العدوى، قال: وكان يطلب له الطب من كل من يسمع له بطب حتى قدم عليه رجلان من أهل اليمن فقال: هل عندكما من طب لهذا الرجل الصالح, فإن هذا الوجع قد أسرع فيه? قالا: ما شيء يذهبه، فإنا لا نقدر عله، ولكنا نداويه بدواء يقفه فلا يزيد، قال عمر: عافية عظيمة أن يقف فلا يزيد، قالا: هذا ينبت في أرضك هذا الحنظل، قال: نعم، قالا: فاجمع لنا منه، قال: فأمر عمر فجمع له منه مكتلان عظيمان، قال: فعمد إلى كل حنظلة فقطعاها باثنين ثم أضجعا معيقيبًا فأخذ كل واحد منهما بإحدى قدميه, ثم جعلا يدلكان بطون قدميه بالحنظل حتى إذا محقت أخذا أخرى حتى رأينا معيقيبًا ينتخمه، أخضر مرا، ثم أرسلاه فقالا لعمر: لا يزيد وجعه هذا أبدًا، وقال: فوالله ما زال معيقيب منها متماسكًا ما يزيد وجعه حتى مات. خرجه أبو مسعود أحمد بن الفرات الضبي.
وعن ابن عمر قال: كتب عمر بن الخطاب فيمن غاب من الرجال من أهل المدينة عن نسائهم أن يردوهم: فليرجعوا إليهن أو يطلقوهن أو ليبعثوا إليهن بالنفقة، فمن طلق بعث نفقة ما ترك. خرجه الأبهري.
وروي أنه كان يطوف ليلة في المدينة, فسمع امرأة تقول:
ألا طال هذا الليل وازورَّ جانبه ... وليس إلى جنبي خليل ألاعبه
فوالله لولا الله تخشى عواقبه ... لزعزع من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يردني ... وأكرم بعلي أن تنال مراكبه
ولكنني أخشى رقيبًا موكلا ... بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه
فسأل عمر نساء: كم تصبر المرأة عن الرجل? فقلن: شهرين، وفي الثالث يقل الصبر، وفي الرابع ينفد الصبر، فكتب إلى أمراء الأجناد: أن لا تحبسوا رجلًا عن امرأته أكثر من أربعة أشهر.
وعن الشعبي قال: سمع عمر امرأة تقول:
стр. 387
دعتني النفس بعد خروج عمرو ... إلى اللذات تطلع اطلاعا
فقلت لها: عجلت فلن تطاعي ... ولو طالت إقامته رباعا
أحاذر أن أطيعك سب نفسي ... ومخزاة تجللني قناعا
فقال لها عمر: ما الذي يمنعك من ذلك? قالت: الحياء وإكرام زوجي، قال عمر: إن في الحياة لهنات ذات ألوان؛ من استحى استخفى، ومن استخفى اتقى، ومن اتقى وقى. خرجه ابن أبي الدنيا.
وعن ... ١ أن رجلًا من الموالي خطب إلى رجل من قريش أخته وأعطاها مالًا جزيلًا, فأبى القرشي من تزويجها، فقال له عمر: ما منعك أن تزوجه فإن له صلاحًا وقد أحسن عطية أختك? فقال القرشي: يا أمير المؤمنين إن لنا حسبًا وإنه ليس لها بكفء، فقال عمر: لقد جاءك بحسب الدنيا والآخرة؛ أما حسب الدنيا فالمال، وأما حسب الآخرة فالتقوى, زوج الرجل إن كانت المرأة راضية، فراجعها أخوها فرضيت فزوجها منه.
ذكر محافظته على مال المسلمين ومباشرة ذلك بنفسه, ووصف عثمان وعلي ﵄ إياه بالقوة والأمانة ﵁:
تقدم في صدر هذا الفصل في النثر طرف جيد، ثم في ذكر زهده وذكر ورعه طرف صالح منه، وكذلك تقدم في غضون الأحاديث كثير مما يتضمن معناه. وعن أبي بكر العبسي قال: دخلت مع عمر وعثمان وعلي مكان الصدقة فجلس عثمان في الظل يكتب، وقام علي على رأسه يملي عليه ما يقول عمر, وعمر قائم في الشمس في يوم شديد الحر، عليه بردتان سوداوان مؤتزر بواحدة وقد وضع الأخرى على رأسه، وهو يتفقد إبل الصدقة يكتب ألوانها وأسنانها، فقال علي لعثمان: أما سمعت قول ابنة
стр. 388
شعيب في كتاب الله ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ وأشار إلى عمر وقال: هذا القوي الأمين، خرجه المخلص وابن السمان في الموافقة.
وعن محمد بن علي بن الحسين عن مولى لعثمان بن عفان قال: بينما أنا مع عثمان في مال له في العالية في يوم صائف إذ رأى رجلًا يسوق بكرين وعلى الأرض مثل الفراش من الحر، فقال عثمان: ما على هذا? فنظرت فقلت: أرى رجلًا معممًا بردائه يسوق بكرين ثم دنا الرجل فقال: انظر فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب فقلت: هذا أمير المؤمنين، فقام عثمان فأخرج رأسه من الباب فإذا لفح السموم فأعاد رأسه حتى إذا حاذاه قال: ما أخرجك هذه الساعة? فقال: بكران من إبل الصدقة تخلفا وقد مضى بإبل الصدقة, فأردت أن ألحقهما بالحمى وخشيت أن يضيعا فيسألني الله عنهما فقال عثمان: يا أمير المؤمنين هلم الماء والظل ونكفيك قال: عد إلى ظلك، فقلت: عندنا من يكفيك، فقال: عد إلى ظلك ومضى، فقال عثمان: من أحب أن ينظر إلى القوي الأمين فلينظر إلى هذا, خرجه الشافعي في مسنده.
ذكر كتبه لعماله, وما كان يوصيهم ويأمرهم به:
عن أسلم أن عمر استعمل مولى له على الصدقة يدعى هنيئًا فقال: يا هنيء, ضم جناحك عن الناس، واتق دعوة المظلوم فإنها مجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياك ونعم ابن عفان وابن عوف فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى زرع ونخل، وإن رب الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين أفتاركه أنا? لا أبا لك!! فالماء والمأكل أيسر من الذهب والفضة، وايم الله!! إنهم ليرون أنا قد ظلمناهم وإنها لبلادهم ومياههم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام, والله لولا أن المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت على
стр. 389
الناس من بلادهم شيئًا. خرجه البخاري.
"شرح" الصريمة: تصغير الصرمة وهي القطعة من الإبل, وقوله الصريمة: تصغير الصرمة وهي القطعة من الإبل. وقوله: "لا أبا لك" قال الجوهري: هو مدح وكذا لا أم لك، وربما قالوا: لا أبا لك لأن اللام كالمقحمة، ومعناه: لا كافي لك يشبهك. قال في النهاية: وقد تذكر في بعض الذم لقولهم: لا أم لك.
وعن خزيمة بن ثابت قال: كان عمر إذا استعمل عاملًا كتب عليه كتابًا وأشهد عليه رهطًا من المهاجرين والأنصار ثم يقول له: إني لم أستعملك على دماء المسلمين ولا على أعراضهم ولا على أستارهم, ولكن استعملتك لتقيم فيهم الصلاة وتقسم فيهم وتحكم بالعدل، ثم يشترط عليه أنه لا يأكل ولا يلبس رفيعًا ولا يركب برذونًا ولا يغلق بابه دون حاجات الناس. خرجه الفضائلي، وكان يأمر أصحابه بالتقشف فيقول لهم: "اخشوشنوا, واخشوشبوا".
وعن سفيان بن عيينة أن سعد بن أبي وقاص كتب إلى عمر وهو على الكوفة يستأذنه في بناء منزل يسكنه, فكتب إليه: ابنِ ما يسترك من الشمس ويكنك من الغيث. خرجه الفضائلي أيضًا.
وعن عروة بن رويم اللخمي قال: كتب ابن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح كتابًا يقرؤه على الناس بالجابية.
أما بعد: فإنه لا يقيم أمرا في الناس إلا خصيف القعدة بعيد الغرة، ولا يطلع الناس منه على عورة، ولا يحنق في الحق على حرة، ولا يخاف في الله لومة لائم، والسلام عليك.
وفي رواية: ولا يحابي في الحق على قرابة مكان, ولا يحنق في الحق على حرة.
стр. 390
"شرح" خصيف القعدة أي: مستحكمها، واستخصف الشيء: استحكم, الخصيف: الرجل المحكم العقل وكنى بذلك عمر عن الاشتداد في دين الله وقوة الإيمان، والغرة: الاعتماد. وكتب إليه أيضًا: أما بعد, فإني كتبت إليك كتابًا لم آلك ونفسي فيه خيرًا: الزم خمس خلال يسلم لك دينك وتحظ بأفضل حظك: إذا حضرك الخصمان فعليك بالبينات العدول والأيمان القاطعة, ثم أدن الضعيف حتى ينبسط لسانه ويجري قلبه, وتعاهد الغريب فإنه إذا طال حبسه ترك حاجته وانصرف إلى أهله، وإنما الذي أبطل حقه من لم يرفع به رأسًا، واحرص على الصلح ما لم يتبين لك القضاء، والسلام عليك. خرجه السمرقندي.
وعن زيد الأيامي قال: كتب أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب: أما بعد, فإنا عهدناك وشأن نفسك لك مهم، فأصبحت اليوم وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك الشريف والوضيع والصديق والعدو، ولكل حصته من العدل، فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر؟ وإنا نحذرك ما حذرت الأمم قبلك، ونحذرك يومًا تعنو فيه الوجوه وتوجل فيه القلوب وتنقطع فيه الحجج لغرة ملك قاهر، هم له داخرون وينتظرون قضاءه ويخشون عقابه، وإنه كان يذكر لنا أنه سيأتي الناس زمان يكون إخوان العلانية فيه أعداء السريرة.
وإنا نعوذ بالله أن ينزل كتابنا منك سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا، وإنما كتبنا به إليك والسلام. فكتب إليهما عمر: أما بعد, فإنه أتاني كتابكما, فكتبتما إلي أنكما عهدتماني وشأن نفسي إلي مهم وما يدريكما، وكتبتما إلي أني وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يدي الشريف والوضيع والعدو والصديق ولكل حصته من العدل، وإنه لا حول ولا قوة عند عمر إلا بالله وكتبتما تحذرانني ما حذرت الأمم من قبل، وإنما هو اختلاف الليل والنهار وآجال
стр. 391
الناس يبنيان كل جديد ويقربان كل بعيد ويأتيان بكل موعود، حتى تصير الناس أعمالهم إلى الجنة أو إلى النار، فيجزي الله كل نفس بما كسبت إن الله سريع الحساب، وكتبتما أنه كان يذكر لكما أنه سيأتي على الناس زمان يكون فيه إخوان العلانية أعداء السريرة ولستم أولئك، وليس هذا زمان ذاك، إنما ذلك إذا ظهرت الرغبة والرهبة فكان رغبة الناس بعضهم إلى بعض في إصلاح دنياهم, وكتبتما إلي تعيذانني بالله أن ينزل كتابكما مني سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما، وإنما كتبتما إلي نصيحة، وإني قد صدقتكما فتعاهداني منكما بكتاب، فإنه لا غناء عنكما. خرجه في كتاب التحفة.
"سرح" تعنو فيه الوجوه: تخضع.
وعن أبي عوانة قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عبد الله بن عمر: أما بعد, فإنه من اتقى الله وقاه, ومن توكل عليه كفاه, ومن أقرضه جزاه, ومن شكره زاده، ولتكن التقوى عماد عملك وجلاء قلبك، فإنه لا عمل لمن لا نية له, ولا مال لمن لا رفق له, ولا جديد لمن لا خلق له. خرجه الصولي.
وعن ... ١ أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد, فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك بحجة, وأنفذ الحق إذا وضح؛ فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آسِ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا ييأس الضعيف من عدلك ولا يطمع الشريف في حيفك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق، فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم
стр. 392
فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة، واعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى، واجعل لمن ادعى بينة أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت له بحقه وإلا وجهت القضاء عليه، فإن ذلك أجلى للعمى وأبلغ في العذر, المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حد ومجربًا في شهادة زور أو ظنينًا في ولاء أو وراثة، إن الله تولى منكم السرائر ودرأ عنكم البينات, وإياك والغلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر ويحسن بها الذخر، فإنه من يصلح نيته فيما بينه وبين الله تعالى ولو على نفسه يكفيه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلم الله منه غير ذلك يشينه الله، فما ظنك بثواب الله وعاجل رزقه وخزائن رحمته?!!. والسلام عليك. خرجه الدارقطني.
"شرح" أدلى يقال: أدلى دلوه: أرسلها، ودلاها: أخرجها, والظنين بالظاء: المتهم وبالضاد: البخل والأول المقصود, الغلق: ضيق الصدر ورجل غلق: سيئ الخلق وأغلق الأمر إذا لم ينفسح, وغلق الرهن إذا لم يجد مخلصًا, والشين: العيب.
وروي أنه كتب له أيضًا:
أما بعد، فإن أسعد الرعاة من سعدت به رعيته وأشقاهم من شقيت به رعيته، وإياك أن تزيغ فتزيغ عمالك فيكون مثلك عند الله مثل البهيمة نظرت إلى خضرة من الأرض ورعت تبتغي بذلك السمن، وإنما حتفها في سمنها، والسلام.
"شرح" تزيغ: تميل, حتفها: هلاكها, وكان يكتب إلى أهل الأمصار: علموا أولادكم العوم والفروسية.
وعن كرام بن معاوية قال: كتب إلينا عمر: أن أدبوا الخيل ولا ترفعن
стр. 393
بين ظهرانيكم الصليب, ولا تجاورنكم الخنازير. خرجه ابن عرفة العبدي.
وعن جعفر بن رومان أن عمر كتب إلى بعض عماله فكان في آخر كتابه: أن حاسب نفسك في الرخاء قبل حسابك في الشدة، فإنه من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد مرجعه إلى الرضا والغبطة، ومن ألهته حياته وشغفته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والحسرة، فتذكر ما توعظ به لكيما تنتهي عما تنهى عنه, وتكون عند التذكرة والوعظ من أولي النهى، خرجه في محاسبة النفس لابن أبي الدنيا.
وعن أبي عثمان عبد الرحمن النهدي قال: كتب إلينا عمر, ونحن بآذربيجان مع عتبة بن فرقد: يا عتبة, إنه ليس من كدك ولا من كد أبيك فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك ولبوس الحرير، فإن رسول الله ﷺ نهى عن لبوس الحرير، قال: "إلا هكذا" ورفع لنا رسول الله ﷺ بأصبعيه السبابة والوسطى وضمهما. أخرجاه.
ذكر أنه كان أعز الناس على أبي بكر:
عن عائشة قالت: قال أبو بكر ذات يوم: ما على الأرض أحد أحب إلي من عمر، ثم قال: كيف قلت? قالت: قلت: ما على الأرض أحد أحب إلي من عمر، قال: أعز علي والولد ألوط.
"شرح" ألوط: ألصق بالقلب.
فصل: فيما رواه علي في فضل عمر, وروي عنه
قد تقدمت أكثر أحاديث هذا الفصل فيها، حديث دعائه ﷺ أن يعز الله به الإسلام، وحديث تسميته الفاروق، وحديث أنه من أهل الجنة، وحديث أنه سراج أهل الجنة.
وتقدم في الخصائص حديث هجرته علانية وحديث انطلاقه إلى اليهود
стр. 394
في الموافقات، وحديث مروره على المساجد في رمضان ودعائه لعمر، وقد تقدم في الفضائل حديث أن السكينة تنطلق على لسانه، وحديث أن شيطانه يخافه أن يجره إلى معصية، وحديث أن في القرآن لكلامًا من كلامه، وهذه في الخصائص، وحديث وصفه له بالقوي الأمين، وحديث شهادته والحسن والحسين بالعدل والإحسان في ذكر خوفه، وتقدم في باب الشيخين أحاديث التخيير وحديث سيدي كهول أهل الجنة، وأحاديث في الحث على حبهما والتحذير من سبهما ﵄.
وسيأتي في فصل وفاته ثناؤه عليه عند ذلك، وقد تقدم أيضًا في باب الشيخين، وتقدم أيضًا في باب الأربعة أحاديث عنه في فضلهم وفي خلافتهم, وفي باب الثلاثة كذلك أيضًا. وعن علي ﵁ أنه كان يقول: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر.
"شرح" حي: كلمة على حالها معناها: هلم وهلا: حث, فجعلا كلمة واحدة معناها, إذا ذكروا فهات وعجل بعمر.
وعن الشعبي أن عليا قال لأهل نجران: إن عمر كان رشيد الأمر، ولن أغير شيئًا صنعه.
وعنه أن عليا لما دخل الكوفة قال: ما كنت لأحل عقدة شدها عمر.
وعن الحسن بن علي قال: لا أعلم عليا خالف عمر, ولا غير شيئًا مما صنع حين قدم الكوفة.
وعن زيد أن عليا كان يشبه بعمر في السيرة.
وعن أبي إسحاق -عمن حدثه- أنه كان جليسًا لعلي، فاستبكى بكاءً شديدًا فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين? قال: ذكرت خليلي عمر وهذا البرد علي كسانيه. وعن أبي السفر قال: رئي على علي برد كان يلبسه فقيل له: إنك تكثر من لبس هذا البر? فقال له: كسانيه خليلي
стр. 395
وصفيي عمر بن الخطاب. خرجهن ابن السمان في الموافقة، وخرج الأخير أبو القاسم الحريري وزاد: إن عمر ناصح الله فنصحه الله, ثم بكى.
وعن علي أنه كان يقول: لا يبلغني أن أحدًا فضلني على عمر إلا ضربته حد المفتري. خرجه سعدان بن نصر، وقد تقدم بطرق كثيرة في أبي بكر وعمر في بابهما.
стр. 396
الفصل العاشر: في خلافته, وما يتعلق بها
ذكر ما جاء متضمنا الدلالة عليها، وجميع أحاديث هذا الذكر قد تقدمت في نظيره في باب الأربعة والثلاثة والشيخين.
ذكر ما أخبر به أهل الكتاب عن كتبهم متضمنًا ذلك:
عن صالح بن كيسان قال: بلغني أن اليهود قالوا: إنا نجد فيما نقرأ من الأحاديث عن الأنبياء أنه يجلي يهود الحجاز رجل صفته صفة عمر، فأجلاهم. خرجه الزهري.
وعن عمر قال: دخلت الشام في أيام الجاهلية تاجرًا مع أصحاب من قريش, فلما قضينا حاجتنا من دمشق وخرجت أنحو مكة نسيت حاجة فرجعت إليها وقلت لأصحابي: أنا ألحقكم، فوالله إني لفي سوق من أسواقها إذا أنا ببطريق قد جاء فأخذ بعنقي وأدخلني كنيسة، فإذا تراب متراكم بعضه على بعض، فدفع إلي مجرة وفأسًا وزنبيلًا وقال: انقل هذا التراب، فجلست أتفكر في أمري كيف أصنع? فأتاني في الهاجرة وقال: لم أرك أخرجت شيئًا، وضم أصابعه فضرب بها وسط رأسي، فقلت: ثكلتك أمك يا عمر، بلغت ما أرى، فقمت بالمجرة فضربت بها هامته، فإذا دماغه قد انتثر، فأخذته فواريته تحت التراب، ثم خرجت على وجهي ما أدري أين أسلك بقية يومي وليلتي حتى أصبحت، فانتهيت إلى دير فاستظللت بظله، فخرج إليَّ رجل منه فقال: يا عبد الله ما يجلسك
стр. 397
ههنا? فقلت: أضللت أصحابي، فقال: ما أنت على الطريق، وإنك لتنظر بعين خائف، ادخل فأصب من الطعام والشراب واسترح ونم، فدخلت فأتى بطعام وشراب، فصعد في النظر وصوبه ثم قال: يا هذا, قد علم أهل الكتاب أنه لم يبق على وجه الأرض أحد أعلم مني بالكتاب، وإني أجد صفتك الذي يخرجنا من هذا الدير وتغلب على هذه البلدة، فقلت له: أيها الرجل قد صنعت معروفًا فلا تكدره، فقال لي: اكتب لي كتابًا في رق ليس عليك فيه شيء, فإن تكن صاحبنا فهو ما نريد، وإن تكن الأخرى فلن يضرك، فقلت: هات فكتبت له ثم ختمت عليه، فدعا بنفقة فدفعها إلي وبأثواب وبأتان قد وكفت، فقال: ألا تسمع؟ قلت: نعم!! قال: اخرج عليها، فإنها لا تمر بأهل دير إلا علفوها وسقوها، حتى إذا بلغت مأمنك فاضرب في وجهها مدبرة فإنها لا تمر بقوم ولا أهل دير إلا علفوها وسقوها، حتى أدركت أصحابي متوجهين إلى الحجاز ثم ضربت في وجهها مدبرة ثم سرت معهم. قال الراوي: فلما قدم عمر في خلافته إلى الشام أتاه ذلك الراهب وهو صاحب دير العدس بذلك الكتاب, فعرفه عمر فقال له: أوف لي، فقال عمر: ليس العمر فيه شيء ولكن للمسلمين. ثم أنشأ عمر يحدثنا بحديثه حتى أتى على آخره، ثم قال للراهب: إن أضفتم المسلمين وهديتموهم الطريق ومرضتم المريض فعلنا ذلك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، فوفى له بشرطه. أخرجه في فضائله.
ذكر وصف علي له بما يتأهل معه للخلافة, وتصويب أبي بكر في العهد إليه:
وعن علي ﵁ أنه خطب خطبة طويلة فقال فيها: أيها الناس إن هذا الأمر لا يصلح آخره إلا بما يصلح به أوله، ولا يحتمله إلا أفضلكم مقدرة وأملككم لنفسه وأشدكم في حال الشدة وأسلككم في حال
стр. 398
اللين، يأتي على الأمور لا يتجاوز منها شيئًا معتدلًا لا عدوان فيه ولا تقصير، مقتصد لما هو آتٍ, وهو عمر بن الخطاب.
وعن أنه قال في خطبة طويلة: إن الله تعالى صير الأمر إلى عمر في المسلمين, فمنهم من رضي ومنهم من سخط، فكنت ممن رضي، فوالله ما فارق الدنيا حتى رضي به من سخطه، فأعز الله بإسلامه الإسلام وجعل هجرته للدين قوامًا، وضرب الحق على لسانه حتى ظننا أن ملكًا ينطق على لسانه، وقذف الله في قلوب المؤمنين الحب له وفي قلوب المنافقين الرهبة منه، شبهه رسول الله ﷺ بجبريل فظا غليظا، وبنوح حنقًا مغتاظًا فمن منكم بمثله.
وقد تقدم معنى الجميع وبعض ألفاظه في باب أبي بكر وعمر.
وعنه قال: المتفرسون في الناس أربعة: امرأتان ورجلان؛ فالمرأة الأولى: صفيراء بنت شعيب لما تفرست في موسى فقالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ والرجل الأول: الملك العزيز تفرس في يوسف -وكانوا فيه من الزاهدين- فقال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ والمرأة الثانية: خديجة, تفرست في النبي ﷺ النبوة فقالت لعمها: قد شمت روحي روح محمد أنه نبي هذه الأمة فزوجني منه, والرجل الثاني: أبو بكر الصديق, لما حضرته الوفاة قال: إني قد تفرست أن أجعل الأمر من بعدي في عمر بن الخطاب فقلت له: إن تجعلها في عمر فإني راض، فقال: سررتني، والله لأسرنك بما سمعت من رسول الله ﷺ فقلت: وما سمعت من رسول الله ﷺ ? فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن على الصراط عقبة لا يجوزها أحد إلا بجواز من علي بن أبي طالب" فقلت: أفلا أسرك في نفسك وفي عمر بما سمعت من رسول الله ﷺ ? قال: بلى، قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هذان سيدا كهول أهل الجنة".
стр. 399
وروي أن أبا بكر لما ثقل أشرف على الناس من كوة وقال: يا أيها الناس, إني قد عهدت عهدًا أفترضون به? قال الناس: رضينا يا خليفة رسول الله، فقال علي: لا نرضى إلا أن يكون عمر، قال: فإنه عمر.
ذكر بيعته, وما يتعلق بها:
قال أبو عمر وغيره: بويع له بالخلافة صبيحة ليلة وفاة أبي بكر، فاستخلافه له على ما تقدم بيانه سنة ثلاث عشرة.
ذكر أول ما تكلم به لما ولي:
عن شداد بن أوس قال: كان أول كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال: اللهم إني شديد فليِّنِّي، وإني ضعيف فقوِّني، وإني بخيل فسخِّني، خرجه في الصفوة.
وعن الحسن أن أول خطبة خطبها عمر حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد, فقد ابتليت بكم وابتليتم بي، وخلفت فيكم بعد صاحبي، فمن كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا، ومهما غاب عنا وليناه أهل القوة والأمانة، فمن يحسن نزده حسنى، ومن يسئ نعاقبه وغفر الله لنا ولكم.
وعن الشعبي قال: لما ولي عمر صعد المنبر فقال: ما كان الله ليراني أرى نفسي أهلًا لمجلس أبي بكر، فنزل مرقاة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اقرءوا القرآن تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا يوم العرض الأكبر يوم تعرضون على الله لا تخفى منكم خافية، إنه لم يبلغ حق ذي حق أن يطاع في معصية الله، ألا وإني نزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم, إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف، خرجه الفضائلي.
وعن شريح أن رزق عمر كان في كل شهر مائة درهم، وقد تقدم في أول الفصل في النثر من حديث القلعي بزيادة، وجميع ما تقدم من صفاته
стр. 400
بعد الخلافة من هيبة الناس له ومن تواضعه معهم في حضره وسفره وإنصافه لهم, وقد تقدم هناك أن استتبع الكلام بعضه بعضًا، وهذا موضع كبير منه.
وعن ابن الأهتم أنه قال: لما ولي عمر الأمر بعد أبي بكر حسر عن ذراعيه وشمر عن ساقيه وأعد للأمور أقرانها وراضها وأذل صعابها، ثم حضرته الوفاة وكان قد أصاب من فيء المسلمين فلم يرض في ذلك بكفالة أحد من ولده, حتى باع في ذلك ربعه وضمه إلى بيت مال المسلمين.
وروي عنه أنه كان يقول: لو علمت أن أحدًا أقوى على هذا الأمر مني لكان أن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أليه. واتخذ ﵁ حاجبًا اسمه "يرفأ" وكاتبًا هو عبد الله بن الأرقم، ويزيد بن ثابت، ذكره الخجندي. وكان نقش خاتمه الذي اصطنعه لنفسه: "كفى بالموت واعظًا يا عمر" ذكره أبو عمر وغيره, وأما الخاتم الذي كان يختم به فهو خاتم رسول الله ﷺ كان في يد أبي بكر، ثم في يد عمر، في يد عثمان، حتى وقع في بئر أريس وكان نقشه: "محمد رسول الله" وقد تقدم الكلام في خلافة أبي بكر.
стр. 401
الفصل الحادي عشر: في ذكر مقتله وما يتعلق به ذكر سؤاله الله أن يتوفاه فاستجاب له على النحو الذي سأل
...
الفصل الحادي عشر: في ذكر مقتله وما يتعلق به, وذكر سؤاله الله أن يتوفاه فاستجاب له على النحو الذي سأل:
عن سعيد بن المسيب أن عمر لما نفر من منى أناخ بالأبطح, ثم كوم كومة بالبطحاء فألقى عليها طرف ردائه, ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء ثم قال: "اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي, فاقبضني إليك غير مضيع, ولا مفرط" فلما انقضت ذو الحجة حتى طعن، خرجه ابن الضحاك والفضائلي.
وعن حفص وأسلم مولاه قالا: قال عمر: اللهم ارزقني شهادة في
стр. 402
سبيلك, واجعل موتي في بلد رسولك، وفي رواية عن حفصة قالت: أنى يكون هذا? فقال: يأتيني به الله إذا شاء، خرجه البخاري وأبو زرعة في كتاب العلل.
ذكر كيفية قتله, وبيان أنه كان في الصلاة:
وأنه استخلف في بقيتها عبد الرحمن بن عوف وبيان من قتله، وكم قتل معه وجرح، وسقيه ماء عرف بهقدر جراحته, وثناء الناس عليه، وتوصية ابنه عبد الله في دينه، وسؤاله عائشة أن يدفن في حجرتها مع صاحبيه، وإجابتها إلى ذلك، وبكاء حفصة عليه، وتوصيته الخليفة من بعده.
عن عمر بن ميمون قال: إني لقائم ما بيني وبين عمر إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم فكبر قال: وربما قرأ بسورة يوسف والنحل ونحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس، قال: فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه, حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا مات منهم تسعة، وفي رواية: سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه ثوبًا فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فأما من كان يلي عمر فقد رأى الذي رأيت. وأما من في نواحي المسجد فإنهم لا يدرون ما الأمر!! غير أنهم فقدوا صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله! سبحان الله!! فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة, فلما انصرفوا قال: يابن عباس انظر من قتلني? فجال ساعة فقال: غلام المغيرة بن شعبة، قال: الصنع? قال: نعم! قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفًا ثم قال: الحمد لله الذي لم يجعل
стр. 403
منيتي بيد رجل يدعي الإسلام، فقد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقًا فقال: إن شئت فعلت -أي: قتلنا- قال: بعدما تكلموا بلسانكم وصلوا قبلتكم وحجوا حجكم فحمل إلى بيته فانطلقنا معه وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جوفه، فعرفوا أنه ميت, فدخلنا عليه فجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله ﷺ وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كان كفافًا لا علي ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض فقال: ردوا علي الغلام، قال: يابن أخي ارفع يديك فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد الله بن عمر، انظر ما علي من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا أو نحوه، قال: إن وفى به مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم وقال: انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرئ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فمضى فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال: يقرئ عمر عليك السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، قالت: كنت أريده لنفسي ولأوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء فقال: ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك? قال: الذي تحبه يا أمير المؤمنين أذنت قال:
الحمد لله ما كان شيء أهم إلي من ذلك المضجع، فإذا أنا قبضت فاحملوني وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت أم المؤمنين حفصة -والنساء يسترنها- فلما رأيناها قمنا فولجت عليه فبكت عنده
стр. 404
ساعة، فاستأذن الرجال فولجت داخلًا لهم فسمعنا بكاءها من الداخل، ثم قال -يعني عمر: أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله وأوصيه بالأنصار خيرًا -الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم- أن يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم, وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا فإنهم رداء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو، وألا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضا، وأوصيه بالأعراب خيرًا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام, أن يؤخذ منهم من حواشي أموالهم ويرد في فقرائهم, وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله ﷺ أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من وراءهم وألا يكلفوا إلا طاقتهم. قال: فلما قبض خرجنا فانطلقنا نمشي, فسلم عبد الله بن عمر وقال: يستأذن عمر بن الخطاب!! قالت: أدخلوه فأدخل فوضع هنالك مع صاحبيه. أخرجه البخاري وأبو حاتم.
وفي رواية من حديث غزوة بن الزبير أن عمر أرسل إلى عائشة: ائذني لي أن أدفن مع صاحبيّ قالت: إي والله!! قال: وكان الرجل من الصحابة إذا أرسل إليها قالت: لا والله, لا أوثرهم أبدًا. أخرجه البخاري.
وعن عمرو بن ميمون قال: كان أبو لؤلؤة أزرق نصرانيًّا، خرجه أبو عمر وقيل: كان مجوسيًّا، ذكره القلعي وغيره.
ذكر سبب قتله, وبيان أنه لم يستخلف:
وإنما قدموا عبد الرحمن مع أن القتل كان في الصلاة، وتكرر الناس أفواجًا أفواجًا للثناء عليه في تمنيه الخروج كفافًا، وتسلم له صحبة رسول الله ﷺ ومراجعة ابن عباس له في ذلك، وثنائه عليه واسترواحه بحديثه، وجعله الخلافة شورى بين ستة، واستخلافه شهيبًا على الصلاة. عن أبي رافع قال: كان أبو لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة وكان يصنع الأرحاء، وكان المغيرة كل يوم يستغله أربعة دراهم، فلقي أبو لؤلؤة عمر فقال: يا أمير المؤمنين, إن المغيرة قد أثقل علي غلتي فكلمه يخفف عني, فقال له
стр. 405
عمر: اتق الله وأحسن إلى مولاك، فغضب العبد وقال: وسع الناس كلهم عدله غيري، فأضمر على قتله فاصطنع خنجرًا له رأسان وسمه، ثم أتى به الهرمزان فقال: كيف ترى هذا? قال: أرى أنك لا تضرب بهذا أحدًا إلا قتلته قال: وتحين أبو لؤلؤة عمر فجاءه في صلاة الغداة حتى قام وراء عمر، وكان إذا أقيمت الصلاة يقول: أقيموا صفوفكم فقال كما كان يقول، فلما كبر وجأه أبو لؤلؤة في كتفه ووجأه في خاصرته فسقط عمر وطعن بخنجره ثلاثة عشر رجلًا، هلك منهم سبعة وحمل عمر فذهب به إلى منزله وماج الناس حتى كادت الشمس تطلع، فنادى الناس عبد الرحمن بن عوف: يا أيها الناس الصلاة الصلاة ففزعوا إلى الصلاة, فتقدم عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم بأقصر سورتين في القرآن، فلما قضى صلاته توجهوا إلى عمر فدعا عمر بشراب لينظر ما قدر جرحه، فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه فلم يدر أنبيذ هو أم دم, فدعا بلبن فشربه فخرج من جرحه فقالوا: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين قال: إن يكن القتل ثابتًا فقد قتلت، فجعل الناس يثنون عليه ويقولون: جزاك الله خيرًا يا أمير المؤمنين كنت ... ثم ينصرفون، ويجيء آخرون فيثنون عليه فقال: أما والله على ما تقولون وددت أني خرجت منها كفافًا لا علي ولا لي، وإن صحبة رسول الله ﷺ سلمت لي، فتكلم عبد الله بن عباس -وكان عند رأسه وكان خليطه كأنه من أهله وكان ابن عباس يقرئه القرآن- فقال: لا والله لا تخرج منها كفافًا, فقد صحبت رسول الله ﷺ فصحبته وهو عنك راضٍ بخير ما صحبه صاحب وكنت له وكنت له وكنت له حتى قبض رسول الله ﷺ وهو عنك راض، ثم صحبت خليفة رسول الله ﷺ فكنت تنفذ أمره وكنت له وكنت له ثم وليتها يا أمير أنت, فوليتها بخير ما وليها والٍ، كنت تفعل وكنت تفعل، فكان عمر يستريح إلى حديث ابن عباس فقال له عمر: يابن عباس كرر علي حديثك فكرر عليه، فقال عمر: وأما والله, علام تقول؟! لو أن لي طلاع الأرض ذهبًا لافتديت به اليوم
стр. 406
من هول المطلع، قد جعلتها شورى في ستة: عثمان وعلي وطلحة بن عبيد الله والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ﵃ وجعل عبد الله بن عمر معهم مشيرًا وليس منهم، وأجلهم ثلاثًا وأمر صهيبًا أن يصلي بالناس -رحمة الله عليهم. خرجه أبو حاتم.
وروي أن عمر كان لا يأذن لمشرك قد احتلم أن يدخل المدينة, حتى كتب إليه المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يستأذنه في غلام صنع يقال: لديه أعمال كثيرة, حداد ونقاش ونجار ومنافع للناس، فأذن له عمر، فأرسل به المغيرة وضرب عليه المغيرة مائة درهم في كل شهر، فجاء الغلام إلى عمر واشتكى، فقال له: ما تحسن من الأعمال? فذكرها له، فقال له عمر: فما خراجك يكثر، ثم ذكر معنى ما تقدم.
وعن ابن عباس أنه دخل على عمر حين طعن فقال: أبشر يا أمير المؤمنين, أسلمت مع رسول الله ﷺ حين كفر الناس، وقاتلت مع رسول الله ﷺ حين خذله الناس، وتوفي رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ، ولم يختلف في خلافتك رجلان، وقتلت شهيدًا، فقال: أعد فأعاد، فقال: المغرور من غررتموه، لو أن لي ما على ظهرها من بيضاء وصفراء لافتديت به من هول المطلع. خرجه أبو حاتم.
ذكر أن قتله كان قبل الدخول في الصلاة:
وتقدم الناس عبد الرحمن، وتبرئهم من المواطأة على قتله، ودعائه الطبيب، وأمر الطبيب عمر بالوصية حين سقاه وخرج المشروب من جرحه، وذكر أهل الشورى، وتخصيص علي بالإشارة إليه والاعتذار من توليته حين قيل له: ما يمنعك أن توليه؟
عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر يوم طعن وما منعني أن أكون في الصف المقدم إلا هيبته وكان رجلًا مهيبًا، وكنت في الصف الذي
стр. 407
يليه، فأقبل عمر فعرض له أبو لؤلؤة -غلام المغيرة- فناجى عمر قبل أن يسوي الصفوف، ثم طعنه ثلاث طعنات، فسمعت عمر وهو يقول: دونكم الكلب!! إنه قتلني، وماج الناس فأسرعوا إليه، فجرح ثلاثة عشر رجلًا، فانكفى عليه رجل من خلفه فاحتضنه، وحمل عمر فماج الناس بعضهم في بعض حتى قال قائل: الصلاة عباد الله طلعت الشمس، فقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بنا بأقصر سورتين في القرآن ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ و ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ واحتمل عمر ودخل الناس عليه، فقال: يا عبد الله اخرج فناد في الناس: عن ملأ منكم هذا? فخرج ابن عباس فقال: أيها الناس إن أمير المؤمنين يقول: أعن ملأ منكم? فقالوا: معاذ الله!! والله ما علمنا وما أطلعناه، وقال: ادعوا إلي الطبيب، فدعوا الطبيب فقال: أي الشراب أحب إليك? قال: النبيذ, فسقي نبيذًا فخرج من بعض طعانه، فقال الناس: هذا دم هذا صديد، فقال: اسقوني لبنًا فخرج من الطعنة، فقال له الطبيب: لا أرى أن تمشي فما كنت فاعلًا فافعل، ثم ذكر تمام الخبر في الشورى، وتقديم صهيب في الصلاة، وشهادة ابن عمر وقال: إن ولوها الأجلح يسلك بهم الطريق المستقيم -يعني عليا- فقال له ابن عمر: فما منعك أن تقدم عليا؟ قال: أكره أن أحملها حيا وميتا. خرجه النسائي.
وفي رواية: لله درهم, إن ولوها الأصيلع كيف يحملهم على الحق وإن كان السيف على عنقه؟ قال محمد بن كعب: فقلت: أتعلم ذلك منه ولا توليه? فقال: إن أتركهم فقد تركهم من هو خير مني. خرجه القلعي.
ذكر خبر ثانٍ يصرح بأن قتله كان قبل الصلاة, وتوعد أبي لؤلؤة له بالقتل:
عن عبد الله بن الزبير قال: غدوت مع عمر بن الخطاب إلى السوق وهو يتكئ على يدي، فلقيه أبو لؤلؤة -غلام المغيرة- فقال له: ألا تكلم
стр. 408
مولاي يضع عني من خراجي? قال: كم خراجك? قال: دينار، قال: ما أرى أن أفعل، إنك لعامل وما هذا بكثير، ثم قال له عمر: ألا تعمل لي رحى? قال: بلى, فلما ولى عمر قال أبو لؤلؤة: لأعملن لك رحى يتحدث بها ما بين المشرق والمغرب، قال: فوقع في نفسي قوله، قال: فلما كان في النداء لصلاة الصبح وخرج عمر إلى الناس يؤذنهم بالصلاة قال ابن الزبير: وأنا في مصلاي وقد اضطجع له عدو الله أبو لؤلؤة فضربه بالسكين طعنات إحداهن من تحت سرته وهي التي قتلته، فصاح عمر: أين عبد الرحمن بن عوف? فقال: ها هو ذا, فصلى بالناس وقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ١ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ٢, واحتملوا عمر فأدخلوه منزله، فقال لابنه عبد الله: اخرج فانظر من قتلني، قال: فخرج عبد الله بن عمرفقال: من قتل أمير المؤمنين? قالوا: أبو لؤلؤة -غلام المغيرة بن شعبة- فرجع فأخبر عمر فقال: الحمد الله الذي لم يجعل قتلي بيد رجل يحاجني بلا إله إلا الله، ثم قال: انظروا إلى عبد الرحمن بن عوف، ثم ذكر الحديث في الشورى. خرجه الواقدي وأبو عمر.
أما تقدمة الناس عبد الرحمن على ما تضمنه الحديث الأول وتقدمة عمر قيل: الجمع بينهما بأن يكون أمره أولًا ثم قدمه الناس، وأما اختلاف الروايتين في وقت القتل فليس فيه إلا الترجيح, وروايات القتل في الصلاة أصلح فترجح, والله أعلم.
ذكر تألمه للرعية لما أصيب ﵁:
عن المسور بن مخرمة قال: لما طعن عمر جعل يتألم، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين, لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راضٍ، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم
стр. 409
فارقته وهو عنك راضٍ، ثم صحبتهم فأحسنت صحبتهم ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون, قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه فإنما ذلك من فضل الله تعالى منَّ به عليَّ، وأما ما ترى من جزعي فإنما هو من أجلك ومن أجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله قبل أن أرده. خرجه البخاري.
ذكر تزكيته أهل الشورى لما طعن عليهم:
وعن ابن عمر قال: لما طعن عمر وأمر بالشورى, دخلت عليه حفصة ابنته فقالت: يا أبت إن الناس يزعمون أن هؤلاء الستة ليسوا رضًا، فقال: أسندوني، فلما أسندوه قال: فما عسى أن يقولوا في علي بن أبي طالب? سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا علي, يدك في يدي تدخل -يعني يوم القيامة- حيث أدخل" ما عسى أن يقولوا في عثمان? سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يوم يموت عثمان يصلي عليه ملائكة السماء" قلت: يا رسول الله عثمان خاصة أم الناس عامة? قال: "عثمان خاصة" ما عسى أن يقولوا في طلحة بن عبيد الله? سمعت رسول الله ﷺ يقول ليلة, وقد سقط رحله: "من يسوي رحلي وهو في الجنة؟ " فبدر طلحة بن عبيد الله فسواه حتى ركب, فقال النبي ﷺ : "يا طلحة, هذا جبريل يقرئك السلام ويقول: أنا معك يوم القيامة حتى أنجيك منها" ما عسى أن يقولوا في الزبير? رأيت رسول الله ﷺ وقد نام فجلس الزبير يذب عن وجهه حتى استيقظ فقال له: "يا أبا عبد الله لم تزل?" فقال: لم أزل بأبي أنت وأمي! قال: "هذا جبريل يقرئك السلام ويقول: أنا معك يوم القيامة حتى أذب عن وجهك شر جهنم" ما عسى أن يقولوا في سعد? سمعت رسول الله ﷺ يوم بدر, وقد أوتر قوسه أربع عشرة مرة فيدفعها له ويقول: "ارم فداك أبي وأمي" ما عسى أن يقولوا في عبد الرحمن بن عوف? رأيت رسول الله ﷺ في منزل فاطمة والحسن والحسين يبكيان جوعًا ويتضوران, فقال ﷺ : "من يصلنا بشيء?" فطلع عبد الرحمن
стр. 410
بصحفة فيها حيس ورغيفان بينهما إهالة، فقال ﷺ : "كفاك الله أمر دنياك، وأما أمر آخرتك فأنا لها ضامن". خرجه الحافظ أبو الحسن بن بشران، والحافظ أبو القاسم الدمشقي في الأربعين الطوال.
ذكر سؤالهم منه الاستخلاف عليهم, واعتذاره منهم فيه:
عن ابن عمر قال: حضرت أبي حين أصيب فأثنوا عليه فقالوا: جزاك الله خيرًا فقال: راغب وراهب، فقالوا: استخلف علينا، قال: أتحمل أمركم حيا وميتا? وددت أن حظي منكم الكفاف لا علي ولا لي، إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني أبا بكر- وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني -يعني رسول الله ﷺ قال عبد الله: فعرفت حين ذكر رسول الله ﷺ أنه غير مستخلف. أخرجاه وأبو معاوية.
وعن ابن عمر أنه قال لعمر: إن الناس يتحدثون أنك غير مستخلف، ولو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاء وترك رعيته رأيت أن قد فرط، ورعية الناس أشد من رعية الإبل والغنم، ماذا تقول لله إذا لقيته ولم تستخلف على عباده? قال: فأصابه كآبة ثم نكس رأسه طويلًا ثم رفع رأسه وقال: إن الله تعالى حافظ الدين، وأي ذلك أفعل فقد سن لي؛ إن لم أستخلف فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف، وإن استخلفت فقد استخلف أبو بكر، قال عبد الله: فعرفت أنه غير مستخلف. خرجه ابن السمان في الموافقة.
وعنه قال: لما طعن عمر قلت: يا أمير المؤمنين لو اجتهدت بنفسك وأمرت عليهم رجلًا؟ قال: أقعدوني، قال عبد الله: فتمنيت لو أن بيني وبينه عرض المدينة فرقًا منه حين قال: أقعدوني، ثم قال: والذي نفسي بيده لأردنها إلى الذي دفعها إليَّ أول مرة. خرجه أبو زرعة في كتاب العلل.
стр. 411
ذكر إخباره ﵁ عن موته بسبب رؤيا رآها, واعتذاره عن الاستخلاف أيضًا:
وإخباره أيضًا بأن رسول الله ﷺ توفي وهو راض عن الستة أهل الشورى وذم الطاعنين عليهم وإشهاده الله تعالى على أمر الأمصار وعلى ما ولاهم عليه، ووصيته بالمهاجرين والأنصار وثنائه عليهم وبالعرب وأهل الذمة.
عن معدان بن أبي طلحة أن عمر خطب يوم الجمعة وذكر النبي ﷺ وذكر أبا بكر, ثم قال: إني رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات وإني لا أراه إلا لحضور أجلي، وإن أقوامًا يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته ولا الذي بعث به نبيه، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، وإني قد علمت أقوامًا يطعنون في هذا الأمر، أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام، فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الضلال, ثم قال: اللهم إني أشهد على أمراء الأنصار، فإني إنما بعثتهم عليهم ليعدلوا وليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم ويقسموا بينهم فيئهم, ويدفعوا إلى ما أشكل عليهم من أمرهم قال: فما كان إلا الجمعة الأخرى حتى طعن قال: فأذن للمهاجرين من أصحاب النبي ﷺ وأذن للأنصار، ثم أذن لأهل المدينة، ثم أذن لأهل الشام، ثم أذن لأهل العراق، فكنا آخر من دخل عليه. قال: فإذا هو قد عصب جرحه ببرد أسود والدم يسيل عليه قال: فقلنا: أوصنا! ولم يسأله الوصية أحد غيرنا! قال: أوصيكم بكتاب الله, فإنكم لن تضلوا ما اتبعتموه، وأوصيكم بالمهاجرين، فإن الناس يكثرون ويقلون، وأوصيكم بالأنصار، فإنهم شعب الإسلام الذي لجأ إليه، وأوصيكم بالأعراف فإنهم أصلكم ومادتكم.
وفي رواية: فإنهم إخوتكم وعدو عدوكم، وأوصيكم بأهل الذمة،
стр. 412
فإنهم ذمة نبيكم ورزق عيالكم، قوموا عني. أخرجاه, وفي رواية: ديكًا أحمر.
ذكر رؤيا أبي موسى الأشعري في موت عمر قبل وقوعه:
عن أبي موسى قال: رأيت في المنام رسول الله ﷺ على جبل وإلى جنبه أبو بكر وهو يومئ إلى عمر أن تعال!! فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون!! مات والله أمير المؤمنين، فقيل له: ألا تكتب بهذا إلى عمر? قال: ما كنت لأنعي إليه نفسه.
ذكر من أخبر عمر بموته قبل وقوعه, وأمرهم إياه بالاحتراز على نفسه:
عن كعب الأحبار أنه قال لعمر: يا أمير المؤمنين اعهد بأنك ميت إلى ثلاثة أيام. فلما قضى ثلاثة أيام طعنه أبو لؤلؤة, فدخل عليه الناس ودخل كعب في جملتهم فقال: القول ما قال كعب وما بي حذر الموت، ولكن حذر الذنب.
وروي أن عيينة بن حصن الفزاري قال لعمر: احترس أو أخرج العجم من المدينة؛ فإني لا آمن أن يطعنك رجل منهم في هذا الموضع, ووضع يده في الموضع الذي طعنه فيه أبو لؤلؤة.
وعن جبير بن مطعم قال: إنا لواقفون مع عمر على الجبل بعرفة إذ سمعت رجلًا يقول: يا خليفة الله، فقال أعرابي من لهب خلفي: ما هذا الصوت? قطع الله لهجتك، والله لا يقف أمير المؤمنين بعد هذا العام أبدًا فسببته وأدبته، فلما رمينا الجمرة مع عمر جاءت حصاة فأصابت رأسه، ففتحت عرقًا من رأسه فسال الدم، فقال رجل: أشعر أمير المؤمنين? أما والله لا يقف بعد هذا العام ههنا أبدًا, فالتفت فإذا هو
стр. 413
ذلك اللهبي، فوالله ما حج عمر بعدها. خرجه ابن الضحاك.
ذكر وصاياه:
تقدم منها وصيته ابنه بدينه، وتوصيته الخليفة من بعده في الذكر الأول من هذا الفصل، ووصيته بالمهاجرين والأنصار وغيرهم تقدم قبل هذا بذكرين.
وعن عمر أنه نظر إلى علي وقال: اتق الله إن وليت شيئًا من أمور الناس، فلا تحملن بني هاشم على رقاب المسلمين, ثم نظر إلى عثمان فقال: اتق الله إن وليت شيئًا من أمور المسلمين فلا تحملن بني أمية -أو قال: بني أبي معيط- على رقاب المسلمين، ثم نظر إلى سعد والزبير فقال: وأنتما, فاتقيا الله إن وليتما شيئًا من أمور المسلمين.
وفي رواية: أنه قال لعبد الرحمن: إن كنت على شيء من أمور الناس, فلا تحملن أقاربك على رقاب الناس.
وعن ابن عمر أن عمر قال له: إذا أنا مت فأغمضني واقصد في كفني؛ فإنه إن كان لي عند الله خير أبدلني خيرًا منه، وإن كنت على غير ذلك سلبني، واقصد في حفرتي فإنه إن كان لي عند الله خير وسع لي فيها مد بصري وإن كنت على غير ذلك ضيق علي حتى تختلف أعضائي، ولا تخرج معي امرأة، ولا تزكوني بما ليس فيّ فإن الله هو أعلم بي، وأسرعوا في المشي، فإن كان لي عند الله خير تقدمونني إليه، وإلا فشر تضعونه عن رقابكم.
وعن حفصة أم المؤمنين أنها دخلت عليه وهي تبكي تقول: يا صاحب رسول الله!! يا صهر رسول الله!! فقال عمر لابنه: أجلسني فلا صبر لي على ما أسمع، فأسنده إلى صدره فقال١: إني أقسم عليك
стр. 414
بما لي عليك من الحق أن لا تندبيني بعد مجلسك هذا، فأما عينيك١ فلن أملكها، إنه ليس من ميت يندب بما ليس فيه إلا والملائكة تمقته.
ذكر تاريخ موته, ومدة مكثه بعد الجراحة, ومن صلى عليه, وما سمع منه حين احتضر:
قال أهل العلم بالتاريخ: توفي لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقيل: طعن لذلك ومات في آخر الحجة, واتفق هؤلاء على أنه أقام بعدما طعن ثلاثًا ثم مات, وصلى عليه صهيب ودفن في حجرة عائشة، ذكره ابن قتيبة والسلفي وغيرهما.
وعن عروة بن الزبير قال: لما قتل عمر استبق علي وعثمان للصلاة عليه فقال لهما صهيب: إليكما عني, فقد وليت من أمركما أكثر من الصلاة على عمر وأنا أصلي بكم المكتوبة، فصلى عليه صهيب. خرجه الخجندي وروي أنه كان يقول حين احتضر, ورأسه في حجر عبد الله بن عمر: ظلوم لنفسي, غير أني مسلم أصلي صلاتي كلها وأصوم. خرجه القلعي.
وروي أن ملك الموت لما دخل عليه, سمعه عمر يقول لملك آخر: هذا بيت أمير المؤمنين ما فيه شيء كأنه القبر, فقال عمر: يا ملك الموت من تكون أنت خلفه هكذا يكون بيته.
ذكر مدة عمره, ومدة ولايته:
قال ابن إسحاق: كانت ولايته عشر سنين وستة أشهر وخمس ليالٍ، وكان يحج بالناس كل عام غير سنتين متواليتين.
واختلف في سنه يوم مات, فقيل: ثلاث وستون سنة كسن النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ روي ذلك عن معاوية والشعبي، وقيل: خمس
стр. 415
وخمسون، وروي ذلك عن سالم بن عبد الله بن عمر, وقال الزهري: أربع وخمسون، ذكر جميع ذلك أبو عمر والحافظ السلفي وغيرهما.
وعن أبي عمر سمعت عمر يقول قبل موته بسنتين أو ثلاث: أنا ابن سبع أو ثمان وخمسين، وإنما أتاني الشيب من قبل أخوالي بني المغيرة. خرجه الخجندي.
ذكر إظلام الأرض لموت عمر:
عن الحسن بن أبي جعفر قال: لما قتل عمر أظلمت الأرض، فجعل الصبي يقول: يا أماه! أقامت القيامة? فتقول: لا يا بني! ولكن قتل عمر بن الخطاب.
ذكر من ندب عمر, ومن أثنى عليه بعد موته:
تقدم ثناء ابن عباس في الذكر الثاني من هذا الفصل، وتقدم ثناء علي عليه وقد وضع على سريره في باب الشيخين في ذكر قوله ﷺ : "كثيرًا كنت أنا وأبو بكر وعمر" من حديث البخاري عن ابن عباس وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما غسل عمر وكفن وحمل على سريره وقف عليه علي فقال: والله ما على الأرض رجل أحب إليَّ أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى بالثوب. خرجه في الصفوة، وابن السمان في الموافقة وزاد: ثم بكى, حتى اخضلت لحيته بالدموع.
"شرح" اخضلت: ابتلت، يقال: اخضلَّ الشيء اخضلالًا واخضوضل اخضيضالا أي: ابتل، وأخضلته فهو مخضل.
وعن عبد الرحمن أن عليا دخل على عمر وهو مسجى بثوبه فقال: ما أحب أن ألقى الله بصحيفة أحب إلي من أن ألقاه بصحيفة هذا المسجى بينكم، رحمك الله يابن الخطاب, إن كنت بآيات الله لعالما, وإن كان الله في صدرك لعظيما, وإن كنت لتخشى الله ولا تخشى الناس في الله،
стр. 416
جوادًا بالحق بخيلًا بالباطل، خميصًا من الدنيا بطينًا من الآخرة.
وعن أوقر بن حكيم قال: لما مات عمر قلت: والله لآتين عليا ولأسمعن منه، قال: فجئت فوجدت في مجلسه ناسًا يرقبونه قال: فوالله ما لبثنا أن خرج علينا معتلا, فسلم ثم نكس رأسه ثم رفعه فقال: لله در باكية عمر، وا عمراه! قوّم الأود وأيّد العمل، وا عمراه! مات نقي الثوب، قليل العيب، وا عمراه! ذهب بالسنة واتقى الفتنة، أصاب والله ابن الخطاب خيرها ونجا من شرها، ولقد نظر له صاحبه فصار على الطريقة ما استقامت، ثم مال فقال: ورحل الركب فتشعبتهم الطرق، لا يهتدي الضال ولا يستيقن المهتدي. خرجهما ابن السمان في الموافقة.
"شرح" الأود: الاعوجاج, وأيد: قوى.
وعن سعيد بن زيد أنه بكى فقيل له: ما يبكيك? قال: أبكي على الإسلام، إن موت عمر ثلم الإسلام ثلمة لا ترتتق إلى يوم القيامة.
وروي أنه استأذن ودخل عليه ورثاه بأبيات لغيره.
وعن عبد الله بن عمر قال: كان عمر حصنًا حصينًا للإسلام، فالناس يدخلون فيه ولا يخرجون، فأصبح الحصن قد انهدم والناس يخرجون منه ولا يدخلون.
وقال أبو طلحة: ما من بيت حاضر ولا بادٍ إلا وقد دخل عليه من موت عمر نقص.
وعن عبد الله بن سلام أنه وقف على جنازة عمر ثم قال: نعم المرء للإسلام! كنت يا عمر جوادًا بالحق بخيلًا بالباطل, ترضى حين الرضا وتغضب حين الغضب، عفيف الطرف، لم تكن مداحًا ولا مغتابًا.
وعن حذيفة بن اليمان قال: كان الإسلام في زمان عمر كالرجل المقبل لا يزداد إلا قربًا، فلما توفي صار كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعدًا.
стр. 417
وعن عبد الرحمن بن غنم أنه قال يوم مات عمر: اليوم أصبح الإسلام موليًا.
وعن ابن مسعود أنه قال: والله لو أعلم أن كلبًا يحب عمر لأحببته, ولوددت أني كنت خادمًا لعمر حتى أموت، ولو وجد فقده كل شيء حتى العضاه، وإن هجرته كانت نصرًا، وإن سلطانه كان رحمة. وعنه وقد سأله عبيد الله بن عمر وهو في حلقته في المسجد الحرام: يا أبا عبد الرحمن ما الصراط المستقيم? قال: هو ورب الكعبة الذي ثبت عليه أبوك حتى دخل الجنة، وحلف ثلاثة أيمان على ذلك.
وقد تقدم في فصل إسلام عمر أحاديث عنه في الثناء عليه، وفي فصل خصائصه أحاديث في عمله، وحديث مصارعته الجني.
وعن معاوية أنه قال لصعصعة بن صوحان: صف لي عمر فقال: كان عالمًا في نفسه، عادلًا في رعيته، قليل الكبر، قبولًا للعذر، سهل الحجاب, مفتوح الباب، يتحرى الصواب، بعيدًا من الإساءة، رفيقًا بالضعيف، غير صخَّاب، كثير الصمت، بعيدًا من العيب. وقد تقدم ثناء عائشة عليه في ذكر فضائل أبي بكر في خطبة طويلة.
وعنها أنها كانت تقول: كان عمر والله أحوذيا نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها. خرجه الإسماعيلي والطبراني في معجمهما، قال الرياشي: نسيج وحده: هو الرجل البارع الذي لا يسبقه أحد، والأحوذي: السابق الخفيف من كل شيء. وعنها: إذا ذكر عمر في المجلس حسن الحديث، فزينوا مجالسكم بالصلاة على النبي ﷺ وبذكر عمر.
ذكر إيثار أبي عبيدة الموت قبل موت عمر:
عن أبي عبيدة أنه قال: إن مات عمر رق الإسلام، ما أحب أن
стр. 418
يكون لي ما تطلع عليه الشمس أو تغرب، وأني أبقى بعد عمر, قال قائل: ولم? قال: سترون ما أقول إن بقيتم، إن ولي بعده وال فأخذهم بما كان عمر يأخذهم به لم يطعه الناس، وإن ضعف عنه قتلوه.
ذكر محو الزبير نفسه من الديوان لموت عمر:
عن هشام بن عروة قال: لما قتل عمر محا الزبير نفسه من الديوان.
ذكر رثاء الجن لعمر:
عن عائشة قالت: ناحت الجن على عمر قبل أن يموت بثلاث, فقالت:
أبعد قتيلٍ بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتز العضاه بأسوق
جزى الله خيرًا من إمام وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامةٍ ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق
قضيت أمورًا ثم غادرت بعدها ... بواثق من أكمامها لم تفتق
خرجه أبو عمر.
وعن المطلب بن زياد قال: رثت الجن عمر, فكان فيما قالوا:
ستبكيك نساء الجن ... تبكين منتحبات
وتخمشن وجوها ... كالدنانير النقيات
ويلبس ثياب السود ... بعد القصبيات
وعن معروف الموصلي قال: لما أصيب عمر سمع صوت:
ليبكِ على الإسلامِ من كان باكيًا ... فقد أوشكوا هلكى وما قدم العهد
وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها ... وقد ملها من كان يؤمن بالوعد
стр. 419
خرجه الملاء في سيرته.
ذكر من رأى عمر في منامه بعد موته:
عن عبد الله بن عبد الله بن العباس قال: كان العباس خليلًا لعمر, فلما أصيب جعل يدعو الله أن يريه عمر في المنام قال: فرآه بعد حول وهو يمسح العرق عن وجهه فقال: ما فعلت? فقال: هذا أوان فرغت، لولا أني لقيت رءوفًا رحيمًا. خرجه في الصفوة.
وعن عمرو بن العاص قال: ما كان شيء أحب إلي أن أعلمه من أمر عمر, فرأيت في المنام قصرًا فقلت: لمن هذا? قالوا: هو لعمر بن الخطاب، فخرج من القصر عليه ملحفة كأنه قد اغتسل، فقلت: كيف صنعت? قال: متى فارقتكم؟ قلت: من اثنتي عشرة سنة، قال: إنما انقلبت الآن من الحساب.
стр. 420
الفصل الثاني عشر: في ذكر ولده
وكان له ثلاثة عشر ولدًا، تسعة بنين وأربع بنات، ذكر البنين عبد الله وكان يكنى أبا عبد الرحمن، أسلم مع إسلام أبيه بمكة صغيرًا وهاجر مع أبيه وأمه وهو ابن عشر, ذكره الخجندي, وشهد المشاهد كلها بعد بدر وأحد.
قال الدارقطني: واستصغر يوم أحد، وشهد الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، وشهد المشاهد بعد الخندق مع النبي ﷺ , وقيل: شهد بدرًا فاستصغره النبي ﷺ فلم يجزه، وأجازه في السنة الأخرى يوم أحد، ذكره الطائي وقال: والأول أصح. وكان ﵁ عالمًا مجتهدًا عابدًا لزومًا للسنة فرورًا من البدعة ناصحًا للأمة, رئي في الكعبة ساجدًا يقول في سجوده: يا رب تعلم ما يمنعني من مزاحمة قريش على هذه الدنيا إلا خوفك, وأثنى عليه رسول الله ﷺ وقال: "إن عبد الله بن عمر رجل
стр. 421
صالح" ويقال: إنه ما خرج من الدنيا حتى صار مثل أبيه. قال سالم بن أبي الجعد: ما أدركت أحدًا مالت به الدنيا إلا مال بها إلا عبد الله بن عمر.
قال سفيان الثوري: كان من عادة ابن عمر أنه إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به، وكأن رقيقه عرفوا ذلك فربما شمر أحدهم ولزم المسجد وأقبل على الطاعة فإذا رآه ابن عمر على تلك الحالة أعتقه، فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له. قال نافع: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان أو زاد عليه, ذكر ذلك كله الطائي وبقي إلى زمان عبد الملك بن مروان.
قال أبو اليقظان: وزعموا أن الحجاج دس له رجلًا قد سم زج رمحه فرجمه في الطريق وطعنه في ظهر قدمه، فدخل عليه الحجاج فقال: يا أبا عبد الرحمن من أصابك? قال: أنت أصبتني, قال: ولم تقول هذا رحمك الله? قال: حملت السلام في بلد لم يكن يحمل فيه السلام، فمات فصلي عليه عند الردم ودفن في حائط أم خرمان. قلت: هذا الحائط لا يعرف اليوم بمكة ولا حواليها، وإنما بالأبطح موضع يقال له: الخرمانية فلعله هو، نسب إلى أم خرمان. وقال غير أبي اليقظان: مات بمكة ودفن بفج وهو موضع قريب من مكة، وهو ابن أربع وثمانين سنة وله عقب.
قال الدارقطني: وتوفي سنة ثلاث وسبعين.
وروى عبد الله عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وزيد بن الخطاب وزيد بن ثابت وأبي أمامة الأنصاري وأبي أيوب الأنصاري وأبي ذر الغفاري وأبي سعيد الخدري وزيد بن حارثة وأسامة بن زيد وعامر بن ربيعة وبلال وصهيب وعثمان بن طلحة ورافع بن خديج وعبد الله بن مسعود وكعب بن عمرو وتميم الداري وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن
стр. 422
عباس وغيرهم من الصحابة.
وروي أيضًا عن عائشة وحفصة وامرأته صفية بنت أبي عبيد الله, وروى عنه من الصحابة عبد الله بن عباس، وكان فقيهًا ورعًا شديد التتبع لآثار النبي ﷺ ليقتدي به فيها, ذكر ذلك الدارقطني, وعبد الرحمن الأكبر: شقيقه أمهما زينب بنت مظعون, وزيد الأكبر: أمه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة بنت رسول الله ﷺ يقال: إنه رمي بحجر في حرب بين حيين فمات ولا عقب له, ويقال: إنه مات هو وأمه أم كلثوم في ساعة واحدة فلم يرث أحدهما من الآخر, وصلى عليهما عبد الله بن عمر، فقدم زيدًا وأخر أم كلثوم فجرت السنة بذلك فكان فيهما حكمان، وعاصم: أمه أم كلثوم جميلة بنت عاصم بن ثابت حمي الدبر، وهي التي كان اسمها عاصية فسماها النبي ﷺ جميلة, وكان عاصم فاضلًا خيرًا توفي سنة سبعين وله عقب أخوه لأمه: عبد الرحمن بن زيد بن حارثة الأنصاري يروي عن ثوبان, وعمر بن عبد العزيز: ابن ابنته أم عاصم بنت عاصم، وزيد الأصغر وعبيد الله: أمهما مليكة بنت جرول الخزاعية.
وقال الدارقطني: أم كلثوم بنت جرول، فلعل ذلك كنيتها. وكان عبيد الله شديد البطش، لما قتل عمر جرد سيفه فقتل ابنة أبي لؤلؤة، وقتل الهرمزان، وقتل في وقعة صفين مع معاوية وله عقب, وأخواهما لأمهما: عبيد الله بن أبي جهم بن حذيفة وحارثة بن وهب الخزاعي وله صحبة, وعبد الرحمن الأوسط: أمه لهية أم ولد وعبد الرحمن الأصغر: أمه أم ولد، يكنى أحد الثلاثة أبا شحمة، ويلقب آخر منهم مجبرًا، فأما أبو شحمة فهو الذي ضربه عمر في الحد فمات ولا عقب له, وأما مجبر فكان له عقب فبادوا ولم يبق منهم أحد, ذكره ابن قتيبة. وقال الدارقطني: عبد الرحمن الأوسط هو أبو شحمة المجلود في الحد وقطع به، وذكر أن أمه أم ولد يقال لها: لهية, وعبد الرحمن الأصغر يقال له: أبو
стр. 423
المجبر, وعياض بن عمر: أمه عاتكة بنت زيد.
ذكر البنات:
وهن أربع: حفصة: زوجة النبي ﷺ وسيأتي كيفية تزويجها من كتاب١ مناقب أمهات المؤمنين، وهي شقيقة عبد الله، وعبد الرحمن الأكبر، ورقية، شقيقة زيد الأكبر: تزوجها إبراهيم بن نعيم بن عبد الله النحام، فماتت عنده، ولم تلد له، وفاطمة: أمها أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة, تزوجها ابن عمها عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فولدت له عبد الله, ذكره الدارقطني، وزينب: أمها فكيهة أم ولد, تزوجها عبد الله بن عبد الله بن سراقة العدوي، وروت عن أختها حفصة, ذكر ذلك كله ابن قتيبة، وصاحب الصفوة، والله أعلم.
والحمد لله أولا وآخرًا، والصلاة والسلام على سيد الورى. تم الجزء الثاني، ويليه الجزء الثالث في مناقب الشيخين عثمان وعلي ﵄.
стр. 424
الفهارس:
فهرس الجزء الأول من الكتاب:
٥ فاتحة المؤلف
١٥ القسم الأول: في مناقب الأعداد وفيه أبواب
١٧ الباب الأول فيما جاء متضمنا ذكر العشرة وغيرهم
١٩ ذكر ما جاء في فضل أهل بدر والحديبية
٢١ ذكر ما جاء في الحث على حبهم والإحسان إليهم: بالاستفغار لهم، والكف عما شجر بينهم
٢٣ ذكر ما جاء في التحذير من الخوض فيما شجر بينهم، والنهي عن سبهم
٣١ في الباب الثاني فيما جاء متضمنا ذكر العشرة
٣٣ ذكر ما جاء في إثبات صحبته ﷺ لكل واحد منهم وإن تفاوتت مراتبهم في المحبة
٣٤ ذكر ما جاء في التحذير عن بغضهم
٣٦ الفصل الرابع: في وصف كل واحد من العشرة بصفة حميدة
٣٧ الباب الثالث في ذكر ما دون العشر من العشرة
٣٨ ذكر ما جاء في خوله ﷺ الجنةن ورؤيته أهلها ووزنه بأمته، ووزن بعض العشرة، واستبطائه عبد الرحمن بن عوف
٣٩ ذكر ما جاء في وصف جماعة منهم. ومن غيرهم: بأنهم الرفقاء، والنجباء
стр. 425
٤٠ ذكر ما جاء في تخصيص أبي بكر بأنه لم يسؤه قط، وإثبات رضاه ﷺ بجمع منهم ومن غيرهم
٤١ ذكر ما جاء في إخباره ﷺ عن عدد بأن كل واحد منهم نعم الرجل
٤١ ذكر ما جا في إخباره ﷺ عن جمع أنه يحب الله ورسوله وصلاته عليهم
٤٢ ذكر ما جاء في أحبية بعضهم إلى النبي ﷺ
٤٢ ذكر ما جاء في دعائة ﷺ لجمع منهم: كل واحد بدعاء يخصه ويليق بحاله
٤٣ ذكر ما جاء في بيان مراتب جمع منهم في الجنة
٤٣ ذكر إثبات فضل لبعضهم في الثبوت معه يوم الجمعة حين انفض القوم
٤٤ ذكر ما جاء دليلًا على تأهل بعضهم للخلافة
٤٤ ذكر ما جاء من آي نزلت في جمع منهم ومن غيرهم
٤٧ الباب الرابع فيما جاء مختصا بالأربعة الخلفاء
٤٧ ذكر أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ أن يتخذ كلا منهم لمعنى
٥٠ ذكر افتراض محبتهم
٥١ ذكر أن أبا بكر وعمر خلقغا من طينة واحدة وأن عثمان وعليا كذلك
٥١ ذكر أنهم ورسول الله ﷺ خلقوا من عصارة تفاحة من الجنة
٥١ ذكر أنهم والنبي ﷺ كانوا أنوار قبل خلق آدم، ووصف كل منهم بصفة والتحذير عن سبهم
٥٢ ذكر أنهم أول من تنشق عنه الأرض بعد النبي ﷺ
٥٢ ذكر مراتبهم في الحساب يوم القيامة
٥٢ ذكر تبشيره ﷺ الأربعة
٥٣ ذكر كيفية دخولهم الجنة مع النبي ﷺ
٥٣ ذكر أن كل منهم بركن من أركان الحوض يوم القيامة
٥٤ ذكر اختصاص كل منهم يوم القيامة. بخصوصية شريفة