ذكر ما جاء في بيان مراتب جمع منهم في الجنة:
عن ابن أبي أوفى قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "يا أصحاب محمد لقد أراني الله منازلكم الليلة وقرب منازلكم من منزلي" ثم التفت إلى علي وقال: "يا علي أما ترضى أن يكون منزلك بحذاء منزلي كما يتواجه منزل الأخوين؟ " قال: بلى يا رسول الله, ثم بكى ثم أقبل على أبي بكر فقال: "إني لأعرف اسم رجل واسم أبيه واسم أمه إذا دخل الجنة لم يبق غرفة من غرفها ولا شربة من شرابها إلا قالت: مرحبا مرحبا" فقال سلمان: يا رسول الله إن هذا لغير خائب قال: "ذاك أبو بكر بن أبي قحافة" ثم أقبل على عمر فقال: "يا أبا حفص لقد رأيت قصرا في الجنة من جوهرة بيضاء شرفها لؤلؤ أبيض قلت لرضوان: لمن هذا؟ قال: لفتى من قريش فظننت أنه لي, فقال: هو لعمر بن الخطاب فما منعني أن أدخله إلا معرفتي بغيرتك يا أبا حفص" فبكى عمر وقال: بأبي أنت وأمي, أعليك أغار يا رسول الله؟ ثم التفت على عثمان وقال: "يا عثمان إن لكل نبي رفيقا وأنت رفيقي في الجنة" ثم التفت إلى عبد الرحمن١ فقال: "يا أبا عبد الله, ما بطأ بك عني من بين أصحابي, فما حبسك؟ " فقال: يا رسول الله ما زلت أسأل عن مالي من أين أصبته وفي أي شيء أنفقته حين ظننت أني لا أراك, قال عبد الرحمن: مائة راحلة جاءت من مصر عليها تجارة أشهدك أنها بين٢ أرامل أهل المدينة وأيتامها, لعل الله أن يخفف عني, ثم التفت إلى طلحة والزبير فقال: "إن لكل نبي حواريا وحواريي أنتما" أخرجه القاضي أبو بكر يوسف بن فارس.
ذكر إثبات فضل لبعضهم في الثبوت معه يوم الجمعة حين انفضّ القوم:
عن حابر قال: "بينا النبي ﷺ قائم يوم الجمعة إذ قدمت إلى المدينة
стр. 37
قافلة فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا, منهم أبو بكر وعمر" أخرجه مسلم وانفرد به.
ذكر ما جاء دليلا على تأهل بعضهم للخلافة:
عن عائشة وقد سئلت: من كان رسول الله ﷺ مستخلفا لو استخلف؟ قالت: أبو بكر فقيل لها: ثم من؟ قالت: عمر فقيل لها: ثم من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا, أخرجه مسلم.
ذكر ما جاء من آي نزلت في جمع منهم, ومن غيرهم:
عن عائشة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١ قالت: نزلت في سبعين رجلا منهم أبو بكر والزبير, انتدبوا حين ندب رسول الله ﷺ أصحابه يوم أحد لاتباعهم, ذكره الواحدي وأبو الفرج وغيرهما, وعن عطاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا﴾ الآية قال: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة وجعفر وعثمان بن مظعون وأبي عبيدة ومصعب بن عمير وسالم وأبي سلمة والأرقم بن أبي الأرقم وعمار وبلال, أخرجه أبو الفرج في أسباب النزول.
وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ ٢ الآية: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وعبد الله بن مسعود, أخرجه خيثمة بن سليمان. وعن أبي صالح نحوه, وعن أبي جعفر قال: نزلت في أبي بكر وعمر وعلي قيل له: فأي غل هو؟ قال: غل الجاهلية, كان بين بني هاشم وبني تيم وبني عدي في الجاهلية, فلما أسلم هؤلاء تحابوا, وعن الحسن بن علي: نزلت في أهل بدر.
стр. 38
وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ١ قال: لما أسلم أبو بكر جاءه عبد الرحمن بن عوف وعثمان وطلحة والزبير وسعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص وسألوه فأخبرهم بإيمانه, فآمنوا فنزلت: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ قول أبي بكر: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ .
وعن الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ٢ الآية قال: هم ثمانية: أبو بكر وعلي وزيد وطلحة والزبير وسعد وحمزة وعمر, تاسعهم ألحقه الله تعالى بهم لما عرف من صدق نيته, وقال مجاهد: كل من آمن بالله فهو صديق وتلا الآية, وقال المقاتلان: هم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم ولم يكذبوهم ساعة, ذكر ذلك كله الواحدي وأبو الفرج في أسباب النزول.
وعن جعفر بن محمد عن آبائه في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ٣ أبو بكر ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ ٤ عمر ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٥ عثمان ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ ٦ علي بن أبي طالب ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ ٧ طلحة والزبير ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ ٨ سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف, أخرجه ابن السمان في الموافقة.
стр. 39
وعن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ١ الآية: نزلت في أبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز فقال: يا رسول الله دعني أكون في أول الرعيل فقال رسول الله ﷺ : "متعنا بنفسك يا أبا بكر, أما تعلم أنك عندي بمنزلة سمعي وبصري" وفي عمر قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر وفي علي وحمزة قتلا شيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر, وفي أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد, ومصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد, وذلك قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ٢ أخرجه الواحدي وأبو الفرج.
"شرح" الرعيل: جماعة الخيل, وكذلك الرعلة.
стр. 40
الباب الرابع: فيما جاء مختصًّا بالأربعة الخلفاء
ذكر اختصاصهم باختيار الله تعالى إياهم لصحبة نبيه ﷺ :
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين, واختار لي من أصحابي أربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليا, فجعلهم خير أصحابي, وفي أصحابي كلهم خير, واختار أمتي على الأمم, واختار من أمتي أربعة قرون: الأول والثاني والثالث والرابع" أخرجه البزار في مسنده حكاه عنه عبد الحق في الأحكام وأخرجه ابن السمان في كتاب الموافقة مختصرًا وقال: "اختار أصحابي على جميع العالمين الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين".
ذكر أمر الله -جل وعلا- نبيه ﷺ أن يتخذ كلًّا منهم لمعنى, ووصف محبهم بالإيمان ومبغضهم بالفجور, والتنبيه على خلافتهم:
عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال له: "يا علي إن الله أمرني أن أتخذ أبا بكر وزيرًا وعمر مشيرًا وعثمان سندًا وإياك ظهيرًا أنتم أربعة, فقد أخذ الله ميثاقكم في أم الكتاب, لا يحبكم إلا مؤمن ولا يبغضكم إلا فاجر, أنتم خلائف نبوتي وعقدة ذمتي وحجتي على أمتي، لا تقاطعوا
стр. 41
ولا تدابروا ولا تعاقوا" أخرجه ابن السمان في الموافقة، وأخرجه أيضًا من طريق آخر عن حذيفة.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجتمع حب هؤلاء الأربعة إلا في قلب مؤمن: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي" أخرجه ابن السمان وابن الناصر السلامي.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "يحبهم -يعني الأربعة- أولياء الله, ويبغضهم أعداء الله" أخرجه الملاء.
ذكر وصفه ﷺ لكل واحد منهم وثنائه عليه ودعائه له, والحث على محبته ولعن مبغضه:
عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "أبو بكر وزيري والقائم في أمتي بعدي, وعمر حبيبي وينطق على لساني, وعثمان مني, وعلي أخي وصاحب لوائي" أخرجه ابن السمان في الموافقة.
وعن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله أبا بكر, زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وصحبني في الغار وأعتق بلالًا من ماله, رحم الله عمر يقول الحق وإن كان مرًّا تركه الحق وما له صديق, رحم الله عثمان تستحي منه الملائكة, رحم الله عليا اللهم أدر الحق معه حيث دار" أخرجه الترمذي والخلعي وابن السمان.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: صعد رسول الله ﷺ المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: "ما لي أراكم تختلفون في أصحابي؟! أما علمتم أن حبي وحب آل بيتي وحب أصحابي فرضه الله تعالى على أمتي إلى يوم القيامة؟! " ثم قال: "أين أبو بكر؟ " قال: ها أنا ذا يا رسول الله قال: "ادن مني" فضمه إلى صدره وقبل بين عينيه, ورأينا دموع رسول الله ﷺ تجري على خده ثم أخذ بيده وقال بأعلى صوته: "معاشر المسلمين هذا أبو بكر
стр. 42
الصديق، هذا شيخ المهاجرين والأنصار, هذا صاحبي صدقني حين كذبني الناس وآواني حين طردوني, واشترى لي بلالًا من ماله, فعلى مبغضه لعنة الله ولعنة اللاعنين والله منه بريء, فمن أحب أن يبرأ من الله ومني فليتبرأ من أبي بكر الصديق, وليبلغ الشاهد منكم الغائب" ثم قال له: "اجلس يا أبا بكر, فقد عرف الله ذلك لك".
ثم قال ﷺ : "أين عمر بن الخطاب؟ " فوثب إليه عمر فقال: ها أنا ذا يا رسول الله فقال: "ادن مني" فدنا منه فضمه إلى صدره وقبل بين عينيه, ورأينا دموع رسول الله ﷺ تجري على خده ثم أخذ بيده وقال بأعلى صوته: "معاشر المسلمين, هذا عمر بن الخطاب, هذا شيخ المهاجرين والأنصار, هذا الذي أمرني الله أن أتخذه ظهيرًا ومشيرًا, هذا الذي أنزل الله الحق على قلبه ولسانه ويده, هذا الذي تركه الحق وما له من صديق, هذا الذي يقول الحق وإن كان مرا, هذا الذي لا يخاف في الله لومة لائم, هذا الذي يفرق الشيطان من شخصه هو سراج أهل الجنة, فعلى مبغضه لعنة الله ولعنة اللاعنين, والله منه بريء وأنا منه بريء".
ثم قال: "أين عثمان بن عفان؟ " فوثب عثمان وقال: ها أنا ذا يا رسول الله فقال: "ادن مني" فدنا منه فضمه إلى صدره وقبل بين عينيه, ورأينا دموعه تجري على خده ثم أخذ بيده وقال: "يا معاشر المسلمين, هذا شيخ المهاجرين والأنصار, هذا الذي أمرني الله أن أتخذه سندًا وختنًا على ابنتي, ولو كان عندي ثالثة لزوجتها إياه, هذا الذي استحيت منه ملائكة السماء, فعلى مبغضه لعنة الله ولعنة اللاعنين".
ثم قال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فوثب إليه وقال: ها أنا ذا يا رسول الله قال: "ادن مني" فدنا منه فضمه إلى صدره وقبل بين عينيه, ودموعه تجري على خده وقال بأعلى صوته: "معاشر المسلمين, هذا شيخ المهاجرين والأنصار, هذا أخي وابن عمي وختني, هذا لحمي ودمي وشعري،
стр. 43
هذا أبو السبطين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة, هذا مفرج الكرب عني, هذا أسد الله وسيفه في أرضه على أعدائه, فعلى مبغضه لعنة الله ولعنة اللاعنين والله منه بريء وأنا منه بريء, فمن أحب أن يبرأ من الله فليبرأ من علي بن أبي طالب, وليبلغ الشاهد منكم الغائب" ثم قال: "اجلس يا أبا الحسن, فقد عرف الله لك ذلك" أخرجه أبو سعد في شرف النبوة.
ذكر افتراض محبتهم:
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله افترض عليكم حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي كما افترض الصلاة والزكاة والصوم والحج, فمن أنكر فضلهم فلا تقبل منه الصلاة ولا الزكاة ولا الصوم ولا الحج" أخرجه الملاء في سيرته.
وعن محمد بن وزير قال: "رأيت النبي ﷺ في المنام, فدنوت منه فقلت: السلام عليك يا رسول الله فقال لي: "وعليك السلام يا محمد بن وزير, لك حاجة؟ " فقلت: نعم يا رسول الله, أنا رجل خفيف البضاعة كثير العيال, أريد أن تعلمني دعوات أدعو بها في سفري وفي حضري وأستعين بها على أموري, فقال لي: "اقعد هو ذا, عليك ثلاث دعوات فادع بها في كل وقت شدة, وفي دبر كل صلاة" قال: فقال لي: "قل: يا قديم الإحسان, ويا من إحسانه فوق كل إحسان, ويا مالك الدنيا والآخرة" ثم التفت فقال: "اجتهد أن تموت على الإسلام والسنة, وعلى حب هؤلاء هذا أبو بكر وهذا عمر وهذا عثمان وهذا علي, فإنه لا تمسك النار" أخرجه الصابوني.
ذكر التنظير بين كل واحد وبين نبي من الأنبياء ﵈:
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من نبي إلا وله نظير من أمتي, فأبو بكر نظير إبراهيم, وعمر نظير موسى, وعثمان نظير هارون, وعلي بن أبي
стр. 44
طالب نظيري" أخرجه الخلعي والملاء في سيرته.
ذكر أن أبا بكر وعمر خلقا من طينة واحدة, وأن عثمان وعليًّا كذلك:
عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "خلق أبو بكر وعمر من طين واحد, وخلق عثمان وعلي من طين واحد" أخرجه في فضائل عمر.
ذكر أنهم ورسول الله ﷺ خلقوا من عصارة تفاحة من الجنة:
عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أخبرني جبريل أن الله تعالى لما خلق آدم وأدخل الروح في جسده, أمرني أن آخذ تفاحة من الجنة فأعصرها في حلقه فعصرتها في فمه فخلقك الله من النقطة الأولى أنت يا محمد, ومن الثانية أبا بكر, ومن الثالثة عمر, ومن الرابعة عثمان, ومن الخامسة عليا, فقال آدم: من هؤلاء الذين أكرمتهم؟ فقال الله تعالى: هؤلاء خمسة أشباح من ذريتك وقال: هؤلاء أكرم عندي من جميع خلقي, قال: فلما عصى آدم ربه قال: رب بحرمة أولئك الأشباح الخمسة الذين فضلتهم إلا تبت علي, فتاب الله عليه".
ذكر أنهم والنبي ﷺ كانوا أنوارًا قبل خلق آدم, ووصف كل منهم بصفة, والتحذير عن سبهم:
عن محمد بن إدريس الشافعي بسنده إلى النبي ﷺ قال: "كنت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أنوارًا على يمين العرش قبل أن يخلق آدم بألف عام, فلما خلق أسكنا ظهره ولم نزل ننتقل في الأصلاب الطاهرة إلى أن نقلني الله إلى صلب عبد الله, ونقل أبا بكر إلى أبي قحافة, ونقل عمر إلى صلب الخطاب, ونقل عثمان إلى صلب عفان, ونقل عليا إلى صلب أبي طالب, ثم اختارهم لي أصحابًا فجعل أبا بكر صديقًا وعمر فاروقًا وعثمان
стр. 45
ذا النورين, وعليا وصيا, فمن سب أصحابي فقد سبني, ومن سبني فقد سب الله, ومن سب الله أكبه في النار على منخره" أخرجه الملاء في سيرته.
ذكر أنهم أول من تنشقّ عنه الأرض بعد النبي ﷺ :
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول من تنشقّ عنه الأرض, ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي, ثم آتي أهل البقيع, ثم أنتظر أهل مكة فتنشقّ عنهم, ثم يقوم الخلائق" أخرجه الملاء.
ذكر مراتبهم في الحساب يوم القيامة:
عن أبي أمامة ﵁ قال: "سمعت أبا بكر الصديق يقول للنبي ﷺ : من أول من يحاسب؟ قال: "أنت يا أبا بكر" قال: ثم من؟ قال: "عمر" قال: ثم من؟ قال: "علي" قال: ثم من؟ قال: "فعثمان" قال: "سألت ربي أن يهب لي حسابه فلا يحاسبه فوهب لي" أخرجه الخجندي.
وقال: قال أبو بكر الحافظ البغدادي وفي رواية أخرى: قضي لي حاجة سرا, فسألت الله أن يجعل حسابه سرا قلت: ولا تصادر بين الروايتين بل تحمل الأولى على أنه سأله أن لا يحاسبه جهرًا بين الناس فوهب له ذلك وجمعا بين هذا وبين ما ورد في حق أبي بكر من بعض الطرق أنه لا يحاسب وسيأتي في خصائصه, ويكون بمعنى أول من يحاسب, أول من يبعث للحساب؛ لأنه أول من تنشق عنه الأرض كما تقدم ثم لا يحاسب.
ذكر تبشيره ﷺ الأربعة:
عن أبي حذيفة قال: "طلبت النبي ﷺ فوجدته في حائط من حوائط المدينة نائمًاتحت شجرة أو نخلة, فكرهت أن أوقظه فوجدت عسيبًا فكسرته, فاستيقظ النبي ﷺ فقال لي "أبشر بالجنة والثاني والثالث والرابع" قال: فجاء أبو بكر فاستأذن من وراء الحائط فرد السلام وبشره بالجنة, ثم جاء عمر ففعل مثل ذلك وبشره بالجنة, ثم جاء عثمان ففعل مثل ذلك وبشره
стр. 46
بالجنة، ثم جاء علي ففعل مثل ذلك" أخرجه أبو بكر الإسماعيلي في معجمه.
"شرح" العسيب: واحد العسب وهي سعف النخل, وأهل العراق يسمونه الجريد.
وعن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم برجالكم من أهل الجنة؟ " قلنا: بلى يا رسول الله, قال: "النبي في الجنة, والصديق في الجنة, والشهيد في الجنة, والذي يزور أخاه في الله في الجنة" أخرجه خيثمة بن سليمان, وقد ثبتت الصديقية لأبي بكر والشهادة للثلاثة.
ذكر كيفية دخولهم الجنة مع النبي ﷺ :
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ خرج من باب المدينة متكئًا على أبي بكر وشماله على عمر وعثمان آخذ بطرف ثوبه وعلي بين يديه فقال: "هكذا ندخل الجنة, فمن فرق فعليه لعنة الله".
ذكر أن كل واحد منهم بركن من أركان الحوض يوم القيامة:
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لحوضي أربعة أركان: الركن الأول في يدي أبي بكر الصديق والثاني في يدي عمر الفاروق والثالث في يدي عثمان ذي النورين والرابع في يدي علي بن أبي طالب, فمن كان محبا لأبي بكر مبغضا لعمر لا يسقيه أبو بكر, ومن كان محبا لعلي مبغضا لعثمان ذي النورين لا يسقيه علي, ومن أحب أبا بكر فقد أقام الدين, ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل, ومن أحب عثمان فقد استبان بنور الله, ومن أحب عليا فقد استمسك بالعروة الوثقى" أخرجه أبو سعد في شرف النبوة ورواه الغيلاني وقال: في يد مكان "يدي" وقال: ومن أحسن القول مكان "أحب" في الأربعة.
стр. 47
ذكر اختصاص كل منهم يوم القيامة بخصوصية شريفة:
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ينادي منادٍ يوم القيامة من تحت العرش: أين أصحاب محمد ﷺ ؟ فيؤتى بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي فيقال لأبي بكر: قف على باب الجنة فأدخل من شئت برحمة الله ودع من شئت بعلم الله, ويقال لعمر بن الخطاب: قف عند الميزان فثقل من شئت برحمة الله وخفف من شئت بعلم الله, ويكسى عثمان حلتين ويقال له: البسهما, فإني خلقتهما أو ادخرتهما ١ من حين أنشأت خلق السموات والأرض, ويعطى علي بن أبي طالب عصا عوسج من الشجرة التي غرسها الله تعالى بيده في الجنة فيقال: ذد الناس عن الحوض" فقال بعض أهل العلم: لقد ساوى الله تعالى بينهم في الفضل والكرامة, رواه ابن غيلان.
ذكر إثبات أسمائهم على العرش:
عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بما على العرش مكتوب" قلنا: بلى يا رسول الله قال: "على العرش مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله, أبو بكر الصديق عمر الفاروق عثمان الشهيد علي الرضا" أخرجه أبو سعد في شرف النبوة.
ذكر إثبات أسمائهم في لواء الحمد:
عن ابن عباس قال: "سئل النبي ﷺ عن لواء الحمد فقال: "له ثلاث شقاق, كل شقة منها ما بين السماء والأرض, على الشقة الأولى مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم وفاتحة الكتاب, وعلى الثانية لا إله إلا الله محمد رسول الله, وعلى الثالثة أبو بكر الصديق, عمر الفاروق, عثمان ذو النورين, علي المرتضى" أخرجه الملاء.
стр. 48
ذكر ما جاء متضمنًا الدلالة على خلافة الأربعة:
قد تقدم في الذكر الثاني طرف ذا الباب طرف من ذلك, وعن سفينة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا -قال: أمسك- خلافة أبي بكر سنتين وخلافة عمر عشر سنين وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة وخلافة علي ستا" قال علي بن الجعد: قلت لحماد: سفينة القائل أمسك؟ قال: نعم أخرجه أبو حاتم, وهذا مغاير لما ذكره أهل التاريخ في خلافة علي وأنها أربع سنين وثمانية أشهر, والصحيح في مدة ولاية الأربعة أنها تسع وعشرون سنة وثلاثة أيام: سنتان وثلاثة أشهر وعشرة أيام خلافة أبي بكر, وعشر سنين وستة أشهر وخمسة أيام خلافة عمر, واثنتا عشرة سنة إلا اثني عشر يومًا خلافة عثمان, وأربع سنين وثمانية أشهر خلافة علي, فإما أن يكون أطلق على ذلك ثلاثين لقربه منها أو يكون مدة ولاية الحسن محسوبة منها وهي تكملتها.
وعن سهل بن أبي خيثمة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا وإن الخلفاء بعدي أربعة, والخلافة بعدي ثلاثون سنة نبوة ورحمة, ثم خلافة ثم ملك ثم جبرية وطواغيت ثم عدل وقسط, ألا إن خير هذه الأمة أولها وآخرها" أخرجه أبو الخير القزويني الحاكمي.
وعن علي بن أبي طالب قال: إن الله فتح هذه الخلافة على يدي أبي بكر وثناه عمر وثلثه عثمان وختمها بي بخاتمة نبوة محمد ﷺ . وعنه قال: "ما خرج رسول الله ﷺ من الدنيا حتى عهد إليّ أن أبا بكر يلي الأمر بعده ثم عمر ثم عثمان ثم إلي, فلا يجتمع علي". وعنه "لم يمت رسول الله ﷺ حتى أسر إلي أن أبا بكر سيتولى بعده, ثم ذكر معنى ما تقدم ولم يقل: فلا يجتمع علي" قلت: وهذا الحديث تبعد صحته لتخلف علي عن بيعة أبي بكر ستة أشهر ونسبته إلى نسيان الحديث في مثل هذه المدة بعيد, ثم توقفه في أمر عثمان على التحكيم مما يؤيد ذلك، ولو كان عهد إليه رسول الله
стр. 49
- ﷺ بذلك لبادر ولم يتوقف, وعن أبي بكر الهذلي عمن أخبره عن الأشياخ "أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر: "كيف أنت يا أبا بكر إن وليت الأمر بعدي؟ " قال: قبل ذلك أموت يا رسول الله, قال: "فأنت يا عمر؟ " قال عمر: هلكت إذًا قال: "فأنت يا عثمان؟ " قال: آكل فأطعم, وأقسم فلا أظلم, قال: $"فأنت يا علي؟ " قال: آكل القوت وأخفض الصوت وأقسم الثمرة وأحمي الجمرة, قال: "كلكم سيلي وسيرى الله عملكم" خرج الأربعة ابن السمان في كتاب الموافقة.
وعن سمرة بن جندب أن رجلًا قال: "يا رسول الله, إني رأيت كأن دلوًا دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربًا ضعيفًا, ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع, ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح منها عليه شيء فشرب حتى تضلع, ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانتشطت". أخرجه الخجندي.
"شرح" العراقي: أعواد يخالف بينها ثم تشتدّ في عرى الدلو واحدتها: عرقوة, وقوله: تضلع أي: استوفى من الشرب حتى امتلأت أضلاعه ريا, وانتشاط الدلو: اضطرابها حتى ينتضح ماؤها, وقوله: شربًا ضعيفًا إشارة إلى قصر مدته, وهي سنتان وعمر عشر سنين, وذلك معنى تضلعه, والانتشاط إشارة إلى اضطراب الأمر والاختلاف عليه.
ذكر آي نزلت فيهم:
عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ ١ الزرع: محمد ﷺ وشطؤه أبو بكر فآزره عمر, فاستغلظ بعثمان فاستوى بعلي ﵃ أجمعين- أخرجه الجوهري وابن عبد الله في أماليه.
стр. 50
وعن أبي بن كعب قال: "قرأت على رسول الله ﷺ سورة "العصر" فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أفديك, ما تفسيرها؟ قال: " ﴿وَالْعَصْرِ﴾ قسم من الله تعالى بآخر النهار, ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أبو جهل بن هشام, ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أبو بكر الصديق, ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عمر بن الخطاب, ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ عثمان بن عفان, ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ علي بن أبي طالب" أخرجه الواحدي.
ذكر أفضلية الأربعة بعد رسول الله ﷺ :
عن ابن عمر قال: "كنا وفينا رسول الله ﷺ نفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعليا" خرجه أبو الحسن الحزي. وعن الأصبغ بن نباتة قال: قلت لعلي: يا أمير المؤمنين, من خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر قلت: ثم من؟ قال: ثم عثمان قلت: ثم من؟ قال: أنا, خرجه أبو القاسم في كتابه.
وعن علي أنه خطب خطبة طويلة وقال في آخرها: واعلموا أن خير الناس بعد نبيهم ﷺ أبو بكر الصديق ثم عثمان ذو النورين ثم أنا وقد رميت بها في رقابكم ووراء ظهوركم فلا حجة لكم علي, خرجه ابن السمان في الموافقة. وعن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله خلفائي" قالوا: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: "الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي وسنتي, ويعلمونها الناس" خرجه نظام الملك واللفظ له, وإن كان عاما لكن تخصه قرينة التعليم, وعلى الجملة فحمله عليهم أقرب من تعميمه والله أعلم.
ذكر ثناء ابن عباس على الأربعة:
عن ابن عباس وقد سئل عن أبي بكر فقال: كان ﵀ للقرآن تاليًا وللشر قاليًا وعن المنكر ناهيًا وبالمعروف آمرًا ولله صابرًا وعن الميل إلى
стр. 51
الفحشاء ساهيًا وبالليل قائمًا وبالنهار صائمًا وبدين الله عارفًا ومن الله خائفًا وعن المحارم جانفًا وعن الموبقات صارفًا, فاق أصحابه ورعًا وقناعة, وزاد برا وأمانة فأعقب الله من طعن عليه الشقاق إلى يوم التلاق, قيل: وما كان نقش خاتمه حين ولي الأمر؟ قال: نقش عليه: عبد ذليل لرب جليل, قيل له: فما تقول في عمر؟ قال: رحمة الله على أبي حفص, كان والله حليف الإسلام ومأوى الأيتام ومحل الإيمان ومنتهى الإحسان ونادي١ الضعفاء ومعقل الخلفاء, كان للحق حصنًا وللناس عونًا, بحق الله صابرًا محتسبًا حتى أظهر الدين وفتح الديار وذكر الله على التلال والبقاع, وقورًا لله في الرخاء والشدة, شكورًا له في كل وقت فأعقب الله من يبغضه الندامة إلى يوم القيامة, قيل: فما نقش خاتمه حين ولي الأمر؟ قال: نقش عليه: الله المعين لمن صبر. قيل: فما تقول في عثمان؟ قال: رحمة الله على أبي عمرو, كان والله أفضل البررة وأكرم الحفدة, كثير الاستغفار هجادًا بالأسحار, سريع الدموع عند ذكر النار دائم الفكر فيما يعيه بالليل والنهار, مبادرًا إلى كل مكرمة وساعيًا إلى كل منجية, فرارًا من كل مهلكة وفيا نقيا حفيا مجهز جيش العسرة, وصاحب بئر رومة وختن المصطفى ﷺ فأعقب الله من قتله البعاد إلى يوم التناد, قيل: فما نقش خاتمه حين ولي الأمر؟ قال: نقش عليه: اللهم أحيني سعيدًا وأمتني شهيدًا, فوالله لقد عاش سعيدًا ومات شهيدًا, قيل: فما تقول في علي؟ قال: رحمة الله على أبي الحسن, كان والله علم الهدى وكهف التقى وطود النهى, ومحل الحجا وعين الندا, ومنتهى العلم للورى ونورًا أسفر في ظلم الدجى وداعيًا إلى المحجة العظمى, مستمسكًا بالعروة الوثقى, أتقى من تقمص وارتدى وأكرم من شهد النجوى بعد محمد المصطفى وصاحب القبلتين, وأبا السبطين وزوجاته خير النساء فما يفوقه أحد, لم تر عيناي مثله ولم أسمع بمثله في الحرب ختالًا وللأقران قتالًا
стр. 52
وللأبطال شغالًا, فعلى من يبغضه لعنة الله ولعنة العباد إلى يوم التناد, قيل: فما نقش خاتمه حين ولي الأمر؟ قال: نقش عليه: الله الملك, خرجه بكماله الأصفهاني وأبو الفتح القواس.
"شرح" الموبقات: المهلكات تقول منه: وبق يبق ووبق يوبق ولغة ثالثة وهي: وبق يبِق بالكسر الجوهري, إذا هلك يريد أنه يصرف نفسه عما يوجب الهلاك من المعصية, النادي والندى والمنتدى: المجلس ومنه: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ , والمعقل: الملجأ, وقورًا أي: معظمًا والوقار: العظمة, ومنه: ﴿لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ والوقار أيضًا: الرزانة والحلم تقول فيه: وقر يقر وقارًا ووقرًا فهو وقور, الحفدة: الأعوان يقال لكل من عمل عملًا أطاع فيه: حافد ومنه وإليك نسعى ونحفد. أبو عبيد: أصل الحفد العمل والخدمة, والحفدة أيضًا: أولاد الأولاد, والحفدة: الأختان وهي هنا إما بمعنى الأعوان أو الأختان, هجادًا بالأسحار أي: ساهرًا, قال الجوهري: هجد وتهجد من الأضداد يقال ذلك إذا سهر وإذا نام وقال غيره: الهجود النوم والتهجد السهر وإلقاء النوم, حفيا: برا وصولا معتنيا, طود: جبل عظيم استعير منه للتعظيم, والنهى: العقول, والحجا العقل أيضًا, والنجوى: المسارة والمشاورة مع اختفاء, ختن المصطفى أي: زوج ابنته.
قال الجوهري: الختن بالتحريك عند العرب كل ما كان من قبل المرأة مثل الأب والأخ والأختان هكذا عند العرب, أما عند العامة فختن الرجل زوج ابنته.
ذكر ثناء جعفر الصادق على الخلفاء الأربعة:
عن المفضل بن عمرو عن أبيه عن جده قال: سئل جعفر الصادق عن الصحابة فقال: إن أبا بكر الصديق ملئ قلبه بمشاهدة الربوبية وكان لا يشهد مع الله غيره, فمن أجل ذلك كان أكثر كلامه: لا إله إلا الله, وكان
стр. 53
عمر يرى كل ما دون الله صغيرًا حقيرًا في جنب عظمة الله, وكان لا يرى التعظيم لغير الله, فمن أجل ذلك كان أكثر كلامه: الله أكبر, وعثمان كان يرى ما دون الله معلولًا إذا كان مرجعه إلى الفناء, وكان لا يرى التنزيه إلا لله, فمن أجل ذلك كان أكثر كلامه: سبحان الله, وعلي بن أبي طالب كان يرى ظهور الكون من الله وقيام الكون بالله ورجوع الكون إلى الله, فمن أجل ذلك كان أكثر كلامه: الحمد لله, خرجه الخجندي في الأربعين.
ذكر موافقة الأربعة نبي الله ﷺ في حب كل واحد منهم ثلاثًا من الدنيا:
روي أنه لما قال ﷺ : "حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجعل قرة عيني الصلاة" قال أبو بكر: وأنا يا رسول الله, حبب إلي من الدنيا ثلاث: النظر إلى وجهك وجمع المال للإنفاق عليك والتوسل بقرابتك إليك, وقال عمر: وأنا يا رسول الله, حبب إلي من الدنيا ثلاث: إطعام الجائع وإرواء الظمآن وكسوة العاري, وقال علي بن أبي طالب: وأنا يا رسول الله, حبب إلي من الدنيا ثلاث: الصوم في الصيف وإقراء الضيف والضرب بين يديك بالسيف. خرجه الخجندي أيضًا.
стр. 54
الباب الخامس: فيما اء مختصًا بأبي بكر وعمر وعثمان
...
الباب الخامس: فيما جاء مختصًّا بأبي بكر وعمر وعثمان
ذكر الموازنة بينهم, ورجحان بعضهم ببعض:
تقدم في الذكر الثالث من الباب الثالث طرف من ذلك, عن أبي بكر أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : "رأيت كأن ميزانًا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت, ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر, ووزن عمر وعثمان فرجح عمر, ثم رفع الميزان فاستاء لها رسول الله ﷺ " يعني: فساءه ذلك, فقال: "خلافة نبوة, ثم يؤتي الله الملك من يشاء" أبو داود والبغوي في المصابيح في الحسان١، والحافظ الدمشقي في الموافقات، وخرجه خيثمة بن سليمان بزيادة ولفظه: أن النبي ﷺ كان إذا أصبح يقول: "هل أحد منكم رأى رؤيا؟ " فقال رجل: أنا رأيت يا رسول الله كأن ميزانًا نزل من السماء, فوضعت في كفة وأبو بكر في كفة فرجحت فرفعت, ووضع عمر في كفة فرجح أبو بكر ثم رفع أبو بكر, ووضع عثمان في كفة فرجح عمر, وقوله: فاستاء لها رسول الله ﷺ قيل: إنه يحتمل أن يكون كره رسول الله ﷺ حصر درجات الفضل ورجا أن يكون في أكثر
стр. 55
من ذلك, فأعلمه الله تعالى أن التفضيل انتهى إلى المذكور فيه, فساءه ذلك.
ذكر رجحان كل واحد منهم بجميع الأمة:
عن ابن عمر قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ ذات غداة بعد طلوع الشمس قال: "رأيت قبل الفجر كأني أعطيت المقاليد والموازين, فأما المقاليد فهي المفاتيح وأما الموازين فهذه التي يوزن بها, فوضعت في كفة ووضعت أمتي في كفة فوزنت بهم فرجحت, ثم جيء بأبي بكر فوزن بهم فرجح, ثم جيء بعمر فوزن بهم فرجح, ثم جيء بعثمان فوزن بهم فرجح, ثم رفعت". خرجه أحمد في مسنده, وفي رواية: فوزنهم مكان فرجح بهم خرجها أبو الخير القزويني الحاكمي في الأربعين قلت: في راجحية كل واحد منهم بجميع الأمة تنبيه على اتفاق جميع الأمة على خلافته, فكأنه قعد بهم وناء بحملهم, وفي رفع الميزان إشارة إلى الاختلاف.
ولا تضاد بين هذا وبين ما سيأتي فيما يستدل به على خلافة عثمان في باب مناقبه, أن رسول الله ﷺ قال: "رأيت الليلة في المنام كأن ثلاثة من أصحابي وزنوا, فوزن أبو بكر فوزن, ثم وزن عمر فوزن, ثم وزن عثمان فنقص صاحبنا وهو صالح" أخرجه أحمد, بل نحملهما على معنيين متغايرين جمعًا بين الحديثين بقدر الإمكان وذلك أولى من إلقاء أحدهما, فيحمل قوله: "فرجح" على المعنى المذكور آنفًا, ويحمل قوله: "فوزن" على موافقة آرائهم لرأيه, وأن رأيه وازن رأيهم فجاء موزونًا معتدلًا معه لم يخالفوه في رأي رأه, وإن اتفق خلاف ذلك في بادي النظر رجعوا إليه في ثانية مستصوبين رأيه معترفين بأن الحق كان معه كما في قتال أهل الردة ونحو ذلك, وهذا المعنى فقد في عثمان ﵁ فإنهم خالفوا رأيه في كثير من وقائعه ولم يرجعوا إليه, بل أصروا على إنكارهم عليه حتى قتل وكان مع ذلك على الحق على ما شهدت به أحاديث تأتي في خصائصه, وكان مع ذلك رجلًا صالحًا على ما شهد به هذا الحديث, فالنقص إنما
стр. 56
كان عما ثبت للشيخين١ قبله من الموازنة بما ذكرناه من الاعتبار, لا أنه نقص في رأيه يخرجه٢ عن أن يكون على الحق وكيف يخرج عن الحق ويكون رجلًا صالحًا؟! فكان ﵁ كاملًا في أحواله لم يخرج في شيء منها عن الحق, والشيخان أكمل منه بملابسة مزيد فضل في زهد وورع ونحو ذلك مع الاشتراك في أصل ذلك فنقصه عن الأكملية لا غير, فيكون كل واحد من الشيخين رجح بالأمة ووزنهم بالاعتبارين المذكورين وعثمان ﵁ رجح بهم ولم يزنهم بالاعتبار المذكور.
ولا يمكن حمله على الموازنة بينهم كما في رؤيا الرجل المتقدمة لوجهين: الأول أنه ﷺ أخبر أنه رأى موازنتهم بالأمة فكان حمل هذا المطلق على ذلك المقيد أولى من اعتقاد موازنة أخرى موافقة لرؤيا الرجل التي لم يخبر عنها رسول الله ﷺ عن نفسه.
الثاني: أن سياق اللفظ ينبو عن حملها عليه, فإنه قال: "وزن أبو بكر فوزن" فيكون معناه على هذا التقدير: وزن بعمر فرجح به كما في تلك الرؤيا, ثم قال: "وزن عمر فوزن" أي: بعثمان ثم قال: "وزن عثمان" فيقتضي أن يكون بغير عمر؛ لأن وزنه بعمر قد تقدم في الجملة الأولى وليس في تلك الرؤيا لغيره ذكر, فكان المصير إلى ما ذكرناه أولى.
ذكر كتب أسمائهم على العرش:
عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "ليلة أسري بي, رأيت على العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله, أبو بكر الصديق عمر الفاروق عثمان ذو النورين يقتل ظلمًا" خرجه في الديباج, وخرجه أبو سعد في شرف النبوة وفيه ذكر علي, وقد تقدم في الباب قبله.
стр. 57
ذكر كتب أسمائهم على كل ورقة في الجنة:
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس في الجنة شجرة إلا وعلى كل ورقة مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله, أبو بكر الصديق, عمر الفاروق, عثمان ذو النورين". خرجه صاحب الديباج, والإمام أبو الخير القزويني الحاكمي.
ذكر تسبيح الحصا في كفهم:
عن سويد بن يزيد السالمي قال: دخلت المسجد فرأيت أبا ذر جالسًا فيه وحده, فاغتنمت ذلك وجلست إليه وكأنه قال, فذكر بعض القوم عثمان فقال: لا أقول لعثمان أبدًا إلا خيرًا بعد شيء رأيته عند رسول الله ﷺ :
"كنت أتبع خلوات رسول الله ﷺ أتعلم منه, فخرج ذات يوم حتى انتهى إلى موضع كذا وكذا فجلس فانتهيت إليه, فسلمت عليه وجلست إليه فقال: "يا أبا ذر ما جاء بك؟ " قلت: الله ورسوله, فبينا نحن كذلك إذ جاء أبو بكر فسلم وجلس عن يمين رسول الله ﷺ فقال: "يا أبا بكر ما جاء بك؟ " فقال: الله ورسوله, ثم جاء عمر فسلم وجلس عن يمين أبي بكر فقال: "يا عمر ما جاء بك؟ " قال: الله ورسوله, ثم جاء عثمان فسلم وجلس عن يمين عمر فقال: "يا عثمان ما جاء بك؟ " قال: الله ورسوله, قال: فتناول النبي ﷺ سبع حصيات أو تسع حصيات فوضعهن في كفه فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل, ثم وضعهن فخرسن فتناولهن النبي ﷺ فوضعهن في يد أبي بكر فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل, ثم وضعهن فخرسن فتناولهن النبي ﷺ فوضعهن في يد عمر فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل, ثم وضعهن فخرسن فتناولهن النبي ﷺ فوضعهن في يد عثمان فسبحن حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل, ثم وضعهن فخرسن".
وعن أنس بن مالك قال: "تناول النبي ﷺ من الأرض سبع
стр. 58
حصيات فسبحن في يده, ثم ناولهن أبا بكر فسبحن في يده, ثم ناولهن النبي ﷺ عمر فسبحن في يده كما سبحن في يد أبي بكر, ثم ناولهن عثمان فسبحن في يده كما سبحن في يد عمر" خرجهما خيثمة بن سليمان وعلي بن نعيم البصري.
ذكر إثبات الصديقية لأبي بكر, والشهادة لهما ١:
عن أنس بن مالك "أن النبي ﷺ صعد أحدًا فتبعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم, فضربه النبي ﷺ برجله وقال: "اثبت أحد, فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان". خرجه أحمد والبخاري والترمذي وأبو حاتم.
وعن بريدة "أن رسول الله ﷺ كان جالسًا على حرا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فتحرك الجبل فقال رسول الله ﷺ : "اثبت حرا, فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" خرجه أحمد, وقد سبق في الباب الثالث من حديث مسلم وغيره عن أبي هريرة وفيه زيادة: علي وطلحة والزبير وسعد.
وعن ثمامة عن عثمان بن عفان "أن النبي ﷺ كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا, فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض, فركضه برجله وقال: "اسكن ثبير, فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" خرجه الترمذي والنسائي.
"شرح" أحد: جبل معروف بالمدينة وهو الذي قال فيه ﷺ : "أحد جبل يحبنا ونحبه" وحرا وثبير: جبلان متقابلان معروفان بمكة, واختلاف الروايات تحمله على أنها قضايا تكررت فيهن والله أعلم, الحضيض: القرار من الأرض عند منقطع الجبل, وركضه برجله أي: ضربه بها والركض: تحريك الرجل, وإنما أسندنا الصديقية إلى أبي بكر حملًا لمطلق هذا
стр. 59
الحديث على مقيد غيره.
ذكر تبشيرهم بالجنة:
عن أبي موسى الأشعري "أنه خرج إلى المسجد فسأل عن النبي ﷺ فقالوا: توجه ههنا, فخرجت في أثره حتى دخل١ بئر أريس فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته, فتوضأ فقمت إليه فإذا هو جالس على بئر أريس وقد توسط قفها, فجلست عند الباب وقلت: لأكونن بوابًا للنبي ﷺ اليوم فجاء أبو بكر فدفع الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر فقلت: على رسلك, ثم ذهبت إلى رسول الله ﷺ فقلت: هذا أبو بكر يستأذن فقال: "ائذن له وبشره بالجنة" فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل فرسول الله ﷺ يبشرك بالجنة, فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع ﷺ وكشف عن ساقيه, ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني فقلت: إن يرد الله بفلان خيرًا -يريد أخاه- يأت به, فإذا بإنسان يحرك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب فقلت: على رسلك, ثم جئت إلى النبي ﷺ فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذنك فقال: "ائذن له وبشره بالجنة" فجئت فقلت: ادخل ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة, فجلس مع رسول الله ﷺ في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر, فرجعت فجلست وقلت: إن يرد الله بفلان خيرًا يأت به".
"ذكر ما روي" عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: يا أهل العراق أحبونا بحب الإسلام, فوالله ما زال حبكم بنا٢ حتى صار سبًّا: فيه تعريض بالإنكار على مزج حبهم بما ينسب إليهم من بغض أبي بكر وعمر وسبهما.
стр. 60
ذكر ما روي عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب:
عن ابن أبي حفصة قال: سألت محمد بن علي وجعفر بن محمد عن أبي بكر وعمر فقال١: إماما عدل تولهما وتبرأ من عدوهما, ثم التفت إلى جعفر بن محمد فقال: يا سالم ألست الرجل جده أبو بكر الصديق لا نالتني شفاعة جدي محمد إن لم أكن أتولاهما وأتبرأ من عدوهما.
وعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: من جهل فضل أبي بكر وعمر جهل السنة. وعنه وقد قيل له: ما ترى في أبي بكر وعمر؟ فقال: إني أتولاهما وأستغفر لهما وما رأيت أحدًا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما. وعنه وقد سئل عن قوم يسبون أبا بكر وعمر فقال: أولئك المراق٢. وعنه قال: من شك فيهما كمن شك في السنة, وبغض أبي بكر وعمر نفاق وبغض الأنصار نفاق, إنه كان بين بني هاشم وبين بني عدي وبني تيم شحناء في الجاهلية فلما أسلموا تحابوا ونزع الله ذلك من قلوبهم حتى إن أبا بكر اشتكى خاصرته, فكان علي يسخن يده بالنار ويضمد بها خاصرة أبي بكر, ونزلت فيهم هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِين﴾ ٣.
وعن جابر الجعفي عن محمد بن علي قال: يا جابر, بلغني أن أقوامًا بالعراق يزعمون أنهم يحبوننا ويتناولون أبا بكر وعمر, ويزعمون أني أمرتهم بذلك فأبلغهم أني إلى الله منهم بريء, والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلى الله بدمائهم, لا نالتني شفاعة محمد إن لم أكن أستغفر لهما وأترحم عليهما.
وعنه قال: قال محمد بن علي: أخبر أهل الكوفة عني أني بريء ممن تبرأ
стр. 61
من أبي بكر وعمر. وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان آل أبي بكر يدعون على عهد رسول الله ﷺ وفي رواية يسمون: آل محمد. وعنه لما فتح رسول الله ﷺ خيبر قسم تمرها وزبيبها بين المهاجرين والأنصار وقسم الحقل بين بني هاشم وهو الحنطة والشعير, وقسم لآل أبي بكر معهم -لم يدخل فيهم أحدا غيرهم- مائة أو مائتي وسق وكان نصيب العباس مائتي وسق, وذكر ما روي عن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن زيد بن علي قال: البراءة من أبي بكر وعمر براءة من علي, فمن شاء فليتقدم ومن شاء فليتأخر.
وعنه وقد قيل له: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ قال: أتولاهما قيل: فكيف تقول فيمن تبرأ منهما؟ قال: أنا بريء منه حتى أموت. وعن ابن أبي الجارود حسين بن المغيرة الواسطي أن رهطًا اجتمعوا إلى زيد بن علي فقالوا: يابن رسول الله إذا خرجت تظهر البراءة من أبي بكر وعمر فقال: لا قالوا: فإنا نبرأ من دمك ولا نخرج معك إلا أن تتبرأ من أبي بكر وعمر فيضرب معك منا بالسيف ستون ألفًا قال: فلما قاموا ليخرجوا وتبين منهم قال: ارجعوا لأحدثكم حديثًا فرجعوا قال: حدثني أبي عن جدي عن علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: "يا علي أبشر أنت وشيعتك في الجنة, إلا أن ممن يحبك قومًا يظهرون الإسلام ويلفظونه, يمرقون من الحنيفية كمروق السهم من الرمية, لهم نبز يدعون به يقال لهم: الرافضة, فإن أدركتهم يا علي فقاتلهم فإنهم مشركون" قال زيد: هم أنتم, اللهم إن هؤلاء حربي في الدنيا والآخرة ثم دعا عليهم. وعنه وقد سئل عن أمر فدك فقال: إن فاطمة ذكرت لأبي بكر أن النبي ﷺ أعطاها فدكًا فقال: ائتيني على ما تقولين ببينة, فجاءت برجل وامرأة فقال أبو بكر: رجل مع الرجل أو امرأة مع امرأة فأعيت فقال زيد: وايم الله لو رجع القضاء إلي لقضيت بما قضى به أبو بكر. وعنه أنه قال: من سب أبا بكر وعمر فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
стр. 62
ذكر ما روي عن جعفر بن محمد:
عن جعفر وقد سئل عن أبي بكر وعمر فقال: أتبرأ ممن تبرأ منهما, فقيل له: لعلك تقول هذا تقية فقال: إذن أنا بريء من الإسلام ولا نالتني شفاعة محمد ﷺ . وعنه قال: ما أرجو من شفاعة علي إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثله. وعنه قال: الله بريء ممن برئ من أبي بكر وعمر. وعنه وقد قيل له: إن فلانًا يزعم أنك تبرأ من أبي بكر وعمر فقال جعفر: الله بريء منه, فإني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر, ولقد اشتكيت شكاة فأوصيت إلى خالي عبد الرحمن بن القاسم.
وعنه أنه كان يقول: ما أدري لأي جدي أنا أرجى لشفاعة أبي بكر أو علي بن أبي طالب ومن لم يسمه الصديق فلا صدق الله حديثه, وقد دخل عليه وهو مريض فقال: اللهم إني أحب أبا بكر وعمر فإن كان في نفسي غيره فلا تنلني شفاعة محمد ﷺ . وعنه وقد سئل عنهما فقال: أتسأل عن رجلين قد أكلا من ثمار الجنة.
ذكر ما روي عن موسى بن جعفر عن أبيه جعفر:
وقد سئل عنهما فقال: أبو بكر جدي وعمر ختني, أفتراني أبغض جدي وختني؟
ذكر ما روي عن أولاد الحسن بن علي بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب:
عن عبد الله, وقد سئل عن أبي بكر وعمر فقال: أفضلهما وأستغفر لهما فقيل له: لعل هذا تقية وفي نفسك خلافة؟ فقال: لا نالتني شفاعة محمد ﷺ إن كنت أقول خلاف ما في نفسي. وعنه وقد سئل عنهما فقال: صلى الله عليهما ولا صلى على من لم يصل عليهما. وعنه أنه قال لرجل من الرافضة: والله إن قتلك لقربة لولا حق الجوار. وعن أبي محمد بن صالح أخي الحسن
стр. 63
ابن صالح عن عبد الله بن الحسن أنه قال له: يابن صالح ورب هذه البنية "يعني الكعبة" إن ما يقولون في الإمامة لباطل.
ذكر ما روي عن الحسن بن الحسن أخي عبد الله:
عن الحسن أنه قال لرجل ممن يغلو فيهم: ويحكم أحبونا بالله, فإن أطعنا الله فأحبونا وإن عصينا الله فابغضونا, فقال له رجل: إنكم ذوو قرابة من رسول الله ﷺ وأهل بيته فقال: ويحكم لو كان الله نافعًا بقرابة رسول الله ﷺ بغير عمل بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا أباه وأمه, والله إني أخاف أن يضاعف الله للعاصي منا العذاب ضعفين, والله إني لا أرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين, قال ثم قال: لقد أساء بنا آباؤنا وأمهاتنا إن كان ما يقولون من دين الله ثم لم يخبرونا به ولم يطلعونا عليه ولم يرغبونا فيه ونحن كنا أقرب منهم قرابة منكم وأوجب عليهم, وأحق أن يرغبونا فيه منكم ولو كان الأمر كما تقولون: إن الله جل وعلا ورسوله ﷺ اختار عليا لهذا الأمر وللقيام على الناس بعده, فإن عليا أعظم الناس خطيئة وجرمًا؛ إذ ترك أمر رسول الله ﷺ أن يقوم فيه كما أمره ويعذر إلى الناس فقال له الرافضي: ألم يقل النبي ﷺ لعلي: "من كنت مولاه فعلي مولاه"؟ فقال: أما والله لو يعني رسول الله ﷺ بذلك الأمر والسلطان والقيام على الناس, لأفصح به كما أفصح بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولقال: أيها الناس إن هذا لولي بعدي فاسمعوا وأطيعوا. خرج جميع الأذكار من أهل البيت الحافظ أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسن السمان الرازي في كتاب الموافقة بين أهل البيت والصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين.
فصل يتضمن ذكر أبي بكر وعلي:
عن علي قال: قيل لعلي وأبي بكر يوم بدر: "مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال أو قال: يشهد الصف". خرجه أحمد والحاكم في المستدرك على الصحيحين, وتمام في فوائده.
стр. 64
القسم الثاني: في مناقب الأفراد
الباب الأول: في مناقب خليفة رسول الله أبي بكر الصديق
الفصل الأول: في ذكر نسبه وإسلام أبويه
...
القسم الثاني: في مناقب الأفراد وفيه عشرة أبواب
الباب الأول: في مناقب خليفة رسول الله أبي بكر الصديق-﵁
وفيه خمسة عشر فصلًا
"الفصل الأول" في نسبه, "الثاني" في اسمه "الثالث" في صفته, "الرابع" في إسلامه "الخامس" فيمن أسلم علي يديه "السادس" فيما كان بينه وبين النبي ﷺ من الود في الجاهلية "السابع" فيما لقي بسبب دعائه إلى الله تعالى ودفعه عن رسول الله ﷺ "الثامن" في هجرته "التاسع" في خصائصه "العاشر" في أفضليته "الحادي عشر" في الشهادة له بالجنة "الثاني عشر" في فضائله "الثالث عشر" في خلافته "الرابع عشر" في وفاته "الخامس عشر" في ولده.
الفصل الأول: في ذكر نسبه وإسلام أبويه
وقد تقدم ذكر آبائه في الشجرة في أنساب العشرة, وينسب إلى تيم بن مرة فيقال: التيمي وهو في العدد إلى مرة مثل رسول الله ﷺ لأن بين كل واحد منهما وبين مرة ستة آباء, فهذه موافقة اتفقت بينهما في النسب كما اتفقت في العمر على أصح الأقوال كما سيأتي إن شاء الله. "أمه" أم الخير
стр. 65
لفظًا ومعنًى, سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بنت عم أبيه, هكذا ذكره جمهور أهل النسب ومن شذ فقال: بنت صخر بن عامر بن عمر بن كعب, فجعلها ابنة عمه فليس بصحيح.
ذكر إسلام أبي قحافة:
عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة, أبو أبي بكر الصديق أسلم يوم الفتح وبايع رسول الله ﷺ وعاش مدة حياة النبي ﷺ ومدة خلافة ولده, وتوفي في خلافة عمر ﵃ أجمعين.
عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "لما وقف رسول الله ﷺ بذي طوى قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده: أي بنية اظهري بي على أبي قبيس قالت: وقد كف بصره قالت: فأشرفت به عليه فقال: يا بنية ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادًا مجتمعًا قال: تلك الخيل قالت: وأرى رجلًا يسعى بين ذلك السواد مقبلًا ومدبرًا قال: يا بنية ذلك الوازع الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها ثم قالت: قد والله انتشر السواد فقال: قد والله دفعت الخيل فأسرعي بي إلى بيتي, فانحطت به وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته وفي عنق الجارية طوق لها من ورق فتلقاها رجل فاقتلعه من عنقها قالت: فلما دخل رسول الله ﷺ مكة ودخل المسجد أتاه أبو بكر بأبيه يقوده, فلما رآه النبي ﷺ قال: "هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه" قال أبو بكر: يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه".
وفي رواية: "لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه مكرمة لأبي بكر" قال: فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال له: "أسلم" فأسلم وكان رأسه كالثغامة فقال رسول الله ﷺ : "غيروا هذا من شعره" ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال: أنشد الله والإسلام وطوق أختي فلم يجبه أحد فقال: "يا أخية احتسبي طوقك, فوالله إن الأمانة في الناس اليوم لقليل" خرجه أحمد وأبو حاتم وابن إسحاق وفي رواية بعد قوله: "ألا تركت الشيخ حتى نأتيه؟ " قال: أردت يا
стр. 66
رسول الله أن يأخذه الله أما والذي بعثك بالحق لأنا كنت أشد فرحًا بإسلام أبي طالب مني بإسلام أبي, ألتمس بذلك قرة عينك قال: "صدقت" خرجه في فضائل أبي بكر وقال: حديث حسن. "شرح" الوازع: الذي يتقدم الصف فيصلحه ويقدم يؤخر, ومنه قول الحسن: لا بد للناس من وازع أي: سلطان يكف بعضهم عن بعض, والثغامة: واحدة الثغام, وهو نبت يبيضّ إذا يبس ويشبه به الشيب, ذكره الجوهري اللغوي.
ذكر إسلام أمه أم الخير:
سلمى بنت صخر أسلمت قديمًا في دار الأرقم بن أبي الأرقم, وبايعت النبي ﷺ وماتت مسلمة, ذكره الحافظ الدمشقي وصاحب الصفوة وغيرهما عن عائشة قالت: "لما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ وكانوا تسعة وثلاثين رجلًا, ألح أبو بكر على رسول الله ﷺ في الظهور فقال: "يا أبا بكر إنا قليل" فلم يزل يلح على رسول الله ﷺ حتى ظهر رسول الله ﷺ وتفرق المسلمون في نواحي المسجد وقام أبو بكر في الناس خطيبًا ورسول الله ﷺ جالس, وكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله ﷺ وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضربوهم في نواحي المسجد ضربًا شديدًا, ووطئ أبو بكر وضرب ضربًا شديدًا, ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرفهما لوجهه وأثر ذلك حتى ما يعرف أنفه من وجهه, وجاءت بنو تيم تتعادى فأجلوا المشركين عن أبي بكر وحملوا أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه بيته ولا يشكون في موته, ورجع بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة ورجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجابهم فتكلم آخر النهار: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فنالوه بألسنتهم وعذلوه ثم قاموا وقالوا لأم الخير بنت صخر: انظري أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه.
فلما خلت به وألحت جعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالت: والله
стр. 67
ما أعلم بصاحبك قال: فاذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه, فخرجت حتى جاءت إلى أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله قالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله, وإن تحبي أن أمضي معك إلى ابنك فعلت؟ قالت: نعم فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعًا دنفًا فدنت منه أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: إن قومًا نالوا منك هذا لأهل فسق, وإني لأرجو أن ينتقم الله لك قال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالت: هذه أمك تسمع قال: فلا عين عليك منها قالت: سالم صالح, قال: فأين هو؟ قالت: في دار الأرقم قال: فإن لله علي ألية أن لا أذوق طعامًا ولا شرابًا أو آتي رسول الله ﷺ فأمهلناه حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجتا به يتكئ عليهما حتى دخلتا على النبي ﷺ قال: فانكب عليه فقبله وانكب عليه المسلمون ورق له رسول الله ﷺ رقة شديدة فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي ليس بي إلا ما نال الفاسق من وجهي, هذه أمي برة بوالديها, وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله لها عسى أن يستنقذها بك من النار, فدعاها رسول الله ﷺ فأسلمت فأقاموا مع رسول الله ﷺ شهرًا وهم تسعة وثلاثون رجلًا, وكان إسلام حمزة يوم ضرب أبي بكر".
خرجه الحافظ الدمشقي في الأربعين الطوال, وخرجه ابن ناصر السلامي من حديث عبد الله بن محمد الطلحي عن القاسم بن محمد عن عائشة.
"شرح" الألية: اليمين على وزن فعلية الجمع: الألايا, قال الشاعر:
قليل الألايا حافظ يمينه ... وإن سبقت منه الألية برت
وكذلك الألوة بضم الهمزة وفتحها وكسرها وإسكان اللام, وأما الألوة بالتشديد وضم الهمزة وفتحها فالعود الذي يتبخر به, هدأت الرجل
стр. 68
بالهمز: سكنت والهدأة والهدوء: السكون. وعن علي بن أبي طالب قال في أبي بكر: أسلم أبواه جميعًا ولم يجتمع لأحد من الصحابة المهاجرين أبواه غيره, أخرجه الواحدي.
وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ ١ نزلت في أبي بكر, وكان حمله وفصاله كذلك قال: وقد علم أن كل أحد لا يلهم هذا القول, فعلم أنه رجل بعينه "وكان أبا بكر" ومعنى بلوغ أشده ثلاث عشرة سنة, وذلك أنه صحب رسول الله ﷺ وهو ابن ثماني عشرة سنة في تجارة إلى الشام وكان لا يفارقه في أسفاره وحضره, فرأى من الآيات ما سبق بها اليقين في قلبه, فلما بعث النبي ﷺ آمن به وصدقه وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ بالهداية إلى الإيمان ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ كذلك ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ فأجابه الله تعالى وأعتق سبعة مؤمنين ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ فأجابه الله تعالى أيضًا ولم يبق له ولد ولا ولد ولد إلا آمن وصدق. خرجه الواحدي وأسلمت أيضًا أخته لأبيه أم فروة بنت أبي قحافة وتزوجت الأشعث بن قيس فولدت له محمدًا, ذكره الدارقطني.
стр. 69
الفصل الثاني: في ذكر اسمه
وكان اسمه ﵁ عبد الله وقيل: عبد الكعبة, فلما أسلم سماه النبي ﷺ عبد الله قاله جمهور أهل النسب, وأكثر المحدثين ذكر اسمه عتيقًا, واختلفوا في ذلك فقيل: إنه لقب به في الإسلام وهو أول لقب لقب به في الإسلام, قاله محمد بن حمدويه النيسابوري, وقال ابن إسحاق في جماعة: بل هو اسم سماه به أبوه ويروى ذلك عن عائشة ﵂.
وروي عن موسى بن طلحة أنه سمته به أمه واختلفوا لم سمي عتيقًا؟ فقال الليث بن سعد في جماعة: سمي بذلك لعتاقة وجهه وجماله والعتق الجمال وقيل: إن الذي لقبه به لجمال وجهه رسول الله ﷺ , ذكره ابن قتيبة في المعارف. وعن موسى بن طلحة بن عبيد الله قال: كانت أمه لا يعيش لها ولد فلما ولدته استقبلت به البيت ثم قالت: اللهم إن هذا عتيقك من الموت, فهبه لي, فعاش فسمته عتيقًا وكان يعرف به. رواه الخجندي في الأربعين وغيره وقيل: كان له أخوان: عتق وعتيق فسمي باسم أحدهما, ذكره البغوي في معجمه وقال مصعب وطائفة من أهل النسب: إنما سمي عتيقًا؛ لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به.
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: سمي بذلك؛ لأنه قديم في الخير والعتيق: القديم تقول منه: عتق بضم التاء عتقًا وعتاقة وقال آخرون: سمي بذلك لأن رسول الله ﷺ قال: "من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا" فسمي عتيقًا لذلك, روته عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: وإن اسمه الذي سماه به أهله لعبد الله, ذكره أبو عمر وغيره وعليه أكثر المحدثين.
وعن عبد الله بن الزبير قال: كان اسم أبي بكر عبد الله بن عثمان فقال له النبي ﷺ : "أنت عتيق الله من النار" فسمي عتيقًا لذلك. خرجه الترمذي وأبو حاتم ولا تضاد بين هذه الأقوال كلها؛ إذ يجوز أن يكون أحد الأبوين لقبه بذلك لمعنى ثم تابعه الآخر عليه له أو لمعنى آخر, ثم استعملته قريش وأقرته عليه, ثم أقر عليه بعد الإسلام.
وما يروى عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "يا أبا بكر, أنت عتيق الله من النار" فمن يومئذ سمي عتيقًا فمعناه والله أعلم, فمن ذلك اليوم اشتهر به حتى لا يعرف له اسم سواه.
стр. 70
"ذكر اسمه الصديق":
واختلف في ذلك لأي معنى فقيل: كان هذا اللقب قد غلب عليه في الجاهلية؛ لأنه كان في الجاهلية وجيهًا رئيسًا من رؤساء قريش, وكانت إليه الأشناق وهي الديات كان إذا تحمل شنقًا قالت قريش: صدقوه, وأمضوا حمالته وحملها من قام معه, وإذا تحملها غيره خذلوه ولم يصدقوه.
قال الجوهري: الشنق ما دون الدية, وقيل: سمي صديقًا؛ لتصديقه النبي ﷺ في خبر الإسراء. عن عائشة قالت: لما أسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك, فارتد ناس كانوا آمنوا به, وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: وقد قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك لقد صدق قالوا: تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ فقال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك في خبر السماء في غدوة وروحة؛ فلذلك سمي الصديق. خرجه الحاكم في المستدرك وابن إسحاق وقال مكان غدوة وروحة: في ساعة من ليل أو نهار, وزاد: فهذا أبعد مما تعجبون منه.
ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ وقال: يا نبي الله, حدث هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: "نعم" قال: يا نبي الله فصفه لي فإني قد جئته, قال الحسن فقال رسول الله ﷺ : "رفع لي حتى نظرت إليه" فجعل رسول الله ﷺ يصفه لأبي بكر فيقول أبو بكر: صدقت أشهد أنك رسول الله, كلما وصف له منه شيئًا قال: صدقت أشهد أنك رسول الله قال حتى إذا انتهى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "وكنت يا أبا بكر الصديق" فسماه يومئذ الصديق.
قال الحسن: وإن الله أنزل فيمن ارتد عن إسلامه لذلك: ﴿وَمَا
стр. 71
جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ١ وقول أبي بكر: صفه لي يحتمل معنيين:
أحدهما: إظهار صدق النبي ﷺ لقومه, فإنهم كانوا يثقون بقول أبي بكر فإذا طابق خبره ﷺ ما كان يعلم أبو بكر وصدقه به كان حجة عليهم ظاهرة.
الثاني: طمأنينة قلبه كقول٢ إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٣ لا أن أبا بكر كان عنده شك, كلا بدليل تصديقه أول وهلة والله أعلم.
وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى رفع لي بيت المقدس وأنا عند الكعبة, فجعلت أنظر إليه وإلى ما فيه, ولقد رأيت جهنم وأهلها فيها وأهل الجنة في الجنة قبل أن يدخلوها كما أنظر إليك, فخبرت بذلك قومي فكذبوني غير أبي بكر الصديق".
وعن مولى أبي هريرة قال أبو بكر بن أبي قحافة: أراه قال عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال ليلة أسري به: "قلت لجبريل ﵇: إن قومي لا يصدقونني, قال لي جبريل: يصدقك أبو بكر وهو الصديق". خرجهما في فضائل أبي بكر وخرج الباقي الملا في سيرته وقيل: سمي صديقًا لبداره إلى تصديق رسول الله ﷺ في كل ما جاء به عمومًا, ويشهد لراجحية هذا القول أن الصديق في اللغة -فعيل- معناها المبالغة في التصديق أي: يصدق بكل شيء أول وهلة.
ويؤيده حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "هل أنتم
стр. 72
تاركون لي صاحبي؟ قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا, فقلتم: كذبت, وقال أبو بكر: صدقت" وسيأتي الحديث مستوعبًا إن شاء الله تعالى.
وعن النزال بن سبرة قال: وافقت من علي ذات يوم طيب نفس ومزاحًا فقلنا: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أصحابك قال: كل أصحاب رسول الله ﷺ أصحابي فقلنا: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أصحابك خاصة قال: لم يكن لرسول الله ﷺ صاحب إلا وهو لي صاحب, قلنا: فأخبرنا عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: سلوني قالوا: أخبرنا عن أبي بكر بن أبي قحافة قال: ذاك امرؤ سماه الله الصديق على لسان جبريل ﵇ وعلى لسان محمد ﷺ كان خليفة رسول الله ﷺ رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا, خرجه الخلعي وابن السمان في الموافقة.
وعن أبي إسحاق السبيعي عن أبي يحيي قال: لا أحصي كم سمعت عليا على المنبر يقول: إن الله سمى أبا بكر على لسان نبيه ﷺ صديقًا, خرجه في فضائله.
وعن علي بن أبي طالب أنه كان يحلف بالله العظيم أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق, خرجه السمرقندي وصاحب الصفوة.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عرج بي إلى السماء فما رأيت شيئًا إلا وجدت اسمي فيه مكتوبًا: محمد رسول الله, وأبو بكر الصديق خليفتي" خرجه ابن عرفة العبدي والثقفي الأصبهاني.
وعن الزهري يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "يكون خلفي اثنا عشر خليفة, أبو بكر الصديق لا يلبث إلا قليلًا" خرجه صاحب الصفوة وقد سبق هذا الحديث في مناقب الثلاثة من رواية عمر, وفيه ذكر الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان, خرجه ابن الضحاك والصوفي عن يحيى بن معين. ولا حجة في هذه الأحاديث لأحد المعنيين بعينه، بل يجوز أن يكون سماه
стр. 73
الفصل الثالث: في ذكر صفته، ﵁
عن عائشة ﵂ وقد قيل لها: صفي أبا بكر قالت: كان أبيض نحيفًا خفيف العارضين, أجنأ لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه, معروق الوجه غائر العينين, ناتئ الجبهة عاري الأشاجع, خرجه أبو عمر.
وعن قيس بن أبي حازم قال: قدمت على أبي بكر مع أبي في مرضه الذي مات فيه, فرأيته رجلًا أسمر خفيف اللحم, خرجه أبو بكر بن مخلد والمشهور ما تقدم من أنه كان أبيض وكان يخضب بالحناء والكتم, خرجه مسلم.
"شرح" أجنأ بالجيم والهمزة أي: منحنيًا, تقول منه: جنأ يجنأ جنا بالقصر وجنوا, ومنه سمي الترس مجنا -بضم الميم- لانجنائه وأحنى بالحاء غير مهموز بمعناه, يقال: رجل أحنى الظهر وامرأة حنياء وحنواء أي: منحنية, والحقو: الكشح والحقوان: الكشحان والجمع: أحق وقد يسمى الإزار حقوا للمجاورة؛ لأنه يشد على الحقوين, معروق الوجه أي: قليل اللحم حتى يتبين حجم العظم, الأشاجع: جمع أشجع بزنة أصبع وهي أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف, والكتم بالتحريك: نبت, وعن الأصمعي قال: قال أبو عمرو بن العلاء: كان النبي ﷺ أفرع وكان أبو بكر أفرع, وكان عمر أصلع لم يبق من شعره إلا حفاف, وهو أن يبقى منه مثل الطرة حول رأسه يقال: رجل أفرع وامرأة فرعاء, إذا كان الشعر تاما لم يذهب منه شيء.
وقال ابن دريد: يقال امرأة فرعاء إذا كانت كثيرة الشعر, ولا يقال للرجل إذا كان عظيم الجمة واللحية: أفرع إنما يقال: رجل أفرع لضد الأصلع, وأما صفاته المعنوية فقد تقدم في ثناء علي في باب أبي بكر وعمر طرف منها, وسيأتي في باب فضائله الكثير منها إن شاء الله تعالى.
стр. 74
الفصل الرابع: في إسلامه, ذكر بدء إسلامه
عن ربيعة بن كعب قال: كان إسلام أبي بكر شبيهًا بالوحي من السماء, وذلك أنه كان تاجرًا بالشام فرأى رؤيا فقصها على بحيرا الراهب فقال له: من أين أنت؟ فقال: من مكة فقال: من أيها؟ قال: من قريش قال: فأي شيء أنت؟ قال: تاجر قال: إن صدق الله رؤياك فإنه يبعث نبي من قومك تكون وزيره في حياته وخليفته من بعد وفاته, فأسرّ ذلك أبو بكر في نفسه، حتى بعث النبي ﷺ فجاءه فقال: يا محمد ما الدليل على ما تدعي؟ قال: "الرؤيا التي رأيت بالشام" فعانقه وقبل بين عينيه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله, قال أبو بكر: وما بين لابتيها أشد من سرور رسول الله ﷺ بإسلامي, خرجه الفضائلي.
وعن عائشة قالت: خرج أبو بكر يريد النبي ﷺ وكان صديقًا له في الجاهلية فلقيه فقال: يا أبا القاسم فقدت من مجالس قومك واتهموك بالعيب لآبائها وأديانها, فقال رسول الله ﷺ : "إني رسول الله أدعوك إلى الله " فلما فرغ رسول الله ﷺ أسلم أبو بكر وما بين الأخشبين أكثر منه سرورًا بإسلام أبي بكر, خرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي في الأربعين الطوال والحافظ ابن ناصر السلامي.
"شرح" الأخشبان: جبلا مكة, ومنه: "لا تزول مكة حتى يزول أخشابها" والأخشب: الجبل الخشن العظيم.
وعن أم سلمة قالت: كان أبو بكر خدنًا للنبي ﷺ وصفيًّا له, فلما بعث ﷺ انطلق رجال من قريش إلى أبي بكر فقالوا: يا أبا بكر إن صاحبك هذا قد جن, قال أبو بكر: وما شأنه؟ قالوا: هو ذاك يدعو في المسجد إلى توحيد إله واحد ويزعم أنه نبي فقال أبو بكر: وقال ذاك؟ قالوا: نعم هو ذاك في المسجد يقول, فأقبل أبو بكر إلى النبي ﷺ فطرق عليه الباب فاستخرجه فلما ظهر له قال له أبو بكر: يا أبا القاسم ما الذي بلغني عنك؟ قال: "وما بلغك عني يا أبا بكر؟ " قال: بلغني أنك تدعو لتوحيد الله وزعمت أنك رسول الله فقال النبي ﷺ : "نعم يا أبا بكر, إن ربي جعلني بشيرًا ونذيرًا, وجعلني دعوة إبراهيم وأرسلني إلى الناس جميعًا" قال له أبو بكر: والله ما جربت عليك كذبًا, وإنك لخليق بالرسالة لعظم أمانتك وصلتك لرحمك وحسن فعالك, مد يدك فأنا أبايعك, فمد رسول الله ﷺ يده فبايعه أبو بكر وصدقه, وأقر أن ما جاء به
стр. 75
الحق فوالله ما تلعثم أبو بكر حين دعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام, خرجه ابن إسحاق وخرجه صاحب فضائل أبي بكر.
قال ابن إسحاق: كان رسول الله ﷺ فيما بلغني يقول: "ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت منه كبوة ونظر وتردد, إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة, ما عكم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه".
"شرح" تلعثم الرجل في الأمر: إذا تمكث فيه وتأنى, وعكم أي: انتظر والعكم: الانتظار قاله الجوهري, وقال الخليل: نكل عنه وسيأتي في مبدأ إسلام طلحة طرف من هذا الذكر. قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أن عباس بن مرداس لما أتى النبي ﷺ قال له النبي ﷺ : "أنت القائل: فأصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟ "
فقال أبو بكر: بين عيينة والأقرع, فقال رسول الله ﷺ : "هما واحد" فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ١.
ذكر ما جاء في أول من أسلم:
عن علي بن أبي طالب قال: أول من أسلم من الرجال أبو بكر, وأول من صلى إلى القبلة علي بن أبي طالب, خرجه ابن السمان في الموافقة. وعن الشعبي قال: سألت ابن عباس وقد سئل: أي الناس كان أول إسلامًا؟ قال: أما سمعت قول حسان بن ثابت:
إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا