← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8656

الحديث والمحدثون

محمد محمد أبو زهو

Полный текст (513 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الدور الخامس: السنة في القرن الثالث المبحث الأول: النزاع بين المتكلمين وأهل الحديث وأثر ذلك في الحديث ... الدور الخامس: السنة في القرن الثالث ويشتمل هذا الدور على أربعة مباحث: المبحث الأول: النزاع بين المتكلمين، والمحدثين، وأثر ذلك في الحديث. المبحث الثاني: نشاط أهل الأهواء وغيرهم في وضع الأحاديث. المبحث الثالث: تراج لبعض أعلام المحدثين في هذا العصر. المبحث الرابع: نهضة علماء الحديث بتدوين السنة. المبحث الأول: النزاع بين المتكلمين، وأهل الحديث وأثر ذلك في الحديث كان أول ما نشأ الخلاف بين أهل الحديث، وأصحاب الكلام الذين حكموا عقولهم في أصول الدين، وعقائده بمدينة البصرة عندما اعتزل واصل بن عطاء المتوفى سنة ١٣١، أستاذه الحسن البصري، وأخذ يقرر أصولا ليست على مذهب الحسن وغيره من السلف، ومن هذا الوقت سمي أتباع واصل بالمعتزلة، وقد ظهر من رءوس الاعتزال -بعد واصل هذا- عمرو بن عبيد "١٤٣"، ثم أبو الهذيل العلاف "٢٣٥" والنظام "٢٢١"، وبشر المريسي "٢١٨"، وعمرو بن بحر الجاحظ "٢٢٥"، وثمامة بن الأشرس، وغيرهم من أصحاب الآراء والأقوال. كان أهل الكلام يخوضون في مسائل كثيرة من أصول الدين، التي خالفوا فيها الجمهور، وأهم تلك المسائل مسألتان:

стр. 317

إحداهما: أفعال العباد يقول المعتزلة: أن أفعال العباد مخلوقة لهم لا لله تعالى، ولهذا استحقوا عليها الثواب والعقاب، ويقول الجمهور: أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وليس للعباد فيها سوى جريانها على أيديهم بكسبهم واختيارهم. والثانية: صفات الله تعالى يقوله المعتزلة: إن الله تعالى منزه عن ثبوت صفات قائمة بذاته، كالسمع والبصر والحياة والقدرة والكلام. أداهم إلى ذلك خوف تعدد القدماء. ويقول الجمهور: إن هذه الصفات من السمع، والبصر ... إلخ قديمة قائمة بذاته تعالى ليست عين الذات ولا غيرها. وقد تفرع على هذا الخلاف في مسألة الصفات خلاف آخر في القرآن، الذي هو كلام الله تعالى أقديم هو؛ لأنه صفة لله جل علاه -وعليه الجمهور- أم حادث مخلوق ككل المخلوقات، فيخلق الله هذه الحروف والأصوات في جسم محدث، يسمعه النبي منه -وإلى ذلك ذهب المعتزلة- وكانوا يحكمون سلطان العقل، ويغلبونه في كثير من أبحاثهم في العقائد، والأحكام حتى أكسبهم ذلك جرأة على الأحاديث، إذا ما صادمت عقائدهم، فكان من السهل عليهم ردها إن لم يجدوا لها تأويلا، ولو كان بعيدا كل البعد، إلا أنه لم يتح للمتكلمين إظهار آرائهم في العامة قبل القرن الثالث، بل كانوا يخشون سلطا العامة أن تبطش بهم كما لم يكن أحد من الخلفاء يناصرهم لمخالفتهم الجمهور الأعظم من المسلمين، فلما جاء القرن الثالث، وقبض على زمام الخلافة المأمون "١٩٨-٢١٨"، وكان ميالا إلى حرية البحث، والمناظرة أفسح المجال أمام المتكلمين، فظهروا بآرائهم ومن ذلك الموت حديث أحداث عظيمة، وقامت معركة هائلة بينهم وبين المحدثين. كان المأمون بطبعه ميالا إلى العلم شغوفا به، عالما بالكتاب والسنة

стр. 318

مع نباهة وذكاء عظيمين. سمع المأمون موطأ مالك واطلع على كثير من أقوال حكماء الفرس، وفلاسفة اليونان مما عني بترجمته المنصور والرشيد، ولما تولى الخلافة أمر بترجمة كثير من كتب الروم، وبذلك في ذلك الأموال الطائل، حتى أصبح عصره أزهى عصور العلم في خلافة بني العباس، إذ أقبلت الأمة على العلم بنهم كثير وشوق عظيم لا سيما، وقد وجدوا خليفتم يقدر العلم، ويرفع من شأن العلماء. جاء المأمون فوجد العلماء فريقين متنافرين، ووجد الخلاف على أشده بين أهل الحديث، وأصحاب الكلام، فرأى أن يجمع العلماء من المتكلمين والفقهاء، وأصحاب الحديث، ويعقد لهم مجالس للمناظرة أملا في أن يتفقوا على رأي فيما يلقيه عليهم منالمسائل المختلف فيها، ثم يحمل الجميع على ما اتفقوا عليه، وبذلك تجتمع الأمة كلها على كلمة واحدة في الدين لا سيما فيما يرجع إلى العقائد، ومباحث الإمامة. عقد المأمون المجالس للمناظرة، والمحاورة فكانت النتيجة أن كشفت المناظرات الكثيرة، والمناقشات الحادة التي كانت تدور بين يدي المأمون عن رأيه في بعض المسائل الخلافية، وأنه كان ينحاز إلى المعتزلة في بعض آرائهم لا كلها. وكان مما وافقهم عليه القول بخلق١ القرآن. وقد أعلن رأيه بذلك سنة ٢١٢هـ على زعم أنه إذا أعلن رأيه للعلماء وفقهاء الأمة، فإنهم يستجيبون لرأيه، ويرتضونه تبعا له. ولكن الأمر جاء على عكس ما كان ينتظره المأمون. قد تكلم الناس فيه ورموه بالابتداع، وتغالى بعضهم فحكم بكفر من يرى خلق القرآن، ومن هذا الحين أخذ الكلام بين المتكلمين، وأهل الحديث يقوى، والنزاع يشتد حتى جاء

стр. 319

عام "٢١٨"، فرأى المأمون أنه إن لم يضرب على أيدي خصومه، فسينكشف أمره ويظهر أمام رعيته بمظهر التخاذل، فاستعمل سلطانه في رد أهل الحديث إلى رأيه. محنة القول بخلق القرآن: لما أخفق سعى المأمون في القضاء على الخلاف من طريق سلمي، قوامه المناظرة لإحقاق الحق أراد أن يرغم المحدثين، والفقهاء على قبول رأيه بخلق القرآن لا سيما بعد أن طعنوا فيه بالابتداع، فاستنفدت هذه المسألة جانبا كبيرًا من تفكيره ووقته حتى في أيام غزواته وحروبه مع الروم. ففي عام "٢١٨" بينما كان المأمون يغزو بلاد الروم، كتب إلى عامله على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي كتابا يقول فيه فيه "وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية، وسفلة العامة ممن لا نظر لهم، ولا روية، ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه. أهل جهالة بالله وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه وقصور أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه. وذلك أنهم ساووا بين الله وبين خلقه، وبين ما أنزل من القرآن، فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله ويخترعه. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ، وكل ما جعله الله فقد خلقه كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ، وقال: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ ، فأخبر أنه قص لأمور أحدثه بعدها وقال: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَت﴾ ، والله محكم كتابه ومفصله، فهو خالقه ومبتدعة، ثم انتسبوا إلى السنة وأنهم أهل الحق والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر، فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب في التخشع لغير الله إلى موافقتهم فنزعوا الحق

стр. 320

إلى باطلهم واتخذوا دين الله وليجة إلى ضلالهم -ثم أخذ يصفهم بأنهم شر الأمة وإخوان إبليس- ثم قال لعامله فاجمع من بحضرتك من القضاة، فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فيما يقولون، واكشفهم عا يعتقدون في خلقه وأحداثه، وأعلمهم أني غير مستعين في عملي ولا أوثق من لا يوثق بدينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود، ومسألتهم عن علمهم في القرآن وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق، واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك، ثم وردت من المأمون عدة كتب إلى عامله يأمره فيها بامتحان أهل الحديث في مسألة خلق القرآن، وفي بعضها يقول له: "فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية"، كما أمر عامله بقتل من لم يقل بخلق القرآن، ولم يكتف المأمون بذلك، بل أنفذ وصيته إلى أخيه المعتصم بالسير على طريقته في مسألة خلق القرآن، ومع أن المعتصم لم يكن على جانب عظيم في العلم، كما كان المأمون إلا أن رغبته في تنفيذ وصية أخيه، واستعداء المعتزلة له على أهل السنة جعله يشتد في المحنة، فكتب إلى البلاد بامتحان الناس في مسألة القرآن، وأمر المعلمين أن يعلموا الصبيان أن القرآن مخلوق، وقتل في ذلك خلقا من العلماء، وأهان كثيرا من أهل الحديث لا سيما الإمام أحمد بن حنبل، الذي أصر على امتناعه من القول بخلق القرآن، واستمرت المحنة إلى أن مات المعتصم سنة ٢٢٧، ولما تولى ابنه الواثق الخلافة أحيا الفتنة، وأقام سوق المحنة. وفي سنة ٢٣١ أصدر أمره إلى أمير البصرة بامتحان الأئمة، والمؤذنين بخلق القرآن. وأظهر الغلظة لمن يقول بخلاف رأيه بل قتل في ذلك بعض أهل الحديث.

стр. 321

رجوع الواثق عن المحنة: اشتد الواثق في مسألة خلق القرآن كثيرا، وساعده على ذلك وزيره أحمد بن أبي دؤاد، وكان من رءوس الاعتزال حتى إن أحمد هذا كان يقول: "من قال من الأسارى القرآن مخلوق خلصوه، وأعطوه دينارين ومن امتنع دعوه في الأسر"، قال الخطيب: كان أحمد بن أبي دؤاد قد استولى على الواثق، وحمله على التشدد في المحنة، ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن، واستمر على ذلك حتى مل الواثق المحنة وسئمتها نفسه، فرجع عنها في آخر عمره. هذا أبو عبد الرحمن بن محمد الأذرمي، شيخ أبي داود والنسائي يحمل مكبلا بالحديد من بلاده إلى الواثق، فسأله ابن أبي دؤاد في مجلس الواثق عن قوله في القرآن، فقال له الشيخ: هذا الذي تقوله يا ابن أبي دؤاد من خلق القرآن شيء علمه رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر وعثمان وعلي ﵃، أو جهلوه فقال: بل علموه. قال: فهل دعوا الناس إليه كما دعوتهم أنت أو سكتوا فقال: بل سكتوا. قال: فهلا وسعك ما وسعهم من السكوت، فبهتوا وضحك الواثق، وقام قابضا على فمه وهو يقول: هلا وسعك ما وسعهم ويكررها. ثم أمر أن يعطى الرجل ثلثمائة دينار، ويرد إلى بلده ولم يمتحن أحدا بعدها، وسخط على ابن أبي دؤاد من يومئذ. المتوكل يأمر برفع المحنة، وينتصر لأهل الحديث: ولما ولي المتوكل على الله بن المعتصم الخلافة بعد الخلافة بعد أخيه الواثق سنة "٢٣٢"، أظهر ميلا عظيما إلى السنة، فرفع المحنة وكتب بذلك إلى الآفاق واستقدم المحدثين إلى "سامرا"، وأجزل عطاياهم وأكرمهم، وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤيا. وجلس أبو بكر بن شيبة في جامع

стр. 322

الرصافة، فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس، وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور، فاجتمع إليه أيضا نحو من ثلاثين ألف نفس، وتوفر دعاء الخلق للمتوكل وبالغوا في الثناء عليه، وتعظيمه حتى قيل: الخلفاء ثلاثة، أبو بكر الصديق في قت أهل الردة، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم، والمتوكل في إحياء السنة، وإماتة التجهم١. انتقاص أهل الكلام لأهل الحديث: هذا، ولم يقف المعتزلة عند هذا الحد من إغراء الخلفاء بأهل الحديث، بل أطلقوا ألسنتهم بالسوء، وأخذوا يقبحون أهل الحديث، ويعيبون عليهم طريقتهم، ويحطون من قدرهم، ويرمونهم بالعي والفهاهة، وكل نقيصة. انظر إلى ابن قتيبة أحد علماء القرن الثالث، كيف يصور لنا ما كانوا يرمون به أهل الحديث من شناعات. قال ﵀ في مقدمة كتابه: "تاويل مختلف الحديث"، الذي ألفه في الرد على أعداء الحديث: "أما بعد أسعدك الله تعالى بطاعته وحاطك بكلاءته ووفقك للحق برحمته، وجعلك من أهله فإنك كتبت إلي تعلمني ما وقفت عليه من ثلب أهل الكلام أهل الحديث، وامتهانهم وإسهابهم في الكتب بذمهم، ورميهم بحمل الكذب، ورواية المتناقض حتى وقع الخلاف، وكثرت النحل وتقطعت العصم، وتعادى المسلمون وأكفر بعضهم بعضا، وتعلق كل فريق منهم لمذهبه بجنس من الحديث. فالخوارج تحتج بروايتهم: "ضعوا سيوفكم على عواتقكم، ثم أبيدوا خضراءهم"، "ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم"، "ومن قتل دون ماله فهو شهيد"، والقاعد

стр. 323

يحتج بروايتهم، "عليكم بالجماعة فإن يد الله عليها"، "ومن خالف الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" و "اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي مجدع الأطراف"، "وصلوا خلف كل بر وفاجر"، "لا بد من إمام بر أو فاجر"، "وكن حلس بيتك فإن دخل عليك، فادخل مخدعك فإن دخل عليك فقل بئر بإثمي وإثمك"، و "كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل"، وقد أفاض الإمام ابن قتيبة في نقل كثير من ذلك عنهم ثم قال: هذا مع روايات كثيرة في الأحكام اختلف لها الفقهاء في الفتيا، حتى اختلف الحجازيون، والعراقيون في أكثر أبواب الفقه، وكل يبنى على أصل من روايتهم ومع روايتهم كل سخافة تبعث على الإسلام الطاعنين، وتضحك منه الملحدين وتزهد في الدخول فيه المرتادين، وتزيد في شكوك المرتابين. كروايتهم في عجيزة الحوراء أنها ميل في ميل. ويمن قرأ سورة كذا ومن فعل كذا أسكن من الجنة سبعين ألف قصر في كل قصر سبعون ألف مقصورة في كل مقصورة سبعون ألف مهاد، على كل مهاد سبعون ألف كذا. وكروايتهم في الفأرة أنها يهودية، وأنها لا تشرب ألبان الإبل كما أن اليهود لا تشربها، قالوا: ومن عجيب شأنهم أنهم ينسبون الشيخ إلى الكذب، ولا يكتبون عنه ما يوافقه عليه المحدثون بقدح يحيى بن معين، وعلي بن المديني وأشباههما ويحتجون بحديث أبي هريرة فيما لا يوافقه عليه أحد من الصحابة، وقد أكذبه عمر وعثمان، وعائشة وقالوا: لا ندع كتاب ربنا، وسنة نبينا لقول امرأة، ويبهرجون الرجل بالقدر، ولا يحملون عنه كغيلان، وعمرو بن عبيد ومعبد الجهني وعمرو بن فائد، ويحملون عن أمثالهم من أهل مقالتهم كقتادة، وابن أبي عروبة وابن أبي نجيح، ومحمد بن المنكدر وابن

стр. 324

أبي ذئب، ويقدحون في الشيخ يسوى بين علي وعثمان، أو يقدم عليا عليه ويروون عن أبي الطفيل عامل بن واثلة صاحب راية المختار، وعن جابر الجعفي وكلاهما يقول بالرجعة. قالوا: وهم مع هذا أجهل الناس بما يحملون، وأبخس الناس حظا فيما يطلبون، وقالوا في ذلك: زوامل للأشعار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأحماله أو راح ما في الغرائز قد قنعوا من العلم برسمه، ومن الحديث باسمه ورضوا بأن يقولوا: فلان عارف بالطرق وراوية للحديث وزهدوا في أن يقال: عالم بما كتب أو عامل بما علم. قالوا: وما ظنكم برجل منهم يحمل عنه العلم، وتضرب إليه أعناق المطي خمسين سنة أو نحوها. سئل في ملأ من الناس عن فأرة، وقعت في بئرة فقال: "البئر جبار"، وآخر سئل عن قوله تعالى: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِر﴾ ، قال: "هو هذا الصرصر"، يعني صراصر الليل. وآخر حدثهم "عن سبعة وسبعين"، ويريد "شعبة وسفين". ا. هـ. ثم أخذ ابن قتيبة يذكر رءوس المعتزلة واحدا واحدا، ويفند ما ألصقوه بأهل الحديث من الكذب والمحال، ومن عجب أن المستشرقين وأعداء الإسلام من الملحدين ينقلون هذه الطعون، ولا ينقلون جواب الإمام ابن قتيبة عنها وصدق القائل: وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا كان أهل الحديث على طريقة السلف من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم يحتاطون لأمر الدين، ويتثبتون في رواية السنة، ويقفون مع ظواهر النصوص، ولا يفتحون على العامة باب التأويل، حتى لا يفتتنوا بما لا تهضمه عقولهم، ولا تستسيغه أفهامهم، ووجد منهم في هذا العصر أئمة كبار

стр. 325

وحفاظ عظام عرفوا الأحاديث، وميزوا بين المزيف منها والصحيح، ونقدوا الرواة ووقفوا على أحوالهم أمثال الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه وغيرهم. ألا إنه وجد قوم انتسبوا إلى أهل الحديث، كانوا وصمة عار في جبين الحديث والمحدثين منهم القصاص المخرفون، والمرتزقة الذين يتكسبون بالحديث، والجهلة بأحكام الشرع وأوليات الفقه. فالقصاص كانوا يبثون الغرائب والمناكير، التي تبعث على الإسلام المطاعن، والجهلة المتفيهقون كانوا كالحمار يحمل أسفارا "إذا سئل أحدهم عن حكم شرعي تخبط في جهله، وتعثر في غيه وقد يكون إماما في أتباعه، فيفتي بكل منكر في الشرع. وكان لهم أفهام في الحديث تضحك الثكلى، وتبعث في نفس المؤمن الحزن والأسى، فمن ذلك أن أحدهم كان يصلي الوتر بعد الاستنجاء من غير أحداث وضوء، ويستدل على هذا العمل بقوله ﷺ : "من استجمر فليوتر"، والمقصود من الحديث إيتار الجمار عند الاستنقاء، لا صلاة الوتر بعد نقض الوضوء مباشرة من غير توضؤ، وسئل كبير منهم في مجلس تحديثه عن دجاجة، وقعت في بئر فقال للسائل: ألا غطيتها حتى لايقع فيها شيء، فأسرع بعض المتفقهة بالإجابة سترا لجهل الشيخ، وسئل أحدهم عن مسألة في الفرائض، فكتب في الفتوى. تقسم على فرائض الله . وسئل أحدهم عن الحالف بصدقة إزاره فقال: بكم اشتريته فقال: باثنين وعشرين درهما، فقال: اذهب وصم اثنين وعشرين يوما. وفهم بعضهم من حديث، "نهي أن يسقي الرجل ماءه زرع غيره"، المنع من سقي بساتين الجيران مع أن المراد وطء الحبالى من السبايا١. إلى غير ذلك من سخافاتهم.

стр. 326

وقد ضاق ذرعا بأمثال هؤلاء الجهال كثير من أعلام المحدثين، فشعبة يقول فيهم: "كنت إذا رأيت رجلا من أهل الحديث، يجيء أفرح به فصرت اليوم ليس شيء أبغض إلي من أن أرى واحدا منهم"، ويقول ابن عيينة: "أنتم سخنة عين لو أدركنا وإياكم عمر بن الخطاب لأوجعنا ضربا". ويقول عمرو بن الحارث -شيخ الليث- في أمثال هؤلاء: "ما رأيت علما أشرف وأهلا أسخف من أهل الحديث". وقال محمد بن سهل بن عسكر: وقف المأمون يوما للأذن، ونحن وقوف بين يديه إذ تقدم إليه غريب يده محبرة. فقال: يا أمير المؤمنين صاحب حديث منقطع به، فقال له المأمون: أيش تحفظ في باب كذا فلم يذكر فيه شيئا، فما زال المأمون يقول: حدثنا هشيم وحدثنا الحجاج بن محمد، وحدثنا فلان حتى ذكر الباب، ثم سأله عن باب ثان فلم يذكر فيه شيئا، فذكره المأمون ثم نظر إلى أصحابه فقال: "يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام ثم يقول: "أنا من أصحاب الحديث"، أعطوه ثلاثة دراهم"، وإذا علمت أن هذه المثالب والطعون موجهة إلى قوم من المتكسبين بالحديث الأدعياء في الرواية، علمت أن أعداء الإسلام في كل عصر ليسوا على حق في توجيه هذه الطعون إلى الأئمة الأعلام، والحفاظ العظام الذين كشفوا عن الدخيل، وميزوا الحق من الباطل، وجاهدوا في سبيل السنة وصونها حتى أبلوا في ذلك أحسن البلاء مما قرأته عنهم، وما ستقرؤه إن شاء الله. هذا ما يقال في أهل الحديث، أما أهل الكلام فإننا نجدهم يرتفعون بالعقل، ويذهبون بسلطانه إلى أقصى حدوده حى ساقهم ذلك إلى التطرف في تأويل النصوص بما يمجه الذوق السليم، ويدفعه الطبع المستقيم كل ذلك محافظة على ما اعتقدوه من الآراء.

стр. 327

أخذ المعتزلة في هذا العصر في بحث كتب الفلسفة اليونانية وغيرها، وتشبعوا من علوم الحكمة، فحكموا آراءهم في الدين، وطبقوا ما فهموه من هذه الدراسات على الكتاب والسنة، وانفتح عليهم باب التأويل والطعن في الأخبار، حتى لم يسلم منهم بعض الصحابة ﵃، وليتهم وقفوا عند هذا الحد، ولكنهم أرادوا العامة على سلوك طريقتهم، واعتقاد آرائهم واستعدوا عليهم الخلفاء، كما رأيت والعامة كما ترى لا تهضم هذه الفلسفات، ولا تفهم الكم والأين وغيرهما من المقولات، قد كان يكفيهم مناظرة علماء الجمهور من أئمة الحديث والفقه في مجالس المأمون، وغيرها ليظهروا سلطان العقل، ويقيموا البراهين الساطعة على خصومهم، ثم بعد ذلك يقولون لهم معا على الرسول إلا البلاغ، ولا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي. ولكن المعتزلة انتهزوا قربهم من الخلفاء، وأخذهم بزمام الوزارة والقضاء، فانتقموا من أهل الحديث ومن جمهور الأمة ما أمكنهم الانتقام، ولم يبالوا بسفك الدماء الطاهرة البريئة، ومن عجيب أمرهم أنهم يختلفون على أنفسهم في مسائل الدين اختلافا عظيما، لكن لم يصلوا في خصومتهم إلى عشر معشار ما فعلوه مع أهل الحديث. هذا أحمد بن أبي دؤاد يحكم بكفر من لم يقل بخلق القرآن، ثم يستعمل سلطة الوزارة، فيأمر بفداء الأسرى من قال منهم بخلق القرآن، أما من لم يقل بذلك فإنه يترك أسيرا في أيدي الكفار؛ لأنه في نظره غير مسلم فلا يستحق الفداء. أفما كان الأجدر بهم -لو كانوا يريدون الخير للإسلام وأهله- أن يتحدوا مع أهل الحديث، ويكون الجميع جبهة في الدفاع عن الدين

стр. 328

ومحاربة الوضاعين من زنادقة وقاصين. أما المسائل التي كانوا على خلاف فيها، فإما أن يكون الجدال فيها بالتي هي أحسن من غير أن تراق الدماء، أو تستعمل وسائل الإرهاب، وأما أن يسلكوا فيها مسلك السلف الصالح، وهو الإمساك عنها وعدم الخوض فيها. هذا مالك إمام دار الهجرة يسأل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، فيقول: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وهذا أبو حنيفة ينهى أصحابه، ويحذرهم من التكلم في القرآن أمخلوق هو أم غير مخلوق. وهذا بطل المحنة الإمام أحمد بن حنبل، يمسك عن الخوض في مسألة خلق القرآن، وكل ذلك منهم كان محافظة على عقيدة العامة، واتباعا لسنة الرسول ﷺ ، والسلف الصالح من بعده. أما أنهم لو سلكوا أحد الطريقين لكان خيرا وأولى، ولكن قدر فكان. من هذا البيان ترى أن المتكلمين والمحدثين، كانوا في هذا العصر بل وقبل هذا العصر على طرفي نقيض. لقد حط من شأن المحدثين في نظر المتكلمين، وجود أدعياء الرواية وجهلة الشيوخ، وكذبة القصاص بينهم فرموهم بالجهل، وبكل نقيصة، ووضع من شأن المعتزلة في نظر أهل الحديث اعتناقهم لآراء الفلاسفة وخروجهم عن النصوص، وردهم للأحاديث الصحيحة، وطعنهم في الصحابة حيث فسقوهم وبدعوهم، ولم يقبلوا الحديث من طريقهم. فلما جاء المأمون وكان متضلعا من العلوم العقلية، والنقلية رأى أن يقضي على الخلاف بين الفريقين ويوحد كلمة الأمة في العقائد، ويوجه جهودها إلى محاربة الخارجين عن الشرع الشريف من أهل الزيغ والضلال، فعقد مجالس المناظرة لذلك، فكان من ورائها

стр. 329

اتساع هوة الخلاف ورميه بالكفر والضلال، فرأى أن يأخذ أهل الحديث بالشدة لما وقر في صدره أن القرآن المكتوب في المصاحب، لا ينبغي أن يرتاب في حدوثه، ولكنا نأخذ عليه أنه اشتط كثيرا في مسلكه بإراقة الدماء البريئة واستعمال وسائل الإرهاب والعنف. ولقد كان يكفيه -إذا فاته ما كان يقصد من القضاء على الخلاف- أن يحظر الرواية، والفتوى على القصاص، والزنادقة والجهلة من أدعياء الحديث، ويأذن بذلك لأئمة الحديث والفقه، ثم يترك العلماء بعد ذلك أحرارا فيما يذهبون، وأن يسعه ما وسع سلف الأمة الصالح من الإمساك عن الغوص في مثل هذه الأمور، التي لا يترتب عليها فائدة عملية للمسلمين. وكذلك نأخذ على المعتزلة أنهم لم يكونوا على شيء من النبل في الخصومة، فإنهم أخذوا المحق بذنب المبطل، وسووا بين الأشراف والسفلة، والعلماء والجهلة، وسلوا سيف البغي على أئمة الدين، ورواة الحديث من غير أن تأخذهم في أحد رحمة. لذلك قابلهم جمهور المسلمين بما يجب أن يقابلوا به بعد أن رفعت المحنة، وزالت الشدة، فلم تقم لهم قائمة من ذلك الوقت إلى اليوم. أما موقف المحدثين في هذه المحنة، فقد كان سليما ومحمودا ذلك أنهم أمسكوا عن الخوض في أمور ضررها أكبر من نفعها، فكانوا بذلك على طريقة السلف الصالح، أغلقوا بموقفهم من الخلفاء والمعتزلة أبوابا من الشر لا نهاية لها ولو أنهم استكانوا، وقالوا بخلق القرآن لكان ذلك ذريعة لاستدراجهم إلى عقائد المعتزلة شيئا فشيئا، وفي ذلك من الخطر ما فيه، فجزاهم الله عن الدين وأهله أحسن الجزاء. هذا وقد يقول قائل: إن مسألة خلق القرآن من أوضح المسائل

стр. 330

فهذه الألفاظ التي نقرؤها بألسنتنا كل يوم في الصلاة وغيرها، ونكتبها بأقلامنا في المصاحب وغيرها، لا يشك أحد في أنها مخلوقة. فكيف يقف المحدثون هذا الموقف الذي جر عليهم كل هذه النكبات، وهل يدخل في عقل إنسان أن هذه الألفاظ القرآنية قديمة وليست بمخلوقة. ونقول: إنه لم يخف على كبار أئمة الحديث أمثال الإمام أحمد بن حنبل حقيقة الحال، ولكنهم آثروا الإمساك عن النطق بذلك محافظة على عقيدة العامة، فالقرآن كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته قديمة، والعامي لا يميز بين كلام الله الذي هو الصفة القديمة، وبين كلام الله المنزل الذي هو ألفاظ مكتوبة مقروءة، وحادثة مخلوقة فإذا قيل: إن القرآن مخلوق، وهو كلام الله التبس الأمر على العامة بين الحادث، والقديم لذلك لما طلب إلى الإمام أحمد أن يقول بخلق القرآن تقية. قال: "إذا أجاب العالم تقية والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق"، وهذا أبو يعقوب البويطي يعرض عليه والي مصر أن يقول فيما بينه وبينه أن القرآن مخلوق، ويطلقه فيقول: "إنه يقتدي بي مائة ألف ولا يدرون المعنى"، ويفضل أن يؤتى به إلى بغداد ويموت في السجن. من هنا نأخذ أن موقف المحدثين كان موقفا سليما، فقد أحاطوا عقيدة العامة حتى لا تزل بهم الأهواء، وحافظوا على قدسية القرآن في نفوسهم، وهم في ذلك سالكون منهج السلف الصالح، الذين وسعهم السكوت عن الخوض في مثل هذه المسائل، بل نهوا الناس عن الدخول فيما لا يعنيهم، والتكلم بما يعلو على أفهامهم. النتائج التي عادت على الحديث، وأهله من وراء هذا النزاع: كان لهذا النزاع الشديد، وذلك الصراع العنيف أثره البالغ في الحديث والمحدثين، وإليك بعض هذه الآثار:

стр. 331

١- كانت محنة القول بخلق القرآن خافضة رافعة، رفعت رجال الحديث إلى السماكين، وخفضت المعتزلة إلى الحضيض، ومن هذا الحين عظم احترام العامة لأهل السنة، وأحبوهم أكثر من ذي قبل وحمدوا لهم سيرتهم. ٢- كان لموقف المحدثين أثر بالغ في المحافظة على عقيدة العامة من أن تعصف بها بدع أهل الأهواء، وتتجاذبها أعاصير الأباطيل، وشكوك المموهين. ٣- كان للقول بخلق القرآن أثر كبير في جرح الرواة، أو عدالتهم فالمأمون كان يرد رواية من لم يقل بخلق القرآن، ويحكم بفسق الشهود والقضاة إن لم يقروا بذلك، وكذلك فعل المحدثون ففسقوا من يقول بخلق القرآن وبالغ آخرون فردوا رواية من يثير الكلام في هذه المسألة، وأظن أن هذا كان سدا للذريعة فقط، حتى يتناسى القوم المسألة وتمحى من الأذهان، فلا يقع المسلمون فيها مرة أخرى. وكادت شظايا هذه الفتنة تصيب الإمام البخاري، فإنه لما قدم نيسابور وسألوه عن اللفظ، فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأعمالنا مخلوقة. فلما سمع بذلك الإمام الذهلي قال: "القرآن كلام الله غير مخلوق ومن زعم، "لفظي بالقرآن مخلوق"، فهو مبتدع لا يجلس إلينا، ولا نكلم من يذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل"، فانقطع الناس عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج، وأحمد بن سلمة١. ٤- كان لهذه المعركة أثر سيئ في وضع الحديث، فقد انتهز الزنادقة ومن لا دين له هذا النزاع فوضعوا الأحاديث فيه، واختلقوها زورا

стр. 332

وبهتانا على رسول الله ﷺ . فرووا عن أبي الزبير أن رسول الله ﷺ ، قال: "من قال القرآن مخلوق فقد كفر"، ورووا عن أنس مرفوعا، "كل ما في السموات والأرض، وما بينهما مخلوق غير الله والقرآن وذلك أنه كلامه منه بدأ، وإليه يعود وسيجيء أقوام من أمتي يقولون: القرآن مخلوق فمن قاله منهم فقد كفر بالله العظيم، وطلقت امرأته من ساعته؛ لأنه لا ينبغي للمؤمنة أن تكون تحت كافر، إلا أن تكون سبقته بالقول"، وغير ذلك كثير في اللآلئ المصنوعة للسيوطي وكشف الخفاء. ٥- كان من النتائج السيئة لهذه الفتنة أن أهل الأهواء أطلقوا ألسنتهم حدادا في ذم أهل الحديث، فطعنوا على أصحاب رسول الله ﷺ ، وأزروا على المحدثين، ورموهم بالجهل الفاضح، وألصقوا بهم صفت المرتزقة من دعاة العلم وأدعياء الحديث وألفوا الكتب في ذلك حتى جاء المستشرقون في عصور الضعف العلمي والسياسي للمسلمين، فوجدوا ثروة طائلة من هذه السخافات، والمثالب وصوروا الإسلام في صورة الخرافات، وطعنوا بدورهم في أئمة المسلمين، وقد اغتربهم الجهلة في عصرنا الحاضر، ونسجوا على منوال أساتذتهم ورموا علماء المسلمين في كل عصر بكل نقيصة وبهتان، والله يشهد إنهم لكاذبون.

стр. 333

المبحث الثاني: نشاط أهل الأهواء في وضع الأحاديث حدثناك أيها القارئ عن جهود علماء الإسلام في القرن الأول والثاني تجاه الوضاعين، وأنهم أخذوا عليهم كل مسلك، وقعدوا لهم كل مرصد ميزوا بين الدخيل، والأصيل من حديث رسول الله ﷺ ووزنوا الرواة بميزان الجرح والتعديل، وفحصوا عن مروياتهم وأسانيدهم، وعلى الرغم من هذه الجهود العظيمة فإنه ماكاد يطل هذا القرن الثالث حتى كثر الوضع في الحديث بشكل مزعج فهؤلاء الزنادقة يبثون سمومهم لإفساد عقائد المسلمين، وهؤلاء الشعوبيون يضعون الحديث في فضل الفرس، وتفضيلهم على العرب، ومن ورائهم القصاص يستولون على قلوب العامة بالمناكير. ونحن نذكر لك شيئا من أعمال هذه الطوائف، لتلمس الخطر الذي أحدق بالسنة، وكاد يذهب بنورها وليكبر في عينك ما قام به علماء الحديث من مطاردة الكذابين، والقضاء على أباطيل الأفاكين بما صنفوه من الكتب الحافلة بالحديث، وعلومه في هذا العصر فنقول: ١- التعصب للجنس وأثره في وضع الحديث: قامت الدولة العباسية على أكتاف الفرس من أهل خراسان، وكانت هذه البلاد موطن التشيع لآل البيت، ولما كان الفرس يفهمون أن الملك ينال بالوراثة تأثروا إلى حد كبير بآراء الشيعة، فعدوا بني أمية غاصبين لحقوق آل البيت ينغي قتالهم، وتخليص الحق إلى صاحبه الشرعي. وكانت الفرس أمة ذات حضارة، وتأريخ عظيمين، وكانت لهم السيطرة على كثير من الأمم العربية كالعراق، واليمن فلما دالت دولتهم، ووقعوا في قبضة العرب وأصبحوا موالي لهم يتحكمون فيهم، حنوا بعد ذلك إلى عظمتهم الأولى، ولما قام بنو العباس يطالبون بالخلافة، وجدوا من الفرس قلوا مستعدة لا سيما عند الخاصة منهم، فقد كانوا يأملون الحصول على شيء من السلطان الضائع. لذلك رأينا أبا مسلم الخراساني وأضرابه، يتفانون في نصرة بني العباس ويحاربون بني أمية بكل سلاح، وفي

стр. 334

الواقع لم يكن الصراع بين بني أمية، وبني العباس وإنما كان بين العرب والفرس، ولما استقر الأمر لني العباس لم يكونوا يتحمسون للعرب ضد الفرس؛ لأن الفرس نصروهم وشيدوا لهم الملك بدمائهم؛ ولأن بعض خلفاء بني العباس كانوا من أمهات فارسيات، لكن كانوا يتحمسون كثيرا لأمر الدين، ولا تأخذهم رحمة في محاربة الزنادقة، وقتلهم والتشهير بهم، وهل كان ذلك من الخلفاء حمية دينية أو فكرة سياسية، هذا ما لا يهمنا البحث فيه الآن. بل الذي يهمنا أن فكرة ظهرت على ألسن بعض العامة، وأشربتها قلوب الخاصة ألا وهي فكرة تفضيل العجم على العرب والحط من شأن الآخرين، وهي المعروفة عند المؤرخين بالشعوبية. أثر الشعوبية في الحديث: نمت هذه الفكرة، وترعرعت في القرن الثاني ثم بلغت أوجها في القرن الثالث، وساعد على ظهورها أن خلفاء بني العباس لم يقابلوا العصبية الفارسية بالعصبية العربية، كما كان الحال في الدولة الأموية، بل لم يتعصبوا كثيرا للعربية وإن تعصبوا كثيرا للإسلام كما أشرنا إليه، ولقد انتهز الشعوبيون هذا الضعف من الخلفاء، وحاربوا العرب وعابوهم، وسخروا منهم، وقالوا في ذلك الأشعار والخطب الطوال، وألفوا الكتب في مفاخر العجم، ومثالب العرب ولم يدعوا بابا من أبواب الهجاء إلا طرقوه وستغلوا لهذه النزعة الخبيثة وضع الأحاديث، ورواية الأكاذيب في فضل الفرس وبلدانهم وعلمائهم. كما وضعوا أحاديث في الحط من قيمة العرب وعلمائهم، وإليك بعض هذه الأباطيل التي اختلقوها. قالوا: لما فتحت خراسان، وتطاول إليها العساكر، واجتمعت أذربيجان والجبال ضاق ذرع عمر بن الخطاب فقال: "ما لي وخراسان، وما بخراسان

стр. 335

من ولي وددت أن بيني وبين خراسان جبالا من برد وجبالا من نار، وألف سد كل سد مثل سد يأجوج ومأجوج، فقال علي بن أبي طالب: مهلا يا بن الخطاب هل أتيت بعلم محمد أو اطعلت على علم محمد، فإن لله بخراسان مدينة يقال لها "مرو"، أسسها أخي ذو القرنين، وصلى فيها عزير أنهارها سياحة وأرضها فياحة على كل باب من أبوابها ملك شاهر سيفه، يدفع عن أهلها الآفات إلى يوم القيامة، وإن لله بخراسان مدينة يقال لها "الطالقان"، وإن كنوزها لا ذهب ولا فضة، ولكن رجال مؤمنون يقومون إذا قام الناس وينصرون إذا فشل الناس، وإن لله بخراسان لمدينة يقال لها "الشاش" القائم فيها، والنائم كالمتشحط بدمه في سبيل الله. وإن لله بخراسان لمدينة يقال لها "بخارى"، وإن رجال بخارى آمنون من الصرخة عند الهول إذا فزعوا. مستبشرين إذا حزنوا فطوبى لبخاري، يطلع الله عليهم في كل ليلة إطلاعة فيغفر لمن يشاء منهم، ويتوب على من تاب منهم ... إلخ. وهو كلام طويل جدا. ومن ذلك قولهم: "جور الترك، ولا عدل العرب"، وزعمهم الباطل أن الأعاجم ذكرت عند النبي ﷺ ، فقال: "لأنا بهم أوثق مني بكم"، وفي رواية: "لأنا ببعضهم أوثق مني ببعضكم". "سيأتي ملك من ملوك العجم، فيظهر على المدائن كلها إلا دمشق"، ومن ذلك ما رووه في فضل محمد بن كرام السجستاني العابد، المشهور بالتجسيم، ووضع الحديث المتوفى سنة ٢٥٥، وقد ارتحل من خراسان إلى الشام، وأقام بها "يجيء في آخر الزمان رجل يقال له محمد بن كرام يحيي السنة والجماعة، هجرته من خراسان إلى بيت المقدس كهجرتي من مكة إلى المدينة"، وما وضعوه في فضل أبي حنيفة النعمان؛ لأنه من أصل فارسي وذم الشافعي؛ لأنه عربي "يكون في أمتي رجل يقال له: محمد ابن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة هو سراج أمتي"، وضعه

стр. 336

مأمون بن أحمد الهروي، من أهل القرن الثالث ومن ذلك: "إن آدم افتخر بي وأنا أفتخر برجل من أمتي اسمه نعمان، وكنيته أبو حنيفة وهو سراج أمتي "وفي رواية" إن سائر الأنبياء يفتخرون بي، وأنا أفتخر بأبي حنيفة من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني". هذا وقد استعمل العرب، أو من تعصب لهم هذا السلاح سلاح الكذب على رسول الله ﷺ ، فمن ذلك قولهم عن النبي ﷺ : "العرب سادات العجم". تلك هي آثار العصب للجنس في وضع الحديث، وإنك لتلمح في بعضها معاني الإلحاد في الدين، والدعوة إلى التحلل من أحكامه كقولهم في فضل مدينة الشاش: "القائم فيها والنائم كالمتشحط بدمه في سبيل الله"١. ٢- الزندقة وأثرها في وضع الحديث: أكثر ما تطلق الزندقة عليه في العصر العباسي -على ما يظهر- هو اتباع دين المجوس، وخاصة دين "ماني" مع التظاهر بالإسلام، ثم توسعوا في استعمالها فأطلقوها على الملحد الذي لا دين له، وعلى التهتك، والفجور مع تبجح في القول يصل أحيانا إلى ما يمس الدين لكن لا عن نظر بل عن خلاعة ومجون. وقد أشرنا عبد الكلام على الدور السابق إلى شيء من أعمال الزنادقة

стр. 337

في وضع الحديث، وهنا نبين لك شيئا عن العوامل التي ساعدت على فشو الزندقة في العصر العباسي، وعن أثرها في وضع الحديث في هذا القرن الثالث. ساعد على فشو الزندقة في العصر العباسي عامة، وفي القرن الثالث خاصة عدة أمور منها: ١- كثرة الجدال حول المسائل الأساسية في الدين، وشيوع الأبحاث الفلسفية، فقد ترجمت كتب الحكمة، والفلسفة، وأقبل على قراءتها كثير من العلماء وبعض الخلفاء كالمأمون، حتى رمي من أجل ذلك بالزندقة. ٢- عدم حصول الفرس على حكومة فارسية بعد زوال دولة بني أمية، فأخذوا يكيدون للإسلام عن طريق إفساد عقائد المسلمين ببث تعاليم المجوسية، وبخاصة مذهب "ماني". ٣- إسناد السلطة الحكومية إلى الموالي من الفرس، وإقصاء العرب عنها مكن للفرس من إظهار مذاهبهم القديمة، وتعضيد من يتظاهر بها. هذه هي أهم عوامل انتشار الزندقة، التي مكنت الزنادقة من الكيد للإسلام، وكان من أسهل الطرق عليهم الكذب على رسول الله ﷺ ، فبثوا في الناس كثيرا من الأقاويل، التي تشوه جمال الدين، وتثير حوله المطاعن والشبه يريدون بهذا هدم الإسلام، وتنفير الناس منه ودعوة المسلمين إلى التحلل من أحكامه، وبذلك تضعف شوكة المسلمين، ويصير من السهل على هؤلاء الزنادقة التغلب على البقية الباقية من أهل الإسلام، وإعادة سلطانهم كما كان. فأخذوا ينشرون بين الناس تعاليم المجوسية، ومذاهب المانوية، وظهر منهم طوائف كثيرة بمذاهب خبيثة من

стр. 338

التجسيم وغيره، وكان منهم القصاص والمتصوفة الذين يتظاهرون بالتقوى والورع، ويضمرن الحقد على الدين وأهله١. من أوضاع الزنادقة: ونحن نذكر لك طائفة من الأباطيل، التي نسبوها للنبي ﷺ وهو براء منها. فمن ذلك زعمهم أنه ﵊ قال: "لما أراد الله خلق نفسه خلق الخيل، فأجراها حتى عرقت ثم خلق نفسه من ذلك العرق"، قال ابن عساكر: حديث إجراء الخيل موضوع، وضعته الزنادقة ليشنعوا به على أصحاب الحديث في روايتهم المستحيل، فقبله من لا عقل له وهو مما يقطع ببطلانه شرعا وعقلا. ومن ذلك زعمهم أن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى خلق الملائكة من شعر ذراعية وصدره، أو من نورهما"، "وأنه -تعالى عن ذلك علوا كبيرا- ينزل عشية عرفة على جمل أورق، يصافح الركبان ويعانق المشاة"، وأنه ﵇ قال: "رأيت ربي في المنام في أحسن صورة شابا موقرا رجلاه في خضر له نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب"، وكروايتهم في عجيزة الحوراء، أنها ميل في ميل وفيمن قرأ سورة كذا وكذا، ومن فعل كذا وكذا أسكن من الجنة سبعين ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف مقصورة، في كل مقصورة سبعون ألف مهاد على كل مهاد سبعون ألف كذا. وكروايتهم أن الفأرة كانت يهودية، وأنها لا تشرب ألبان الإبل، كما أن اليهود لا تشربها. وكروايتهم في السنور أنه عطسة الأسد، والخنزير أنه عطسة الفيل. وأن الضب كان يهوديا عاقا فمسخ.

стр. 339

وأن سهيلا كان عشارا باليمن، وأن الزهرة كانت بغيا عرجت إلى السماء باسم الله الأكبر، فمسخها الله شهابا، وإن الأرض على ظهر حوت١. إلى غير ذلك من الأكاذيب والأباطيل. مقاومة الخلفاء العباسيين للزنادقة: ولقد قاوم الخلفاء الزنادقة، وطهروا الأرض من جراثيمهم، فلم تأخذهم بهم هوادة، بل قتلوهم وحبسوهم، وشردوا بهم من خلفهم. اضطهدهم أبو جعفر المنصور في خلافته، ونكل بهم المهدي أيما تنكيل أيام دولته، وعين للزنادقة رجلا سماه "صاحب الزنادقة"، وكل إليه أمر إبادتهم والقضاء عليهم، وأمر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب في الرد على الملحدين، وإقامة البراهين على المعاندين، وإيضاح الحق للشاكين. وأوصى ابنه موسى الهادي بالعمل على إبادة الزنادقة، وشرح له أمرهم وسوء نيتهم نحو الإسلام والمسلمين، وجاء عنه أنه قال: "والله لئن عشت لأقتلن هذه الفرقة كلها حتى لا أترك منها عينا تطرف"، وقد أنفذ الهادي وصية أبيه بكل أمانة. كذلك تعقبهم هارون الرشيد والمأمون من بعده، روى أن المأمون بلغه خبر عشرة من الزنادقة من أهل البصرة، يذهبون إلى قول "ماني"، ويقولون بإله النور وإله الظلمة، فأمر بحملهم إليه بعد أن سموا واحدا واحدا، فكان يدعوهم رجلا رجلا، ويسألهم عن دينهم، فيخبرونه بالإسلام، فيمتحنهم بأن يظهر لهم صورة "ماني"، ويأمرهم أن يتلفوا عليها، ويبرءوا منها فامتنعوا فقتلهم، وفي عهد المعتصم كانت حادثة كبرى في تاريخ الزندقة، وهي محاكمة قائد جيوشه المسمى "بالأفشين"، اتهم بالزندقة فحبس ومنع من الطعام، والشراب حتى مات ثم صلب، وأحرق بالنار٢.

стр. 340

القصص في القرن الثالث وأثره في الحديث: كما انتشرت الزندقة في هذا العصر، كذلك ذاع القصص، وكثر المحترفون له ولا ننسى أن بين هؤلاء القصص فريقا من الزنادقة أيضا، "كما أشرنا إليه آنفا" ومنهم المرتزقة، ومدعو العلم والإمامة في الحديث، ولقد انتشر القصاص، والزنادقة في هذا العهد حتى أن الخلفاء، كانوا يصدرون أوامرهم بمنع القصاص، والمنجمين من الجلوس في المساجد والطرقات. كذلك منعوا من بيع كتب الفلسفة ففي سنة ٢٧٩هـ، وهي السنة التي بويع فيها المعتضد الخليفة العباسي بالخلافة أصدره أمره بمنع الوراقين من بيع كتب الفلاسفة، وما شاكلها ومنع القصاص، والمنجمين من القعود في الطريق١. هذا وإن أصدق مرآة تتراءى لنا فيها أعمال القصاص في هذا القرن، ما ذكره العلامة الإمام عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة ٢٧٦هـ في كتابه "تأويل مختلف الحديث"٢. قال ﵀: الحديث يدخله الشوب والفساد من وجوه ثلاثة "منها الزنادقة"، واجتيالهم للإسلام، وتهجينه بدس الأحاديث المستشنعة والمستحيلة، كالأحاديث التي قدمنا ذكرها من عرق الخيل، وعيادة الملائكة، وقفص الذهب على جمل أورق وزغب الصدر، ونور الذراعين مع أشياء كثيرة، ليست تخفى على أهل الحديث، ومنهم ابن أبي العوجاء الزنديق، وصالح بن عبد القدوس الدهري "والوجه الثاني القصاص"، على قديم الأيام فإنهم كانوا يميلون وجوه العوام إليهم، ويستدرون ما عندهم بالمناكير والغريب والأكاذيب

стр. 341

من الأحاديث. ومن شأن العوام القعود عند القاصد ما كان حديثه عجبا خارجا عن فطر العقول، أو كان رقيقا يحزن القلوب، ويستغزر العيون. فإذا ذكر الجنة. قال: فيها الحوراء من مسك أو زعفران، وعجيزتها ميل في ميل. ويبوئ الله تعالى وليه قصرا من لؤلؤة بيضاء. فيه سبعون ألف مقصورة في كل مقصورة سبعون ألف قبة، في كل قبة سبعون ألف فراش على كل فراش سبعون ألف كذا وكذا، فلا يزال في سبعين ألف كذا وسبعين ألف كذا، كأنه يرى أنه لا يجوز أن يكون العدد فوق السبعين ألفا، ولا دونها ويقول: لأصغر من في الجنة منزلة عند الله من يعطيه الله تعالى مثل الدنيا كذا وكذا ضعفا. وكلما كان هذا أكثر كان العجب أكثر، والقعود عنده أطول، والأيدي بالعطاء إليه أسرع. والله ﵎ يخبرنا في كتابه بما في جنته بما فيه مقنع عن أخبار القصاص، وسائر الخلق إلى أن قال: ثم يذكر آدم ﵇. ويصفه فيقول: كان رأسه يبلغ السحاب أو السماء، ويحاكها فاعتراه لذلك الصلع، ولما هبط على الأرض بكى على الجنة، حتى بلغت دموعه البحر وجرت فيها السفن، ويذكر داود ﵇، فيقول: سجد لله تعالى أربعين ليلة، وبكى حتى نبت العشب بدموع عينيه، ثم زفر زفرة هاج له ذلك النبات، ويذكر عصا موسى ﵇، فيقول: كان نابها كنخلة سحوق، وعينها كالبرق الخاطف وعرفها كذا ثم قال: ويذكر عبادا أتاهم يونس ﵇ في جبل لبنان فيخبرهم عن الرجل منهم أنه كان يركع ركعة في سنة ويسجد نحو ذلك، ولا يأكل إلا في كذا وكذا من الزمان ثم قال: "وأما الوجه الثالث الذي يقع فيه فساد الحديث، فأخبار متقادمة كان الناس في الجاهلية يروونها تشبه أحاديث الخرافة"، كقولهم أن الضب كان يهوديا عاقا، فمسخه الله تعالى ضبا، وكقولهم في الديك، والغراب أنهما كانا

стр. 342

متنادمين فلما نفد شرابهما رهن الغراب الديك عند الخمار، ومضى فلم يرجع إليه، وبقي الديك عند الخمار حارسا. ا. هـ، وروى السيوطي في كتابه١ تحذير الخواص من أكاذيب القصاص، عن جعفر بن محمد الطيالسي قال: "صلى أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله، خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان، وأخذ في قصة نحوا من عشرين ورقة، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى بن معين ويحيى ينظر إلى أحمد فقال له: أنت حدثته بهذا، فقال: والله ما سمعت بهذا إلا الساعة، فلما فرغ من قصصه، وأخذ القطيعات، ثم قعد ينتظر بقيتها قال يحيى بن معين بيده: تعالى فجاء متوهما لنوال، فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث، فقال: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقال له: أنا يحيى بن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط، في حديث رسول الله ﷺ ، فإن كان ولا بد والكذب فعلى غيرنا. فقال له: أنت يحيى بن معين. قال: نعم. قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ما حققته إلا الساعة. فقال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق. قال: كأن ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما. قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين. فوضع أحمد كمه على وجهه، وقال: دعه يقوم فقام كالمستهزئ بهما" ا. هـ.

стр. 343

المبحث الثالث: تراجم لبعض أئمة الحديث في هذا العصر اشتهر في هذا القرن كثير من نحارير المحدثين، وجهابذة السنة كانت لهم أياد بيضاء في خدمة الحديث، ومعرفة رجاله والبحث عن علله، وإليك طائفة منهم: علي بن المديني: كان من أئمة الحديث الممتازين لم يترك بابا من أبوابه، إلا طرقه وبخاصة ما يرجع إلى الرجال والعلل، وقد صنف في ذلك الكتب الكثيرة، التي لم يسبق إلى معظمها، ولم يلحق في كثير منها. لذا أثنى عليه العلماء، وشهدوا له بالتقدم والمعرفة فسفيان بن عيينة، وهو من شيوخه يقول: "والله لقد كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني". وكذلك قال يحيى بن القطان وهو من مشايخه وقال البخاري: "ما استصغرت نفسي عند أحد قط، إلا عند علي بن المديني"، وقال أبو حاتم: "كان ابن المديني علما في معرفة الحديث والعلل"، هذا وقد ذكر الحاكم في معرفة علوم الحديث جملة وافرة من مؤلفاته، تدل على رسوخ قدمه واتساع أفقه في علوم السنة، فمن ذلك كتاب الأسامي والكنى ثمانية أجزاء، وكتاب الضعفاء عشرة أجزاء، وكتاب المدلسين خمسة أجزاء، وكتاب الطبقات عشرة أجزاء، وكتاب علل المسند ثلاثون جزءا، وكتاب علل حديث ابن عيينة ثلاثة عشر جزءا، وكتاب من لا يحتج بحديثه ولا يسقط جزءان، وكتاب الكنى خمسة أجزاء، وكتاب الوهم والخطأ خمسة أجزاء، وكتاب من نزل من الصحابة سائر البلدان خمسة أجزاء، وكتاب من حدث ثم رجع عنه جزءان، وكتاب اختلاف الحديث خمسة أجزاء، وكتاب العلل المتفرقة ثلاثون جزءا، وكتاب مذاهب المحدثين جزءان. إلى غير ذلك من مصنفاته الباهرة، التي تدل على تبحره، وتقدمه، وكمال

стр. 344

معرفته. توفي ﵀ سنة ٢٣٤هـ. بسرمرى١. يحيى بن معين: هو، أحد الأئمة الذين انتهت إليهم الزعامة في الحديث -أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين. وعلي بن المديني. وأبي بكر بن أبي شيبة- سمع الحديث من ابن المبارك وابن عيينة، وابن مهدي وهشيم ووكيع وغيرهم، وسمع منه أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم والبخاري ومسلم، وأبو داود وكثير غيرهم. أجمع العلماء على إمامته وجلالته في هذا الشأن لا سيما ما يتعلق بالجرح والتعديل، وكشف حال الكذابين مع التثبت، والتمكن حتى رووا عنه أنه استقبل القبلة، ورفع يديه يقول: "اللهم إن كنت كلمت في رجل ليس هو عندي كذابا، فلا تغفر لي"، ورووا عنه أنه قال: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها مع علقناه". قال فيه أحمد بن حنبل: "السماع من يحيى بن معين شفاء لما في الصدور"، وقال أيضا: "يحيى بن معين رجل خلقه الله لهذا الشأن يظهر كذب الكذابين، وكل حديث لا يعرفه يحيى ليس بحديث"، وقال ابن المديني: "ما رأيت في الناس مثله"، وقد عده الحاكم في كتابه علوم الحديث من فقهاء المحدثين. توفي بالمدينة المنورة سنة "٢٣٣"، ودفن بالبقيع، ونودي يوم وفاته: هذا الذي كان ينفي الكذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم٢. أبو بكر بن أبي شيبة: هو، الحافظ المتقن عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي. روى عن

стр. 345

أبي الأحوص وابن المباك، وشريك وهشيم وجرير بن عبد الحميد، ووكيع وابن علية وابن مهدي، وابن القطان وابن عيينة، وزيد بن هارون وخلق كثير. وروى عنه البخاري، ومسلم وأبو داود وابن ماجه، وروى له النسائي بواسطة أحمد بن علي القاضي، وابنه أبو شيبة إبراهيم، وأحمد بن حنبل ومحمد بن سعد وأبو زرعة، وأبو حاتم وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وإبراهيم الحربي وكثير غيرهم. كان أبو بكر ثقة، حافظا للحديث، أثنى عليه بالحفظ والاتقان كثير من أهل عصره. قال أبو عبيد القاسم: "انتهى العلم إلى أربعة: فأبو بكر أسردهم له وأحمد أفقههم فيه، ويحيى أجمعهم له وعلي أعلمهم به". وقال صالح بن محمد: "أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المديني، وأعلمهم بتصحيف المشايخ يحيى بن معين، وأحفظهم عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة". وقال أبو زرعة الرازي: "ما رأيت أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة"، وقال ابن حبان: كان متقنا حافظا، دينا ممن كتب وجمع وصنف، وذاكر وكان أحفظ أهل زمانه للمقاطيع. توفي ﵁ سنة "٢٣٥"١. أبو زرعة الرازي: هو، عبد الله بن عبد الكريم أحد الحفاظ، المشهورين أثنى عليه أهل عصره بالعلم، والورع، والحفظ، وشهدوا له بالتفوق على أقرانه. قالوا: كان يحفظ سبعمائة ألف حديث. وكان في شبيبته إذا اجتمع بأحمد بن حنبل اقتصر أحمد على الصلوات المكتوبات، ولا يفعل المندوبات اكتفاء

стр. 346

بمذاكرته وحسبك هذا من مثل أحمد بن حنبل دليلا على إتقان أبي زرعة وحفظه وضبطه. روى الحاكم في معرفة علوم الحديث: "لما انصرف قتيبة بن سعد إلى الري، سألوه أن يحدثهم فامتنع وقال: أحدثكم بعد أن حضر مجلسي أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة. فقالوا له: إن عندنا غلاما يسرد كل ما حدثت به مجلسا مجلسا. قم يا أبا زرعة فقام أبو زرعة، فسرد كل ما حدث به قتيبة، فحدثهم قتيبة"، وعده الحاكم في فقهاء الحديث في كتابه المذكور. توفي ﵀ سنة "٢٦٤"١. أبو حاتم الرازي: هو، محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران، أبو حاتم الحنظلي الرازي أحد الأئمة الحفاظ الأثبات، العارفين فعلل الحديث والجرح والتعديل، وهو قرين أبي زرعة سمع الكثير، وطاف الأقطار وروى عن كثير من الأئمة الكبار. جاء عنه أنه قال لابنه عبد الرحمن: يا بني مشيت على قدمي في طلب الحديث أكثر من ألف فرسخ، وكان يتحدى من حضر عنده من الحفاظ، وغيرهم يقول: من أغرب علي بحديث واحد صحيح فله علي درهم أتصدق به، قال: ومرادي "سمع ما ليس عندي"، فلم يأت أحد بشيء من ذلك، وكان من جملة من حضر أبو زرعة الرازي. أجمعوا على جلالته، وعلو شأه في الحديث وعلله وعده الحاكم من فقهاء الحديث. توفي ﵀ سنة "٢٧٧"٢. محمد بن جرير الطبري: هو، أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب، الطبري.

стр. 347

ولد بآمل سنة "٢٢٤"، واستوطن ببغداد حتى توفي بها، وكان يعد في طبقة الترمذي، والنسائي. سمع كثيرا من شيوخ البخاري، ومسلم وغيرهم وحدث عنه كثير من العلماء منهم أحمد بن كامل، ومحمد بن عبد الله الشافعي، ومخلد بن جعفر، كان ابن جرير من أكابر الأئمة يحكم بقوله، ويرجع إلى معرفته وعلمه حافظا لكتاب الله عارفا بالقراءات كلها، بصيرا بالمعاني فقيها في الأحكام، عالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم عارفا بأيام الناس وأخبارهم، وله من المصنفات كتابه المشهور "تاريخ الأمم والملوك"، وكتاب التفسير الذي قال فيه أبو حامد الإسفرائيني: "لو سافر رجل إلى الصين ليحصل تفسير ابن جرير الطبري، لم يكن هذا كثيرا"، وكتاب "تهذيب الآثار" ألا أنه لم يتمه، ولو تم لكان آية في علوم السنة. ابتدأ فيه بما رواه أبو بكر الصديق، وتكلم على كل حديث، وعلته، وطرقه وما فيه من الفقه، واختلاف العلماء وحججه، واللغة فتم مسند العشرة، وأهل البيت والموالي، وقطعة من مسند ابن عباس، وهو من عجائب كتبه. قال ابن كثير في التاريخ: وقد رأيت له كتابا جمع فيه أحاديث "غدير خم" في مجلدين ضخمين، وكتابا جماع فيه طرق حديث الطير. توفي ﵀ سنة "٣١٠"١. ابن خزيمة: هو، محمد بن إسحاق أبو بكر بن خزيمة النيسابوري، إمام الأئمة رحل إلى الري، وبغداد والبصرة، والكوفة والشام، والجزيرة ومصر وواسط، وسمع الحديث من خلق كثير منهم إسحاق بن راهويه، ومحمد بن حميد

стр. 348

الرازي، ولم يحدث عنهما لكونه سمع منهما في صغره، وحدث عن محمود بن غيلان، ومحمد بن أبان المستملي وإسحاق بن موسى الخطمي، وأبي قدامة السرخسي وغيرهم، وروى عنه الأئمة الكبار كالبخاري، ومسلم خارج الصحيح، ومحمد بنعبد الله بن عبد الحكم شيخه، ويحيى بن محمد بن صاعد وأبو علي الغساني، وإسحاق بن سعد النسوي وخلائق كثير. كان ابن خزيمة قبلة العلم والعلماء، وإماما يقصده الناس من كل ناحية. كالبحر يقذف للقريب جواهرا ... كرما، ويبعث للغريب سحائبا وكان شديد التحري للحديث، حتى ليتوقف في التصحيح لأدنى كلام يقال في الإسناد. روى الحاكم عن أبي العباس بن سريج أنه قال فيه: "إنه يخرج النكت من حديث رسول الله ﷺ بالمنقاش"، وقال الربيع بن سليمان: "استفدنا من ابن خزيمة أكثر مما استفاد منا"، وقال محمد بن حبان التميمي: "ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن، ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها، حتى كأن السنن كلها بين عينيه إلا محمد بن إسحاق"، وقال الدارقطني: "كان ابن خزيمة إماما ثبتا معدوم النظير". عده الحاكم من فقهاء الحديث، قال: "ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابا، سوى المسائل والمسائل المصنفة أكثر من مائة جزء، فإن فقه حديث بريرة ثلاثة أجزاء، ومسألة الحج خمسة أجزاء". وله كتاب الصحيح، وهو من أجل كتب الحديث يتلو صحيح مسلم بن الحجاج، على ما ذكره السيوطي في ألفيته، إلا أنه قد انعدم أكثره. توفي ﵀ سنة "٣١١"١.

стр. 349

محمد بن سعد كاتب الواقدي: هو، الإمام الحافظ المؤرخ الثقة أبو عبد الله، محمد بن سعد بن منيع القرشي الهاشمي ولاء البصري ثم البغدادي. كان أبوه مولى الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي. ولد بالبصرة سنة ١٦٨، وتوفي ببغداد سنة ٢٣٠. روى عن محمد بن عمر الواقدي، وبه تخرج، وعن ابن علية وسفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون الواسطي، وعبيد الله بنموسى العبسي، وأبي نعيم الفضل بن دكين الكوفي، وغيرهم من شيوخ الرواية بالبصرة، والكوفة، وواسط وبغداد ومكة المكرمة، والمدينة المنورة والشام واليمن، ومصر وسائر البلاد، وهو من المكثرين جدا من الرواية عن شيوخ الأمصار وعمدته في العلم ذلك البحر المواج محمد بن عمر الواقدي، وممن روى عنه مصعب الزبيري، والحارث محمد بن أبي أسامة صاحب المسند، وأحمد بن عبيد بن ناصح الهاشمي، وأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري صاحب فتوح البلدان، وأبو بكر عبد الله بن محمد المعروف بابن أبي الدنيا، والحسين بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن فهم رواية الطبقات الكبرى، عن ابن سعد، وهو الذي قال عن شيخه: "كان كثير العلم، كثير الكتب كتب الحديث والفقه والغريب". كان ابن سعد مرضيا عند الرواة حيث لم يلابس الفتن الهوجاء في عهد المأمون وبعده، فأمكنه ذلك نشر علمه وعلم أستاذه، وبقيت كتبه محفوظة مقبولة عندهم ومن أهمها كتاب الطبقات الكبير، جمع فيه صفوة ما ذكره علماء السير أمثال الشعبي، والأوزاعي، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق الواقدي. ذكر في هذا الكتاب أخبار الأنبياء عليهم

стр. 350

السلام وسائر آباء سيد المرسلين، وخاتمهم محمد ﷺ ، تمهيدا لذكر سيره ومغازيه ﵇، وبعد أن انتهى من السيرة النبوية ذكر طبقات الصحابة والتابعين، ومن بعدهم إلى وقته ووزعهم على أمصار المسلمين: المدينة المنورة، ومكة المكرمة، والشام، واليمن، ومصر، والكوفة، والبصرة، وبغداد، وسائر البلدان، وهو أقدم كتاب متوارث في موضوعه لا يستغنى عنه محدث، ولا فقيه ولا مؤرخ وقد أجاد فيه وأحسن. لكن ليس كل ما فيه من الروايات قويا، بل بين أسانيده ما هو مقطوع أو مرسل. وإنما فعل ذلك ليستوفي جميع ما ورد في الموضوع الذي يبحث عنه. وتمحيص هذه الأسانيد هين عند أهل العلم. هذا والذين جاءوا بعد ابن سعد، ممن كتب في الرجال هم عالة على علمه، ومع ذلك فقد فاتهم ترتيبه وسياق أسانيده بسبب اختصارهم١. إسحاق بن راهويه: هو، إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم، أبو يعقوب الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه -راهويه لقب أبيه إبراهيم- كان من أئمة المسلمين والعلماء البارزين. جمع إلى إمامته في الحديث إمامته في الفقه، وبراعته فيه مع الحفظ والصدق، والورع والزهد. رحل إلى العراق والحجاز، واليمن والشام، وسمع جرير بن عبد الحميد الرازي، وإسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح، وبقية بن الوليد، وعبد الرازق بن همام، والنضر بن شميل وآخرين، وروى عنه محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو عيسى الترمذي، وأحمد بن سلمة وكثير غيرهم،

стр. 351

وروى عنه من قدماء شيوخه يحيى بن آدم١، وبقية بن الوليد، ومن أقرانه أحمد بن حنبل، وكان ﵀ مضرب المثل في الحفظ، والاتقان، والإمامة والصدق قال عن نفسه: "أعرف مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها، وأحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلب، وأحفظ أربعة آلاف حديث مزورة. فقيل له: ما معنى حفظ المزورة؟ قال: إذا مر بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة فليته منها فليا"، وقيل له: إنك تحفظ مائة ألف حديث؟ قال: مائة ألف ما أدري ما هو، ولكني ما سمعت شيئا قط، إلا حفظته ولا حفظت قط شيئا فنسيته"، وقال أبو داود الخفاف: "أملى علينا إسحاق بن راهويه أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثم قرأها علينا فما زاد حرفا، ولا نقص حرفا"، وقال أبو حاتم الرازي: "ذكرت لأبي زرعة إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وحفظه للأسانيد والمتون، فقال أبو زرعة: ما رؤي أحفظ من إسحاق"، قال أبو حاتم: "والعجب من إتقانه وسلامته من الغلط مع ما رزق من الحفظ"، وكلام الأئمة في الثناء على إسحاق يطول ذكره، فنكتفي بذلك. قال أبو داود: "إسحاق بن راهويه تغير قبل أن يموت بخمسة أشهر، وسمعت منه في تلك الأيام ورميت به. ولد سنة ١٦١، وتوفي سنة ٢٣٨ بنيسابور عن سبع وسبعين سنة٢. الإمام أحمد بن حنبل: هو، إمام الأئمة وحافظ الأمة، وفقيهها أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي، ثم البغدادي.

стр. 352

ولد في بغداد سنة ١٦٤. وفي حداثته كان يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف، ثم ترك ذلك وأقبل على سماع الحديث سنة ١٨٧. وقد طاف في البلاد والآفاق، وسمع من مشايخ العصر، وكانوا يجلونه ويحترمونه، ومن مشايخه هشيم وإبراهيم بن سعيد، وسفيان بن عيينة، وتفقه بالشافعي حين قدم بغداد ولزمه واستفاد منه، وعني عناية عظيمة بالسنة والفقه، حتى عده أهل الحديث إمامهم وفقيههم، وقد أخذ عنه الحديث جماعة من الأماثل، منهم محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، والشافعي، وعبد الرزاق ووكيع وهؤلاء الثلاثة من شيوخه، وقد كان الإمام الشافعي على جلالة قدره في الحديث، والفقه يعتمد الإمام أحمد في تصحيح الأحاديث، وتضعيفها ولذلك لما اجتمع به في بغداد سنة ١٩٨. قال له: يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث، فأعلمني به أذهب إليه حجازيا كان، أو شاميا، أو عراقيا، أو يمنيا، وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثون سنة، وقال الشافعي: خرجت من العراق فما تركت رجلا أفضل، ولا أعلم ولا أورع، ولا أتقى من أحمد بن حنبل، وكذلك اعترف له بعلو المكانة في العلم، والحديث علماء عصره على اختلاف ميولهم، ومشاربهم قال إسحاق بن راهويه: "أحمد حجة بين الله، وبين عبيده في أرضه"، وقال يحيى بن معين: "كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط كان محدثا، وكان حافظا وكان عالما، وكان ورعا وكان زاهدا وكان عاقلا"، وقال أيضا: "أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن نكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقه". ا. هـ. وقد استحوذ جماعة من المعتزلة على المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق ودعوهم إلى أن يحملوا الناس على القول بخلق القرآن، وممن أريد على ذلك الإمام أحمد بن حنبل، فأبى كل الإباء فضرب وحبس وهو

стр. 353

مصر على الامتناع سنة "٢٢٠" في عهد المعتصم. قال بشر الحافي بعد ما ضرب أحمد: "أدخل أحمد الكير، فخرج ذهبا أحمر"، وقال علي بن المديني: "ما قام أحمد في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل"، ولما بلغت هذه المقالة أبا عبيد القاسم بن سلام قال: "صدق علي، أن أبا بكر وجد يوم الردة أنصارا وأعوانا، وإن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار، ولا أعوان". ثم أخذ أبو عبيد يطريه، ويقول: "لست أعلم في الإسلام مثله"، وقد توفي أحمد ﵀ سنة ٢٤١ ببغداد، وله عند العلماء حسن الذكرى، وجميل الأحدوثة تاريخ ابن كثير "١٠-٣٣٥". الإمام البخاري: هو، إمام المحدثين، وشيخ الحفاظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي مولاهم. إمام أهل الحديث في زمانه، والمقتدى به في أوانه، والمقدم على سائر أقرانه. ولد البخاري ﵀ ببخارى سنة "١٩٤هـ"، وألهمه الله حفظ الحديث، وهو في المكتب قال الفربري: سمعت محمد بن أبي حاتم وراق البخار يقول: سمعت البخاري يقول: ألهمت حفظ الحديث، وأنا في الكتاب قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك فقال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره فقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم. فقلت: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم فانتهرني فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل فنظر فيه، ثم رجع فقال: كيف هو يا غلام، فقلت: هو الزبير، وهو ابن عدي عن إبراهيم فأخذ القلم وأصلح كتابه، وقال لي: صدقت قال: فقال له إنسان ابن كم حين رددت عليه؟، فقال: ابن إحدى عشرة سنة. قال: فلما طعنت في ست عشرة سنة

стр. 354

حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع وعرفت كلام هؤلاء يعني أصحاب الرأي، قال: ثم خرجت مع أمي وأخي إلى الحج. قال: ولما طعنت في ثماني عشرة صنفت كتاب قضايا الصحابة والتابعين، ثم صنفت التاريخ في المدينة عند قبر النبي ﷺ ، وكنت أكتبه في الليالي المقمرة، وقل اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت أن يطول الكتاب. ارتحل البخاري لطلب الحديث وتنقل في البلاد. قال سهل بن السري: قال البخاري: "دخلت إلى الشام ومصر، والجزيرة مرتين وإلى البصرة أربع مرات وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين"، وكان لا يجارى في حفظ الحديث سندا ومتنا، مع تمييزه للصحيح منه والسقيم. دخل مرة إلى سمرقند، فاجتمع بأربعمائة من علماء الحديث بها، فجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها، وخلطوا في الأسانيد، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، ثم قرءوها على البخاري يقصدون امتحانه، فرد كل حديث إلى إسناده، وقوم تلك الأحاديث والأسانيد كلها ولم يقدروا أن يأخذوا عليه سقطة في إسناد ولا متن، وكذلك صنعوا معه في بغداد، فأذعنوا له بالفضل والسبق، وقد ذكروا أنه كان ينظر في الكتاب، فيحفظه من نظرة واحدة، والأخبار عنه في ذلك كثيرة. وقد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه. فقال الإمام أحمد: ما أخرجت خراسان مثله، وقال ابن المديني: لم ير البخاري مثل نفسه، وقال محمود بن النظر بن سهل الشافعي: دخلت البصرة والشام والحجاز، والكوفة ورأيت علماءها كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري، فضلوه على أنفسهم. وقال أحمد بن حمدون القصار: "رأيت مسلم بن الحجاج جاء إلى البخاري، فقبل بين عينيه، وقال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله، ثم

стр. 355

سأله عن حديث كفارة المجلس، فذكر له علته، فلما فرغ قال مسلم: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك"، وقال الترمذي: "لم أر بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ، ومعرفة الأسانيد أعلم من البخاري"، وقال ابن خزيمة: "ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ ، ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري"، وكان البخاري ﵀ من الأئمة المجتهدين في الفقه، واستنباط الأحكام من السنن والآثار، ومما يؤثر عنه قوله: "لا أعلم شيئا يحتاج إليه، إلا وهو في الكتاب والسنة"، فقيل له: يمكن معرفة ذلك فقال: نعم. وتراجمه على الأحاديث في كتابه الجامع الصحيح تدل على ذلك. قال إسحاق بن راهويه أحد شيوخه: "لو كان البخاري في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه في الحديث، ومعرفته، وفقهه"، وقال أبو نعيم، وأحمد بن حماد وغيرهما: "البخاري فقيه هذه الأمة"، وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: "محمد بن إسماعيل البخاري أفقهنا وأعلمنا، وأغوصنا، وأكثرنا طلبا"، وقال ابن كثير في التاريخ: "ومنهم من فضله في الفقه، والحديث على الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه"، وقد كان البخاري ﵀ في غاية الحياء والشجاعة، والسخاء، والورع والزهد في الدنيا شريف النفس بعيدا عن الأمراء والسلاطين حتى إن أمير بخارى خالد بن أحمد الذهلي، طلب إليه أن يحضر ليسمع أولاده منه فأبى أن يذهب. وقال: في بيته يؤتى العلم فأرد الأمير أن يصرف الناس عن السماع منه، فلم يقبلوا من الأمير، فأمر عند ذلك بنفيه فنزح البخاري من بلده إلى بلدة يقال لها: "خرتنك" على فرسخين من سمرقند، وجعل يدعو الله أن يقبضه إليه حين رأى الفتن في الدين، فمرض على أثر ذلك، وتوفي ليلة عيد الفطر عن اثنتين وستين سنة، وقد ترك بعده علما نافعا
следующие страницы →