← Тараджим

Тараджим · id 8657

الرياض النضرة في مناقب العشرة

محب الدين الطبري

Полный текст (841 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

السلام إن رأيت محمدًا فأقرئه مني السلام وقل له: خلفت عمر يقرأ القرآن ويقيم الحدود، يا غلام اضربه فلما بلغ تسعين انقطع كلامه وضعف, فرأيت أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا عمر انظر كم بقي فأخره إلى وقت آخر، فقال: كما لم تؤخر المعصية لا تؤخر العقوبة، وجاء الصريخ إلى مه فجاءت باكية صارخة وقالت: يا عمر أحج بكل سوط حجة ماشية وأتصدق بكذا وكذا درهما، فقال: إن الحج والصدقة لا ينوب١ عن الحد، يا غلام تمم الحد فضربه, فلما كان آخر سوط سقط الغلام ميتًا فصام وقال: يا بني محص الله عنك الخطايا، ثم جعل رأسه في حجره وجعل يبكي ويقول: يا بني من قتله الحق، يا بني من مات عن انقضاء الحد، يا بني من لم يرحمه أبوه وأقاربه، فنظر الناس إليه فإذا هو قد فارق الدنيا، فلم ير يوم أعظم منه، وضج الناس بالبكاء والنحيب، فلما كان بعد أربعين يومًا أقبل علينا حذيفة بن اليمان صبيحة يوم الجمعة فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام وإذ الفتى معه وعليه حلتان خضراوان فقال رسول الله ﷺ : "أقرئ عمر مني السلام وقل له: هكذا أمرك الله أن تقرأ القرآن وتقيم الحدود" وقال الغلام: يا حذيفة, أقرئ أبي السلام وقل له: طهرك الله كما طهرتني والسلام. أخرجه شيرويه الديلمي في كتابه المنتقى. وخرجه غيره مختصرًا بتغيير اللفظ وقال فيه: لعمر ابن يقال له: أبو شحمة فأتاه يومًا فقال له: إني زنيت فأقم علي الحد، قال: زنيت? قال: نعم، حتى كرر عليه ذلك أربعًا، قال: وما عرفت التحريم? قال: بلى، قال: معاشر المسلمين خذوه، فقال أبو شحمة: معاشر المسلمين, من فعل فعلي في جاهلية أو إسلام فلا يحدني, فقام علي بن أبي طالب وقال لولده الحسن فأخذ بيمينه وقال لولده الحسين فأخذ بيساره, ثم ضربه ستة

стр. 352

عشر سوطًا فأغمي عليه ثم قال: إذا وافيت ربك فقل: ضربني الحد من ليس لك في جبينه حد، ثم قام عمر حتى أقام عليه تمام المائة السوط، فمات من ذلك فقال: أنا أوثر عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فقيل: يا أمير المؤمنين ندفنه من غير غسل ولا كفن كمن قتل في سبيل الله? قال: بل نغسله ونكفنه وندفنه في مقابر المسلمين؛ فإنه لم يمت قتيلًا في سبيل الله وإنما مات١. وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة وكان من أكبر بني عدي, وكان أبوه شهد بدرًا مع النبي ﷺ قال: استعمل عمر قدامة بن مظعون على البحرين, وكان شهد بدرًا مع النبي ﷺ وهو خال ابن عمر وحفصة زوج النبي ﷺ قال: قدم الجارود من البحرين فقال: يا أمير المؤمنين إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرًا، وإني إذا رأيت حدا من حدود الله حق علي أن أرفعه إليك، فقال له عمر: من يشهد على ما تقول? فقال: أبو هريرة، فدعا عمر أبا هريرة فقال: علام تشهد يا أبا هريرة? فقال: لم أره حين شرب، وقد رأيته سكران يقيء، فقال عمر: لقد تنطعت أبا٢ هريرة في الشهادة، ثم كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة كلم الجارود عمر فقال: أقم على هذا كتاب الله، فقال عمر: أشهيد أنت أم خصم? فقال الجارود: أنا شهيد، فقال: قد كنت أديت شهادتك، فسكت الجارود ثم قال: لتعلمن أني أنشدك الله، فقال عمر: أما والله لتملكن لسانك أو لأسوءنك، فقال الجارود: أما والله ما ذاك بالحق أن يشرب ابن عمك وتسوءني، فأوعده عمر. فقال أبو هريرة وهو جالس: يا أمير المؤمنين، إن كنت تشك في شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هند ينشدها

стр. 353

بالله فأقامت هند على زوجها قدامة الشهادة فقال عمر: يا قدامة إني جالدك, فقال قدامة والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني يا عمر، قال: ولم يا قدامة? قال: إن الله قال: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١ فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله، ثم أقبل عمر على القوم فقال: ما ترون في جلد قدامة? قالوا: لا نرى أن تجلده وهو مريض, فسكت عمر عن جلده أيامًا ثم أصبح يومًا وقد عزم على جلده فقال لأصحابه: ماذا ترون في جلد قدامة? فقالوا: لا نرى أن تجلده ما دام وجعًا، فقال عمر: إنه والله لأن يلقى الله تحت السياط أحب إلي أن ألقى الله وهو في عنقي، إني والله لأجلدنه، ائتوني بسوط، فجاءه مولاه أسلم بسوط دقيق صغير، فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم: قد أخذتك بدقرارة أهلك، ائتوني بسوط غير هذا، فجاءه أسلم بسوط تام، فأمر عمر بقدامة فجلد فغاضب قدامة عمر وهجره، فحجا وقدامة مهاجر لعمر حتى قفلوا من حجهم ونزل عمر بالسقيا ونام بها, فلما استيقظ قال: عجلوا علي بقدامة، انطلقوا فأتوني به، فوالله إني لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال: سالم قدامة فإنه أخوك، فلما جاءوا قدامة أبى أن يأتيه، فأمر عمر بقدامة فجر إليه جرًّا حتى كلمه عمر واستغفر له، فكان أول صلحهما، خرج البخاري منه إلى قوله: وهو خال ابن عمر وحفصة، وتمامه خرجه الحميدي. "شرح" دقرارة أهلك أي: مخالفتهم, قال ابن الأعرابي: الدقرارة: الحديث المفتعل، والدقرارة: المخالفة. وعن عمر بن أبي سلمى عن أبيه قال: قال عمر: لو أن أحدكم أومأ

стр. 354

إلى السماء بإصبعه لشرك يعني بالأمان، فنزل إليه على ذلك فقتله لقتلته، خرجه المخلص. وعن عائشة قالت: اعتمّ رسول الله ﷺ ليلة بالعتمة، فناداه عمر: نام النساء والصبيان، فخرج رسول الله ﷺ فقال: "ما من الناس أحد ينتظر الصلاة غيركم؟ " قالت: ولم يكن يصلي يومئذ إلا بالمدينة, خرجه النسائي. وعن عمران بن حصين أن امرأة زنت, فأمر بها النبي ﷺ فرجمت، ثم أمر بها فصلى عليها، فقال عمر: يا رسول الله أتصلي عليها وقد زنت?! فقال ﷺ : "والذي نفسي بيده, لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جاءت ١ بنفسها لله " أخرجه مسلم. وعن السائب بن يزيد قال: كنت نائمًا بالمسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتين بهذين الرجلين، فجئته بهما فقال: ممن أنتما ومن أنتما? قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما, ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ ، خرجه البخاري. وعن أبي النضر أن رجلًا قام إلى عمر وهو على المنبر فقال: يا أمير المؤمنين ظلمني عاملك وضربني، فقال عمر: والله لأقيدنك منه إذًا، فقال عمرو بن العاص: أوتقيد من عاملك يا أمير المؤمنين? قال: نعم والله لأقيدن منه، أقاد رسول الله ﷺ من نفسه، وأقاد أبو بكر من نفسه أفلا أقيد? فقال عمرو بن العاص: أوغير ذلك يا أمير المؤمنين? قال: وما هو? قال: أو يرضيه، قال: أو يرضيه، خرجه الحافظ الثقفي في الأربعين. وعن أبي سعيد قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار, إذ جاء أبو

стр. 355

موسى كأنه معذور فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك? فقلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال ﷺ : "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له, فليرجع" فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من رسول الله ﷺ ؟ قال أبي: فوالله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغرهم فقمت معه، فأخبرت عمر أن رسول الله ﷺ قال ذلك، خرجه مسلم. وفي رواية: أن عمر قال له: إن كان هذا, فشيء من رسول الله ﷺ وإلا لأجعلنك عظة، وفيها أنه حين أتى الأنصار جعلوا يضحكون فقال لهم: يأتيكم أخوكم قد أقرع وتضحكون! فقال: انطلق وأنا شريكك في العقوبة فأتاه, خرجه مسلم. وعن المغيرة بن شعبة قال: سئل عمر عن إملاص المرأة وهي التي تضرب بطنها فتلقي جنينًا قال: أيكم سمع من رسول الله فيها شيئًا? فقلت: أنا، فقال: ما هو? قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "فيه غرة عبد أو أمة" فقال: لا تبرح حتى تجيء بالمخرج مما قلت، فخرجت فجئت بمحمد بن مسلمة فشهد معي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "فيه غرة عبد أو أمة" خرجه أبو معاوية بهذا السياق، وأخرجا١ معناه. وعن صهيب أن عمر قال لصهيب: أي رجل٢ لولا خصال ثلاث قال: وما هي? قال: اكتنيت وليس لك ولد وانتميت إلى العرب وأنت من الروم وفيك سرف في الطعام، قال: أما قولك: اكتنيت وليس لك ولد فإن رسول الله ﷺ كناني أبا يحيى، وأما قولك: انتميت إلى العرب وأنت من الروم, فإني رجل من النمر بن قاسط سبتني الروم من الموصل بعد إذ أنا

стр. 356

غلام قد عرفت نسبي، وأما قولك: فيك سرف في الطعام فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خياركم من أطعم الطعام" خرجه أبو عبد الله بن ماجه القزويني، وخرج النسائي معناه، وخرجه الحافظ الدمشقي في الأربعين البلدانية. وعن ... ١ أن أبا موسى قدم على عمر ومعه كاتب نصراني فرفع كتابه, فأعجب عمر ولم يعلم أنه نصراني، فقال لأبي موسى: أين كاتبك هذا حتى يقرأ الكتاب على الناس? فقال أبو موسى: يا أمير المؤمنين إنه لا يدخل المسجد قال: لم? أجنب هو? قال: لا ولكنه نصراني، فانتهره عمر وقال: لا تدنوهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرموهم وقد أهانهم الله، ولا تأمنوهم وقد خونهم الله، وقد نهيتكم عن استعمال أهل الكتاب، فإنهم يستحلون الرشا. وعن ... ٢ أن عمر قال لأبي موسى: ائتني برجل ينظر في حسابنا، فأتاه بنصراني فقال: لو كنت تقدمت إليك لفعلت وفعلت، سألتك رجلًا أشركه في أمانتي فأتيتني بمن يخالف دينه ديني. وعن سالم بن عبد الله بن عمر قال: كان عمر إذا نهى الناس عن أمر دعا أهله فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإنما ينظر الناس إليكم نظر الطير اللحم، فإن وقعتم وقع الناس وإن هبتم هاب الناس، وإنه والله لا يقع أحد منكم في شيء نهيت الناس عنه إلا أضعف له العقوبة لمكانه مني، أخرجه عقيل بن خالد. وعن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أن عمر قسم مروطا بين نساء أهل المدينة فبقي منها مرط جيد، فقال بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك -يريد أم كلثوم بنت علي؟ فقال: أم

стр. 357

سليط أحق به، فإنها ممن بايع رسول الله ﷺ وكانت تزفن لنا القرب يوم أحد، خرجه البخاري، تزفن بالفاء: تحمل. وعن عمر أنه أرسل إلى كعب فقال: يا كعب كيف تجد نعتي? قال: أجد نعتك قرن حديد، قال: وما قرن حديد? قال: لا تأخذك في الله لومة لائم، خرجه الضحاك. وعنه أنه كان يقول: اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من مال عن الحق من قريب أو بعيد, فلا تمهلني طرفة عين، خرجه ابن خيرون. وروي أنه أقام خصمين بين يديه ثم عادا ثم أقامهما ثم عادا فقضى بينهما، فقيل له في ذلك فقال: إني وجدت لأحدهما ما لم أجد للآخر، فعادا وقد ذهب بعض ذلك فقضيت بينهما. ذكر تعبده: عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر يحب الصلاة في كبد الليل -يعني وسط الليل, خرجه في الصفوة، وقد تقدم كيف يوتر في باب الشيخين. وعن عبد الله بن ربيعة قال: صليت خلف عمر الفجر, فقرأ سورة الحج وسورة يوسف قراءة بطيئة، خرجه أبو معاوية. وعن عمرو بن ميمون قال: كان عمر ربما قرأ بسورة يوسف والسجدة ونحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس، خرجه البخاري. وعن ابن عمر قال: ما مات عمر حتى سرد الصوم، خرجه في الصفوة، وفيه دلالة لمن قال: سرده أفضل من صوم يوم, وفطر يوم.

стр. 358

وعنه أن عمر قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال ﷺ : "أوف بنذرك" أخرجاه وزاد البخاري: فاعتكف ليلة، وفيه حجة لمن قال: يصح١ دون صوم، وإنه يلزم الكافر بالتزامه، وإن لم يصح حال كفره. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "من أصبح صائمًا اليوم?" قال عمر: أنا، قال: "من تصدق اليوم؟ " قال عمر: أنا، قال: "فمن عاد مريضًا?" قال عمر: أنا، قال: "فمن تبع جنازة؟ " قال عمر: أنا، قال: قال: "وجبت لك" يعني الجنة, خرجه البغوي في الفضائل، وأبو عبد الله بن حبان وقد تقدم محمد في خصائص أبي بكر مثل ذلك من حديث مسلم عن أبي هريرة, فإن صحت هذه الرواية كان ذلك في يوم آخر من غير أن يكون بينهما تضاد ولا تهافت. وعن جعفر الصادق قال: كان أكثر كلام عمر: الله أكبر، خرجه الخجندي. وعن ابن عمر أن عمر أصاب أرضًا من أرض خيبر فقال: يا رسول الله, أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه, فما تأمرني? فقال: "إن شئت حبست أصلها, وتصدقت بها" فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل, لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف, ويطعم غير ممول وفي لفظ: غير متماثل مالًا، أخرجاه. وفي بعض الطرق أنه وصى بها إلى حفصة ثم إلى الأكابر من آل عمر, وفي بعضها أن عمر قال للنبي ﷺ : إن المائة التي لي بخيبر لم أصب مالًا قط هو أعجب إلي منها وقد أردت أن أتصدق بها، فقال ﷺ : "احبس أصلها وسبل ثمرتها" وفي بعضها قلت: يا رسول الله إن لي مالًا بثمغ

стр. 359

أكره أن يباع بعدي قال: "فاحبسه وسبل ثمرته". خرج هذه الطرق وقد تقدم ذكر صدقته بسطر ماله, وصدقة أبي بكر بجميع ماله في باب الشيخين. ثمغ: مال لعمر معروف بالمدينة، وهو غير الذي تصدق به بخيبر. ذكر زهده: وقد تقدم طرف منه في خصائصه، وفي النشر في أول الفصل. وعن طلحة: ما كان عمر بأولنا إسلامًا ولا بأقدمنا هجرة, ولكنه كان أزهدنا في الدنيا وأرغبنا في الآخرة. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يعطي عمر العطاء فيقول له عمر: أعطه يا رسول الله من هو أفقر إليه مني، فقال له رسول الله ﷺ : "خذه فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه, وما لا فلا تتبعه نفسك" قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسال أحدًا شيئًا, ولا يرد شيئًا أعطيه. خرجه مسلم. وعن ابن أبي مليكة قال: بينا عمر قد وضع بين يديه طعام إذ جاء الغلام فقال: هذا عتبة بن فرقد بالباب، قال: وما أقدم عتبة ائذن له، فلما دخل رأى بين يدي عمر طعامه خبزًا وزيتًا فقال: اقرب يا عتبة فأصب من هذا، قال: فذهب يأكل فإذا هو بطعام جشب لا يستطيع أن يسيغه, فقال: يا أمير المؤمنين, هل لك في طعام يقال له: الحواري? قال: ويلك, أويسع ذلك المسلمين? قال: لا والله، قال: يا عتبة, أفأردت أن آكل طيباتي في حياتي الدنيا وأستمتع بها. أخرجه الفضائلي. "شرح" الجشب والمجشوب: الغليظ. وعنه أنه دخل عليه وهو يكدم كعكًا شاميًّا ويتفوق لبنًا حازرًا فقلت: يا أمير المؤمنين لو أمرت أن يصنع لك طعام ألين من هذا? فقال: يابن

стр. 360

فرقد أترى أحدًا من العرب أقدر على ذلك مني? فقلت: ما أجد أقدر على ذلك منك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: سمعت الله عير أقوامًا فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ ١. خرجه الواحدي. "شرح" الكدم: العض والتفوق: الشرب شيئًا فشيئًا من فوقت الفصيل: إذا سقيته فواقًا فواقًا، والفواق: قدر ما بين الحلبتين، والحازر -بالحاء المهملة: اللبن الحامض قاله الجوهري. وعن عمر أنه كان يقول: لو شئت لدعوت بصلاء وصناب وصلائق كراكر وأسنمة وأفلاذ كثيرة من لطائف اللذات، ثم قال: ولكني لا أدعو بها, ولا أقصد قصدها لئلا أكون من المتنعمين. "شرح" الصلاء بالكسر والمد: الشوي، والصناب: الخردل المعمول بالزيت وهو صناع يؤتدم به، والصلائق: الرقاق واحدتها صليقة، وقيل: هي الحملان المشوية من صلقت الشاة: إذا شويتها، ويروى بالسين المهملة وهو كل ما سلق من البقول وغيرها، والكراكر: جمع كركرة وهي الثفنة التي في زور البعير, وهي إحدى الثفنات الخمس، والأفلاذ: جمع فلذة وهي القطعة, وكأنه أراد قطعًا من أنواع شتى. وعنه أنه كان يقول: والله ما يمنعنا أن نأمر بصغار المعزى فتسمط لنا, ونأمر بلباب الحنطة فيخبز لنا, ونأمر بالزبيب فينبذ لنا فنأكل هذا ونشرب هذا, إلا أنا نستبقي طيباتنا؛ لأنا سمعنا الله تعالى يقول يذكر أقوامًا: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ . وعنه أنه اشتهى سمكًا طريًّا وأخذ يرقى راحلة, فسار ليلتين مقبلًا وليلتين مدبرًا واشترى مكتلًا فجاء به، وقام يرقى إلى الراحلة يغسلها من العرق فنظرها عمر فقال: عذبت بهيمة من البهائم في شهوة عمر! والله

стр. 361

لا يذوق عمر ذلك. وروي أنه كان يداوم على أكل التمر ولا يداوم على كل اللحم, ويقول: إياكم واللحم, فإن له ضراوة كضراوة الخمر، أي: إن له عادة نزاعة إليه كعادة الخمر، يقال منه: ضري بالكسر به ضرا وضراوة وضراة, إذا اعتاده. وعن جعفر بن أبي العاص قال: أكلت مع عمر بن الخطاب الخبز والزيت, والخبز واللبن, والخبز والخل, والخبز والقديد، وأقل ذلك اللحم الغريض، وكان يقول: لا تنخلوا الدقيق فإنه كله طعام، فأتي بخبز غليظ فجعل يأكل ويقول: لتأكلوا، فجعلنا نعتذر فقال: ما لكم لا تألون? فقلنا: لا نأكله والله يا أمير المؤمنين، نرجع إلى طعام هو ألين من طعامك. وعن حفصة قالت: دخل عليّ عمر فقدمت إليه مرقة باردة وصببت عليها زيتًا فقال: إدامان في إناء واحد، لا أذوقه أبدًا حتى ألقى الله, خرجه في فضائله. وعن ابن عمر قال: دخل أمير المؤمنين عمر ونحن على مائدة فأوسعت له عن صدر المجلس فقال: باسم الله، ثم ضرب بيده في لقمة فلقمها, ثم ثنى بأخرى ثم قال: إني لأجد طعم دسم غير دسم اللحم، فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين, إني خرجت إلى السوق أطلب السمين لأشتريه فوجدته غاليًا, فاشتريت بدرهم من المهزول وجعلت عليه بدرهم سمنًا فقال عمر: ما اجتمعنا عند رسول الله ﷺ إلا أكل أحدهما وتصدق بالآخر، فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين, ولن يجتمعا عندي أبدًا إلا فعلت ذلك. وعن قتادة قال: كان عمر بن الخطاب يلبس وهو أمير المؤمنين جبة من صوف مرقعة بعضها من أدم, ويطوف في الأسواق وعلى عاتقه الدرة

стр. 362

يؤدب الناس بها، ويهم بالنكث والنوى فيلقطه ويلقيه في منازل الناس لينتفعوا به. أخرجه الفضائلي. "شرح" النكث: الغزل المنقوض من الأخبية, والأكسية ليغزل ثانية. وعن أنس قال: لقد رأيت بين كتفي عمر أربع رقع في قميص له. خرجه الفضائلي وصاحب الصفوة وقال: ثلاث رقاع. وعن الحسن قال: خطب عمر الناس وهو خليفة, وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة. خرجه في الصفوة. وعن عامر بن ربيعة قال: خرج عمر حاجًّا من المدينة إلى مكة إلى أن رجع, فما ضرب فسطاطًا ولا خباء إلا كان يلقي الكساء والنطع على الشجرة, ويستظل تحتها. وعن عمر أنه كان يقول: والله ما نعبأ بلذات العيش ولكنا نستبقي طيباتنا لآخرتنا، وكان ﵁ يأكل خبز الشعير ويأتدم بالزيت, ويلبس المرقوع ويخدم نفسه. خرجه الملاء. وعن الأحنف بن قيس قال: أخرجنا عمر في سرية إلى العراق ففتح الله علينا العراق وبلد فارس, وأصبنا فيها من بياض فارس وخراسان فحملناه معنا واكتسينا منه، فلما قدمنا على عمر أعرض عنا بوجهه وجعل لا يكلمنا، فاشتد ذلك علينا، فشكونا إلى عبد الله بن عمر فقال: إن عمر زهد في الدنيا, وقد رأى عليكم لباسًا لم يلبسه رسول الله ﷺ ولا الخليفة من بعده، فأتينا منازلنا فنزعنا ما كان علينا, وأتيناه في البزة التي يعهدها منا، فقام فسلم علينا رجلًا رجلًا واعتنق رجلًا رجلًا حتى كأنه لم يرنا، فقدمنا إليه الغنائم فقسمها بيننا بالسوية، فعرض في الغنائم شيء من أنواع الخبيص من أصفر وأحمر فذاقه عمر فوجده طيب الطعم طيب

стр. 363

الريح فأقبل علينا بوجهه وقال: يا معشر المهاجرين والأنصار, ليقتلن منكم الابن أباه والأخ أخاه على هذا الطعام، ثم أمر به فحمل إلى أولاد من قتل من المسلمين بين يدي رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، ثم إن عمر انصرف ولم يأخذ لنفسه شيئًا. البزة -بالكسر: الهيئة. وعن ... ١ أنه لما فتح العراق وحملت إلى عمر خزائن كسرى قال له صاحب بيت المال: ألا ندخله بيت المال? قال: لا والله! ولا يأوي تحت سقف حتى أقسمه، فبسط الأنطاع في المسجد وكشفوا عن الأموال فرأى منظرًا عظيمًا من الذهب والجوهر فقال: إن الذي أدى هذا لأمين، قالوا: أنت أمين الله, وهم يؤدون إليك ما أديت إلى الله فإذا زغت زاغوا، فقسمه ولم يأخذ منه لنفسه شيئًا. خرجه في فضائله. وروي أن أصحاب رسول الله ﷺ اجتمعوا في المسجد زهاء خمسين رجلًا من المهاجرين فقالوا: ما ترون إلى زهد هذا الرجل وإلى حليته وقد فتح الله على يديه ديار كسرى وقيصر وطرفي الشرق والغرب، ووفود العرب والعجم يأتون فيرون عليه هذه الجبة قد رقعها اثنتي عشرة رقعة فلو سألتموه معاشر أصحاب محمد أن يغير هذه الجبة بثوب لين فيهاب منظره، ويغدق عليه بحفنة من الطعام ويراح عليه بحفنة يأكلها من حضره من المهاجرين والأنصار؟ فقال القوم بأجمعهم: ليس لهذا القول إلا علي بن أبي طالب فإنه صهره، فكلموه فقال: لست بفاعل ذلك ولكن عليكم بأزواج النبي ﷺ فإنهن أمهات المؤمنين يجترئن عليه، فقال الأحنف بن قيس: فسألوا عائشة وحفصة وكانتا مجتمعتين فقالت عائشة: أسأله ذلك، وقالت حفصة: ما أراه يفعل وسيبين لك، فدخلتا عليه فقربهما وأدناهما، فقالت عائشة: أتأذن لي أن أكلمك? قال: تكلمي يا أم المؤمنين فقالت: إن رسول الله ﷺ قد مضى إلى جنة ربه ورضوانه لم يرد

стр. 364

الدنيا ولم ترده، وكذلك مضى أبو بكر على أثره، وقد فتح الله عليك كنوز كسرى وقيصر وديارهما وحمل إليك أموالهما وذلك طرفا المشرق والمغرب، ونرجو من الله تعالى المزيد ورسل العجم يأتونك ووفود العرب يردون إليك وعليك هذه الجبة قد رقعتها اثنتي عشرة رقعة فلو غيرتها بثوب لين يهاب فيه منظرك, ويغدى عليك بحفنة من طعام ويراح عليك بأخرى تأكل أنت ومن حضرك من المهاجرين والأنصار, فبكى عمر عند ذلك بكاءً شديدًا ثم قال: سألتك بالله هل تعلمين أن رسول الله ﷺ شبع من خبز بر عشرة أيام أو خمسة أو ثلاثة أو جمع بين عشاء وغداء حتى ألحق بالله? قالت: لا، قال: أنشدك بالله هل تعلمين أن رسول الله ﷺ قرب إليه على مائدة في ارتفاع شبر من الأرض، كان يأمر بالطعام فيوضع على الأرض ويأمر بالمائدة فترفع؟ قالت: اللهم نعم، ثم قال لهما: أنتما زوجتا رسول الله ﷺ وأمهات المؤمنين ولكما على المؤمنين حق وعليّ خاصة، ولكن أتيتماني ترغبانني في الدنيا، وإني لأعلم أن رسول الله ﷺ لبس جبة من صوف فربما حكجسمه من خشونتها، أتعلمان ذلك? قالتا: نعم، قال: فهل تعلمان أن رسول الله ﷺ كان يرقد على عباءة على طاق واحد وكان مسح في بيتك يا عائشة يكون بالنهار بساطًا وبالليل فراشًا, ينام عليه ويرى أثر الحصير في جنبه؟ ألا يا حفصة أنت حدثتني أنك تثنيت المسح له ليلة فوجدها لينة فرقد عليه فلم يستيقظ إلا بأذان بلال فقال لك: يا حفصة, ماذا صنعت ثنيت المهاد حتى ذهب بي النوم إلى الصباح، ما لي وما للدنيا وما للدنيا وما لي، شغلتموني بلين الفراش؟ يا حفصة: أما تعلمين أن رسول الله ﷺ كان مغفورًا له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, ولم يزل جائعًا ساهرًا راكعًا ساجدًا باكيًا متضرعًا آناء الليل والنهار إلى أن قبضه الله تعالى إلى رحمته ورضوانه? لا أكل عمر طيبًا ولا لبس لينًا أسوة بصاحبيه, ولا جمع بين أدمين إلا الماء والزيت, ولا أكل لحمًا إلا في كل شهر، فخرجنا من عنده فأخبرنا أصحاب رسول الله ﷺ فلم يزل

стр. 365

كذلك حتى لحق بالله . ذكر خوفه: عن أبي موسى قال: سئل رسول الله ﷺ عن أشياء كرهها, فلما أكثر عليه غضب ثم قال للناس: "سلوني عما شئتم" فقال رجل: من أبي? فقال: "أبوك حذافة" فقال آخر: من أبي يا رسول الله? فقال: "أبوك مولى شيبة" فلما رأى عمر ما في وجه النبي ﷺ من الغضب قال: يا رسول الله, إنا نتوب إلى الله . أخرجاه. وعن أنس قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وهو غضبان ونحن نرى أن معه جبريل ﵇ حتى صعد المنبر فما رأيت يومًا كان أكثر باكيًا منه، قال: "سلوني, فوالله لا تسألونني عن شيء إلا أنبأتكم" فقال رجل: يا رسول الله من أبي? قال: "أبوك حذافة" فقام إليه آخر فقال: يا رسول الله أفي الجنة أنا أم في النار? فقال: "في النار" فقام إليه آخر فقال: يا رسول الله أعلينا الحج كل عام? فقال: "لو قلت نعم لوجب ولو وجب لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها عذبتم" قال: فقال عمر بن الخطاب: رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا، لا تفضحنا بسرائرنا واعف عنا عفا الله عنك، قال: فسري عنه، ثم التفت إلى الحائط فقال: "لم أر كاليوم في الخير والشر, أريت الجنة والنار وراء هذا الحائط". خرجه بتمام هذا السياق الحافظ الدمشقي في الموافقات، وفي المتفق عليه طائفة منه، وخرج ابن ماجه من قصة الحج إلى آخره. وعن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ سئل عن صومه فغضب، فقال عمر: رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا. خرجه مسلم. وعن أبي بردة عامر بن أبي موسى قال: قال لي عبد الله بن أبي عمر:

стр. 366

هل تدري ما قال أبي لأبيك? قال: قلت: لا، قال: فإن أبي قال لأبيك أبي موسى: هل يسرك أن إسلامنا مع رسول الله ﷺ وهجرتنا معه وشهادتنا معه وعلمنا كله معه برد علينا وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافًا رأسًا برأس؟ فقال أبوك لأبي: لا والله, جاهدنا بعد رسول الله ﷺ وصلينا وصمنا وعملنا خيرًا كثيرًا, وأسلم على أيدينا بشر كثير وإنا لنرجو ذلك، قال أبي: ولكني والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملنا بعده نجونا منه كفانا رأسًا برأس، فقلت: إن أباك والله كان خيرًا من أبي. خرجه البخاري. "شرح" برد لنا أي: ثبت واستقر. وعن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ لبس يومًا قباء من ديباج أهدي له ثم نزعه, فأرسل به إلى عمر وقال: "نهاني عنه جبريل ﵇" فجاءه عمر يبكي فقال: يا رسول الله كرهت أمرًا وأعطيتنيه فما لي؟ فقال: "إني لم أعطكه تلبسه وإنما أعطيتكه تبيعه" فباعه بألف درهم. خرجه مسلم. قال ابن إسحاق: لما وقع الصلح يوم الحديبية وطال الكلام بين النبي ﷺ وبين سهيل بن عمرو, وثب عمر بن الخطاب فقال: يا أبا بكر أليس برسول الله ﷺ ؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين? قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين? قال: بلى، قال: فلم نعطى الدنية في ديننا? فقال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه, فأنا أشهد أنه رسول الله، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ألست رسول الله? قال: "بلى" قال: أولسنا بالمسلمين? قال: "بلى" قال: أوليسوا بالمشركين? قال: "بلى" قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا? قال: "أنا عبد الله ورسوله, لن أخالف أمره ولن يضيعني" قال: فكان يقول عمر: فما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به, حتى رجوت أن

стр. 367

يكون خيرًا. وعن يحيى بن أبي كثير عن عمر أنه قال: لو نادى مناد من السماء: يا أيها الناس لا يدخل النار إلا رجل واحد، لخفت أن أكون أنا ذلك الرجل. خرجه الملاء، وزاد غيره: لو نادى مناد: إنكم داخلون النار إلا رجلًا واحدا, لرجوت أن أكون أنا. وعن عبد الله بن عامر قال: رأيت عمر أخذ تبنة من الأرض فقال: ليتني كنت هذه التبنة، ليتني لم أخلق، ليت أمي لم تلدني، ليتني لم أك شيئًا, ليتني كنت نسيا منسيا. وعن مجاهد قال: كان عمر يقول: لو مات جدي بطف الفرات, لخشيت أن يطالب الله به عمر. "شرح" الطف: اسم موضع بناحية الكوفة، فلعله المراد وأضيف إلى الفرات لكونه قريبًا منه, من قولهم: طف الصاع لما قرب من ملئه. وعن عبد الله بن عيسى قال: كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء. خرجهن في الصفوة. وعن الحسن قال: كان عمر يبكي في ورده حتى يخر على وجهه, ويبقى في بيته أيامًا يعاد. خرجه الملاء. وعن ابن الزبير قال: ما حدث عمر النبي ﷺ بعد قوله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ فيسمع كلامه حتى يستفهم مما يخفض صوته, فأنزل الله فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية. خرجه الواحدي، وقد تقدم في باب الشيخين. وعن أم سلمة قالت: دخل عليها عبد الرحمن بن عوف فقال: يا أمه, قد خشيت أن يهلكني كثرة مالي، أنا أكثر قريش كلهم مالًا، فقالت:

стр. 368

يا بني تصدق، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه" فخرج عبد الرحمن فلقي عمر فأخبره ذلك, فجاء عمر فدخل عليها فقال: بالله منهم أنا? قالت: لا؛ ولن أقول لأحد بعدك. وفي رواية: فبلغ ذلك عمر فأتاها يشتد ويسرع فقال: أنشدك بالله، أنا منهم? قالت: لا, ولن أبرئ بعدك أحدًا أبدًا، خرجه أبو عمر. وعن أبي جعفر قال: بينما عمر يمشي في طريق من طرق المدينة إذ لقيه علي ومعه الحسن والحسين ﵃ فسلم عليه علي وأخذ بيده, فاكتنفهما الحسن والحسين عن يمينهما وشمالهما قال: فعرض لعمر من البكاء ما كان يعرض له فقال له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: ومن أحق مني بالبكاء يا علي؟ وقد وليت أمر هذه الأمة أحكم فيها ولا أدري أمسيء أنا أم محسن، فقال له علي: والله إنك لتعدل في كذا وتعدل في كذا قال: فما منعه ذلك من البكاء, ثم تكلم الحسن بما شاء الله فذكر من ولايته وعدله فلم يمنعه ذلك, فتكلم الحسين بمثل كلام الحسن فانقطع بكاؤه عند انقطاع كلام الحسين, فقال: أتشهدان بذلك يابني أخي؟ فسكتا، فنظر إلى أبيهما فقال علي: اشهدا وأنا معكما شهيد، خرجه ابن السمان في الموافقة. وعن عبيد بن عمير قال: بينما عمر بن الخطاب يمر في الطريق, فإذا هو برجل يكلم امرأة فعلاه بالدرة فقال: يا أمير المؤمنين إنما هي امرأتي, فقام عمر فانطلق فلقي عبد الرحمن بن عوف فذكر ذلك له, فقال له: يا أمير المؤمنين, إنما أنت مؤدب وليس عليك شيء, وإن شئت حدثتك بحديث سمعته من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ألا لا يرفعن أحد من هذه الأمة كتابه قبل أبي بكر وعمر" خرجه ابن الغطريف, وخرج الملاء منه إلى قوله: إنما هي امرأتي ولم يذكر ما بعده وقال: فقال له: فلم تقف مع زوجتك في الطريق تعرضان

стр. 369

المسلمين إلى غيبتكما? فقال: يا أمير المؤمنين الآن قد دخلنا المدينة ونحن نتشاور أين ننزل؟ فرفع إليه الدرة وقال: اقتص مني يا عبد الله فقال: هي لك يا أمير المؤمنين، فقال: خذ واقتص فقال بعد ثلاث: هي لله, قال الله لك فيها. وعن عمر وقد كلمه عبد الرحمن بإشارة عثمان وطلحة والزبير وسعد في هيبته وشدته, وأن ذلك ربما يمنع طالب الحاجة من حاجته فقال: والله لقد لنت للناس حتى خشيت الله في اللين, واشتددت حتى خشيت الله في الشدة, فأين المخرج؟ وقام يجر رداءه وهو يبكي، خرجه في فضائله. وروي عنه أنه قرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ١ حتى بلغ: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ ٢ فخر مغشيًّا عليه وبقي أيامًا يعاد. وروي عنه أنه خرج يومًا ومعه عبد الرحمن بن مسعود, فإذا هو بضوء نار فاتبع الضوء حتى دخل دارًا, فإذا شيخ جالس وبين يديه شراب وقينة تغنيه فلم يشعر حتى هجم عمر فقال: ما رأيت كالليلة أقبح من شيخ ينتظر أجله! فرفع الشيخ رأسه وقال: بل ما صنعت يا أمير المؤمنين أقبح؛ إنك تجسست وقد نهى الله تعالى عن التجسس, وإنك دخلت بغير إذن وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال عمر: صدقت ثم خرج عاضا على ثوبه ويقول: ثكلت عمر أمه إن لم يغفر له ربه، قال: وهجر الشيخ مجالس عمر حينًا ثم إنه جاءه شبيه المستحي فقال له: ادن مني فدنا منه فقال له: والذي بعث محمدًا بالحق ما أخبرت أحدًا من الناس بالذي رأيت منك ولا ابن مسعود وكان معي، فقال الشيخ: وأنا والذي بعث محمدًا بالحق ما عدت إليه إلى أن جلست هذا المجلس, خرجهما في فضائله. وعن عمر أنه أرسل إلى عبد الرحمن بن عوف يستسلفه أربعمائة

стр. 370

درهم فقال عبد الرحمن: أتستسلفني وعندك المال ألا تأخذ منه ثم ترده؟ فقال عمر: إني أتخوف أن يصيبني قدري فتقول أنت وأصحابك: اتركوها لأمير المؤمنين حتى تؤخذ من ميزاني يوم القيامة, ولكن أستلفها منك لما أعلم من شحك, فإذا مت جئت فاستوفيتها من ميراثي, خرجه القلعي. وعن جابر بن عبد الله قال: رأى عمر بن الخطاب لحمًا ملقى في يدي فقال: ما هذا يا جابر؟ قال: اشتهيت لحمًا فاشتريته فقال عمر: أوكلما اشتهيت اشتريت يا جابر؟ ما تخاف الآية يا جابر: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ خرجه الواحدي مسندًا. ذكر محاسبته نفسه: عن أنس بن مالك قال: سمعت عمر بن الخطاب وخرجت معه حتى دخل حائطًا فسمعته وبيني وبينه جدار وهو في جوف الحائط: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ, والله لتتقين الله بني الخطاب أو ليعذبنك, خرجه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس, وروى أنه كان يقول: ما صنعت اليوم؟ صنعت كذا صنعت كذا, ثم يضرب ظهره بالدرة, خرجه في فضائله. ذكر ورعه: عن المسور بن مخرمة قال: كنا نلتزم عمر نتعلم منه الورع. وعن سلمة بن سعيد قال: أتي عمر بمال فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال: يا أمير المؤمنين لو حبست هذا المال في بيت المال لنائبة تكون، أو أمر يحدث فقال: فقال كلمة ما عرض بها الشيطان لقاني الله حجتها ووقاني فتنتها أعصي الله العام مخافة قابل أعد لهم تقوى الله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ وتكون فتنة على من بعدي, خرجه الفضائلي. وعن ابن عمر أن عمر فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف أربعة آلاف, وفرض لابن عمر ثلاثة

стр. 371

وخمسمائة فقيل له: هو من المهاجرين فلِمَ تنقصه عن أربعة آلاف؟ قال: إن من هاجر به أبوه ليس هو كمن هاجر بنفسه، خرجه البخاري. وعنه١ قال: اشتريت إبلًا وارتجعتها إلى الحمى فلما سمنت قدمت بها قال: فدخل عمر السوق فرأى إبلًا سمانًا فقال: لمن هذه؟ فقيل: لعبد الله بن عمر, فجعل يقول: يا عبد الله بخ بخ, ابن أمير المؤمنين قال: فجئته أسعى فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟ قال: ما هذه الإبل? فقلت: إبلًا أنضاء اشتريتها وبعثت بها الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون، قال: فقال: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر، اغد على رأس مالك واجعل باقيه في بيت مال المسلمين، خرجه الفضائلي. "شرح" بخ بخ قد تكررت، قال أبو بكر: معناه تعظيم الأمر وتفخيمه, وسكنت الخاء فيه كما سكنت في هل وبل، ويقال: بالخفض والتنوين تشبيهًا بالأصوات كصه، ويقال: بخ بخ بتشديد الخاء في الأولى. وقال ابن السكيت: بخ بخ وبه به بمعنى واحد, أنضاء: جمع نضو وهو البعير المهزول والناقة نضوة, وقد أنضتها الأسفار فهي منضاة. وعن قتادة قال: قدم بريد ملك الروم على عمر، فاستقرضت امرأة عمر دينارًا فاشترت به عطرًا وجعلته في قوارير، وبعثت به مع البريد إلى امرأة ملك الروم، فلما أتاها فرغتهن وملأتهن جواهر وقالت: اذهب به إلى امرأة عمر، فلما أتاها فرغتهن على البساط فدخل عمر فقال: ما هذا? فأخبرته, فأخذ عمر الجوهر فباعه ودفع إلى امرأته دينارًا وجعل ما بقي من ذلك في بيت مال المسلمين، خرجه الفضائلي. "شرح" البريد: الرسول. وعن الأحنف بن قيس قال: سمعت عمر يقول: لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتان حلة للشتاء وحلة للصيف

стр. 372

وما أحج به وأعتمر عليه من الظهور وقوت أهلي كرجل من قريش, ليس بأغناهم ولا بأفقرهم, ثم أنا برجل من المسلمين، خرجه أيضًا الفضائلي وخرجه القلعي وزاد بعد وأنا رجل من المسلمين: يصيبني ما أصابهم. عن البراء بن معرور أن عمر خرج يومًا حتى أتى المنبر، وكان قد اشتكى شكوى فنعت له العسل وفي بيت المال عكة فقال: إن أنتم أذنتم لي فيها أخذتها وإلا فإنها علي حرام, فأذنوا له، خرجه الرازي والفضائلي. وعن عاصم بن عمر عن عمر أنه قال: لا أجده يحل لي أن آكل من مالكم هذا إلا كما كنت آكل من صلب مالي الخبز والزيت, والخبز والسمن قال: فكان ربما أتي بالحفنة قد صنعت بزيت وما يليه بسمن، فيعتذر إلى القوم فيقول: إني رجل عربي ولست أستمرئ هذا الزيت. وعنه أن عمر لما زوجه أنفق عليه من مال الله شهرًا ثم قال: يا يرفأ اضرب عنه، ثم دعاني فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أي بني، قد نحلتك من مالي بالعالية، فانطلق إليه فأجدده ثم بعه ثم استنفق وأنفق على أهلك، خرجهما أبو معاوية الضرير. وعن أبي سنان الدؤلي أنه دخل على عمر بن الخطاب وعنده نفر من المهاجرين الأولين, فأرسل إلى سفط أتى به من قلعة من العراق فكان فيه خاتم, فأخذه بعض بنيه فأدخله في فمه فانتزعه عمر منه ثم بكى عمر، فقال له من عنده: لم تبكي وقد فتح الله لك وأظهرك على عدوك وأقر عينك? فقال عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة" فأنا أشفق من ذلك، خرجه أحمد. وروي أن عمر أتي بمسك فأمر أن يقسم بين المسلمين، ثم سد أنفه فقيل له في ذلك، فقال: وهل ينتفع إلا بريحه? ودخل يوما على زوجته فوجد معها ريح المسك، فقال: ما هذا? قالت: إني بعت في مسك في بيت مال المسلمين وزنت بيدي، فلما وزنت مسحت

стр. 373

إصبعي في قناعي، فقال: ناوليني قناعك, فأخذه فصب عليه الماء فلم يزل يدلكه في التراب ويصب عليه الماء حتى ذهب ريحه، خرجهما الملاء في سيرته. وعن عمر قال: حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده, فأردت أن أشتريه فظننت أنه يبيعه برخص فسألت رسول الله ﷺ فقال: "لا تشتره ولا تعد في صدقتك ولو أعطاكه بدرهم؛ فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه" أخرجاه وهذا الحكم من باب الورع, وإلا فالجواب متفق عليه. وعن أنس قال: قرأ عمر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ١ قال: فما الأب? ثم قال: ما كلفنا وما أمرنا بهذا، خرجه البخاري. عنه قال: كنا مع عمر وعليه قميص وفي ظهره أربع رقع، فسئل عن هذه الآية ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: ما الأب؟ ثم قال: مه! قد نهينا عن التكلف، ثم قال: يا عمر, إن هذا لمن التكلف وما عليك ألا تدري ما الأب, خرجه البغوي والمخلص الذهبي. وعن سعيد بن المسيب قال: سئل عمر عن قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ ٢ قال: هي الرياح ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته, قيل: ﴿فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا﴾ ٣ قال: السحاب ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. قيل: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ ٤ قال: السفن ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قتله. قيل: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ ٥ قال: هي الملائكة ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته, خرجه في فضائله. ذكر تواضعه: وقد تقدم في أول الفصل في النثر منه طرف صالح من ذلك.

стр. 374

وروي عنه أنه كان إذا قيل له: اتق الله, فرح وشكر قائله. وكان يقول: رحم الله امرأ أهدى إلينا عيوبنا, خرجه في فضائله. وعن طارق بن شهاب قال: قدم عمر بن الخطاب الشام فلقيه الجنود وعليه إزار وخفان وعمامة وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء قد خلع خفيه, وجعلهما تحت إبطه قالوا له: يا أمير المؤمنين, الآن تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على هذه الحال؟! قال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام, فلا نلتمس العز من غيره, خرجه الملاء وصاحب الفضائل. وعن عبد الله بن عمر أن عمر حمل قربة على عاتقه فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين, ما حملك على هذا? قال: إن نفسي أعيتني فأردت أن أذلها, خرجه الفضائلي أيضًا. وعن زيد بن ثابت قال: رأيت على عمر مرقعة فيها سبع عشرة رقعة, فانصرفت إلى بيتي باكيًا ثم عدت في طريقي فإذا عمر وعلى عاتقه قربة ماء وهو يتخلل الناس، فقلت: يا أمير المؤمنين! فقال لي: لا تتكلم وأقول لك، فسرت معه حتى صبها في بيت عجوز وعدنا إلى منزله فقلت له في ذلك فقال: إنه حضرني بعد مضيك رسول الروم ورسول الفرس فقالوا: لله درك يا عمر! قد اجتمع الناس على علمك وفضلك وعدلك، فلما خرجوا من عندي تداخلني ما يتداخل البشر فقمت ففعلت بنفسي ما فعلت. وعن محمد بن عمر المخزومي عن أبيه قال: نادى عمر بالصلاة جامعة, فلما اجتمع الناس وكثروا صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على محمد ﷺ ثم قال: أيها الناس لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم فيقبض لي من التمر والزبيب, فأظل يومي وأي يوم ثم نزل. قال عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين, ما زدت على أن قميت نفسك -يعني عبت- قال: ويحك يابن عوف! إني خلوت بنفسي

стр. 375

فحدثتني قالت: أنت أمير المؤمنين فمن ذا أفضل منك? فأردت أن أعرفها نفسها. خرجه الفضائلي أيضًا. وروي عنه أنه قال في انصرافه من حجته التي لم يحج بعدها: الحمد لله ولا إله إلا الله, يعطي من يشاء ما يشاء، لقد كنت بهذا الوادي -يعني- ضجنان أرعى إبلًا للخطاب, وكان فظا غليظا يتعبني إذا عملت, ويضربني إذا قصرت, قد أصبحت وأمسيت وليس دون الله أحد أخشاه. "شرح" ضجنان: بناحية مكة. وروي أنه قال يومًا على المنبر: يا معاشر المسلمين, ماذا تقولون لو ملت برأسي إلى الدنيا كذا -وميل رأسه- فقام إليه رجل فسل سيفه وقال: أجل! كنا نقول بالسيف كذا -وأشار إلى قطعه- فقال: إياي تعني بقولك? قال: نعم إياك أعني بقولي، فنهره عمر ثلاثًا وهو ينهر عمر، فقال عمر: رحمك الله! الحمد لله الذي جعل في رعيتي من إذا تعوجت قومني، خرجه الملاء في سيرته. وعن عمر قال: تأيمت حفصة من خنيس بن حذيفة السهمي وكان ممن شهد بدرًا، فلقيت عثمان بن عفان فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة، فقال: أنظر ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا, فلقيت أبا بكر فعرضت عليه فصمت، ثم ذكر تزويجها من النبي ﷺ وسيأتي في مناقب حفصة من كتاب١ مناقب أمهات المؤمنين. وعن محمد بن الزبير عن شيخ التقت ترقوتاه من الكبر يخبره أن عمر استفتى في مسألة فقال: اتبعوني حتى انتهى إلى علي بن أبي طالب فقال: مرحبًا يا أمير المؤمنين, فذكر له المسألة, فقال: ألا أرسلت لي? فقال: أنا

стр. 376

أحق بإتيانك، خرجه ابن البختري في حديث طويل سنذكره في فضائل علي. وروي أن عمر جاءه برد من اليمن وكان من جيد ما حمل إليه، فلم يدر لمن يعطيه من الصحابة، إن أعطاه واحدًا غضب الآخر ورأى أن قد فضله عليه، فقال عند ذلك: دلوني على فتى من قريش نشأ نشأة حسنة، فسموا له المسور بن مخرمة؛ فدفع الرداء إليه، فنظر إليه سعد فقال له: ما هذا الرداء? قال: كسانيه أمير المؤمنين فجاء معه إلى عمر فقال له: تكسوني هذا الرداء وتكسو ابن أخي مسورا أفضل منه? فقال له: يا أبا إسحاق إني كرهت أن أعطيه رجلًا كبيرًا فتغضب أصحابه فأعطيته من نشأ نشأة حسنة، لا تتوهم أني أفضله عليكم، قال سعد: فإني قد حلفت لأضربن بالرداء الذي أعطيتني رأسك، فخضع له عمر رأسه وقال له: يا أبا إسحاق, وليرفق الشيخ بالشيخ. وعن أسيد بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن يسألهم: أفيكم أويس بن عامر? حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر? قال: نعم!! قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم!! قال: فكان بك برص فبرئت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم! قال: ألك والدة? قال: نعم, قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن, من مراد ثم من قرن, كان به برص فبرئ منه إلا موضع درهم، له والدة هو لها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل لي" فاستغفر له فقال له عمر: أين تريد? قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها? قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي، قال: فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم فوافق عمر فسأله عن أويس فقال: تركته رث البيت قليل المتاع، قال: سمعت رسول الله ﷺ وذكر الحديث، ثم قال له: فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل، فأتى أويسًا فقال: استغفر لي، فقال: أنت أحدث عهد بسفر

стр. 377

صالح فاستغفر لي، قال: استغفر لي، قال: أنت أحدث عهد بسفر صالح فاستغفر لي، قال: لقيت عمر? قال: نعم فاستغفر له، ففطن له الناس فانطلق على وجهه. خرجه مسلم. "شرح" الغبرات: البقايا, الواحد: غابر, ثم يجمع على غبراء ثم غبرات جمع الجمع. ذكر شفقته على رعيته وتفقد أحوالهم وإنصافه لهم ونصحه إياهم: عن قيس بن أبي حازم قال: كان عطاء البدريين خمسة آلاف خمسة آلاف فقال عمر: لأفضلنهم على من بعدهم. خرجه البخاري. وعن أبي هريرة قال: قدمت من البحرين فسألني عمر عن الناس فأخبرته، ثم قال: ماذا جئت به? فقلت: خمسمائة ألف، قال: ويحك!! هل تدري ما تقول? قلت: نعم مائه ألف، ومائة ألف، ومائة ألف، ومائة ألف ومائة ألف، فقال: إنك ناعس، ارجع إلى أهلك فنم، فلما أصبحت طلبني فأتيته فقال: ماذا جئت به? قلت: جئت بخمسمائة ألف، قال: ويحك!! هل تدري ما تقول? قلت: نعم مائة ألف وعددتها خمس مرات، فقال: أطيب? قلت: لا أعلم إلا ذاك، قال: فدون الديوان وفرض للمهاجرين خمسة آلاف وأربعة آلاف, ولأمهات المؤمنين اثني عشر ألفًا. وعن عدي بن حاتم قال: أتيت عمر في أناس من قومي فجعل يفرض للرجل من طيئ في ألفين ويعرض عني، قال: فاستقبلته فأعرض عني، ثم أتيته من حيال وجهه فأعرض عني، قال: فاستقبلته فأعرض عني، قال: قلت: يا أمير المؤمنين, أتعرفني? قال: فضحك ثم قال: والله إني لأعرفك, آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه صدقة طيئ،

стр. 378

حيث جئت بها رسول الله ﷺ ثم أخذ يعتذر له, ثم قال: إنما فرضت لأقوام أجحفت بهم الفاقة وهم سادات عشائرهم لما ينوب من الحتوف، قال عدي: فلا أبالي إذًا. خرجه البخاري بتمامه، وهو لمسلم مختصر. وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب بعسفان -وكان قد استعمله على مكة- فقال: من استعملت على أهل الوادي? قال: ابن أبزي? قال: ومن ابن أبزي? فقال: مولى من موالينا، فقال: استعملت عليهم مولى? فقال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب قومًا ويضع به آخرين". خرجه مسلم. وعن ليث بن أبي سليمان قال: بلغني أن عمر بن الخطاب عوتب في جهده نهارًا في أمور الناس, وفي إجهاده ليلًا في أمور آخرته فقال لهم: إن أنا نمت نهاري ضاعت الرعية، وإن نمت ليلي ضيعت نفسي، فكيف بالنوم معهما?! خرجه نظام الملك في أماليه. وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: خرجت مع عمر إلى السوق فلحقته امرأة شابة فقالت: يا أمير المؤمنين هلك زوجي وترك صبية صغارًا، والله ما ينضجون كراعًا ولا لهم ضرع ولا زرع وخشيت عليهم الضيعة، وأنا ابنة خفاف بن أيمن الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع رسول الله ﷺ فوقف معها ولم يمض وقال: مرحبًا بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطًا في الدار فحمل عليه غرارتين ملأهما طعامًا وجعل بينهما نفقة وثيابًا، ثم ناولها خطامه فقال: اقتاديه فلن يفنى هذا حتى يأتيكم الله بخير، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين أكثرت لها، فقال: ثكلتك أمك!! والله إني لأرى أبا هذه وأخاه وقد حاصرا حصنًا زمانًا فافتتحاه, ثم أصبحنا نستفيء سهامهما. خرجه البخاري. "شرح" ظهير أي: قوي وناقة ظهير، وأصله من الظهير: المعين.

стр. 379

ومنه: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ . وعنه أن عمر بن الخطاب طاف ليلة فإذا بامرأة في جوف دار لها حولها صبيان يبكون، وإذا قدر على النار قد ملأتها ماء, فدنا عمر من الباب فقال: يا أمة الله!! لأي شيء بكاء هؤلاء الصبيان? فقالت: بكاؤهم من الجوع، قال: فما هذه القدر التي على النار? قالت: قد جعلت فيها ماء أعللهم بها حتى يناموا وأوهمهم أن فيها شيئًا، فجلس عمر يبكي، ثم جاء إلى دار الصدقة وأخذ غرارة وجعل فيها شيئًا من دقيق وسمن وشحم وتمر وثياب ودراهم حتى ملأ الغرارة ثم قال: أي أسلم، احمل علي، قلت: يا أمير المؤمنين أنا أحمله عنك، قال: لا أم لك يا أسلم، أنا أحمله لأني المسئول عنه في الآخرة، قال: فحمله على عاتقه حتى أتى به منزل المرأة وأخذ القدر وجعل فيها دقيقًا وشيئًا من شحم وتمر، وجعل يحركه بيده وينفخ تحت القدر -وكانت لحيته عظيمة فرأيت الدخان يخرج من خلال لحيته- حتى طبخ لهم، ثم جعل يغرف بيده ويطعمهم حتى شبعوا ثم خرج. خرجه الفضائلي. وعنه أن عمر كان يصوم الدهر وكان زمان الرمادة إذا أمسى أتي بخبز قد ثرد بالزيت إلى أن نحر يومًا من الأيام جزورًا فأطعمها الناس وغرفوا له طيبها، فأتي به فإذا قدر من سنام ومن كبد، فقال: أي هذا? فقالوا: يا أمير المؤمنين من الجزور التي نحرنا اليوم، قال: بخ بخ!! بئس الوالي أنا!! أكلت طيبها وأطعمت الناس كراديسها، ارفع هذه الجفنة، هات لنا غير هذا الطعام، فأتي بخبز وزيت فجعل يكسر بيده ويثرد ذلك الخبز، ثم قال: ويحك يا يرفأ! احمل هذه الجفنة حتى تأتي بها أهل بيت بتمغ, فإني لم آتهم منذ ثلاثة أيام أحسبهم مقفرين، فضعها بين أيديهم. خرجه صاحب الصفوة. "شرح" الرمادة: الهلاك، يشير -والله أعلم- إلى زمن القحط.

стр. 380

والقدر: القطع جمع قدرة، وهي القطعة من اللحم إذا كانت مجتمعة, وتمغ اسم مال لعمر، وقد تقدم بخ بخ تقدم شرحه أيضًا في ذكر الورع. وروي أنه عام الرمادة لما اشتد الجوع بالناس وكان لا يوافقه الشعير والزيت ولا التمر وإنما يوافقه السمن، فحلف لا يأتدم بالسمن حتى يفتح على المسلمين عامه هذا، فصار إذا أكل خبز الشعير والتمر بغير أدم يقرقر بطنه في المجلس فيضع يده عليه ويقول: إن شئت قرقر, وإن شئت لا تقرقر، ما لك عندي أدم حتى يفتح الله على المسلمين. وروي أن زوجته اشترت له سمنًا فقال: ما هذا? قالت: من مالي ليس من نفقتك، قال: ما أنا بذائقه حتى يجيء الناس. خرجهما في فضائله. وعن أبي هريرة قال: خرج عمر عام الرمادة فرأى نحوًا من عشرين بيتًا من محارب، فقال عمر: ما أقدمكم? قالوا: الجهد، قال: وأخرجوا لنا جلد ميتة مشويا كانوا يأكلونه ورمة العظام يسحقونها ويسفونها، قال: فرأيت عمر طرح رداءه ثم نزل يطبخ لهم ويطعم حتى شبعوا، ثم أرسل أسلم إلى المدينة فجاءه بأبعرة, فحملهم عليها ثم كساهم, ثم لم يزل يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك. وعن١ ... أن عمر خرج حاجا في نفر من أصحابه حتى بلغ الأبواء, إذا هو بشيخ على قارعة الطريق فقال الشيخ: يا أيها الركب قفوا, فوقفوا له، وقال عمر: قل يا شيخ قال: أفيكم رسول الله ﷺ ? قالوا: لا وقد توفي! قال: أوقد توفي? قالوا" نعم, فبكى حتى ظننا أن نفسه ستخرج من جنبيه، ثم قال: من ولي الأمة بعده؟ قالوا: أبو بكر، قال: نجيب بني تيم؟ قالوا: نعم، قال: أفيكم هو? قالوا: لا وقد توفي. قال: توفي! قالوا: نعم, فبكى حتى سمعنا لبكائه نشيجًا، وقال: من ولي الأمة

стр. 381

بعده? قالوا: عمر بن الخطاب، قال: فأين كانوا من أبيض بني أمية -يريد عثمان بن عفان- فإنه كان ألين جانبًا وأقرب؟! ثم قال: إن كانت صداقة أبي بكر لعمر لمسلمة إلى خير، أفيكم هو? قالوا: هو الذي منذ اليوم يكلمك، قال: أغثني, فإني لم أجد مغيثًا، قال: ومن أنت بلغك الغوث? قال: أنا أبو عقيل أحد بني مليك، لقيت رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام فآمنت به وصدقت بما جاء به، فسقاني شربة سويق شرب رسول الله ﷺ أولها وشربت آخرها، فما برحت أجد شبعها إذا جعت وريها إذا عطشت وبردها إذا سخنت, ثم يممت في رأس الأبيض أنا وقطعة غنم، أصلي في يومي وليلتي خمس صلوات وأصوم شهرًا هو رمضان, وأذبح شاة بعشر ذي الحجة أنسك بها حتى إذا أتت علينا السنة فما أبقت لنا منها غير شاة واحدة ننتفع بدرها, فأكلها الذئب البارحة الأولى فأدركنا زكاتها وأكلناها وبلغناك فأغث أغاثك الله، قال عمر: بلغك الغوث بلغك الغوث، أدركني على الماء، قال الراوي: فنزلنا المنزل وأصبنا من فضل أزوادنا, فكأني أنظر إلى عمر متقنعًا على قارعة الطريق، آخذًا بزمام ناقته لم يطعم طعامًا ينتظر الشيخ ويرمقه، فلما رحل الناس دعا عمر صاحب الماء فوصف له الشيخ وقال: إذا أتى عليك فأنفق عليه وعلى عياله حتى أعود عليك إن شاء الله تعالى, قال: فقضينا حجنا وانصرفنا، فلما نزلنا المنزل دعا عمر صاحب الماء فقال: هل أحسنت إلى الشيخ? قال: نعم يا أمير المؤمنين، أتاني وهو موعدك فمرض عندي ثلاثًا ومات فدفنته وهذا قبره، فكأني أنظر إلى عمر وقد وثب مباعدًا ما بين خطاه حتى وقف على القبر فصلى عليه ثم اعتنقه وبكى، ثم قال: كره الله له صلتكم واختار له ما عنده، ثم أمر بأهله فحملوا فلم يزل ينفق عليهم حتى قبض ﵁. وروي عنه أنه كان إذا جاءه وفد من الأقطار استخبرهم عن أحوال الناس فيقولون: أما البلد الفلاني فإنهم يرهبون أمير المؤمنين ويخافون

стр. 382

سطوته ويحذرون عقوبته، وأما البلد الفلاني فإنهم قد جمعوا من الأموال ما لا تحمله السفن وهم موجهون بها إليك، وأما البلد الفلاني فقد وجدنا بها عابدًا في زاوية من زوايا المسجد ساجدًا يقول في سجوده: "اللهم اغفر لأمير المؤمنين عمر زلته, وارفع درجته" فيقول عمر: أما من خافني فلو أريد بعمر خير لما أخيف منه، وأما الأموال فلبيت مال المسلمين ليس لعمر ولا لآل عمر فيها شيء، وأما الدعاء الذي سمعتم بظهر الغيب فإن ما أرجو أن يعيد الله من بركات الصالحين ودعواتهم علي فيغفر لي. وعن عروة بن رويم قال: بينما عمر بن الخطاب يتصفح الناس يسألهم عن أمراء أجنادهم إذ مر بأهل حمص فقال: كيف أنتم وكيف أميركم? قالوا: خير أمير يا أمير المؤمنين, إلا أنه قد بنى علية يكون فيها, فكتب كتابًا وأرسل بريدًا وأمره إذا جئت باب عليته فاجمع حطبًا وأحرق باب عليته، فلما قدم جمع حطبًا وأحرق باب العلية، فدخل عليه الناس وذكروا أن ههنا رجلًا يحرق باب عليتك فقال: دعوه فإنه رسول أمير المؤمنين، ثم دخل عليه فناوله الكتاب فلم يضع الكتاب من يده حتى ركب، فلما رآه عمر قال: احبسوه عني في الشمس ثلاثة أيام، فحبس عنه ثلاثة حتى إذا كان بعد ثلاثة قال: يابن قرط ألحقني إلى الحرة -وفيها إبل الصدقة وغنمها- حتى إذا جاء الحرة ألقى عليه ثمرة وقال: انزع ثيابك واتزر بهذه ثم ناوله الدلو فقال: اسق هذه الإبل فلم يفرغ حتى لغب، فقال: يابن قرط متى كان عهدك بهذا? قال: مليا يا أمير المؤمنين، قال: فلهذا بنيت العلية وأشرفت بها على المسلمين والأرملة واليتيم، ارجع إلى عملك ولا تعد. لغب أي: تعب، ومنه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ مليا أي: زمانًا وحينًا. وعن إبراهيم أن عمر كان إذا بلغه عن عامله أنه لا يعود المريض ولا يدخل عليه الضعيف نزعه. خرجهما سعيد بن منصور في سننه.

стр. 383

وعن ابن عمر قال: قدمت رفقة من التجار فنزلوا المصلى فقال عمر لعبد الرحمن: هل لك أن تحرسهم الليلة من السرق? فباتا يحرسانهم ويصليان ما كتب الله لهما، فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه فقال لأمه: اتقي الله وأحسني إلى صبيك، ثم عاد إلى مكانه فسمع بكاءه فعاد إلى أمه فقال لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه, فلما كان من آخر الليل سمع بكاءه فأتى إلى أمه وقال: ويحك! إني لأراك أم سوء، ما لي لا أرى ابنك لا يقر منذ الليلة? قالت: يا عهد الله قد أبرمتني منذ الليلة، إني أربعه على الفطام فيأبى، قال: ولم? قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للمفطم، قال: فكم له? قالت: كذا وكذا شهرًا، قال: لا تعجليه، فصلى الفجر وما يستبين الناس ثم غلبه البكاء، فلما سلم قال: يا بؤسا لعمر، كم قتل من أولاد المسلمين؟! ثم أمر مناديًا ينادي أن لا تعجلوا صبيانكم على الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وكتب بذلك إلى الآفاق أن يفرض لكل مولود في الإسلام. خرجه صاحب الصفوة. "شرح" أبرمتني: أضجرتني, أربعه: أحبسه وأمرنه, البؤسى: خلاف النعي. وروي أن عمر جاءته برود من اليمن ففرقها على الناس بردًا بردًا, ثم صعد المنبر يخطب وعليه حلة منها فقال: اسمعوا رحمكم الله! فقام إليه رجل من القوم فقال: والله لا نسمع، والله لا نسمع، فقال: ولم يا عبد الله؟! قال: لأنك يا عمر تفضلت علينا بالدنيا، فرقت علينا بردًا بردًا وخرجت تخطب في حلة منها، فقال: أين عبد الله بن عمر? فقال: ها أنا يا أمير المؤمنين، فقال: لمن أحد هذين البردين اللذين عليّ? قال: لي، فقال للرجل: عجلت علي يا عبد الله، إني كنت غسلت ثوبي الخلق فاستعرت ثوب عبد الله، قال: قل الآن: نسمع ونطيع. خرجه الملاء في سيرته.

стр. 384

وعن أنس بن مالك: بينما أمير المؤمنين عمر يعسّ ذات ليلة إذ مر بأعرابي جالس بفناء خيمة فجلس إليه يحدثه ويسأله ويقول له: ما أقدمك هذه البلاد? فبينما هو كذلك إذ سمع أنينًا من الخيمة فقال: من هذا الذي أسمع أنينه? فقال: أمر ليس من شأنك، امرأة تمخض، فرجع عمر إلى منزله وقال: يا أم كلثوم شدي عليك ثيابك واتبعيني، قال: ثم انطلق حتى انتهى إلى الرجل فقال له: هل لك أن تأذن لهذه المرأة أن تدخل عليها فتؤنسها، فأذن لها فدخلت فلم يلبث أن قالت: يا أمير المؤمنين بشر صاحبك بغلام، فلما سمع قولها أمير المؤمنين وثب من حينه فجلس بين يديه وجعل يعتذر إليه فقال: لا عليك!! إذا أصبحت فأتنا فلما أصبح أتاه ففرض لابنه في الذرية وأعطاه. وعن ... أن عمر لما رجع من الشام إلى المدينة انفرد عن الناس ليعرف أخبارهم فمر بعجوز في خبائها فقصدها فقالت: يا هذا ما فعل عمر؟ قال: هو ذا قد أقبل من الشام، قالت: لا جزاه الله عني خيرًا، قال: ويحك! ولم? قالت: لأنه والله ما نالني من عطائه منذ ولي إلى يومنا هذا دينار ولا درهم، فقال: ويحك ما يدري عمر حالك, وأنت في هذا الموضع? فقالت: سبحان الله ما ظننت أن أحدًا يلي على الناس ولا يدري ما بين مشرقها ومغربها! قال: فأقبل عمر وهو يبكي ويقول: وا عمراه! وا خصوماه! كل واحد أفقه منك يا عمر، ثم قال لها: بكم تبيعيني ظلامتك منه فإني أرحمه من النار؟ قالت: لا تهزأ بنا يرحمك الله، قال لها عمر: ليس بهزء، فلم يزل بها حتى اشترى ظلامتها بخمسة وعشرين دينارًا، فبينا هو كذلك إذ أقبل علي بن أبي طالب وابن مسعود فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين, فوضعت المرأة يدها على رأسها وقالت: وا سوءتاه!! شتمت أمير المؤمنين في وجهه، فقال لها عمر: لا عليك يرحمك الله، قال: ثم طلب عمر قطعة جلد يكتب فيه فلم يجد, فقطع قطعة من فروة كان لبسها وكتب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا ما اشترى عمر من فلانة ظلامتها منذ

стр. 385

ولي إلى يومنا بخمسة وعشرين دينارًا، فما تدعي عند وقوفي في المحشر بين يدي الله فعمر منه بريء، شهد على ذلك علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، ثم دفع الكتاب إلى علي وقال: إذا أنا تقدمتك, فاجعلها في كفني. وعن الأوزاعي أن عمر بن الخطاب خرج في سواد الليل فرآه طلحة, فذهب عمر فدخل بيتًا ثم دخل بيتًا آخر فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت, فإذا بعجوز عمياء مقعدة فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك? قالت: إنه معاهدي منذ كذا وكذا بما يصلحني, ويخرج عني الأذى فقال طلحة: ثكلتك أمك! أعثرات عمر تتبع? خرجه صاحب الصفوة والفضائلي. وعن ... ١ أن عمر كان يخرج ظاهر المدينة ويتفقد أحوال الناس, فصلى الظهر تحت شجرة بعيدة من المدينة ثم وضع رأسه يستريح تحتها ساعة, فمر به رجل٢ كافر ووقف على رأسه وقال: أحسنت يا عمر عدلت فنمت، فلما استيقظ قبل رجليه وأسلم، فبكى عمر وقال: يا رب, هلك عمر إن لم ترحمه. وعن ابن عمر أن عمر رأى رجلًا يحتش في الحرم فقال: أما علمت أن رسول الله ﷺ نهى عن هذا? قال: لا، وشكا إليه الحاجة فرثى له وأمر له بشيء، خرجه المخلص الذهبي. وعن عبد الله بن جعفر قال: رأيت عمر بن الخطاب وإنه ليدعو بالإناء فيه الماء فيعطيه معيقيبًا -وكان رجلًا قد أسرع فيه ذلك الوجع- فيشرب منه ثم يتناوله عمر من يده, فيتيمم بفمه موضع فمه حتى يشرب منه، فعرف أنه إنما يصنع ذلك فرارًا من أن يدخل نفسه في شيء من

стр. 386

العدوى، قال: وكان يطلب له الطب من كل من يسمع له بطب حتى قدم عليه رجلان من أهل اليمن فقال: هل عندكما من طب لهذا الرجل الصالح, فإن هذا الوجع قد أسرع فيه? قالا: ما شيء يذهبه، فإنا لا نقدر عله، ولكنا نداويه بدواء يقفه فلا يزيد، قال عمر: عافية عظيمة أن يقف فلا يزيد، قالا: هذا ينبت في أرضك هذا الحنظل، قال: نعم، قالا: فاجمع لنا منه، قال: فأمر عمر فجمع له منه مكتلان عظيمان، قال: فعمد إلى كل حنظلة فقطعاها باثنين ثم أضجعا معيقيبًا فأخذ كل واحد منهما بإحدى قدميه, ثم جعلا يدلكان بطون قدميه بالحنظل حتى إذا محقت أخذا أخرى حتى رأينا معيقيبًا ينتخمه، أخضر مرا، ثم أرسلاه فقالا لعمر: لا يزيد وجعه هذا أبدًا، وقال: فوالله ما زال معيقيب منها متماسكًا ما يزيد وجعه حتى مات. خرجه أبو مسعود أحمد بن الفرات الضبي. وعن ابن عمر قال: كتب عمر بن الخطاب فيمن غاب من الرجال من أهل المدينة عن نسائهم أن يردوهم: فليرجعوا إليهن أو يطلقوهن أو ليبعثوا إليهن بالنفقة، فمن طلق بعث نفقة ما ترك. خرجه الأبهري. وروي أنه كان يطوف ليلة في المدينة, فسمع امرأة تقول: ألا طال هذا الليل وازورَّ جانبه ... وليس إلى جنبي خليل ألاعبه فوالله لولا الله تخشى عواقبه ... لزعزع من هذا السرير جوانبه مخافة ربي والحياء يردني ... وأكرم بعلي أن تنال مراكبه ولكنني أخشى رقيبًا موكلا ... بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه فسأل عمر نساء: كم تصبر المرأة عن الرجل? فقلن: شهرين، وفي الثالث يقل الصبر، وفي الرابع ينفد الصبر، فكتب إلى أمراء الأجناد: أن لا تحبسوا رجلًا عن امرأته أكثر من أربعة أشهر. وعن الشعبي قال: سمع عمر امرأة تقول:

стр. 387

دعتني النفس بعد خروج عمرو ... إلى اللذات تطلع اطلاعا فقلت لها: عجلت فلن تطاعي ... ولو طالت إقامته رباعا أحاذر أن أطيعك سب نفسي ... ومخزاة تجللني قناعا فقال لها عمر: ما الذي يمنعك من ذلك? قالت: الحياء وإكرام زوجي، قال عمر: إن في الحياة لهنات ذات ألوان؛ من استحى استخفى، ومن استخفى اتقى، ومن اتقى وقى. خرجه ابن أبي الدنيا. وعن ... ١ أن رجلًا من الموالي خطب إلى رجل من قريش أخته وأعطاها مالًا جزيلًا, فأبى القرشي من تزويجها، فقال له عمر: ما منعك أن تزوجه فإن له صلاحًا وقد أحسن عطية أختك? فقال القرشي: يا أمير المؤمنين إن لنا حسبًا وإنه ليس لها بكفء، فقال عمر: لقد جاءك بحسب الدنيا والآخرة؛ أما حسب الدنيا فالمال، وأما حسب الآخرة فالتقوى, زوج الرجل إن كانت المرأة راضية، فراجعها أخوها فرضيت فزوجها منه. ذكر محافظته على مال المسلمين ومباشرة ذلك بنفسه, ووصف عثمان وعلي ﵄ إياه بالقوة والأمانة ﵁: تقدم في صدر هذا الفصل في النثر طرف جيد، ثم في ذكر زهده وذكر ورعه طرف صالح منه، وكذلك تقدم في غضون الأحاديث كثير مما يتضمن معناه. وعن أبي بكر العبسي قال: دخلت مع عمر وعثمان وعلي مكان الصدقة فجلس عثمان في الظل يكتب، وقام علي على رأسه يملي عليه ما يقول عمر, وعمر قائم في الشمس في يوم شديد الحر، عليه بردتان سوداوان مؤتزر بواحدة وقد وضع الأخرى على رأسه، وهو يتفقد إبل الصدقة يكتب ألوانها وأسنانها، فقال علي لعثمان: أما سمعت قول ابنة

стр. 388

شعيب في كتاب الله ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ وأشار إلى عمر وقال: هذا القوي الأمين، خرجه المخلص وابن السمان في الموافقة. وعن محمد بن علي بن الحسين عن مولى لعثمان بن عفان قال: بينما أنا مع عثمان في مال له في العالية في يوم صائف إذ رأى رجلًا يسوق بكرين وعلى الأرض مثل الفراش من الحر، فقال عثمان: ما على هذا? فنظرت فقلت: أرى رجلًا معممًا بردائه يسوق بكرين ثم دنا الرجل فقال: انظر فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب فقلت: هذا أمير المؤمنين، فقام عثمان فأخرج رأسه من الباب فإذا لفح السموم فأعاد رأسه حتى إذا حاذاه قال: ما أخرجك هذه الساعة? فقال: بكران من إبل الصدقة تخلفا وقد مضى بإبل الصدقة, فأردت أن ألحقهما بالحمى وخشيت أن يضيعا فيسألني الله عنهما فقال عثمان: يا أمير المؤمنين هلم الماء والظل ونكفيك قال: عد إلى ظلك، فقلت: عندنا من يكفيك، فقال: عد إلى ظلك ومضى، فقال عثمان: من أحب أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا, خرجه الشافعي في مسنده. ذكر كتبه لعماله, وما كان يوصيهم ويأمرهم به: عن أسلم أن عمر استعمل مولى له على الصدقة يدعى هنيئًا فقال: يا هنيء, ضم جناحك عن الناس، واتق دعوة المظلوم فإنها مجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى زرع ونخل، وإن رب الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين أفتاركه أنا? لا أبا لك!! فالماء والمأكل أيسر من الذهب والفضة، وايم الله!! إنهم ليرون أنا قد ظلمناهم وإنها لبلادهم ومياههم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام, والله لولا أن المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت على

стр. 389

الناس من بلادهم شيئًا. خرجه البخاري. "شرح" الصريمة: تصغير الصرمة وهي القطعة من الإبل, وقوله الصريمة: تصغير الصرمة وهي القطعة من الإبل. وقوله: "لا أبا لك" قال الجوهري: هو مدح وكذا لا أم لك، وربما قالوا: لا أبا لك لأن اللام كالمقحمة، ومعناه: لا كافي لك يشبهك. قال في النهاية: وقد تذكر في بعض الذم لقولهم: لا أم لك. وعن خزيمة بن ثابت قال: كان عمر إذا استعمل عاملًا كتب عليه كتابًا وأشهد عليه رهطًا من المهاجرين والأنصار ثم يقول له: إني لم أستعملك على دماء المسلمين ولا على أعراضهم ولا على أستارهم, ولكن استعملتك لتقيم فيهم الصلاة وتقسم فيهم وتحكم بالعدل، ثم يشترط عليه أنه لا يأكل ولا يلبس رفيعًا ولا يركب برذونًا ولا يغلق بابه دون حاجات الناس. خرجه الفضائلي، وكان يأمر أصحابه بالتقشف فيقول لهم: "اخشوشنوا, واخشوشبوا". وعن سفيان بن عيينة أن سعد بن أبي وقاص كتب إلى عمر وهو على الكوفة يستأذنه في بناء منزل يسكنه, فكتب إليه: ابنِ ما يسترك من الشمس ويكنك من الغيث. خرجه الفضائلي أيضًا. وعن عروة بن رويم اللخمي قال: كتب ابن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح كتابًا يقرؤه على الناس بالجابية. أما بعد: فإنه لا يقيم أمرا في الناس إلا خصيف القعدة بعيد الغرة، ولا يطلع الناس منه على عورة، ولا يحنق في الحق على حرة، ولا يخاف في الله لومة لائم، والسلام عليك. وفي رواية: ولا يحابي في الحق على قرابة مكان, ولا يحنق في الحق على حرة.

стр. 390

"شرح" خصيف القعدة أي: مستحكمها، واستخصف الشيء: استحكم, الخصيف: الرجل المحكم العقل وكنى بذلك عمر عن الاشتداد في دين الله وقوة الإيمان، والغرة: الاعتماد. وكتب إليه أيضًا: أما بعد, فإني كتبت إليك كتابًا لم آلك ونفسي فيه خيرًا: الزم خمس خلال يسلم لك دينك وتحظ بأفضل حظك: إذا حضرك الخصمان فعليك بالبينات العدول والأيمان القاطعة, ثم أدن الضعيف حتى ينبسط لسانه ويجري قلبه, وتعاهد الغريب فإنه إذا طال حبسه ترك حاجته وانصرف إلى أهله، وإنما الذي أبطل حقه من لم يرفع به رأسًا، واحرص على الصلح ما لم يتبين لك القضاء، والسلام عليك. خرجه السمرقندي. وعن زيد الأيامي قال: كتب أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب: أما بعد, فإنا عهدناك وشأن نفسك لك مهم، فأصبحت اليوم وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك الشريف والوضيع والصديق والعدو، ولكل حصته من العدل، فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر؟ وإنا نحذرك ما حذرت الأمم قبلك، ونحذرك يومًا تعنو فيه الوجوه وتوجل فيه القلوب وتنقطع فيه الحجج لغرة ملك قاهر، هم له داخرون وينتظرون قضاءه ويخشون عقابه، وإنه كان يذكر لنا أنه سيأتي الناس زمان يكون إخوان العلانية فيه أعداء السريرة. وإنا نعوذ بالله أن ينزل كتابنا منك سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا، وإنما كتبنا به إليك والسلام. فكتب إليهما عمر: أما بعد, فإنه أتاني كتابكما, فكتبتما إلي أنكما عهدتماني وشأن نفسي إلي مهم وما يدريكما، وكتبتما إلي أني وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يدي الشريف والوضيع والعدو والصديق ولكل حصته من العدل، وإنه لا حول ولا قوة عند عمر إلا بالله وكتبتما تحذرانني ما حذرت الأمم من قبل، وإنما هو اختلاف الليل والنهار وآجال
следующие страницы →