← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8656

الحديث والمحدثون

محمد محمد أبو زهو

Полный текст (513 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

احتياط علماء هذا العصر في قبول خبر الواحد: وقفت على ما كان من أهل الأهواء، نحو العمل بالسنة وأن منهم من ردها جمبلة، ومنهم من ردها إذا لم تكن بيانا للقرآن الكريم، ومنهم من لم يقبل منها إلا المتواتر خاصة. أما علماء الإسلام، فكانوا على وفاق في أن السنة أصل من أصول الدين المتواتر منها، وغير المتواتر إذا صحت عن النبي ﷺ ، غير أنهم اختلفوا في بعض الشروط، التي تصح بها السنة الآحادية. فاشترط الإمام مالك في قبول خبر الواحد، أن لا يعمل على خلافه الجمهور، والجم الغفير من أهل المدينة، إذ إن عملهم بمنزلة روايتهم عن رسول الله ﷺ ، ورواية جماعة عن جماعة أولى بالقبول من رواية فرد عن فرد، واشترط الإمام أبو حنيفة في قبول خبر الواحد شروطا منها: ١- ألا يخالف السنة المشهورة سواء أكانت سنة فعلية، أم قولية عملا بأقوى الدليلين. ٢- ألا يخالف المتوارث بين الصحابة، والتابعين في أي بلد نزلوه بدون اختصاص بمصر دون مصر. ٣- ألا يخالف عمومات الكتاب، أو ظواهره فإن الكتاب قطعي الثبوت وظواهره، وعموماته قطعية الدلالة، والقطعي يقدم على الظني أما إذا لم يخالف الخبر عاما، أو ظاهرا في الكتاب، بل كان بيانا لمجمل فيه، فإنه يأخذ به حيث لا دلالة فيه بدون بيان. ٤- أن يكون راوي الخبر فقيها إذا خالف الحديث قياسا جليا؛ لأنه إذا كان غير فقيه، يجوز أن يكون قد رواه على المعنى فأخطأ. ٥- أن لا يكون فيما تعم به البلوى، ومنه الحدود والكفارات التي

стр. 282

تدرأ بالشبهات؛ لأن العادة قاضية أن يسمعه الكثير دون الواحد، أو الاثنين فلا بد والحالة هذه من أن يشتهر، أو تتلقاه الأمة بالقبول. ٦- ألا يسبق طعن أحد من السلف فيه، وألا يترك أحد المختلفين في الحكم من الصحابة الاحتجاج بالخبر الذي رواه. ٧- وألا يعمل الراوي بخلاف خبره، كحديث أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا، فإنه مخالف لفتوى أبي هريرة، فترك أبو حنيفة العمل به لتلك العلة. ٨- أن لا يكون الراوي منفردا بزيادة في المتن، أو السند عن الثقات، فإن زاد شيئا من ذلك كان العمل على ما رواه الثقات احتياطا في دين الله، ولا تقبل زيادته١. أما جمهور المحدثين، والفقهاء وفي مقدمتهم الإمام الشافعي، ﵀ فعلى أن صحة الحديث تثبت برواية الثقة عن الثقة، حتى يبلغ به رسول الله ﷺ ، ولو كان الراوي واحدا فقط، ولم يقيموا لغير ذلك من الشروط وزنا، فإذا صح الحديث على هذا الوصف، كان أصلا من أصول الشريعة لا يقدم عليه عمل، ولا غيره وقد أطال الشافعي الحجاج، لهذا المذهب في الأم والرسالة ورد على المخالفين، وقد نال بهذا الدفاع، وغيره حظا كبيرا عند أهل الحديث الذين كانت لهم الكلمة العليا، ولهذا أطلق عليه أهل بغداد "ناصر السنة". هذا، والشافعي لا يحتج بالأحاديث المرسلة أخذا بالاحتياط، وإن خالف في ذلك كثيرا من العلماء قبله كالثوري، ومالك، وأبي حنيفة، واستثنى من

стр. 283

ذلك مراسيل كبار التابعين إن جاءت من وجه آخر، ولو مرسلة أو اعتضدت بقول صحابي، أو أكثر العلماء، أو كان المرسل لو سمي لا يسمى إلا ثقة، فحينئذ يكون مرسله حجة عنده، ولا ينتهض إلى رتبة الحديث المتصل، وأما مراسيل غير كبار التابعين، فلا يحتج بها بحال١. ومما تقدم يتبين أن الاختلاف كان عظيما في تقدير قيمة الحديث المروي، فقد تجد الحديث يعمل به الحنفي لشهرته، ويرفضه الشافعي لضعف في سنده، وتجد المالكي يرفض الحديث؛ لأن عمل أهل المدينة جرى على خلافه، ويعمل به الشافعي لقوة في سنده، ولما جاءت طبقة الناصرين للمذاهب، والناقدين لها لم يلتفتوا إلى هذه الأصول، التي أخذ بها أئمتهم، وصاروا يأخذون على خصومهم مخالفة أي حديث صح سنده، وإن لم يستوف تلك الشروط التي اشترطها من ينتقدونه، كذلك نجدهم يجتهدون في إضعاف كل حديث لم يأخذ به إمامهم بالطعن في سنده، أو بأي مأخذ آخر مع أنه كان من السهل أن يقال إن الإمام لم يأخذ بهذا الحديث، لعدم استيفائه الشرط، الذي جمعله أصلا للعمل بالحديث٢. أبو حنيفة كان واسع الاطلاع في الحديث ويعمل به: ترك أبو حنيفة ﵀ العمل بكثير من الحاديث الآحادية، بناء على أصوله التي قدمناها لك، واحتج بالأحاديث المرسلة المشهورة، وأكثر من القياس فيها لم يصح فيه أثر فرماه بعض المتعصبين من أهل الفقه، والحديث بأنه:

стр. 284

١- كان قليل البضاعة في الحديث. ٢- وأنه كان يقدم الرأي على الحديث. ٣- وأنه لذلك لم يخرج له البخاري، ومسلم في صحيحهما. ولما كان هذا القول بمعزل عن الحق رأينا أن نتعقب هذه الشبه الثلاث بالرد عليها واحدة واحدة فنقول: ١- زعمهم أنه كان قليل البضاعة في الحديث، زعم باطل بعد أن أجمعت الأمة على أنه من أئمة الهدى المجتهدين، الذين لهم خبرة واسعة بالكتاب والسنة ومعانيهما، وقد جمع محمد بن محمود الخوارزمي المتوفى سنة ٦٦٥ مسند لأبي حنيفة، أخذه من خمسة عشر مسندا، جمعها لأبي حنيفة علماء الحديث، ورتبه على أبواب الفقه مع حذف المعاد، وعدم تكرير الإسناد قال في خطبته: "وقد سمعت في الشام عن بعض الجاهلين بمقداره ما ينقصه، ويستصغره، وينسبه إلى قلة الحديث، ويستدل على ذلك بمسند الشافعي، وموطأ مالك. وزعم أنه ليس لأبي حنيفة مسند، وكان لا يروي إلا عدة أحاديث، فلحقتني حمية دينية، فأردت أن أجمع بين خمسة عشر من مسانيده، التي جمعها له فحل علماء الحديث -وسرد أسماءهم واحدا واحدا ثم قال: فجمعتها على ترتيب أبواب الفقه بحذف المعاد، وترك تكرير الإسناد. ا. هـ. وقال الحافظ، محمد بن يوسف الصالحي، الشافعي، محدث الديار المصرية في عقود الجمان: "كان أبو حنيفة من كبار حفاظ الحديث، وأعيانهم، ولولا كثرة اعتنائه بالحديث ما تهيأ له استنباط مسائل الفقه. وذكره الذهبي في -طبقات الحفاظ، ولقد أصاب وأجاد". ا. هـ. ثم قال في الباب الثالث والعشرين من عقود الجمان. "إنما قلت الرواية

стр. 285

عنه وإن كان متسع الحفظ لاشتغاله بالاستنباط، وكذلك لم يرو عن مالك والشافعي، إلا القليل بالنسبة إلى ما سمعاه للسبب نفسه، كما قلت رواية أمثال أبي بكر، وعمر من كبار الصحابة ﵃، بالنسبة إلى كثرة اطلاعهم وقد كثرت رواية من دونهم بالنسب إليهم". ا. هـ. ثم ساق أخبارا تدل على كثرة ما عند أبي حنيفة من الحديث، ثم سرد أسانيده في رواية مسانيد أبي حنيفة السبعة عشر لجامعيها، تدليلا على كثرة حديثه. هذا ولأبي حنيف مسانيد أخرى، غير السبعة عشر منها مسند أبي حنيفة للدارقطني، ومسنده لابن شاهين، ومسنده للخطيب، ومسنده لابن عقده. وذكر البدر العيني في تاريخه الكبير: أن سند أبي حنيفة لابن عقده، يحتوي وحده على ما يزيد على ألف حديث، وابن عقدة كما قال السيوطي في "التعقبات" من كبار الحفاظ، وثقة الناس وما ضعفه إلا متعصب١. ا. هـ. ٢- زعمهم أنه كان يقدم الرأي على الحديث زعم باطل على إطلاقه. بل كانت طريقته في الاستنباط ما قاله عن نفسه: "إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله ﷺ ، والآثار الصحاح عنه، التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد في كتاب الله، ولا سنة رسول الله ﷺ ، أخذت بقول أصحابه من شئت، وأدع قول من شئت، ثم لا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم فإذا انتهى الأم إلى إبراهيم والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب وعدد رجالا قد اجتهدوا فلي أن أجتهد كما اجتهدوا"٢. ا. هـ. ومن ذلك ترى أنه يأخذ بقول الصحابي، إذا أعوزته السنة الصحيحة عنده، ويقدمه على اجتهاده فكيف ينسب إليه، أنه يقدم الرأي على السنة، بل نقول: إن الإمام كان شديد

стр. 286

التمسك بالسنة بدليل أنه كان يحتج بمراسيل الثقات، التي اشتهرت بين العلماء. أما تشدده ﵀ في شروط قبول الأحاديث، التي تروى آحادا، فكان مبعثه الاحتياط البالغ لدين الله، وذلك أن الوضع في عصره قد كثر كثرة مزعجة من الزنادقة، والمبتدعة فاضطره ذلك إلى تشدده في شرط الصحيح، ولهذا قال العلماء: "أن أبا حنيفة لم يخالف الأحاديث عنادا، بل خالفها اجتهادا لحجج واضحة، ودلائل صالحة وله بتقدير الخطأ أجر، وبتقدير الإصابة أجران والطاعنون عليه أما حساد، أو جهال بمواقع الاجتهاد". وما من إمام من الأئمة إلا رد كثير من الأحاديث، لعدم استيفائها شروط الصحة عنده، أو لظهور نسخها أو لقيام معارض لها، أو لغير ذلك من الأعذار المقبولة. وهذا مالك أمام دار الهجرة، وأمير المؤمنين في الحديث يخالف السنة في سبعين مسألة إلى رأيه لعدم استيفائها شروط العمل عنده١. ٣- وأما عدم تخريج الشيخين له في صحيحيهما، فلا يدل على ضعفه في الحديث، فإنها لم يستوعبا الأحاديث الصحيحة، ولا الأئمة الموثوق بهم، وإلا لزم تجريح كثير من الصحابة، وكثير من أئمة الهدى كالشافعي، ولا يقول بذلك أحد من المسلمين. ولعل السر في عدم تخريجهما لأمثال أبي حنيفة والشافعي ﵄، أنهما عنيا بجمع الحديث الصحيح، عمن لو ترك عندهم لمات بموته، لعدم وجود أتباع لهم أو لقلتهم أما أمثال

стр. 287

أبي حنيفة، والشافعي فإن لهم أصحابا يحملون عنهم أحاديثهم، يؤمن عليها من الضياع. هذا وربما كان عزوف الشيخين عن التخريج لأمثالهما هو اشتغالهم بفقه الأحاديث، واستنباط الأحكام منها لا بجمع طرقها، والانقطاع لحفظها وأدائها إنما كانوا يروون تلك الأحاديث على تلاميذهم خاصة في أثناء مجالسهم الفقهية، وأيضا قد يكون عدم تخريجهما لإمام من الأئمة؛ لأنه يقع الحديث بروايته نازلا، وبرواية غيره عاليا، فيقدمان العالي على النازل لما فيه من القرب إلى رسول الله ﷺ . ومن ذلك كله يتبين أن أبا حنيفة ﵀ لم يكن قليل البضاعة في الحديث، ولم يكن يقدم رأيه عليه وأنه من كبار الحفاظ، الذين لهم خبرة واسعة بالحديث رواية، ودراية، وأن الطعن عليه بمثل ما تقدم لا يصدر إلا عن حاسد، أو جاهل، فلا ينبغي أن يغتر بما ذكره ابن خلدون في مقدمته من أن أبا حنيفة لتشدده في شروط الصحة، لم يصح عنده سوى سبعة عشر حديثا، ولا بالروايات الزائفة، التي ذكرها الخطيب البغدادي في كتابه -تاريخ بغداد- وفيها نسبة أبي حنيفة إلى ما هو بريء منه. وقد تصدى لتفنيد هذه الروايات الإمام الفقيه، المحدث الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري في كتاب خاص أسماه "تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب"، أجاد فيه، وأفاد فجزاه الله عن أمة الإسلام خيرًا.

стр. 288

المبحث الرابع: تراجم لبعض مشاهير المحدثين في القرن الثاني مالك بن أنس: هو، الإمام الجليل مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر. ينتهي نسبه إلى ذي أصبح -قبيلة باليمن- قدم أحد أجداده إلى المدينة، وسكنها وجده أبو عامر من أصحاب رسول الله ﷺ ، شهد معه المغازي كلها ما خلا بدرا. ولد مالك بالمدينة سنة ثلاث وتسعين، وأخذ العلم عن علماء المدينة، وأول من لازمه منهم عبد الرحمن بن هرمز، الذي أقام معه مدة طويلة من الزمان لم يشركه بغيره، وسمع نافعا مولى ابن عمر، ومحمد بن المنكدر، وأبا الزبير، والزهري، وكثيرا من التابعين، وتابعيهم بلغ عددهم على ما يقال تسعمائة شيخ. من التابعين ثلثمائة، ومن تابعيهم ستمائة، وكلهم ممن اختاره مالك، وارتضى دينه وفقههه، وقيامه بحق الرواية، وشروطها، وخلصت الثقة به. كما ترك الرواية عن أهل دين وصلاح لا يعرفون الرواية، وأخذ عنه الحديث يحيى الأنصاري، والزهري، وهما من شيوخه، وينازع ابن عبد البر في رواية الزهري عن مالك. كذلك أخذ عنه ابن جريج، ويزيد بن عبد الله بن الهادي، والأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، والليث، وابن المبارك والشافعي وابن علية وابن وهب، وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وابن مهدي ومعن بن عيسى وخلائق لا يحصون غيرهم. أجمع العلماء على إمامته، وجلالته في الحديث ونقد الرواة، واستخراج الأحكام من الكتاب والسنة، وشهد له بذلك أقرانه وعلماء عصره. فذا حبيب الوراق يقول: دخلت على مالك فسألته عن ثلاثة رجال لم لم يرو عنهم، قال: فأطرق ثم رفع رأسه، وقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله -وكان كثيرًا ما يقولها- فقال: يا حبيب أدركت هذا المسجد، وفيه سبعون شيخا ممن أدرك أصحاب رسول الله ﷺ ، وروى عن التابعين، ولم نحمل الحديث إلا عن أهله. وكان مالك يقول: ربما جلس إلينا الشيخ، فيحدث نهاره ما نأخذ عنه حديثا واحدا ما بنا أن نتهمه، ولكن لم يكن من أهل الحديث. كان مالك ثبتا في الحديث عالما بالرجال، موثوقا به في كل ذلك حتى

стр. 289

أخذ الحديث عنه شيوخه وأقرانه، ولما كانت المدينة هي منبع الحديث، ومهبط الوحي لم يرحل مالك عنها، لذا تجد معظم روايته عن أهل الحجاز، وقلما تجد في موطئه ذكرا لغيرهم، ورحل إليه الناس من الأقطار البعيدة يتلقون عنه الحديث والمسائل، لما سمعوا عن علمه ونباهة شأنه في علوم الحديث، والفقه وكانوا يزدحمون على بابه، ويقتتلون عليه من الزحام لطلب العلم. امتحن مالك سنة ١٤٧ وضرب بالسياط، واختلف الناس في سبب ذلك فقيل: أنه أفتى بعدم وقوع طلاق المكره، وقد كانوا يكرهون الناس على الحلف بالطلاق عند البيعة، فرأوا أن فتوى مالك تجعل الناس في حل من نقض البيعة، وقيل: إن ابن القاسم سأل مالكا عن البغاة يجوز قتالهم. فقال: إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز. قال: فإن لم يكن مثه. فقال: دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما. فكانت هذه الفتوى سبب محنته، فضربه عامل المنصور بالمدينة سبعين سوطا، ولما بلغ ذلك المنصور غضب على عامله وعزله، ثم لقي المنصور مالكا من قابل في موسم الحج، فاعتذر إليه، وفاتحه في كثير من مسائل الدين، وطلب إليه أن يجمع ما ثبت لديه من الأحاديث، والآثار ويدونها في كتاب يوطئه للناس، فاعتذر الإمام عن ذلك فلم يقبل المنصور عذره، فألف كتاب الموطأ، ولما جاء المهدي حاجا بعد ذلك سمعه منه، ولم يزل مالك ﵀ محل احترام الخلفاء، وإجلالهم وتقدير العلماء وتعظيمهم، وقد سمع منه الرشيد وأولاده االموطأ في موسم الحج. وقال له الرشيد: أردت أن أعلق كتابك هذا في الكعبة، وأفرقه في الأمصار، وأحمل الناس عليه. فقال له مالك: لا تفعل، فإن الصحابة تفرقوا في الآفاق، ورووا أحاديث غير أحاديث أهل الحجاز، وأخذ الناس بها، فاتركهم وما هم عليه

стр. 290

فقال له الرشيد: جزاك الله خيرا يا أبا عبد الله. وكان مالك ﵀ كثير التواضع، جم الحياء عظيم الحب لرسول الله ﷺ ، حتى إنه كان لا يركب دابة في المدينة، إجلالا لأرض ضمت جسد رسول الله ﷺ . توفي ﵀ سنة مائة وتسعة وسبعين بالمدينة، ودفن بالبقيع١. يحيى بن سعيد القطان: هو، أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فروخ التميمي، ولاء البصري القطان إمام جليل، ومحدث كبير من أتباع التابعين. أخذ الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج وسعيد بن أبي عروبة، والثوري وابن عيينة، ومالك وشعبة وكثير غيرهم، وأخذ عنه الحديث السفيانان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وابن مهدي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وخلائق غيرهم. اتفق العلماء على إمامته، وكثرة حفظه، وعلمه وصلاحه، وشهد له بذلك كثير من المحدثين، قال ابن حنبل: ما رأيت مثل يحيى القطان في كل أحواله، وقال فيه أيضا: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وهو أثبت من وكيع وابن مهدي، وأبي نعيم ويزيد بن هارون، وقد روى عن خمسين شيخا ممن روى عنهم سفيان. قال: ولم يكن في زمان يحيى مثله. وقال أبو زرعة: هو من الثقات الحفاظ. وقال ابن منجويه: كان يحيى القطان من سادات أهل زمانه حفظا، وورعا، وفقهاء، وفضلا ودينا وعلما، وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث، وأمعن في البحث عن الثقات وترك

стр. 291

الضعفاء. قال ابن سعد: توفي يحيى القطان في صفر سنة ثمان وتسعين ومائة وكان مولده سنة ١٢٠هـ مائة وعشرين رحمه الله١. وكيع بن الجراح: هو، الحافظ الجليل، والمحدث الكبير، إمام أهل الكوفة في الحديث وغيره، أبو سفيان وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي من أتباع التابعين. أخذ الحديث عن الأعمش، وهشام بن عروة وعبد الله بن عون، وحنظلة بن أبي سفيان، وابن جريج، وشريك بن عبد الله، والأوزاعي والسفيانين وغيرهم. اتفق العلماء على جلالته، وكثرة علمه، وحفظه للحديث، وإتقانه له وصلاحه وفضله. كان أحمد بن حنبل إذا حدث عنه قال: حدثني من لم تر عيناك مثله وكيع بن الجراح. وقال فيه: ما رأيت رجلا قط مثل وكيع في العلم، والحفظ والإسناد، والأبواب، ويحفظ الحديث جيدا، ويذاكر بالفقه مع ورع، واجتهاد ولا يتكلم في أحد، وقال ابن معين: ما رأيت أحدا يحدث لله غير وكيع بن الجراح. وهو أحب إلي من سفيان وابن مهدي، وأبي نعيم، وما رأيت رجلا قط أحفظ من وكيع، ووكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه، وقال ابن عمار: ما كان بالكوفة في زمن وكيع أفقه، ولا أعلم بالحديث من وكيع. توفي وكيع سنة ١٩٧هـ، سبع وتسعين ومائة. وكان مولده سنة ١٢٧هـ٢. سفيان الثوري: هو، أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق، الثوري، الكوفي الإمام الفذ. كان من تابعي التابعين. تلقى الحديث عن أبي إسحاق السبيعي

стр. 292

وعبد الملك بن عمير، وعمرو بن مرة، وخلائق من كبار التابعين وغيرهم، وأخذ الحديث عنه محمد بن عجلان، والأعمش وهما تابعيان ومعمر والأوزاعي، ومالك وابن عيينة وشعبة، والفضيل بن عياش، وابن المبارك ووكيع، وأبو نعيم ويحيى بن القطان، وكثير من الأئمة الأعلام. اتفق العلماء على إمامته، وتقدمه في الحديث والفقه والورع والزهد، وخشونة العيش والقول بالحق، وغير ذلك من المحاسن. قال أبو عاصم: الثوري أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من الثوري. وقال يحيى بن معين: كل من خالف الثوري فالقول قول الثوري، وقال ابن مهدي: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري. وقال ابن عيينة: كان ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه والثوري في زمانه. وقال أيضا: أنا من غلمان الثوري، وما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه، وقال الأوزاعي -وقد ذكر ذهاب العلماء: لم يبق منهم من يستمع عليه العامة بالرضى والصحة إلا الثوري، وقال عباس الدوري: رأيت ابن معين لا يقدم على الثوري في زمانه أحدا في كل شيء، وبالجملة فالثناء عليه مشهور، وهو أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة -مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، والثوري، ولد الثوري سنة ٩٧هـ، وتوفي بالبصرة سنة ١٦١هـ إحدى وستين ومائة رضي الله عنه١. سفيان بن عيينة: هو، أبو محمد سفيان بن عيينة بن عمران، الكوفي ثم المكي الهلالي، ولاء، كان من أتباع التابعين. أخذ الحديث عن الزهري، وعمرو بن

стр. 293

دينار، والشعبي. وعبد الله بن دينار، ومحمد بن المنكدر، وخلائق من التابعين وغيرهم. وتلقى الحديث عنه الأعمش، والثوري، وابن جريج، وشعبة وهمام ووكيع وابن المبارك وابن مهدي والقطان، والشافعي وأحمد بن حنبل، وابن المديني وابن معين وابن راهويه، والحميدي وخلائق كثيرة لا يحصون من علماء الحديث والفقه. اتفق المحدثون على إمامته وفضله، وبعد شأوه في الحديث وحفظه. قال أبو حاتم وغيره: أثبت الناس في حديث عمرو بن دينار بن عيينة، وكان أعلم بحديث عمرو بن دينار من شعبة، وقال يحيى القطان في حياة سفيان: سفيان إمام من أربعين سنة وقال أيضا: ما رأيت أحسن حديثا من ابن عيينة، وقال الشافعي: ما رأيت أحدا أكف عن الفتيا من سفيان، وما رأيت أحدا أحسن لتفسير الحديث منه، وقال أحمد بن عبد الله: كان ابن عيينة حسن الحديث، وكان يعد من حكماء أصحاب الحديث، وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. ومناقبه كثيرة مشهورة. ولد سفيان سنة ١٠٧هـ، وتوفي سنة ١٩٨هـ رضي الله عنه١. شعبة بن الحجاج: هو، أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد، العتكي الأزدي ولاء الواسطي، ثم البصري أصله من واسط، ثم انتقل إلى البصرة فاستوطنها. وهو من تابعي التابعين إمام جليل، وحافظ كبير من أعلام المحدثين، وكبار المحققين. تلقى الحديث عن أنس بن سيرين، وعمرو بن دينار والشعبي، وكثير من التابعين وغيرهم، وأخذ عنه الحديث الأعمش، وأيوب السختياني ومحمد بن إسحاق، وهم من التابعي والثوري وابن مهدي

стр. 294

ووكيع وابن المبارك ويحيى القطان، وكثير لا يحصون من كبار الأئمة. أجمعوا على إمامته في الحديث وجلالته، وتحريه واحتياطه وإتقانه. قال الإمام أحمد: لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثا منه قسم له منه حظ، وروى عن ثلاثين رجلا من الكوفة، لم يرو عنهم سفيان الثوري، وقال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، وقال حماد بن زيد: لا أبالي من يخالفني إذا وافقني شعبة؛ لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة، وإذا خالفني شعبة في شيء تركته، وقال سفيان الثوري: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وقال لمسلم بن قتيبة حين قدم من البصرة: ما فعل أستاذنا شعبة؟ وقال صالح بن محمد أول من تكلم في الرجال شعبة، ثم تبعه يحيى القطان ثم أحمد بن حنبل وابن معين، وقال أحمد بن حنبل: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن، يعني علم الحديث وأحوال الرواة، وقال عبد الصمد: أدرك شعبة من أصحاب ابن عمر نيفا وخمسين رجلا. توفي شعبة بالبصرة في أول سنة ١٦٠، ستين ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنة رحمه الله١. عبد الرحمن بن مهدي: هو، الإمام أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن، العنبري البصري، اللؤلئي، إمام أهل الحديث في عصره، والمعول عليه فيه. أخذ الحديث عن خالد بن دينار، ومالك بن مغول، ومالك بن أنس والسفيانين، والحمادين وشعبة، وخلائق من أعلام المحدثين، وروى عنه ابن وهب وأحمد بن حنبل، وابن معين، وابن المديني وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهم. اتفق الأئمة على جلالته ورسوخه

стр. 295

في نقد الرجال وفحص الأحاديث مع الورع، والزهد، والأمانة. قال أحمد بن حنبل: كأن ابن مهدي خلق للحديث، وقال ابن معين: ما رأيت رجلا أثبت في الحديث من ابن مهدي، وعن علي بن المديني أنه قال غير مرة: والله لو أخذت وحلفت بين الركن، والمقام لحلفت بالله أني لم أر قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي، وكان عبد الرحمن بن مهدي، يقول: لا يجوز أن يكون الرجل إماما، حتى يعلم ما يصح ما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم مخارج العلم، وجاءه رجل فقال: يا أبا سعيد إنك تقول هذا ضعيف، وهذا قوي وهذا لا يصح. فعم تقول ذاك؟ فقال ابن مهدي: لو أتيت الناقد فأريته دراهم فقال: هذا جيد وهذا ستوق وهذا بهرج، أكنت تسأله عم ذاك أم تسلم الأمر إليه؟ فقال: بل كنت أسلم الأمر إليه. فقال ابن مهدي: هذا كذلك. هذا بطول المجالسة، والمناظرة والمذاكرة، والعلم به، ولد سنة ١٣٥هـ، وتوفي سنة ١٩٨هـ رحمه الله١. الأوزاعي: هو، أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الشامي، الدمشقي، كان إمام أهل الشام في عصره بلا نزاع. وكان أهل الشام والمغرب على مذهبه، قبل انتقالهم إلى مذهب مالك ﵀، وهو من أتباع التابعين. سمع الحديث عن جماعات من التابعين، كعطاء بن أبي رباح، وقتادة ونافع مولى ابن عمر، والزهري، ومحمد بن المنكدر وغيرهم، وروى عنه جماعة من التابعين من شيوخه كقتادة، والزهري، ويحيى بن أبي كثير وجماعات من أقرانهم، وروى عنه أيضا من الأئمة الكبار سفيان ومالك

стр. 296

وشعبة، وابن المبارك وكثير غيرهم. أجمع العلماء على إمامة الأوزاعي، وجلالته وعلو مرتبته وكمال فضله، كما اتفقوا على كثرة حديثه، وغزارة فقهه، وشدة تمسكه بالسنة وبراعته في الفصاحة. عن عبد الرحمن بن مهدي قال: ما كان بالشام أحد أعلم بالسنة من الأوزاعي، وقال أيضا: الأئمة في الحديث أربعة. الأوزاعي ومالك، وسفيان الثوري وحماد بن زيد، وقال أبو حاتم: الأوزاعي إمام متبع لما سمع١، وعن هقل: "وهو أثبت الناس في الرواية عن الأوزاعي" قال: "أجاب الأزاعي في سبعين ألف مسألة أو نحوها"، وكان علماء عصره يجلونه غاية الإجلال، ويكبرونه في أنفسهم ويعترفون له بالإمامة، والسبق والزهد والورع، والجهر بالحق. قيل لأمية بن يزيد: أين الأوزاعي من مكحول. قال: هو عندنا أرفع من مكحول. فقيل له: إن مكحولا رأى أصحاب النبي ﷺ ، قال: وإن كان قد رآهم فإن فضل الأوزاعي في نفسه. فقد جمع العبادة، والورع، والقول بالحق. وعن سفيان الثوري أنه لما بلغه مقدم الأوزاعي، خرج حتى لقيه بذي طوى، فحل سفيان رأس البعير عن القطار ووضعه على رقبته، وكان إذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ.

стр. 297

ولد الأوزاعي ﵀ سنة ٨٨ من الهجرة. ومات سنة ١٥٧هـ في بيروت، وكان قد نزل بها مرابطا في أواخر عمره "تهذيب الأسماء ١-٢٩٨". الليث بن سعد: هو، الإمام الكبير والفقيه البارع، والمحدث الحافظ، أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، مولاهم المصري، كان من أتباع التابعين. أخذ الحديث عن عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن أبي مليكة، ونافع مولى ابن عمر، وسعيد المقبري، والزهري، ويحيى الأنصاري، وأبي الزبير، وكثير من التابعين وتابعيهم، وتلقى عنه الحديث محمد بن عجلان، وهشام بن سعد، وهما من شيوخه، وقيس بن الربيع وابن المبارك، وابن وهب وابن لهيعة وعبد الله بن صلاح كاتبه، وكثير من الأئمة. أجمع العلماء على جلالته، وإمامته وعلو مرتبته في الفقه، والحديث وهو إمام أهل مصر في زمانه. قال الشافعي ﵀: كان الليث بن سعد أفقه من مالك إلا أنه ضعيه أصحابه، وقال محمد بن سعد: كان الليث مولى لقريش، وكان ثقة كثير الحديث وصحيحه، وكان استقل بالفتوى ف زمانه بمصر، وكان سريا نبيلا سخيا، وقال أحمد بن حنبل: الليث كثير العلم صحيح الحديث ليس في هؤلاء المصريين أثبت منه ما أصح حديثه. وقال أيضا: رأيت من رأيت فلم أر مثل الليث، كان فقيه البدن عربي اللسان يحسن القرآن، والنحو ويحفظ الحديث، والشعر وحسن الذاكرة، وعد خصالا جميلة عنه حتى بلغ عشرا. ولد الليث سنة ثلاث أو أربع وتسعين وتوفي سنة ١٦٥ خمس وستين ومائة في قول ابن سعد١.

стр. 298

الإمام الشافعي، ﵁: هو، أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس، بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، يلتقي نسبه مع رسول الله ﷺ في عبد مناف، والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر، وابنه شافع بن السائب من صغار الصحابة، وأم الشافعي من الأزد. ولد الشافعي ﵀ بغزة سنة ١٥٠هـ، ومات أبوه، وهو صغير فحملته أمه إلى مكة، وهو ابن سنتين لئلا يضيع نسبه، فنشأ بها وقرأ القرآن وأقام في هذيل نحوا من عشر سنين، فعلم منهم اللغة والشعر، وأخذ الفقه والحديث، عن مسلم بن خالد الزنجي، مفتي مكة وغيره من الأئمة، ثم قدم المدينة فلزم مالكا ﵀، وأكرمه مالك لعلمه وفهمه وعقله وأدبه، وقرأ الموطأ عليه حفظا فأعجبته قراءته، فكان مالك يستزيده من القراءة لذلك، وكان للشافعي حين قدومه المدينة ثلاث عشرة سنة، ولفقهره ساعده مصعب بن عبد الله القرشي، قاضي اليمن عند هارون الرشيد، فولاه الحكم بنجران من أرض اليمن، ثم وشى به إلى الرشيد أنه يروم الخلافة فاستقدمه الخليفة إلى بغداد سنة ١٨٤هـ، وعمره ثلاثون سنة، فتناظر هو ومحمد بن الحسن بين يدي الرشيد، وأحسن محمد القول فيه، وتبين للرشيد براءته مما نسب إليه، وأنزله محمد بن الحسن عنده، وأكرمه وكتب عنه الشافعي وقر بعير، وعاد الشافعي إلى مكة، ثم قدم العراق للمرة الثانية سنة ١٩٥هـ، فاجتمع به جماعة من العلماء هذه المرة، منهم أحمد بن حنبل، وأبو ثور والحسين بن علي الكرابيسي، والزعفراني، وغيرهم، وصاروا يأخذون عنه، وأملى عليهم مذهبه القديم، ثم رجع إلى مكة، وفي سنة ١٩٨هـ رحل إلى العراق للمرة الثالثة، فأقام بها مدة يسيرة

стр. 299

وفي أواخر سنة ١٩٩هـ انتقل إلى مصر، فأقام بها إلى أن مات سنة ٢٠٤هـ، وفي مصر ظهرت مواهبه، ومقدرته العلمية، وقصده الناس من سائر الأقطار للتفقه عليه والرواية عنه، وأملى على تلاميذه كتبه الجديدة، وفيها مذهبه المصري أو الجديد. وقد أجله المصريون حيا وميتا. والشافعي، هو الإمام الذي نشر مذهبه بنفسه، بما قام به من الرحلات التي اكتسب فيها علوم الحجازيين، والعراقيين، وهو الذي كتب كتبه بنفسه وأملاها على تلاميذه، ولم يعرف هذا لغيره من كبار الأئمة. عناية الشافعي ﵁ بالسنة: كان الشافعي ﵁ أعلم أهل عصره بمعاني القرآن والسنة، وقد جمع في مذهبه بين أطراف الأدلة مع الإتقان، والتحقيق والغوص على المعاني، وهو صاحب الفضل على أهل الآثار، وحملة الحديث بتوقيفه إياهم على معاني السنة، ونصرهم على مخالفيهم بواضح البراهين. فأيقظهم بعد أن كانوا غافلين، وأصبحت لهم الكلمة العليا بعد أن كانوا خاملين، وغلب في عرف العلماء على متبعي مذهبه لقب "أصحاب الحديث"، وكثيرا ما كان ينهى ﵁، عن ترك الكتاب والسنة إلى غيرهما من آراء الناس وأهوائهم. قال: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد. وقال: حكمي في أهل الكلام، أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في القبائل، وينادى عليه: "هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام"، وقال البويطي: سمعت الشافعي يقول: عليكم بأصحاب الحديث، فإنهم أكثر الناس صوابا. وقال: إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث، فكأنما رأيت رجلا من أصحابرسول الله ﷺ . جزاهم الله خيرا حفظوا لنا الأصل، فلهم علينا الفضل. ومن شعره في هذا المعنى.

стр. 300

كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين العلم ما كان فيه "قال حدثنا" ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين وقد قدمنا لك أنه دافع دفاعا عظيما عن خبر الواحد، إذا اتصل إلى النبي ﷺ بنقل الثقة عن الثقة، وقد نال بذلك الدفاع عن الحديث، وأهله حظا كبيرا عند حملة الآثار، حتى كان أهل بغداد يطلقون عليه "ناصر السنة". قال محمد بن الحسن: إن تكلم أصحاب الحديث يوما فبلسان الشافعي. وقال الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقودا فأيقظهم الشافعي. وقال أحمد بن حنبل: "ما أحد مس بيده محبرة، ولا قلما إلا وللشافعي في رقبته منة"، وقال أحمد أيضا لمحمد بن مسلم بن وارة أحد أئمة الحديث -وقد قدم من مصر: "كتبت كتب الشافعي؟ فقال: لا. قال: فرطت. ما علمنا المجمل من المفسر، ولا ناسخ حديث رسول الله ﷺ من منسوخه، حتى جالسنا الشافعي". وقال ابن خزيمة: وقد سئل هل سنة لم تبلغ الشافعي -فقال: لا، وقال داود بن علي الظاهري: "للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره من شرف نسبه، وصحة دينه، ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقمه وناسخه، ومنسوخه وحفظ التاب والسنة وسيرة الخلفاء، وحسن التصنيف وجودة الأصحاب والتلامذة". وقال الكرابيسي: "ما كنا ندري ما الكتاب والسنة والإجماع، حتى سمعناه من الشافعي، وما رأيت مثل الشافعي ولا رأى الشافعي مثل نفسه، وما رأيت أفصح منه وأعرف".

стр. 301

ومع ثناء هؤلاء الأئمة وغيرهم عليه بالفهم الثاقب، والإحاطة الواسعة بالحديث كان يقول: "إذا صح عندكم الحديث، عن رسول الله ﷺ فقولوا به ودعوا قولي، فإني أقول به وإن لم تسمعوا مني". هذا وإذا كان العلماء يعتبرون الإمام الشافعي أول من ألف في أصول الفقه، فلا يفوتنا أن نقول أنه أيضا أول من ألف في أصول السنة، وقوانين الرواية ورسم لعلماء الحديث طريقة التدوين في علوم السنة. وأن كل من ألف بعد الشافعي في قواعد الحديث، وعلومه إنما هم عيال عليه، وغارفون من بحاره وكلامهم في ذلك لا يعدو فروعا فرعوها على أصول أصلها، وقواعد وضعها وأوضحها. وأن من يقرأ كلامه عن الحديث والمحدثين في رسالته، ثم يقرأ ما دونه علماء الحديث كابن الصلاح، وغيره يرى أن الشافعي هو أستاذ الجميع في هذه الفنون. فجزاء الله عن الحديث، وأهله خير الجزاء١.

стр. 302

المبحث الخامس: الرد على تمويهات لبعض المستشرقين لها صلة بهذا العصر، وما قبله اطلعت أيها القارئ على تاريخ السنة في القرن الأول، والثاني للهجرة المباركة ورأيت أن علماء الصحابة والتابعين، ومن بعدهم كان يتلقاها بعضهم عن بعض في أمانة وضبط، وأنهم كانوا يذبون عنها أكاذيب الشيعة، والخوارج والزنادقة، ومن كان على شاكلتهم في الكيد للإسلام عن طريق الحديث، وما زالوا يجاهدون صادقين في سبيل السنة، حتى أسلموها إلى علماء القرن الثالث كاملة غير منقوصة، وصحيحة غير مكذوبة عن طريق الأسانيد التي تطمن لها القلوب، ثم قام علماء القرن الثالث بدورهم في رواية السنة، وحفظها وكتابتها وتدوينها، حتى وصلت إلينا طاهرة نقية. ولكن شرذمة من أهل الكفر والضلال، يدعون بالمستشرقين كبر عليهم أن تبقى هذه الثروة الإسلامية المباركة محفوظة من التبديل، والتحريف في وقت ضعف فيه المسلمون، واستولت عليهم الأمم الكافرة، فعمل هؤلا المستشرقون جاهيدن على تشكيك المسلمين في دينهم، عن طريق الطعن في الحديث ورواته باسم البحث الحر، وطريقة هؤلاء القوم التي اختاروها لأنفسهم، وأملتها عليهم أغراضهم السياسية، هي توهين القوي من الحديث وتقوية الضعيف، أو الموضوع وتضخيم الصغير وتحقير العظيم، وتشويه الحقائق والتعامي عما تقضي به الأدلة والبراهين. كل هذا ليشوهوا. محاسن الإسلام علمائه في أنظار من افتتن بمدنيتهم المادية الزائفة من صغار الأحلام، وضعفاء الإيمان. وما موقفهم هذا من الإسلام إلا ما يقول القائل. إذا رأوا هفوة طاروا بها فرحًا ... مني وما علموا من صالح دفنوا ونحن١ نذكر مثلا من تمويهات هؤلاء المبطلين، تكشف لك عن نواياهم الخبيئة ونعقب عليها بما يدحضها، وإن كانت عند التأمل كهشيم تذروه الرياح لا تقوم، إلا على مجرد الدعوى والتغافل عن الحقائق الثابتة فنقول: أولا: زعموا "أن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة

стр. 303

للتطور الديني والسياسي، والاجتماعي للإسلام في القرنين الأول، والثاني وأنه ليس صحيحا ما يقال: من أنه وثيقة للإسلام في عهده الأول عهد الطفولة، ولكنه أثر من آثار جهود الإسلام في عصر النضوج". ونحن نقول: هذا قول من يتجاهل الحقائق الثابتة، ويخلط الحق بالباطل، ثم يقول: إن الجميع باطل وإنهم بما يقولون يطعنون في الأحاديث النبوية بأمرين. أولهما: إن الأغلبية العظمى منها من وضع المسلمين، لا من قول نبي الإسلام ﷺ . ثانيهما: أن الأحاديث الثابتة عنه ﷺ قليلة، ومع قلتها لم تكن حجة يعتمد عليها في العهد الذهبي للإسلام عصر النبوة، وما بعده الذي أطلقوا عليه عصر الطفولة. والنتيجة التي يريدونها من ذلك أن السنة قامت على غير أساس، ولا فائدة منها للمسلمين في قليل، ولا كثير سواء الصحيح منها، وهو قليل وغير الصحيح منها، وهو الغالب الكثير. أما زعمهم أن أغلب الأحاديث من وضع المسلمين نتيجة للتطور الديني، والسياسي، والاجتماعي للإسلام فهذا منهم كذب على الواقع، والتاريخ فقد نقل عن النبي ﷺ مقدار وفير جدا من الأحاديث في الأحكام، وغيرها حفظها عنه أصحابه، ثم تلقاها عنهم الثقات من الرواة طبقة بعد طبقة وعصرا بعد عصر، حتى وصلت إلينا صحيحة الأسانيد نقية المتون، والأئمة في جميع العصور كانوا ينفون عنها الكذب، والدخيل ويبالغون في التثبت، والحفظ ويشددون في نقد المتون، والأسانيد امتثالا لقول النبي ﷺ في الحديث المتواتر: "من كذب علي

стр. 304

متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، وبعملهم هذا سلمت الأحاديث من وضع الزنادقة والخوارج، ومن سار على طريقهم، وقد اطلعت على ما قدمناه من الجهود الجبارة التي قام العلماء بها في القرن الأول، والثاني حيال الأحاديث وتمحيصها. وأما زعمهم أن السنة ليست حجة، يعتمد عليها في الدين فهذا زعم باطل سبقهم إليه أهل الأهواء في العصور الأولى، والكتاب والسنة وإجماع العلماء وعمل المسلمين في جميع العصور يناقض هذه الدعوى، ويأتي على بنيانها من القواعد، هذا وتقدمت البراهين الساطعة على حجية السنة في المقدمة، وفي كلام الإمام الشافعي ﵁، ومناظراته لبعض من ينكر حجية السنة فارجع إليها إن شئت١. ثانيا: قالوا: إن العصر الأول كان مثار خصومة بين الأمويين، والعلماء الأتقياء الذين اشتغلوا بجمع الحديث والسنة، ونظرا؛ لأن ما بأيديهم من الأحاديث لم يسعفهم في تحقيق أغراضهم أخذوا يخترعون أحاديث، لا تنافي الروح الإسلامية في مناقب آل بيت علي بن أبي طالب، وامتداحهم فيكونون بذلك قد ثلبوا الأمويين، وهاجموهم ولكن من طريق غير مباشر، وبرروا عملهم هذا بأنهم إنما يحاربون الظلم، والطغيان وقد ردت عليهم الحكومة، فوضعت الأحاديث ودعت إلى وضعها، وقد كانت طريقة الأمويين كما قال معاوية للمغيرة بن شعبة: "لا تهمل في أن تسب عليا، وأن تطلب الرحمة لعثمان، وأن تسب أصحاب علي، وتضطهد من أحاديثهم وعلى الضد من هذا أن تمدح عثمان، وأهله وأن تقربهم وتسمع إليهم"، وقد استغل الأمويون لذلك أمثال الإمام الزهري في وضع الأحاديث، ومن هذه الأحاديث حديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى"، فهذا الحديث يمثل

стр. 305

ميولهم السياسية في تقديس بيت المقدس، وجعله مثل البيت الحرام، ومسجد المدينة حتى يكون محجا للناس في الوقت الذي منع فيه ابن الزبير أهل الشام من الحج إلى الكعبة، ونحو هذا أحاديث في فضل بيت المقدس والشام. ا. هـ. ونقول في الرد عليهم: نحن لاننكر أنه قامت خصومة سياسي بين الأمويين والشيعة وأن الشيعة وضعوا أحاديث في مناقب الإمام علي بن أبي طالب، وأن الأمويين ردوا عليهم بأحاديث وضعوها في مناقب أبي بكر وعمر، وعثمان ومعاوية ولكنلم يكن هؤلاء، ولا هؤلاء هم أهل الحديث، ولا العلماء الأتقياء كما يموهون علينا بذلك، وإنما كان من العلماء الأتقياء أمثال الإمام الزهري، وسعيد بن المسيب وابن عباس، وابن عمر العمل على حفظ الأحاديث الصحيحة، ونشرها والاحتياط لها، وبيان الأحاديث التي نسبت كذبا إلى رسول الله ﷺ ، وأنه لا تجوز روايتها ولا نشرها من غير أن يخافوا في الله لومة لائم أو سطوة ظالم، ومما يثير العجب أن يطلق هؤلاء المستشرقون على الشيعة لقب "العلماء الأتقياء"، مع أن منهم من كانوا أداة فساد، وإفساد يتظاهرون بحب آل علي ﵁، ويغالون في ذلك حتى ألهوه، ووضعوا الأحاديث في تأليهه، ويضمرون في أنفسهم كيد الإسلام والمسلمين. أما ما نسبوه إلى معاوية ﵁، فنحن في شك منه، ومما يقوله المؤرخون المتساهلون في نقل الأخبار وتدوينها، فإن معاوية صحابي جليل ارتضاه رسول الله ﷺ لكتابة الوحي، ورضيه الخلفاء الراشدون الثلاثة، لإمارة الشام وما حصل بينه، وبين علي كرم الله وجهه، فإنما كان عن اجتهاد، فيبعد كل البعد أن يأمر المغيرة بن شعبة بسب علي، والعمل على إخفاء الأحاديث، التي صحت في فضله لا سيما، وقد أثبت التاريخ أن

стр. 306

الحسن بن علي ﵁ تنازل له عن الخلافة، طائعا، مختارا ولم يقاتله يوما واحدا، وأنه كان يترحم على علي كرم الله وجهه، وقد طلب إلى ضرار الصدائي أن يصف له عليا فاستعفاه، فأبى فوصفه له بأبلغ وصف، فبكى معاوية ﵁، وقال: رحم الله أبا الحسن، فقد كان كذلك، وأثبت التاريخ أيضا أنه كان حليما واسع الحلم، سياسيا ثاقب النظر، فلا يعقل بعد هذا كله أن يأمر المغيرة أو غيره بإثارة فتنة، يكون من ورائها تمزيق الوحدة وتفريق الكلمة. نعود بعد ذلك إلى زعمهم أن الأمويين استغلوا أمثال الإمام الزهري في وضع الأحاديث، التي تتفق وميولهم، وهذا محض افتراء على أئمة الدين لا سند له من الواقع. وقد شهد للإمام الزهري بالورع، والحفظ والضبط مئات بل ألوف من فحول العلماء، فالشافعي يقول فيه: "لولا الزهري لذهبت السنن من المدينة"، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه يقولان فيه: "أصح الأسانيد مطلقا الزهري، عن سالم، عن أبيه"، وعمرو بن دينار يقول فيه: "ما رأيت أنص للحديث من الزهري، وما رأيت أحدا الدينار والدرهم أهون عنده منه أن كانت الدنانير والدراهم بمنزلة البعر"، أفنترك مثل هذه الشهادات الثابتة إلى أقوال شرذمة من أئمة الكفر، ليسوا من الإنصاف في شيء.، ودعوى أن حديث: "لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"، من وضع الزهري، تبعا لميول الحكام السياسية ... إلخ. دعوى خاطئة كاذبة فإن الزهري، ثقة بإجماع أئمة المسلمين، فلو انفرد بهذا الحديث لكان صحيحا لا ريب فيه، فكيف ولم ينفرد به، وقد أخرجه مسلم من غير طريقه١ في آخر

стр. 307

كتاب الحج من صحيحه، قال: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي حدثنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الحميد بن جعفر أن عمران بن أبي أنس، حدثه أن سلمان الأغر، حدثه أنه سمع أبا هريرة، يخبر أن رسول الله ﷺ قال: "إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء"، وأخرجه الشيخان١. من غير طريقه أيضًا عن شعبة عن عبد الملك سمعت قزعة مولى زياد، قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁، يحدث بأربع عن النبي ﷺ فأعجبنني، وآنقنني قال: "لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم. ولا صوم في يومين، الفطر والأضحى. ولا صلاة بعد صلاتين بعد الصبح، حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب. ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجد الحرام، ومسجد الأقصى ومسجدي". ثم ما لهذا الحديث، وصرف الناس عن حج بيت الله الحرام إلى المسجد الأقصى، وغاية ما يدل عليه أن الرحال لا تشد إلى مسجد من المساجد بقصد الصلاة فيه، إلا لهذه المساجد الثلاثة، فهو إنما يدل على فضل الصلاة في المسجد الأقصى، كما يدل على فضلها في المسجدين الآخرين. ثم ماذا يقولون فيما ثبت من أن المسلمين، كانوا يصلون إلى بيت المقدر قبل أن يصلوا إلى الكعبة، وهو يدل على أنه موضع احترام لدى المسلمين في زمن النبي ﷺ ، من أول يوم فرضت فيه الصلاة. وماذا يقولون في قول الله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ، أما أن بني أمية لو كانوا بحاجة إلى ما يدل على فضل بيت المقدس لكفتهم هذه الآية، أم يقولون أن الآية من وضع الزهري أيضا! سبحانك هذا بهتان عظيم.

стр. 308

نحن لا ننكر أن هناك أحديث وضعت في فضل الأمويين، والعلويين أو في فضل بعض الأماكن، ولكنا ننكر أن يكون واضعوها من العلماء الأتقياء حقا كما ننكر أن أئمة الأحاديث سكتوا عن هذه الموضوعات، وها هي آثارهم تدل على ما بذلوه من جهد في تمحيص الأحاديث ونقدها، فماذا بعد الحق إلا الضلال. ثالثا: قالوا: "ولم يقتصر الأمر على وضع أحاديث سياسية، بل تعدى ذلك إلى الناحية الدينية في أمور العبادات، التي لا تتفق مع ما يراه أهل المدينة، مثل ما هو معروف من أن خطبة الجمعة كانت خطبتين، وكان يخطب الخلفاء وقوفا، وأن خطبة العيد كانت تتبع الصلاة، فغير الأمويون من ذلك فكان يخطب الخليفة خطبة الجمعة الثانية جالسا، وجعلوا خطبة العيد قبل الصلاة، واستدلوا لذلك بما رواه رجاء بن حيوة، من أن الرسول والخلفاء كانوا يخطبون جلوسا في حين قال جابر بن سمرة: من حدثكم أن رسول الله ﷺ خطب جالسا فقد كذب. ومثل ذلك ما حصل من زيادة معاوية في درجات المنبر، وما كان من جعله المقصورة، التي زالها العباسيون بعد ذلك. كما لم يقتصر الأمر على نشر أحاديث ذات ميول، بل تعداه إلى اضطهاد أحاديث لا تمثل وجهات النظر، والعمل على إخفائها وتوهينها. فمما لا شك فيه أنه كان هناك أحاديث في مصلحة الأمويين، اختفت عند مجيء العباسيين". ونقول: حقا إن الوضع في الحديث لم يقتصر على الميول السياسية، بل تعداه إلى العبادات، لكن لم يكن ذلك من علماء الملة، وأئمة الحديث إنما كان من زنديق يكيد للإسلام، أو من داعية سوء يريد أن يتقرب إلى أهل الأهواء، أو من جاهل لم يخالط قلبه بشاشة الإيمان، أما علماء الإسلام فقد قذفوا بالحق على الباطل، وأخلصوا للأمة النصح من غير

стр. 309

أن تأخذهم فيه لومة لائم، وما ذكره المستشرقون هنا من الشواهد، لا دلالة فيه والتاريخ يحدثنا أن ما أحدثه بعض الخلفاء، من اتخاذ المقوصرة في المسجد أو تقديم الخطبة على صلاة العيد، أو الجلوس في خطبة الجمعة الثانية إلى غير ذلك لم يكن منهم بناء على أحاديث وضعوها، أو وضعت لهم، وإنما كان عن اجتهاد، أو عذر قضى بذلك سواء أكانوا في ذلك مصيبين، أم مخطئين فعن الشعبي١ أنه قال: "أول من خطب الناس قاعدا معاوية، وذلك حين كثر شحمه، وعظم بطنه"، أخرجه ابن أبي شيبة، وذكر ابن خلدون في مقدمته٢ أن أول من اتخذ المقصورة في المسجد معاوية بن أبي سفيان، حين طعنه أحد الخوارج طعنة كادت تقضي عليه. وعن طارق٣ بن شهاب، قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة قد ترك ما هنالك، فقال أبوسعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، رواه الإمام مسلم في الصحيح، ومن ذلك ترى أن معاوية ﵁ خطب جالسا، واتخذ المقصورة في المسجد لعذر قاهر لا لحديث رواها، أو رويت له وأن مروان بن الحكم معترف بأن السنة تقديم صلاة العيد على الخطبة، لكن أداه اجتهاده إلى تقديم الخطبة، لئلا ينصرف الناس عن سماعها بعد الصلاة، وكأنهم فعلوا معه ذلك بدليل قوله لمن أنكر عليه: "قد ترك ما هنالك"، ولم يستدل لما فعل بشيء من الأحاديث، إنما استدل بتغير أحوال الناس

стр. 310

ومع ذلك فقد أنكروا عليه، وبين أبو سعيد الخدري أن من قال لمروان: "الصلاة قبل الخطبة"، قد قضى ما عليه، وهو إنكار المنكر بلسانه حيث عجز عن إزالته بيده، ثم روى الحديث الدال لما يقول على ملأ من الناس ومروان يسمع، ودعوى أن رجاء بن حيوة روى: "أن النبي ﷺ ، والخلفاء من بعده كانوا يخطبون من جلوس"، دعوى كاذبة ليست إلا في أوهام هؤلاء المسشرقين، ولا يعقل بحال أن يختلق عالم جليل ومحدث أمين كرجاء حادثة يكذبها الواقع والحس، أمام كثير من الصحابة والتابعين، ثم يعدونه بعد ذلك من ثقاة الرواة، وأساطين المحدثين. ثم نقول ثانيا: لا يبعد أن يكون التنافس السياسي بين الأمويين، والعباسين له أثر في خفاء بعض الأحاديث، وظهور بعض آخر منها، ولكن الذي لا نقره أن ينسب ذلك إلى حفاظ السنة ورواة الحديث الموثوق بهم، فإن هؤلاء جدوا في خدمة السنة تحملا وأداء، وذبوا عنها الكذب بكل ما أوتوا من قوة، ولم يكتموا شيئا مما ثبت لديهم، أنه من حديث رسول الله ﷺ ، مهما لقوا من عنت واضطهاد، ولقد دلتنا أخبارهم على أنهم كانوا أشجع الناس في الحقد، وأجرأهم على الحكام، وأصبرهم على الأذى وأخشاهم لله، وأحرصهم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، حتى أن كان أحدهم ليرحل الليالي ذوات العدد إلى الخليفة، إذا بلغه أنه خالف شيئًا، مما عليه رسول الله ﷺ ، والخلفاء الراشدون من بعده. رابعا: أخذ هؤلاء القوم يؤيدون ما ذهبوا إليه، من أن أكثر الأحاديث من وضع العلماء في القرن الأول، والثاني بما ورد من كلام علماء الجرح، والتعديل كقول عاصم بن نبيل المتوفى سنة ٢١٢: ما رأيت الصالح يكذب في شيء أكثر من الحديث، وقول يحيى بن سعيد القطان

стр. 311

نحو ذلك وقول يزيد بن هارون: إن أهل الحديث بالكوفة في عصره ما عدا واحدا، كانوا مدلسين حتى السفيانان ذكرا بين المدلسين، قالوا: وقد شعر المسلمون في القرن الثاني بأن الاعتراف بصحة الأحاديث، يجب أن يرجع إلى "الشكل" فقط، وأنه يوجد بين الأحاديث الجيدة الإسناد كثير من الأحاديث الموضوعة، وساعدهم على هذا ما ورد من الحديث: "سيكثر التحديث عني فمن حدثكم بحديث، فطبقوه على كتاب الله فما وافقه فهو مني قلته، أو لم أقله"، هذا هو المبدأ الذي حدث بعد قليل عند انتشار الوضع. قالوا: ويمكن أن نتبين شيئا من ذلك في الأحاديث الموثوق بها. فمن ذلك ما رواه مسلم عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب ألا كلب صيد، أو كلب ماشية" فأخبر ابن عمر أن أبا هريرة يزيد: "أو كلب زرع"، فقال ابن عمر: إن أبا هريرة كانت له أرض يزرعها. فملاحظة ابن عمر تشير إلى ما يفعله المحدث لغرض نفسه. ا. هـ. ونحن نقول: الناظر في قولهم هذا يرى أنهم يستدلون على دعواهم، أن أغلب الأحاديث النبوية من وضع العلماء في القرن الأول، والثاني بأدلة. ١- نسبة بعض الصالحين إلى الكذب في الحديث، كما يدل لذلك قول عاصم وغيره. ٢- تدليس كثير من المحدثين، كما قال يزيد بن هارون. ٣- وجود أحديث حكم العلماء عليها بالوضع وهي جيدة الإسناد. ٤- اتجاه العلماء إلى النقد الشكلي في الأحاديث، وهو عرضها على كتاب الله فما وافقه قبلوه، وما لم يوافقه ردوه من غير نظر إلى الإسناد. ٥- اعتراف ابن عمر أن أبا هريرة زاد في الحديث السابق، الذي رواه "أو كلب زرع".

стр. 312

وللرد على دعواهم الباطلة نقول: تكرر منا تزييف هذه الدعوى، وأن أئمة الدين ورجال الحديث لم يتقولوا على النبي ﷺ ، بشيء من الأقاويل، بل عملوا على نشر سنته الصحيحة، وإبطال ما نسبه إليه أهل الأهواء كذبا وزورا. وما استدل به المستشرقون لدعواهم الزائفة باطل، وبيان ذلك: ١- إن رد المحدثين لبعض أحاديث الصالحين دليل على تحريهم البالغ في الأحاديث، ونفي الدخيل عنها، فإنهم لم يكتفوا في الرواة بالصلاح، وحسن السيرة حتى يجمعوا إلى ذلك الحفظ والضبط، واليقظة التامة، فكثيرا ما يروج على الصالح، إذا لم يجمع الأوصاف المذكورة أحاديث الكذابين، بناء على ما يظهر له من أحوالهم، وكثيرا ما تدخل عليه الغفلة لسوء حفظه. ٢- وأن التدليس ليس هو الكذب -كما فهم المستشرقون- حتى يستلد به على أن من فعله من العلماء كان يكذب في الحديث. وبيان ذلك أن التدليس عند علماء الحديث قسمان: أحدهما: تدليس الإسناد، وهو أن يروي المحدث عمن لقيه من الرواة ما لم يسمعه منه، موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه قد لقيه وسمعه منه. ومن شأنه ألا يقول في ذلك: "أخبرنا فلان"، ولا "حدثنا فلان" وما أشبههما، وإلا كان كذبا صريحا وإنما يقول: "قال فلان أو عن فلان"، ونحو ذلك من العبارات التي ليست صريحة في السماع. ثانيها: تدليس الشيوخ، وهو أن يروى عن شيخ حديثا، سمعه منه فيسميه أو يكنيه، أو يصفه بما لا يعرف به. كأن يروي عن أبي داود

стр. 313

السجستاني فيقول: "حدثنا أبو عبد الله"، مع أنه لم يشتهر بذلك، وقد كرهه العلماء بقسميه ورأوا أن البعد عنه أقرب إلى الثقة بالراوي، والاطمئنان إلى مروياته، وإن كانت كراهتهم للقسم الأول منه أشد، ومع ذلك فلم يجرحوا به الراوي الثقة، ولكنهم احتاطوا لقبول الأحاديث، التي يرويها المدلس أعظم حيطة. فما رواه المدلس بلفظ محتمل لم يبين فيه السمع والاتصال، فحكمه عندهم حكم المنقطع من الأحاديث. وما رواه بلفظ مبين للاتصال نحو "سمعت، وحدثنا، وأخبرنا"، وأشباهها فهو مقبول محتج به. وهذا؛ لأن التدليس ليس كذبا وإنما هو ضرب من الإيهام بلفظ محتمل. ويجري هذا الحكم على الراوي المدلس، إذا ثبت عنه التدليس، ولو مرة كما قال الإمام الشافعي رحمه الله١، ومن ذلك يتبين أن التدليس شيء، والكذب شيء آخر وأن العلماء يقلون أحاديث المدلس إذا كان ثقة، وصرح بما يدل على السماع من تحديث أو أخبار أو نحوهما، وأنهم توقفوا فيما رواه بلفظ موهم، حتى يتبين حال ما عسى أن يكون قد أسقطه من شيوخه أفبعد ذلك يقال: "إن العلماء كانوا يضعون الأحاديث، وإنها ليست في الغالب من قول رسول الله ﷺ ": إنه لبهتان عظيم. هذا وقد كان لعلماء الحديث في عصوره المختلفة عناية تامة بالبحث عن المدلسين، من الرواة وحصرهم في بلدانهم، وتمييزهم بأسمائهم ومن أمثلة ذلك ما جاء في معرفة علوم الحديث للحاكم أبي عبد الله قال: أهل الحجاز والحرمين، ومصر، والعوالي وخراسان، والجبال، وأصبهان، وبلاد فارس وخوزستان، وما وراء النهر ليس التدليس من مذهبهم، ولا يعلم أحد من أئمتهم دلس، وأكثر المحدثين تدليسا أهل الكوفة، ونفر يسير

стр. 314

من أهل البصرة فأما مدينة مدينة السلام "بغداد"، فقد خرج منها جماعة من أئمة الحديث -وذكر أسماءهم وطبقاتهم- لا يذكر عنهم، وعن أقرانهم التدليس إلا أبي بكر محمد بن سليمان الباغندي الواسطي، فإن اخذ أحد من أهل بغداد فعن الباغندي وحده. ا. هـ باختصار١. وهذا من أئمة الحديث غاية في البحث، والتحري عن أحوال الرواة في جميع المواطن، مما يدل على أنهم بذلوا جهودا جبارة في خدمة الحديث. ٣- وأما الحكم بالوضع على أحاديث صحت أسانيدها، فهذا من العلماء نهاية الأمانة، وغاية التحري واليقظة، وأنه لم يرج عليهم ما كان يفعله بعض أهل الزيغ، والجهلة من تركيب حديث مختلق على إسناد مقبول. وهذا يدل على عكس ما يدعونه. ٤- ومن الباطل دعوى أن العلماء اتجهوا في نقد الأحاديث، إلى عرض متونها على كتاب الله من غير نظر إلى الإسناد، وأنه شجعهم على ذلك حديث "سيكثر التحديث عني، إلخ"، ثم الاستدلال بذلك على أن الحديث أكثره من وضع العلماء. والمعروف عند المحدثين في قبول الأحاديث، أنه لا بد من أن يتصل السند إلى رسول الله ﷺ ، برواية الثقة مع سلامة متن الحديث من الشذوذ، والعلة، وأنه لا يغني في ذلك سلامة الإسناد من غير نظر إلى المتن، ولا سلامة المتن من غير نظر إلى الإسناد. وأما حديث "سيكثر التحديث عني، فمن حدثكم بحديث فاعضروه على كتاب الله فما وافقه فهو مني قلته، أو لم أقله"، فهو حديث باطل بإجماع أئمة الحديث، وضعه الزنادقة لترويج الأحاديث الموضوعة على رسول الله ﷺ عند العوام والجهلة.

стр. 315

٥- ومن الخطأ البين والكذب الفاضح دعواهم أن أبا هريرة ﵁، زاد في حديث النبي ﷺ : "أو كلب زرع"، لمصلحته بناء على ما فهموه من قول ابن عمر ﵁. والصواب أن قول ابن عمر هذا تثبيت منه لأبي هريرة فيما قال: لا تكذيب له بدليل أنه رواه بعد ذلك كما رواه أبو هريرة، وأن أبا هريرة لم ينفرد بهذه الزيادة وحده، بل رواه كذلك من الصحابة عبد الله بن مغفل، وسفيان بن أبي زهير. قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: "ليس هذا -يعني قول ابن عمر أن لأبي هريرة زرعا- توهينا لرواية أبي هريرة، ولا شكا فيها بل معناه أنه لما كان صاحب زرع، وحرث اعتنى بذلك، وحفظه، وأتقنه والعادة أن المبتلى بشيء يتقنه ما لا يتقنه غيره، ويتعرف من أحكامه ما لا يعرفه غيره. وقد ذكر مسلم هذه الزيادة، وهي "كلب زرع" من رواية ابن المغفل، ومن رواية سفيان بن أبي زهير، عن النبي ﷺ وذكرها أيضا مسلم من رواية ابن الحكم -واسمه عبد الرحمن بن أبي نعيم البجلي- عن ابن عمر، فيحتمل أن ابن عمر لما سمعها من أبي هريرة، وتحققها عن النبي ﷺ رواها عنه بعد ذلك، وزادها في حديثه الذي كان يرويه بدونها، ويحتمل أنه تذكر في وقت أنه سمعها من النبي ﷺ ، فرواها ونسيها في وقت فتركها. قال: والحاصل أن أبا هريرة ليس منفردا بهذه الزيادة، بل وافقه جماعة من الصحابة في روايتها عن النبي ﷺ ، ولو انفرد بها لكانت مقبولة مرضية مكرمة١، ا. هـ من شرح مسلم في باب الأمر بقتل الكلاب، وبيان نسخة وبيان تحريم اقتنائها، إلا لصيد أو زرع، أو ماشية ونحو ذلك من كتاب المساقاة والمزارعة.

стр. 316

الدور الخامس: السنة في القرن الثالث المبحث الأول: النزاع بين المتكلمين وأهل الحديث وأثر ذلك في الحديث ... الدور الخامس: السنة في القرن الثالث ويشتمل هذا الدور على أربعة مباحث: المبحث الأول: النزاع بين المتكلمين، والمحدثين، وأثر ذلك في الحديث. المبحث الثاني: نشاط أهل الأهواء وغيرهم في وضع الأحاديث. المبحث الثالث: تراج لبعض أعلام المحدثين في هذا العصر. المبحث الرابع: نهضة علماء الحديث بتدوين السنة. المبحث الأول: النزاع بين المتكلمين، وأهل الحديث وأثر ذلك في الحديث كان أول ما نشأ الخلاف بين أهل الحديث، وأصحاب الكلام الذين حكموا عقولهم في أصول الدين، وعقائده بمدينة البصرة عندما اعتزل واصل بن عطاء المتوفى سنة ١٣١، أستاذه الحسن البصري، وأخذ يقرر أصولا ليست على مذهب الحسن وغيره من السلف، ومن هذا الوقت سمي أتباع واصل بالمعتزلة، وقد ظهر من رءوس الاعتزال -بعد واصل هذا- عمرو بن عبيد "١٤٣"، ثم أبو الهذيل العلاف "٢٣٥" والنظام "٢٢١"، وبشر المريسي "٢١٨"، وعمرو بن بحر الجاحظ "٢٢٥"، وثمامة بن الأشرس، وغيرهم من أصحاب الآراء والأقوال. كان أهل الكلام يخوضون في مسائل كثيرة من أصول الدين، التي خالفوا فيها الجمهور، وأهم تلك المسائل مسألتان:

стр. 317

إحداهما: أفعال العباد يقول المعتزلة: أن أفعال العباد مخلوقة لهم لا لله تعالى، ولهذا استحقوا عليها الثواب والعقاب، ويقول الجمهور: أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وليس للعباد فيها سوى جريانها على أيديهم بكسبهم واختيارهم. والثانية: صفات الله تعالى يقوله المعتزلة: إن الله تعالى منزه عن ثبوت صفات قائمة بذاته، كالسمع والبصر والحياة والقدرة والكلام. أداهم إلى ذلك خوف تعدد القدماء. ويقول الجمهور: إن هذه الصفات من السمع، والبصر ... إلخ قديمة قائمة بذاته تعالى ليست عين الذات ولا غيرها. وقد تفرع على هذا الخلاف في مسألة الصفات خلاف آخر في القرآن، الذي هو كلام الله تعالى أقديم هو؛ لأنه صفة لله جل علاه -وعليه الجمهور- أم حادث مخلوق ككل المخلوقات، فيخلق الله هذه الحروف والأصوات في جسم محدث، يسمعه النبي منه -وإلى ذلك ذهب المعتزلة- وكانوا يحكمون سلطان العقل، ويغلبونه في كثير من أبحاثهم في العقائد، والأحكام حتى أكسبهم ذلك جرأة على الأحاديث، إذا ما صادمت عقائدهم، فكان من السهل عليهم ردها إن لم يجدوا لها تأويلا، ولو كان بعيدا كل البعد، إلا أنه لم يتح للمتكلمين إظهار آرائهم في العامة قبل القرن الثالث، بل كانوا يخشون سلطا العامة أن تبطش بهم كما لم يكن أحد من الخلفاء يناصرهم لمخالفتهم الجمهور الأعظم من المسلمين، فلما جاء القرن الثالث، وقبض على زمام الخلافة المأمون "١٩٨-٢١٨"، وكان ميالا إلى حرية البحث، والمناظرة أفسح المجال أمام المتكلمين، فظهروا بآرائهم ومن ذلك الموت حديث أحداث عظيمة، وقامت معركة هائلة بينهم وبين المحدثين. كان المأمون بطبعه ميالا إلى العلم شغوفا به، عالما بالكتاب والسنة

стр. 318

مع نباهة وذكاء عظيمين. سمع المأمون موطأ مالك واطلع على كثير من أقوال حكماء الفرس، وفلاسفة اليونان مما عني بترجمته المنصور والرشيد، ولما تولى الخلافة أمر بترجمة كثير من كتب الروم، وبذلك في ذلك الأموال الطائل، حتى أصبح عصره أزهى عصور العلم في خلافة بني العباس، إذ أقبلت الأمة على العلم بنهم كثير وشوق عظيم لا سيما، وقد وجدوا خليفتم يقدر العلم، ويرفع من شأن العلماء. جاء المأمون فوجد العلماء فريقين متنافرين، ووجد الخلاف على أشده بين أهل الحديث، وأصحاب الكلام، فرأى أن يجمع العلماء من المتكلمين والفقهاء، وأصحاب الحديث، ويعقد لهم مجالس للمناظرة أملا في أن يتفقوا على رأي فيما يلقيه عليهم منالمسائل المختلف فيها، ثم يحمل الجميع على ما اتفقوا عليه، وبذلك تجتمع الأمة كلها على كلمة واحدة في الدين لا سيما فيما يرجع إلى العقائد، ومباحث الإمامة. عقد المأمون المجالس للمناظرة، والمحاورة فكانت النتيجة أن كشفت المناظرات الكثيرة، والمناقشات الحادة التي كانت تدور بين يدي المأمون عن رأيه في بعض المسائل الخلافية، وأنه كان ينحاز إلى المعتزلة في بعض آرائهم لا كلها. وكان مما وافقهم عليه القول بخلق١ القرآن. وقد أعلن رأيه بذلك سنة ٢١٢هـ على زعم أنه إذا أعلن رأيه للعلماء وفقهاء الأمة، فإنهم يستجيبون لرأيه، ويرتضونه تبعا له. ولكن الأمر جاء على عكس ما كان ينتظره المأمون. قد تكلم الناس فيه ورموه بالابتداع، وتغالى بعضهم فحكم بكفر من يرى خلق القرآن، ومن هذا الحين أخذ الكلام بين المتكلمين، وأهل الحديث يقوى، والنزاع يشتد حتى جاء

стр. 319

عام "٢١٨"، فرأى المأمون أنه إن لم يضرب على أيدي خصومه، فسينكشف أمره ويظهر أمام رعيته بمظهر التخاذل، فاستعمل سلطانه في رد أهل الحديث إلى رأيه. محنة القول بخلق القرآن: لما أخفق سعى المأمون في القضاء على الخلاف من طريق سلمي، قوامه المناظرة لإحقاق الحق أراد أن يرغم المحدثين، والفقهاء على قبول رأيه بخلق القرآن لا سيما بعد أن طعنوا فيه بالابتداع، فاستنفدت هذه المسألة جانبا كبيرًا من تفكيره ووقته حتى في أيام غزواته وحروبه مع الروم. ففي عام "٢١٨" بينما كان المأمون يغزو بلاد الروم، كتب إلى عامله على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي كتابا يقول فيه فيه "وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية، وسفلة العامة ممن لا نظر لهم، ولا روية، ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه. أهل جهالة بالله وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه وقصور أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه. وذلك أنهم ساووا بين الله وبين خلقه، وبين ما أنزل من القرآن، فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله ويخترعه. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ، وكل ما جعله الله فقد خلقه كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ، وقال: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ ، فأخبر أنه قص لأمور أحدثه بعدها وقال: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَت﴾ ، والله محكم كتابه ومفصله، فهو خالقه ومبتدعة، ثم انتسبوا إلى السنة وأنهم أهل الحق والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر، فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب في التخشع لغير الله إلى موافقتهم فنزعوا الحق

стр. 320

إلى باطلهم واتخذوا دين الله وليجة إلى ضلالهم -ثم أخذ يصفهم بأنهم شر الأمة وإخوان إبليس- ثم قال لعامله فاجمع من بحضرتك من القضاة، فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فيما يقولون، واكشفهم عا يعتقدون في خلقه وأحداثه، وأعلمهم أني غير مستعين في عملي ولا أوثق من لا يوثق بدينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود، ومسألتهم عن علمهم في القرآن وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق، واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك، ثم وردت من المأمون عدة كتب إلى عامله يأمره فيها بامتحان أهل الحديث في مسألة خلق القرآن، وفي بعضها يقول له: "فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية"، كما أمر عامله بقتل من لم يقل بخلق القرآن، ولم يكتف المأمون بذلك، بل أنفذ وصيته إلى أخيه المعتصم بالسير على طريقته في مسألة خلق القرآن، ومع أن المعتصم لم يكن على جانب عظيم في العلم، كما كان المأمون إلا أن رغبته في تنفيذ وصية أخيه، واستعداء المعتزلة له على أهل السنة جعله يشتد في المحنة، فكتب إلى البلاد بامتحان الناس في مسألة القرآن، وأمر المعلمين أن يعلموا الصبيان أن القرآن مخلوق، وقتل في ذلك خلقا من العلماء، وأهان كثيرا من أهل الحديث لا سيما الإمام أحمد بن حنبل، الذي أصر على امتناعه من القول بخلق القرآن، واستمرت المحنة إلى أن مات المعتصم سنة ٢٢٧، ولما تولى ابنه الواثق الخلافة أحيا الفتنة، وأقام سوق المحنة. وفي سنة ٢٣١ أصدر أمره إلى أمير البصرة بامتحان الأئمة، والمؤذنين بخلق القرآن. وأظهر الغلظة لمن يقول بخلاف رأيه بل قتل في ذلك بعض أهل الحديث.
следующие страницы →