← Тараджим

Тараджим · id 8657

الرياض النضرة في مناقب العشرة

محب الدين الطبري

Полный текст (841 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ١ وقول أبي بكر: صفه لي يحتمل معنيين: أحدهما: إظهار صدق النبي ﷺ لقومه, فإنهم كانوا يثقون بقول أبي بكر فإذا طابق خبره ﷺ ما كان يعلم أبو بكر وصدقه به كان حجة عليهم ظاهرة. الثاني: طمأنينة قلبه كقول٢ إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٣ لا أن أبا بكر كان عنده شك, كلا بدليل تصديقه أول وهلة والله أعلم. وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى رفع لي بيت المقدس وأنا عند الكعبة, فجعلت أنظر إليه وإلى ما فيه, ولقد رأيت جهنم وأهلها فيها وأهل الجنة في الجنة قبل أن يدخلوها كما أنظر إليك, فخبرت بذلك قومي فكذبوني غير أبي بكر الصديق". وعن مولى أبي هريرة قال أبو بكر بن أبي قحافة: أراه قال عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال ليلة أسري به: "قلت لجبريل ﵇: إن قومي لا يصدقونني, قال لي جبريل: يصدقك أبو بكر وهو الصديق". خرجهما في فضائل أبي بكر وخرج الباقي الملا في سيرته وقيل: سمي صديقًا لبداره إلى تصديق رسول الله ﷺ في كل ما جاء به عمومًا, ويشهد لراجحية هذا القول أن الصديق في اللغة -فعيل- معناها المبالغة في التصديق أي: يصدق بكل شيء أول وهلة. ويؤيده حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "هل أنتم

стр. 72

تاركون لي صاحبي؟ قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا, فقلتم: كذبت, وقال أبو بكر: صدقت" وسيأتي الحديث مستوعبًا إن شاء الله تعالى. وعن النزال بن سبرة قال: وافقت من علي ذات يوم طيب نفس ومزاحًا فقلنا: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أصحابك قال: كل أصحاب رسول الله ﷺ أصحابي فقلنا: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أصحابك خاصة قال: لم يكن لرسول الله ﷺ صاحب إلا وهو لي صاحب, قلنا: فأخبرنا عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: سلوني قالوا: أخبرنا عن أبي بكر بن أبي قحافة قال: ذاك امرؤ سماه الله الصديق على لسان جبريل ﵇ وعلى لسان محمد ﷺ كان خليفة رسول الله ﷺ رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا, خرجه الخلعي وابن السمان في الموافقة. وعن أبي إسحاق السبيعي عن أبي يحيي قال: لا أحصي كم سمعت عليا على المنبر يقول: إن الله سمى أبا بكر على لسان نبيه ﷺ صديقًا, خرجه في فضائله. وعن علي بن أبي طالب أنه كان يحلف بالله العظيم أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق, خرجه السمرقندي وصاحب الصفوة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عرج بي إلى السماء فما رأيت شيئًا إلا وجدت اسمي فيه مكتوبًا: محمد رسول الله, وأبو بكر الصديق خليفتي" خرجه ابن عرفة العبدي والثقفي الأصبهاني. وعن الزهري يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "يكون خلفي اثنا عشر خليفة, أبو بكر الصديق لا يلبث إلا قليلًا" خرجه صاحب الصفوة وقد سبق هذا الحديث في مناقب الثلاثة من رواية عمر, وفيه ذكر الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان, خرجه ابن الضحاك والصوفي عن يحيى بن معين. ولا حجة في هذه الأحاديث لأحد المعنيين بعينه، بل يجوز أن يكون سماه

стр. 73

الفصل الثالث: في ذكر صفته، ﵁ عن عائشة ﵂ وقد قيل لها: صفي أبا بكر قالت: كان أبيض نحيفًا خفيف العارضين, أجنأ لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه, معروق الوجه غائر العينين, ناتئ الجبهة عاري الأشاجع, خرجه أبو عمر. وعن قيس بن أبي حازم قال: قدمت على أبي بكر مع أبي في مرضه الذي مات فيه, فرأيته رجلًا أسمر خفيف اللحم, خرجه أبو بكر بن مخلد والمشهور ما تقدم من أنه كان أبيض وكان يخضب بالحناء والكتم, خرجه مسلم. "شرح" أجنأ بالجيم والهمزة أي: منحنيًا, تقول منه: جنأ يجنأ جنا بالقصر وجنوا, ومنه سمي الترس مجنا -بضم الميم- لانجنائه وأحنى بالحاء غير مهموز بمعناه, يقال: رجل أحنى الظهر وامرأة حنياء وحنواء أي: منحنية, والحقو: الكشح والحقوان: الكشحان والجمع: أحق وقد يسمى الإزار حقوا للمجاورة؛ لأنه يشد على الحقوين, معروق الوجه أي: قليل اللحم حتى يتبين حجم العظم, الأشاجع: جمع أشجع بزنة أصبع وهي أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف, والكتم بالتحريك: نبت, وعن الأصمعي قال: قال أبو عمرو بن العلاء: كان النبي ﷺ أفرع وكان أبو بكر أفرع, وكان عمر أصلع لم يبق من شعره إلا حفاف, وهو أن يبقى منه مثل الطرة حول رأسه يقال: رجل أفرع وامرأة فرعاء, إذا كان الشعر تاما لم يذهب منه شيء. وقال ابن دريد: يقال امرأة فرعاء إذا كانت كثيرة الشعر, ولا يقال للرجل إذا كان عظيم الجمة واللحية: أفرع إنما يقال: رجل أفرع لضد الأصلع, وأما صفاته المعنوية فقد تقدم في ثناء علي في باب أبي بكر وعمر طرف منها, وسيأتي في باب فضائله الكثير منها إن شاء الله تعالى.

стр. 74

الفصل الرابع: في إسلامه, ذكر بدء إسلامه عن ربيعة بن كعب قال: كان إسلام أبي بكر شبيهًا بالوحي من السماء, وذلك أنه كان تاجرًا بالشام فرأى رؤيا فقصها على بحيرا الراهب فقال له: من أين أنت؟ فقال: من مكة فقال: من أيها؟ قال: من قريش قال: فأي شيء أنت؟ قال: تاجر قال: إن صدق الله رؤياك فإنه يبعث نبي من قومك تكون وزيره في حياته وخليفته من بعد وفاته, فأسرّ ذلك أبو بكر في نفسه، حتى بعث النبي ﷺ فجاءه فقال: يا محمد ما الدليل على ما تدعي؟ قال: "الرؤيا التي رأيت بالشام" فعانقه وقبل بين عينيه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله, قال أبو بكر: وما بين لابتيها أشد من سرور رسول الله ﷺ بإسلامي, خرجه الفضائلي. وعن عائشة قالت: خرج أبو بكر يريد النبي ﷺ وكان صديقًا له في الجاهلية فلقيه فقال: يا أبا القاسم فقدت من مجالس قومك واتهموك بالعيب لآبائها وأديانها, فقال رسول الله ﷺ : "إني رسول الله أدعوك إلى الله " فلما فرغ رسول الله ﷺ أسلم أبو بكر وما بين الأخشبين أكثر منه سرورًا بإسلام أبي بكر, خرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي في الأربعين الطوال والحافظ ابن ناصر السلامي. "شرح" الأخشبان: جبلا مكة, ومنه: "لا تزول مكة حتى يزول أخشابها" والأخشب: الجبل الخشن العظيم. وعن أم سلمة قالت: كان أبو بكر خدنًا للنبي ﷺ وصفيًّا له, فلما بعث ﷺ انطلق رجال من قريش إلى أبي بكر فقالوا: يا أبا بكر إن صاحبك هذا قد جن, قال أبو بكر: وما شأنه؟ قالوا: هو ذاك يدعو في المسجد إلى توحيد إله واحد ويزعم أنه نبي فقال أبو بكر: وقال ذاك؟ قالوا: نعم هو ذاك في المسجد يقول, فأقبل أبو بكر إلى النبي ﷺ فطرق عليه الباب فاستخرجه فلما ظهر له قال له أبو بكر: يا أبا القاسم ما الذي بلغني عنك؟ قال: "وما بلغك عني يا أبا بكر؟ " قال: بلغني أنك تدعو لتوحيد الله وزعمت أنك رسول الله فقال النبي ﷺ : "نعم يا أبا بكر, إن ربي جعلني بشيرًا ونذيرًا, وجعلني دعوة إبراهيم وأرسلني إلى الناس جميعًا" قال له أبو بكر: والله ما جربت عليك كذبًا, وإنك لخليق بالرسالة لعظم أمانتك وصلتك لرحمك وحسن فعالك, مد يدك فأنا أبايعك, فمد رسول الله ﷺ يده فبايعه أبو بكر وصدقه, وأقر أن ما جاء به

стр. 75

الحق فوالله ما تلعثم أبو بكر حين دعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام, خرجه ابن إسحاق وخرجه صاحب فضائل أبي بكر. قال ابن إسحاق: كان رسول الله ﷺ فيما بلغني يقول: "ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت منه كبوة ونظر وتردد, إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة, ما عكم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه". "شرح" تلعثم الرجل في الأمر: إذا تمكث فيه وتأنى, وعكم أي: انتظر والعكم: الانتظار قاله الجوهري, وقال الخليل: نكل عنه وسيأتي في مبدأ إسلام طلحة طرف من هذا الذكر. قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أن عباس بن مرداس لما أتى النبي ﷺ قال له النبي ﷺ : "أنت القائل: فأصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟ " فقال أبو بكر: بين عيينة والأقرع, فقال رسول الله ﷺ : "هما واحد" فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ١. ذكر ما جاء في أول من أسلم: عن علي بن أبي طالب قال: أول من أسلم من الرجال أبو بكر, وأول من صلى إلى القبلة علي بن أبي طالب, خرجه ابن السمان في الموافقة. وعن الشعبي قال: سألت ابن عباس وقد سئل: أي الناس كان أول إسلامًا؟ قال: أما سمعت قول حسان بن ثابت: إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا

стр. 76

والثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا ويروى أن رسول الله ﷺ قال لحسان: "هل قلت في أبي بكر شيئًا؟ " قال: نعم, فأنشده هذه الأبيات وفيها بيت رابع: وثاني اثنين في الغار المنيف١ وقد ... طاف العدو بهم إذ صعدا الجبلا فسر النبي ﷺ بذلك وقال: "أحسنت يا حسان" خرجه أبو عمر, وروي أنه ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: "صدقت يا حسان, هو كما قلت" خرجه صاحب الصفوة في فضائله, قال أبو عمر: وروي فيها بيت خامس: وكان حب رسول الله قد علموا ... من البرية لم يعدل به رجلا "شرح" الشجو: الهمّ والحزن هذا أصله, ولا أرى له وجهًا هنا إلا أن يريد به ما كابده أبو بكر, فأطلق عليه شجوًا لاقتضائه ذلك, أو أراد حزن أبي بكر بما جرى على النبي ﷺ النواجذ: جمع ناجذ وهو آخر الأضراس, وللإنسان أربعة نواجذ في أقصى الفم بعد الإرحاء ويسمى ضرس الحلم؛ لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل, قاله الجوهري. أصعد قال الجوهري: يقال: صعد في السلم وصعد في الجبل وعلى الجبل, وأصعد في الأرض أي: مضى وسار, فاستعاره للجبل وصعد وأصعد في الوادي: انحدر. وعن فرات بن السائب قال: قلت لميمون بن مهران: أبو بكر الصديق أول إيمانًا بالنبي ﷺ أم علي بن أبي طالب؟ قال: والله لقد آمن أبو بكر بالنبي ﷺ زمن بحيرا الراهب, واختلف فيما بينه٢ وبين خديجة حتى

стр. 77

أنكحها إياه، وذلك كله قبل أن يولد علي بن أبي طالب, والمراد بهذا الإيمان اليقين بصدقه, وسيأتي ما يشهد له في الحديث بعده. عن أبي سعيد الخدري قال: قال أبو بكر: ألست أحق الناس بهذا الأمر؟ ألست أول من أسلم؟ ألست صاحب كذا؟ خرجه البغوي وأبو حاتم. وعن ابن عباس أن أبا بكر صحب النبي ﷺ وهو ابن ثماني عشرة سنة وهم يريدون الشام في تجارة حتى نزلوا منزلًا فيه سدرة, فنزل رسول الله ﷺ في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له: بحيرا يسأله عن الدين فقال: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله قال: والله هذا نبي الله, ما استظل تحتها أحد بعد عيسى ابن مريم إلا محمدا ﷺ فوقع في قلب أبي بكر اليقين, خرجهما في فضائله. وهذا يفسر قول ميمون بن مهران وهو أنه أراد بإسلام أبي بكر ما وقر في قلبه من اليقين وإلا فالنبي ﷺ تزوج خديجة وسافر إلى الشام قبل مبعثه ﷺ . وعن أبي نضرة قال: قال أبو بكر لعلي: أنا أسلمت قبلك -في حديث طويل- فلم ينكر ذلك علي ﵁. وعنه عن أبي سعيد أن أبا بكر الصديق قال: ألست أول من أسلم؟ وعن عمار بن ياسر قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر, خرجه الصوفي عن يحيى بن معين. وعن عمرو بن عبسة قال: أتيت النبي ﷺ وهو بعكاظ فقلت: من معك في هذا الأمر؟ فقال: "حر وعبد" وليس معه إلا أبو بكر وبلال, وقال: انطلق حتى يمكن الله لنبيه ثم نجيبه, وفي بعض طرقه أنه أتاه بمكة فوجد النبي ﷺ مستخفيًا وذكر معناه, خرجه مسلم في قصة طويلة من حديث أبي أمامة. "شرح" عكاظ: اسم سوق للعرب بناحية مكة, كانوا يجتمعون فيه كل سنة فيقيمون شهرًا ويتبايعون ويتناشدون الشعر ويتفاخرون, فلما جاء

стр. 78

الإسلام هدم ذلك كله, قاله الجوهري. وعن زر عن عبد الله قال: كان أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد, فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب, وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه, وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس, فما منهم من أحد إلا وأتاهم على ما أرادوا إلا بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه, فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد, خرجه أحمد في مسنده وابن السري. "شرح" صهروهم يقال: صهرته فانصهر أي: أذبته فذاب فهو صهير, ومنه: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ فكأنهم أذابوهم بالشمس, والصهار: ما ذاب من الشحم. وعنه أنه قال: أول من أظهر إسلامه بسيفه: النبي ﷺ وأبو بكر, خرجه الواحدي. ذكر أقاويل العلماء في أول من أسلم, وبيان اختلافهم, والجمع بين الأحاديث المختلفة: لا خلاف بين أهل الأثر أن أبا بكر كان رجلًا لما آمن بالنبي ﷺ واختلفوا: هل كان علي مولودًا حين بعث النبي ﷺ أم لا؟ وممن ذهب إلى أن أبا بكر أول من أسلم: ابن عباس وحسان بن ثابت وأبو أروى الدوسي وأسماء بنت أبي بكر والنخعي وابن الماجشون ومحمد بن المنكدر والأحسني, ذكره صاحب الصفوة وأبو عمر وغيرهما. قال أبو عمر: وممن ذهب إلى أن عليا أول من أسلم من الرجال: سلمان وأبو ذر والمقداد وخباب وجابر وأبو سعيد الخدري وزيد بن الأرقم وهو قول ابن شهاب وعبد الله بن محمد ومحمد بن كعب وقتادة, واتفقوا على أن خديجة أول من أسلم مطلقًا.

стр. 79

قال ابن إسحاق: أول ذكر أسلم وصلى وصدق بما جاء به محمد ﷺ علي وهو ابن عشر سنين, وقال أيضًا: أول من أسلم علي ثم زيد بن حارثة ثم أبو بكر ثم أسلم رهط من المسلمين منهم: عثمان والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص, وكذلك ذكره ابن قتيبة في المعارف, وقال غيره من أهل العلم: أول من أسلم من الرجال أبو بكر وأسلم علي وهو ابن ثماني سنين وأول من أسلم من النساء خديجة, خرجه الترمذي والأولى التوفيق بين الروايات كلها وتصديقها فيقال: أول من أسلم مطلقًا خديجة بنت خويلد, وأول ذكر أسلم علي بن أبي طالب وهو صبي لم يبلغ كما تقدم في سنه وكان مستخفيًا بإسلامه, وأول رجل عربي بالغ أسلم وأظهر إسلامه أبو بكر بن أبي قحافة, وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة, وهذا متفق عليه لا خلاف فيه, وعليه يحمل قول علي وغيره: أول من أسلم من الرجال أبو بكر أي: من الرجال البالغين. ويؤيد ذلك ما روي عن الحسن١ قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين كيف سبق المهاجرون والأنصار إلى بيعة أبي بكر وأنت أسبق منه سابقة, وأروى منه منقبة؟ قال: فقال علي: ويلك إن أبا بكر سبقني إلى أربع لم أوتَهن ولم أعتض منهن بشيء؛ سبقني إلى إفشاء الإسلام, وقدم الهجرة, ومصاحبته في الغار, وأقام الصلاة وأنا يومئذ بالشعب يظهر الإسلام وأخفيه وتستحقرني قريش وتستوفيه, والله لو أن أبا بكر زال عن مزيته ما بلغ الدين العبرين -يعني الجانبين- ولكان الناس كرعة ككرعة طالوت, ويلك! إن الله ذم الناس ومدح أبا بكر فقال: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ ٢ الآية كلها, فرحمة الله على أبي بكر وأبلغ الله روحه مني السلام, خرجه في فضائل أبي بكر، وخرج

стр. 80

خيثمة بن سليمان معناه بزيادة, ولفظه عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: أقبل رجل فتخلص الناس حتى وقف على علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين, ما بال المهاجرين والأنصار قدموا أبا بكر وأنت أورى منه منقبة, وأقدم إسلامًا, وأسبق سابقة؟ قال: إن كنت قرشيا فأحسبك من عائذة قال: نعم قال: لولا أن المؤمن عائذ لله لقتلتك, ويحك إن أبا بكر سبقني لأربع لم أوتهن ولم أعتض منهن: سبقني إلى الإمامة أو تقدم الإمامة وتقدم الهجرة وإلى الغار وإفشاء الإسلام وذكر معنى ما بقي, وخرجه ابن السمان في الموافقة وزاد بعد قوله: من عائذة, وأحسبك من ذؤالة بنسب قال له الرجل: أجل ثم ذكر معنى ما تقدم وزاد في آخره: ثم قال: لا أجد أحدًا يفضلني على أبي بكر إلا جلدته جلد المفتري١. "شرح" أورى من: ورى الزند وورى: خرجت ناره وظهرت أي: أظهر منقبة وأنور, والمنقبة: ضد١ المثلبة, والشعب: الطريق في الجبل وهو بالكسر, وهو شعب معروف بشعب بني هاشم بمكة, وتستوفيه: يريد والله أعلم توفيته حقه من الإعظام الإكرام, والمزية: الفضيلة أي: لو زال عن فضيلته بالتقديم على الناس إمامًا, وكرعة: جمع كارع كركبة وراكب, من كرع بالفتح يكرع: إذا شرب الماء بفيه دون إناء, ولعله والله أعلم أراد أن لولا أبو بكر لخالف الناس الدين كما خالفه كرعة طالوت بالشرب من النهر الذي نهوا عن الشرب منه والله أعلم. وعن محمد٣ بن الحنفية وقد سئل: أكان أبو بكر أول القوم إسلامًا؟ قال: لا فقيل له: فبأي شيء علا وسبق حتى لا يذكر غيره؟ قال: فإنه

стр. 81

أسلم يوم أسلم وكان خيرهم إسلامًا, ولم يزل على ذلك حتى توفاه الله تعالى. وفي رواية قال: لأنه كان أفضلهم إيمانًا حتى قبض, خرجهما ابن السمان في الموافقة. وعن محمد بن كعب وقد سئل عن أول من أسلم: علي أو أبو بكر؟ فقال: سبحان الله, علي أولهما إسلامًا وإنما شبه على الناس؛ لأن عليا أعطي السلامة من أبي طالب وأسلم أبو بكر وأظهر إسلامه, ولا شك عندنا أن عليا أولهما إسلامًا, خرجه أبو عمر. وعنه قال أبو بكر: أنا أول من أظهر الإسلام وكان علي يكتم الإسلام فرقًا١ من أبيه, حتى لقيه أبو طالب فقال: أسلمت؟ قال: نعم قال: آزر ابن عمك وانصره, وأسلم علي قبل أبي بكر, خرجه الحاكمي في الأربعين.

стр. 82

الفصل الخامس: في ذكر من أسلم على يديه عن عائشة أن أبا بكر لما أسلم راح بعثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد فأسلموا, ثم جاء الغد بعثمان بن مظعون وأبي عبيدة وعبد الرحمن بن عوف وأبي سلمة والأرقم فأسلموا, خرجه ابن ناصر السلامي. قال ابن إسحاق: ولما أسلم أبو بكر أظهر إسلامه ودعا إلى الله ورسوله, وكان رجلًا مؤلفًا لقومه محببًا سهلًا, وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر, وكان رجلًا تاجرًا ذا خلق ومعروف, وكان رجال قريش يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر: لعلمه وتجارته وحسن مجالسته, فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه, فأسلم بدعائه فيمن بلغني: عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله, فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حين استجابوا له فأسلموا قال: فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا بالإسلام وصدقوا رسول الله ﷺ يعني عليا وزيدا وأبا بكر ومن أسلم على يديه. وعن محمد بن عبيد بن عمر بن عثمان بن عفان قال: كان إسلام خالد بن سعيد بن العاص قديمًا, وكان أول إخوته أسلم, وكان بدو إسلامه أنه رأى في النوم أنه واقف على شفير النار فذكر من سعتها ما الله أعلم, ورأى كأن أباه يدفعه فيها, ورأى رسول الله ﷺ آخذا بحقويه لا يقع ففزع من نومه وقال: أحلف بالله إن هذه لرؤيا حق, فلقي أبا بكر فذكر ذلك له, فقال أبو بكر: أريد بك خير, هذا رسول الله ﷺ فاتبعه والإسلام يحجزك أن تدخل فيها وأبوك واقع فيها, فلقي النبي ﷺ وهو بأجياد فقال: يا محمد إلامَ تدعو؟ قال: "أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله, وتخلع ما أنت عليه" خرجه في فضائل أبي بكر, وكان أبو بكر ﵁ قد ابتنى مسجدًا بفناء داره يصلي فيه ويقرأ القرآن, فيجتمع عليه الناس ويستمعون إلى قراءته وينظرون إلى صلاته وبكائه حتى كان ذلك سبب إسلام جماعة, وذلك مشهور من خبره.

стр. 83

الفصل السادس: فيماكان بينه وبين النبي ﷺ من الود والخلة في الاهلية ... الفصل السادس: فيما كان بينه وبين النبي ﷺ من الود والخلة في الجاهلية تقدم في بدء إسلامه طرف من ذلك. عن أبي ميسرة عن عمرو بن شرحبيل قال: كان النبي ﷺ إذا برز سمع من يناديه: يا محمد, فإذا سمع الصوت انطلق هاربًا, فأسر ذلك إلى أبي بكر وكان نديمه في الجاهلية. وعنه أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد والله خشيت أن يكون هذا أمرًا" فقالت: معاذ الله ما كان الله ليفعل بك, فوالله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث, فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله ﷺ ثم١, ذكرت خديجة له حديثه وقالت: يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة, فلما دخل رسول الله ﷺ أخذ أبو بكر بيده فقال: "انطلق بنا إلى ورقة" فقال: "ومن أخبرك؟ " قال: خديجة, فانطلقا إليه فقصا عليه, وذكر الحديث المشهور أخرجهما بهذا السياق في فضائل أبي بكر, وقول خديجة للنبي ﷺ أخرجه الشيخان وكذلك حديث ورقة وقوله للنبي ﷺ .

стр. 84

الفصل السابع: فيما لقي من أذى المشركين بسب دعائه إلى الله تعالى ودفعه المشركين عن النبي وتوبيخه لهم ... الفصل السابع: فيما لقي من أذى المشركين بسبب دعائه إلى الله تعالى, ودفعه المشركين عن النبي ﷺ وتوبيخه لهم تقدم في ذكر إسلام أمه طرف من ذلك من حديث عائشة, وعن أسماء بنت أبي بكر وقيل لها: ما أشد ما رأيت المشركين بلغوا من رسول الله ﷺ ؟ فقالت: كان المشركون قعودًا في المسجد الحرام فتذاكروا رسول الله ﷺ وما يقول في آلهتهم, فبينما هم كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ المسجد فقاموا إليه وكانوا إذا سألوه عن شيء صدقهم فقالوا: ألست تقول في آلهتنا كذا وكذا؟ قال: "بلى" قالت: فتشبثوا به بأجمعهم, فأتى الصريخ أبا بكر فقيل له: أدرك صاحبك, فخرج أبو بكر فوجد رسول الله ﷺ والناس مجتمعون عليه فقال: ويلكم! أتقتلون رجلًا أن يقول: ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟! قالت: فلهوا عن رسول الله ﷺ وأقبلوا على أبي بكر الصديق يضربونه قالت: فرجع إلينا فجعل لا يمس شيئًا من غدائره إلا جاء معه وهو يقول: "تباركت يا ذا الجلال والإكرام" خرجه أبو عمر وغيره.

стр. 85

"شرح" الغدائر: الذوائب١ واحدتها: غديرة, قاله الجوهري. وعن القاسم بن محمد قال: لقي أبو بكر سفيهًا من سفهاء قريش وهو عامد الكعبة -أي: إلى الكعبة- فحثا على رأسه ترابًا قال: فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل قال: فقال له أبو بكر: ألا ترى إلى ما صنع هذا السفيه؟ قال: أنت فعلت هذا بنفسك, وهو يقول: أي رب ما أحلمك ... ثلاثًا, خرجه ابن إسحاق. ذكر دفعه المشركين عن رسول الله ﷺ : عن عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ قال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقًا شديدًا, فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال: أتقتلون رجلًا أن يقول: ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟! خرجه البخاري وخرجه أيضًا عن عمرو بن العاص نفسه وقال فيه: يصلي في حجر الكعبة, وفي بعض طرقه قال: أقبل عقبة بن أبي معيط والنبي ﷺ عند الكعبة فلوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا, وأقبل أبو بكر وأخذ بمنكبيه فدفعه عن رسول الله ﷺ وقال الحديث. وعن عمرو بن العاص قال: ما نيل من رسول الله ﷺ ما نيل منه ذات يوم طاف بالبيت ضحى, فدخلوا عليه فقطعوا عليه الطواف وأخذوا بمنكبيه وقالوا: أنت الذي تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ قال: "هو ذاك" وأبو بكر ملتزمه من خلفه ويقول: أتقتلون رجلًا أن يقول: ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم, وإن يك كاذبًا فعليه كذبه وإن يك صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم, وعيناه تهملان حتى خلوا سبيله. عمرو بن العاص

стр. 86

كان مشاهدًا هذه القصة وابنه عبد الله أرسله عنه, ولم يكن مشاهدًا. "شرح" تلبيبه: هو ما يجمع من ثوبه عند صدره ونحره في الخصومة ثم يجر به, يقال: لببته تلبيبًا واللبة: المنحر. وعن جابر بن عبد الله قال: ضرب المشركون رسول الله ﷺ مرة حتى غشي عليه, فجاء أبو بكر فقال: سبحان الله أتقتلون رجلًا أن يقول: ربي الله؟! فقالوا: من هذا؟ قال: ابن أبي قحافة المجنون, خرجه في فضائله. وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ١ أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة, وفي يدها فهر وهي تقول: مذمما أبينا ... ودينه قلينا وأمره عصينا والنبي ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر, فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلت وإني أخاف أن تراك, قال رسول الله ﷺ : "إنها لن تراني" وقرأ قرآنًا فاعتصم٢ به كما قال تعالى: ﴿إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ ٣ فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ﷺ فقالت: يا أبا بكر إن صاحبك هجاني قال: لا ورب هذا البيت ما هجاك قال: فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها, خرجه في فضائل أبي بكر بهذا السياق, ومعناه عند ابن إسحاق وقال بعد قولها بلغني أنه يهجوني: والله لو وجدته لضربته بهذا الفهر. "شرح" الولولة: رفع الصوت, تقول: ولولت المرأة ولولة وولوالا إذا

стр. 87

أعولت, والفهر: الحجر ملء الكف يذكر ويؤنث والجمع: أفهار, واعتصم: امتنع, قال ابن إسحاق: وكانت قريش تسمي رسول الله ﷺ مذممًا ثم يسبونه, وكان رسول الله ﷺ يقول: "ألا تعجبون مما صرف الله عني من أذى قريش, يسبون ويهجون مذممًا وأنا محمد؟! " وعنها١ أن أم جميل دخلت على أبي بكر وعنده رسول الله ﷺ فقالت: يابن أبي قحافة, ما شأن صاحبك ينشد فيّ الشعر؟ فقال: والله ما صاحبي بشاعر فقالت: أليس قد قال: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ فما يدريه ما في جيدها؟ فقال النبي ﷺ : "قل لها: هل ترين عندي أحدًا؟ فإنها لن تراني, جعل الله بيني وبينها حجابًا" فقال لها أبو بكر فقالت: أتهزأ بي يابن أبي قحافة؟ والله ما أرى عندك أحدًا, خرجه في فضائله أيضًا. "شرح" المسد -بالتحريك: الليف, والجيد: العنق. ذكر إخراج المشركين أبا بكر, وجوار ابن الدغنة له: عن عائشة قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشيا, فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي فقال ابن الدغنة: مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يُخرَج, إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق, فارجع فاعبد ربك ببلدك, فارتحل ابن الدغنة ورجع مع أبي بكر فطاف ابن الدغنة في كفار قريش فقال: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج, أتخرجون رجلًا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق؟! فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر, وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره, وليصل مهما شاء, وليقرأ ما شاء, ولا يؤذنا، ولا

стр. 88

يشتغلن بالصلاة والقراءة في غير داره, ففعل. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا في فناء داره فكان يصلي فيه, ويقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم, يعجبون منه وينظرون إليه, وكان أبو بكر رجلًا بكاءً لا يملك دموعه حين يقرأ القرآن, فأفزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا: إنا أجرنا لك أبا بكر على أن يعبد الله في داره, وإنه جاوز ذلك وابتنى مسجدًا بفناء داره وأعلن بالصلاة, وإنا خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا, فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد الله في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد عليك ذمتك, فإنا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر بالاستعلان, فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال: يا أبا بكر قد علمت الذي قد عقدت لك عليه, فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في عقد رجل عقدت له, قال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله ورسوله, ورسول الله ﷺ يومئذ بمكة. أخرجه البخاري وأبو حاتم, وخرجه ابن إسحاق وقال: استأذن أبو بكر رسول الله ﷺ في الهجرة فأذن له, فخرج أبو بكر مهاجرًا حتى إذا سار من مكة يومًا أو يومين لقيه ابن الدغنة, ثم ذكر معناه وقال: والله إنك لزين العشيرة, وذكر معنى ما بقي. "شرح" برك الغماد -بفتح الباء وتكسر وبضم الغين وتكسر- وهو اسم موضع باليمن, وقيل: هو موضع وراء مكة بخمس ليالٍ, ذكره أبو موسى المديني, وابن الدغنة -بفتح الدال وكسر الغين المعجمة وتخفيف النون بعدها- هكذا قيده جمهور الحفاظ ويقال: بضم الدال والغين وتشديد النون بوزن دجنة, وهو الأكثر عن مؤرخي المغازي, ويقال بفتح الدال وسكون الغين وهو تقييد أهل اللغة.

стр. 89

الفصل الثامن: في هجرته مع النبي ﷺ وخدمته له فيها , وما جرى لهما في الطريق وما جرى لهما في الغار ومقدمهما المدينة, وذكر خروجهما من مكة طالبين غار ثور وما يتعلق بذلك عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "قد رأيت دار هجرتكم, أريت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان" فهاجر من هاجر قبل المدينة حتى ذكر ذلك رسول الله ﷺ ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى الحبشة من المسلمين, وتجهز أبو بكر مهاجرًا فقال له رسول الله ﷺ : "على رسلك, فإني أرجو أن يؤذن لي" قال أبو بكر: وترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: "نعم" فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ لصحبته وعلف راحلتين كانتا عنده, ورق السمر أربعة أشهر, قالت عائشة: فبينا نحن جلوس يومًا في بيتنا في نحر الظهيرة إذ قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ مقبل متقنع في ساعة لم يكن يأتينا فيها, قال أبو بكر: فداه أبي وأمي, إن جاء به في هذه الساعة لأمر قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فدخل فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "أخرج من عندك" فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ : "قد أذن لي في الخروج" قال أبو بكر: فالصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم" فقال أبو بكر: بأبي أنت يا رسول الله فخذ إحدى راحلتي هاتين, فقال رسول الله ﷺ : "بالثمن" قالت عائشة: فجهزناهما أحسن الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب, وقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها وأوكت به الجراب؛ ولذلك سميت ذات النطاق, ولحق رسول الله ﷺ بغار في جبل يقال له: ثور, فمكثا فيه ثلاث ليالٍ. خرجه البخاري وأبو حاتم وزاد في بعض طرق البخاري: يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن, فيدلج من عندهما سحرًا فيصبح عند قريش كبائت فلا يسمع أمرًا يكادان به إلا وعاه حتى

стр. 90

يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام, ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى لأبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء, فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما حتى ينفق ثمنها عامر بغلس, يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث واستأجر رسول الله ﷺ رجلًا من بني الدئل هاديًا خريتًا, والخريت: الماهر في الهداية, قد غمس حلفًا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش, فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما ووعداه غار ثور بعد ثلاث, فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث, وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق الساحل, وفي رواية: قد غمس يده في حلف العاص بن وائل وفيها: فأخذ بهم طريق أذاخر طريق الساحل, وعند أبي حاتم قال أبو بكر: عندي ناقتان قد كنت أعددتهما للخروج قالت: فأعطى النبي ﷺ إحداهما وهي الجدعاء, فركبا حتى أتيا الغار ثم ذكر ما بعده. "شرح" السبخة: واحدة السباخ وأرض سبخة بكسر الباء: ذات سباخ, على رسلك: مهلك وتؤدتك, نحر الظهيرة, الظهيرة: الهاجرة, ونحر النهار: أوله, فلعله أراد أول الهاجرة وإن كان سياق اللفظ يشعر بأن المراد شدة الظهيرة, النطاق: شدة تلبسها المرأة وتشد وسطها ثم ترسل الأعلى على الأسفل إلى الركبة والأسفل ينجرّ على الأرض وليس لها حجزة ولا نيفق ولا ساقان والجمع: نطق يقال: انتطقت المرأة إذا لبست النطاق, وانتطق الرجل إذا لبس المنطقة وهو كل ما شددت به وسطك قاله الجوهري, ثقف: حاذق خفيف بزنة ضخم من: ثقف ثقافة وثقف كخدر وخدر أو من ثقف ثقفًا كنعب نعبًا لغتان فيه, ولقن: سريع الفهم والتلقين: التفهيم, يدلج أدلج القوم: إذا ساروا أول الليل وادلجوا بالتشديد: ساروا آخره والاسم الدلجة بضم الدال وفتحها فيهما, منحة أصلها العطية ومنيحة اللبن: أن تعطي الناقة أو الشاة أحدًا غيرك يحلبها ثم يردها إليك فيجوز أن يكون لأبي بكر منحة من غيره ويجوز أن يكون سماها بملكها منحة

стр. 91

توسعًا, وقد استعمل ذلك فيما بعد الشرب وإن كان مملوكًا وهو المراد هنا والله أعلم, يريحها: أراح ماشيته إذا ردها إلى المراح وكذلك الترويح ولا يكون إلا بعد الزوال, الرسل بالكسر: اللبن وأرسل القوم: صاروا ذا رسل, والرضيف: اللبن يغلي بالرضف وهي الحجارة المحماة ورضفه: قواه بالرضف, وخريتًا أي: دليلًا حاذقًا كما فسر في الحديث وخرت الأرض: إذا عرف طرقها وقوله ﷺ لأبي بكر لما عرض عليه الراحلة: "بالثمن" لم يكن ذلك والله أعلم إلا لأن يخلص ثواب الهجرة له لا يشركه أحد في ثوابها وإلا فقد كان النبي ﷺ يحكم في مال أبي بكر كما يحكم في مال نفسه على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى, وقد ذكر ابن إسحاق أن أبا بكر لما قدم الراحلتين إلى رسول الله ﷺ قدم أفضلهما له وقال: اركب فداك أبي وأمي, فقال ﷺ : "إني لا أركب بعيرًا ليس لي" قال: فهي لك يا رسول الله قال: "لا, ولكن بالثمن الذي ابتعتها به" قال: كذا وكذا قال: "قد أخذتها بذلك" فقد بين في هذا سبب الامتناع من قبولها مجانًا وهو أنه لا يركب بعيرًا ليس له, وما ذاك والله أعلم إلا للمعنى الذي ذكرناه آنفًا؛ لأنه لا يركب بعيرًا إلا في طاعة وعبادة, ولا تضاد بين هذا وحديث عائشة المتقدم, وأن هذا القول كان منه في بيت أبي بكر لجواز أن الحديث في ذلك تكرر ويشهد لهذا أن الأول لم يكن فيه تبايع وإنما وعد به, والثاني تضمن العقد والتمليك بالثمن والله أعلم. وعنها١ أيضًا أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله ﷺ بيت أبي بكر أحد طرفي النهار إما بكرة وإما عشية, حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسول الله ﷺ في الهجرة أتانا رسول الله ﷺ بالهجيرة ثم ذكرت معنى ما تقدم وقالت بعد قولها: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ فقال: "الصحبة".

стр. 92

قالت: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي١ يومئذ, خرجه ابن إسحاق ولم يعلم أحد فيما بلغني بخروج رسول الله ﷺ إلا علي بن أبي طالب, فإن رسول الله ﷺ أخبره بخروجه وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله ﷺ الودائع٢ التي كانت عنده للناس, وكان رسول الله ﷺ ليس أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من أمانته وصدقه, فلما أجمع على الخروج أتى أبا بكر فخرج من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ثم عمد إلى غار بثور, جبل بأسفل مكة, وأمر أبو بكر عبد الله بن أبي بكر أن يستمع لهما ما يقول الناس نهارًا ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون من الخبر, وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار, وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما, فأقام رسول الله ﷺ في الغار ثلاثة أيام ومعه أبو بكر وجعلت قريش حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم, حتى إذا مضت الثلاثة وسكن عنهما الناس, أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما وبعير له, وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتيهما ونسيت أن تجعل لها عصامًا, فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام فتحل بطاقها فتجعله عصامًا, ثم علقتها به فكان يقال لها: ذات النطاق لذلك. قال ابن هشام: وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول ذات النطاقين, وتفسيره أنها شقت نطاقها باثنتين فعلقت السفرة بواحدة وانتطقت بالأخرى. وعن أسماء أنها قالت: صنعت سفرة رسول الله ﷺ في بيت أبي

стр. 93

بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة, قالت: فلم تجد لسفرته ولا لسقائه ما نربطهما به قالت: فقلت لأبي بكر: والله ما أجد شيئًا أربط به إلا نطاقي, قالت: قال: شقيه باثنين فاربطي بأحدهما السقاء وبالآخر السفرة؛ فلذلك سميت ذات النطاقين. خرجه البخاري. وفي رواية عند ابن السمان في كتاب الموافقة أن أبا بكر دفع إلى أسماء دراهم وقال: ابتاعي بهذا سفرة رسول الله ﷺ وابتاعي به خبزًا ولحمًا, فإن رسول الله ﷺ يعجبه اللحم, ثم ذكر انطلاقهم إلى الغار وقال: فدخل أبو بكر الغار فلم يرَ فيه حجرًا إلا أدخل إصبعه فيه حتى أتى على حجر كبير, فأدخل رجله فيه إلى فخذه ثم قال: ادخل يا رسول الله, فقد مهدت لك الموضع تمهيدًا. قال: ثم إن المشركين خرجوا بأجمعهم ينظرون إلى أثر قدم رسول الله ﷺ وكان شثن الكفين والقدمين حتى أتوا منزل أبي بكر وأسماء تعالج اللحم, فأخرجت المصباح ليغلب رائحة الإدام فسألوا أسماء فقالت: إني مشغولة في عمل, فانطلقوا وجعلوا فيه مائة ناقة لمن قتله, وأقبلوا إلى باب الغار فعفا الله أثره وأثر أبي بكر, فلم يستبن لهم وقعد رجل منهم يبول فقال أبو بكر: يا رسول الله قد رآنا القوم؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا يا أبا بكر ما رأونا, ولو رأونا ما قعد ذلك يبول بين أيدينا" فتفرقوا وبات أبو بكر بليلة منكرة من الأفعى, فلما أصبح قال له رسول الله ﷺ : "ما هذا يا أبا بكر؟ " وقد تورم جسده فقال: يا رسول الله, الأفعى فقال له رسول الله ﷺ : "فهلا أعلمتني" فقال أبو بكر: كرهت أن أفسد عليك قال: فأمرّ رسول الله ﷺ يده على أبي بكر فاضمحل ما كان بجسده من الألم, وكأنه أنشط من عقال ثم ذكر ما بعده. وعنها قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر أتانا نفر من قريش وفيهم أبو جهل بن هشام, فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم فقالوا:

стр. 94

أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي, قالت: فرفع أبو جهل يده وكان فاحشًا خبيثًا, فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي قالت: ثم انصرفوا فمكثنا ثلاث ليالٍ لا ندري أين وجه رسول الله ﷺ حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من الشعر غناء العرب, وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه, حتى خرج من أعلى مكة يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلَّا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر ثم تروحا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد خرجه ابن إسحاق, وسيأتي قصة أم معبد مستوفاة في الذكر الثالث من هذا الفصل إن شاء الله تعالى. "شرح" القرط: هو الذي يعلق في شحمة الأذن والجمع: قرطة وقراط كرمح ورماح, وإتيان قريش هذا بيت أبي بكر الظاهر أنه غير الأول الذي تضمنه حديثها من رواية ابن السمان, وأن هذا كان بعد اليأس منهم, ألا تراها تقسم بالله أنها لا تعلم أين وجهه؟ وفي ذلك الوقت كانت تعلم أنه بالغار؛ لأنها كانت تأتيهم بالطعام على ما تقدم بيانه, وقولها: أقمنا ثلاثًا لا نعلم أين وجه رسول الله ﷺ ؟ أي: بعد توجههما للغار والله أعلم. ويجوز أن يكون هو ذلك الأول أو بعده قريبًا منه وهم بالغار ولم تكن علمت حينئذ ثم علمت بعد, إلا أن قولها: فأقمنا ثلاثًا لا نعلم, لا يجوز حملها على الثلاث الأول؛ فإنها مدة مقامهم في الغار وقد كانت عالمة بهم فيكون سؤالهم عنه في تلك وهو الظاهر من حال الباحث عن شيء, ويكون قولها: فأقمنا ثلاثًا أي: بعد علمها بهم أولًا ثم ارتحالهم من الغار, والله أعلم.

стр. 95

قال ابن إسحاق: لما بايع رسول الله ﷺ الأنصار وأمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة وقال: "إن الله جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون بها" فخرجوا أرسالًا وأقام النبي ﷺ ينتظر أن يؤذن له ولم يتخلف معه من أصحابه إلا من حبس أو فتن إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة, وكان أبو بكر كثيرًا ما يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة فيقول له رسول الله ﷺ : "لا تعجل, لعل الله أن يجعل لك صاحبًا" فيطمع أبو بكر أن يكون إياه. وعن علي قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ فقال له: "من يهاجر معي؟ " فقال: أبو بكر وهو الصديق, خرجه ابن السمان في الموافقة. ذكر الغار وما جرى لأبي بكر مع النبي ﷺ فيه وفي طريقه, وتقدم في الذكر قبله طرف منه: وعن أنس أن أبا بكر ﵁ حدثهم قال: قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار: لو أراد أحد منهم أن ينظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه فقال ﷺ : "يا أبا بكر, ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " خرجه أبو حاتم. وعن عمر بن الخطاب ﵁ وقد ذكر عنده أبو بكر فبكى وقال: وددت لو أن عملي كله من عمله يومًا واحدًا من أيامه, وليلة من لياليه, أما الليلة فليلة سار مع رسول الله ﷺ إلى الغار فلما انتهيا إليه قال: والله لا تدخله حتى أدخل قبلك, فإن كان فيه شيء أصابني دونك فدخله فكسحه فوجد في جوانبه ثقبًا فشق إزاره وسد بها تلك الثقب, وبقي منها اثنان فألقمهما رجله ثم قال لرسول الله ﷺ : ادخل فدخل رسول الله ﷺ فوضع رأسه في حجره فنام, فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر, ولم يتحرك مخافة أن يستنبه رسول الله ﷺ فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ فانتبه رسول الله ﷺ فقال: "ما لك يا أبا بكر؟ " قال: لدغت فداك أبي وأمي, فتفل عليه رسول الله ﷺ فذهب ما يجده ثم انتفض

стр. 96

عليه فكان سبب موته, فلما قبض رسول الله ﷺ ارتدت العرب وقالوا: لا نؤدي زكاة, فقال: لو منعوني عقالًا لجاهدتهم عليه, فقلت: يا خليفة رسول الله ﷺ تألف الناس وارفق بهم فقال: أجبار في الجاهلية, وخوار في الإسلام؟ إنه قد انقطع الوحي وتم الدين, ثم انتفض وأنا حي, خرجه النسائي. وخرج في الصفوة منه قصة الغار عن أنس وقال في آخره: فلما أصبح قال رسول الله ﷺ : "فأين ثوبك يا أبا بكر؟ " فأخبره بالذي صنع, فرفع النبي ﷺ يديه وقال: "اللهم اجعل أبا بكر في درجتي يوم القيامة" فأوحى الله سبحانه إليه: "أن الله قد استجاب لك". وخرجه الحافظ أبو الحسن بن بشران والملاء في سيرته عن ميمون بن مهران عن ضبة بن محصن الغنوي قال: كان علينا أبو موسى أميرًا بالبصرة فكان إذا خطبنا حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ثم بدأ يدعو لعمر قال: فأغاظني ذلك منه فقمت إليه فقلت له: أين أنت عن صاحبه, تفضله عليه؟! قال: فصنع ذلك ثلاث جمع ثم كتب إلى عمر يشكوني ويقول: إن ضبة بن محصن الغنوي يتعرض لي في خطبتي قال: فكتب إليه عمر أن أشخصه لي قال: فأشخصني إليه، فقدمت على عمر فدققت عليه فخرج إلي فقال: من أنت؟ فقلت: أنا ضبة بن محصن الغنوي قال: فلا مرحبًا ولا أهلًا قال: قلت: أما الرحب فمن الله وأما الأهل فلا أهل ولا مال, فبِمَ استحللت يا عمر إشخاصي من مصري بلا ذنب أذنبته؟ قال: فما الذي شجر بينك وبين عاملك؟ قال: قلت: الآن أخبرك يا أمير المؤمنين: كان إذا خطبنا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ بدأ يدعو لك, فأغاظني ذلك منه قال: فقمت إليه وقلت له: أين أنت عن صاحبه, تفضله عليه؟! فصنع ذلك ثلاث جمع, ثم كتب إليك يشكوني قال: فاندفع عمر باكيًا فجعلت أرثي له, ثم قال: أنت والله

стр. 97

أوثق عنه وأرشد, فهل أنت غافر لي ذنبي يغفر الله لك ذنبك؟ قال: قلت: غفر الله لك يا أمير المؤمنين, ثم اندفع باكيًا وهو يقول: والله الليلة من أبي بكر خير من عمر, هل لك أن أحدثك بيومه وليلته؟ قال: قلت: نعم يا أمير المؤمنين قال: أما الليلة, فلما خرج النبي ﷺ هاربًا من أهل مكة خرج ليلًا, فتبعه أبو بكر فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره فقال له رسول الله ﷺ : "ما هذا يا أبا بكر؟ ما أعرف هذا من فعلك؟ " قال: يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك, وأذكر الطلب فأكون خلفك, ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا آمن عليك, قال: فمشى رسول الله ﷺ ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه, فلما رأى أبو بكر أنها قد حفيت حمله على كاهله وجعل يشتد به حتى أتى به فم الغار فأنزله ثم قال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله قبلك, فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك, فدخل فلم ير فيه شيئًا فحمله, وكان في الغار خروق فيها حيات وأفاعٍ فخشي أبو بكر أن يخرج منها شيء يؤذي رسول الله ﷺ فألقمها قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه الحيات والأفاعي, وجعلت دموعه تتحادر ورسول الله ﷺ يقول له: "يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا" فأنزل الله سكينته وهي طمأنينة لأبي بكر, فهذه ليلته. وأما يومه, فلما توفي رسول الله ﷺ فذكر مثل ما تقدم, وقال في آخره: ثم كتب إلى أبي موسى يلومه. خرجه الملاء في سيرته, وصاحب فضائله, وخرج الخجندي معناه وزاد بعد قوله: أذكر الرصد فأكون أمامك وأذكر الطلب فأكون خلفك إلى آخره: فقال: "يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك؟ " قال: نعم والذي بعثك بالحق, ثم ذكر معنى ما بعده ثم قال بعد ذكر سد الجحرة: انزل يا رسول الله فنزل ثم قال عمر: والذي نفسي بيده, لتلك الليلة خير من آل عمر. "شرح" الغار: الكهف في الجبل والجمع: غيران, كسحه: كنسه

стр. 98

والمكسحة: المكنسة, طمأنينة هكذا قيد في الحديث, تقول: اطمأن الرجل اطمئنانًا وطمأنينة من غير همز عند إلحاق الهاء: إذا سكن قاله الجوهري, فتفل التفل: شبيه بالبزق وهو أقل منه, أوله البزق ثم التفل ثم النفث ثم النفخ تقول منه: تفل يتفل بضم الفاء وكسرها قاله الجوهري, الخوار: الضعيف من الخور بالتحريك يقال: رجل خوار وأرض خوارة ورمح خوار والجمع: خور, أشخصه من: شخص من بلد إلى بلد شخوصًا إذا ذهب وأشخصه غيره, مرحبًا من الرحب بالضم: السعة وفلان رحب الصدر أي: واسعه, وقولهم: مرحبًا وأهلًا أي: أتيت سعة وأتيت أهلًا فاستأنس ولا تستوحش, شجر بينك وبين عاملك أي: اختلف, واشتجر القوم وتشاجروا أي: تنازعوا والمشاجرة: المنازعة, الرصد بالتحريك: القوم يرصدون كالحرس, يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث, وربما قالوا في الجميع: أرصاد, وبالإسكان مصدر رصدت الشيء أرصده رصدًا ورصدًا أيضًا: إذا راقبته, حفيت رجله أي: رقت من كثرة المشي ويشبه أن يكون ذلك من خشونة الجبل وكان حافيًا, وإلا فلا يحتمل بعد الإمكان ذلك. ويؤيد ذلك ما روته عائشة قالت: قال لي أبو بكر: لو رأيتني ورسول الله ﷺ إذ صعدنا الغار فأما قدما رسول الله ﷺ فقطرتا دمًا, وأما قدماي فعادتا كأنهما صفوان فقالت عائشة: إن رسول الله ﷺ لم يتعود الحفية ولا الرعبة ولا الشقوة. خرجه في فضائله أو لعلهم ضلوا طريق الغار حتى بعدت المسافة, ويدل عليه وقوله: فمشى رسول الله ﷺ ليلته ولا يحتمل ذلك مشي ليلة إلا بتقدير ذلك أو سلوك غير الطريق تعمية على الطلب, الكاهل: الحارك وهو ما بين الكتفين, قال ﷺ : "تميم كاهل مضر وعليها المحمل" الأفاعي: جمع أفعى وهي الحية, تقول: هذه أفعًى بالتنوين وكذلك أروى قاله الجوهري, وفي قوله: انزل يا رسول الله دليل على أن باب الغار كان من أعلاه.

стр. 99

ويؤيده أن في حديث الخجندي أن أبا بكر لما دخل الغار وخرج حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة فقال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الحجرة, فدخل فاستبرأها ثم قال: انزل يا رسول الله, وقول عمر: خير من آل عمر يعني نفسه, ومنه ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ أي: داود نفسه. وعن ابن عباس قال: لما كانت ليلة رسول الله ﷺ في الغار قال لصاحبه أبي بكر: "أنائم أنت؟ " قال: لا وقد رأيت صنيعك وتقليك يا رسول الله, فما بالك بأبي أنت وأمي؟ قال: "جحر رأيته قد انهار فخشيت أن تخرج منه هامة تؤذيك أو تؤذيني" فقال أبو بكر: يا رسول الله فأين هو؟ فأخبر فسد الجحر وألقمه عقبه فقال رسول الله ﷺ : "رحمك الله من صديق صدقتني حين كذبني الناس، ونصرتني حين خذلني الناس، وآمنت بي حين كفر بي الناس، وآنستني في وحشتي, فأي منه لأحد عليّ كمثلك" خرجه في فضائله. "شرح" الهامة مخففا: من طير الليل وهو الصدي والجمع: هام قاله الجوهري, فلعله أراد ذلك لأنهم أتوا الغار ليلًا أو أراد دواب الأرض استعارة من ذلك. وعن جابر بن عبد الله أن أبا بكر الصديق لما ذهب مع رسول الله ﷺ إلى الغار فدخل أبو بكر ثم قال: كما أنت يا رسول الله, فضرب برجله فأطار اليمام يعني الحمام الطوري وطاف فلم ير شيئًا فقال: ادخل يا رسول الله, فدخل فإذا في الغار جحر فألقمه أبو بكر عقبه مخافة أن يخرج على رسول الله ﷺ شيء, وغزل العنكبوت على الغار وذهب الطلب في كل مكان فمروا على الغار فأشفق أبو بكر منهم فقال له رسول الله ﷺ : "لا تحزن إن الله معنا". وعن جندب بن عبد الله بن سفيان العلقي قال: لما انطلق أبو بكر

стр. 100

مع النبي ﷺ إلى الغار فأصاب يده شيء, فجعل يمسح الدم من أصبعه ويقول: هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت "شرح" في جندب لغتان: ضم الدال وفتحها, وسفيان جده نسب إليه, وجندب هذا نزل الكوفة فيمن نزلها من أصحاب رسول الله ﷺ ثم صار إلى البصرة ثم خرج عنها, والعلقي منسوب إلى علق فخذ من بجيلة, خرجه في فضائله. وعن أنس أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه؟ فقال: "يا أبا بكر, ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " أخرجاه وأبو حاتم وغيرهم بطرق كثيرة, وفيه دلالة على ما تقدم من أن باب الغار كان من أعلاه. وعن أبي مصعب المكي قال: أدركت أنس بن مالك وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وسمعتهم يتحدثون عن النبي ﷺ في ليلة الغار, قال: فأمر الله شجرة فنبتت في وجه النبي ﷺ فسترته وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار فأقبل فتيان من قريش, من كل بطن رجل, بعصيهم وهراواتهم وسيوفهم حتى إذا كانوا من النبي ﷺ بقدر أربعين ذراعًا فجاء رجل منهم لينظر في الغار, فرأى الحمامتين بفم الغار فرجع إلى أصحابه فقالوا: ما لك لم تنظر في الغار؟ قال: رأيت حمامتين بفم الغار فعلمت أن ليس فيه أحد, فسمع النبي ﷺ ما قال, فعرف أن الله درأ بهما فدعا لهن النبي ﷺ وشمت عليهن وفرض جزاءهن وانحدرن في الحرم, خرجه في فضائله. "شرح" الهراوة: العصا الضخمة والجمع: الهراوَى بفتح الواو بزنة مطايا كما في الإداوة, وهروته بالهراوة وتهريته أي: ضربته بها, شمت عليهن

стр. 101

أي: برك عليهن, ومنه الحديث: "شمتوا في الطعام" أي: إذا فرغتم فادعوا بالبركة لمن طعمتم عنده, ومنه تشميت العاطس. قال أبو عمر: واختلفوا في مكث رسول الله ﷺ وأبي بكر في الغار؛ فيروى عن مجاهد ما روته عائشة في الحديث المتقدم في الباب قبله, فمكثا فيه ثلاث ليال وعليه جمهور المحدثين. وروي في حديث مرسل أن النبي ﷺ قال: "مكثت مع صاحبي في الغار بضعة عشر يومًا ما لنا طعام إلا ثمر البرير -يعني ثمر الأراك" ولا يصح هذا وحمله على غار ثور غلط؛ فإنه كان طعامهم فيه ما تقدم ذكره وإنما كانت هذه القصة والله أعلم أيام كان ﷺ يعرض نفسه على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ويروى أن ثمر البرير كان طعام النبي ﷺ وصاحبه في سفر الهجرة. وعن سعد بن هشام قال: لما قدم النبي ﷺ صلى بهم فقام رجل فقال: يا رسول الله أحرق بطوننا التمر فقال رسول الله ﷺ : "إني خرجت أنا وصاحبي هذا -يعني أبا بكر- ليس لنا طعام إلا حب البرير, فقدمنا على إخواننا الأنصار فواسونا في طعامهم وكان جل طعامهم التمر, وايم الله لو أجد لكم الخبز لأطعمتكموه". خرجه في فضائله وسعد بن هشام تابعي يروي عن الزهري وأنس وعائشة. وعن ابن عباس قال: كان أبو بكر مع النبي ﷺ في الغار فعطش عطشًا شديدًا فشكا إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : "اذهب إلى صدر الغار فأشرب" قال أبو بكر: فانطلقت إلى صدر الغار فشربت ماء أحلى من العسل وأبيض من اللبن وأذكى رائحة من المسك, ثم عدت إلى النبي ﷺ فقال: "شربت؟ " قلت: نعم قال: "ألا أبشرك يا أبا بكر؟ " قلت: بلى يا رسول الله, قال: "إن الله ﵎ أمر الملك الموكل بأنهار الجنة أن يخرق نهرًا من جنة الفردوس إلى صدر الغار ليشرب أبو بكر" فقلت:

стр. 102

يا رسول الله ولي عند الله هذه المنزلة؟ فقال النبي ﷺ : "نعم وأفضل, والذي بعثني بالحق نبيًّا لا يدخل الجنة مبغضك ولو كان له عمل سبعين نبيًّا" خرجه الملاء في سيرته. ذكر توجههما طالبين المدينة, وما جرى لهما في الطريق, ومقدمهما المدينة وما تعلق بذلك: عن البراء بن عازب قال: اشترى أبو بكر من عازب رحلًا بثلاثة عشر درهمًا فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمله إلى أهلي فقال عازب: لا حتى تحدثني كيف صنعت أنت ورسول الله ﷺ حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكما؟ فقال: ارتحلنا من مكة فأحيينا ليلتنا حتى إذا أظهرنا وقام قائم الظهيرة رميت ببصري هل أرى ظلا نأوي إليه, فإذا أنا بصخرة فانتهيت إليها فإذا بقية ظلها فسويته ثم فرشت للنبي ﷺ ثم قلت: اضطجع يا رسول الله, فاضطجع ثم ذهبت أنظر هل أرى من الطلب أحدًا؟ فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي نريد -يعني الظل- فسألته فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: الغلام لفلان رجل من قريش فعرفته فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم فقلت: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم, فأمرته فاعتقل شاة من غنمه وأمرته أن ينفض عنها من الغبار ثم أمرته أن ينفض كفيه فقال هكذا فضرب إحدى يديه على الأخرى فحلب لي كثبة من لبن وقد رويت ومعي لرسول الله ﷺ إداوة على فمها خرقة, فصببت على اللبن حتى برد أسفله فانتهيت إلى رسول الله ﷺ فوافيته قد استيقظ, فقلت: اشرب يا رسول الله فشرب فقلت: قد آن الرحيل يا رسول الله, فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن جعثم على فرس له فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله فبكيت فقال رسول الله ﷺ : "لا تحزن إن الله معنا"، فلما دنا منا وكان بيننا وبينه قدر رمحين أو ثلاثة قلت: هذا الطلب يا رسول الله

стр. 103

وبكيت فقال: "ما يبكيك؟ " قلت: ما والله على نفسي أبكي, ولكن أبكي عليك, فدعا عليه١ رسول الله ﷺ قال: "اللهم اكفناه بما شئت" قال: فساخت فرسه في الأرض إلى بطنها فوثب عنها ثم قال: يا محمد, قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه, فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهمًا, فإنك ستمر على إبلي وغنمي في مكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك, فقال رسول الله ﷺ : "لا حاجة لنا في إبلك" ودعا له رسول الله ﷺ فانطلق راجعًا إلى أصحابه, ومضى رسول الله ﷺ حتى أتينا المدينة ليلًا, فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "إني أنزل الليلة على بني النجار أخوال بني عبد المطلب, أكرمهم بذلك" فخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطريق وعلى البيوت من الغلمان والخدم يقولون: جاء محمد رسول الله ﷺ فلما أصبح انطلق, فنزل حيث أمر. قال البراء: وكان أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار بن قصي فقلنا له: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قال: هو في مكانه وأصحابه على أثري, ثم أتى بعده٢ عمر ابن أم مكتوم الأعمى أخو بني فهر فقلنا: ما فعل من وراءك رسول الله ﷺ وأصحابه؟ قال: هم الآن على أثري, ثم أتى بعده عمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وبلال, ثم أتانا عمر بن الخطاب في عشرين راكبًا, ثم أتى رسول الله ﷺ بعدهم وأبو بكر معه. قال البراء: فلم يقدم علينا رسول الله ﷺ حتى قرأ عشرًا من المفصل, ثم خرجنا تلقاء العير فوجدناهم قد حذروا. أخرجه بتمامه أبو حاتم وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث الهجرة إلى بلوغ المدينة.

стр. 104

وفي رواية مكان ساخت فرسه فارتطم فرسه إلى بطنه فقال: قد أعلم أنكما قد دعوتما علي فادعوا لي ولكما أن أرد عنكما الناس ولا أضركما قال فدعوا له فخرجت به الفرس فرجع فوفى للنبي ﷺ وجعل يرد الناس. وقد ذكر ابن إسحاق أن أول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي هاجر إليها قبل بيعة العقبة حين آذته قريش عند مقدمه من الحبشة فبلغه إسلام من أسلم من الأنصار فخرج إليهم مهاجرًا ثم هاجر بعده عامر بن ربيعة حليف بني كعب بن عدي وامرأته ليلى بنت أبي حيثمة ثم عبد الله بن جحش احتمل بأهله وأخيه عبد الرحمن بن جحش وهو أبو أحمد وكان أبو أحمد رجلًا ضرير البصر وكان يطوف مكة أعلاها وأسفها بغير قائد وكان شاعرًا ثم قدم المهاجرون أرسالًا ولا تضاد بينه وبين ما تقدم فيكون أول من قدمها مطلقًا أبو سلمة وأول من هاجر بعد بيعة الأنصار مصعب بن عمير كما تقدم وأما من ذكره ابن إسحاق بعد أبي سلمة فجائز أن يكون أيضًا قبل العقبة كأبي سلمة وجاز أن يكون بعدها بعد مصعب بن عمير ولم يبلغ ابن إسحاق مهاجر مصعب قبله والله أعلم. "شرح" أظهرنا أي دخلنا في الظهيرة وقائم الظهيرة عبارة عن اشتدادها وكذلك حر الظهيرة. وقوله -هل أنت حالب لي- قال نعم هذا محمول على أنه عرف مالكها وعلم أنه يرضى بتصرفه لصداقة بينهما أو على أن قوله هل أنت حالب لي أراد به هل أذن لك في ذلك أو على أن ذلك مستفاض بين العرب لا يرون بأسًا على محتاج يتناول من لبن ماشيتهم ويبيحون ذلك لرعيانهم أو على إباحة ذلك لمضطر لا يجد غير مال الغير وقد يكون الحال كذلك على أن بعض العلماء لم يشترط الضرورة وأباح ذلك للمسافر وإن لم

стр. 105

يكن مضطرًا واستدل بحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قال إذا مر أحدكم بإبل فأراد أن يشرب فليناد يا راعي الإبل فإن أجابه وإلا فليشرب أو على استباحة أموال المشركين على أنه قد روي ما يضاد هذا الحديث في الظاهر. عن زر عن عبد الله بن مسعود قال كنت غلامًا يافعًا في غنم لعقبة بن أبي معيط أرعاها فأتى علي النبي ﷺ وأبو بكر فقال: يا غلام هل معك من لبن قلت نعم ولكني مؤتمن قال فقال: ائتني بشاة لم ينز عليها الفحل فأتيته بعناق فاعتزلها رسول الله ﷺ ثم جعل يمسح الضرع ويدعو حتى أنزلت فأتاه أبو بكر بشيء فاحتلب فيه ثم قال: لأبي بكر اشرب فشرب أبو بكر ثم شرب النبي ﷺ بعده ثم قال: للضرع اقلص فقلص فعاد كما كان قال ثم أتيت النبي ﷺ فقلت يا رسول الله علمني من هذا الكلام أو من هذا القرآن فمسح رأسي وقال إنك غلام معلم فلقد أخذت من فيه سبعين سورة ما نازعني فيها بشر: أخرجه أبو حاتم ابن حبان. وفي رواية أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط بمكة فأتى على رسول الله ﷺ وأبو بكر وقد فرا من المشركين فقالا: "يا غلام عندك من لبن تسقينا قلت إني مؤتمن ولست بساقيكما فقال: اهل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت نعم وأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله ﷺ الضرع ودعا فحفل الضرع وأتاه أبو بكر بصخرة منقعرة فحلب فيها ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني ثم قال: للضرع اقلص فقلص. وفي رواية قال يا غليم مكان يا غلام ثم ذكر معنى ما بعده وقال فأتيته بشاة شطور لم ينز عليها الفحل والشطور الذي ليس لها إلا ضرع واحد فمسح رسول الله ﷺ مكان الضرع وما لها ضرع فإذا ضرع حافل مملوء لبنًا فأتيت النبي ﷺ بصخرة منقعرة فاحتلب ثم سقى أبا بكر وسقاني ثم قال: للضرع اقلص فرجع كما كان فأنا رأيت هذا من رسول

стр. 106

الله ﷺ قلت يا رسول الله علمني فمسح رأسي وقال: "بارك الله فيك فإنك غلام معلم" فأسلمت فأتيت النبي ﷺ فبينما نحن عنده على حراء إذا نزلت عليه ﴿وَالْمُرْسَلات﴾ أخرجه الطبراني في معجمه وخرج منه الغساني في معجمه قوله كنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط فمر بي رسول الله ﷺ فقال: "يا غلام هل من لبن" فقلت نعم ولكني مؤتمن. والظاهر أن هذه قضية غير تلك اتفقت لهما في بعض أسفارهما قبل الهجرة ألا ترى إلى اختلاف قول الراعيين واختلاف الحالبين واختلاف ما حلبا فيه؟ ويؤيد ذلك قوله بعد إسلامه وإتيانه إليه فبينما نحن عنده على حراء وأنه نزلت عليه سورة ﴿وَالْمُرْسَلات﴾ هذا فيه أبين البيان بأن ذلك قبل الهجرة فإنه بعد الهجرة لم يأت مكة إتيانًا يتمكن فيه من إتيان حراء وسورة المرسلات مما نزل بمكة قبل الهجرة وقوله في هذا الحديث يافعًا أي مرتفعًا من اليفاع وهو ما ارتفع من الأرض وأيفع الغلام أي ارتفع فهو يافع ولا يقال موفع وهو من النادر قاله الجوهري وذكر الفراء في حدوده أنه يقال يفع الغلام وحكاه ثابت عن أبي عبيدة في خلق الإنسان وقوله فيه لم ينز عليها الفحل أي لم تضرب ولم يواقعها الفحل تقول نزا نزاء بالكسر يقال ذلك في الحافر والظلف والسباع ونزاه غيره ونزاه وأما النزا بالضم فهو داء يأخذ الشاة فتنزوي منه حتى تموت حفل الضرع جمع والتحفيل التصرية صخرة منقعرة أي ذات قعر من التقعير والتعمق ورأيتها في الحديث مقيدة بالنون ولا معنى له هنا فإن المنقعر المنقلع ومنه أعجاز نخل منقعر قلص ارتفع والشطور قد فسرها في الحديث وقوله فمسح ﷺ مكان الضرع وما لها ضرع بعد قوله لها ضرع واحد يريد به والله أعلم مكان الضرع الآخر وما لها فيه ضرع وإلا تضاد أول الحديث وآخره فقد تضمن هذا الحديث أن سورة المرسلات نزلت بحراء وسورة المرسلات مما

стр. 107

نزلت بمكة قبل الهجرة وقد جاء في المتفق عليه من الصحيحين عن عبد الله قال بينا نحن عند رسول الله ﷺ في غار بمنى إذا نزلت عليه والمرسلات وإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه وعن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية فقال: رسول الله صلى الله عيه وسلم اقتلوها فابتدرناها لنقتلها فسقتنا فقال: رسول الله ﷺ وقيت شركم ووقيتم شرها. الحديث وآخره فقد تضمن هذا الحديث أن سورة المرسلات نزلت بحراء وسورة المرسلات مما نزلت بمكة قبل الهجرة وقد جاء في المتفق عليه من الصحيحين عن عبد الله قال بينا نحن عند رسول الله ﷺ في غار بمنى إذا نزلت عليه والمرسلات وإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه وعن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية فقال: رسول الله ﷺ "اقتلوها" فابتدرناها لنقتلها فسقتنا فقال: رسول الله ﷺ "وقيت شركم ووقيتم شرها". وقوله بمنى للبخاري دون مسلم وهذا أصح وأثبت: وقوله في حديث البراء فاعتقل شاة وهو أن يضع رجليها بين فخذه وساقه ليحلبها واعتقل رمحه إذا جعله بين ساقه وركابه وكأنه جعل له ذلك عقالًا وفي أمره بنفض الضرع ونفض اليد وفرشه لرسول الله ﷺ وتسويته الأرض دليل على التوسعة في مثل هذه الرفاهية ونحوها الكثبة من اللبن قدر حلبة الأداوة المطهرة والجمع أداوى. وقوله فصببت على اللبن حتى برد أسفله يجوز أن يريد أنه صب على ظاهر الإناء فبرد أسفله لاستقرار الماء في أسفله وإلا فكان يبرد كله لو صب فيه نفسه وعلى هذا دل بعض ألفاظ الحديث ويجوز أن يكون صب على اللبن نفسه وإنما خص أسفله بالبرد لأن الماء يغوص في اللبن فيلابس أسفله منه لما لا يلابس أعلاه فيكثر البرد في أسفله ويترجح هذا باقتضاء الحال فإنها حالة جوع وحاجة إلى شربه وصب الماء فيه نفسه أسرع لتسكين حرارته وبرده الطب جمع طالب فساخت أي دخلت فيها تقول ساخ يسوخ ويسيخ وارتطمت بمعناه تقول رطمته فارتطم أي أدخلته في أمر لا مخرج له منه لا عمين أي لألبسن وعمي عليهم الأمر التبس -الكنانة- التي تجمع فيها السهام -العير- بالكسر الإبل تحمل الميرة ويجوز أن يجمع على عيرات فتنازعوا أي قبائل الأنصار بني النجار أخوال عبد المطلب كان هاشم تزوج امرأة من بني النجار فولدت عبد المطلب فلذلك كانوا أخواله واسم المرأة سلمة بنت زيد بن خراش بن أمية بن أسد بن عامر بن

стр. 108

غنم بن عدي بن النجار ويسمى زيد مناة وعن الزهري أنها سلمى بنت عمرو بن زيد وفي هذا الحديث أن ارتحالهم كان من مكة أنهم أحيوا ليلتهم بالسرى ولم يتضمن ذكر الغار كما تقدم. وقد جاء في الصحيح أن أبا بكر قال ارتحلنا من الغار والقوم يطلبوننا فلم يدركنا منهم أحد غير سراقة بن مالك على فرس له وذكر الحديث ولا تضاد بينهما وكان ارتحالهم المتصل بإحياء الليلة من الغار وأطلق عليه ارتحالًا من مكة لأن الغار في ثور كما تقدم وهو جبل في الحرم قريب من مكة فأطلق على الارتحال منه ارتحال من مكة لقربه أو لكونه من الحرم ومنه أن الله حرم مكة والمراد الحرم. وعن حبيش بن خالد صاحب رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ حين خرج من مكة خرج منها مهاجرًا إلى المدينة هو وأبو بكر ومولى لهم عامر بن فهيرة ودليلهما الليث بن عبد الله بن الأريقط مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية وكانت برزة جلدة تختبئ بفناء القبة ثم تسقي وتطعم فسألوها تمرًا ولحمًا يشترونه منها فلم يصيبوا عندها من ذلك شيئًا وكان القوم مرملين مسنتين فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد" قالت خلفها الجهد عن الغنم قال: "هل بها من لبن؟ " قالت هي أجهد من ذلك قال: "أتأذنين لي أن أحلبها؟ " قالت نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا فاحلبها فدعا بها رسول الله ﷺ فمسح بيده ضرعها وسمى الله ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت ودعا بإناء يربض الرهط فحلب ثجًا حتى علاه إليها ثم سقاها حتى رويت ثم سقى أصحابه حتى رووا ثم شرب آخرهم ثم حلب ثانيًا بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا يعني عنها فقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا تساوكن هزلًا مخهن قليل. فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال من أين لك هذا يا أم معبد

стр. 109

والشاة عازب حيال ولا حلوب في البيت؟ قالت لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا قال صفيه لي يا أم معبد قالت رجل ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة وسيم قسيم في عينيه دعج وفي أشفاره وطف وفي وصوته صحل وفي عنقه سطع وفي لحيته كثاثة أزج أقرن إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما وعلاه البهاء أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحسنه وأحلاه من قريب حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ربعة لا بائن من طول ولا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا له رفقاء يحفون به إن قال أنصتوا لقوله وإن أمر تبادروا لأمره محفود محشود لا عابس ولا مفند قال أبو معبد فهذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن عن وجدت لذلك سبيلًا وأصبح صوت بمكة عال يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلاها بالهدى فاهتديا به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد فيا قصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال أو فجار وسؤدد ليهن بنو كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنك إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت ... عليها صريحًا ضرة الشاة مزيد فغادرها رهنًا لديها كحالب ... يرددها في مصدر ثم مورد خرجه الحافظ أبو القاسم في الأربعين الطوال. "شرح" -مرملين- أين نفذت أزوادهم مسنتين أي دخلوا في السنة ويروى مشتين أي دخلوها في الشتاء وكسر الخيمة -جانبها- وتفاجت -فتحت ما بين رجليها- ويربض الرهط أي يرويهم حتى يثقلوا

стр. 110

فيربضوا -والثج- السيلان- والبها بهاء اللبن وهو وبيص رغوته وتساوكن هزلًا أي تمايلن ويروى تشاركون من المشاركة أي تساوين في الهزال وغادره أبقاء والشاة عازب أي بعيد في الرعي والأبلج المشرق الوجه المضيئة والحيال جمع حائل وهي التي لم تحمل والوضاءة الحسن والثجلة عظم البطن والصعلة صغر الرأس ويروى ثجلة بالضم وهي الضمرة والدقة وصقلة الخاصرة يعني أنه غير طويل الخاصرة والوسيم الحسن وكذلك القسيم والدعج السواد في العين والوطف الطول والصحل البحة والسطع الطول والكثاثة كثرة الشعر والأزج الرقيق طرف الحاجبين والأقرن المقرون الحاجبين بخلاف ما في حديث غيره والنزر القليل والهذر الكثير من الكلام فكلامه وسط وتقتحمه تحتقره يعني أنه بين الطويل والقصير والمحفود المخدوم والمحشود الذي عنده حشد وهو الجماعة والعابس من عبوس الوجه والمفند الذي يكثر اللوم وهو التفنيد ويروى معتد من العداء وهو الظلم والصريح الخالص والضرة لحمة الضرع وفي رواية فتحلبت له بصريح وهو الصواب وغادرها أي خلف الشاة عندها مرتهنة بأن تدر والله أعلم. وعن عبد الرحمن بن عويمر بن ساعدة قال حدثني رجال من قومي من أصحاب النبي ﷺ قال لما سمعنا بمخرج النبي ﷺ من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظهر حرتنا ننتظر رسول الله ﷺ فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظل فإذا لم نجد ظلًا دخلنا وذلك في أيام حارة حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ جلسنا كما كنا نجلس حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا فقدم رسول الله ﷺ حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود وقد رأى ما كنا نصنع وإنا ننتظر قدوم رسول الله ﷺ فصرخ بأعلى صوته يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء فخرجنا إلى رسول الله ﷺ وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر وأكثرنا لم
следующие страницы →