← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8656

الحديث والمحدثون

محمد محمد أبو زهو

Полный текст (513 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وروى عنه من قدماء شيوخه يحيى بن آدم١، وبقية بن الوليد، ومن أقرانه أحمد بن حنبل، وكان ﵀ مضرب المثل في الحفظ، والاتقان، والإمامة والصدق قال عن نفسه: "أعرف مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها، وأحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلب، وأحفظ أربعة آلاف حديث مزورة. فقيل له: ما معنى حفظ المزورة؟ قال: إذا مر بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة فليته منها فليا"، وقيل له: إنك تحفظ مائة ألف حديث؟ قال: مائة ألف ما أدري ما هو، ولكني ما سمعت شيئا قط، إلا حفظته ولا حفظت قط شيئا فنسيته"، وقال أبو داود الخفاف: "أملى علينا إسحاق بن راهويه أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثم قرأها علينا فما زاد حرفا، ولا نقص حرفا"، وقال أبو حاتم الرازي: "ذكرت لأبي زرعة إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وحفظه للأسانيد والمتون، فقال أبو زرعة: ما رؤي أحفظ من إسحاق"، قال أبو حاتم: "والعجب من إتقانه وسلامته من الغلط مع ما رزق من الحفظ"، وكلام الأئمة في الثناء على إسحاق يطول ذكره، فنكتفي بذلك. قال أبو داود: "إسحاق بن راهويه تغير قبل أن يموت بخمسة أشهر، وسمعت منه في تلك الأيام ورميت به. ولد سنة ١٦١، وتوفي سنة ٢٣٨ بنيسابور عن سبع وسبعين سنة٢. الإمام أحمد بن حنبل: هو، إمام الأئمة وحافظ الأمة، وفقيهها أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي، ثم البغدادي.

стр. 352

ولد في بغداد سنة ١٦٤. وفي حداثته كان يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف، ثم ترك ذلك وأقبل على سماع الحديث سنة ١٨٧. وقد طاف في البلاد والآفاق، وسمع من مشايخ العصر، وكانوا يجلونه ويحترمونه، ومن مشايخه هشيم وإبراهيم بن سعيد، وسفيان بن عيينة، وتفقه بالشافعي حين قدم بغداد ولزمه واستفاد منه، وعني عناية عظيمة بالسنة والفقه، حتى عده أهل الحديث إمامهم وفقيههم، وقد أخذ عنه الحديث جماعة من الأماثل، منهم محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، والشافعي، وعبد الرزاق ووكيع وهؤلاء الثلاثة من شيوخه، وقد كان الإمام الشافعي على جلالة قدره في الحديث، والفقه يعتمد الإمام أحمد في تصحيح الأحاديث، وتضعيفها ولذلك لما اجتمع به في بغداد سنة ١٩٨. قال له: يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث، فأعلمني به أذهب إليه حجازيا كان، أو شاميا، أو عراقيا، أو يمنيا، وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثون سنة، وقال الشافعي: خرجت من العراق فما تركت رجلا أفضل، ولا أعلم ولا أورع، ولا أتقى من أحمد بن حنبل، وكذلك اعترف له بعلو المكانة في العلم، والحديث علماء عصره على اختلاف ميولهم، ومشاربهم قال إسحاق بن راهويه: "أحمد حجة بين الله، وبين عبيده في أرضه"، وقال يحيى بن معين: "كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط كان محدثا، وكان حافظا وكان عالما، وكان ورعا وكان زاهدا وكان عاقلا"، وقال أيضا: "أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن نكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقه". ا. هـ. وقد استحوذ جماعة من المعتزلة على المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق ودعوهم إلى أن يحملوا الناس على القول بخلق القرآن، وممن أريد على ذلك الإمام أحمد بن حنبل، فأبى كل الإباء فضرب وحبس وهو

стр. 353

مصر على الامتناع سنة "٢٢٠" في عهد المعتصم. قال بشر الحافي بعد ما ضرب أحمد: "أدخل أحمد الكير، فخرج ذهبا أحمر"، وقال علي بن المديني: "ما قام أحمد في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل"، ولما بلغت هذه المقالة أبا عبيد القاسم بن سلام قال: "صدق علي، أن أبا بكر وجد يوم الردة أنصارا وأعوانا، وإن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار، ولا أعوان". ثم أخذ أبو عبيد يطريه، ويقول: "لست أعلم في الإسلام مثله"، وقد توفي أحمد ﵀ سنة ٢٤١ ببغداد، وله عند العلماء حسن الذكرى، وجميل الأحدوثة تاريخ ابن كثير "١٠-٣٣٥". الإمام البخاري: هو، إمام المحدثين، وشيخ الحفاظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي مولاهم. إمام أهل الحديث في زمانه، والمقتدى به في أوانه، والمقدم على سائر أقرانه. ولد البخاري ﵀ ببخارى سنة "١٩٤هـ"، وألهمه الله حفظ الحديث، وهو في المكتب قال الفربري: سمعت محمد بن أبي حاتم وراق البخار يقول: سمعت البخاري يقول: ألهمت حفظ الحديث، وأنا في الكتاب قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك فقال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره فقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم. فقلت: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم فانتهرني فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل فنظر فيه، ثم رجع فقال: كيف هو يا غلام، فقلت: هو الزبير، وهو ابن عدي عن إبراهيم فأخذ القلم وأصلح كتابه، وقال لي: صدقت قال: فقال له إنسان ابن كم حين رددت عليه؟، فقال: ابن إحدى عشرة سنة. قال: فلما طعنت في ست عشرة سنة

стр. 354

حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع وعرفت كلام هؤلاء يعني أصحاب الرأي، قال: ثم خرجت مع أمي وأخي إلى الحج. قال: ولما طعنت في ثماني عشرة صنفت كتاب قضايا الصحابة والتابعين، ثم صنفت التاريخ في المدينة عند قبر النبي ﷺ ، وكنت أكتبه في الليالي المقمرة، وقل اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت أن يطول الكتاب. ارتحل البخاري لطلب الحديث وتنقل في البلاد. قال سهل بن السري: قال البخاري: "دخلت إلى الشام ومصر، والجزيرة مرتين وإلى البصرة أربع مرات وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين"، وكان لا يجارى في حفظ الحديث سندا ومتنا، مع تمييزه للصحيح منه والسقيم. دخل مرة إلى سمرقند، فاجتمع بأربعمائة من علماء الحديث بها، فجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها، وخلطوا في الأسانيد، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، ثم قرءوها على البخاري يقصدون امتحانه، فرد كل حديث إلى إسناده، وقوم تلك الأحاديث والأسانيد كلها ولم يقدروا أن يأخذوا عليه سقطة في إسناد ولا متن، وكذلك صنعوا معه في بغداد، فأذعنوا له بالفضل والسبق، وقد ذكروا أنه كان ينظر في الكتاب، فيحفظه من نظرة واحدة، والأخبار عنه في ذلك كثيرة. وقد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه. فقال الإمام أحمد: ما أخرجت خراسان مثله، وقال ابن المديني: لم ير البخاري مثل نفسه، وقال محمود بن النظر بن سهل الشافعي: دخلت البصرة والشام والحجاز، والكوفة ورأيت علماءها كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري، فضلوه على أنفسهم. وقال أحمد بن حمدون القصار: "رأيت مسلم بن الحجاج جاء إلى البخاري، فقبل بين عينيه، وقال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله، ثم

стр. 355

سأله عن حديث كفارة المجلس، فذكر له علته، فلما فرغ قال مسلم: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك"، وقال الترمذي: "لم أر بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ، ومعرفة الأسانيد أعلم من البخاري"، وقال ابن خزيمة: "ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ ، ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري"، وكان البخاري ﵀ من الأئمة المجتهدين في الفقه، واستنباط الأحكام من السنن والآثار، ومما يؤثر عنه قوله: "لا أعلم شيئا يحتاج إليه، إلا وهو في الكتاب والسنة"، فقيل له: يمكن معرفة ذلك فقال: نعم. وتراجمه على الأحاديث في كتابه الجامع الصحيح تدل على ذلك. قال إسحاق بن راهويه أحد شيوخه: "لو كان البخاري في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه في الحديث، ومعرفته، وفقهه"، وقال أبو نعيم، وأحمد بن حماد وغيرهما: "البخاري فقيه هذه الأمة"، وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: "محمد بن إسماعيل البخاري أفقهنا وأعلمنا، وأغوصنا، وأكثرنا طلبا"، وقال ابن كثير في التاريخ: "ومنهم من فضله في الفقه، والحديث على الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه"، وقد كان البخاري ﵀ في غاية الحياء والشجاعة، والسخاء، والورع والزهد في الدنيا شريف النفس بعيدا عن الأمراء والسلاطين حتى إن أمير بخارى خالد بن أحمد الذهلي، طلب إليه أن يحضر ليسمع أولاده منه فأبى أن يذهب. وقال: في بيته يؤتى العلم فأرد الأمير أن يصرف الناس عن السماع منه، فلم يقبلوا من الأمير، فأمر عند ذلك بنفيه فنزح البخاري من بلده إلى بلدة يقال لها: "خرتنك" على فرسخين من سمرقند، وجعل يدعو الله أن يقبضه إليه حين رأى الفتن في الدين، فمرض على أثر ذلك، وتوفي ليلة عيد الفطر عن اثنتين وستين سنة، وقد ترك بعده علما نافعا

стр. 356

لجميع المسلمين بما بثه في مؤلفاته من العلم الغزير، ومن هذه المؤلفات: قضايا الصحابة والتابعين والتاريخ الكبير، والتاريخ الأوسط والتاريخ الصغير والأدب المفرد، والقراءة خلف الإمام وبر الوالدين، وخلق أفعال العباد وكتاب الضعفاء، والجامع الكبير والمسند الكبير، والتفسير الكبير وكتاب الأشربة وكتاب الهبة، وأسامي الصحابة وكتاب الوحدان، وكتاب المبسوط، وكتاب العلل وكتاب الكنى، وكتاب الجامع الصحيح، وهو أجل كتبه نفعا، وأعلاها قدرا. ورحم الله البخاري رحمة واسعة، وأجزل له العطاء آمين١. الإمام مسلم بن الحجاج: هو، الإمام الكبير، وحافظ الحفاظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، النيسابوري. ولد بنيسابور "٢٠٤"، وطلب الحديث صغيرا ورحل في طلبه إلى جميع محدثي الأمصار فرحل إلى العراق والحجاز، والشام ومصر، وأخذ عن شيوخها من مشايخ البخاري وغيرهم. ولما ورد البخاري ونيسابور في آخر أمره لازمة مسلم وأدام الاختلاف إليه ونظر في علمه، وحذا حذوه، وكان يناضل عنه، وقد هجر من أجله شيخه محمد بن يحيى الذهلي، لما قال يوما لأهل مجلسه، وفيهم مسلم بن الحجاج، إلا من كان يقول بقول البخاري في مسألة "اللفظ بالقرآن"، فليعتزل مجلسنا فنهض مسلم من فوره إلى منزله، وجمع ما كان سمعه من الذهلي، وأرسله إليه وترك الرواية عنه في الصحيح وغيره، روى عن مسلم جماعة كثيرون من أئمة عصره وحفاظه، وفيهم طائفة من أقرانه، ومنهم أبو حاتم. الرازي وموسى بن هارون، وأحمد بن سلمة، والترمذي وغيرهم. أجمعوا

стр. 357

على جلالته وإمامته وعلو مرتبته في السنة، وحذقه فيها وتضلعه منها، ومن أكبر الدلائل على ذلك كتابه الصحيح، الذي لم يوجد في كتاب قبله، ولا بعده ما فيه من حسن الترتيب، وتلخيص طرق الحديث بغير زيادة، ولا نقصان والاحتراز من التحويل في الأسانيد، عند اتفاقها من غير زيادة، وتنبيهه على ما في ألفاظ الرواة من اختلاف في المتن، أو الأسانيد ولو قل، واعتنائه بالتنبيه على الروايات المصرحة بسماع المدلسين، وغير ذلك مما هو معروف في كتابه، وقد أثنى عليه كثير من العلماء من أهل الحديث وغيرهم. قال أحمد بن سلمة: "سمعت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما"، وقال إسحاق بن منصور لمسلم: "لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين". صنف مسلم في علم الحديث كتبا كثيرة، منها كتابه الصحيح الذي من الله به على المسلمين، ومنها الكتاب المسند الكبير على أسماء الرجال، وكتاب الجامع الكبير على الأبواب. وكتاب العلل وكتاب أوهام المحدثين، وكتاب التمييز وكتاب من ليس له إلا راو واحد، وكتاب طبقات التابعين، وكتاب المخضرمين وغير ذلك. توفي ﵀ بنيسابور "٢٦١"، عن ٥٧ عاما "تهذيب الأسماء، وتاريخ ابن كثير ١١-٣٢". الإمام النسائي: هو، الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر بن سنان بن دينار النسائي، نسبة إلى نساء بلدة مشهورة بخراسان، ويقال: النسوي بقلب الهمزة واوا. ولد ﵀ سنة "٢١٥"، وكان أحد أعلام الدين وأئمة الحديث إمام أهل عصره، وقدوتهم بين اصحاب الحديث في معرفة الجرح والتعديل. قال الحاكم أبو عبد الله: "سمعت الدارقطني غير

стр. 358

مرة يقول: أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يذكر بعلم الحديث من أهل زمانه في جرح الرواة، وتعديلهم وكان شديد التحفظ والورع، فتراه يقول في سننه وهو يروي عن الحارث بن مسكين: هكذا قرئ عليه، وأنا أسمع ولا يقول في الرواية عنه: حدثنا أو أخبرنا كما يقول في روايات أخرى عن مشايخه". سمع إسحاق بن راهويه، وأبا داود السجستاني، ومحمود بن غيلان، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن خشرم وغيرهم من أهل خراسان، والحجاز والجزيرة، ومصر والشام وغيرها، وأخذ عنه الحديث خلق كثير منهم الدولابي، وأبو القاسم الطبراني، وأبو جعفر الطحاوي، ومحمد بن هارون بن شعيب. رحل وهو ابن "١٥" سنة إلى قتيبة بن سعيد البلخي، ومكث عنده سنة وشهرين، وأخذ عنه الحديث وقدم مصر، وأقام بها طويلا وانتشرت بها تصانيفه، وأخذ عنه الناس، ثم خرج منها سنة "٣٠٢" إلى دمشق، فسئل عن معاوية وما روي من فضائله، ففضل عليا عليه، فما زالوا به حتى قتلوه ضربا. قال الدارقطني: "لما امتحن النسائي بدمشق قال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها فتوفي بها، ودفن بين الصفا والمروة"، وصوب الذهبي أنه مات بالرملة بفلسطين. نقل التاج السبكي عن شيخ الحافظ الذهبي ووالده التقي السبكي، أن النسائي أحفظ من مسلم صاحب الصحيح، وأن سننه أقل السنن بعد الصحيحين حديثا ضعيفا، بل قال بعض الشيوخ: أنه أشرف المصنفات كلها، وما وضع في الإسلام مثله، وقد قال ابن منده وابن السكن، وأبو علي النيسابوري، وأبو أحمد بن عدي، والخطيب والدارقطني: "كل ما في سنن النسائي صحيح"، لكن في هذا تساهل صريح، وشذ بعض المغاربة ففضله

стр. 359

على كتاب البخاري، ولعله لبعض الحيثيات الخارجة عن كمال الصحة، وقال أبو علي النيسابوري: "للنسائي شرط في الرجال أشد من شرط مسلم"، وهذا القول غير مسلم قال البقاعي في شرح الألفية عن ابن كثير: "أن في النسائي رجالا مجهولين إما عينا، أو حالا ومنهم المجروح وفيه أحاديث ضعيفة، ومعلة ومنكرة"، وللنسائي مصنفات كثيرة في الحديث والعلل توفي ﵀ سنة "٣٠٣"، بعد أن عمر ٨٩ عاما١. أبو داود: هو، سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأسدي السجستاني، ولد سنة "٢٠٢" ورحل في طلب العلم، وكتب عن أهل العراق والشام، ومصر وخراسان وأخذ الحديث عن مشايخ البخاري، ومسلم كأحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة وقتيبة بن سعيد، وغيرهم من أئمة الحديث، وأخذ عنه ابنه عبد الله، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو علي اللؤلؤي وخلق سواهم. أثنى العلماء عليه ووصفوه بالحفظ التام، والعلم الوافر والفهم الثاقب في الحديث، وغيره مع الدين والورع فكان علما من أعلام الحفاظ لحديث رسول الله ﷺ ، وسننه وأيامه. قال الحاكم أبو عبد الله: كان أبو داود إمام أهل الحديث في عصره، بلا مدافعة سمعه بمصر والحجاز والشام، والعراقين، وخراسان". وكان علماء الحديث قبل أبي داود قد صنفوا الجوامع، والمسانيد ونحوها فتجمع كتبهم إلى السنن والأحكام أخبارا وقصصا، وآدابا ومواعظ، فأما السنن المحضة، فلم يقصد أحد منهم إفرادها واستخلاصا، حتى جاء أبو داود فعمل على جمع أحاديث الأحكام، والاقتصار عليها

стр. 360

فاتفق له ما لم يتفق لغيره وقد عرضا على أحمد بن حنبل، فاستجادها واستحسنها. وقال إبراهيم الحربي: "لما صنف أبو داود هذا الكتاب ألين له الحديث، كما ألين لداود الحديد"، صنف أبو داود كتبا كثيرة، وتوفي بالبصرة سنة "٢٧٥". الترمذي: هو، الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي، الترمذي ولد سنة ٢٠٩ بترمذ، وكان إماما ثقة حجة. أخذ الحديث عن جماعة كثيرة منهم قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن موسى ومحمود بن غيلان وسعيد بن عبد الرحمن، ومحمد بن بشار وعلي بن حجر، وأحمد بن منيع ومحمد بن المثنى، وسفيان بن وكيع ومحمد بن إسماعيل البخاري. وأخذ عنه الحديث خلق كثير منهم محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي، راوي الجامع عنه وأبو حامد أحمد بن عبد الله المروزي، والهيثم بن كليب الشاشي، ومحمد بن المنذر بن شكر. طاف أبو عيسى البلاد، وسمع خلقا كثيرا من الخراسانيين والعراقيين، والحجازيين، وكتب الحديث وصنف التصانيف العجيبة. منها: الجامع، وكتاب الأسماء والكنى، والشمائل، والتواريخ، والعلل، وكتاب الزهد، واتفقوا على إمامته وجلالته. ذكره ابن حبان في الثقات فقال: "كان ممن جمع وصنف وحفظ وذاكر"، وقال أبو يعلى الخليلي: "ثقة متفق عليه"، ويكفي في توثيقه أن إمام الحديث، والمحدثين محمد بن إسماعيل البخاري، كان يعتمده ويأخذ عنه، وقال الحافظ ابن كثير: "روى عنه غير واحد من العلماء منهم محمد بن إسماعيل البخاري في الصحيح". وعلى هذا التفات إلى قول ابن حزم فيه، أنه مجهول. قال الحافظ ابن كثير: وجهالة ابن حزم لأبي عيسى الترمذي لا تضره حيث قال في محلاه:

стр. 361

"ومن محمد بن عيسى بن سورة"، فإن جهالته لا تضع من قدره عند أهل العلم، بل وضعت من منزلة ابن حزم عند الحفاظ. وكيف يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل وقال الذهبي في ميزانه: "محمد بن عيسى بن سورة الحافظ العلم، أبو عيسى الترمذي صاحب الجامع، ثقة مجمع عليه ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم فبه في الفرائض من كتاب الاتصال أنه مجهول فإنه ما عرف ولا درى بوجود الجامع، ولا العلل التي له". ا. هـ. كف بصره في آخر عمره، وتوفي رحمه الله تعالى بترمذ سنة "٢٧٩هـ" عن سبعين عاما١. ابن ماجه: هو، أبو عبد الله محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه "ماجه اسم ليزيد"، القزويني صاحب كتاب السنن المشهورة، والتفسير، والتاريخ. ولد سنة "٢٠٩"، وارتحل لكتابة الحديث وتحصيله إلى الري، والبصرة، والكوفة وبغداد، والى الشام ومصر والحجاز، وأخذ الحديث عن كثير من شيوخ الأمصار كأبي بكر بن أبي شيبة، وأصحاب مالك والليث، وروى عنه خلق كثير منهم ابن سيبويه، ومحمد بن عيسى الصفار، وإسحاق بن محمد وعلي بن إبراهيم بن سلمة القطان، وأحمد بن إبراهيم جد الحافظ بن كثير، وسليمان بن يزيد. قال أبو يعلى الخليلي القزويني: "كان عالما بهذا الشأن، صاحب تصانيف منها التاريخ والسنن، وارتحل إلى العراقين، ومصر، والشام"، قال ابن كثير: "محمد بن يزيد بن ماجه صاحب كتاب السنن المشهورة، وهي دالة على عمله، وعلمه وتبحره واطلاعه

стр. 362

واتباعه للسنة في الأصول، والفروع ويشتمل على اثنين وثلاثين كتابا وألف وخمسمائة باب، وعلى أربعة آلاف حديث كلها جياد سوى اليسيرة"، وتوفي ﵀ سنة "٢٧٣". ا. هـ. الإمام ابن قتيبة الدينوري: هو، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وقيل: المروزي اللغوي صاح كتاب المعارف، وأدب الكاتب كان فاضلا ثقة. سكن بغداد، وحدث بها عن إسحاق بن راهويه، وأبي إسحاق إبراهيم الزيادي "نسبة إلى جده زياد بن أبيه"، وأبي حاتم السجستاني وتلك الطبقة. روى عنه ابنه أبو جعفر أحمد الفقيه، الذي تولى القضاء بمصر وقدمها سنة "٣٢١"، ويقال: أنه روى عن أبيه كتبه المصنفة كلها، وممن روى عن ابن قتيبة أيضا ابن دستويه الفارسي، وتصانيفه كلها مفيدة. منها ما تقدم ذكره، ومنها: غريب القرآن، وغريب الحديث، وعيون الأخبار، ومشكل القرآن، ومشكل الحديث، وطبقات الشعراء، والأشربة، وإصلاح الغلط، وكتاب التفقيه، وكتاب الخيل، وكتاب إعراب القرآن، وكتاب الأنواء، وكتاب المسائل والجوابات، والميسر والقداح، وغير ذلك، أقرأ كتبه ببغداد إلى حين وفاته. قيل: إن أباه مروزي، وأما هو فمولده ببغداد وقيل: بالكوفة، وأقام بالدينور مدة قاضيا فنسب إليها، ا. هـ "من ابن خلكان". علمه وفضله: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه تفسيره سورة الإخلاص، بعد أن حكى القول بأن الراسخين يعلمون التأويل الصحيح للمتشابه ما نصه: وهذا القول اختيار كثير من أهل السنة، منهم ابن قتيبة وأبو سليمان الدمشقي وغيرهما، وابن قتيبة من المنتسبين إلى أحمد، وإسحاق والمنتصرين لمذاهب السنة المشهورة، وله في ذلك مصنفات

стр. 363

متعددة. قال فيه صاحب كتاب التحديث: وهو أحد أعلام الأئمة والعلماء والفضلاء. أجودهم تصنيفا، وأحسنهم ترصيفا له زهاء ثلاثمائة مصنف، وكان يميل إلى مذهب أحمد وإسحاق، وكان معاصرا لإبراهيم الحربي، ومحمد بن نصر المروزي، وكان أهل المغرب يعظمونه، ويقولون: من استجاز الوقيعة في ابن قتيبة يتهم بالزندقة، ويقولون: "كل بيت ليس فيه شيء من تصنيفه لا خير فيه". ا. هـ. قلت: ويقال: هو لأهل السنة مثل الجاحظ للمعتزلة، فإنه خطيب أهل السنة كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة. انتهى كلام شيخ الإسلام. ثم ناقش ﵀ ابن الأنباري في رده على ابن قتيبة، فقال: وليس هو "يعني ابن الأنباري"، أعلم بمعاني القرآن والحديث، وأتبع للسنة من ابن قتيبة ولا أفقه في ذلك، وإن كان ابن الأنباري من أحفظ الناس للغة، لكن باب فقه النصوص غير باب حفظ ألفاظ اللغة. ا. هـ. وقال الذهبي في الميزان: عبد الله بن مسلم بن قتيبة، أبو محمد صاحب التصانيف صدوق قليل الرواية. روى عن إسحاق بن راهويه، وجماعة. قال الخطيب: كان ثقة دينا، فاضلا. توفي في رجب سنة ٢٧٦.

стр. 364

المبحث الرابع: تدوين الحديث في هذا العصر وطريقة العلماء في ذلك ... البحث الرابع: تدوين الحديث في هذا العصر، وطريقة العلماء في ذلك تبلور التدوين للحدي تبعا لسنة التطور من جهة، ولعوامل خاصة، أملتها ظروف الحوادث من جهة أخرى، فبعد أن كان العلماء يدونون الأحاديث ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وجدناهم في هذا الدور يفردون أحاديث رسول الله ﷺ ، عن أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ثم لما قامت محنة القول بخلق القرآن التي أثارها المأمون، وتسلط فيها المعتزلة على أهل الحديث بالانتقاص من قدرهم، ورميهم بحمل المتناقض والمشكل ورواية الخافات، وجدنا من علماء الحديث من انتدب نفسه للرد عليهم، فجمع طعونهم، والأحاديث التي زعموها مشكلة، أو متناقضة ورد عليهم ببيان الحق الذي أزهق باطلهم، ومحق دجلهم وبهتانهم، وعلى ضوء هذا يمكننا أن نرجع الطرق التي تطور إليها التدوين للحديث في هذا الدور إلى ثلاث طرق وهي: الطريقة الأولى: في هذه الطريقة كان العلماء يجمعون الطعون، التي وجهها أهل الكلام إلى أهل الحديث، سواء منها ما كان يرجع إلى أشخاصهم من العدالة، والضبط أم ما كان يرجع إلى ما حملوه من الحديث، من كونه كلام خرافة أو متناقضا، أو مشكلا ثم يكرون عليها بالإبطال، وينزهون ساحة الأئمة والأحاديث عن هذه الطعون الزائفة، وكان من هؤلاء الأعلام الإمام ابن قتيبة ﵀ صاحب كتاب "تأويل مختلف الحديث في الرد على أعداء الحديث"، وسيأتي الكلام عليه١. الطريقة الثانية: جمع الحديث على المسانيد، وذك أن يجمع المحدث في ترجمة كل صحابي ما يرويه عنه من حديثه سواء كان صحيحا أم غير صحيح، ويجعله على حدة، وإن اختلفت أنواعه فمثلا يذكر أبا بكر، ثم يسرد ما رواه عنه من الأحاديث، وإن اختلفت موضوعاتها، ثم عمر كذلك وهلم جرا، ولهم في ترتيب أسماء الصحابة طرق مختلفة، فمنهم من رتبها على القبائل، فقدم بني هاشم ثم الأقرب فالأقرب نسبا إلى رسول الله ﷺ ، ومنهم من رتبها على السوابق في الإسلام، فقدم العشرة المشهود لهم بالجنة، ثم أهل بدر ثم أهل الحديبية، ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح، ثم من أسلم يوم الفتح، ثم أصاغر الصحابة سنا ثم النساء، ومنهم

стр. 365

من لم يراع شيئا من ذلك، والمسانيد التي ألفت في هذا العصر كثيرة جدًّا منها: مسند عبيد الله بن موسى المتوفى سنة "٢١٣"، ومسند الحميدي "٢١٩" ومسند مسدد بن مسرهد "٢٢٨"، ومسند إسحاق بن راهويه "٢٣٧"، ومسند عثمان بن أبي شيبة "٢٣٩"، ومسند الإمام أحمد بن حنبل "٢٤١"، ومسند عبد بن حميد "٢٤٩"، والمسند الكبير ليعقوب بن شيبة "٢٦٢"، ولم يؤلف١ أحسن منه لكنه لم يتمه، ومسند محمد بن مهدي "٢٧٢"، والمسند الكبير لبقي بن مخلد القرطبي "٢٧٦"، رتبه على أسماء الصحابة، ثم رتب حديث كل صحابي على أبواب الفقه، ومجموع من روى عنه من الصحابة فيه "١٦٠٠"، فجاء فكتابا حافلا مع ثقة مؤلفه، وضطه واتقانه، وقد فضله ابن حزم على مسند الإمام أحمد بن حنبل. قال ابن كثير في التاريخ، وعندي في ذلك نظر، والظاهر أن مسند أحمد أجود منه أجمع. ا. هـ. وهذه الطريقة من التصنيف لا تخلو عن عيوب، فإن المطلع على المسانيد إذا لم يكن من أهل الفن المتضلعين فيه الواقفيه على أحوال المتون، والأسانيد تعذر عليه الوقوف على درجة الحديث من الصحة، والضعف، والاحتجاج به أو عدمه إذ كل حديث في نظره يحتمل الصحة والضعف. هذا إلى أن الوقوف على الأحكام الشرعية منها شاق على غير الحفاظ، المتقنين لعدم التناسب في جمع الأحاديث بين موضوعاتها، ومهما يكن من شيء، فلأصحاب المسانيد الفضل الأكبر في تجريد الأحاديث النبوية عن غيرها، وجمعهم كثيرا من متونها وأسانيدها، ولهم في تدوين الأحاديث التي لم تبلغ مرتبة الصحة مقاصد جليلة، منها أن طرقه قد تتعدد فيبلغ مبلغ الصحيح، ومنها أنها تصلح للاعتبار بها ومنها ما تتبين صحته

стр. 366

فيما بعد لأهل الحديث ونقاده، فلا يخطرن ببالك أنهم كانوا فيما جمعوا كحاطب ليل. بل كانوا على علم تام بصحيحها وضعيفها وأسانيدها وعللها كيف لا وقد رحلوا في سبيلها إلى الأقطار المختلفة، وأفنوا أعمارهم في جمعها وتمحيصها حتى كانوا صيارفة الحديث بحق. وقد رأيت أن بعض أصحاب المسانيد لم يقتصر على جمع الأحاديث، من غير أن يبين حال متونها، وأسانيدها وأن بعضهم قد جمع إلى ترتيبها على أسماء الصحابة، ترتيبها على أبواب الفقه، كما في المسند الكبير لبقي بن مخلد. والمسند الكبير ليعقوب بن شيبة، فإن الأول رتب حديث كل صحابي على أبواب الفقه، والثاني ألف مسنده معللا، فجمع في كل حديث طرقه واختلاف الرواة فيه. الطريقة الثالثة: التصنيف على الأبواب، وهو تخريج الأحاديث على أحكام الفقه، وغيرها وتنويعه أنواعا، وجمع ما ورد في كل حكم، وكل نوع في باب حيث يتميز ما يتعلق بالصلاة مثلا، عما يتعلق بالصيام، وأهل هذه الطريقة منهم من اقتصر على إيراد ما صح فقط، كالبخاري، ومسلم في صحيحيهما ومنهم من لم يقتصر على ذلك، كأبي داود، والترمذي، والنسائي. وكان أول الراسمين لهذه الطريقة المثلى، شيخ المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري "٢٥٦"، فجمع في صحيحه "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ ، وسننه، وأيامه": ما تبين صحته من الأحاديث مرتبة على الأبواب، واقتفى أثره في ذلك الإمام مسلم بن الحجاج القشيري "٢٦١" في صحيحه، وكان من الآخذين عن البخاري، وقد اتفق العلماء على أن كتابيهما أصح الكتب المصنفة.

стр. 367

ثم حذا حذوهما كثير من المحدثين في مصنفاتهم كالنسائي، وأبي داود، والترمذي. وفي هذه الطريقة من الفوائد الوقوف على درجة الأحاديث بسهولة، وتيسير الاطلاع على الأحكام الشرعية، وغيرها في الأبواب المختلفة، ولذلك جعل العلماء الأحاديث هذه الكتب المرتبة الأولى في الاعتبار، ولأحاديث المسانيد المرتبة الثانية. هذا والقرن الثالث، يعتبر أجل عصور الحديث، وأسعدها بتدوين الحديث، وتقريبه على طالبيه ففيه ظهر كبار المحدثين، وحذاق الناقدين ومهرة المؤلفين وفيه ظهرت الكتب الخمسة: الصحيحان للبخاري ومسلم، والسنن لأبي داود والنسائي، والترمذي، وقد اعتمدها المحدثون وعول عليها المستنبطون، وحظيت بخدمة العلماء في جميع العصور ما بين شارح ومختصر، وناقد ومنتصر، ومستخرج عليها ومؤرخ لرجالها، وجامع لأطرافها ومستدرك عليها. وقال النووي وغيره: لم يفت الكتب الخمسة من الأحاديث الصحيحة، إلا النزر اليسير، وإليك الكلام على أشهر الكتب المؤلفة في هذا الدور: كتاب تأويل مختلف الحديث: هذا كتاب جليل القدر، عظيم النفع. ألفه الإمام ابن قتيبة مدافعا به عن السنة، وأهلها مناضلا عن الحق وداحضا لأباطيل المموهين. رد فيه على أعداء أهل الحديث، وجمع بين الأخبار، التي زعموا فيها التناقض والاختلاف، وأجاب عما أورده من شبه حول بعض الآثار المتشابهة، أو المشكلة بادئ الرأي: طريقته فيه: بدأ ﵀ الكلام في الباعث له على تأليفه، ثم تكلم

стр. 368

على أهل الكلام وأصحاب الرأي فبين حال الفريقين، ثم تحدث عن كبار المعتزلة الطاعنين في أهل الحديث واحدا واحدا، بادئا بالنظام ذاكرا طعنه في "أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب ﵄"، واعتراضه على "علي وابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبي هريرة ﵃"، ثم انبرى للإجابة عن جميع هذه الطعون وتفنيدها، ثم ذكر أبا الهذيل العلاف وسخافاته، وعبيد الله بن الحسن وتناقضاته، وبكرا صاحب البكرية وتهجماته، وهشام بن الحكم وقبح مقالاته، ثم عرج على الجاحظ، خطيب المعتزلة فبين تذبذبه في العقائد والدين، واستهزاءه بحديث سيد المرسلين ﷺ ، وأبان عن كذبه، ووضعه للحديث ونصره للباطل، إلى غير ذلك من مزاعمهم وغرائب أقوالهم، ثم ذكر الإمام ابن قتيبة: أنه كان في أول الأمر مغترا بالمتكلمين من أهل الاعتزال، وأنه كان يرتاد مجالسهم، ويغشى نواديهم ويسمع لكلامهم. ثم لما أن وقف على جرأتهم على الله ﵎، وردهم للأحاديث الصحيحة. الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وسمع منهم تفسير كتاب الله بالعجيب من الآراء ميلا مع أهوائهم ونحلهم: ترك مجالسهم بل وأخذ ينشر على الناس ما خفي من هناتهم غير الهينات، ثم ذكر تفسير الروافض لبعض آيات القرآن على هواهم، زاعمين أنهم على علم بباطن القرآن، لما ورثوه من -علم الجفر- عن الإمام علي كرم الله وجهه، وفند تلك المزاعم كلها. ثم شرع في الكلام على أهل الحديث، وبين التماسهم للحق من طريقة الصحيح، وأجاب عن معايب نسبته إليهم، وهم بريئون منها، ونبه على بعض أحاديث من وضع القصاص، والزنادقة وأهل الأهواء، وبين أن حمل المحدثين لبعض الأحاديث الضعيفة إنا ذلك؛ لأنهم ينخلون المتون والأسانيد جميعا، ويميزون بين الصحيح منها، والسقيم، وينصون على ذلك

стр. 369

ويبينونه للناس، وضرب لذلك كثيرا من الأمثال. كما أوضح أن زلل المحدث في الإعراب لا يعد عيبا فيه كما أن زلل الفقيه في الشعر لا يعتبر نقصا له. ثم أخذ هذا الإمام الجليل في ذكر الجمع بين الأحاديث، التي زعم المتكلمون أنها متناقضة أو مشكلة فرفع التناقض عنها وأزل الإشكال، وسجل على أهل الكلام التعصب، الذي أعماهم فاتخذوا إلههم هواهم: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ . هذا ونلفت نظر القارئ الكريم -وقد شرحنا له الغرض من تأليف هذا الكتاب العظيم، ووقفناه على جل محتوياته -أن جمهرة المستشرقين، ومن على نهجهم من الملحدين والمتحللين في عصرنا هذا يسطون على هذا الكتاب، ويلتقطون منه هذه المطاعن التي فندها هذا الإمام الجليل، دون أن ينبهوا للناس على أن إماما كبيرا من أئمة المسلمين تولى الإجابة عنها -وهذا أمر طبيعي فيهم- بل وينسبون هذه المطاعن إلى ابن قتيبة نفسه، على أنها من آرائه في الصحابة، وأهل الحديث وفوق هذه الخيانة العلمية العظمى، يقوم هؤلاء الأعداء الألداء بصوغ هذه الشبهات على أنها قواعد مسلمة عند المسلمين، ثم يبنون عليها آراءهم الزائفة، التي تطعن في هذا الدين الحنيف، وتأتي على بنائه من القواعد، وأن من ألقى نظرة على ما جاء في هذا الدين الحنيف، وتأتي على بنائه من القواعد، وأن من ألقى نظرة على ما جاء في هذا الكتاب، ثم طالع بعض مقالات هؤلاء القوم افتضح أمامه أمرهم، وظهر له ضلالهم وتضليلهم، والله لا يهدي كيد الخائنين. مسند الإمام أحمد: هو، كتاب عظيم في السنة شهد له المحدثون قديما، وحديثا بأنه أجمع كتب السنة للحديث، وأوعاها لكل ما يحتاج إليه المسلم في أمر دينه ودنياه، وقد سلك الإمام أحمد في ترتيبه مسلكا، يتفق وطريقة أهل طبقته، فهو يذكر الصحابي، ثم يورد ما رواه عن رسول الله ﷺ من الأحاديث

стр. 370

غير ناظر إلى ترتيبها حسب موضوعاتها ثم يتلوه بالصحابي الآخر، وهكذا، فالمتصفح لهذا الكتاب يرى حديثا في الحدود، يلي حديثا آخر في العبادات إلى جانب ثالث في الترغيب والترهيب. وهذه الطريقة، وإن كانت لا تلائم أهل عصر، الحاضر الذين قعدت بهم الهمم، وضعفت فيهم ملكة الحفظ والضبط كانت سائغة ميسورة لأهل القرن الثالث، الذين عظمت عنايتهم بحفظ الحديث وضبطه، ومذاكرته ودرسه حتى كان الواحد منهم يحفظ المسند الكبير كما يحفظ السورة من القرآن الكريم، ويعرف صحيحه من سقيمه وغثه من سمينه. هذا وقد اشتمل مسند أحمد على أربعين ألف حديث بالمكرر، ومن غير المكرر على ثلاثين ألفا، ومع ذلك فلم يستوعب الأحاديث كلها، ومن زعم ذلك فقد أخطأ. قال الحافظ ابن كثير: "لا يوزاي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته، وقد فاته أحاديث كثيرة جدا، بل قيل: إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبا من مائتين"١. ا. هـ. وفي المسند نحو ثلاثمائة حديث، ليس بين أحمد وبين رسول الله ﷺ فيها غير ثلاثة رواة. المسند الذي بأيدينا اليوم: والمسند الذي بأيدينا اليوم ليس كله من رواية الإمام أحمد، ولكن أضاف إليه ابنه عبد الله زيادات ليست من رواية أبيه، وكذلك فعل الإمام أبو بكر القطيعي رواية المسند عن عبد الله بن الإمام أحمد. قال الأستاذ المحدث الشيخ أحمد البنا الشهير بالساعاتي، في مقدمة الفتح الرباني: "بتتبعي لأحاديث المسند، وجدتها تنقسم إلى ستة أقسام: ١- قسم رواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد، عن أبيه سماعا منه، وهو المسمى

стр. 371

بمسند الإمام أحمد، وهو كبير جدا يزيد عن ثلاثة أرباع الكتاب. ٢- قسم سمعه عبد الله من أبيه، ومن غيره وهو قليل جدا. ٣- وقسم رواه عن غير أبيه، وهو المسمى عند المحدثين بزوائد عبد الله، وهو كثر بالنسبة للأقسام كلها عدا القسم الأول. ٤- وقسم قرأه عبد الله على أبيه، ولم يسمعه منه وهو قليل. ٥- وقسم لم يقرأه ولم يسمعه، ولكنه وجده في كتاب أبيه بخط يده. ٦- وقسم رواه الحافظ أبو بكر القطيعي، عن غير عبد الله وأبيه رحمهما الله تعالى، وهو أقل الجميع فهذه ستة أقسام، وكل هذه الأقسام من المسند إلا الثالث فإنه من زوائد عبد الله والسادس فإنه من زوائد القطيعي"١. ا. هـ. سمع المسند من الإمام أحمد أولاده الثلاثة: صالح وعبد الله وحنبل. قال عثمان بن السباك: حدثنا حنبل قال: جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح، وعبد الله وقرأ علينا المسند وما سمعه غيرنا وقال لنا: "هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله ﷺ ، فارجعوا إليه فإن وجدتموه، وإلا فليس بحجة"، وسئل الشيخ الإمام الحافظ علي بن الحافظ، الفقيه محمد اليونيني رحمهما الله تعالى. أنت تحفظ الكتب الستة. فقال: أحفظها وما أحفظها فقيل له كيف هذا. فقال: أنا أحفظ مسند أحمد، وما يفوت المسند من الكتب الستة، إلا قليل فأنا أحفظها بهذا الوجه٢. ومما تقدم يتبين لك أن المسند جمع مقدارا عظيما من الأحاديث النبوية، وأن صاحبه انتقاه من أكثر من "٧٥٠" ألف حديث، وأن عبد الله بن الإمام زاد فيه كثيرا من الأحاديث، التي لم يأخذها

стр. 372

عن أبيه وكذلك فعل الإمام أبو بكر القطيعي راوية المسند، عن عبد الله بن الإمام أحمد. درجة أحاديثه: للعلماء في درجة أحاديثه أقوال: الأول: إن ما فيه من الأحاديث حجة، وهو ظاهر عباة الإمام السابقة التي رواها ابن السباك، عن حنبل عن الإمام، وفي معناه ما روى أبو موسى المديني عن الإمام أحمد أنه سئل عن حديث، فقال: انظروه فإن كان في المسند وإلا فليس بحجة. وما قاله أبو موسى المديني أيضا في كتابه خصائص المسند، قال: وهذا الكتاب أصل كبير ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتقي من حديث كثير ومسموعات وافرة، فجعله صاحبه إماما ومعتمدا وعند التنازع ملجأ ومستندا، قال: ولم يخرج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته دون من طعن في أمانته. قال: ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد ﵀ مسنده قد احتاط فيه إسنادا ومتننا، ولم يورد فيه إلا ما صح عنده ما رواه القطيعي قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت أبا زرعة يحدث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "يهلك أمتي هذا الحي من قريش، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم"، قال عبد الله: قال لي أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث، فإنه خلاف الأحاديث عن النبي ﷺ يعني قوله: "اسمعوا وأطيعوا"، فهذا الحديث مع ثقة رجال إسناده حين شذ لفظه عن المشاهير أمر بالضرب عليه، فقال عليه ما قلنا وفيه نظائر له. ا. هـ بحذف يسير. قال الأستاذ المحدث الشيخ، أحمد بن عبد الرحمن البنا: هذا مثال لشدة احتياط الإمام أحمد في المتن، وأما احتياطه في السند فقد روى

стр. 373

القطيعي، قال: حدثنا عبد الله، حدثني أبي حدثنا علي بن ثابت الجزري، عن ناصح أبي عبد الله، عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة، أن النبي ﷺ قال: "لأن يؤدب الرجل ولده، أو أحدكم ولده خي له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع"، قال عبد الله: وهذا الحديث لم يخرجه أبي في مسنده من أجل ناصح؛ لأنه ضعيف في الحديث وأملاه على في النوادر١. ا. هـ. القول الثاني: أن فيه الصحيح والضعيف، والموضوع فقد ذكر ابن الجوزي في الموضوعات تسعة وعشرين حديثا منها، وحكم عليها بالوضع، وزاد الحافظ العراقي عليه تسعة أحاديث، حكم عليها بالوضع وجمعها في جزء. قال العراقي ردا على من قال أن أحمد شرط في مسنده الصحيح: لا نسلم ذلك والذي رواه عنه أبو موسى المديني، أنه سئل عن حديث فقال: انظروه فإن كان في المسند، وإلا فليس بحجة فهذا ليس بصريح في أن كل ما في حجة، وإنما هو صريح في أن ما ليس فيه ليس بحجة. قال: على أن ثم أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيحين، وليست فيه منها حديث عائشة في قصة أم زع قال: وأما وجود الضعيف فيه، فهو محقق بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء، ولعبد الله ابنه فيه زيادات، فيها الضعيف والموضوع٢. ا. هـ. القول الثالث: أن فيه الصحيح والضعيف الذي يقرب من الحسن، وممن ذهب إلى ذلك من الحفاظ أبو عبد الله الذهبي، وابن حجر العسقلاني، وابن تيمية والسيوطي. وإليك أقوالهم في ذلك: قال الحافظ السيوطي في خطبة الجامع الكبير ما لفظه: "وكل ما كان في مسند

стр. 374

أحمد فو مقبول، فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن"، وقال الحافظ ابن حجر في كتابه تعجيل المنفعة في رجال الأربعة: "ليس في المسند حديث لا أصل له، إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة منها حديث عبد الرحمن بن عوف "أنه يدخل الجنة زحفا"، والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه، فترك سهوا أو ضرب، وكتب من تحت الضرب". ا. هـ. وقال ابن تيمية في كتابه منهاج السنة: "شرط أحمد في المسند ألا يروى عن المعروفين بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف، قال: ثم زاد عبد الله بن أحمد زيادات على المسند ضمت إليه، وكذلك زاد أبو بكر القطيعي، وفي تلك الزيادات كثير من الأحاديث الموضوعة، فظن من لا علم عنده أن ذلك من رواية أحمد في مسنده" ا. هـ. وقال الحافظ الذهبي: "ولو أنه -يعني عبد الله بن الإمام أحمد- حرر ترتيب المسند وقربه وهذبه لأتى بأسنى المقاصد، ولعل الله تباك وتعالى أن يقيض لهذا الديوان السامي من يخدمه، ويبوب عليه ويتكلم على رجاله، ويرتب هيئته ووضعه، فإنه محتو على أكثر الحديث النبوي، وقل أن يثبت حديث إلا وهو فيه. قال: وأما الحسان فما استوعبت فيه بل عامتها إن شاء الله تعالى فيه، وأما الغرائب وما فيه لين فروي من ذلك الأشهر، وترك الأكثر مما هو مأثور في السنن الأربعة، ومعجم الطبراني الأكبر والوسط، ومسندي أبي يعلى والبزار، وأمثال ذلك قال: ومن سعد مسند الإمام أحمد قل أن تجد فيه خبرا ساقطا"١ ا. هـ. هذا وقد ألف شيخ الإسلام ابن حجر كتابا سماه "القول المسدد في الذب عن المسند"، قال في خطبته: "ذكرت في هذه الأوراق ما حضرني

стр. 375

من الكلام على الأحاديث التي زعم بعض أهل الحديث أنها موضوعة، وهي في مسند أحمد ذبا عن هذا التصنيف العظيم، الذي تلقته الأمة بالقبول والتكريم، وجعله إمامهم حجة يرجع إليه، ويعول عند الاختلاف عليه، ثم سرد الأحاديث التي جمعها العراقي في جزء، وحكم عليها بالوضع، وهي تسعة وأضاف إليها خمسة عشر حديثا، أوردها ابن الجوزي في الموضوعات، وهي فيه وأجاب عنها حديث حديثا". ا. هـ، قال السيوطي في التدريب: وقد فاته أحاديث أخر أوردها ابن الجوزي، وهي فيه وجمعتها في جزء سميته "الذيل الممهد"، وعدتها أربعة عشر حديثا١. ا. هـ. قال الشوكاني: وقد حقق الحافظ نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاء وتحريرا من الكتب، التي لم يلتزم مصنفوها الصحة في جميعها، وليست الأحاديث الزائدة فيه على الصحيحين، بأكثر ضعفا من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي. ا. هـ. الجمع بين أقوال العلماء في مسند أحمد: يمكن إرجاع القولين الأولين إلى القول الثالث، وبذلك لا يكون هناك خلاف في درجة أحاديث المسند، فمن حكم على بعض أحاديثه بالوضع، نظر إلى ما زاده فيه أبو بكر القطيعي، وعبد الله بن الإمام أحمد، والقول بحجية ما فيه من الأحاديث لا ينافي القول بأن فيه الضعيف، فإن الضعيف فيه دائر بين الحسن لذاته، والحسن لغيره، وكلاهما مما يحتج به عند العلماء. عناية الأمة بمسند الإمام أحمد: قال في كشف الظنون: جمع غريبه أبو عمر محمد بن عبد الواحد

стр. 376

المعروف بغلام ثعلب في كتاب، وتوفي سنة "٣٤٥"، واختصره الشيخ الإمام سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن الشافعي، المتوفى سنة ٨٠٥ خمس وثمانمائة، وعليه تعليقة للسيوطي في إعرابه سماها عقود الزبرجد، وقد شرح المسند أبو الحسن بن عبد الهادي السندي، نزيل المدينة المنورة المتوفى سنة "١١٣٩" شرحا كبيرا نحوا من خمسين كراسة كبار، واختصره الشيخ زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبي١. ا. هـ. وقال الحافظ ابن الجزري: أقام الله تعالى لترتيبه شيخنا خاتمة الحفاظ، أبا بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت، فرتبه على معجم الصحابة، ورتب الرواة كذلك كترتيب الأطراف تعب فيها تعبا كثيرا، ثم إن شيخنا الإمام مؤرخ الإسلام، وحافظ الشام عماد الدين أبا الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه الله تعالى، أخذ هذا الكتاب المرتب من مؤلفه، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي، وجهد نفسه كثيرا، وتعب فيه تعبا عظيما، فجاء لا نظير له في العالم، وأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة، فإنه قبل أن يكمله كف بصره ومات، وقال رحمه الله تعالى: لا زلت أكتب فيه في الليل والسراج ينونص، حتى ذهب بصري معه، ولعل الله أن يقيض له من يكمله مع أنه سهل. فإن معجم الطبراني الكبير لم يكن فيه شيء من مسند أبي هريرة ﵁. ا. هـ. واسم هذا الكتاب الذي ألفه ابن كثير "جامع المسانيد والسنن"، ويوجد منه في دار الكتب المصرية ثمانية أجزاء٢، وقد رتب المسند

стр. 377

على الأبواب بعض الحفاظ الأصبهانيين، وكذا الحافظ ناصر الدين بن رزيق وغيره ورتبه على حروف المعجم الحافظ، أبو بكر محمد بن أبي محمد عبد الله المقدسي، الحنبلي١، وقد رتب المسند على الأبواب ترتيبا متقنا مهذبا، معاصرنا الفاضل الشيخ المحدث العلامة أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا، الشهير بالساعاتي انتهى من تبييضه عام "١٣٥١" للهجرة، وجعله سبعة أقسام: قسم التوحيد وأصول الدين، وقسم الفقه، وقسم التفسير، وقسم الترغيب، وقسم الترهيب، وقسم التاريخ، وقسم القيامة، وأحوال الآخرة. على هذا الترتيب وكل قسم من هذه الأقسام السبعة، يشتمل على جملة كتب وكل كتاب يندرج تحته جملة أبواب، وبعض الأبواب يدخل فيه جملة فصول، وفي أكثر تراجم الأبواب ما يدل على مغزى أحاديث الباب، وسمى هذا الكتاب "الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني"، ثم شرح كتابه هذا وخرج أحاديثه في كتاب آخر سماه "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني" جعله معه، ثم شرع في طبعهما، وقد صدر حتى الآن أحد وعشرون جزءًا ونسأل الله أن يعينه على إتمامه، ويتقبل منه عمله. صحيح البخاري: الباعث له على تأليفه: رأى البخاري رحمه الله تعالى دواوين السنة، التي ألقت في عصره وقبله جامعة بين الصحيح، والحسن، والضعيف من الأحاديث لا يستطيع الناظر فيها أن يميز بين الصحيح، وغيره إلا إذا كان من أهل الفن والخبرة التامة، وكذلك لا يستطيع أن يجمع الأحاديث التي تتعلق بموضوع

стр. 378

واحد من الأحكام الشرعية؛ لأن هذه الدواوين -كما قلنا- كان يقصد منها جمع الأحاديث وحفظها على الأمة فقط، فلم تراع فيها المناسبات في ترتيب الأحاديث، وضم بعضها إلى بعض. هذا إلى أن بعض أهل ورواته، أهملوا فقه الأحاديث، وما تدل عليه ألفاظها من المعاني والفوائد إلى مجرد الحفظ والرواية، فكان من أثر ذلك أن عجز هؤلاء عن مناهضة أهل البدع والأهواء بالحجة، وقمعهم بالبرهان. كما شاعت الأحاديث الضعيفة، بل والموضوعة فيما بين الناس، عن طريق القصاص الذين لا يميزون بين المقبول، والمردود من الأحاديث. وأوغل بعض المنتسبين إلى أهل الرأي في مخالفة السنن الثابتة، عن رسول الله ﷺ ، فحركت هذه العوامل مجتمعة من إمام المحدثين، أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري همته العالية لجمع طائفة كبيرة من الأحاديث، التي صحت أسانيدها، وسلمت متونها من العلل مرتبة على أبواب الفقه، والسير والتفسير إلى غير ذلك. وقوى عزمه على ذلك ما سعه من أستاذه أمير المؤمنين في الحديث، والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، حيث قال لتلاميذه: "لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله ﷺ "، قال البخاري: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع "الجامع الصحيح". خرجه من ستمائة ألف حديث، ولم يخرج فيه إلا ما صح عن رسول الله ﷺ بالسند المتصل الذي توفر في رجاله العدالة، والضبط، ومكث في تصنيف ستة عشر عامًا، وما وضع فيه حديثا إلا غتسل قبله، وصلى ركعتين، ولما أن تم عرضه على الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني وغيرهم فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث، قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة

стр. 379

وقد تلقاه العلماء بالقبول في كل عصر، وشهدوا له بالتفوق على كل ما سبقه من المصنفات. وقال الذهبي في تاريخ الإسلام: وأما جامع البخاري الصحيح، فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى، قال: فلو رجل الشخص لسماعه من ألف فرسخ لما ضاعت رحلته. ا. هـ. وقد روى الحفاظ، والأئمة عن البخاري أنه قال: جعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى، وما أدخلت فيه إلا صحيحا، وما تركت من الصحيح أكثر حتى لا يطول. ا. هـ. وقوله: "وما أدخلت فيه إلا صحيحا"، محمول على الأحاديث المسندة المتصلة، فإنها موضوع الكتاب ومقوصده، وقد ذكر البخاري فيه عرضا الموقوف، والمعلق وفتاوى الصحابة والتابعين، وآراء العلماء. وليست هذه الأحاديث المعلقة، والآثار الموقوفة من موضوع كتابه كما يدل لذلك تسميته له: "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه"، وإنما ذكرها لقصد الاستئناس بها فقد، ولذلك غاير في سياقها لتمتاز. عدد أحاديثه: وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن عدة ما فيه من الأحاديث بالمكرر "٧٣٩٧"، سوى المعلقات والمتابعات، والموقوفات، وبغير المكرر من المتون الموصولة "٢٦٠٢". رواته: وقد سمعه منه نحو من تسعين ألفا من أشهرهم: أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري، المتوفى سنة "٣٢٠"، وكان سماعه للصحيح مرتين بفرير سنة ٢٤٨، وببخارى سنة ٢٥٢، ومنهم إبراهيم بن معقل بن الحجاج النسفي، وكان من الحافظ، وله تصانيف وتوفي سنة "٢٩٤" وفاته من الجامع أوراق رواها بالإجازة عن البخاري،

стр. 380

ومنهم حماد بن شاكر النسوي مات حوالي سنة "٢٩٠"، وفاته منه شيء أيضان وأبو طلحة منصور بن محمد بن علي بن قرينة البزدوي، المتوفى سنة "٣٢٩"، وهو آخر من حدث عن البخاري بصحيحه، كما جزم به ابن ماكولا غيره١. ما اشتملت عليه تراجم البخاري من الفوائد: قدمنا أن البخاري رحمه الله تعالى، كان من أئمة الفقه المجتهدين لذلك جاء كتابه جامعا لكثير من المسائل الفقيه، فقد أودع تراجم الأبواب كثيرا مما اهتدى إليه باجتهاده، واستنبطه بعقله مما يدل على براعته في الفقه واستنباط الأحكام الشرعية من الأحاديث، وله في تلك التراجم طريقتان ظاهرة وخفية: الطريقة الأولى: أن تكون الترجمة دالة بطريق المطابقة على ما ساقه من الأحاديث كأن يقول: هذا الباب الذي فيه كيت وكيت، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفلاني مثلًا، وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له، وقد تكون ببعض ألفاظه، وقد تكون بمعناه، وهذا هو الغالب على تراجمه. الطريقة الثانية: أن يأتي في الترجمة بلفظ عام، ويكون المترجم له من الأحاديث خاصا تنبيها منه على أن الحكم عام، وأن الحديث وإن كان خاصا، فهو مراد به العموم، وقد يكون الأمر على عكس ذلك، فينبه بالترجمة على أن الحديث وإن كان عاما إلا أنه يراد منه الخصوص، وعلى هذا الأمر في المطلق والمقيد وشرح المشكل، وتفسير الغامض، وتأويل

стр. 381

الظاهر وتفصيل المجمل "وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم هذا الكتاب، ولهذا اشتهر عن جمع من الفضلاء: فقه البخاري في تراجمه"، وأكثر ما يفعل البخاري ذلك إذا لم يجد حديثا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد، الذي تجم به، وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مضمره، وكثيرا ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله باب هل يكون كذا، أو من قال كذا، وذلك حيث لا يتجه له القطع بأحد الاحتمالين، وكثيرا ما يترجم بأمر ظاهره قليل الجدوة، ولكنه إذا حققه المتأمل، كان كثير النفع كقوله: "باب قول الرجل: ما صلينا"، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك وكقوله: "باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة"، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك، وكثيرا ما يترجم بلفظ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحا في الترجمة، ويورد في الباب مما يؤدي معناه تارة بأمر ظاهر وتارة بأمر خفي، ومن ذالك قوله: باب الأمراء من قريش. فهذا حديث ليس على شرط البخاري وأورد فيه: "لا يزال وال من قريش"، ومنها قوله: "باب اثنان فما فوقهما جماعة"، وربما اكتفى أحيانا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه، وأورد معها أثرا أو آية فكأنه يقول لم يصح في الباب شيء على شرطي. صحيح مسلم: هو كتاب صنفه إمام مسلم بن الحجاج، النيسابوري في الصحيح من حديث رسول الله ﷺ خاصة، ويقع في الدجة الثانية من الصحة بعد صحيح البخاري. احتوى على أربعة آلاف من الأحاديث الصحاح من غير المكرر. وبالمكرر "٧٢٧٥"، وقد سلك مسلم في صحيحه

стр. 382

طريقة حكيمة جعلته سهل التناول، قريب المأخذ فهو يجمع الأحاديث المتناسبة في مكان واحد ويذكر طرق الأحاديث، التي ارتضاها ويورد أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة مع إيجاز في العبارة، وترتيب حسن واحتياط بالغ. ذكر مسلم ﵀ في مقدمة جامعه الصحيح أنه يقسم الأحاديث ثلاثة أقسام: الأول ما رواه الحفاظ المتقنون. والثاني ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والاتقان. والثالث ما رواه الضعفاء المتروكون، وأنه إذا فرغ من القسم الأول، أتبعه الثاني. وأما الثالث فلا يعرج عليه١. وصحيح مسلم مرت على أبواب الفقه، غير أنه لم يذكر تراجم الأبواب فيه، لئلا يزداد بها حجم الكتاب. وقد ترجم جماعة من الشراح أبوابه تباجم بعضها جيد، وبعضها ليس بجيد وتولى الإمام النووي الترجمة عنها بعبارات تليق بها، فأجاد كثيرا٢. الباعث لمسلم على تأليف الجامع الصحيح أمران: أحدهما: جمع طائفة من الأحاديث الصحيحة، المتصلة إلى رسول الله ﷺ ، المشتملة على أحكام الدين وسننه، وغير ذلك على وجه يقربها للباحثين في الفقه الإسلامي وغيره وذلك؛ لأن المصنفات في ذلك العصر كانت صعبة المأخذ ممزوجا فيها الصحيح بغيره، وصحيح البخاري، وإن كان قد رتبه على الأبواب إلا أنه ما زال الكشف فيه من الصعوبة بمكان لخفاء تراجمه، ودقة وضعه على من ليسوا من أهل الفن. الأمر الثاني: رأى مسلم ﵀ ما كان من القصاص، والزنادقة

стр. 383

وجهلة المتصوفة في خداع العامة، وإغرائهم بالمناكير، وحشوهم لأذهان الناس بالأساطير. فأراد أن يجذب العامة من الظلمة إلى النور، ويقدم لهم كتاب في الصحاح من أحاديث رسول الله ﷺ ، تطمئن قلوبهم إليها، وبذلك يشغلون عن هذه الطوائف المفسدة، ونحن ننقل لك جملة من كلام الإمام نفسه، تدل على غرضه ذلك قال ﵀ في مقدمة صحيحه: "الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، أما بعد فإنك يرحمك الله بتوفيق خالقك، ذكرت أنك هممت بالفحص عن تعرف جملة الأخبار المأثورة، عن رسول الله ﷺ في سنن الدين، وأحكامه، وماكان منها في الثواب، والعقاب، والترغيب والترهيب، وغير ذلك من صنوف الأشياء بالأسانيد، التي بها نقلت وتداولها أهل العلم فيما بينهم، فأردت -أرشدك الله- أن توقف على جملتها مؤلفة محصاة، وسألتني أن ألخصها لك في التأليف بلا تكرار يكثر -إلى أن قال: إلا أن ضبط القليل من هذا الشأن، وإتقانه أيسر على المرء من معالجة الكثير منه، ولا سيما عند من لا تمييز عنده من العوام، إلا بأن يوقفه على التمييز غيره، وإذا كان الأمر في هذا كما وصفنا، فالقصد منه إلى الصحيح القليل أولى بهم من ازدياد السقيم، وإنما يرجى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشأن، وجمع المكررات منه لخاصة من الناس ممن رزق فيه بعض التيقظ، والمعرفة بأسبابه وعلله، فأما عوام الناس الذين هم بخلاف معاني الخاصة، فلا معنى لهم في طلب الكثير وقد عجزوا عن معرفة القليل، ثم قال: وبعد يرحمك الله فلولا الذي رأينا من سوء صنيع كثير ممن نصب نفسه محدثا، فيما يلزمهم من طرح الأحاديث الضعيفة، والروايات المنكرة، وتركهم الاقتصار على الأخبار الصحيحة المشهورة مما نقله الثقات

стр. 384

المعروفون بالصدق والأمانة، بعد معرفتهم وإقرارهم بألسنتهم أن كثيرا مما يقذفون به إلى الأغبياء من الناس هو مستنكر، ومنقول عن قوم غير مرضيين ممن ذم الرواية عنهم أئمة الحديث، مثل مالك بن أنس ﵀، وشعبه بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة لما سهل علينا الاتنصاب لما سألت من التمييز، والتحصيل ولكن من أجل ما أعلمناك من نشر القوم الأخبار المنكرة بالأسانيد الضعاف المجهولة، وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها خف على قلوبنا أجابتك إلى ما سألت". ا. هـ. من هذا ترى أن همة مسلم في صحيحه، كانت متوجهة إلى تجريد الأحاديث الصحاح من غير تعرض للاستنباط، ليكون سائغا عند الخاصة، والعامة على السواء ليصرف العامة عن الاستمعال إلى المناكير التي يبثها من نصبوا أنفسهم محدثين كالقصاص، والمتصوفة. وقد تلقته الأمة هو وصحيح البخاري بالقبول، وأقبل عليها العامة والخاصة، وحصل بذلك خير كثير، والحمد لله. شرط البخاري ومسلم في صحيحهما: اعلم أن البخاري، ومسلما لم ينقل عن واحد منهما أنه قال: شرطت أن أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سير كتابيهما. وللعلماء في تحقيق شرطهما في الصحيحين أقوال: الأول: قال الحاكم أبو عد الله النيسابوري، المتوفى سنة "٤٠٥" في كتابه المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل: "الدرجة الأولى من الصحيح اختيار البخاري، ومسلم، وهو أن يروي الحديث عن النبي ﷺ الصحابي، المشهور وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور

стр. 385

بالرواية عن الصحابي وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين، حافظ متقن وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري، أو مسلم حافظا، مشهورا بالعدالة في روايته". ا. هـ. قال أبو علي الغساني: ليس المراد أن يكون كل خبر روياه يجتمع فيه راويان عن صحابيه، ثم عن تابعيه فمن بعده، فإن ذلك يعز وجوده، وإنما المراد أن هذا الصحابي، وهذا التابعي قد روى عنه رجلان، خرج بهما عن حد الجهالة. ا. هـ. وقال ابن حجر في مقدمته لشرح البخاري: ما ذكره الحاكم وإن كان منتقضا في حق بعض الصحابة، الذين أخرج لهم -يعني البخاري- إلا أنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أصل من رواية من ليس له، إلا راو واحد فقط. ا. هـ. القول الثاني: قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي، المتوفى سنة "٥٠٧" في شروط الأئة الستة: شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا غير مقطوع، وإن كان للصحابي راويان فصاعدا، فحسن، وإن لم يكن إلا راو واحد، وصح الطريق إلى كفى، إلا أن البخاري ترك أحاديث أقوال لشبهة، وقعت في نفسه أخرج مسلم أحاديثهم لزوال الشبهة عنهم عنده. ومثال ذلك أن سهيل بن أبي صالح، تكلم بعضهم في سماعه من أبيه، فقيل: صحيفة فترك البخاري حديث في الأصول لا في الشواهد، واستغنى عنه بغيره من أصحاب أبيه احتياطا، ومسلم اعتمد عليه لما سبر أحاديثه، فوجده يحدث عن عبد الله بن دينار، عن أبيه ومرة عن الأعمش عن أبيه، ومرة يحدث عن أخيه، عن أبيه بأحاديث فاتنة من أبيه فصح عنده أنه سمع من أبيه، إذ لو كان سماعه صحيفة، لكان يروى هذه الأحاديث، مثل تلك الأخر. وكذلك حماد

стр. 386

ابن سلمة إمام كبير مدحه الأئمة، وأطنبوا لكن تكلم فيه بعض منتحلي المعرفة أن بعض الكذبة، أدخل في حديثه ما ليس منه لم يخرج عنه البخاري في صحيحه، معتمدا عليه، بل استشهد به في مواضع ليبين أنه ثقة، وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث غيره من أقرانه، كشعبة وحماد بن زيد، وأبي عوانة وأبي الأحوص وغيرهم، ومسلم اعتمد عليه؛ لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء، والمتأخرين رووا عنه لم يختلفوا عليه، وشاهد مسلم منهم جماعة، وأخذ عنهم ثم عدالة الرجل في نفسه، وإجماع أئمة النقل على ثقته وإمامته، ومثل حماد بن سلمة، وسهيل بن أبي صالح في ذلك داود بن أبي هند، وأبو الزبير بن عبد الرحمن وغيرهما. فلما تكلم في هؤلاء بما لا يزيل العدالة، والثقة ترك البخاري إخراج حديثهم في الأصول تحريا، وأخرج مسلم أحاديثهم لزوال الشبهة. قال العراقي: وليس ما قال ابن طاهر بجيد؛ لأن النسائي ضعف جماعة، أخرج لهم الشيخان، أو أحدهما وأجيب بأنهما أخرجا من أجمع العلماء على ثقته إلى حين تصنيفهما، ولا يقدح في ذلك تضعيف النسائي بعد وجود الكتابين. قال شيخ الإسلام ابن حجر الحافظ: تضعيف النسائي إن كان باجتهاده، أو نقله عن معاصر فالجواب ذلك، وإن نقله عن متقدم فلا. قال: ويمكن أن يجاب بأن ما قاله ابن طاهر هو الأصل، الذي بنيا عليه أمرهما، وقد يخرجان عنه لمرجح يقوم مقامه "تدريب الراوي ص٣٨". القول الثالث: ما قاله الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي، المتوفى سنة "٥٨٤"، قال في كتابه شروط الأئمة الخمسة ما ملخصه: مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه العدول، وفيمن روى عنهم من الثقات، فبعضهم حديثه صحيح، ثابت يلزم إخراجه، وبعضهم حديثه مدخول لا يصلح إخراجه إلى في الشواهد والمتابعات

стр. 387

وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل، ومراتب مداركهم ولنوضح ذلك بمثال: وهو أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلا على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية على التي تليها: فالطبقة الأولى: جماعة من الرواة العدول، جمعوا بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة للزهري، حتى كان فيهم من يزامله في السفر ويلازمه في الحضر وهذه هي الغاية في الصحة، وهؤلاء مثل مالك، وابن عيينة، ويونس وعقيل الأيليين وشعيب بن أبي حمزة، وغيرهم. والطبقة الثانية: جماعة من الرواة العدول، لم يلازموا الزهري إلا مدة يسيرة، فلم يمارسوا حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى مثل الأوزاعي، والليث بن سعد، والنعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر وغيرهم. والطبقة الثالثة: جماعة من الرواة لازموا الزهري، ملازمة طويلة كرجال الطبقة الأولى، غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين القبول والرد مثل سفيان بن حسين الأسلمي، وجفر بن برقان وعبد الله بن عمر بن حفص العمري، وزمعة بن صالح المكي، وغيرهم. والطبقة الرابعة: قوم شاركوا أهل الطبقة الثالثة في عدم السلامة من غوائل الجرح، غير أنهم لم يلازموا الزهري طويلا، فلم يمارسوا حديثه مثل إسحاق بن يحيى الكلبي، ومعاوية بن يحيى الصدفي، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المدني. وإبراهيم بن يزيد المكي، والمثنى بن الصباح وجماعة سواهم. والطبقة الخامسة: نفر من الضعفاء والمجهولين، لا يجوز لمن يخرج الحديث على الأبواب، أن يخرجوا حديثهم إلا على سبيل الاعتبار

стр. 388

والاستشهاد عند أبي داود والنسائي، والترمذي فأما عند الشيخين "البخاري ومسلم"، فلا وهؤلاء مثل بحر بن كنيز السقا، والحكم بن عبد الله الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب الدمشقي، ومحمد بن سعيد المصلوب وغيرهم. قال: فأما الطبقة الأولى فهم شرط البخاري، وقد يخرج من أحاديث أهل الطبقة الثانية١ ما يعتمد من غير استيعاب، وأما مسلم فيخرج أحاديث الطبقتين الأولى، والثانية باستيعاب، وينتقى من أحاديث أهل الطبقة الثالثة، وأما الرابعة والخامسة، فلا يعرجان عليهما٢. ا. هـ. كلام الحازمي. قال الحافظ بن حجر معقبا على كلامه: وهذا المثال الذي ذكره الحازمي، عن الزهري إنما يتأتى في حق المكثرين، فيقاس على أصحاب الزهري، أصحاب نافع وأصحاب الأعمش، وأصحاب قتادة وأمثالهم. قال: فأما غير المكثرين، فقد اعتمد الشيخان في تخريج أحاديثهم على الثقة والعدالة وقلة الخطأ، نلكن منهم من قوي الاعتماد عليه، فأخرجا ما تفرد به كيحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم من لم يقو الاعتماد عليه، فأخرجا له ما شاركه فيه غيره، وهو الأكثر. ا. هـ "مقدمة الفتح ١-٦".

стр. 389

المقارنة بين الصحيحين: التزم كل من البخاري ومسلم، ألا يخرج في كتابه غير الأحاديث الصحيحة، وكتابهما وإن اشتركا في أصل الصحة، لكن صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم، ومقدم عليه ويدل على ذلك أمران. الأول: شهادة أهل الفن وجهابذة الحديث، فمن ذلك ما رواه الحافظ ابن حجر، عن أبي عبد الرحمن النسائي أنه قال: "ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل"، قال الحافظ: والنسائي لا يعني بالجودة إلا جودة الأسانيد، كما هو المتبادر إلى الفهم من اصطلاح أهل الحديث، ومثل هذا من النسائي غاية في الوصف مع شدة تحريه، وتوقيه وتثبته في نقد الرجال وتقدمه في ذلك على أهل عصره، حتى قدمه قوم من الحذاق في معرفة ذلك على مسلم بن الحجاج، وقدمه الدارقطني وغيره على إمام الأئمة، أبي بكر بن خزيمة صاحب الصحيح، وقال الإسماعيلي في المدخل له: "أما بعد فإني نظرت في كتاب الجامع الذي ألفه أبو عبد الله البخاري، فرأيته جامعا كما سمى لكثير من السنن الصحيحة، ودالا على جمل من المعاني الحسنة المستنبطة، التي لا يكمل لمثلها إلا من جمع إلى معرفة الحديث ونقلته، والعلم بالروايات وعللها علما بالفقه واللغة، وتمكنا منها وتبحرا فيها، وكان يرحمه الله الرجل الذي قصر زمانه على ذلك، فبرع وبلغ الغاية، فحاز السبق وقد نحا نحوه في التصنيف جماعة منهم مسلم بن الحجاج، وكان يقاربه في العصر فرام مرامه، وكان يأخذ عنه، أو عن كتبه إلا أنه لم يضايق نفسه مضايقة أبي عبد الله، وروى عن جماعة كثيرة لم يتعرض أبو عبد الله للرواية عنهم، وكل قصد الخير غير أن أحدا لم يبلغ في التشدد مبلغ أبي عبد الله، ولا تسبب إلى استنباط المعاني، واستخراج لطائف فقه الحديث، وتراجم الأبواب الدالة على ما له

стр. 390

وصلة بالحديث المروي فيه تسببه ولله الفضل يختص به من يشاء"، وقال الدارقطني لما ذكر عند الصحيحان: لولا البخاري لما ذهب مسلم، ولا جاء وقال مرة أخرى: "وأي شيء صنع مسلم إنما أخذ كتاب البخاري، فعمل عليه مستخرجا وزاد في زيادات"، ونقل كلام العلماء في ذلك يطول، فنكتفي بهذا القدر على أنه يكفي لتقديم كتاب البخاري على كتاب مسلم، إجماع أهل الحديث على أن البخاري أعلم بهذا الفن من مسلم، وهو أستاذ مسلم فيه حتى شهد له مسلم بالتفرد بمعرفة ذلك في عصره. الأمر الثاني: إن مدار الحديث الصحيح على اتصال السند، واتقان الرجال والسلامة من الشذوذ والعلة. وهذه الأوصاف في كتاب البخاري أقوى منها في كتاب مسلم، فهو أشد اتصالا، وأوثق رجالا وأبعد عن الشذوذ والعلة، وبيان ذلك: أولا: فيم يرجع إلى اتصال السند: إن الإسناد المعنعن الذي يقال فيه: "فلان عن فلان"، اكتفى مسلم فيه بالمعاصرة أما البخاري، فلا يحمل ذلك على الاتصال، حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة. وقد أظهر البخاري هذا المذهب في تاريخه، وجرى عليه في صحيحه، كما جرى مسلم على مذهبه المذكورة في صحيحه، وصرح به في مقدمته، وبالغ في الرد على من خالفه، ولا شك أن مذهب البخاري في المعنعن أدخل في باب الاتصال، وأبعد عن شائبة الانقطاع بخلا ما ذهب إليه مسلم. ثانيا: فيما يرجع إلى السلام من الشذوذ والعلة: إن الأحاديث التي انتقدت عليها بلغت "٢١٠"، اختص البخاري منها بثمانية وسبعين، واختص مسلم بمائة واشتركا في الباقي، وهو اثنان وثلاثون ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر فيه.
следующие страницы →