زبير نشدتك بالله, أتذكر يوم مر بك رسول الله ﷺ في مكان كذا وكذا وقال: "يا زبير أتحب عليا?" قلت: ألا أحب ابن خالي وعلى ديني؟! فقال: "يا علي، أتحبه?" قلت: يا رسول الله ألا أحب ابن عمتي وعلى ديني?! فقال: "يا زبير لتقاتلنه, وإنك له ظالم"؟ قال: نعم، والله لقد أنسيته منذ سمعته من رسول الله ﷺ ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك. فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبد الله وقال: ما لك? قال: قد ذكرني علي حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ يقول: "لتقاتلنه وأنت له ظالم" ولا أقاتله، ثم رجع منصرفا إلى المدينة، فرأى عبد الله بن جرموز، فقال: أي ها تورش بين الناس ثم تتركهم? والله لا نتركه، فلما لحق بالزبير ورأى أنه يريده، أقبل عليه الزبير فقال له ابن جرموز: اذكر الله، فكف عنه الزبير حتى فعل ذلك مرارًا، فقال الزبير: قاتله الله، يذكر بالله وينساه، ثم غافصه ابن جرموز فقتله. أخرجه الفضائلي وغيره.
"شرح" أي ها بمعنى كيف, والتوريش: التحريش، تقول: ورشت بين القوم وأرشت, وغافصه أي: أخذه على غرة.
قال أبو عمر: ويروى أن الزبير لما انصرف لقيه النغر -رجل من بني مجاشع- فقال: أين تذهب يا حواري رسول الله ﷺ ? إليَّ فأنت في ذمتي لا يوصل إليك، فأقبل معه، فلحقه عميرة بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع في غزاة من غزاة بني تميم، فلقوه مع الثغر، فأتاه عمير بن جرموز من خلفه وهو على فرس له ضعيفة، فطعنه طعنة خفيفة وحمل عليه الزبير وهو على فرس يقال له: ذو الخمار، حتى ظن أنه قاتله, نادى صاحبيه: يا نفيع، يا فضالة فحملوا عليه حتى قتلوه. قال أبو عمر: وهذا أصح مما تقدم.
стр. 737
وعن عبد العزيز السلمي قال: لما انصرف الزبير يوم الجمل سمعته يقول:
ولقد علمت لو أن علمي نافعي ... أن الحياة من الممات قريب
فلم ينشب أن قتله ابن جرموز. أخرجه الملاء في سيرته.
ذكر تاريخ مقتله, وسنه يوم قتل:
قيل: كان قتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وفي ذلك اليوم كانت وقعة الجمل، وسنه يومئذ سبع وستون سنة، وقيل: ست وستون, ذكره أبو عمر. وقيل: أربع وستون، وقيل: ستون، وقيل: إحدى وستون, ذكره البغوي في معجمه. وقيل: خمس وسبعون، وقيل: بضع وخمسون, ذكره صاحب الصفوة والرازي.
ذكر ما قاله علي ﵇ لقاتل الزبير:
تقدم في كيفية قتله طرف منه.
قال أبو عمر: روي أنه لما جاء قاتل الزبير عليًّا برأس الزبير، لم يأذن له وقال للآذن: بشره بالنار.
وعن زر قال: استأذن ابن جرموز على علي وأنا عنده، فقال: بشر قاتل ابن صفية بالنار. أخرجه صاحب الصفوة.
ذكر وصيته:
عن عبد الله بن الزبير قال: جعل الزبير يوم الجمل يوصيني بدينه ويقول: إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه بمولاي. قال: فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبة من مولاك? قال: الله تعالى، فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه، فيقضيه, وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال يستودعه إياه فيقول
стр. 738
الزبير: لا ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة قال عبد الله: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائة ألف؛ فقتل ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين بعتهما وقضيت دينه، فقال بنو الزبير: ميراثنا؛ قلت: والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه. فجعل كل سنة ينادي؛ فلما انقضت أربع سنين قسم بينهم، وكان للزبير أربع نسوة، فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجمع مال الزبير خمسون ألف ألف ومائتا ألف.
وعن عبد الله أنه لقيه حكيم بن حزام فقال: يابن أخي، كم على أخي? فكتمه، وقلت: مائة ألف. فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع هذا، قال: فقال عبد الله: أرأيت إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف? قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي، وكان الزبير قد اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف، ثم قال: من كان له على الزبير شيء فليوافنا على الغابة. قال: فأتاه عبد الله بن جعفر وكان له على الزبير أربعمائة ألف؛ قال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا قال: إن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم؛ قال عبد الله: لا، قال: فاقطعوا لي قطعة، قال عبد الله: من ههنا إلى ههنا، قال: فباع عبد الله منها فقضى دينه وأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف قال: فقدم على معاوية, وعنده عمر بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن ربيعة, قال: فقال له معاوية: كم قومت الغابة? قال: كل سهم بمائة ألف، قال: كم بقي منه? قال: أربعة أسهم ونصف، قال المنذر بن الزبير: أخذت منها سهما بمائة ألف، وقال عمر بن عثمان: أخذت منها سهما بمائة ألف؛ وقال ابن ربيعة: أخذت منها سهما بمائة ألف, فقال معاوية: كم بقي؟ قال: سهم ونصف، قال: قد أخذته بخمسين ومائة ألف، قال: فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير: اقسم بيننا، قال: لا والله، ثم ذكر معنى ما تقدم. أخرجهما البخاري, وذكر القلعي أن تركته بعد قضاء دينه سبعة وخمسون ألف ألف وستمائة ألف.
وعن عروة بن الزبير أن الزبير أوصى بثلث ماله ولم يدع دينارا ولا درهما. أخرجه البغوي في معجمه.
стр. 739
الفصل العاشر: في ذكر ولده
وكان له عشرون ولدًا، أحد عشر ذكرًا وتسع إناث.
ذكر الذكور:
عبد الله، وكان يكنى أبا بكر، ويكنى أيضًا أبا خبيب بابنه خبيب.
عن عائشة -رضى الله عنها- قالت: أول مولود ولد في الإسلام عبد الله بن الزبير، أتوا به النبي ﷺ فأخذ النبي ﷺ تمرة فلاكها ثم أدخلها في فيه, فأول ما دخل بطنه ريق رسول الله ﷺ .
وعن فاطمة بنت المنذر وهشام بن عروة بن الزبير قالا: خرجت أسماء بنت أبي بكر حين هاجرت وهي حبلى بعبد الله بن الزبير فقدمت قباء فنفست عبد الله بقباء، ثم خرجت حتى أتت به رسول الله ﷺ ليحنكه, فأخذه رسول الله ﷺ منها فوضعه في حجره، قالا: قالت عائشة: فمكثنا ساعة نلتمسها -يعني تمرة- قبل أن نجدها، فمضغها١ ثم بصقها في فيه؛ فإن أول شيء دخل بطنه ريق رسول الله ﷺ قالت أسماء: ثم مسحه وصلى٢ عليه، وسماه عبد الله، ثم جاء وهو ابن سبع سنين أو ثمانٍ ليبايع رسول الله ﷺ وأمره بذلك الزبير, فتبسم
стр. 740
رسول الله ﷺ حين رآه مقبلًا، ثم بايعه. أخرجهما البخاري.
وقال أبو عمر: كناه رسول الله ﷺ بكنية جده أبي أمه، وسماه باسمه ودعا له، وبارك عليه، وشهد١ الجمل مع أبيه وخالته، وكان فصيحًا ذا أنفة، أطلس، لا لحية له، ولا شعر في وجهه، وكان كثير الصوم والصلاة, شديد البأس، كريم الجدات والأمهات والخالات, وبويع له بالخلافة سنة أربع وستين، وقتل سنة خمس وستين بعد موت معاوية بن يزيد، واجتمع على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان، وحج بالناس ثماني حجج؛ وذكر صاحب الصفوة في صفته أنه كان إذا صلى كأنه عود من الخشوع. قال مجاهد: وكان إذا سجد يطول حتى تنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلا جذما, قاله يحيى بن ثابت.
"شرح" الجذم: أصل الشيء، والجذمة: القطعة من الجبل ونحوه.
وقال ابن المنكدر: لو رأيت ابن الزبير يصلي كأنه غصن شجرة, تصفقه الريح.
وعن عمر بن قيس عن أمه قالت: دخلت على ابن الزبير بيته وهو يصلي فسقطت حية من السقف على ابنه، ثم تطوقت على بطنه وهو نائم فصاح أهل البيت، ولم يزالوا بها حتى قتلوها، وابن الزبير يصلي ما التفت ولا عجل، ثم فرغ بعدما قتلت الحية فقال: ما بالكم? فقالت زوجته: رحمك الله أرأيت إن كنا هُنَّا عليك, يهون عليك ابنك?!
وعن محمد بن حميد قال: كان عبد الله بن الزبير يحيي الدهر أجمع
стр. 741
ليلة قائمًا حتى يصبح، وليلة راكعًا حتى يصبح، وليلة ساجدًا حتى يصبح.
وعن مسلم بن يناق المكي قال: ركع ابن الزبير يومًا ركعة, فقرأت البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وما رفع رأسه.
وعن محمد بن الضحاك وعبد الملك بن عبد العزيز: كان ابن الزبير يصوم يوم الجمعة، فلا يفطر إلا ليلة الجمعة الأخرى، ويصوم بالمدينة فلا يفطر إلا بمكة، ويصوم بمكة فلا يفطر إلا في المدينة, وأول ما يفطر عليه لبن لقحه بسمن بقر.
وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: كان ابن الزبير صواما بالنهار قواما بالليل, وكان يسمى خادم المسجد.
وعن ابن أبي مليكة قال: كان ابن الزبير يواصل سبعة أيام.
وعن وهب بن كيسان قال: ما رأيت ابن الزبير يعطي كلمة قط -لرغبة ولا لرهبة- سلطانا ولا غيره. أخرجه أبو معاوية الضرير.
وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ وإذا عبد الله بن الزبير معه طشت يشرب ما فيه, فقال النبي ﷺ : "ما شأنك يابن أخي?" قال: إني أحببت أن يكون من دم رسول الله ﷺ في جوفي، فقال: "ويل لك من الناس، وويل للناس منك، لا تمسك النار؛ إلا قسم اليمين" أخرجه ابن الغطريف.
وعن عروة قال: عبد الله بن الزبير أحب البشر إلى عائشة بعد النبي ﷺ وبعد أبي بكر, وكان أبر الناس بها. أخرجه البخاري.
وعنه, وعن وهب بن كيسان قال أهل الشام يعيرون الزبير، يقولون: يابن ذات النطاقين، فقالت أسماء: يا بني، يعيرونك بالنطاقين!! هل تدري ما النطاقين? إنما كان نطاقي شققته نصفين فأكيت قربة رسول الله
стр. 742
- ﷺ بأحدهما وجعلت في سفرته آخر. قال: وكان أهل الشام إذا عيروه بالنطاقين يقول: إيها والإله؛ تلك شكاة ظاهر عنك عارها. أخرجه البخاري.
قال الدارقطني: روى عبد الله عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن أبيه الزبير، وروى عنه أخوه عروة وبنوه، والجم الغفير.
ذكر مقتله:
قتل في أيام عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين، وعمره ثلاث وسبعون سنة, صلب بعد قتله بمكة وبدأ الحجاج في حصاره من أول ذي الحجة، وحج الحجاج بالناس ذلك العام، ووقف بعرفة وعليه درع، ولم يطوفوا بالبيت في تلك الحجة، وحاصروه ستة أشهر وسبعة عشر يومًا.
وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما كان قبل قتل ابن الزبير بعشرة أيام, دخل على أمه أسماء وهي شاكية فقال لها: كيف تجدينك يا أماه? قالت: ما أجدني إلا شاكية؛ فقال لها: إن هم الموت راحة؛ فقالت: لعلك تمنيته لي! ما أحب أن أموت حتى تأتي على أحد طرفيك إما قتلت فأحتسبك, وإما ظفرت بعدوك فقرت عيني، وقال عروة: فالتفت إلى عبد الله وضحك قال: فلما كان في اليوم الذي قتل فيه، دخل عليها في المسجد، فقالت: يا بني لا تقبل منهم خطة تخاف منها على نفسك الذل مخافة القتل؛ فوالله لضربة سيف في عز خير من ضربة سوط في مذلة، فأتاه رجل من قريش فقال: ألا نفتح لك الكعبة فتدخلها؟ فقال عبد الله: من كل شيء تحفظ أخاك إلا من حتفه، والله لو وجدوكم تحت أستار الكعبة لقتلوكم، وهل حرمة المسجد إلا كحرمة البيت? قال: ثم شد عليه أصحاب الحجاج؛ فقال: أين أهل مصر? فقالوا: هم هؤلاء
стр. 743
من هذا الباب -لأحد أبواب المسجد- فقال لأصحابه: اكسروا غماد سيوفكم ولا تميلوا عني؛ قال: فأقبل الرعيل الأول، فحمل عليهم وحملوا معه وكان يضرب بسيفين فلحق رجلا فضربه فقطع يده، وانهزموا وجعل يضربهم حتى أخرجهم من باب المسجد. قال: ثم دخل عليه أهل حمص، فشد عليهم وجعل يضربهم حتى أخرجهم من باب المسجد، ثم دخل عليه أهل الأردن من باب آخر، فقال: من هؤلاء? فقيل: من أهل الأردن فجعل يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من المسجد، ثم انصرف؛ قال: فأقبل عليه حجر من ناحية الصف، فوقع بين عينيه، فنكس رأسه، قال: ثم اجتمعوا عليه فلم يزالوا يضربونه, حتى قتلوه ومواليه جميعا.
ولما قتل كبر عليه أهل الشام، فقال عبد الله بن عمر: المكبرون عليه يوم ولد خير من المكبرين عليه يوم قتل, وقال يعلى بن حرملة: دخلت مكة بعدما قتل عبد الله بن الزبير بثلاثة أيام، فإذا هو مصلوب؛ فجاءت أمه -امرأة عجوز كبيرة طويلة مكفوفة البصر- تقاد، فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل? فقال لها الحجاج: المنافق? قالت: والله ما كان منافقا، ولكنه كان صواما قواما، فقال: انصرفي، فإنك عجوز قد خرفت, قالت: لا, والله ما خرفت، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج من ثقيف كذاب ومبير" أما الكذاب فقد رأيناه وأما المبير فأنت المبير. قال أبو عمر: الكذاب فيما يقولون: المختار بن عبيد الثقفي.
وعن ابن أبي مليكة قال: لما نزل عبد الله دعت أسماء بمركن؛ وأمرتني بغسله فكنا لا نتناول عضوا إلا جاء معنا، فكنا نغسل العضو ونضعه في الأكفان ثم نتناول الذي يليه فنغسله ونضعه في أكفانه، حتى فرغنا منه؛ ثم قامت فصلت عليه، وكانت تقول قبل ذلك: اللهم لا
стр. 744
تمتني حتى تقر عيني بجثته, فما أتت عليها جمعة حتى ماتت. أخرج ذلك كله أبو عمر.
وعن ابن نوفل معاوية بن مسلم بن أبي عقرب قال: رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة مكة قال: فجعلت قريش تمر عليه الناس، حتى مر عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه، فقال: السلام عليك أبا خبيب -ثلاثا- أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، والله إن كنت -ما علمت- صواما قواما وصولا للرحم. ثم نفد عبد الله بن عمر فبلغ ذلك الحجاج فأرسل إليه فأنزل عن جذعه، فألقي في قبور الشهود. ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر، فأبت أن تأتيه فأعاد عليها الرسول: إما أن تأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك، قال: فأبت وقالت: والله لا آتينك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني. قال: فقالت: أروني سبتيتي، فأخذ نعليه، ثم انطلق حتى دخل عليها فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله? قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك، بلغني أنك تقول له: يابن ذات النطاقين، أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبي بكر من الدواب، وأما الآخر فنطاق المرأة الذي لا تستغني عنه، أما إن رسول الله ﷺ حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا, فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا أياه, قال: فقام عنها ولم يراجعها. أخرجه مسلم.
وعن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر فمر على ابن الزبير، فوقف عليه فقال: رحمك الله، فإنك كنت صواما وصولا للرحم؛ وإني أرجو أن لا يعذبك الله .
قال الواقدي: حصر ابن الزبير ليلة هلال ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين ستة أشهر وسبع عشرة ليلة؛ ونصب الحجاج عليه المنجنيق، وألح عليه بالقتال من كل جهة، وحبس عنهم المير، وحصرهم أشد
стр. 745
الحصار فقامت أسماء يوما فصلت ودعت فقالت: اللهم لا تخيب عبد الله بن الزبير، اللهم ارحم ذلك السجود والنحيب والظمأ في تلك الهواجر. وقتل يوم الثلاث لست عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. أخرجه صاحب الصفوة.
عودة إلى ولد الزبير: "والمنذر بن الزبير" وكان يكنى أبا عثمان، وكان سيدا حليما؛ قتل مع عبد الله بمكة قتله أهل الشام، ويقال: إنه قتل وله أربعون سنة، وله عقب، وعروة كان فقيها فاضلا يكنى أبا عبد الله وأصابته الأكلة في رجله بالشام فقطعت رجله وعاش بعد ذلك ثماني سنين؛ توفي في ضيعة له بقرب المدينة وله عقب, وهو أحد الفقهاء السبعة المدنيين، وكان حين قتل عثمان بن عفان غلاما لم يبلغ الحلم؛ قال الدارقطني: وروى عن أبيه الزبير، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وأخيه عبد الله، وروى عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو، وحكيم بن حزام وعبد الله بن عباس، وسعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وأبي حميد الساعدي، وسفيان بن عبد الله الثقفي، وزيد بن ثابت, وغيرهم, وروى عن عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف مرسلا. و"المهاجر" أمهم أسماء بنت أبي بكر و"مصعب" كان يكنى أبا عبد الله وقيل: أبا عيسى، وكان أجود العرب، وكان أسمح الناس كفا، وأحسنهم وجها، كريما، شجاعا، جوادا، ممدحا وجمع بين أربع عقائل لم يكن في زمانه أجمل منهن فيما يقال. روي عن عبد الملك بن مروان أنه قال يوما لجلسائه: من أشجع العرب؟ قالوا: ابن فلان شبيب فلان. فقال عبد الملك: إن أشجع العرب لرجل جمع بين سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة وأمة الحميد بنت عبد الله بن عامر بن كريز وابنة زيان بن أنيف الكلبي سيد ضاحية العرب, ذكره الدارقطني. وولاه أخوه عبد الله العراقين، فسار إليه، وقام به خمس سنين فأصاب ألف ألف وألف ألف وألف ألف وأعطي الأمان فأبى، ومشى بسيفه حتى مات. ذلك مصعب بن الزبير، وقتل مصعب
стр. 746
سنة اثنتين وسبعين. سار إليه عبد الملك بن مروان من الشام وكاتب أصحابه فخذلهم عنه، فأسلموه ووجه إليه أخاه محمد بن مروان في مقدمته، فلقيه مصعب فقاتله فقتل مصعب وله عقب، وكان الذي تولى قتله عبيد الله بن زياد بن ظبيان، وجاء برأسه إلى عبد الملك فخر عبد الملك ساجدا، قتل وهو ابن خمس وأربعين سنة، وقيل: ست وأربعين، وقيل: اثنتين وأربعين، وقيل: خمس وثلاثين, حكاه الدارقطني. و"حمزة" قتل مع عبد الله بمكة, أمهما الرباب بنت أنيف بن عبيد الكلبية و"عبيدة" له عقب و"جعفر" أمهما زينب بنت بشر من بني قيس بن تغلب وكان عبيدة يشبه بأبيه, وشهد جعفر مع أخيه حروبه واستعمله على المدينة وقاتل يوم قتل أخوه قتالا شديدا, حتى جمد الدم على سيفه في يده، وله شعر كثير في كل فن وروى عن أبيه. و"عمر" وكان يكنى أبا الزبير، وكان له قدر كبير, وكان من أجمل أهل زمانه وقتل أيضًا وله عقب. و"خالد" له عقب أيضًا, وكان استعمله أخوه عبد الله على اليمن, أمهما أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص.
ذكر الإناث:
"خديجة الكبرى" وأم الحسن و"عائشة" أمهن أسماء, و"حبيبة" و"سودة" و"هند" أمهن أم خالد و"رملة" أمها الرباب و"زينب" أمها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وإخوتها لأمها محمد وإبراهيم وحميد وإسماعيل بنو عبد الرحمن بن عوف. و"خديجة الصغرى" أمها الجلال بنت قيس من بني أسد بن خزيمة وأخواها لأمها الزبير بن مطيع بن الأسود وعبد الرحمن بن الأسود بن أبي البختري بن هشام بن أسد بن عبد العزى بن قصي, ذكره الدارقطني. فأما خديجة الكبرى فتزوجها عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي ثم خلف عليها جبير بن مطعم, ثم خلف عليها السائب بن أبي حبيش بن المطلب بن أسد بن عبد العزى. وأما أم الحسن فتزوجها عبد الرحمن بن الحارث بن هشام, فولدت له أولادا ذكورًا وإناثًا.
стр. 747
وأما عائشة بنت الزبير فتزوجها الوليد بن عثمان بن عفان فولدت له عبد الله بن الوليد. وأما حبيبة فتزوجها يعلى بن أمية السهمي, ثم خلف عليها عبد الله بن عباس بن علقمة من بني عامر بن لؤي. وأما سودة فتزوجها الأشدق عمرو بن سعيد بن العاص, ثم خلف عليها عبد الرحمن بن الأسود بن البختري. وأما هند فتزوجها عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كريز فولدت له رجلين وهلكا, ثم خلف عليها عباس بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب فولدت له عون بن العباس. وأما رملة فتزوجها عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام فولدت له, ثم خلف عليها خالد بن زيد بن معاوية بن أبي معاوية. وأما زينب فتزوجها عتبة بن أبي سفيان بن حرب فولدت له أولادا. وأما خديجة الصغرى فتزوجها أبو يسار عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن شيبة بن ربيعة، فولدت له الزبير ومصعبا ابني أبي يسار, وليس لبنات الزبير رواية. ذكر ذلك الدارقطني، وذكر منهن "حفصة" قال: وماتت بعد أبيها ولم تتزوج.
стр. 748
الباب السابع: في مناقب أبي محمد عبد الرحمن بن عوف
الفصل الأول: في نسبه
...
الباب السابع: في مناقب أبي محمد عبد الرحمن بن عوف
وفيه عشرة فصول على ترتيب ما تقدم في طلحة
الفصل الأول: في نسبه
وقد تقدم ذكر آبائه في باب العشرة, يجتمع مع رسول الله ﷺ في كلاب بن مرة وينسب إلى زهرة بن كلاب، ويقال: القرشي الزهري. أمه الشفاء١ بنت عوف بن عبد الحارث الزهرية، أسلمت وهاجرت. ذكره ابن الضحاك وذكره الدارقطني قال: وأسلمت أختها الضيزنة بنت أبي قيس بن عبد مناف بن زهرة.
стр. 749
الفصل الثاني: في اسمه
كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو؛ وقيل: عبد الحارث؛ وقيل:
عبد الكعبة؛ فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن، ويكنى أبا محمد وسماه النبي ﷺ الصادق البار. ذكره الدارقطني.
стр. 750
الفصل الثالث: في صفته
قال الواقدي: كان رجلا طويلا، حسن الوجه رقيق البشرة, أبيض اللون مشربا بحمرة لا يغير لحيته ولا رأسه، ضخم الكفين، غليظ الأصابع، أقنى، جعدا له جمة من أسفل أذنيه، أعنق، ساقط الثنيتين أعرج, أصيب يوم أحد فهتم وجرح عشرين جراحة أو أكثر, أصاب بعضها رجله فعرج.
"شرح" ضخم الكفين: عظيمهما, أقنى: القنا: احديداب في الأنف يقال: رجل أقنى الأنف وامرأة قنواء بينة القنا, جعد الشعر ضد السبط, أعنق: طويل العنق؛ والمرأة بينة العنق, والهتم: كسر الثنايا من أصلها، يقول: ضربه فهتم فاه إذا ألقى مقدم أسنانه, ورجل أهتم بين الهتم, والثرم بالتحريك: سقوط الثنيتين أيضا، يقول منه: ثرم الرجل بالكسر ثرما وثرمته أنا بالفتح.
стр. 751
الفصل الرابع: في إسلامه
أسلم قديما قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وقد تقدم أنه من جملة من أسلم على يد أبي بكر، ذكرناه في مناقب أبي بكر، وأسلم معه أخوه الأسود بن عوف -وهاجر قبل الفتح- وأخواه لأبيه عبد الله بن عوف وحمن بن عوف ولم يهاجرا وأقاما بمكة، وعاش حمن في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام ستين سنة, وأوصيا إلى الزبير بن العوام.
стр. 752
الفصل الخامس: في هجرته
وهاجر عبد الرحمن بن عوف إلى المدينة. ذكره ابن قتيبة وأبو عمر وغيرهما، وقال ابن الضحاك: هاجر الهجرتين. ذكره في كتاب "الآحاد والمثاني".
стр. 753
الفصل السادس: في خصائصه
ذكر اختصاصه بصلاة النبي ﷺ خلفه في بعض الأحوال
عن المغيرة بن شعبة قال: تخلفت مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فتبرز وذكر وضوءه، ثم عمد الناس وعبد الرحمن يصلي بهم فصلى مع الناس الركعة الأخيرة؛ فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله ﷺ يتم صلاته، فلما قضاها أقبل عليهم وقال: "قد أصبتم وأحسنتم" يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها. أخرجاه.
وفي رواية: فأراد أن يتأخر، فأومى١ إليه النبي ﷺ أن يمضي, فصليت أنا والنبي ﷺ خلفه.
وفي رواية: قال المغيرة: فأردت تأخير عبد الرحمن، فقال لي النبي ﷺ : "دعه" أخرجه الشافعي في مسنده.
وفي رواية: فجاء النبي ﷺ وعبد الرحمن قد صلى بهم, فصلى خلفه وأتم الذي فاته، وقال: "ما قبض نبي حتى يصلي خلف رجل صالح من أمته" أخرجه صاحب الصفوة.
стр. 754
ذكر اختصاصه بالأمانة على نساء النبي ﷺ :
عن الزبير بن بكار قال: كان عبد الرحمن بن عوف أمين النبي ﷺ على نسائه. أخرجه أبو عمر.
ذكر إثبات أمانته في السماء والأرض:
عن عبد الله بن عمر أن عبد الرحمن بن عوف قال لأصحاب الشورى: هل لكم أن أختار لكم وأنتفي منها? قال علي: أنا أول من يرضى، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنت أمين في أهل الأرض" أخرجه أبو عمر، وأخرجه الحضرمي عن علي مختصرا؛ ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عبد الرحمن بن عوف أمين في الأرض, وأمين في السماء".
ذكر اختصاصه بأنه وكيل الله في الأرض:
عن علي ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : "عبد الرحمن بن عوف وكيل الله في الأرض" أخرجه الملاء في سيرته.
ذكر اختصاصه وعثمان بآي نزلت فيهما:
عن السائب في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا ... ﴾ ١ الآية: نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف، فأما عثمان فقد تقدم ذكره، وأما عبد الرحمن فجاء النبي ﷺ بأربعة آلاف درهم صدقة وقال: كان عندي ثمانية آلاف، فأمسكت أربعة آلاف لنفسي وعيالي وأربعة آلاف أقرضها ربي فقال ﷺ : "بارك الله لك فيما أمسكت, وفيما أعطيت" ونزلت الآية. أخرجه الواحدي وأبو الفرج.
стр. 755
الفصل السابع: في شهادة النبي ﷺ له بالجنة
سبق في نظيره من مناقب أبي بكر حديثه, وحديث سعيد بن زيد في الشهادة للعشرة.
وعن أنس ﵁ قال: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت رجة في المدينة فقالت: ما هذا? قالوا: عير لعبد الرحمن بن عوف من الشام تحمل من كل شيء وكانت سبعمائة بعير، فارتجت المدينة من الصوت؛ فقالت عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رأيت عبد الرحمن يدخل الجنة حبوًا" فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال: إن استطعت لأدخلها قائما, فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله . أخرجه أحمد.
وفي رواية: أنه لما بلغه قول عائشة أتاها فسألها عما بلغه، فحدثته؛ فقال: إني أشهدك أنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله . أخرجه صاحب الصفوة.
ذكر تسليم الله عليه, وتبشيره بالجنة:
عن ابن عباس ﵄ قال: وردت قافلة من تجار الشام لعبد الرحمن بن عوف فحملها إلى رسول الله ﷺ فدعا له النبي ﷺ بالجنة، فنزل جبريل وقال: "إن الله يقرئك السلام, ويقول: أقرئ عبد الرحمن السلام وبشره بالجنة" أخرجه الملاء، وسيأتي في ذكر صدقته أتم من هذا إن شاء الله تعالى. وهذه القافلة غير القافلة المتقدم ذكرها في الفصل قبله، فإن الظاهر أن تلك كانت بعد وفاة النبي ﷺ وفي تلك أري عبد الرحمن داخلا الجنة حبوا وفي هذه دعا له بها.
стр. 756
الفصل الثامن: في ذكر نبذ من فضائله
قال أبو عمر وغيره: شهد عبد الرحمن بدرا والمشاهد كلها وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة, وأحد الثمانية الذين سبقوا بالإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين شهد عمر أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راضٍ، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر وبعثه رسول الله ﷺ إلى دومة الجندل وعممه بيده, وسد لها بين كتفيه وقال له: "سر باسم الله" ووصاه بوصايا وقال له: "إن فتح الله عليك فتزوج بنت شريفهم" أو قال: "بنت مليكهم" وقال: شريفهم الأصبغ بن ثعلبة الكلبي، فتزوج ابنته تماضر وهي أم ابنة أبي سلمة.
وروي أنه ﷺ قال: "عبد الرحمن بن عوف سيد من سادات المسلمين" ذكر ذلك كله أبو عمر وغيره.
ذكر دعاء النبي ﷺ له:
عن عمر بن الخطاب قال: رأيت النبي ﷺ في منزل فاطمة والحسن والحسين يبكيان جوعا ويتضوران، فقال النبي ﷺ : "من يصلنا بشيء?" فطلع عبد الرحمن بن عوف بصحفة فيها حيس ورغيفان بينهما إهالة فقال النبي ﷺ : "كفاك الله أمر دنياك، وأما آخرتك فأنا لها ضامن" أخرجه الحافظ أبو القاسم في الأربعين الطوال.
وعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعبد الرحمن بن عوف: "بارك ١ الله في مالك, وخفف عليك حسابك يوم القيامة" أخرجه الملاء.
وروي أنه ﷺ قال: "سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة" أخرجه الدارقطني في كتاب الأخوة.
стр. 757
ذكر ثقة النبي ﷺ بإيمانه:
عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن رسول الله ﷺ أعطى رهطا منهم عبد الرحمن بن عوف ولم يعطه معهم، فخرج عبد الرحمن يبكي، فلقيه عمر بن الخطاب فقال: ما يبكيك? قال: أعطى رسول الله ﷺ رهطا وأنا معهم وتركني فلم يعطني شيئا، فأخشى أن يكون إنما منع رسول الله ﷺ لموجدة وجدها علي، قال: فدخل عمر على النبي ﷺ فأخبره بخبر عبد الرحمن وما قال، فقال رسول الله ﷺ : "ليس بي سخط عليه, ولكني وكلته إلى إيمانه" أخرجه عبد الرزاق.
ذكر أنه ولي النبي ﷺ في الدنيا والآخرة:
عن أويس بن أبي أويس عن النبي ﷺ أنه قال لعبد الرحمن بن عوف: "أنت وليي ١ في الدنيا والآخرة" أخرجه الملاء في سيرته.
ذكر أنه ممن سبقت له السعادة, وهو في بطن أمه:
عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: أغمي على عبد الرحمن ثم أفاق فقال: إنه أتاني ملكان فظان غليظان فقالا لي: انطلق نخاصمك إلى العزيز الأمين؛ قال: فلقيهما ملك فقال: إلى أين تذهبان به؟ فقالا: نخاصمه إلى العزيز الأمين. قال: فخليا عنه, فإنه ممن سبقت له السعادة وهو في بطن أمه. أخرجه الملاء في سيرته وأخرجه الواحدي في أوسطه مسندا في سورة هود عند قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ .
ذكر إثبات الشهادة له:
تقدم في باب العشرة حديث: "اثبت حرا ٢ " وفيه ما يدل على ذلك في مناقب سعيد بن زيد؛ ووجه الشهادة مع كونه مات على فراشه
стр. 758
أنه غريب وموت الغريب شهادة على ما تضمنه الحديث، فإنه مات بالمدينة -على ما سيأتي بيانه في باب ذكر وفاته- وليس ببلده، أو لعله كان مبطونا أو مطعونا، على أنني لم أقف على ذلك، لكنه يعلم -بالقطع- أن ثم سببا تثبت له به شهادة لسان النبوة له بذلك, والله أعلم.
ذكر تزكية عثمان له:
عن عروة بن الزبير أن الزبير جاء إلى عثمان وقال: إن عبد الرحمن بن عوف زعم أن النبي ﷺ أقطعه وعمر بن الخطاب أرض كذا وكذا، وإني اشتريت نصيب آل عمر، فقال عثمان: عبد الرحمن بن عوف جائز الشهادة له وعليه. أخرجه أحمد.
ذكر علمه:
عن ابن عباس ﵄ أن عمر خرج إلى الشام فلما بلغ سرغ أخبر أن الوباء قد نزل بالشام، فجمع أصحاب رسول الله ﷺ فاستشارهم فاختلفوا، فوافق رأيه رأي الرجوع، فرجع فجاء عبد الرحمن بن عوف -وكان متغيبا في بعض حاجته- فقال: إن عندي من هذا علما, سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا وقع بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه" أخرجاه، وقد تقدم مستوعبًا في نظيره من مناقب عمر.
ذكر رجوع عمر إلى رأيه:
عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال وجلد أبو بكر أربعين, فلما أن ولي عمر قال: إن الناس قد دنوا من الريف، فما ترون في حد الخمر؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: نرى أن نجعله كأخف الحدود؛ فجلد فيه ثمانين. أخرجاه.
стр. 759
ذكر إثبات رخصة للمسلمين بسببه, وقد تقدم ذكر ذلك في فضائل الزبير لاشتراكهما في سببه, ذكر خوفه من الله :
عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه أن عبد الرحمن أتي بطعام -وكان صائما- فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني, فكفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط -أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا- قد خشينا أن تكون حسناتنا قد عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام. أخرجه البخاري.
وفي بعض طرق هذا الحديث: أتي بطعام وكان صائما، فجعل يبكي وقال: قتل حمزة فلم يوجد ما يكفن فيه إلا ثوب واحد وكان خيرًا مني, وقتل مصعب بن عمير, وذكر معنى ما تقدم. وعن نوفل بن إياس الهذلي قال: كان عبد الرحمن لنا جليسا وكان نعم الجليس، وإنه انقلب يوما حتى دخل بيته ودخلنا، فاغتسل ثم خرج فجلس معنا, وأتي بصحفة فيها خبز ولحم, فلما وضعت بكى عبد الرحمن بن عوف، فقلنا له: يا أبا محمد ما يبكيك? قال: ملك رسول الله ﷺ ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، ولا أرانا أخرنا لما هو خير لنا. أخرجه صاحب الصفوة.
وعن الحضرمي قال: قرأ رجل عند النبي ﷺ لين الصوت أو لين القراءة, فما بقي أحد من القوم إلا فاضت عينه إلا عبد الرحمن بن عوف, فقال ﷺ : "إن لم يكن عبد الرحمن فاضت عينه, فقد فاض قلبه" أخرجه الفضائلي.
ذكر تواضعه:
عن سعيد بن جبير قال: كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين
стр. 760
عبيده. أخرجه صاحب الصفوة.
وعن عبد الرحمن بن عوف قال: نظرت يوم بدر عن يميني وشمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما, فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: أي عم, هل تعرف أبا جهل? قلت: نعم، فما حاجتك إليه يابن أخي? قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: فتعجبت لذلك، قال: وغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت: ألا تريان? هذا صاحبكما الذي تسألان عنه, فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه فقال: "أيكما قتله?" قال كل واحد منهما: أنا قتلته فقال: "هل مسحتما سيفيكما?" قالا: لا, فنظر رسول الله ﷺ إلى السيفين فقال: "كلاكما قتله" وقضى رسول الله ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح؛ الرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء. أخرجاه, وموضع تواضعه ﵁ تمنيه أن يكون بين أضلعهما وقدره أكثر من ذلك.
ذكر تعففه, واستغنائه حتى أغناه الله :
عن عبد الرحمن بن عوف قال: لما قدمت المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت فأنزل لك عنها فإذا حلت تزوجتها؛ فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك؛ هل من سوق فيه تجارة? قال: سوق بني قينقاع. قال: فغدا إليه عبد الرحمن، فأتى بأقط وسمن قال: ثم تابع الغدو، فما لبث أن جاء عليه أثر صفرة، فقال رسول الله ﷺ : "تزوجت?" قال: نعم. قال: "من؟ " قال: امرأة من الأنصار. قال: "فكم سقت?" قال: زنة نواة من ذهب, فقال ﷺ :
стр. 761
"أولم ولو بشاة" أخرجه البخاري.
ذكر صلته أزواج النبي ﷺ :
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول: "إن أمركن لمما يهمني بعدي، ولن يصبر عليكن إلا الصابرون" قال: ثم تقول عائشة: سقى الله أباك من سلسبيل الجنة, تريد عبد الرحمن بن عوف، وقد كان وصل أزواج النبي ﷺ بما بيع بأربعين ألفا. أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن١ صحيح، وأبو حاتم.
وعنه أن عبد الرحمن أوصى بحديقة لأمهات المؤمنين, بيعت بأربعمائة ألف. أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب٢.
ذكر صلته رحمه:
عن المسور بن مخرمة قال: باع عبد الرحمن بن عوف أرضا من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك المال في بني زهرة وفقراء المسلمين وأمهات المؤمنين، وبعث إلى عائشة معي من ذلك المال، فقالت عائشة: سقى الله ابن عوف سلسبيل الجنة. أخرجه في الصفوة.
ذكر صدقته, وبره أهل المدينة:
عن الزهري قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول الله ﷺ بشطر ماله أربعة آلاف, ثم تصدق بألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله؛ وكان عامة ماله من التجارة. أخرجه صاحب الصفوة, وأخرجه الملاء عن ابن عباس وقال: تصدق بشطر ماله -أربعة آلاف درهم- ثم
стр. 762
بأربعين ألف درهم ثم بأربعين ألف دينار ثم خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم وردت له قافلة من تجارة الشام فحملها إلى رسول الله ﷺ فدعا له النبي ﷺ بالجنة, فنزل جبريل وقال: "إن الله يقرئك السلام، ويقول: أقرئ عبد الرحمن السلام، وبشره بالجنة".
وقد تقدم في خصائصه أن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُون ... ﴾ ١ الآية, نزلت في ذلك.
وعن طلحة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كان أهل المدينة عيالًا على عبد الرحمن بن عوف، ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي دينهم بماله، وثلث يصلهم.
وعن عروة بن الزبير أنه قال: أوصى عبد الرحمن بن عوف بخمسين ألف دينار في سبيل الله تعالى. أخرجهما الفضائلي.
ذكر خروجه عن جميع ماله, وتسليم الله عليه وإخباره بقبول صدقته:
عن ابن عباس ﵄ قال: مرض عبد الرحمن بن عوف فأوصى بثلث ماله، فصح فتصدق بذلك بيد نفسه, ثم قال: يا أصحاب رسول الله ﷺ كل من كان من أهل بدر له علي أربعمائة دينار، فقام عثمان وذهب مع الناس فقيل له: يا أبا عمر ألست غنيا? قال: هذه وصلة من عبد الرحمن لا صدقة وهو من مال حلال, فتصدق عليهم في ذلك اليوم بمائة وخمسين ألف دينار، فلما جن عليه الليل جلس في بيته وكتب جريدة بتفريق جميع المال على المهاجرين والأنصار حتى كتب أن قميصه الذي على بدنه لفلان وعمامته لفلان، ولم يترك شيئا من ماله إلا كتبه للفقراء، فلما صلى الصبح خلف رسول الله ﷺ هبط جبريل وقال: "يا محمد, إن الله يقول لك: أقرئ مني على عبد الرحمن السلام واقبل منه
стр. 763
الجريدة ثم ردها عليه، وقل له: قد قبل الله صدقتك وهو وكيل الله ووكيل رسوله، يصنع في ماله ما شاء، وليتصرف فيه كما كان يتصرف قبل، ولا حساب عليه، وبشره" أخرجه الملاء في سيرته.
ذكر تبرره ١ بالعتق:
عن جعفر بن برقان قال: بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألفا. أخرجه صاحب الصفوة.
وقال أبو عمر: وقد روي أنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدًا.
ذكر أمر جبريل له بإضافة الضيف وإطعام المسكين, حتى أراد الخروج عن جميع ماله:
عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن أبيه أن رسول الله قال له: "يابن عوف إنك من الأغنياء، وإنك لن تدخل الجنة إلا زحفا -وفي رواية: حبوا- فأقرض الله يطلق لك قدمك" قال ابن عوف: ما الذي أقرض الله? قال: "مما أمسيت فيه" قال: من كله أجمع يا رسول الله? قال: "نعم" فخرج ابن عوف وهو يهم بذلك, فأتى جبريل فقال: "مر ابن عوف فليضف الضيف وليطعم المسكين وليعط السائل؛ فإذا فعل ذلك كان كفارة لما هو فيه" أخرجه الفضائلي.
ذكر ما فضل به عبد الرحمن وغيره من السابقين على غيرهم ممن شاركهم في أعمالهم, أو زاد عليهم:
عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن رجلا من أهل المدينة قال: والله لأقدمن المدينة ولأحدثن عهدا بأصحاب رسول الله ﷺ فقدم المدينة قال: فلقي المهاجرين إلا عبد الرحمن بن عوف، فأخبر أنه بالجرف في أرضه، فأقبل يسير حتى إذا جاء عبد الرحمن وهو يحول الماء بمسحاة في يده
стр. 764
واضعا رداءه, فلما رآه عبد الرحمن استحى فألقى المسحاة وأخذ رداءه، فوقف الرجل عليه فسلم عليه ثم قال: جئتك لأمر ثم رأيت أعجب منه، هل جاءكم إلا ما جاءنا? وهل علمتم إلا ما علمنا? قال عبد الرحمن: ما جاءنا إلا ما جاءكم وما علمنا إلا من علمتم, فقال الرجل: فما لنا نزهد في الدنيا وترغبون فيها, ونخف في الجهاد وتتثاقلون عنه وأنتم خيارنا وسلفنا وأصحاب نبينا ﷺ ? فقال له عبد الرحمن: إنه لم يأتنا إلا ما جاءكم, ولم نعلم إلا ما قد علمتم, ولكنا ابتلينا بالضراء فصبرنا, وابتلينا بالسراء فلم نصبر. أخرجه ابن حويصا.
ذكر شهادة عمر بن الخطاب بصلاحيته للخلافة, لولا ضعف فيه:
عن ابن عمر قال: خدمت عمر وكنت له هائبًا معظمًا، فدخلت عليه ذات يوم في بيته وقد خلا بنفسه، فتنفس تنفسا ظننت أن نفسه خرجت، ثم رفع رأسه إلى السماء فقلت له: والله ما أخرج هذا منك إلا هم يا أمير المؤمنين قال: هم والله، هم شديد، إن هذا الأمر لم أجد له موضعًا -يعني الخلافة- قال: فذكرت له عليا وطلحة والزبير وسعدا وعثمان فذكر في كل واحد منهم معارضًا, فذكرت له عبد الرحمن بن عوف فقال: أوه! نعم المرء! ذكرت رجلا صالحا إلا أنه ضعيف، وهذا الأمر لا يصلح له إلا الشديد من غير عنف، اللين من غير ضعف، الجواد من غير سرف، الممسك من غير بخل. أخرجه القاسم بن سلام في مصنفه.
стр. 765
الفصل التاسع: في ذكر وفاته, وما يتعلق بها
توفي ﵁ سنة إحدى وثلاثين، وقيل: اثنتين وثلاثين وهو ابن خمس وسبعين، وقيل: اثنتين وسبعين، ودفن بالبقيع، وصلى عليه عثمان وكان أوصى بذلك.
وروى ابن النجار في كتاب أخبار المدينة بسنده عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه قال: أرسلت عائشة إلى عبد الرحمن بن عوف حين نزل به الموت أن هلم إلى رسول الله ﷺ وإلى أخويك، فقال: ما كنت مضيقًا عليك بيتك، إني كنت عاهدت ابن مظعون أينا مات دفن إلى جنب صاحبه, فيكون على هذا قبر عثمان بن مظعون وقبر عبد الرحمن بن عوف في قبة إبراهيم ابن النبي ﷺ فينبغي أن يزار هناك.
ذكر ما روي عنه عند الموت:
قال أبو عمر: لما حضرته الوفاة بكى بكاء شديدا، فسئل عن بكائه فقال: إن مصعب بن عمير كان خيرًا مني، توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يكن له ما يكفن فيه، وإن حمزة بن عبد المطلب كان خيرًا مني، توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يجد له كفنا؛ وإني أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في حياته الدنيا، وأخاف أن أحبس عن أصحابي لكثرة مالي.
وقد تقدم في ذكر خوفه صدور هذا القول عنه وهو صائم, ولعله تكرر منه وهو الأظهر؛ أو كان صائما وقد حضرته الوفاة، وقد تقدم أيضا في ذكر صدقته أنه أوصى أن يتصدق من ماله بخمسين ألف دينار، وفي ذكر صلته لأزواج النبي ﷺ أنه أوصى لهن بحديقة فبيعت بأربعمائة ألف.
ذكر ما خلفه:
عن محمد أن عبد الرحمن بن عوف توفي, وكان فيما خلفه ذهب قطع بالفئوس حتى مجلت أيدي الرجال منه، وترك أربع نسوة فأصاب كل امرأة ثمانون ألفا. أخرجه في الصفوة.
وقال أبو عمر: كان تاجرًا مجدودًا١ في التجارة، فكسب مالا كثيرا وخلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومائة فرس ترعى بالبقيع، وكان يزرع
стр. 766
بالجرف على عشرين ناضحًا، فكان يدخل من ذلك قوت أهله سنة.
وعن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن قال: صالحنا امرأة عبد الرحمن التي طلقها في مرضه من ثلث الثمن بثلاثة وثمانين ألفا, وفي رواية: من ربع الثمن. أخرجه أبو عمر.
وقال الطائي: قسم ميراثه على ستة عشر سهما, فبلغ نصيب كل امرأة ثمانين ألف درهم.
стр. 767
الفصل العاشر: في ولده
وكان له ثمانية وعشرون ذكرًا وثماني بنات.
ذكر الذكور:
"محمد" وبه كان يكنى، ولد في الإسلام، و"سالم الأكبر" مات قبل الإسلام، أمهما أم كلثوم بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس, قاله أبو عمر وذكر ابن قتيبة وصاحب الصفوة أن محمدًا أخو حميد لأمه، وسيأتي؛ و"أبو سلمة الفقيه" واسمه عبد الله الأصغر، أمه تماضر بنت الأصبغ، ذكره ابن قتيبة وغيره "وإبراهيم" و"إسماعيل" و"حميد" أمهم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ذكره في الصفوة و"زيد" قال ابن قتيبة: أمه أم إبراهيم، وقال في الصفوة: أمه أم معن، وسيأتي ذكره و"معن" و"عمر" أمهما سهلة بنت عاصم بن عدي، و"عروة الأكبر" أمه بحرية بنت هانئ و"سالم الأصغر" أمه سهلة بنت سهيل بن عمر، و"أبو بكر" أمه أم حكيم بنت قارظ، و"عبد الله" أمه بنت أبي الخشخاش؛ و"عبد الرحمن" أمه أسماء بنت سلامة؛ و"مصعب" أمه أم حريث من سبي بهراء، و"سهيل" أبو الأبيض أمه مجد بنت يزيد؛ و"عثمان" أمه عراك بنت كسرى، أم ولد، و"عروة" و"يحيى" و"بلال" لأمهات أولاد.
стр. 768
ذكر البنات:
"أم القسم" ولدت في الجاهلية، أمها أم سالم الأكبر، وقال في الصفوة: أمها بنت شيبة بنت ربيعة و"حميدة" و"أمة الرحمن الكبرى" أمهما أم حميد؛ و"أمة الرحمن الصغرى" شقيقة معن، و"أم يحيى" أمها زينب بنت الصباح؛ و"جويرية" أمها بادنة بنت غيلان؛ و"أمية" و"مريم" شقيقتا مصعب.
стр. 769
الباب الثامن: في مناقب سعد بن مالك
الفصل الأول: في نسبه
...
الباب الثامن: في مناقب سعد بن مالك
وفيه عشرة فصول على ترتيب فصول طلحة
الفصل الأول: في نسبه
وقد تقدم ذكر آبائه في باب العشرة في ذكر الشجرة، يجتمع مع رسول الله ﷺ في كلاب بن مرة، وينسب إلى زهرة بن كلاب، فيقال: الفرشي الزهري، ويجتمع هو وعبد الرحمن في زهرة.
عن سعد بن أبي وقاص أنه قال للنبي ﷺ : من أنا يا رسول الله? قال: "أنت سعد بن مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة؛ من قال غير ذلك فعليه لعنة الله" أخرجه الضحاك, أمه: حمنة بنت سفيان بن أبي أمية بن عبد شمس, قاله ابن قتيبة والدارقطني وغيرهما.
стр. 770
الفصل الثاني: في اسمه
ولم يزل اسمه في الجاهلية والإسلام سعدا, ويكنى أبا إسحاق.
стр. 771
الفصل الثاني: في اسمه
...
No pages
стр. 772
الفصل الثالث: في صفته
وكان رجلا قصيرًا غليظًا، ذا هامة، شثن الأصابع، آدم، جعد الشعر، أشعر الجسد، يخضب بالسواد، ذهب بصره في آخره عمره؛ وقيل: إنه كان طويلا. ذكر ذلك كله ابن قتيبة وصاحب الصفوة.
стр. 773
الفصل الرابع: في إسلامه
قال أبو عمر: أسلم قديمًا بعد ستة هو سابعهم, وهو ابن تسع عشرة سنة قبل أن تفرض الصلاة، وهو ممن أسلم على يد أبي بكر, وقد تقدم ذكر ذلك.
وعن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعدًا يقول: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام, وإني لثلث الإسلام. أخرجه البخاري والبغوي في معجمه وقال: ما أسلم أحد قبلي؛ وقال: ستة أيام.
وعن جابر بن سعد عن أبيه قال: لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام. أخرجه البخاري.
وعن عائشة بنت سعد قالت: لقد مكث أبي يومًا إلى الليل, وإنه لثلث الإسلام. أخرجه البغوي في المعجم.
وعنها قالت: لقد سمعت أبي يقول: رأيت في المنام قبل أن أسلم بثلاث كأني في ظلمة لا أبصر شيئًا, إذ أضاء لي قمر فاتبعته، فكأني أنظر من سبقني إلى ذلك القمر, فأنظر إلى زيد بن حارثة وإلى علي بن أبي طالب وإلى أبي بكر، وكأني أسألهم: متى انتهيتم إلى ههنا? وبلغني أن رسول الله ﷺ يدعو للإسلام مستخفيًا، فلقيته في شعب أجياد قد صلى العصر،
стр. 774
فقلت له: إلامَ تدعو? قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله؛ فما تقدمني إلا هم. أخرجه الفضائلي؛ وهذا يرد ما خرجه البغوي إذ قال: ما أسلم أحد قبلي, ولعله يريد: ما أسلم أحد قبلي، أي: في اليوم الذي أسلمت فيه.
وكذلك رواه صاحب الصفوة عن سعيد بن المسيب قال: كان سعد يقول: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه ... ثم ذكر حديث البخاري المتقدم.
وكذلك أخرجه ابن الضحاك، ولكنه قال: سبع الإسلام، ولفظه: عن سعيد عن سعد أنه قال: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه, ولقد مكثت تسعة أيام وإني لسبع الإسلام.
وأسلم أخواه لأبويه عامر وعمير ابنا أبي وقاص, وأخواه لأبيه عتبة بن أبي وقاص وخالدة بنت أبي وقاص.
فأما عامر فكان من مهاجرة الحبشة ثم هاجر إلى المدينة، وكان فاضلا، روى سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال يومًا: "يطلع عليكم رجل من أهل الجنة" فطلع أخي عامر.
وأما عمير فشهد بدرًا وهو ابن ست عشرة سنة -فيما يقال- وأراد النبي ﷺ أن يرده فبكى، فخرج به معه فاستشهد يومئذ.
عن سعد قال: كان يوم بدر قتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكتيبة، فأتيت به رسول الله ﷺ فقال: "ذاهب فاطرحه في القبض" قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما مكثت إلا قليلا حتى أنزلت على رسول الله ﷺ سورة الأنفال، فقال ﷺ : "اذهب فخذ سيفك".
وأما عتبة بن أبي وقاص فشهد أحدًا مع المشركين، ويقال: هو الذي رمى رسول الله ﷺ فكسر رباعيته، ورمى وجهه.
وأما خالدة فتزوجها سمرة بن جنادة السواي، وولدت له. ذكره الدارقطني.
стр. 775
الفصل الخامس: في هجرته
ولم أظفر بشيء يخصها ولا شك فيها، ووقائعه في بدر وأحد وغيرهما تدل عليها، ولم يزل ملازمًا رسول الله ﷺ إلى أن توفي وهو عنه راضٍ.