وقد تقدم ذكر ذلك في نسبه، ويكون أطلق عليها أخت أبي جهل لأنها في درجة الأخت، وإنما هي ابنة عمه.
ذكر علمه وفهمه:
تقدم في خصائصه حديث إشارته على أبي بكر بجمع القرآن مما يدل على غزارة علمه وحسن نظره، وحديث ابن عمر في رؤيا النبي ﷺ شرب اللبن وإعطاء فضله عمر وتأويل ذلك بالعلم، وحديث ابن مسعود: "لو وضع عمر في كفة وعلم أهل الأرض في كفة, لرجح علم عمر" وكلاهما دليل على غزارة علمه، وعنه أنه قال لزيد بن وهب: اقرأ بما أقرأكه عمر، إن عمر أعلمنا بكتاب الله وأفقهنا في دين الله، خرجه علي بن حرب الطائي.
وعن خالد الأسدي قال: صحبت عمر, فما رأيت أحدًا أفقه في دين الله ولا أعلم بكتاب الله ولا أحسن مدارسة منه، وعنه قال: إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهبت يوم ذهب عمر.
وعنه قال: كان عمر أعلمنا بالله وأقرأنا لكتاب الله وأتقانا لله، والله إن أهل بيت من المسلمين لم يدخل عليهم حزن على عمر حين أصيب لأهل بيت سوء، خرجهن في فضائله.
وعن طارق بن شهاب قال: قال يهودي لعمر بن الخطاب: إنكم لتقرءون آية في كتابكم لو علينا أنزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: وما هي? قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ قال عمر: فإني أعلم أي وقت نزلت وأي موضع نزلت، نزلت عشية عرفة ونحن وقوف بها يوم جمعة، أخرجاه.
وعنه قال: جاء وفد بزاخة من أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألونه الصلح, فخيرهم بين الحرب المجلية والسلم المخزية، فقالوا: هذه المجلية
стр. 317
قد عرفناها، فما المخزية? قال: تنزع منكم الحلقة والكراع, ونغنم ما أصبنا منكم وتردون علينا ما أصبتم منا, وتدون قتلانا وتكون قتلاكم في النار, وتتركون أقوامًا يتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة رسوله ﷺ والمهاجرين أمرًا يعذرونكم، فعرض أبو بكر ما قال على القوم، فقام عمر بن الخطاب فقال: قد رأيت رأيًا وسنشير عليك، أما ما ذكرت من الحرب المجلية والسلم المخزية فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت أن نغنم ما أصبنا منكم وتردون ما أصبتم منا فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت تدون قتلانا وتكون قتلاكم في النار، فإن قتلانا قتلت على أمر الله أجورها على الله ليس لها ديات، فتبايع القوم على ما قال عمر، خرجه الحميدي بهذا السياق عن البرقاني على شرط الصحيح وهو للبخاري مختصر.
وعن أبي العالية قال: قال عمر: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات؛ فإن جبريل نزل به على محمد ﷺ خمس آيات خمس آيات، خرجه المخلص الذهبي.
وعن عاصم بن عمر عن عمر أنه قال: لا يحرص على الإمارة أحد كل الحرص فيعدل فيها، خرجه أبو معاوية. وسئل محمد بن جرير الطبري فقيل له: العباس بن عبد المطلب مع جلالته وقربه من رسول الله ﷺ ومنزلته لم يدخله عمر مع الستة في الشورى، فقال: إنه إنما جعلها في أهل السبق مع البدريين، والعباس لم يكن مهاجرًا ولا سابقًا ولا بدريًّا، وإن عمر لم يكن يفتات عليه في عمله.
وعن مجاهد: سئل عمر عن رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فقال: الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ خرجه ابن ناصر السلامي الحافظ.
стр. 318
ذكر تلطفه في استنباط الحكم:
تقدم في هذا طرف في الموافقة الخامسة من الخصائص، وعن أبي قتادة قال: أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله كيف تصوم? قال: فغضب رسول الله ﷺ فلما رأى ذلك عمر بن الخطاب قال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا, وبمحمد ﷺ نبيًّا، نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، قال: فجعل عمر يردد ذلك حتى سكن النبي ﷺ من غضبه، ثم قال عمر: يا رسول الله، كيف بمن يصوم الدهر كله? قال: "لا صام ولا أفطر" أي: لم يصم ولم يفطر, قال: يا رسول الله, كيف بمن يصوم يومين ويفطر يومًا? قال: "أويطيق ذلك أحد?" قال: فكيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: "ذلك صوم داود" قال: فكيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومين? قال: "وددت أني أطيق ذلك" ثم قال: "ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان هذا صيام الدهر كله، وصيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله، وصيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" خرجه مسلم والترمذي والنسائي.
ذكر فراسته:
عن علي قال: كنا نقول: إن ملكًا ينطق على لسان عمر, خرجه الملاء في سيرته.
وعن ابن عمر أنه كان إذا ذكر عمر قال: لله تلاد عمر، لقل ما رأيته يحرك شفتيه بشيء قط إلا كان, خرجه الجوهري. وعنه قال: ما سمعت عمر يقول لشيء: إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن، بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل فقال: لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، علي بالرجل فدعي له، فقال له عمر: لقد أخطأ ظني أو إنك على دينك في الجاهلية أو لقد كنت كاهنهم، فقال: ما رأيت
стр. 319
كاليوم يستقبل به رجل مسلم، فقال: أعزم عليك إلا ما أخبرتني قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك? قال: بينما أنا يومًا في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها وبأسها من بعد أساسها ولحوقها بالقلاص أحلاسها؟ قال عمر: صدق, فبينما أنا نائم عند آلهتهم إذ أتى رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه يقول: يا جليح أمر نجيح فصيح يقول: لا إله إلا الله، فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله، فقمت فما نشبنا أن قيل: هذا نبي، خرجه البخاري.
وعن عبد الله بن مسلمة قال: دخلنا على عمر معشر وفد مذحج وكنت من أقربهم منه مجلسًا، فجعل عمر ينظر إلى الأشتر ويصوب فيه نظره، ثم قال: أمنكم هذا? فقلت: نعم قال: قاتله الله وكفى الله أمته شره، والله إني لأحسب منه للمسلمين يومًا عصيبًا، قال: فكان ذلك منه بعد عشرين سنة, خرجه الملاء في سيرته.
وفي رواية عند غيره: أن عمر كان في المسجد ومعه ناس إذ مر رجل فقيل له: أتعرف هذا? فقال: قد بلغني أن رجلًا أتاه الله بظهر الغيب بظهور النبي ﷺ اسمه سواد بن قارب، وإني لم أره وإن كان حيا فهو هذا، وله في قومه شرف وموضع، فدعا الرجل فقال له عمر: أنت سواد بن قارب الذي أتاه الله بظهر الغيب بظهور رسول الله ﷺ ولك في قومك شرف ومنزلة? فقال: نعم يا أمير المؤمنين, قال: فأنت على ما كنت عليه من كهانتك؟ فغضب الرجل غضبًا شديدًا وقال: يا أمير المؤمنين والله ما استقبلني بها أحد منذ أسلمت، قال عمر: سبحان الله! ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك، أخبرني عما كان يأتيك به ربك بظهور النبي ﷺ فقال: نعم يا أمير المؤمنين! بينما أنا ذات ليلة
стр. 320
بين النائم واليقظان إذ أتاني جني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب وافهم إن كنت تفهم, واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته, ثم أنشأ يقول:
عجبت للجن وتحساسها ... وشدها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما خير الجن كأنجاسها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... واسم بغيتك إلى رأسها
ثم أتاني في ليلة ثانية وثالثة يقول لي مثل قوله الأول وينشدني أبياتًا، فوقع في نفسي حب الإسلام ورغبت فيه، فلما أصبحت شددت على راحلتي فركبتها وانطلقت متوجهًا إلى مكة فأخبرت أن النبي ﷺ قد هاجر إلى المدينة، فقدمت المدينة فسألت عن النبي ﷺ فقيل لي: في المسجد، فعقلت ناقتي، فقال: "ادن" فلم يزل يدنيني حتى قمت بين يديه، فقال: "هات" فقصصت هذه القصة وأسلمت، ففرح رسول الله ﷺ بمقالتي وأصحابه، حتى رئي الفرح في وجوههم، قال: فوثب إليه عمر والتزمه وقال: لقد كنت أحب أن أسمع هذا الحديث منك, فأخبرني عن رئيك هل يأتيك اليوم? قال: أما منذ قرأت القرآن فلم يأتني، ونعم العوض كتاب الله، خرجه في فضائله.
ذكر كراماته ومكاشفاته:
عن عمر بن الحارث قال: بينا عمر يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة ونادى: يا سارية الجبل مرتين أو ثلاثًا، ثم أقبل على خطبته، فقال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : إنه لمجنون، ترك خطبته ونادى: يا سارية الجبل، فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان يبسط عليه فقال: يا أمير المؤمنين, تجعل للناس عليك مقالًا، بينما أنت في خطبتك إذ ناديت: يا سارية الجبل أي شيء هذا? فقال: والله ما ملكت ذلك حين رأيت سارية وأصحابه يقاتلون عند جبل يؤتون منه من بين أيديهم ومن خلفهم
стр. 321
فلم أملك أن قلت: يا سارية الجبل ليلحقوا بالجبل، فلم تمض أيام حتى جاء رسول سارية بكتابه: إن القوم لقونا يوم الجمعة فقاتلناهم من حين صلينا الصبح إلى أن حضرت الجمعة، وذر حاجب الشمس فسمعنا صوت مناد ينادي الجبل مرتين فلحقنا بالجبل، فلم نزل قاهرين لعدونا حتى هزمهم الله تعالى.
ويروى أن مصر لما فتحت, أتى أهلها عمرو بن العاص وقالوا له: إن هذا النيل يحتاج في كل سنة إلى جارية بكر من أحسن الجواري فنلقيها فيه وإلا فلا يجري, وتخرب البلاد وتقحط، فبعث عمرو إلى أمير المؤمنين عمر يخبره بالخبر, فبعث إلى عمرو: "الإسلام يجب ما قبله" ثم بعث إليه بطاقة قال فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، إلى نيل مصر من عبد الله عمر بن الخطاب, أما بعد فإن كنت تجري بنفسك فلا حاجة بنا إليك، وإن كنت تجري بالله فاجر على اسم الله" وأمره أن يلقيها في النيل فجرى في تلك الليلة ستة عشر ذراعًا، وزاد على كل سنة ستة أذرع.
وفي رواية: فلما ألقي كتابه في النيل جرى ولم يعد يقف، خرجهما الملاء في سيرته.
وعن خوات بن جبير قال: أصاب الناس قحط شديد على عهد عمر فأمرهم بالخروج إلى الاستسقاء, فصلى بهم ركعتين وخالف بين طرف ردائه، فجعل اليمين على اليسار واليسار على اليمين ثم بسط يديه وقال: اللهم إنا نستغفرك ونستقبلك، فما برح حتى مطروا، فبينما هم كذلك إذ قدم الأعراب فأتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين, بينا نحن في بوادينا في يوم كذا في ساعة كذا إذ أظلتنا غمامة فسمعنا فيها صوتًا وهو يقول: أتاك الغوث أبا حفص, أتاك الغوث أبا حفص.
وروي أنه عسّ ليلة من الليالي فأتى على امرأة وهي تقول لابنتها: قومي اللبن، فقالت: لا تفعلي، فإن أمير المؤمنين نهى عن ذلك، قالت: ومن
стр. 322
أين يدري هو? فقالت: فإن لم يعلم هو فإن رب أمير المؤمنين يرى ذلك، فلما أصبح عمر قال لابنه عاصم: اذهب إلى مكان كذا وكذا فإن هناك صبية, فإن لم تكن مشغولة فتزوج بها لعل الله أن يرزقك منها نسمة مباركة، فتزوج عاصم بتلك البنية فولدت له أم عاصم بنت عمر، فتزوجها عبد العزيز بن مروان فولدت له عمر بن عبد العزيز -رحمة الله عليه.
ولما دخل أبو مسلم الخولاني المدينة من اليمن وكان الأسود بن قيس الذي ادعى النبوة باليمن عرض عليه أن يشهد أنه رسول الله فأبى، فقال: أتشهد أن محمدًا رسول الله? قال: نعم قال: فأمر بتأجيج نار عظيمة وألقي فيها أبو مسلم فلم تضره، فأمر بنفيه من بلاده فقدم المدينة، فلما دخل من باب المسجد قال عمر: هذا صاحبكم الذي زعم الأسود الكذاب أنه يحرقه فنجاه الله منها، ولم يكن القوم ولا عمر سمعوا قضيته ولا رأوه، ثم قام إليه واعتنقه وقال: ألست عبد الله بن ثوب? قال: بلى, فبكى عمر ثم قال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد ﷺ شبهًا بإبراهيم الخليل ﵇، خرجهن في فضائله، وخرج معنى الأخير بلفظ أوعب من هذا أبو حاتم.
وروي عن عمر أنه أبصر أعرابيًّا نازلًا من جبل فقال: هذا رجل مصاب بولده قد نظم فيه شعرًا لو شاء لأسمعكم، ثم قال: يا أعرابي من أين أقبلت? فقال: من أعلى هذا الجبل، قال: وما صنعت فيه? قال: أودعته وديعة لي، قال: وما وديعتك? قال: بني لي هلك قذفته فيه، قال: فأسمعنا مرثيتك فيه فقال: وما يدريك يا أمير المؤمنين? والله ما تفوهت بذلك، وإنما حدثت به نفسي، ثم أنشد:
يا غائبًا ما يئوب منه سفره ... عاجله موته على صغره
يا قرة العين كنت لي أنسا ... في طول ليلي نعم وفي قصره
стр. 323
ما تقع العين حينما وقعت ... في الحي مني إلا على أثره
شربت كأسًا أبوك شاربه ... لا بد منه له على كبره
يشربها والأنام كلهم من كا ... ن في بدوه وفي حضره
فالحمد لله لا شريك له ... في حكمه كان ذا وفي قدره
قدر موتًا على العباد فما ... يقدر خلق يزيد في عمره
قال: فبكى عمر حتى بل لحيته, ثم قال: صدقت يا أعرابي.
وعن ابن عباس قال: تنفس عمر ذات يوم تنفسًا ظننت أن نفسه خرجت فقلت: والله ما أخرج هذا منكإلا هم، قال: هم! والله هم شديد، إن هذا الأمر لم أجد له موضعًا -يعني الخلافة- فذكرت له علياوطلحة والزبير وعثمان وسعدًا وعبد الرحمن بن عوف، فذكر في كل واحد منهم معارضًا، وكان مما ذكر في عثمان أنه كلف بأقاربه، قال: لو استعملته استعمل بني أمية أجمعين، وحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، والله لو فعلت لفعل، والله لو فعل ذلك لسارت إليه العرب حتى تقتله، والله لو فعلت لفعل، والله لو فعل لفعلوا، خرجه في فضائله.
وروي أن عمر ﵁ كتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو بالقادسية يقول له: وجه نضلة بن معاوية الأنصاري إلى حلوان العراق ليغزو على ضواحيها, فبعث سعد نضلة في ثلاثمائة فارس فخرجوا حتى أتوا حلوان العراق, فأغار على ضواحيها وأصابوا غنمًا وسبيًا، فأقبلوا يسوقونها حتى أرهقهم العصر وكادت الشمس تغرب, فألجأ نضلة السبي والغنيمة إلى سفح الجبل، ثم قام فأذن فقال: الله أكبر الله أكبر، فإذا مجيب من الجبل يجيبه: كبرت كبيرًا يا نضلة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: كلمة الإخلاص يا نضلة، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: هو الذي بشرنا به عيسى ابن مريم وعلى رأس أمته تقوم الساعة، فقال: حي على الصلاة، فقال: طوبى لمن مشى إليها وواظب عليها، قال: حي على
стр. 324
الفلاح، قال: أفلح من أجاب, قال: الله أكبر الله أكبر, لا إله إلا الله، قال: أخلصت الإخلاص كله يا نضلة, حرم الله بها جسدك على النار.
فلما فرغ من أذانه قاموا فقالوا: من أنت يرحمك الله? ملك أنت أم من الجن أم طائف من عباد الله قد أسمعتنا صوتك فأرنا صورتك؟ فإن الوفد وفد رسول الله ﷺ ووفد عمر بن الخطاب ﵁ قال: فانفلق الجبل عن هامة كالرحى، أبيض الرأس واللحية، عليه طمران من صوف، قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، من أنت يرحمك الله? قال: زريت بن برثملا، وصي العبد الصالح عيسى ابن مريم، أسكنني هذا الجبل ودعا لي بطول البقاء إلىحين نزوله من السماء، فأقرئوا عمر مني السلام وقولوا: يا عمر سدد وقارب فقد دنا الأمر، وأخبروه بهذا الخصال التي أخبركم بها:
يا عمر: إذا ظهرت هذه الخصال في أمة محمد فالهرب الهرب: "إذا استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وانتسبوا إلى غير مناسبهم وانتموا إلى غير مواليهم, ولم يرحم صغيرهم كبيرهم, وترك المعروف ولم يؤمر به وترك المنكر فلم ينه عنه، ويتعلم عالمهم العلم ليجلب به الدنانير والدراهم، وكان المطر فيضًا والولد غيضًا، وطولوا المنارات، وفضّضوا المصاحف، وزخرفوا المساجد، وأظهروا الرشا، وشيدوا البناء, واتبعوا الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، وقطعت الأرحام، وبيع الحكم، وأكل الربا، وصار الغنى عزًّا، وخرج الرجل من بيته فقام إليه من هو خير منه فسلموا عليه، وركب النساء السروج" ثم غاب عنهم فلم يروه، فكتب نضلة بذلك إلى سعد وكتب سعد بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: سر أنت ومن معك من المهاجرين والأنصار حتى تنزلوا بهذا الجبل، فإن لقيته فأقرئه مني السلام، فخرج سعد في أربعة آلاف من المهاجرين والأنصار حتى نزلوا ذلك الجبل، ومكث أربعين يومًا ينادي بالصلاة فلا
стр. 325
يجدون جوابًا ولا يسمعون خطابًا، خرجه في فضائله.
وروي أن عمر بعث جندًا إلى مدائن كسرى وأمّر عليهم سعد بن أبي وقاص وجعل قائد الجيش خالد بن الوليد، فلما بلغوا شط الدجلة ولم يجدوا سفينة تقدم سعد وخالد فقالا: يا بحر إنك تجري بأمر الله, فبحرمة محمد ﷺ وبعدل عمر خليفة رسول الله إلا خليتنا والعبور، فعبر الجيش بخيله وجماله إلى المدائن ولم تبتل حوافرها. وروي أنه قال يومًا وقد انتبه من نومه وهو يمسح عينيه: من ترى الذي يكون من ولد عمر يسير بسيرة عمر, يرددها مرارًا وأشار بذلك إلى عمر بن عبد العزيز وهو ابن بنت ابنه عاصم.
وروي أنه قال لرجل من العرب: ما اسمك? قال: جمرة، قال: ابن من? قال: ابن شهاب، قال: ممن? قال: من الحرقة، قال: أين مسكنك؟ قال: الحرة، قال: فبأيها? قال: اللظى، قال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا، فسارع الرجل فوجدهم كما قال عمر.
وعن علي ﵁ أنه رأى في منامه كأنه صلى الصبح خلف النبي ﷺ واستند رسول الله ﷺ إلى المحراب، فجاءت جارية بطبق رطب فوضع بين يدي رسول الله ﷺ فأخذ منها رطبة وقال: "يا علي, تأخذ هذه الرطبة?" فقلت: نعم يا رسول الله، فمد يده وجعله كذا في فمي، ثم أخذ أخرى وقال لي مثل ذلك فقلت: نعم فجعلها في فمي، فانتبهت وفي قلبي شوق إلى رسول الله ﷺ وحلاوة الرطب في فمي، فتوضأت وذهبت إلى المسجد فصليت خلف عمر واستند إلى المحراب، فأردت أن أتكلم بالرؤيا فمن قبل أن أتكلم جاءت امرأة ووقفت على باب المسجد ومعها طبق رطب فوضع بين يدي عمر فأخذ رطبة, وقال: تأكل من هذا يا علي? قلت: نعم، فجعلها في فمي, ثم أخذ أخرى وقال لي مثل ذلك فقلت: نعم، ثم أخذ أخرى كذلك ثم فرق على أصحاب رسول الله ﷺ -
стр. 326
يمنة ويسرة وكنت أشتهي منه، فقال: يا أخي, لو زادك رسول الله ﷺ ليلتك لزدناك، فعجبت وقلت: قد أطلعه الله على ما رأيت البارحة، فنظر وقال: يا علي المؤمن ينظر بنور الله، قلت: صدقت يا أمير المؤمنين هكذا رأيته، وكذا رأيت طعمه ولذته من يدك كما وجدت طعمه ولذته من يد رسول الله ﷺ .
ذكر رؤياه في الأذان:
عن عبد الله بن زيد قال: لما أجمع رسول الله ﷺ أن يضرب بالناقوس وهو كارهموافقة النصارى, طاف بي من الليل وأنا نائم رجل وعليه ثوبان أخضران وفي يده ناقوس يحمله، قال: فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس? قال: وما تصنع به? قال: قلت: أدعو به إلى الصلاة، قال: أولا أدلك على خير من ذلك? فقلت: بلى؛ قال: تقول: الله أكبر الله أكبر وسرد الأذان إلى آخره، ولم يرجع التشهد فيه، قال: ثم تقول إذا قمت إلى الصلاة: الله أكبر الله أكبر وسرد الإقامة إلى آخرها، قال: فلما أصبحت أتيت النبي ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال ﷺ : "إن هذه الرؤيا حق إن شاء الله تعالى، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت؛ فإنه أندى صوتًا منك" فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه فسمع ذلك عمر وهو في بيته، فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق, لقد رأيت مثل الذي رأيت، قال النبي ﷺ : "فلله الحمد". خرجه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح، وخرجه ابن إسحاق.
ذكر حسن نظره, وإصابة رأيه:
تقدم في أحاديث الموافقات في خصائصه أعظم دليل على ذلك، وتقدم في ذكر علمه أحاديث ممزوجة بعلم ورأي استند إليه؛ فلذلك ضمناه إياها.
وعن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قال: حدثني أبي قال: كنا
стр. 327
مع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها فأصاب الناس مخمصة فاستأذن الناس رسول الله ﷺ في نحر بعض ظهورهم، فهم رسول الله ﷺ أن يأذن لهم, فقال عمر بن الخطاب: أرأيت يا رسول الله إذا نحرنا ظهورنا ثم لقينا عدونا غدًا, ونحن جياع رجال? قال رسول الله ﷺ : "فما ترى يا عمر؟ " قال: أرى أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم ثم تدعو فيها بالبركة، فإن الله سيطعمنا بدعوتك إن شاء الله تعالى, قال: فكأنما كان على رسول الله غطاء فكشف، قال: فدعا بثوب ثم أمر به فبسط، ثم دعا بالناس ببقايا زادهم قال: فجاءوا بما كان عندهم قال: من الناس من جاء بالحفنة من الطعام أو الحثية، ومنهم من جاء بمثل البيضة قال: فأمر به رسول الله ﷺ فوضع على ذلك الثوب، ثم دعا فيه بالبركة ثم تكلم بما شاء الله ثم نادى في الجيش ثم أمرهم فأكلوا وأطعموا وملئوا بنيتهم ومزاودهم, ثم دعا بركوة فوضعت بين يديه ثم دعا بشيء من ماء فصب فيها ثم مج فيها وتكلم بما شاء الله أن يتكلم به وأدخل كفيه فيها، فأقسم بالله لقد رأيت أصابع رسول الله ﷺ تتفجر بينابيع الماء, ثم أمر الناس فشربوا وملئوا قربهم وأدواتهم قال: ثم ضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، لا يلقى الله بها أحد إلا دخل الجنة" متفق على صحته، وهذا السياق لتمام في فوائده.
وعن ابن عباس أن عمر خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، قال ابن عباس: فقال لي عمر: ادع لي المهاجرين الأولين فدعوتهم, فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا، فقال بعضهم: خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ فلا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي الأنصار فدعوتهم, فاستشارهم فسلكوا سبيل
стр. 328
المهاجرين واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح, فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه فقال أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله تعالى? فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة -وكان عمر يكره خلافه- نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فتهبطت واديًا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبًا في بعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علمًا, سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه" قال: فحمد الله عمر وانصرف، وفي رواية: فسار حتى أتى المدينة فقال: هذا المحل وهذا المنزل إن شاء الله تعالى، أخرجاه.
"شرح" سرغ بسكون الراء وفتحها: قرية بوادي تبوك من طريق الشام، وقيل: على ثلاث عشرة مرحلة من المدينة.
وعن أبي موسى قال: أتيت النبي ﷺ ومعي نفر من قومي فقال: "أبشروا وبشروا من وراءكم أنه من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا بها, دخل الجنة" فخرجنا من عند النبي ﷺ نبشر الناس, فاستقبلنا عمر بن الخطاب فرجع إلى النبي ﷺ فقال عمر: يا رسول الله, إذن يتكل الناس، فسكت رسول الله ﷺ , خرجه أحمد.
وعن أبي هريرة قال: أتيت النبي ﷺ فأعطاني نعليه وقال: "اذهب بنعلي هاتين, فمن لقيته من وراء الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه، فبشره بالجنة" فكان أول من لقيت عمر فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة? فقلت: هاتان نعلا رسول الله ﷺ بعثني بها, منلقيته يشهد أن
стр. 329
لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب بيده بين ثديي فخررت لاستي. فقال: ارجع يا أبا هريرة, فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بالبكاء وركبني عمر فإذا هو على أثري فقلت: لقيت عمر وأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين صدري ضربة خررت لاستي وقال: ارجع, فقال رسول الله ﷺ : "يا عمر, ما حملك على ما صنعت?" فقال: يا رسول الله أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه بشرته بالجنة? قال: "نعم" قال: فلا تفعل فإني أخاف أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملوا, فقال رسول الله ﷺ : "فخلهم" خرجه أحمد ومسلم. وإقراره ﷺ دليل على تصويب رأيه واجتهاده.
وعن أبي رمثة قال: صليت مع النبي ﷺ وقد كان معه رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ثم سلم, فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى يشفع، فوثب عمر إليه فأخذ بمنكبه فهزه ثم قال: اجلس فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فصل، فرفع النبي ﷺ بصره وقال: "أصاب الله بك يابن الخطاب" أخرجه أبو داود في باب الرجل يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة.
ذكر قضائه على عهد رسول الله ﷺ :
عن ابن عمر, قال عثمان: ما يمنعك من القضاء وقد كان أبوك يقضي على عهد رسول الله ﷺ ؟ فقلت: لست أنا كأبي ولست أنت كرسول الله ﷺ كان أبي إذا أشكل القضاء سأل النبي ﷺ وإذا أشكل على النبي ﷺ سأل جبريل, ما أرجو بالقضاء وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قضى بجهالة أو تكلف لقي الله كافرًا، ومن قضى فخاف متعمدًا لقي الله كافرًا، ومن قضى بنية وفقه واجتهاد فذلك لا له ولا عليه" قال عثمان: ما أحب أن تحدث قضاتنا فتفسدهم علينا, خرجه أبو بكر الهاشمي.
стр. 330
ذكر وقوفه عند كتاب الله, واقتفائه آثار النبوة وإيثاره لها, وكثرة اتباعه للسنة:
عن ابن عباس قال: استأذن الحر بن قيس بن حصن لعمه عيينة بن حصن على عمر فأذن له، فلما دخل قال: يابن الخطاب والله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حتى قرأها عليه, وكان وقافًا عند كتاب الله, خرجه البخاري. وعن عمر قال: سمعني النبي ﷺ وأنا أقول: وأبي, فقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" قال عمر: فأحلف بها ذاكرًا لا آثرًا, أخرجاه.
وعن ابن عمر أنه قيل لعمر وقد أصيب: ألا تستخلف؟ فقال: إن أستخلف, فقد استخلف من هو خير مني -يعني أبا بكر- وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني -يعني رسول الله, ﷺ فعرفت حين ذكر رسول الله ﷺ أنه غير مستخلف، أخرجاه، وخرجه أبو معاوية. وعنه قال: قبّل عمر الحجر ثم قال: أما والله قد علمت أنك حجر, ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك، أخرجاه, وقال النسائي: قبله ثلاثًا وقال البخاري: حجر لا تضر ولا تنفع, ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ استلمك ما استلمتك، فاستلمه ثم قال: ما لنا وللرمل؟ إنما كنا رأينا به المشركين وقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه رسول الله ﷺ فلا نحب أن نتركه.
وفي رواية ابن غفلة: أن عمر قبل الحجر وقال: رأيت رسول الله ﷺ بك حفيًّا أي: معتنيًا، وجمعه: أحفياء.
وعن يعلى بن أمية أنه طاف مع عمر فاستلم الأركان كلها, فقال عمر: أما رأيت النبي ﷺ قد طاف بالبيت? قال: نعم, قال: رأيته يستلم
стр. 331
الحجر الأسود؟ قال: لا, قال: فما لك به أسوة? قال: بلى. أخرجه الحسين القطان.
وعن ابن عمر قال: كان عمر يهلّ بإهلال رسول الله ﷺ يقول: لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك, إن الحمد والنعمة لك والملك, لا شريك لك, لبيك وسعديك والخير في يديك, والرغبى إليك والعمل. خرجه النسائي.
وعن شرحبيل بن السمط قال: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين فقلت له فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله ﷺ يفعل. خرجه مسلم.
وعن مصعب بن سعيد قال: قالت حفصة لعمر: يا أمير المؤمنين لو لبست ثوبًا هو ألين من ثوبك, وأكلت طعامًا أطيب من طعامك؛ فقد وسع الله من الرزق وأكثر من الخبز؟ فقال: إني سأخاصمك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان رسول الله ﷺ يلقى من شدة العيش? فما زال يذكرها حتى أبكاها، فقال: أما والله لأشاركنهما في مثل عيشهما الشديد, لعلي أدرك عيشهما الرخي. خرجه في الصفوة.
وفي رواية أنه قال: يا بنية, كيف رأيت عيش رسول الله ﷺ ? قالت: والله يقيم الشهر لا يوقد في بيته سراج ولا يغلى له قدر، ولقد كانت له عباءة يجعلها غطاء ووطاء، قال: فكيف كان عيش صاحبه? قالت: مثل ذلك، قال: فما تقولين في ثلاثة أصحاب مضى اثنان على طريقة واحدة وخالفهما الثالث, أفيلحق بهما? قالت: لا، قال: فأنا ثالث ثلاثة, ولا أزال على طريقتهما حتى ألحق بهما.
وعن عبد الله بن عباس قال: كان للعباس ميزاب على طريق عمر، فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان، فلما وافى الميزاب صب ماء بدم الفرخين فأصاب عمر فأمر عمر بقلعه، ثم رجع عمر فطرح ثيابه ولبس ثيابًا غير ثيابه ثم جاء فصلى بالناس، فأتاه العباس
стр. 332
وقال: والله إنه للموضع الذي وضعه رسول الله ﷺ فقال عمر للعباس: وأنا أعزم عليك لما١ صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله ﷺ ففعل ذلك العباس، خرجه أحمد.
وعن مسلم قال: قلت لعمر: إن في الظهر ناقة عمياء فقال عمر: ادفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها، قلت: إنها عمياء قال: يقطرونها بالإبل، قال: قلت: كيف تأكل من الأرض? قال: أمن نعم الجزية أم من نعم الصدقة? قال: بل من نعم الجزية قال عمر: أردتم والله أكلها، فأمر عمر فأتي بها فنحرت، قال: وكان عنده صحاف تسع، فلا تكون فاكهة وطرفة إلا جعل منها في تلك الصحاف، وبعث بها إلى أزواج النبي ﷺ وكان الذي يبعث به إلى حفصة من آخر ذلك، فإن كان فيه نقصان كان في حق حفصة، فجعل في تلك الصحاف من لحم تلك الجزور وبعث به إلى أزواج النبي ﷺ ثم أمر بما بقي من اللحم فصنع فدعا عليه المهاجرين والأنصار، فقال العباس: يا أمير المؤمنين, لو صنعت لنا كل يوم مثل هذا لكان حسنًا، رب طاوية كشحًا لا تحتفل بها أنت ولا صاحبك، ثم قال عمر: لا أعود لمثلها أبدًا, إنه مضى لي صاحبان عملا عملًا وسلكا طريقًا, إني إن عملت بغير عملهما سلك بي غير طريقهما. خرجه القلعي.
وعن ابن عمر قال: لبس عمر قميصًا جديدًا ثم دعا بالشفرة ثم قال: مد يا بني كم القميص, والزق يدك بأطراف أصابعي ثم اقطع، قال: فقطعت ما قال, فصار كم القميص بعضه على بعض فقلت: يا أبت لو سويته بالمقص? فقال: يا بني دعه, فهكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل، قال: فما زال عليه حتى تقطع، وربما كانت الخيوط تنشر على قدميه منه. خرجه الملاء في سيرته.
стр. 333
وعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: جلست مع شيبة على الكرسي في الكعبة فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته، قلت: إن صاحبيك لم يفعلا، قال: هما المرءان أقتدي بهما، وفي لفظ: هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته بين المسلمين فقلت: ما أنت بفاعل قال: لم? قلت: لم يفعله صاحباك قال: هما المرءان يقتدى بهما. أخرجاه وأخرجه ابن ماجه ولفظه: قال عمر: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين، قلت: ما أنت بفاعل، قال: لم? قلت: لأن رسول الله ﷺ رأى مكانه وأبا بكر وهما أحوج إلى المال فلم يخرجاه، فقام هو فخرج.
وعن ابن عمر أن عمر بينما هو قائم يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ من المهاجرين الأولين, فنادى عمر: أية ساعة هذه? فقال: إني شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين, فلم أزد على أن توضأت، فقال عمر: والوضوء أيضًا وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل. أخرجه البخاري.
وعن السائب بن زيد أن عمر بن الخطاب قال لابن السعدي: ما مالك? قال: فرسان وعبدان وبغلان أغزو بهن ومزرعة آكل منها، فأعطاه عمر ألف دينار فقال: خذ هذه فاستنفقها، فقال ابن السعدي: إنه لا حاجة لي إليها وستجد يا أمير المؤمنين من هو أحوج إليها مني، فقال عمر: بلى فخذها فإن رسول الله ﷺ دعاني إلى مثل ما دعوتك إليه فقلت له مثل الذي قلت فقال: "يا عمر، ما جاءك الله به من رزق غير متشوفة إليه نفسك ولا سائلة فاقبله فاستنفقه, فإن استغنيت عنه فتصدق به, وما لم يأتك فدعه" خرجه ابن السباق الحافظ السلفي، ومعناه في الصحيح، وعن أسلم أن عمر فضل أسامة بن زيد على ابنه عبد الله بن عمر فلم يزل الناس بعبد الله حتى كلم أباه في ذلك فقال: تفضل علي من ليس أفضل مني وفرضت له
стр. 334
في ألفين وفرضت لي في ألف وخمسمائة, ولم يسبقني إلى شيء? فقال عمر: فعلت ذلك؛ لأن زيدًا كان أحب إلى رسول الله ﷺ من عمر, وكان أسامة أحب إلى رسول الله من عبد الله. أخرجه القلعي.
وعن ابن عباس قال: لما فتح الله المدائن على أصحاب رسول الله ﷺ في أيام عمر أمرهم بالأنطاع فبسطت في المسجد، وأمر بالأموال فأفرغت عليها، ثم اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فأول من بدر إليه الحسن بن علي فقال: يا أمير المؤمنين أعطني حقي مما أفاء الله على المسلمين، فقال: بالرحب والكرامة, وأمر له بألف درهم ثم انصرف، فبدر إليه الحسين بن علي فقال: يا أمير المؤمنين أعطني حقي مما أفاء الله على المسلمين فقال: بالرحب والكرامة وأمر له بألف درهم، فبدر إليه ابنه عبد الله بن عمر فقال: يا أمير المؤمنين، أعطني حقي مما أفاء الله على المسلمين فقال له: بالرحب والكرامة وأمر له بخمسمائة درهم, فقال: يا أمير المؤمنين أنا رجل مشتد, أضرب بالسيف بين يدي رسول الله ﷺ والحسن والحسين طفلان يدرجان في سكك المدينة، تعطيهم ألفًا وتعطيني خمسمائة? قال: نعم, اذهب فأتني بأب كأبيهما وأم كأمهما وجد كجدهما وجدة كجدتهما وعم كعمهما وخال كخالهما فإنك لا تأتيني به، أما أبوهما فعلي المرتضى وأما أمهما ففاطمة الزهراء وجدهما محمد المصطفى وجدتهما خديجة الكبرى، وعمهما جعفر بن أبي طالب وخالهما إبراهيم ابن رسول الله ﷺ وخالتاهما رقية وأم كلثوم ابنتا رسول الله ﷺ . خرجه ابن السمان في الموافقة ومما يلتحق بهذا الذكر:
ذكر صلته أقارب رسول الله ﷺ ومعرفته حقهم:
عن الزهري قال: كان عمر إذا أتاه مال العراق أو خمس العراق، لم يدع رجلًا من بني هاشم عزبًا إلا زوجه، ولا رجلًا ليس له خادم إلا أخدمه. خرجه ابن البختري الرزاز.
стр. 335
وعن محمد بن علي قال: قدمت على عمر حلل من اليمن، فقسمها ما بين المهاجرين والأنصار ولم يكن فيها شيء يصلح على الحسن والحسين، فكتب إلى صاحب اليمن أن يعمل لهما على قدرهما, ففعل وبعث بهما إلى عمر فلبساها، فقال عمر: لقد كنت أراها عليهم, فما يهنيني حتى رأيت عليهما مثلها.
وعن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ قال: أتيت على عمر بن الخطاب وهو على المنبر فصعدت إليه فقلت له: انزل عن منبر أبي، واذهب إلى منبر أبيك، فقال عمر: ليس لأبي منبر وأخذني فأجلسني معه، فجعلت أقلب حصًا بيدي، فلما نزل انطلق بي إلى منزله فقال لي: من علمك? فقلت: والله ما علمني أحد، فقال: يا بني لو جعلت تغشانا, فأتيته يومًا وهو خال بمعاوية وابن عمر بالباب، فرجع ابن عمر فرجعت معه، فلقيني بعد قال: لم أرك، فقلت: يا أمير المؤمنين إني جئت وأنت خال بمعاوية وابن عمر في الباب فرجع ابن عمر فرجعت معه، قال: أنت أحق بالإذن من ابن عمر، إن ما أنبت ما في رءوسنا الله ثم أنتم، خرجه ابن السمان والجوهري.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما دون عمر الدواوين قال: بمن نبدأ? قلنا: ابدأ بنفسك يا أمير المؤمنين، فبدأ ببني هاشم وفرض للحسن والحسين خمسمائة خمسمائة.
وفي رواية: قلنا: ابدأ بنفسك فإنك الإمام، فقال: بل رسول الله ﷺ الإمام, فابدءوا برهطه الأقرب فالأقرب. وفي رواية: لما دون عمر الديوان وكله لأبي زيد بن ثابت فقال له: أبدأ بمن يا أمير المؤمنين? فقال: برهط النبي ﷺ ثم بالأقرب فالأقرب منهم.
وعن عبيد بن حنين قال: جاء الحسن والحسين يستأذنان على عمر وجاء عبد الله بن عمر فلم يؤذن لعبد الله فرجع، قال: فقال الحسن أو
стр. 336
أو الحسين: إذا لم يؤذن لعبد الله لا يؤذن لنا، فبلغ عمر فأرسل إليه فقال: يابن أخي ما أدراك? قال: قلت: إذا لم يأذن لعبد الله بن عمر لم يؤذن لي، قال: يابن أخي, فهل أنبت الشعر على الرأس غيركم. خرجهما ابن السمان في الموافقة.
ذكر محافظته على أزواج النبي ﷺ :
تقدم في الموافقات من خصائصه طرف من ذلك.
وعن ابن أبي نجيح أن النبي ﷺ قال: "إن الذي يحافظ على أزواجي بعدي فهو الصادق البار" فقال عمر: من يحج مع أمهات المؤمنين? فقال عبد الرحمن: أنا, فكان يحج بهن وينزلهن الشعب الذي ليس فيه منفذ, ويجعل على هوادجهن الطيالسة.
وعن أبي وائل أن رجلًا كتب إلى أم سلمة يخرج عليها في حق له, فأمر عمر بن الخطاب فجلده ثلاثين جلدة، خرجه سفيان بن عيينة.
وعن المنذر بن سعد أن أزواج النبي ﷺ استأذنّ عمر في الحج فأبى أن يأذن لهن حتى أكثرن عليه فقال: سآذن لكن بعد العام وليس هذا من رأيي، فقالت زينب بنت جحش: سمعت رسول الله ﷺ يقول عام حجة الوداع: "إنما هو هذه الحجة ثم الحصر" فخرجهن غيرها فأرسل معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وأمرهما أن يسير أحدهما بين أيديهن والآخر خلفهن ولا يسايرهن أحد، ثم أمرهما إذا طفن بالبيت لا يطوف معهن أحد إلا النساء، فلما هلك عمر غلبن من بعده، أخرجه سعيد في سننه.
وقد ورد أنه كان يحج بالناس كل عام, فيحتمل أن يكون أمر عثمان وعبد الرحمن بتولي أمرهن لشغله هو بأمر العامة, فخاف من التقصير في حقهن، ويدل هذا على ما رواه البخاري عن إبراهيم عن أبيه أن عمر
стр. 337
أذن لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها يعني في الحج, وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف قال البرقاني: إبراهيم هذا هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
قال الحميدي: وفيه نظر، ولم يذكر ابن مسعود في الأطراف.
ذكر غضبه لغضب رسول الله ﷺ وغمه لغمه على انبساطه وتألمه لتألمه وبكائه لرقة حاله:
تقدم في الخصائص في الموافقة الخامسة وغيرها طرف من ذلك عن عمر قال: كنا معشر قريش نغلب نساءنا, فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فغضبت يومًا على امرأتي فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني, فقالت: ما تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج رسول الله ﷺ يراجعنه وتهجره إحداهن اليوم حتى الليل، فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعن رسول الله ﷺ وتهجره إحداكن اليوم حتى الليل? قالت: نعم، قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله لغضب رسوله ﷺ فإذا هي قد هلكت, لا تراجعي رسول الله ﷺ ولا تسأليه شيئًا واسأليني ما بدا لك، ولا تغرنك جارتك إن كانت هي أوسم منك وأحب إلى رسول الله -يريد عائشة- قال: ثم قيل: طلق رسول الله ﷺ نساءه فقلت: قد خابت حفصة إذًا وخسرت، كنت أظنه يوشك أن يكون، فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت: أطلقكن رسول الله ﷺ ? قالت: لا أدري، هو ذا معتزل في المشربة، فأتيت غلامًا أسود فقلت: استأذن لعمر, فدخل ثم خرج قال: قد ذكرتك، فقمت فانطلقت حتى أتيت المنبر فإذا عنده رهط جلوس فجلست قليلًا ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر فدخل ثم خرج فقال: قد ذكرتك، فصمت فوليت مدبرًا فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل فقد أذن لك، فدخلت فسلمت على النبي
стр. 338
- ﷺ فإذا هو متكئ على رمال حصير قد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك? فرفع رأسه إلي وقال: "لا" فقلت: الله أكبر, لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم, فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فعتبت على امرأتي يومًا فإذا هي تراجعني, فأنكرت أن تراجعني فقالت: ما تنكر أن أراجعك، وإن نساء رسول الله ﷺ ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم حتى الليل, فقلت: قد خابت من فعلت ذلك منهن وخسرت، أفتأمن إحداهن أن يغضب الله لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت, فتبسم رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله, فدخلت على حفصة وقلت لها: لا تغرنك جارتك إن كانت هي أوسم منك وأحب إلى رسول الله ﷺ فتبسم أخرى، فقلت: أستأنس برسول الله ﷺ قال: "نعم" فجلست فرفعت رأسي في البيت, فوالله ما رأيت فيه شيئًا يرد البصر إلا أهبا ثلاثة، فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يوسع على أمتك, فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسًا وقال: "أفي شاك أنت يابن الخطاب? أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا" أخرجاه.
وفي روية: أن عمر قال عند الاستئذان في إحدى المراتب: يا رباح استأذن, فإني أظن أن رسول الله ﷺ يظن أني جئت من أجل حفصة، والله إن أمرني أن أضرب عنقها لأضربن عنقها، قال: فرفعت صوتي وإنه أذن لي عند ذلك، وفيها أنه رأى الغضب في وجه رسول الله ﷺ فلم يزل يحدثه حتى انحسر الغضب عن وجهه وحتى كشر فضحك، وكان من أحسن الناس ثغرًا.
وعن أبي حميد الساعدي قال: استلف رسول الله ﷺ تمرًا لونًا من رجل, فلما جاءه يتقاضاه قال له النبي ﷺ : "ليس عندنا اليوم, وإن شئت أخرت عنا حتى يأتينا شيء فنقضيك" فقال الرجل: وا غدراه! فتذمر عمر فقال له رسول الله ﷺ : "دعه يا عمر, فإن لصاحب الحق مقالًا".
стр. 339
خرجه الطبراني. تذمر أي: توعد, وتذامر القوم: إذا حث بعضهم بعضًا على القتال.
ذكر أدبه مع النبي ﷺ :
تقدم في باب الشيخين طرف منه.
وعن ابن عمر أنه كان مع النبي ﷺ في سفر على بكر صعب لعمر، وكان يتقدم النبي ﷺ فيقول أبوه: يا عبد الله, لا يتقدم النبي ﷺ أحد. خرجه البخاري.
وعن أنس قال: خرج النبي ﷺ يتبرز فلم يجد أحدًا يتبعه، فهرع عمر فاتبعه بمطهرة فدخل النبي ﷺ في شربة فتنحى عمر خلفه حتى رفع رأسه فقال: "أحسنت, قد أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجدًا فتنحيت عني، إن جبريل ﵇ أتاني فقال: من صلى عليك من أمتك واحدة صلى الله عليه بها عشرًا, ورفع له بها عشر درجات" خرجه الطبراني. الشربة -بالتحريك: حويض يتخذ حول النخلة لتروى منه. وخرجه الأنصاري أيضًا.
ذكر محبته للنبي ﷺ :
عن عبد الله بن هشام قال: كنا عند النبي ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر: يا رسول الله, لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا نفسي، فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده, حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال له عمر: فإنه الآن، والله لأنت أحب إليَّ من نفسي، فقال النبي ﷺ : "الآن يا عمر". أخرجاه.
ذكر قوة إيمانه, وثباته عليه حيًّا وميتًا:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ ذكر فتاني القبور فقال عمر: أترد إلينا عقولنا يا رسول الله? فقال رسول الله ﷺ : "نعم
стр. 340
كهيئتكم اليوم" فقال عمر: بفيه الحجر. خرجه أحمد.
وعن النبي ﷺ قال: "إذا وضع الرجل في قبره أتاه منكر ونكير، وهما ملكان فظان غليظان أسودان أزرقان, ألوانهما كالليل الدامس, أصواتهما كالرعد القاصف, عيونهما كالشهب الثواقب, أسنانهما كالرماح يسحبان بشعورهما على الأرض, بيد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع الثقلان الجن والإنس لم يقدروا على حملها, يسألان الرجل عن ربه وعن نبيه وعن دينه" فقال عمر بن الخطاب: أيأتيانني وأنا ثابت كما أنا? قال: "نعم" قال: فسأكفيكهما يا رسول الله، فقال ﷺ : "والذي بعثني بالحق نبيًّا, لقد أخبرني جبريل أنهما يأتيانك فتقول أنت: الله ربي فمن ربكما? ومحمد نبيي فمن نبيكما? والإسلام ديني فما دينكما? فيقولان: وا عجباه!! ما ندري نحن أرسلنا إليك, أم أنت أرسلت إلينا?" خرجه عبد الواحد بن محمد بن علي المقدسي في كتابه التبصير, وخرج الحافظ أبو عبد الله القاسم الثقفي عن جابر من أوله إلى ذكر السؤال وقال: فقال عمر: يا رسول الله أية حال أنا يومئذ? قال: "على حالك" قال: إذن أكفيكهما، ولم يذكر ما بعده. وخرج سعيد بن منصور معناه، ولفظه: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أنا محمد بن علوان بن علقمة قال: حدثني أصحابنا قالوا: قال رسول الله ﷺ لعمر: "كيف بك إذا جاءك منكر ونكير يسألانك؟ صوتهما مثل الرعد القاصم وأبصارهما مثل البرق الخاطف, يطئان في أشعارهما ويبحثان بأنيابهما" فقال: يا رسول الله, أنبعث على ما متنا عليه? قال: "نعم, إن شاء الله تعالى" قال: إذن أكفيكهما.
ذكر اعتقاد الصحابة قوة إيمانه:
عن أبي سعيد الخدري قال: كان النبي ﷺ يحدثنا عن الدجال أنه يسلط على نفس يقتلها ثم يحييها فيقول: ألست بربك? فيقول: ما كنت قط أكذب منك الساعة، قال: فما كنا نراه إلا عمر بن الخطاب حتى
стр. 341
مات أو قتل، خرجه أبو حفص عمر بن شاهين في السداسيات.
ذكر شدته في دين الله, وغلظته على من عصى الله:
وقد تقدم في فصل إسلامه, ثم في فصل خصائصه طرف جيد من ذلك.
عن عمر قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته, فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة، فتربصت حتى سلم فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها? قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على أحرف لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ : "أرسله، اقرأ يا هشام" فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها، فقال رسول الله ﷺ : "هكذا أنزلت" ثم قال ﷺ : "اقرأ يا عمر" فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله ﷺ فقال: "هكذا أنزلت, إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف, فاقرءوا ما تيسر منه". أخرجاه.
"شرح" أساوره: أواثبه، ويقال: إن لغضبه لسورة, وإن لسوار أي: وثاب, والتلبيب تقدم في إسلام عمر.
وعن ابن عمر أن غلامًا قُتل غيلة فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم. وعن منيرة بن حكيم أن أربعة قتلوا صبيًّا فقال عمر مثاله. أخرجه البخاري.
وعن العباس بن عبد المطلب أنه لما كان يوم فتح مكة ونزل رسول الله ﷺ بمر الظهران قال: وا صباح قريش! والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، قال:
стр. 342
فجلست على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء, فخرجت عليها حتى جئت لأراك فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة فيأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم عنوة قال: والله إني لأسير عليها, وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان بن حرب وبديل بن ورقاء يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليل نيرانا قط ولا عسكرًا، قال: فيقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، قال: يقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة! فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ قال: قلت: نعم، قال: ما لك, فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله ﷺ في الناس وا صباح قريش والله، قال: فما هذه الحيلة فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحبه، قال: فجئت به فكلما مررت بنار من المسلمين قالوا: من هذا? فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ وأنا عليها قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا وقام إلي، رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله، الحمد الله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله ﷺ ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني أضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ وأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة دوني رجل، فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلًا يا عمر، والله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا, ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال: مهلًا يا عباس, فوالله لإسلامك يوم أسلمت
стр. 343
كان أحب إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب قال: فقال رسول الله ﷺ : "اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به" فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ﷺ فلما رآه رسول الله ﷺ عرض عليه الإسلام فتلكأ، فقال له العباس: ويحك, أسلم قبل أن يضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحق وأسلم. خرجه ابن إسحاق.
"شرح" حمشتها الحرب -بالمهملة- أي: ساقتها بغضب، ومنه حديث أبي دجانة: "رأيت إنسانًا يحمش الناس" أي: يسوقهم بغضب، قال المديني: وأحمشته: أغضبته، قال الجوهري: قال بعضهم: يقال: حمش النسر اشتد وأحمشته أنا، وأحمشت النار: ألهبتها.
وعن جابر قال: كنا مع النبي ﷺ في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار وقال المهاجر: يا للمهاجرين فقال رسول الله ﷺ : "ما بال دعوتي الجاهلية؟ " قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: "دعوها؛ فإنها منتنة" فسمعها عبد الله بن أبي فقال: قد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: "دعه, يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" أخرجه مسلم.
وعن عروة بن الزبير قال: تذاكر صفوان وعمير أصحاب القليب ومصابهم، فقال صفوان: والله إن١ في العيش خير بعدهم، قال عمير: صدقت والله، أما والله لولا دين علي ليس عندي له قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي في
стр. 344
قتلهم علة، ابني أسير في أيديهم، فاغتنمها صفوان فقال: علي دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، ولا يسعني شيء ويعجز عنهم، قال له عمير: فاكتم عني شأني وشأنك، قال: أفعل، ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسم، ثم انطلق به حتى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون في يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله تعالى به، إذ نظر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشحًا السيف فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشر، وهو الذي حرش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر، ثم دخل عمر على رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحًا سيفه، قال: "فأدخله علي" قال: فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله ﷺ فاجلسوا عنده واحذروا عليه ذلك الخبيث فإنه غير مأمون، ثم دخل به على رسول الله ﷺ فلما رآه رسول الله ﷺ وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه، قال: "أرسله يا عمر, ادن يا عمير" فدنا ثم قال: أنعموا صباحًا -وكانت تحية أهل الجاهلية- فقال رسول الله ﷺ : "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير, بالسلام ١ تحية أهل الجنة" قال: أما والله إن كنت يا محمد بهذا الحديث عهد، قال: "فما جاء بك يا عمير؟ " قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، قال: "فما بال السيف في عنقك?" قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئًا? قال: "اصدقني, ما الذي جئت له?" قال: ما جئت إلا لذلك، قال: "بلى, قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر, فذكرتم أصحاب القليب من قريش ثم قلت: لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدًا،
стр. 345
فتحمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله١ حائل بينك وبين ذلك" قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم أن ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق، ثم تشهد بشهادة الحق.
قال رسول الله ﷺ : "فقهوا أخاكم في دينه, وأقرئوه القرآن, وأطلقوا له أسيره" ثم قال: يا رسول الله, إني كنت جاهدًا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أؤذي أصحابك في دينهم، قال: فأذن له رسول الله ﷺ فلحق بمكة وكان صفوان يسأل عنه الركبان فلما أخبره بإسلامه حلف أن لا يكلمه ولا ينفعه أبدًا. خرجه ابن إسحاق وقال: فأقام عمير بمكة يدعو إلى الإسلام ويؤذي من خالفه أذى شديدًا, فأسلم على يديه ناس كثير.
وعن ابن مسعود قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ نمشي إذ مر بصبيان يلعبون فيهم ابن الصياد فقال رسول الله ﷺ : "تربت يداك، أتشهد أني رسول الله؟ " فقال هو: أتشهد أني رسول الله? قال: فقال عمر: يا رسول الله دعني فلأضربن عنقه، قال: فقال رسول الله ﷺ : "إن يكن الذي يخاف فلن تستطيعه" خرجه أحمد وخرجه أيضًا مسلم بزيادة ولفظه: قال: كنا مع رسول الله ﷺ فمررنا بصبيان فيهم ابن الصياد، ففر الصبيان وجلس ابن الصياد، فكأن رسول الله ﷺ كره ذلك، فقال له النبي ﷺ : "تربت يداك، أتشهد أني رسول الله؟ " فقال: لا, بل أتشهد أنت أني رسول الله? فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله حتى أقتله، فقال رسول الله ﷺ : "إن يكن الذي يرى, فلن تستطيع قتله".
стр. 346
وعن ابن عباس قال: كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك, فبعث عليا والزبير في أثر الكتاب فأدركا امرأة على بعير فاستخرجاه من قرونها فأتيا به رسول الله ﷺ فأرسل إلى حاطب فقال: "يا حاطب أنت كتبت هذا الكتاب؟ " قال: نعم يا رسول الله قال: "فما حملك على ذلك?" فقال: يا رسول الله أما والله إني لناصح لله ولرسوله, ولكني كنت غريبًا في أهل مكة وكان أهلي بين ظهرانيهم وخشيت عليهم, فكتبت كتابًا لا يضر الله ورسوله شيئًا، وعسى أن يكون منفعة لأهلي، قال عمر: فاخترطت سيفي ثم قلت: أمكني من حاطب فإنه قد كفر, فأضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : "يابن الخطاب ما يدريك, لعل الله قد اطلع على هذه العصابة من أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم, فقد غفرت لكم". خرجه مسلم.
وفي لفظ فقال: ما فعلت ذلك ارتدادًا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "إن هذا صدقكم" فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب، الحديث، إلى قوله: "فقد غفرت لكم" وزاد: فنزلت فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ . أخرجاه١، وابن حبان واللفظ له.
وعن أبي سعيد الخدري قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسمًا, إذ أتاه ذو الخويصرة -وهو رجل من بني تميم- فقال: يا رسول الله اعدل، فقال رسول الله ﷺ : "ويلك!! من يعدل إذا لم أعدل? قد خبت وخسرت إن لم أعدل" فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : "دعه فإن له أصحابًا, يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم, يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم, يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فيهم رجل أسود إحدى
стр. 347
عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر, يخرجون على خير فرقة من الناس".
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت رسول الله ﷺ وأشهد أن عليا قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد، فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعته. أخرجه مسلم.
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ بعث شيبة بن عثمان إلى أمه: أن أرسلي لي بالمفاتيح -يعني مفاتيح الكعبة- فأبت ثم أرسل فأبت ثم أرسل فأبت وقالت: قتلت رجالنا وتذهب بمكرمتنا? فقال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه -أو قال: أقتله- قال: "لا" قال: فذهب الغلام -يعني شيبة- فقال لأمه: إن عمر أراد قتلي, فأرسلت بالمفاتيح، ثم إن رسول الله ﷺ قذف بالمفاتيح بعدما قبضها إلى الغلام وقال: "اذهب بها إلى أمك". خرجه ابن مخلد.
وعنه أن النبي ﷺ قال لأصحابه يوم بدر: "إني قد عرفت أن رجالًا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهًا لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ فلا يقتله, فإنه إنما أخرج مستكرهًا" قال: فقال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا, ونترك العباس? والله لئن لقيته لألجمنه السيف، ويقال: لألجمنه، قال: فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر: "يا أبا حفص" قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله ﷺ بأبي حفص, أيضرب وجه عم رسول الله ﷺ بالسيف؟ قال عمر: يا رسول الله دعني فلأضربن عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق، فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفًا إلا أن تكفرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدًا. خرجه ابن إسحاق, وقال: إنما
стр. 348
نهى رسول الله ﷺ عن قتل أبي البختري؛ لأنه كان أكف القوم عن رسول الله ﷺ وهو بمكة, وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه.
وعن عمرو بن العاص قال: بينا أنا في منزلي بمصر إذ قيل: هذا عبد الرحمن بن عمر وأبو سروعة يستأذنان عليك، فقلت: يدخلان, فدخلا وهما منكسران، فقالا: أقم علينا حد الله, فإنا أصبنا البارحة شرابًا وسكرنا.
قال: فزجرتهما وطردتهما فقال عبد الرحمن: إن لم تفعله خبرت والدي إذا قدمت عليه، قال: فعلمت أني إن لم أقم عليهما الحد غضب علي عمر وعزلني، قال: فأخرجتهما إلى صحن الدار فضربتهما الحد، ودخل عبد الرحمن بن عمر ناحية إلى بيت في الدار فحلق رأسه وكانوا يحلقون من الحدود، ووالله ما كتبت لعمر بحرف مما كان حتى إذا كتابه جاءني فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم" من عند عبد الله عمر إلى العاص بن العاصي عجبت لك يابن العاص وجراءتك علي وخلافك عهدي, فما أراني إلا عازلك، تضرب عبد الرحمن في بيتك وتحلق رأسه في بيتك وقد عرفت أن هذا يخالفني، وإنما عبد الرحمن رجل من رعيتك تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين, ولكن قلت: هو ولد أمير المؤمنين وعرفت أنه لا هوادة لأحد من الناس عندي في حق، فإذا جاءك كتابي هذا فابعث به في عباءة على قتب حتى يعرف سوء ما صنع، فبعث به كما قال أبوه وكتب إلى عمر يعتذر إليه إني ضربته في صحن داري، والله الذي لا يحلف بأعظم منه إني لأقيم الحدود في صحن داري على المسلم والذمي، وبعث بالكتاب مع عبد الله بن عمر, فقدم بعبد الرحمن على أبيه فدخل وعليه عباءة ولا يستطيع المشي من سوء مركبه فقال: يا عبد الرحمن فعلت وفعلت!! فكلمه عبد الرحمن بن عوف وقال: يا أمير المؤمنين قد أقيم عليه الحد؛ فلم يلتفت إليه، فجعل عبد الرحمن يصيح ويقول: إني مريض وأنت
стр. 349
قاتلي, قال: فضربه الحد ثانية وحبسه, فمرض ثم مات.
وعن مجاهد قال: تذاكرنا الناس في مجلس ابن عباس, فأخذوا في فضل أبي بكر ثم في فضل عمر, فلما سمع ابن عباس ذكر عمر بكى بكاءً شديدًا حتى أغمي عليه فقال: رحم الله رجلًا قرأ القرآن وعمل بما فيه, وأقام حدود الله كما أمر، لا تأخذه في الله لومة لائم، لقد رأيت عمر وقد أقام الحد على ولده فقتله فيه، فقيل له: يابن عم رسول الله حدثنا كيف أقام عمر الحد على ولده?
فقال: كنت ذات يوم في المسجد وعمر جالس والناس حوله, إذ أقبلت جارية فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال عمر: وعليك السلام ورحمة الله, ألك حاجة? فقالت: نعم خذ ولدك هذا مني، فقال عمر: إني لا أعرفك, فبكت الجارية وقالت: يا أمير المؤمنين إن لم يكن ولدك من ظهرك فهو ولد ولدك، فقال: أي أولادي? قالت: أبو شحمة، فقال: أبحلال أم بحرام? فقالت: من قبلي١ بحلال ومن جهته بحرام، قال عمر: وكيف ذاك? اتق الله ولا تقولي إلا حقا، قالت: يا أمير المؤمنين كنت مارة في بعض الأيام إذ مررت بحائط لبني النجار, إذ أتى ولدك أبو شحمة يتمايل سكرًا، وكان شرب عند نسيكة اليهودي، قالت: ثم راودني عن نفسي وجرني إلى الحائط, ونال مني ما ينال الرجل من المرأة وقد أغمي علي، فكتمت أمري عن أهلي وجيراني حتى أحسست بالولادة, فخرجت إلى موضع كذا وكذا ووضعت هذا الغلام وهممت بقتله ثم ندمت على ذلك، فاحكم بحكم الله بيني وبينه، فأمر عمر مناديًا فأقبل الناس يهرعون إلى المسجد, ثم قام عمر فقال: لا تتفرقوا حتى آتيكم، ثم خرج ثم قال: يابن عباس أسرع معي، فلم يزل حتى أتى منزله فقرع الباب وقال: ههنا ولدي أبو شحمة? فقيل له: إنه على الطعام
стр. 350
فدخل عليه وقال: كل يا بني, فيوشك أن يكون آخر زادك.
قال ابن عباس: فلقد رأيت الغلام وقد تغير لونه وارتعد وسقطت اللقمة من يده، فقال له عمر: يا بني من أنا؟ قال: أنت أبي وأمير المؤمنين، قال: فلي حق طاعة أم لا? قال: لك طاعتان مفترضتان؛ لأنك والدي وأمير المؤمنين، قال عمر: بحق نبيك وبحق أبيك هل كنت ضيفًا لنسيكة اليهودي, فشربت الخمر عنده فسكرت? قال: لقد كان ذلك، وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: "رأس مال المؤمن التوبة" قال: يا بني, أنشدك الله هل دخلت حائط بني النجار فرأيت امرأة فواقعتها? فسكت وبكى، قال عمر: يا بني اصدق فإن الله يحب الصادقين قال: قد كان ذلك وأنا تائب نادم، فلما سمع منه عمر قبض على يده ولببه وجره إلى المسجد فقال: يا أبت لا تفضحني وخذ السيف واقطعني إربًا إربًا، قال: أما سمعت قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ ثم خرجه وأخرجه إلى بين يدي الصحابة أصحاب رسول الله ﷺ في المسجد وقال: صدقت المرأة وأقر أبو شحمة بما قالت، وكان له مملوك يقال له: أفلح، فقال: يا أفلح, خذ ابني هذا إليك واضربه مائة سوط ولا تقصر في ضربه، فقال: لا أفعل وبكى، فقال: يا غلام إن طاعتي طاعة الرسول ﷺ فافعل ما آمرك به، قال: فنزع ثيابه وضج الناس بالبكاء والنحيب وجعل الغلام يشير إلى أبيه: يا أبت ارحمني، فقال له عمر وهو يبكي: ربك يرحمك، وإنما أفعل هذا كي يرحمك ويرحمني، ثم قال: يا أفلح اضرب, فضربه وهو يستغيث وعمر يقول: اضربه حتى بلغ سبعين فقال: يا أبت اسقني شربة من ماء، فقال: يا بني إن كان ربك يطهرك فيسقيك محمد ﷺ شربة لا تظمأ بعدها أبدًا، يا غلام اضربه, فضربه حتى بلغ ثمانين فقال: يا أبت السلام عليك، فقال: وعليك
стр. 351
السلام إن رأيت محمدًا فأقرئه مني السلام وقل له: خلفت عمر يقرأ القرآن ويقيم الحدود، يا غلام اضربه فلما بلغ تسعين انقطع كلامه وضعف, فرأيت أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا عمر انظر كم بقي فأخره إلى وقت آخر، فقال: كما لم تؤخر المعصية لا تؤخر العقوبة، وجاء الصريخ إلى مه فجاءت باكية صارخة وقالت: يا عمر أحج بكل سوط حجة ماشية وأتصدق بكذا وكذا درهما، فقال: إن الحج والصدقة لا ينوب١ عن الحد، يا غلام تمم الحد فضربه, فلما كان آخر سوط سقط الغلام ميتًا فصام وقال: يا بني محص الله عنك الخطايا، ثم جعل رأسه في حجره وجعل يبكي ويقول: يا بني من قتله الحق، يا بني من مات عن انقضاء الحد، يا بني من لم يرحمه أبوه وأقاربه، فنظر الناس إليه فإذا هو قد فارق الدنيا، فلم ير يوم أعظم منه، وضج الناس بالبكاء والنحيب، فلما كان بعد أربعين يومًا أقبل علينا حذيفة بن اليمان صبيحة يوم الجمعة فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام وإذ الفتى معه وعليه حلتان خضراوان فقال رسول الله ﷺ : "أقرئ عمر مني السلام وقل له: هكذا أمرك الله أن تقرأ القرآن وتقيم الحدود" وقال الغلام: يا حذيفة, أقرئ أبي السلام وقل له: طهرك الله كما طهرتني والسلام. أخرجه شيرويه الديلمي في كتابه المنتقى.
وخرجه غيره مختصرًا بتغيير اللفظ وقال فيه: لعمر ابن يقال له: أبو شحمة فأتاه يومًا فقال له: إني زنيت فأقم علي الحد، قال: زنيت? قال: نعم، حتى كرر عليه ذلك أربعًا، قال: وما عرفت التحريم? قال: بلى، قال: معاشر المسلمين خذوه، فقال أبو شحمة: معاشر المسلمين, من فعل فعلي في جاهلية أو إسلام فلا يحدني, فقام علي بن أبي طالب وقال لولده الحسن فأخذ بيمينه وقال لولده الحسين فأخذ بيساره, ثم ضربه ستة
стр. 352
عشر سوطًا فأغمي عليه ثم قال: إذا وافيت ربك فقل: ضربني الحد من ليس لك في جبينه حد، ثم قام عمر حتى أقام عليه تمام المائة السوط، فمات من ذلك فقال: أنا أوثر عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فقيل: يا أمير المؤمنين ندفنه من غير غسل ولا كفن كمن قتل في سبيل الله? قال: بل نغسله ونكفنه وندفنه في مقابر المسلمين؛ فإنه لم يمت قتيلًا في سبيل الله وإنما مات١.
وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة وكان من أكبر بني عدي, وكان أبوه شهد بدرًا مع النبي ﷺ قال: استعمل عمر قدامة بن مظعون على البحرين, وكان شهد بدرًا مع النبي ﷺ وهو خال ابن عمر وحفصة زوج النبي ﷺ قال: قدم الجارود من البحرين فقال: يا أمير المؤمنين إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرًا، وإني إذا رأيت حدا من حدود الله حق علي أن أرفعه إليك، فقال له عمر: من يشهد على ما تقول? فقال: أبو هريرة، فدعا عمر أبا هريرة فقال: علام تشهد يا أبا هريرة? فقال: لم أره حين شرب، وقد رأيته سكران يقيء، فقال عمر: لقد تنطعت أبا٢ هريرة في الشهادة، ثم كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة كلم الجارود عمر فقال: أقم على هذا كتاب الله، فقال عمر: أشهيد أنت أم خصم? فقال الجارود: أنا شهيد، فقال: قد كنت أديت شهادتك، فسكت الجارود ثم قال: لتعلمن أني أنشدك الله، فقال عمر: أما والله لتملكن لسانك أو لأسوءنك، فقال الجارود: أما والله ما ذاك بالحق أن يشرب ابن عمك وتسوءني، فأوعده عمر.
فقال أبو هريرة وهو جالس: يا أمير المؤمنين، إن كنت تشك في شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هند ينشدها
стр. 353
بالله فأقامت هند على زوجها قدامة الشهادة فقال عمر: يا قدامة إني جالدك, فقال قدامة والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني يا عمر، قال: ولم يا قدامة? قال: إن الله قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١ فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله، ثم أقبل عمر على القوم فقال: ما ترون في جلد قدامة? قالوا: لا نرى أن تجلده وهو مريض, فسكت عمر عن جلده أيامًا ثم أصبح يومًا وقد عزم على جلده فقال لأصحابه: ماذا ترون في جلد قدامة? فقالوا: لا نرى أن تجلده ما دام وجعًا، فقال عمر: إنه والله لأن يلقى الله تحت السياط أحب إلي أن ألقى الله وهو في عنقي، إني والله لأجلدنه، ائتوني بسوط، فجاءه مولاه أسلم بسوط دقيق صغير، فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم: قد أخذتك بدقرارة أهلك، ائتوني بسوط غير هذا، فجاءه أسلم بسوط تام، فأمر عمر بقدامة فجلد فغاضب قدامة عمر وهجره، فحجا وقدامة مهاجر لعمر حتى قفلوا من حجهم ونزل عمر بالسقيا ونام بها, فلما استيقظ قال: عجلوا علي بقدامة، انطلقوا فأتوني به، فوالله إني لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال: سالم قدامة فإنه أخوك، فلما جاءوا قدامة أبى أن يأتيه، فأمر عمر بقدامة فجر إليه جرًّا حتى كلمه عمر واستغفر له، فكان أول صلحهما، خرج البخاري منه إلى قوله: وهو خال ابن عمر وحفصة، وتمامه خرجه الحميدي.
"شرح" دقرارة أهلك أي: مخالفتهم, قال ابن الأعرابي: الدقرارة: الحديث المفتعل، والدقرارة: المخالفة.
وعن عمر بن أبي سلمى عن أبيه قال: قال عمر: لو أن أحدكم أومأ
стр. 354
إلى السماء بإصبعه لشرك يعني بالأمان، فنزل إليه على ذلك فقتله لقتلته، خرجه المخلص.
وعن عائشة قالت: اعتمّ رسول الله ﷺ ليلة بالعتمة، فناداه عمر: نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله ﷺ فقال: "ما من الناس أحد ينتظر الصلاة غيركم؟ " قالت: ولم يكن يصلي يومئذ إلا بالمدينة, خرجه النسائي.
وعن عمران بن حصين أن امرأة زنت, فأمر بها النبي ﷺ فرجمت، ثم أمر بها فصلى عليها، فقال عمر: يا رسول الله أتصلي عليها وقد زنت?! فقال ﷺ : "والذي نفسي بيده, لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جاءت ١ بنفسها لله " أخرجه مسلم.
وعن السائب بن يزيد قال: كنت نائمًا بالمسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتين بهذين الرجلين، فجئته بهما فقال: ممن أنتما ومن أنتما? قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما, ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ، خرجه البخاري.
وعن أبي النضر أن رجلًا قام إلى عمر وهو على المنبر فقال: يا أمير المؤمنين ظلمني عاملك وضربني، فقال عمر: والله لأقيدنك منه إذًا، فقال عمرو بن العاص: أوتقيد من عاملك يا أمير المؤمنين? قال: نعم والله لأقيدن منه، أقاد رسول الله ﷺ من نفسه، وأقاد أبو بكر من نفسه أفلا أقيد? فقال عمرو بن العاص: أوغير ذلك يا أمير المؤمنين? قال: وما هو? قال: أو يرضيه، قال: أو يرضيه، خرجه الحافظ الثقفي في الأربعين.
وعن أبي سعيد قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار, إذ جاء أبو
стр. 355
موسى كأنه معذور فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك? فقلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال ﷺ : "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له, فليرجع" فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من رسول الله ﷺ ؟ قال أبي: فوالله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغرهم فقمت معه، فأخبرت عمر أن رسول الله ﷺ قال ذلك، خرجه مسلم.
وفي رواية: أن عمر قال له: إن كان هذا, فشيء من رسول الله ﷺ وإلا لأجعلنك عظة، وفيها أنه حين أتى الأنصار جعلوا يضحكون فقال لهم: يأتيكم أخوكم قد أقرع وتضحكون! فقال: انطلق وأنا شريكك في العقوبة فأتاه, خرجه مسلم.
وعن المغيرة بن شعبة قال: سئل عمر عن إملاص المرأة وهي التي تضرب بطنها فتلقي جنينًا قال: أيكم سمع من رسول الله فيها شيئًا? فقلت: أنا، فقال: ما هو? قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "فيه غرة عبد أو أمة" فقال: لا تبرح حتى تجيء بالمخرج مما قلت، فخرجت فجئت بمحمد بن مسلمة فشهد معي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "فيه غرة عبد أو أمة" خرجه أبو معاوية بهذا السياق، وأخرجا١ معناه.
وعن صهيب أن عمر قال لصهيب: أي رجل٢ لولا خصال ثلاث قال: وما هي? قال: اكتنيت وليس لك ولد وانتميت إلى العرب وأنت من الروم وفيك سرف في الطعام، قال: أما قولك: اكتنيت وليس لك ولد فإن رسول الله ﷺ كناني أبا يحيى، وأما قولك: انتميت إلى العرب وأنت من الروم, فإني رجل من النمر بن قاسط سبتني الروم من الموصل بعد إذ أنا