الفصل الثالث: في صفته
وكان رجلا قصيرًا غليظًا، ذا هامة، شثن الأصابع، آدم، جعد الشعر، أشعر الجسد، يخضب بالسواد، ذهب بصره في آخره عمره؛ وقيل: إنه كان طويلا. ذكر ذلك كله ابن قتيبة وصاحب الصفوة.
стр. 773
الفصل الرابع: في إسلامه
قال أبو عمر: أسلم قديمًا بعد ستة هو سابعهم, وهو ابن تسع عشرة سنة قبل أن تفرض الصلاة، وهو ممن أسلم على يد أبي بكر, وقد تقدم ذكر ذلك.
وعن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعدًا يقول: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام, وإني لثلث الإسلام. أخرجه البخاري والبغوي في معجمه وقال: ما أسلم أحد قبلي؛ وقال: ستة أيام.
وعن جابر بن سعد عن أبيه قال: لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام. أخرجه البخاري.
وعن عائشة بنت سعد قالت: لقد مكث أبي يومًا إلى الليل, وإنه لثلث الإسلام. أخرجه البغوي في المعجم.
وعنها قالت: لقد سمعت أبي يقول: رأيت في المنام قبل أن أسلم بثلاث كأني في ظلمة لا أبصر شيئًا, إذ أضاء لي قمر فاتبعته، فكأني أنظر من سبقني إلى ذلك القمر, فأنظر إلى زيد بن حارثة وإلى علي بن أبي طالب وإلى أبي بكر، وكأني أسألهم: متى انتهيتم إلى ههنا? وبلغني أن رسول الله ﷺ يدعو للإسلام مستخفيًا، فلقيته في شعب أجياد قد صلى العصر،
стр. 774
فقلت له: إلامَ تدعو? قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله؛ فما تقدمني إلا هم. أخرجه الفضائلي؛ وهذا يرد ما خرجه البغوي إذ قال: ما أسلم أحد قبلي, ولعله يريد: ما أسلم أحد قبلي، أي: في اليوم الذي أسلمت فيه.
وكذلك رواه صاحب الصفوة عن سعيد بن المسيب قال: كان سعد يقول: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه ... ثم ذكر حديث البخاري المتقدم.
وكذلك أخرجه ابن الضحاك، ولكنه قال: سبع الإسلام، ولفظه: عن سعيد عن سعد أنه قال: ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه, ولقد مكثت تسعة أيام وإني لسبع الإسلام.
وأسلم أخواه لأبويه عامر وعمير ابنا أبي وقاص, وأخواه لأبيه عتبة بن أبي وقاص وخالدة بنت أبي وقاص.
فأما عامر فكان من مهاجرة الحبشة ثم هاجر إلى المدينة، وكان فاضلا، روى سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال يومًا: "يطلع عليكم رجل من أهل الجنة" فطلع أخي عامر.
وأما عمير فشهد بدرًا وهو ابن ست عشرة سنة -فيما يقال- وأراد النبي ﷺ أن يرده فبكى، فخرج به معه فاستشهد يومئذ.
عن سعد قال: كان يوم بدر قتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكتيبة، فأتيت به رسول الله ﷺ فقال: "ذاهب فاطرحه في القبض" قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما مكثت إلا قليلا حتى أنزلت على رسول الله ﷺ سورة الأنفال، فقال ﷺ : "اذهب فخذ سيفك".
وأما عتبة بن أبي وقاص فشهد أحدًا مع المشركين، ويقال: هو الذي رمى رسول الله ﷺ فكسر رباعيته، ورمى وجهه.
وأما خالدة فتزوجها سمرة بن جنادة السواي، وولدت له. ذكره الدارقطني.
стр. 775
الفصل الخامس: في هجرته
ولم أظفر بشيء يخصها ولا شك فيها، ووقائعه في بدر وأحد وغيرهما تدل عليها، ولم يزل ملازمًا رسول الله ﷺ إلى أن توفي وهو عنه راضٍ.
стр. 776
الفصل السادس: في خصائصه
ذكر اختصاصه بأنه أول العرب رمى بسهم في سبيل الله:
عن سعد بن مالك قال: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله. أخرجاه، وأخرجه أبو عمر وزاد: وذلك في سرية عبيدة بن الحارث، وكان معه يومئذ المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان. أخرجه صاحب الصفوة أيضًا.
ذكر اختصاصه بدعاء النبي ﷺ أن يستجاب دعاؤه, فكان ذا دعوة مجابة:
عن سعد أن النبي ﷺ قال: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك" أخرجه الترمذي، وأخرجه أيضًا عن قيس أن النبي ﷺ قال ... الحديث.
وعن جبير بن مطعم بن المقداد أن سعدًا قال: يا رسول الله، ادع الله أن يستجيب دعائي؛ قال: "يا سعد، إن الله لا يستجيب دعاء عبد
стр. 777
حتى يطيب طعمته" قال: يا رسول الله، ادع الله أن يطيب طعمتي، فإني لا أقوى إلا بدعائك؛ قال: "اللهم أطب طعمة سعد" فإن كان سعد ليرى السنبلة من القمح في حشيش دوابه فيقول: ردوها من حيث حصدتموها. أخرجه الفضائلي.
وعن يحيى بن عبد الرحمن بن لبيبة عن جده قال: قال سعد: يا رب, إن لي بنين صغارًا فأخر عني الموت حتى يبلغوا، فأخر عنه الموت عشرين سنة. أخرجه في الصفوة.
وعن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعد بن مالك إلى عمر فقالوا: لا يحسن الصلاة. فقال سعد: أما أنا فكنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ أركد في الأوليين، وأخفف في الأخريين؛ فقال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق, قال: فبعث رجالا يسألون عنه في مساجد الكوفة؛ قال: فلا يأتون مسجدًا من مساجد الكوفة إلا أثنوا عليه خيرًا وقالوا معروفًا، حتى أتوا مسجدًا من مسجد بني عبس، قال: قال رجل يقال له أبو سعدة: اللهم إنه كان لا يسير بالسرية، ولا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية؛ قال: فقال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان كاذبًا فأطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن؛ فكان بعد ذلك يقول إذا سئل: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. قال جابر بن سمرة: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر, وإنه ليتعرض للجواري في الطرق فيعهرهن.
وفي رواية: أما أنا فأركد في الأوليين وأحذف في الأخريين، ولا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله ﷺ قال: صدقت؛ ذلك الظن بك -أو ظني بك- أبا إسحاق. أخرجه البخاري؛ وأخرجه البرقاني على شرطهما بنحوه، وقال: فقال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر: فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك، وإذا قيل له: كيف أنت يا أبا سعدة? قال:
стр. 778
كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد.
وعنده: اللهم إن كان كاذبا فأعم بصره، وأطل عمره ... ثم ذكر ما بعده.
وروي أن ابنته كانت تشرف عليه عند وضوئه، فنهاها عن ذلك فلم تنته فدعا عليها، وقال: شاه وجهك، فلم تزل شوهاء.
ودخل عليه مولى لابنه عمير يشتكي إليه وقد ضربه عمير حتى أدماه، فنهاه عن ضربه وأمره فيه بمعروف، فأغلظ له في القول فقال: أجرى الله دمك على عقبيك، فقتله المختار بن أبي عبيد. أخرجهما الملاء.
قال أبو عمر: وكان سعد مشتهرًا بإجابة الدعوة؛ تخاف دعوته وترجى؛ لاشتهار إجابتها عندهم.
ذكر اختصاصه بدعاء النبي ﷺ له بتسديد السهم:
عن سعد أن النبي ﷺ قال: "اللهم سدد سهمه، وأجب دعوته" أخرجه أبو عمر وأبو الفرج في الصفوة.
ذكر اختصاصه بجمع النبي ﷺ له أبويه يوم أحد:
عن علي ﵇ قال: ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد غير سعد بن مالك، فإنه جعل يقول له يوم أحد: "ارم، فداك أبي وأمي" أخرجه مسلم والترمذي, وقال: حسن صحيح.
وأخرجه من طريق آخر ولفظه: ما سمعت رسول الله ﷺ يفدي أحدًا بأبويه ... الحديث، وقال: حسن صحيح.
وعنه قال: ما سمعت رسول الله ﷺ فدى رجلًا غير سعد؛ فإنه قال
стр. 779
يوم حنين ويوم أحد: "ارم، فداك أبي وأمي" أخرجه الملاء.
وعنه قال: ما جمع رسول الله ﷺ بين أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك قال: "ارم، فداك أبي وأمي، وأنت الغلام الحسن" أخرجه أبو بكر يوسف بن يعقوب بن البهلول.
وعن سعد أن النبي ﷺ جمع له أبويه يوم أحد؛ قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين، فقال له النبي ﷺ : "ارم، فداك أبي وأمي" قال: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل، فأصبت جبينه، فسقط وانكشفت عورته، فضحك رسول الله ﷺ حتى رأيت نواجذه. أخرجاه.
وأخرج الترمذي منه: جمع أبويه يوم أحد.
وفي بعض طرقه: نثر لي رسول الله ﷺ كنانته يوم أحد، وقال: "ارم، فداك أبي وأمي" أخرجاه.
قال أبو عمر: لم يقل رسول الله ﷺ : "فداك أبي وأمي" فيما بلغنا إلا لسعد والزبير، فإنه قال لكل واحد منهما ذلك؛ وقد تقدم أين قال ذلك للزبير في خصائصه.
ذكر اختصاصه بموافقته تمني رسول الله ﷺ رجلا صالحًا يحرسه عند قدومه المدينة, وقد أرق ليلة:
عن عائشة قالت: أرق رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقال: "ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة" فقالت: فسمعنا صوت السلاح، فقال رسول الله ﷺ : "من هذا?" قال: سعد بن أبي وقاص يا رسول الله، جئت أحرسك. قالت عائشة: فنام رسول الله ﷺ حتى سمعنا غطيطه.
وعنها قالت: سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة، فقال: "ليت
стр. 780
رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة" قالت: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا خشخشة السلاح، فقال: "من هذا؟ " قال: سعد بن أبي وقاص؛ قال: "ما جاء بك؟ " قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه؛ فدعا له رسول الله ﷺ . أخرجه مسلم والترمذي.
ذكر اختصاصه برؤية جبريل وميكائيل عن يمين النبي ﷺ ويساره يوم أحد:
عن سعد قال: رأيت عن يمين النبي ﷺ وعن شماله يوم أحد رجلين, عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد, يعني جبريل وميكائيل. أخرجاه وأبو حاتم.
ذكر اختصاصه بقوله ﷺ : "هذا خالي, فليرني المرء خاله":
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أقبل سعد فقال النبي ﷺ : "هذا خالي، فليرني امرؤ خاله" أخرجه الترمذي، وقال: غريب. قال: وكان سعد من بني زهرة؛ وأم النبي ﷺ من بني زهرة؛ فلذلك قال: "خالي".
ذكر اختصاص عمر إياه من بين أهل الشورى بالأمر بالاستعانة, إن لم يصبه الأمر:
عن عمرو بن ميمون ... الحديث، تقدم في فصل خلافة عثمان، وفيه: "فإن أصاب الأمر سعدًا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة" أخرجه البخاري وأبو حاتم.
ذكر اختصاصه بآيات نزلت فيه:
عن سعد أنه قال: نزلت فيَّ آيات من القرآن، قال: حلفت أم
стр. 781
سعد لا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب؛ قال: قالت: زعمت أن الله أوصاك بوالديك، فأنا أمك، وأنا آمرك بهذا؛ قال: فمكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له: عمارة، فسقاها فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي ... ﴾ ١ إلى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ .
قال: وأصاب رسول الله ﷺ غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف، فأخذته فأتيت به رسول الله ﷺ فقلت: نفلني هذا السيف، فأنا من قد علمت حاله؛ فقال: "رده من حيث أخذته" فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي، فرجعت إليه فقلت: أعطنيه؛ قال: فشد بي صوته: "رده من حيث أخذته" فأنزل الله : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ٢.
قال: مرضت، فأرسلت إلى النبي ﷺ فأتاني فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت. قال: فأبى؛ قلت: فالنصف؛ فأبى؛ قلت: فالثلث، فسكت، فكان يعد الثلث جائزًا.
قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعال نطعمك ونسقك خمرًا، وذلك قبل أن تحرم الخمر، قال: فأتيتهم في حش -والحش البستان- فإذا رأس جزور مشوي عندهم وزق من خمر؛ قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلت: المهاجرون خير من الأنصار, فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به، فجرح أنفي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فأنزل الله فيَّ يعني نفسه شأن الخمر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
стр. 782
وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ١ أخرجه مسلم.
"شرح" الجهد بفتح الجيم: المشقة، يقال: جهد دابته وأجهدها إذا حمل عليها في السير فوق طاقتها، والجهد بضمها وفتحها: الطاقة, ومنه: "والذين لا يجدون إلا أجهدهم" قرئ بهما، وقال الفراء: هو بالضم الطاقة وبالفتح من قولك: اجهد جهدك في هذا الأمر، أي: ابلغ غايتك، ولا يقال: أجهد جهدك بالضم, والقبض بالتحريك: هو ما قبض من أموال الناس، وبالإسكان: خلاف البسط.
وعن سعد قال: نزلت ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ ٢ في ستة أنا وابن مسعود منهم، وكان المشركون قالوا: لا يدنى هؤلاء.
وعنه قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا؛ قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما؛ فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ ٣ أخرجهما مسلم.
стр. 783
الفصل السابع: في شهادة النبي ﷺ له بالجنة
تقدم في باب العشرة عبد الرحمن بن عوف, وسعيد بن زيد في العشرة وهو منهم.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة" فدخل سعد بن أبي وقاص. أخرجه أحمد.
وأخرج الفضائلي معناه عن أنس، ولفظه: بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ فقال: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" فطلع سعد بن أبي وقاص؛ حتى إذا كان الغد قال رسول الله ﷺ مثل ذلك، فطلع سعد.
وأخرجه ابن المثنى في معجمه عن ابن عمر, ولفظه قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فقال: "يدخل عليكم من ذا الباب رجل من أهل الجنة" فليس منا أحد إلا وهو يتمنى أن يكون من أهل بيته؛ فإذا سعد قد طلع.
стр. 784
الفصل الثامن: في ذكر نبذ من فضائله
قال أبو عمر وغيره: شهد سعد بدرًا والحديبية والمشاهد كلها، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى الذين أخبر عمر أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راضٍ، وأحد من كان على حراء حين تحركت بهم الصخرة فقال ﷺ : "اثبت حرا؛ فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد" فكانت شهادة من النبي ﷺ بالشهادة.
وقد تقدم الحديث مستوفى في باب ما دون العشرة, وكان سابع سبعة في الإسلام على ما تقدم في فصل إسلامه، وأحد الفرسان الشجعان، وأحد من كان يحرس النبي ﷺ في مغازيه، وهو الذي كوف الكوفة، ونفى الأعاجم، وتولى قتال فارس، وكان على يديه فتح القادسية وغيرها، وولاه عمر الكوفة فشكاه أهلها ورموه بالبهتان، فدعا على الذي واجهه بالكذب دعوة ظهرت فيها إجابته، وعزله عمر لما شكاه أهل الكوفة،
стр. 785
وولى عمار بن ياسر الصلاة وعبد الله بن مسعود بيت المال وعثمان بن حنيف مساحة الأرضين، ثم عزل عمارًا وأعاد سعدًا على الكوفة ثانيًا، ثم عزله وولى جبير بن مطعم، ثم عزله قبل أن يخرج إليها وولى المغيرة بن شعبة، وقيل: إن عمر لما ولى سعدًا بعد أن عزله أبى عليه، وقال: لا أعود لقوم يزعمون أني لا أحسن أصلي فتركه؛ ورام منه ابنه عمر وابن أخيه هاشم أن يدعو إلى نفسه بعد قتل عثمان فأبى، فصار هاشم إلى علي، وكان سعد ممن لزم بيته في الفتنة، وأمر أهله أن لا يخبروه من أخبار الناس بشيء حتى تجتمع الأمة على إمام.
وقد تقدم ثناء الله عليه بأنه من: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ وفي ذكر اختصاصه بنزول آيات فيه.
ذكر دعاء النبي ﷺ له بالشفاء من مرضه, فشفي:
عن سعد أن النبي ﷺ عاده عام حجة الوداع بمكة من مرض أشفى فيه فقال سعد: يا رسول الله، قد خفت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم اشف سعدًا" ثلاث مرات وفيه ذكر الوصية وقوله: "والثلث كثير" وفيه: "إن صدقتك من مالك صدقة, وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك من مال صدقة" أخرجاه.
ذكر إثبات الشهادة له:
تقدم حديث هذا الذكر في مثله من باب العشرة، وسيأتي في مناقب سعد, ووجه شهادته فيما تقدم نظيره من مناقب عبد الرحمن بن عوف.
ذكر أنه ناصر الدين:
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يا سعد, أنت ناصر الدين
стр. 786
حيث كنت" أخرجه الملاء في سيرته.
ذكر اتباعه للسنة:
تقدم في خصائصه في الأولى منها قوله في صلاته: ولا آلو ما اقتديت من صلاة رسول الله ﷺ . أخرجه البخاري.
وعن عامر بن سعد أن سعدًا ركب إلى قصره بالعقيق، فوجد عبدًا يقطع شجرًا أو يخبطه فسلبه، فلما رجع سعد جاء أهله فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم فقال: معاذ الله أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله ﷺ وأبى أن يرد عليهم. أخرجه مسلم.
ذكر شجاعته:
عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سعد بن أبي وقاص يعد بألف فارس" أخرجه الملاء في سيرته.
وقد تقدم في خصائص طلحة من حديث مسلم أنه لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيها غير طلحة وسعد.
ذكر صبره مع رسول الله ﷺ مع ضيق العيش:
عن سعد قال: إني لأول العرب رمى سهما في سبيل الله، ولقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهذا السمر، حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة, ما له خلط. أخرجاه.
ذكر شدته في دين الله:
عن سعد قال: أعطى رسول الله ﷺ رهطًا وأنا جالس، فترك رسول الله ﷺ منهم رجلًا هو أعجبهم إلي، فقلت: ما لك عن فلان? والله إني لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ : "أو مسلمًا" ذكر ذلك سعد ثلاثا، وأجابه بمثل ذلك، ثم قال: "إني لأعطي الرجل العطاء وغيره
стр. 787
إلي أحب منه؛ خشية أن يكبه الله على وجهه في النار".
قال الزهري: فرأى أن الإسلام الكلمة, الإيمان العمل الصالح. أخرجاه.
ذكر زهده:
تقدم في النثر في أول الفصل طرف منه.
وعن عامر بن سعد قال: بينا سعد في إبله فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر الراكب، فقال له: نزلت في إبلك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم، فضرب سعد صدره وقال: اسكت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يحب العبد التقي العيي الخفي" أخرجه مسلم.
ذكر تواضعه وعدله وشفقته على رعيته وحيائه:
عن أبي المنهال أن عمر بن الخطاب سأل عمرو بن معد يكرب عن سعد فقال: متواضع في جبايته، عربي في نمرته، أسد في تاموره، يعدل في القضية، ويقسم بالسوية، ويبعد في السرية، ويعطف عليها عطف البرة، وينقل إلينا خفيا نقل الذرة. أخرجه الفضائلي.
وفي رواية بعد قوله "ويقسم بالسوية": وهو لنا كالأب البر والأم المتحننة، وإذا صاح الصائح أسد في تاموره، هو مع ذلك عاتق في حجلتها من الحياء، لم أر مثله. قال عمر: لم أر كاليوم ثناء أحسن منه.
ذكر صدقه:
عن ابن عمر أن سعدًا حدثه عن رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين, وإن ابن عمر سأل عن ذلك عمر فقال: نعم, إذا حدث سعد عن النبي ﷺ فلا تسأل عنه غيره. أخرجه البخاري.
стр. 788
ذكر حرصه على البر والصدقة:
عن سعد قال: عادني رسول الله ﷺ عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت: يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بكل مالي? قال: "لا" قلت: فالشطر يا رسول الله? قال: "لا" قلت: فالثلث? قال: "الثلث، والثلث كثير أو كبير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" أخرجاه.
стр. 789
الفصل التاسع: في ذكر وفاته, وما يتعلق بها
قال أبو عمر وغيره: مات سعد بن أبي وقاص في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل على أعناق الرجال إلى المدينة، ودفن بالبقيع، وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذ والي المدينة، ثم صلى عليه أزواج النبي ﷺ في حجرهن. ذكره أبو عمر وصاحب الصفوة.
وقال الفضائلي: أدخل المسجد ووضع عند بيوت النبي ﷺ بفناء الحجر, فصلى الإمام عليه وصلى أزواج النبي ﷺ بصلاة الإمام.
وعن موسى بن عقبة عن عبد الواحد بن حمزة قال: لما توفي سعد أرسل أزواج النبي ﷺ أن مروا بجنازته في المسجد، ففعلوا فوقف به على حجرهن فصلين عليه، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فقالت عائشة: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد! ما صلى رسول الله ﷺ على سهل بن بيضاء إلا في جوف المسجد. أخرجه مسلم.
قال في الصفوة: وكان سعد أوصى أن يكفن في جبة صوف له كان لقي المشركين فيها يوم بدر، فقال: أخبأها لهذا، فكفن فيها. وذكره
стр. 790
الفضائلي والقلعي.
قال ابن قتيبة: كان آخر العشرة موتًا. وقال الفضائلي: كان آخر المهاجرين وفاة.
قال الواقدي: وكان ذلك سنة خمس وخمسين، وقيل: أربع وخمسين وقيل: ثمان وخمسين, حكاه أبو عمر. وله بضع وستون سنة، وقيل: بضع وسبعون، وقيل: بضع وثمانون، وقيل: بضع وتسعون، ذكره ابن قتيبة وأبو عمر وغيرهما.
стр. 791
الفصل العاشر: في ذكر ولده
وكان له من الولد أربعة وثلاثون ولدا؛ سبعة عشر ذكرًا وسبع عشرة أنثى.
ذكر الذكور:
"إسحاق الأكبر" وبه كان يكنى، أمه ابنة شهاب، و"عمر" قتله المختار و"محمد" قتله الحجاج، أمهما بنت قيس بن معدي كرب و"عامر" وكان يروي عنه الحديث، و"إسحاق الأصغر" و"إسماعيل" أمهم أم عامر بنت عمرو، و"إبراهيم" و"موسى" أمهما زبد، و"عبد الله" أمه خولة بنت عمرو، و"عبد الله الأصغر" و"بجير" واسمه عبد الرحمن، أمهما أم هلال بنت ربيع بن مري، و"عمير الأكبر" أمه أم حكيم بنت قارظ، و"عمير الأصغر" و"عمرو" و"عمران" أمهم سلمى بنت حفص و"صالح" أمه ظبية بنت عامر، و"عثمان" أمه أم حجير.
ذكر الإناث:
"أم الحكم الكبرى" شقيقة إسحاق الأكبر، و"حفصة" و"أم القسم" و"كلثوم" شقائق عمر ومحمد، و"أم عمران" شقيقة إسحاق الأصغر، و"أم الحكم الصغرى" و"أم عمرو" و"هند" و"أم الزبير" و"أم موسى" أمهن زبد، و"حمنة" أخت بجير، و"حمنة" أخت عمير الأكبر، و"أم عمر" و"أم أبونا" و"أم إسحاق" أمهن سلمى، و"رملة" أخت عثمان، و"عمرة" وهي العمياء أمها من سبي العرب و"عائشة" ذكر ذلك كله ابن قتيبة وصاحب الصفوة.
стр. 792
الباب التاسع: في مناقب أبي الأعور سعيد بن زيد
الفصل الأول: في نسبه
...
الباب التاسع: في مناقب أبي الأعور سعيد بن زيد
وفيه عشرة فصول
الفصل الأول: في نسبه
وقد تقدم ذكره في ذكر الشجرة من باب العشرة، يجتمع مع رسول الله ﷺ في كعب بن لؤي، وينسب إلى عدي بن كعب فيقال: القرشي العدوي وعمر بن الخطاب ابن عم أبيه. كان أبوه زيد يطلب دين الحنفية دين إبراهيم قبل أن يبعث النبي ﷺ وكان لا يذبح للأنصاب ولا يأكل الميتة ولا الدم، وخرج يطلب الدين هو وورقة بن نوفل فتنصر ورقة وأبى هو التنصر، فيقول له الراهب: إنك تطلب دينا ما هو على الأرض اليوم، قال: وما هو? قال: دين إبراهيم، كان يعبد الله لا يشرك به شيئًا، ويصلي إلى الكعبة، وكان زيد على ذلك حتى مات.
وعن سعيد بن زيد قال: خرج ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو يطلبان الدين حتى مرا بالشام، فأما ورقة فتنصر وأما زيد فقيل له: إن الذي تطلب أمامك. قال: فانطلق حتى أتى الموصل فإذا هو براهب، فقال: من أين أقبل صاحب الراحلة? قال: من بيت إبراهيم قال: ما
стр. 793
يطلب? قال: الدين. فعرض عليه النصرانية، فقال: لا حاجة لي فيها وأبى أن يقبل, فقال: إن الذي تطلب سيظهر بأرضك، فأقبل وهو يقول:
لبيك حقا حقا ... تعبدًا ورقا
مهما تجشمني فإني جاشم ... عذت بما عاذ به إبراهم١
قال: ومر بالنبي ﷺ ومعه أبو سفيان بن الحارث يأكلان من سفرة لهما، فدعواه إلى الغداء، فقال: "يابن أخي, إني لا آكل مما ذبح على النصب" قال: فما رئي النبي ﷺ من يومه ذلك يأكل مما ذبح على النصب حتى بعث ﷺ قال: فأتاه سعيد بن زيد فقال: إن زيدًا كان كما قد رأيت وبلغك، استغفر له قال: "نعم" فاستغفر له، وقال: "إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده" أخرجه أبو عمر.
"شرح" تجشمني أي: تحملني تقول: جشمت الأمر بالكسر جشما وتجشمته إذا تكلفته على مشقة، وأجشمته إذا كلفته إياه.
وعن أسماء قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندًا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش, والله ما منكم على دين إبراهيم غيري. وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها وأنا أكفيك مؤنتها، فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك, وإن شئت كفيتك مؤنتها. أخرجه البخاري.
وعن ابن زيد عن أبيه قال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ ٢ نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يوحدون الله : زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر، وسلمان، أولئك الذين هداهم الله بغير كتاب ولا نبي. أخرجه الواحدي وأبو الفرج في أسباب النزول.
أمه فاطمة بنت بعجة بن مليح الخزاعية, ذكره أبو عمر.
стр. 794
الفصل الثاني: في اسمه
ولم يزل اسمه في الجاهلية ثم في الإسلام سعيدًا، وكان كذلك لفظا ومعنى، ويكنى أبا الأعور.
стр. 795
الفصل الثالث والرابع: في صفته وإسلامه
كان آدم طوالا أشعر, قاله الواقدي.
أسلم هو وزوجته أم جميل بنت الخطاب أخت عمر قديما، وكان إسلامه قبل إسلام عمر، وبسبب زوجته كان إسلام عمر، وقد تقدم ذكر ذلك في فصل إسلام عمر.
عن قيس قال: سمعت سعيد بن زيد في مسجد الكوفة يقول: والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام أنا وأخته, قبل أن يسلم عمر. أخرجه رزين.
وأسلمت أخته عاتكة بنت زيد وكانت حسناء جميلة بارعة الجمال فيما يقال، تزوجها عبد الله بن أبي بكر فشغلته عن الغزو، فأمره أبوه بطلاقها وقال: قد شغلتك عن المغازي فطلقها، فمر به يوما وهو يقول:
ولم أر مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها من غير جرم تطلق
стр. 796
لها خلق جزل ورأي ومنصب ... وخلق سوي في الحياة ومصدق
فرق له أبوه فأذن له في مراجعتها، فراجعها وقتل عنها, فقالت ترثيه:
رُزئت بخير الناس بعد نبيهم ... وبعد أبي بكر وما كان قصرا
فآليت لا تنفكّ عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جنبي أغبرا
في أبيات. ثم خلف عليها عمر بن الخطاب، فلم تزل عنده حتى قتل عنها فرثته بأبيات؛ ثم خلف عليها الزبير بن العوام، وكانت تخرج إلى المسجد ليلا وكان يكره مخرجها ويتحرج من منعها، فخرجت ليلة إلى المسجد وخرج الزبير فسبقها إلى مظلم من طريقها فوضع يده على بعض جسدها فرجعت تسبح, ثم لم تخرج بعد ذلك فقال لها الزبير: ما لك لا تخرجين إلى المسجد? قالت: يا أبا عبد الله فسد الناس؛ فقال: أنا فعلت ذلك؛ فقالت: أليس يقدر غيرك يفعل مثله? فلم تخرج حتى قتل عنها الزبير، فرثته بأبيات فقالت:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير مفدد
يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشًا رعش الجنان ولا اليد
كم غمرة قد خاضها لم يثنه ... عنها طراؤك يابن فقع القردد
والله ربك إن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة المتعمد
ويقال: إن عبد الله بن الزبير صالحها على ميراثها من الزبير على ثمانين ألفًا فقبلتها؛ ثم خطبها علي بن أبي طالب، فقالت: إني أضن بك يابن عم رسول الله ﷺ عن القتل، ويقال: خطبها عمرو بن العاص ومحمد بن أبي بكر فامتنعت عليهما.
стр. 797
الفصل الخامس، والسادس، والسابع: في هجرته وخصائصه وفي شهادة النبي ﷺ له بالجنة:
قال أبو عمر: وهاجر هو وزوجته أم جميل فاطمة بنت الخطاب.
في خصائصه:
لم ينقل له من الخصائص غير ما ثبت لأبيه, فإنه لم ينقل في فضل أحد من آباء العشرة ما نقل في فضل زيد بن عمرو، كما تقدم.
في شهادة النبي ﷺ له بالجنة
تقدمت أحاديث هذا الفصل في نظيره من باب العشرة.
стр. 798
الفصل الثامن: في ذكر نبذ من فضائله
قال أبو عمر وغيره: شهد سعيد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ إلا بدرًا.
قال الواقدي: بعثه رسول الله ﷺ وطلحة إلى الشام يتجسسان الأخبار، ثم رجعا فقدما إلى المدينة يوم وقعة بدر. وقد تقدم الحديث في فصل فضائل طلحة؛ فلذلك كانا معدودين من البدريين.
قال البغوي في معجمه: فضرب له النبي ﷺ بسهمه، قال: وأجري? قال: "وأجرك" وأخرجه ابن الضحاك أيضًا.
وكانت له بنت عند الحسن بن الحسن بن علي, ذكره الطائي.
ذكر شهادة النبي ﷺ له بالشهادة:
عن عبد الله بن سالم عن سعيد بن زيد قال: كنا مع رسول الله ﷺ بحرا فقال: "اثبت حرا؛ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" قيل: ومن هم? قال: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة
стр. 799
والزبير وسعد بن مالك وعبد الرحمن بن عوف؛ قال: قيل: فمن العاشر? فقال: أنا. أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح, وقد تقدم الحديث مختصرًا في باب العشرة.
وسيأتي في ذكر وفاته أنه مات بالمدينة على فراشه, فوجه شهادته ما تقدم في نظيره من مناقب عبد الرحمن بن عوف، فإن سعدًا وسعيدًا وعبد الرحمن ماتوا على فرشهم بمقبرة المدينة, فحكمهم واحد.
ذكر أنه ذو دعوة مجابة:
عن سعيد بن زيد أن أروى خاصمته في بعض داره فقال: دعوها وإياها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أخذ شبرًا من الأرض بغير حق طوقه في سبع أرضين يوم القيامة" اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها. قال محمد بن زيد: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر، وتقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد؛ فبينما هي تمشي في الدار إذ مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها. أخرجه مسلم، وأخرجه أبو عمر وقال: اللهم إن كانت كاذبة فلا تمتها حتى تعمي بصرها, وتجعل قبرها في بئر.
ذكر زهده:
روي أن عمر أرسل إلى أبي عبيدة يقول: أخبرني عن حال الناس، وأخبرني عن خالد بن الوليد أي رجل هو، وأخبرني عن يزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص كيف هما وحالهما ونصيحتهما للمسلمين؛ فقال: خالد خير رجل وأنصحه للمسلمين وأشده على عدوهم، وعمرو ويزيد نصحهما وجدهما كما تحب؛ قال: عن أخويك سعد بن يزيد ومعاذ بن جبل? قال: كما عهدت، إلا أن السواد زادهما في الدنيا زهدًا وفي الآخرة رغبة. أخرجه أبو حذيفة وإسحاق بن بشر في فتوح الشام.
стр. 800
وأخرج أيضًا أن أبا عبيدة ولى سعيدًا دمشق، ثم خرج حتى أتى الأردن فنزلها فعسكر، وبعث عليهم خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان، فلما بلغ ذلك سعيد بن زيد كتب إلى أبي عبيدة: "سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني ما كنت لأوثرك وأصحابك بالجهاد على نفسي وعلى ما يدنيني من مرضاة ربي، فإذا أتاك كتابي هذا فابعث إلى عملك من هو أرغب إليه مني، فإني قادم عليك وشيكا إن شاء الله تعالى. والسلام عليك" فلما بلغ الكتاب أبا عبيدة قال: ليتركنها, ثم دعا يزيد بن أبي سفيان فقال: اكفني دمشق.
"شرح" وشيكا: سريعا، تقول منه: وشك بالضم يوشك وشكا أي: يسرع.
ذكر احترام الولاة له, ووصية أم المؤمنين حين وفاتها أن يصلي عليها:
عن ابن سعيد بن زيد قال: كتب معاوية بن أبي سفيان إلى مروان بن الحكم بالمدينة يبايع الناس لابنه يزيد، فقال رجل من الشام: ما يحبسك? قال: حتى يجيء سعيد بن زيد فيبايع، فإنه سيد أهل البلد؛ فإذا بايع بايع الناس. قال: أفلا أذهب آتيك به? فجاء الشامي وأنا مع أبي في الدار، فقال: انطلق فبايع، فقال: انطلق، فسأجيء فأبايع؛ فقال: تنطلق أو لأضربن عنقك؛ قال: أتضرب عنقي? والله إنك لتدعوني إلى أقوام أنا قاتلتهم على الإسلام. قال: فرجع إلى مروان وأخبره، فقال له مروان: اسكت. قال: فماتت أم المؤمنين أظنها زينب، فأوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، فقال الشامي لمروان: ما يحبسك أن تصلي على أم المؤمنين? قال: أنتظر الرجل الذي أردت أن تضرب عنقه، فإنها أوصت أن يصلي عليها، فقال الشامي: أستغفر الله. أخرجه البغوي في معجمه والفضائلي؛ وخرج ابن الضحاك منه قصة البيعة، وقال: سأل أهل المدينة ... إلخ ولم يذكر قصة الصلاة على الجنازة.
стр. 801
الفصل التاسع: في وفاته, وما يتعلق بها
توفي بأرضه بالعقيق وحمل إلى المدينة, ودفن بها سنة خمسين أو إحدى وخمسين في أيام معاوية وهو ابن بضع وسبعين سنة، ونزل في قبره سعد وابن عمر. ذكره في الصفوة وأبو عمر والفضائلي.
стр. 802
الفصل العاشر: في ذكر ولده
وكان له واحد وثلاثون ولدًا؛ ثلاثة عشر ذكرًا وثماني عشرة أنثى.
ذكر الذكور:
"عبد الله الأكبر" و"عبد الله الأصغر" و"عبد الرحمن الأكبر" و"عبد الرحمن الأصغر" و"إبراهيم الأكبر" و"إبراهيم الأصغر" و"عمر الأكبر" و"عمر الأصغر" و"الأسود" و"طلحة" و"محمد" و"خالد" و"زيد".
ذكر الإناث:
"أم الحسن الكبرى" و"أم الحسن الصغرى" و"أم حبيب الكبرى" و"أم حبيب الصغرى" و"أم زيد الكبرى" و"أم زيد الصغرى" و"عائشة" و"عاتكة" و"حفصة" و"زينب" و"أم سلمة" و"أم موسى" و"أم سعيد" و"أم النعمان" و"أم خالد" و"أم صالح" و"أم عبد الحولا" و"رجلة".
стр. 803
الباب العاشر: في مناقب أبي عبيدة بن الجراح
الفصل الأول والثاني والثالث: في نسبه وأسمه وصفته
...
الباب العاشر: في مناقب أبي عبيدة بن الجراح
وفيه عشرة فصول
الفصل الأول والثاني والثالث: في نسبه واسمه وصفته
وقد تقدم ذكره في ذكر الشجرة من باب العشرة، يجتمع هو ورسول الله ﷺ في فهر بن مالك، وينسب إلى فهر فيقال: القرشي الفهري، أمه من بني الحارث بن فهر أسلمت، قاله ابن قتيبة.
في اسمه
ولم يزل اسمه في الجاهلية والإسلام عامرًا، وكنيته أبا عبيدة وبها اشتهر، لقبه رسول الله ﷺ بأمين هذه الأمة؛ وسيأتي في خصائصه.
في صفته
وكان ﵁ رجلا طويلا نحيفا، معروق الوجه، أثرم
стр. 804
الثنيتين، خفيف اللحية، وكان يخضب بالحناء والكتم. ذكره ابن الضحاك، وسبب ثرمه أنه كان قد انتزع سهمين من جبهة رسول الله ﷺ يوم أحد بثنيتيه فسقطتا، وسيأتي ذكر ذلك. ويروى أنه المنتزع حلقتي الدرع، ويجوز أن يكون السهمان أثبتا حلقتي الدرع فانتزع الجميع، فسقطتا لذلك, فما رئي أهتم كان أحسن من أبي عبيدة. ذكره ابن قتيبة وأبو عمر وغيرهما.
"شرح" الأثرم: الساقط الثنية، وكذلك الأهتم، وقد سبق ذكرهما في نظيره من مناقب عبد الرحمن بن عوف, والمعروق الوجه تقدم شرحه في صفة أبي بكر.
стр. 805
الفصل الرابع والخامس: في إسلامه وهجرته
في إسلامه:
أسلم قديمًا مع عثمان بن مظعون، وهو ممن أسلم على يدي أبي بكر على ما تقدم بيانه.
في هجرته:
قال الواقدي: هاجر أبو عبيدة إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، ولم يحك ذلك ابن عقبة ولا غيره، ثم هاجر إلى المدينة.
стр. 806
الفصل السادس: في خصائصه
ذكر اختصاصه بأنه أمين هذه الأمة
عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن لكل أمة أمينًا، وإن أميننا -أيتها الأمة- أبو عبيدة بن الجراح" أخرجه البخاري ومسلم، وأخرجه الترمذي وأبو حاتم ولفظهما: "لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة ... " الحديث. وأخرجه ابن نجيد وزاد: وطعن في خاصرته، وقال: هذه خاصرة مؤمنة.
وعن حذيفة أن النبي ﷺ قال لأهل نجران: "لأبعثن حق أمين" فأشرف أصحابه، فبعث أبا عبيدة. أخرجه البخاري.
وعنه قال: جاء السيد والعاقب إلى النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله ابعث معنا أمينك؛ فقال: "سأبعث معكم أمينًا، حق أمين" فتشرف لها الناس؛ فبعث أبا عبيدة. أخرجاه.
وعن أبي مسعود قال: لما جاء العاقب والسيد صاحبا نجران أراد أن يلاعنا رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا أبدًا؛ قال: فأتياه فقالا: لا نلاعنك، ولكن نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلا أمينا. فقال ﷺ : "لأبعثن رجلًا أمينًا حق أمين" قال: فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح" قال: فلما قفا١ قال: "هذا أمين هذه الأمة" أخرجه أحمد وأخرجه الترمذي وقال: "فبعث أبا عبيدة" مكان "قم يا أبا عبيدة" ولم يذكر ما بعده. وأخرج ابن إسحاق معناه عن محمد بن جعفر قال: فقال رسول الله ﷺ : "ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين" قال: فكان عمر بن الخطاب يقول: ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجرًا فلما صلى بنا رسول الله ﷺ نظر عن يمينه ويساره، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه، فقال: "اخرج معهم, فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه" قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة.
وعن أنس بن مالك أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا:
стр. 807
ابعث معنا برجل يعلمنا؛ فأخذ رسول الله ﷺ بيد أبي عبيدة وقال: "هذا أمين هذه الأمة" أخرجه أبو عمر، وأخرجه صاحب الصفوة وقال: إن أهل اليمن لما قدموا على رسول الله ﷺ سألوه أن يبعث معهم رجلًا يعلمهم السنة والإسلام ... وذكر بقية الحديث.
ذكر اختصاصه بالإمرة في بعض الأحيان:
عن جابر بن عبد الله قال: بعث رسول الله ﷺ سرية وأمر عليها أبا عبيدة بن الجراح نتلقى عيرًا لقريش، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، وكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، فقيل له: فكيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، فكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نله بالماء فنأكله، قال: وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر، قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله، وقد اضطررتم، فكلوا؛ قال: فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا، ولو رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن ونقتطع منه القدر كالثور -أو كقدر الثور- ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها، وتزودنا من لحمه وشائق. فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، فقال: "هو رزق الله أخرجه لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعموننا?" قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله. أخرجه مسلم.
وفي رواية: فأخذ أبو عبيدة ضلعًا من أضلاعه فنصبه, ونظر إلى أطول بعير في الجيش وأطول رجل فحمله عليه، فجاز تحته، وأخرجه بهذه الزيادة الخلعي.
стр. 808
"شرح" العير بالكسر: الإبل تحمل الميرة، ويجوز أن تجمع على عيرات، والكثيب: الرمل المجتمع، وقد تقدم في فصل هجرة أبي بكر، ووقب العين: نقرتها، ووقبت عيناه: غارتا, وشائق جمع: وشيق ووشيقة، وهو اللحم يغلي إغلاء ثم يقدد ويحمل في الأسفار، وهو أبقى قديد يكون.
قال أبو عبيدة: وزعم بعضهم أنه بمنزلة القدر لا تمسه النار، يقول: وشقت اللحم أشقه وشقا وأشقته مثله, الفدر: جمع فدرة، وهي القطعة.
ذكر اختصاص عمر إياه بالخلافة إن مات وهو حي:
عن عمر أنه لما بلغ سرغ وحدث أن بالشام وباء شديدًا فقال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته، فإن سألني ربي لم استخلفته على أمة محمد? قلت: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لكل نبي أمينا، وأميني أبو عبيدة بن الجراح" وإن أدركني أجلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل, فإن سألني ربي لم استخلفته? قلت: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء نبذة".
"شرح" سرغ بفتح الراء وسكونها: قرية بوادي تبوك من طريق الشام، وقيل: على ثلاث عشرة مرحلة من المدينة, نبذة بفتح النون وضمها: ناحية، وقد تقدم في فصل خلافة أبي بكر أن عمر بادر إلى مبايعة أبي عبيدة لما مات النبي ﷺ وقال: "أنت أمين هذه الأمة" فامتنع معتذرًا بأولوية أبي بكر، ولما سئلت عائشة: من كان رسول الله ﷺ مستخلفًا لو استخلف? قالت: أبا بكر، قيل: ثم من? قالت: عمر، قيل: ثم من? قالت: أبا عبيدة. وقد تقدم ذلك في فصل خلافة أبي بكر.
стр. 809
ذكر اختصاص أبي بكر إياه بالكون معه:
وروى أبو حذيفة إسحاق بن بشر في كتابه "فتوح الشام" أن طوائف من أحياء العرب كانت تأتي من عامة الآفاق إلى أبي بكر إمدادًا للمسلمين، فيستعمل عليهم الرجل منهم، ويخبرهم أن يمضوا إلى أي أمرائه أحبوا، فإذا قالوا: اختر لنا يا خليفة رسول الله، قال: عليكم بالهين اللين الذي إذا ظلم لم يظلم، وإذا أسيء إليه غفر، وإذا قطع وصل، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين. عليكم بأبي عبيدة بن الجراح.
"شرح" هين: لين مخفف ومشدد، وقوم هينون: لينون.
وقد تقدم في فصل خلافة أبي بكر أنه قال يوم السقيفة: وقد رضيت لكم أحد الرجلين عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح, أما أبو عبيدة فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة" وأما عمر فسمعته يقول: "اللهم أيد الدين بعمر, أو بأبي جهل".
الحديث. وقد تقدم في فصل إسلام عمر.
стр. 810
الفصل السابع: في شهادة النبي ﷺ له بالجنة
وأحاديث هذا الفصل تقدمت في نظيره من باب العشرة, من حديث عبد الرحمن وسعيد بن زيد.