رسول الله مع قربه منا أو يأتينا خبر عامة. وذلك أنهم لا يهرقون حلالا إهراقه سرف، وليسوا من أهله والحال أنهم لا يدعون أخبار رسول الله بما فعلوا، ولايدع -لو كان ما قبلوا من خبر الواحد ليس لهم- أن ينهاهم عن قبول مثله. قال الشافعي: وأمر سول الله أنيسا أن يغدو على امرأة رجل ذكر أنها زنت. "فإن اعترف فارجمها"، فاعترفت فرجمها. قال الشافعي: وبعث رسول الله أبا بكر واليا على الحج في سنة

стр. 280

تسع وحضره الحاج من أهل بلدان مختلفة، وشعوب متفرقة فأقام لهم مناسكهم، وأخبرهم عن رسول الله بما لهم وما عليهم. وبعث علي بن أبي طالب في تلك السنة فقرأ عليهم في مجمعهم يوم النحر آيات من سورة براءة، ونبذ إلى قوم على سواء، وجعل لقوم مددا، ونهاهم عن أمور، فكان أبو بكر وعلي معروفين عند أهل مكة بالفضل والدين، والصدق، وكان من جهلهما، أو أحدهما من الحاج وجد من يخبره عن صدقما وفضلها. ولم يكن رسول الله ليبعث واحدا، إلا والحجة قائمة بخبره على من بعثه إليه إن شاء الله. قال الشافعي: وقد فرق النبي عمالا على نواحي عرفنا أسماءهم، والمواضع التي فرقهم عليها. وكل من ولي فقد أمره أن يأخذه ما أوجب الله على من ولاه عليه، ولم يكن لأحد عندنا في أحد ممن قدم عليه من أهل الصدق، أن يقول أنت واحد، وليس لك أن تأخذ منا ما لم نسمع رسول الله يقول أنه علينا. ولا أحسبه بعثهم مشهورين في النواحي، التي بعثهم إليها بالصدق، إلا لما وصفت من أن تقوم بمثلهم الحجة على من بعثه إليه. قال الشافعي: ولم تزل كتب رسول الله تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي، ولم يكن لأحد من ولاته ترك إنفاذ أمره، ولم يكن ليبعث رسولا إلا صادقا عند من بعثه إليه، وهكذا كانت كتب خلفائه بعده، وعمالهم وما أجمع المسلمون عليه من أن يكون الخليفة واحدا، والقاضي واحدا، والأمير واحدا والإمام واحدا قال: والولاة من القضاة وغيرهم يقضون، وتنفذ أحكامهم ويقيمون الحدود، وينفذ من بعدهم أحكامهم، وأحكامهم أخبار عنهم. قال الشافعي: ففيما وصفت من سنة رسول الله، ثم ما أجمع المسلمون عليه منه دلالة على فرق بين الشهادة، والخبر، والحكم.

стр. 281

احتياط علماء هذا العصر في قبول خبر الواحد: وقفت على ما كان من أهل الأهواء، نحو العمل بالسنة وأن منهم من ردها جمبلة، ومنهم من ردها إذا لم تكن بيانا للقرآن الكريم، ومنهم من لم يقبل منها إلا المتواتر خاصة. أما علماء الإسلام، فكانوا على وفاق في أن السنة أصل من أصول الدين المتواتر منها، وغير المتواتر إذا صحت عن النبي ﷺ ، غير أنهم اختلفوا في بعض الشروط، التي تصح بها السنة الآحادية. فاشترط الإمام مالك في قبول خبر الواحد، أن لا يعمل على خلافه الجمهور، والجم الغفير من أهل المدينة، إذ إن عملهم بمنزلة روايتهم عن رسول الله ﷺ ، ورواية جماعة عن جماعة أولى بالقبول من رواية فرد عن فرد، واشترط الإمام أبو حنيفة في قبول خبر الواحد شروطا منها: ١- ألا يخالف السنة المشهورة سواء أكانت سنة فعلية، أم قولية عملا بأقوى الدليلين. ٢- ألا يخالف المتوارث بين الصحابة، والتابعين في أي بلد نزلوه بدون اختصاص بمصر دون مصر. ٣- ألا يخالف عمومات الكتاب، أو ظواهره فإن الكتاب قطعي الثبوت وظواهره، وعموماته قطعية الدلالة، والقطعي يقدم على الظني أما إذا لم يخالف الخبر عاما، أو ظاهرا في الكتاب، بل كان بيانا لمجمل فيه، فإنه يأخذ به حيث لا دلالة فيه بدون بيان. ٤- أن يكون راوي الخبر فقيها إذا خالف الحديث قياسا جليا؛ لأنه إذا كان غير فقيه، يجوز أن يكون قد رواه على المعنى فأخطأ. ٥- أن لا يكون فيما تعم به البلوى، ومنه الحدود والكفارات التي

стр. 282

تدرأ بالشبهات؛ لأن العادة قاضية أن يسمعه الكثير دون الواحد، أو الاثنين فلا بد والحالة هذه من أن يشتهر، أو تتلقاه الأمة بالقبول. ٦- ألا يسبق طعن أحد من السلف فيه، وألا يترك أحد المختلفين في الحكم من الصحابة الاحتجاج بالخبر الذي رواه. ٧- وألا يعمل الراوي بخلاف خبره، كحديث أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا، فإنه مخالف لفتوى أبي هريرة، فترك أبو حنيفة العمل به لتلك العلة. ٨- أن لا يكون الراوي منفردا بزيادة في المتن، أو السند عن الثقات، فإن زاد شيئا من ذلك كان العمل على ما رواه الثقات احتياطا في دين الله، ولا تقبل زيادته١. أما جمهور المحدثين، والفقهاء وفي مقدمتهم الإمام الشافعي، ﵀ فعلى أن صحة الحديث تثبت برواية الثقة عن الثقة، حتى يبلغ به رسول الله ﷺ ، ولو كان الراوي واحدا فقط، ولم يقيموا لغير ذلك من الشروط وزنا، فإذا صح الحديث على هذا الوصف، كان أصلا من أصول الشريعة لا يقدم عليه عمل، ولا غيره وقد أطال الشافعي الحجاج، لهذا المذهب في الأم والرسالة ورد على المخالفين، وقد نال بهذا الدفاع، وغيره حظا كبيرا عند أهل الحديث الذين كانت لهم الكلمة العليا، ولهذا أطلق عليه أهل بغداد "ناصر السنة". هذا، والشافعي لا يحتج بالأحاديث المرسلة أخذا بالاحتياط، وإن خالف في ذلك كثيرا من العلماء قبله كالثوري، ومالك، وأبي حنيفة، واستثنى من

стр. 283

ذلك مراسيل كبار التابعين إن جاءت من وجه آخر، ولو مرسلة أو اعتضدت بقول صحابي، أو أكثر العلماء، أو كان المرسل لو سمي لا يسمى إلا ثقة، فحينئذ يكون مرسله حجة عنده، ولا ينتهض إلى رتبة الحديث المتصل، وأما مراسيل غير كبار التابعين، فلا يحتج بها بحال١. ومما تقدم يتبين أن الاختلاف كان عظيما في تقدير قيمة الحديث المروي، فقد تجد الحديث يعمل به الحنفي لشهرته، ويرفضه الشافعي لضعف في سنده، وتجد المالكي يرفض الحديث؛ لأن عمل أهل المدينة جرى على خلافه، ويعمل به الشافعي لقوة في سنده، ولما جاءت طبقة الناصرين للمذاهب، والناقدين لها لم يلتفتوا إلى هذه الأصول، التي أخذ بها أئمتهم، وصاروا يأخذون على خصومهم مخالفة أي حديث صح سنده، وإن لم يستوف تلك الشروط التي اشترطها من ينتقدونه، كذلك نجدهم يجتهدون في إضعاف كل حديث لم يأخذ به إمامهم بالطعن في سنده، أو بأي مأخذ آخر مع أنه كان من السهل أن يقال إن الإمام لم يأخذ بهذا الحديث، لعدم استيفائه الشرط، الذي جمعله أصلا للعمل بالحديث٢. أبو حنيفة كان واسع الاطلاع في الحديث ويعمل به: ترك أبو حنيفة ﵀ العمل بكثير من الحاديث الآحادية، بناء على أصوله التي قدمناها لك، واحتج بالأحاديث المرسلة المشهورة، وأكثر من القياس فيها لم يصح فيه أثر فرماه بعض المتعصبين من أهل الفقه، والحديث بأنه:

стр. 284

١- كان قليل البضاعة في الحديث. ٢- وأنه كان يقدم الرأي على الحديث. ٣- وأنه لذلك لم يخرج له البخاري، ومسلم في صحيحهما. ولما كان هذا القول بمعزل عن الحق رأينا أن نتعقب هذه الشبه الثلاث بالرد عليها واحدة واحدة فنقول: ١- زعمهم أنه كان قليل البضاعة في الحديث، زعم باطل بعد أن أجمعت الأمة على أنه من أئمة الهدى المجتهدين، الذين لهم خبرة واسعة بالكتاب والسنة ومعانيهما، وقد جمع محمد بن محمود الخوارزمي المتوفى سنة ٦٦٥ مسند لأبي حنيفة، أخذه من خمسة عشر مسندا، جمعها لأبي حنيفة علماء الحديث، ورتبه على أبواب الفقه مع حذف المعاد، وعدم تكرير الإسناد قال في خطبته: "وقد سمعت في الشام عن بعض الجاهلين بمقداره ما ينقصه، ويستصغره، وينسبه إلى قلة الحديث، ويستدل على ذلك بمسند الشافعي، وموطأ مالك. وزعم أنه ليس لأبي حنيفة مسند، وكان لا يروي إلا عدة أحاديث، فلحقتني حمية دينية، فأردت أن أجمع بين خمسة عشر من مسانيده، التي جمعها له فحل علماء الحديث -وسرد أسماءهم واحدا واحدا ثم قال: فجمعتها على ترتيب أبواب الفقه بحذف المعاد، وترك تكرير الإسناد. ا. هـ. وقال الحافظ، محمد بن يوسف الصالحي، الشافعي، محدث الديار المصرية في عقود الجمان: "كان أبو حنيفة من كبار حفاظ الحديث، وأعيانهم، ولولا كثرة اعتنائه بالحديث ما تهيأ له استنباط مسائل الفقه. وذكره الذهبي في -طبقات الحفاظ، ولقد أصاب وأجاد". ا. هـ. ثم قال في الباب الثالث والعشرين من عقود الجمان. "إنما قلت الرواية

стр. 285

عنه وإن كان متسع الحفظ لاشتغاله بالاستنباط، وكذلك لم يرو عن مالك والشافعي، إلا القليل بالنسبة إلى ما سمعاه للسبب نفسه، كما قلت رواية أمثال أبي بكر، وعمر من كبار الصحابة ﵃، بالنسبة إلى كثرة اطلاعهم وقد كثرت رواية من دونهم بالنسب إليهم". ا. هـ. ثم ساق أخبارا تدل على كثرة ما عند أبي حنيفة من الحديث، ثم سرد أسانيده في رواية مسانيد أبي حنيفة السبعة عشر لجامعيها، تدليلا على كثرة حديثه. هذا ولأبي حنيف مسانيد أخرى، غير السبعة عشر منها مسند أبي حنيفة للدارقطني، ومسنده لابن شاهين، ومسنده للخطيب، ومسنده لابن عقده. وذكر البدر العيني في تاريخه الكبير: أن سند أبي حنيفة لابن عقده، يحتوي وحده على ما يزيد على ألف حديث، وابن عقدة كما قال السيوطي في "التعقبات" من كبار الحفاظ، وثقة الناس وما ضعفه إلا متعصب١. ا. هـ. ٢- زعمهم أنه كان يقدم الرأي على الحديث زعم باطل على إطلاقه. بل كانت طريقته في الاستنباط ما قاله عن نفسه: "إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله ﷺ ، والآثار الصحاح عنه، التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد في كتاب الله، ولا سنة رسول الله ﷺ ، أخذت بقول أصحابه من شئت، وأدع قول من شئت، ثم لا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم فإذا انتهى الأم إلى إبراهيم والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب وعدد رجالا قد اجتهدوا فلي أن أجتهد كما اجتهدوا"٢. ا. هـ. ومن ذلك ترى أنه يأخذ بقول الصحابي، إذا أعوزته السنة الصحيحة عنده، ويقدمه على اجتهاده فكيف ينسب إليه، أنه يقدم الرأي على السنة، بل نقول: إن الإمام كان شديد
следующие страницы →