والأمر في ذلك أشهر، وإنما [١٠٤ظ] أراد أن أيديها اختضبن بالدم فاحمررن، فذكر نَعْمة اليد، لأنها مما يصحبها الخضاب.
وعليه قال الآخر:
كأنَّ أيديهِنَّ بالقاعِ القَرِقْ ... أيدِي عَذارٍ يَتَعاطَينَ الوَرِقْ١
فذكر العذارى؛ لأنهن مما يصحبهن الخضاب، فأراد انخضاب أيدي الإبل بالدم. وهذا ونحوه من لمحات العرب وإيماءاتها التي تكتفي بأيسرها مما وراءه. ألا ترى إلى قول الهذلي:
أمِنْكِ البرقُ أرقبُهُ فَهاجَا ... فَبِتُّ أَظُنُّه دُهْمًا خِلاجا٢؟
أي: فإذا اختَلَجَتْ عنها أولادَها حنَّت إليها، فشبه حنينهنَّ بصوتِ الرعد، فقدَّم ذكر البرق، وأودع الكلام ذكر حَدث صوت الرعد؛ لأنه مما يصحبه وهو كثير، فكذلك قراءته: "وَرَبَأَتْ"، دل بذكر الشخوص والانتصاب على الوفور والانبساط الذي في قراءة الجماعة: "وَرَبَتْ".
ومن ذلك قراءة مجاهد وحميد بن قيس: "خَاسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ"٣.
قال أبو الفتح: هذا منصوب على الحال، أي: انقلب على وجهه خاسرا، وقراءة٤ الجماعة: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ تكون هذه الجملة بدلا من قوله: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ ، فكأنه قال: وإن أصابته فتنة خسر الدنيا والآخرة، ومثله من الجمل التي تقع وهي من فِعْلٍ وفاعِلٍ بدلا من جواب الشرط قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ ٥؛ وذلك لأن مضاعفة العذاب هي لُقِيّ الأثام، وعليه قول الآخر:
إنْ يجْبُنُو أو يَغْدِرُوا ... أَوْ يَبْخَلُوا لَا يَحْفِلُوا
стр. 457
يغْدُوا عليكَ مُرَجِّلِيـ ... ـنَ كأنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا١
فقوله: يغْدُوا عليكَ مُرَجِّلِينَ بدلٌ من قوله: لا يحْفِلُوا.
ومن ذلك قراءة الزهري: "والدَّوَابُ"٢، خفيفة الياء. ولا أعلم أحدًا خففها سواه.
قال أبو الفتح: لعمري إن تخفيفها قليل ضعيف قياسا وسماعا.
أما القياس فلأن٣ المدة الزائدة في الألف عوض من اجتماع الساكنين حتى كأن الألف حرف متحرك٤، وإذا كان كذلك٥ فكأنه لم يلتق ساكنان. ويدل على أن زيادة المد في الألف جار مجرى تحريكها أنك لو أظهرت التضعيف فقلت: دوابِب، لقصرت الألف وإذا أدغمت أتممت صدى الألف فقلت دوابّ؛ فصارت تلك الزيادة في الصوت عوضا من تحريك الألف.
وأما السماع فإنه لا يعرف فيه التخفيف، لكن له من بعد ذلك ضرب من العذر، وذلك أنهم إذا كرهوا تضعيف الحرف فقد يحذفون أحدهما، من ذلك قولهم: ظَلْت، ومَسْت، وأَحَسْت. يريدون: ظَلِلْت، ومَسِسْت، وأَحسست، قال أبو زبيد:
خَلَا أنَّ العِتَاقَ من المَطايا ... أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إليهِ شُوسُ٦
وقال:
قَدْ كُنْتُ عِنْدَكَ حَوْلًا لا تُرَوِّعُني ... فِيهِ رَوَائِعُ من إنس ولا جَانِ٧
стр. 458
يريد: جانٌّ، فحذف إحدى النونين. وأنشدنا أبو علي:
حتَّى إذا مَا لَمْ أجِدْ غيْرَ الشَّرِ ... كُنْتُ امرأً من مَالِكِ بنِ جَعْفَرِ [١٠٥و]
أراد: غير الشرّ، فحذف الراء الثانية. وإذا كانوا قد حذفوا بعض الكلمة من غير تضعيف فحذف ذلك مع التضعيف أحرى. ألا ترى إلى قول لبيد:
دَرَسَ المنا بِمُتَالِعٍ فَأَبَانِ١؟
وقال علقمة بن عبدة:
كأنَّ إبرِيقَهُمْ ظَبْيٌ عَلَى شَرَفٍ ... مُقَدَّمٌ بِسَبَا الكَتَّانِ مَلْثُومُ٢
أراد بسبائب الكتَّان.
وقد ذكرنا نحو ذلك، إلا أن هذا باب إنما يحمله الشعر، غير أن فيه لتخفيف "الدوابّ" عذرا ما، هو أولى من أن يتلقى بالرد وقد وجدت له وجها.
ومن ذلك قراءة ابن عباس: "يَحْلَوْنَ"٣، بفتح الياء وتخفيف اللام، من حَلِيَ يَحْلَى.
قال أبو الفتح: هذا٤ من قولهم: لم أحْلَ منه بطائل، أي: لم أظفر٥ منه بطائل؛ فيجعل ما يُحَلَّوْن به هناك أمرا ظفِروا به، وأُوصلوا إليه. والحلية٦ راجعة المعنى إليه، وذلك أن النفس تعتدها مظفورا به٧ موصلا إليه. وليست الحلية من لفظ: حَلِيَ الشيءُ بِعَيْنِي؛ لأن الحلية من الحَلْي، فهي من الياء. وحلي بعيني من الواو، لقولهم: حَلِيَ بعيني يَحْلَى حلاوة، فهي كشَقِيَ يشْقَى شَقَاوَةً، وغَبِيَ يغْبَى غَباوَةً. ولكن قولهم: امرأةٌ حالية أي: ذات حَلْي من الياء، فحالية إذًا من قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ على هذه القراءة وهما من الياء، فكأنه أقوى عندهم من قولهم ما حليْتُ من بطائل؛ لأن ذلك لا يستعمل إلا في غير الواجب. لا يقولون: حليت منه،
стр. 459
ولا حليت بكذا. فأما المثل وهو قولهم: حَلَأَتْ حالِئَة عن كُوعها١ فهو مهموز، وأمره ظاهر.
ومن ذلك قراءة الحسن والجحدري وسلام ويعقوب: "وَلُؤْلُؤا"، بالنصب.
قال أبو الفتح: هو محمول على فِعْل يدل عليه قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ ، أي ويؤتون لؤلؤا، ويلبسون لؤلؤا.
ومثله قراءة أبي: "وحورًا عينًا"٣ أي ويؤتون حورا عينا، ويُزَوَّجون حورا عينا.
ومثله مما نصب على إضمار فعل يدل عليه ما قبله قوله:
جئْنِي بِمِثلِ بني بَدْرٍ لِقَوْمِهِمُ ... أو مِثْلَ أسرة مَنْظُورِ بنِ سيَّارِ٤
فكأنه قال: أو هاتِ مثلَ أسرة. وعليه قول الآخر:
بَيْنَا نَحْنُ نَرْقُبُه أَتانَا ... مُعَلِّق وَفْضَةٍ وزنادَ راعٍ٥
فكأنه قال: وحاملا زناد راع، ومعلقا زناد راع، وهو كثير.
ومن ذلك قراءة الحسن وابن محيص: "وَأَذِنَ فِي النَّاسِ"٦، بالتخفيف.
قال أبو الفتح: "أَذِنَ" معطوف على "بَوَّأْنَا"، فكأنه قال: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، وأذن، فأما قوله على هذا: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ فإنه انجزم لأنه جواب قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ ، وهو على قراءة الجماعة جواب قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ .
стр. 460
ومن ذلك قراءة ابن عباس وأبي مِجْلَز ومجاهد وعكرمة والحسن وأبي عبد الله جعفر بن محمد: "رُجَّالًا"١.
وقرأ: "رُجَالًا"، بضم الراء، وتخفيف الجيم منونة - عكرمة وابن أبي إسحاق وأبو مجلز والحسن البصري والزهري.
وقرأ: "رُجَال"، على فُعَال مخففة - عكرمة.
قال أبو الفتح: أما [١٠٥ظ] "رُجَّالًا" فجمع راجل، ككَاتِب وكُتَّاب، وعالِم وعُلَّام، وعامِل وعُمَّال.
وأما "رُجَالًا"، مضمومة الراء، خفيفة الجيم، منونة - فغريب. وهو مما ذكرناه مما جاء من الجمع على فُعَال: كظُؤار، وعُراق، ورُخال٢.
وأما "رُجَالَى" فمثل: حُبارَى، وسُكارَى. ويقال: أراجِل، وأراجِيل، ورَجَالَى، ورُجَالَى، ورُجْلَان. قال كثير:
لَهُ بجنوبِ القادِسِيَّة فَالشَّبا ... مَوَاطِنُ لا يَمْشِي بِهِنَّ الأراجِلُ٣
وقال أبو الأسود:
كأنَّ مَصامَاتِ الأُسُودِ بِبَطْنِه ... مَرَاغٌ وآثارَ الملاعِيبِ مَلْعَبُ٤
وأنشد الأصمعي:
وَمَرْكَبٍ يَخْلِطُني بالرُّكْبَانْ ... يَقِي بِهِ اللهُ أذَاةَ الرُّجْلَانْ٥
ورُوِّينا عن ابن الأعرابي: رَجُل رَجْلَان٦، ورَجَل أي: رَاجِل.
وقراءة الكافة: ﴿رِجَالًا﴾ جَمْع رَاجِل أيضا، كصائِم وصِيام، وصَاحِب وصِحَاب.
стр. 461
ومن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق، ورويت عن أبي عمرو: "وَالْمُقِيمِي الصَّلاةَ"١، بالنصب.
قال أبو الفتح: أراد "المقيمين"، فحذف النون تخفيفا، لا لِتُعَاقِبَها الإضافة، وشبه ذلك باللذين والذين في قوله:
فإنَّ الذِي حانَتْ بفلجٍ دماؤهُم ... هُمُ القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ٢
حذف النون من الذين تخفيفا لطول الاسم، فأما الإضافة فساقطة هنا، وعليه قول الأخطل:
أبَنِي كُلَيبٍ إنَّ عَمِّيَّ اللَّذا ... قَتَلا الملوكَ وفَكَّكَا الأغلالا٣
حذف نون "اللذان" لما ذكرنا، لكنّ الغريبَ من ذلك ما حكاه أبو زيد عن أبي السمال أو غيره أنه قرأ: "غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهَ"٣، بالنصب. فهذا يكاد يكون لحنا؛ لأنه ليست مع لام التعريف المشابهة للذي ونحوه، غير أنه شبه "معجزي" بالمعجزي، وسوغ له ذلك علمه بأن "معجزي" هذه لا تتعرف بإضافتها إلى اسم الله "تعالى"، كما لا يتعرف بها ما فيه الألف واللام، وهو "الْمُقِيمِي الصَّلاةَ" فكما جاز النصب في "الْمُقِيمِي الصَّلاةَ" كذلك شبه به "غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهَ". ونحو "الْمُقِيمِي الصَّلاةَ"
بيت الكتاب:
الحافِظُو عَوْرَةَ العشِيرَةَ لَا ... يأْتِيهِمُ مِنْ وَرَائِهِمْ نَطَفُ٤
بنصب "العورةَ" على ما ذكرتُ لك. وقال آخر:
قَتَلْنَا ناجيًا بقتِيلِ عَمْرِو ... وَخَيْرُ الطَّالِبي التِّرَةَ الغَشُومُ٥
ومثل قراءة من قرأ: " غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهَ"، بالنصب قول سويد:
ومَسَامِيحُ بِِمَا ضَنَّ بِهِ ... حَابِسُو الأنْفُسَ عنْ سُوءِ الطَّمَعْ٦
стр. 462
وقرأ بعض الأعراب: "إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابَ الْأَلِيمَ"١، بالنصب.
وأخبرنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس، قال: سمعت عمارة يقرأ: "وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارَ"، فقلت له: ما أردت؟ فقال٣: أردت: سابقٌ النهارَ، فقلت له: فهلا قلته. فقال: لو قلته لكان أوزن، يريد: أقوى وأقيس. وقد ذكرنا هذا ونحوه في كتابنا الخصائص٤ وغيره من كتبنا.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وإبراهيم وأبي جعفر محمد بن علي والأعمش، واختلف عنهما، وعطاء بن أبي رباح٥ [١٠٦و] والضحاك والكلبي: "صَوَافِنَ"٦.
وقرأ: "صَوَافِيَ" أبو موسى الأشعري والحسن وشفيق٧ وزيد بن أسلم٨ وسليمان التيمي، ورويت عن الأعرج.
قال أبو الفتح: هي "الصافنات" في قول الله تعالى: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَاد﴾ ٩، إلا أنها استعملت هنا في الإبل. والصافن: الرافع إحدى رجليه، واعتماده منها على سنبكها. قال عمرو بن كلثوم:
تَرَكْنَا الْخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ ... مُقَلَّدَةً أَعِنَّتَهَا صُفُونَا١٠
стр. 463
و"صَوَافِيَ" أي: خوالص لوجهه وطاعته. وقال العجاج:
حتَّى إذا ما آضَ ذا أعرافِ ... كالْكَوْدَنِ المَشْدُودِ بالْوِكَافِ
قالَ الذِي عِنْدَكَ لِي صَوَافِي١
ومن ذلك قراءة أبي رجاء: "القنِعَ"٢.
قال أبو الفتح: يريد "القانع"، وهي قراءة العامة، إلا أنه حذف الألف تخفيفا وهو يريدها وقد ذكرنا ذلك فيما مضى، وأنشدنا فيه قوله:
أصبحَ قَلْبِي صَرِدَا ... لا يشْتِهِي أنْ يَرِدَا
إلا عِرَادًا عِرَادَا ... وصِلِّيَانًا بَرٍدَا
وَعَنْكَثًا مُلْتَبِدَا٣
يريد عارِدًا وبارِدًا. ونحوه ما رويناه عن قطرب من قول الشاعر:
أَلَا لَا بارَكَ اللهُ في سُهَيْلِ ... إذا مَا اللهُ بارَكَ في الرِّجالِ٤
أراد: لا بارَكَ اللهُ٥، فحذف الألف تخفيفًا. وعليه قول الآخر:
مثل النَّقا لّبده ضرب الطَّلَلْ٦
يريد الطَّلال، كما قال القحيف العقيلي:
ديارُ الْحَيِّ تضرِبُها الطِّلالُ ... بِها أهلٌ مِنَ الخافي ومالُ٦
ومن ذلك قراءة أبي رجاء وعمرو بن عبيد: "والْمُعْتَرِي"٧ خفيفة، من اعتريت.
стр. 464
قال أبو الفتح: يقال: عَرَاهُ يَعْرُوهُ عَرْوًا فهو عَارٍ، والمفعول مَعْرُوّ. واعتراه يعتريه اعتراء فهو مُعتَرٍ. والمفعول مُعترًى. وعرَّه يَعَرُّه عرًّا فهو عَارٌّ. والمفعول معرور. واعتره يعترُّه اعترارًا فهو معتَرٌّ، والمفعول مُعْتَرٌّ أيضا. لفظ الفاعل والمفعول به سواء. وكله: أتاه وقصده. والقانع: السائل، والمعتر: المتعرض لك من غير مسألة. قال ابن أحمر:
ثُمّ تَعُرُّ الماءَ فِيمَنْ يَعُر١
قال طرفة:
في جِفَانٍ تَعتَرِي نَادِيَنَا ... وسَدِيف حِينَ هَاجَ الصِّنَّبِرْ٢
ومن ذلك قراءة الجحدري بخلاف: "وصُلُوتٌ"٣ بضم الصاد واللام، وإسكان الواو، والتاء.
وروى عنه: "وصِلْواتٌ". بكسر الصاد، وجزم اللام بعد الواو. بالتاء.
وقرأ: "وصُلُوتٌ" أبو العالية -بخلاف- والحجاج بن يوسف- بخلاف- والكلبي.
وقرأ: "وصُلُوتٌ" الحجاج. ورويت عن الجحدري.
وقرأ: "وَصُلُوَتٌ" جعفر بن محمد.
وقرأ: "وصُلُوتًا" مجاهد.
وقرأ: "وصلَوَاتٌ" الجحدري والكلبي بخلاف.
وقرأ: "وصِلْوِيتًا" عكرمة.
قال أبو الفتح: اعلم أن أقوى القراءات في هذا الحرف هو ما عليه العامة، وهو: ﴿صَلَوَاتٌ﴾
стр. 465
ويلي ذلك "صُلُواتٌ" و "صُلَوَات"١ و"صِلْوَاتٌ". فأما بقية القراءات فيه فتحريف وتشبث باللغة السريانية واليهودية.
وذلك أن الصلاة عندنا من الواو، يدلك على ذلك ما كان رآه أبو علي فيها، وذلك أنها من الصَّلَوَيْن [١٠٦ظ] وهما مكتنِفا ذنَب الفرس وغيره مما يجري مجرى ذلك، قال: واشتقاقه منه أن تحريك الصَّلَوَيْنِ أول ما يظهر من أفعال الصلاة، فأما الاستفتاح ونحوه من القراءة والقيام فأمر لا يظهر، ولا يخص ما ظهر منه الصلاة، لكن الركوع أول ما يظهر من أفعال المصلي. وقولهم أيضا في الجمع: صلواتٌ، قاطع بكون اللام واوا، وإنما ذكرنا وجه اشتقاقها من الصَّلَوَيْن٢. فصلوات جمع صلاة، كقنوات من قناة.
وأما "صُلُوَات" و"صُلَوَات" فجمع صُلْوَة، وإن كانت غير مستعملة. ونظيرها حُجْرَة وحُجُرَات وحُجَرَات. وأما "صِلْوَات" فكأنه جمع صِلْوَة كرِشْوَة ورِشْوَات، وهي أيضا مقدرة وغير مستعملة، كتقدير "صُلْوَة". وقد تكون "صُلَوَات" بفتح اللام أيضا جمع صُلاة كطُلاة٣ وطُلَيَات. وإنما بدأنا بقولنا إنها جمع صُلْوَة كحُجُرات جمع حُجْرَة، ولم تقدم ذكر صلاة المتقدرة ليقل تقدير ما لم يخرج إلى الاستعمال.
ومعنى "صَلَوات" هنا: المساجد، وهي على حذف المضاف، أي: مواضع "الصَّلَوَات"، ومنه قولهم: صلى المسجد، أي: أهله. وأذن المسجد، أي: مؤذنه. وقال:
نبِّئْتُ أنّ النارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتْ ... وَاسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ الْمَجْلِسُ٤
قال أبو حاتم: ضاقت صدورهم لما سمعوا ﴿هُدِّمَتْ صَلَوَاتٌ﴾ ، فعدلوا إلى بقية القراءات، وقال الكلبي: "صُلُواتٌ": مساجد اليهود، وقال الجحدري: "صُلُواتٌ": مساجد النصارى. وعندنا من خارج باب الموصل بيوت يدفن فيها النصارى تعرف بالباصَلُوث، بثاء منقوطة
стр. 466
بثلاث، وقال قطرب: صُلُوث بالثاء: بعض بيوت النصارى، قال: والصُّلُوثُ: الصوامع الصغار لم يسمع لها بواحد، قال: وقال ابن عباس: "صَلَوَات": كنائس اليهود، وصوامع الرهبان، وبِيَع النصارى.
وقال أبو حاتم: قال الحسن: تهديمها: تعطيلها، وقول الله سبحانه: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ، ثم قال: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ ١، فهذا يدل على أن المراد: لا تقربوا المسجد، فقال: "الصلاة".
ومن ذلك قراءة الجحدري: "وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ"، ساكنة العين.
قال أبو الفتح: ينبغي أن يكون ذلك على عَطَلَتْ أو أَعْطَلَتْ أو عَطِلَتْ فهي عَاطِل، وأَعْطَلْتُها فهي مُعْطَلة، فيكون منقولا من ثلاثي على فَعَلْتُ أو فَعِلْتُ، والفتح أولى بالعين فيه من الكسر؛ لأن عَطِلَ يقال للمرأة إذا عَطِلَتْ من الحَلْي، كما قال في ضِده: حَلِيَت فهي حالِيَة، وقالوا: امرأة عاطل بلا هاء، كأخواتها من طاهر وطامث.
ومن ذلك قراءة لاحق بن حميد٣: "فَلا يُنَزِعُنَّكَ"٤.
قال أبو الفتح: ظاهر هذا فلا يستخِفُّنَّك عن دينك إلى أديانهم، فيكون بصورة المنزوع عن شيء إلى غيره. ومنه قول الله: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ ٥، ونحوه قول يونس٦ في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ٧، ألا تراه كيف
стр. 467
ذهب إلى تعليق ينزع في هذا الموضع؟ ولو كان بمنزلة نزع الرَّجُلِ الرِّجْلَ من الخف أو المسمار من الجذع ونحوه [١٠٧و] لما جاز تعليقه.
قال أبو علي: فإنما هو إذًا كقولك: لنميزنهم بالاعتقاد والعلم فنخصهم باستحقاق الذم بما يجب اعتقاده في مثلهم. هذا محصول ما كان يقوله أبو علي فيه وإن لم يحضرني الآن صورة لفظه. فكذلك إذًا قوله: "لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يَنْزِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ" أي: فاثبت على دينك ولا يمل بك هواك إلى اعتقاد دين غيرك.
وأما قراءة العامة: ﴿فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: فاثبت على يقينك في صحة دينك ولا تلتفت إلى فساد أقوالهم، حتى إذا رأوك كذلك أمسكوا عنك ولم ينازعوك، فلفظ النهي لهم ومعناه له، ﷺ . ومثله قولهم: لا أرينك ههنا، ألا ترى أن معناه: لا تكن هنا فأراك؟ فالنهي في اللفظ لنفسه، ومحصول معناه للمخاطب. ومثله قول النابغة:
لا أَعْرَفًا رَبْرَبًا حُورًا مَدَامِعُها ... كأنَّ أبْكَارَها نِعَاجُ دُوَّار١
أي لا تَدْن مني كذلك فأعرفها، وكلام للعرب كثير الانحرافات ولطيف المقاصد والجهات، وأعذب ما فيه تلفته وتثنيه.
стр. 468
سورة المؤمنون ١:
سم الله الرحمن الرحيم
قرأ: "عَظْمًا"، واحدًا "فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ"٢ جماعة -السلمي وقتادة والأعرج والأعمش. واختلف عنهم.
وقرأ: "عِظَامًا" جماعةٌ "فَكَسَوْنَا الْعِظْمَ٣" واحدا -مجاهد.
قال أبو الفتح: أما من وحد فإنه ذهب إلى لفظ إفراد الإنسان والنطفة والعلقة، ومن جمع فإنه أراد أن هذا أمر عام في جميع الناس. وقد شاع عنهم وقوع المفرد في موضع الجماعة.
نحو قول الشاعر:
كُلُوا في بعضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ... فإنَّ زَمَانَكُمُ زَمَنُ خَمِيصُ٤
وقول طفيل:
في حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وقد شَجينَا٥
وهو كثير وقد ذكرناه. إلا أن من قدم الإفراد ثم عقب بالجمع أشبه لفظا؛ لأنه جاور بالواحد لفظ الواحد الذي هو "إنسان" و"سلالة" و"نطفة" و"علقة" "ومضغة". ثم عقب بالجماعة؛ لأنها هي الغرض. ومن قدم الجماعة بادر إليها إذ كانت هي المقصود. ثم عاد فعامل اللفظ المفرد بمثله. والأول أحرى٦ على قوانينهم. ألا تراك تقول: من قام وقعدوا
стр. 469
إخوتك فيحسن لانصرافه عن اللفظ إلى المعنى، وإذا قلت: من قاموا وقعد إخوتك، ضعف لأنك قد انتحيت بالجمع على المعنى وانصرفت عن اللفظ؟ فمعاودة اللفظ بعد الانصراف عنه تراجع وانتكاث، فاعرفه وابن عليه فإنه كثير جدا.
ومن ذلك قراءة الزهري والحسن والأعرج: "تُنْبَتُ"١، برفع التاء، ونصب الباء.
وفي قراءة عبد الله: "تَخْرُجُ بِالدُّهْنِ".
قال أبو الفتح: الباء هنا في معنى الحال، أي: تنبت وفيها دهنها، فهو كقولك: خرج بثيابه. أي وثيابه عليه، وسار الأمير في غلمانه، أي وغلمانه معه، وكأنه قال: خرج لابسا ثيابه، وسار مستصحبا غلمانه، وكذلك قول الهذلي [١٠٧ظ] .
يَعْثُرْنَ في حَدِّ الظِّباتِ كأنَّما ... كُسِيَتْ بُرُودَ بني تَزِيدَ الأذرُعُ٢
أي: يعثرن كابيات٣ في حد الظبات، أو مجروحات في حد الظبات. ومثله ما أنشده الأصمعي من قوله:
وَمُسْتَنَّةٍ كاستِنانِ الخَرُو ... ف قد قَطَعَ الحبْلَ بالمِرْوَدِ٤
أي: قطع الحبل ومرودُه فيه، أي: متصلا به مِرْوَدُه، فكذلك قوله: "تُنْبَتُ بِالدُّهْنِ"،
стр. 470
أي: تنْبُتُ ودهنها فيها، وكذلك من قرأ: "تَنْبُتُ"، أي: تنبت على هذه الحال، وكذلك أيضا من قرأ: "تَنْبِتُ بِالدُّهْنِ" قد حذف مفعولها، أي: تنبت ما تنبته ودهنها فيها وذهبوا في قول زهير:
حتَّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ١
إلى أنه في معنى نَبَتَ وأنها لغة: فَعَلْت وأفْعَلَت. وقد يجوز أن يكون على هذا أي: محذوف المفعول، أي: حتى إذا أنبتَ البقلُ ثمرَهُ. ونحن نعلم أيضا أن الدهن لا ينبِت الشجرة، وإنما ينبتها الماء. ويؤكد ذلك أيضا قراءة عبد الله: "تَخْرُجُ بالدُّهنِ"، أي: تخرج من الأرض ودهنها فيها.
فأما من ذهب إلى زيادة الباء، أي: تنبِت الدهن، فمضعوف المذهب، وزائد حرفا لا حاجة به إلى اعتقاد زيادته مع ما ذكرناه من صحة القول عليه، وكذلك قول عنترة:
شَرِبَتْ بماءِ الدَّحْرُضَيْنِ٢
ليس عندنا على زيادة الباء، وإنما هو على شربت في هذا الموضع ماء، فحذف المفعول. وما أكثر وأعذب وأعرب حذف المفعول وأدله على قوة الناطق به!
стр. 471
ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "لَعِبْرَةً تَسْقِيكُمْ"١.
قال أبو الفتح: ليس قوله: "تَسقيكم" صفة، لعبرة كقولك: لعبرة٢ ساقية. ألا ترى أنه ليست العبرة الساقية، إنما هناك حض وبعث على الاعتبار بسقياها لنا أو بسقيا الله "سبحانه" إيانا منها؟ فالوقف إذًا على قوله: "لعبرة"، ثم استأنف "تعالى" تفسير العبرة، فقال: "تسقيكم" هي، أو ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ نحن "مِمَّا فِي بُطُونِهَا". وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ أحد ما يدل على قوة شبه الظرف بالفعل. ألا تراه معطوفا على قوله: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ ؟ والعطف نظير التثنية، والتثنية تقتضي تساوي حال الاسمين وتشابههما. ومثله في ذلك٣ قول الآخر أخبرنا به أبو بكر محمد بن الحسن عن أبي العباس أحمد٤ بن يحيى ثعلب:
زَمَانَ عَلَيَّ غُرابٌ غُدافٌ ... فَطَيَّرهُ الشيْبُ عَنِّي فَطَارَا٥
فعطف "طيره" على "علي" وهو ظرف.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ٦، فوجود معنى الشرط في الظرف أقوى دليل على قوة شبهه بالفعل؛ لأن الشرط لا يصح إلا به. وسوغ ذلك أيضا أن قوله: "تَسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا" في معنى قوله: لكم في بطونها سقيا، ولكم فيها منافع.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر والثقفي: "هَيْهَاتِ هَيْهَاتِ"٧، بكسر التاء غير منونة.
وقرأ: "هَيْهَاتٍ هَيْهَاتٍِ" عيسى بن عمر:
وقرأ: "هَيْهَاتٌ هَيْهَاتٌ" رفع منون -أبو حيوة.
وقرأ: "هَيْهَاتْ هَيْهَاتْ" مرسلة التاء٨ عيسى الهمداني، ورويت عن أبي عمرو.
стр. 472
قال أبو الفتح: أما الفتح -وهي قراءة العامة- فعلى أنه واحد، وهو [١٠٨و] اسم سمي به الفعل في الخبر، وهو اسم "بَعُدَ"، كما أن شتان اسم "افترق" وأوَّتَاه اسم "أتألم"، وأُفّ اسم "أتضجر" وقد ذكرنا في "أفّ" طرفا صالحا من هذا الحديث١.
ومن كسر فقال: "هيهاتٍ" منونا أو غير منون فهو جمع هيهات وأصله٢ هيْهيات: إلا أنه حذف الألف، لأنها في آخر اسم غير متمكن٣، كما حذفت ياء الذي في التثنية إذا قلت: اللذان وألف ذا إذا قلت: ذان.
ومن نون ذهب إلى التنكير، أي: بُعْدًا بُعْدًا.
ومن لم ينون ذهب إلى التعريف، أراد: البُعْد البُعْد.
ومن فتح وقف بالهاء؛ لأنها كهاء أرْطَاة٤ وسِعْلَاة٥.
ومن كسر كتبها بالتاء؛ لأنها جماعة، والكسرة في الجماعة بمنزلة الفتحة في الواحد، كما أن سقوط النون من ضربا بمنزلة الفتحة في ضرب طردا على سقوط النون في لن يضربا بمنزلة الفتحة في أن يضرب. فلفظ البناء في هذا كلفظ الإعراب.
ومن قال: "هيهاةٌ هيهاةٌ" فإنه يكتبها بالهاء؛ لأن أكثر القراءة "هَيْهَاةَ" بالفتح، والفتح يدل على الإفراد، والإفراد بالهاء كهاء أرطاة وعَلْقَاة٦، غير أن من رفع فقال: "هيهاةٌ" فإنه يحتمل أمرين:
أحدهما أن يكون أخلصها اسما معربا فيه معنى البعد، ولم يجعله اسما للفعل فيبنيه كما بنى الناس غيره، وقوله: ﴿لِمَا تُوعَدُون﴾ خبر عنه، كأنه قال: البعد لوعدكم، كما يقول القائل: الخلف لموعدك، والضلال لإرشادك، والخيبة لانتجاعك.
والآخر أن تكون مبنية على الضم، كما بنيت نحن عليه، وكما بنيت حَوْبُ٧ عليه في الزجر، ثم اعتقد في التنكير فلحقه التنوين على ما مضى. ونحو من ذلك ما حُكي عن بعضهم من ضمة نون التثنية في الزيدانُ والعمرانُ.
стр. 473
وأما "هيهاتْ هيهاتْ"، ساكنة بالتاء فينبغي أن يكون جماعة، وتكتب بالتاء؛ وذلك أنها لو كانت هاء كهاء علقاة وسماناة١ للزم في الوقف عليها أن يلفظ بالهاء كما يوقف مع الفتح فيقال: هَيْهَاه هَيْهَاه، فبقاء التاء في الوقف في السكون دليل على أنها تاء، وإذا كانت تاء فهي للجماعة، وهو أمثل من أن يعتقد فيها أنها أجريت في الوقف مجراها في الوصل من كونها تاء كقولنا: ﵇ والرحمتْ، وقوله:
بلْ جَوْزِ تيهَاءَ كَظَهْرِ الحَجَفَتْ٢
لقلة هذا وكثرة الأول، وكذلك يقف الكسائي عليه، وهو عندي حسن لما ذكرته.
وعذر من وقف بالتاء كونها في أكثر الأمر مصاحبة للأخرى من بعدها، ولأنها أيضا تشبه الفعل، والفعل أبدا متطاول على الفاعل، وهذا طريق الوصل، ولأن الضمير فيها لم يؤكد قط، فأشبهت الفعل الذي لا ضمير فيه، فكان ذلك أدعى في اللفظ إلى إدراجها بالتوقع له٣:
والذي حسن الوقوف عليها حتى نطق بالهاء فيها ما أذكره لك، وهو أن هيهاهْ جارية مجرى الفعل في اقتضائها [١٠٨ظ] الفاعل، فإذا قال: هيهاتَ، فكأنه قال: بعُد بعثكُم، بعُد إنشاؤكم، بعُد إخراجكم. فإذا وقف عليه أعلم أن فيه فاعلا مضمرا وأن الكلمة قد استقلت بالضمير الذي فيها، وإذا وصلها بالأخرى أوهم حاجة الأولى إلى الآخرة فآذن بالوقوف عليها باستقلالها وغنائها عن الأخرى من بعدها، فافهم ذلك. ولا يجوز أن يكون قوله٤: ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾ هو الفاعل؛ لأن حرف الجر لا يكون فاعلا، ولا يحسن اعتقاد زيادة اللام هنا
стр. 474
حتى كأنه قال: بَعُدَ ما توعدون؛ لأنه لم تؤلف زيادة اللام في نحو هذا، وإنما زيدت في الموضع الذي الغرض بزيادتها فيه تمكين معنى الإضافة، كقوله:
يا بُؤْس للحربِ التي ... وَضَعَتْ أراهِطَ فاستراحُوا١
وكقوله:
يا بؤسَ للجهْلِ ضرًّارًا لأقْوَام٢
وإذا لم يكن لها بد من الفاعل ولم يكن الظاهر بعدها فاعلا لها ففيها ضمير فاعل لا محالة، وهو ما قدمنا ذكره٣. ومما نون وهو مبني على الضم قوله:
سَلامُ اللهِ يا مَطَرٌ عَلَيْها ... وَلَيْسَ عَليْكَ يا مَطَرُ السلامُ٤
ومنه قولهم في الضجر: أفٌّ فيمن ضم ونون، ويؤنسك باستعمالهم من هذا اللفظ اسما معربا قول رؤبة:
هَيْهَاتَ من مُنْخَرِقٍ هَيَْهاؤه٥
فكأنه قال: بَعُدَ بُعْدُهُ، وهو كقولهم: جُنَّ جُنُونُه، وضَلَّ ضَلالُه، وقولهم: موتٌ مائتٌ، وشعرٌ شاعرٌ على طريقة المبالغة. وهيهاؤه إذًا فِعْلالُه، كزِلْزَاله وقِلْقَالِه، والهمزةُ فيه منقلبةٌ عن ياء، لأنه من باب٦ حَاحَيْتُ وعاعَيْتُ. وقريب من لفظه ومعناه ما أنشدَناه أبو علي من قولِ بعضهم:
فَأَرْفَعُ الجفنَةَ بِالْهَيهِ الرثِعْ٧
стр. 475
فَالْهَيْهُ: المرقّع من الناس المرذول الذي يقال له في إبعاده: هَيْهْ. فسمي بالصوت الذي يقال، كما قال الآخر
إذَا حَمَلْتُ بِزَّتِي عَلَى عَدَسْ ... فَما أُبالِي مَن مَضَى وَمَن جَلَسْ١
يعني البَغْل؛ لأنه يقال له في الزجر: عَدَسْ. قال:
عَدَسْ ما لِعَبادٍ عليكَ إمارَةٌ ... نَجَوْتٍ وهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ٢
فَالْهَيْهُ -كما ترى- ثلاثي، وهيهات -على ما مضى- رباعي، فاللفظان أخوان، والمعنيان متقاربان؛ لأن هيهاة اسم بَعُدَ وهَيْهْ زجرٌ٣ وإبعادٌ ونظير هَيْهْ وهَيْهَاهْ قولهم: سَلِسَ وسَلْسَلَ، وقَلِقَ وقَلْقَلَ، وجَرِجَ٤ وجَرْجَرَ. وسألني أبو علي يوما فقال: أي شيء مثل غَوْغاء وغَوْغَاء؟ فقلت له: قولهم للمنخوب٥: هُوهٌ وهَوْهَاءةٌ. وينبغي أن يضاف إلى ذلك ما ذكرناه الآن من قولهم: هَيْه وهَيْهَاتْ.
ومن ذلك قراءة الحر النحوي: "نُسْرِعُ لَهُمْ"٦، وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة٧: "يُسَارِعُ لهم"، وروي عنه أيضا: "يُسَارَعُ لهم" بفتح الراء، والذي قبله بكسر الراء وقراءة الناس: "نُسَارِعُ" بالنون والألف.
стр. 476
قال أبو الفتح: هنا على قراءة الكافة إلا عبد الرحمن ضمير محذوف، أي: أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين نُسارِع لهم به في الخيرات، أو نُسْرع لهم به، أو يُسارَعُ [١٠٩و] لهم به في الخيرات؟ فحذفت "به" للعلم بها، كما حذف الضمير في قولهم: السمن مَنَوَان بدرهم، أي: منوان منه بدرهم، فكأن "به" المتقدمة في الصلة من قوله: ﴿نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ صارت عوضا من اللفظ بها ثانية. ومعناه أنا لا نقدمه لهم إرادة للخير، بل هو إملاء واستدراج لهم كقوله جل وعز١: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ ٢، إلى آخر ذلك وغيره من الآي في معناه.
وأما قراءة عبد الرحمن بن أبي بكرة "يُسَارِعُ" بكسر الراء، وبالياء فلا حاجة به إلى تقدير حذف الضمير؛ لأن في الفعل ضميرا يعود على "ما" من قوله: ﴿أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ .
ومن ذلك قراءة النبي ﷺ وعائشة وابن عباس وقتادة والأعمش: "يَأتُونَ مَا أَتَوْا"٣ قصرا.
قال أبو الفتح: قال أبو حاتم -فيما روينا عنه- يأتون ما أتوا، قصرا، أي: يعملون العمل وهم يخالفونه ويخافون لقاء الله ومقام الله، قال: ومعنى قوله: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ يعطون الشيء فيشفقون ألا يقبل منهم. وحُكي عن إسماعيل بن خلف قال: دخلت مع عبيد الله بن عمير الليثي على عائشة "﵁"، فرحبت به، فقال لها: جئتك لأسالك عن آية في القرآن. قالت: أي آية هي؟ فقال: "َالَّذِينَ يَأتُونَ مَا أَتَوْا"، أو ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ ؟ فقالت: أيتهما أحب إليك؟ قال: فقلت: لأن تكون "يَأتُونَ مَا أَتَوْا" أحب إلي من الدنيا جميعا، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتون ما أتوا" ولكن الهجاءَ حُرّف٤.
стр. 477
ومن ذلك قراءة الحر: "أُولَئِكَ يُسْرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ
"١، أي يكونون سراعا.
قال أبو الفتح: يقال سُرع إلى الشيء وأسرع إليه، وقوله: "يُسْرِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ"، أي: يكونون سراعا إليها وفي عملها. وأما "يُسَارِعُون" فيسابقون، فمفعوله إذًا محذوف، أي يُسارِعُون مَنْ يُسَارِعُهم إليها، كقولك: يُسابِقُون إليها وفيها، أي يُسابِقُون مَنْ يُسابِقُهم إليها.
ومن ذلك قراءة ابن مسعود وابن عباس وعكرمة: "سُمَّرًا يُهَجِّرُونَ"٢.
وروي عن ابن محيص: "سُمَّرًا يُهْجِرُونَ".
قال أبو الفتح: السمَّرُ جمع سامِر، والسامِرُ: القوم يَسْمُرُون٣، أي: يتحدثون ليلا.
قال ذو الرمة:
وكَمْ عَرَّسَتْ بَعْدَ السُّرَى مِنْ مُعَرَّسٍ ... بِهِ مِنْ عَزِيفِ الجنِّ أصواتُ سَامِرِ٤
وروينا عن قطرب أن السامر قد يكون واحدا وجماعة وأما "يُهْجَرُون"، بسكون الهاء، وضم الياء فتفسيره: يفحشون القول، يقال: هَجَرَ الرجلُ في منطقِهِ، إذا هذى، وأهْجَرَ: أفحش. قال الشماخ:
стр. 478
كَمَا جِدَةِ الأعْرافِ قالَ ابنُ ضَرَّةٍ ... عَلَيْها كَلَامًا جَارَ فيهِ وأهْجَرًا١
وقال الحسن في "تَهْجُرُونَ" أي: تهجرون كتابي ونبيي. وأما "تُهْجِّرُونَ" فينبغي والله أعلم أن يكون تكثرون من الهجر، وهو الهذيان، أو هجر النبي " ﷺ " وكتاب الله، أو تكثرون من الإهجار، وهو إفحاش القول؛ لأن فَعَّلَ تأتي للتكثير.
وروينا عن أبي حاتم قال: قرأ "سُمَّارًا" أبو رجاء، فهذا ككاتِب وكُتّاب [١٠٩ظ] ، وشارب وشُرّاب. ولو ذهب ذاهب إلى أن معنى "تُهْجِّرُونَ"، أي تكثرون من الهذيان حتى تكونوا -وأنتم في سواد الليل لقلة احتشامكم لظهور ذاك عليكم- كأنكم مهجّرون، أي: مبادون به غير مسايرين له، كالذي يهجّر في مسيره، أي: يسير في الهاجرة، فهذا كقولك لصاحبك: أنت مساترا معلن، وأنت محسنا مسيءٌ، أي: أنت في حال مساترتك معلن، وأنت في حال إحسانك عندي مسيء- لكان وجها.
ومن ذلك قراءة يحيى: "وَلَوُ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ"٢، بضم الواو.
قال: الضم في هذه الواو قليل، وإنما بابها الكسر كقراءة الجماعة، غير أن من ضمها شبهها -لسكونها وانفتاح ما قبلها- بواو الجمع، كقول الله تعالى: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ ٣، كما شبه بعضهم واو الجمع هذه بها فقرأ: "اشْتَرَوِا الضَّلالَةَ"، ومثل ضم هذه الواو ضم واو قوله٥:.....
стр. 479
وقرأ بعضهم: "اشْتَرَوَا الضَّلالَةَ" بفتح الواو، كل ذلك لالتقاء الساكنين. فمن كسر فعلى أصل حركة التقاء الساكنين، ومن ضم فلأجل واو الجمع. ومن فتح تبلَّغ بالفتحة لخفتها.
ومن ذلك قراءة قتادة: "بَلْ أَتَيْنَاهُمْ نُذَكِّرهم"، "بل أَتيتَهم بِذِكْرِهِمْ"، و"بل أَتيتُهم بذِكْرِهِمْ"، بكلٍّ قد قرئ، وذلك أنه إذا أتاهم بذكرهم فإنه قد ذكرهم به، فالمعنى إذًا واحد.
ومن ذلك قراءة أُبي: "وَلا تكَلِّمُونِ أَنَّهُ"٢، بفتح الألف.
قال هارون: كيف شئت "إنَّه"، و"أنِّه".
وفي قراءة ابن مسعود: "وَلا تُكَلِّمُونِ كَانَ فَرِيقٌ"، بغير "أنه".
وقال يونس عن هارون في حرف أُبي: "وَلا تُكَلِّمُونِ أنْ كَانَ فَرِيقٌ".
قال أبو الفتح: قراءة ابن مسعود: "كان فَرِيقٌ" بغير "أنه" تشهد للكسر؛ لأنه موضع استئناف، والكسر أحق بذلك. والقراءة "أَنْ كَانَ فَرِيقٌ" تشهد لـ "أنه"، ألا ترى أن معناه: ولا تكلمون لأنه كان فريقٌ كذا.
ومن ذلك قراءة الحسن وقتادة: "عِنْدَ رَبِّهِ أَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ"٣، بفتح الألف.
قال أبو الفتح: معناه -والله أعلم- أن٤ حسابه يؤخر إلى أن يلقى ربه؛ فيحاسب حينئذ. وذلك أنه لا تنفع فيه الموعظة ولا التذكير في الدنيا؛ فيؤخر الحساب إلى أن يحاسب عند ربه لعدم انتفاعه بالوعظ٥ له والتضييق عليه في الدنيا، وهذا كقوله "عز اسمه": ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ ٦.
стр. 480
سورة النور:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قراءة أم الدرداء١ وعيسى الثقفي وعيسى الهمداني، ورويت عن عمر بن عبد العزيز٢: "سُورَةً"٣، بالنصب.
قال أبو الفتح: هي منصوبة بفعل مضمر، ولك في ذلك طريقان:
أحدهما أن يكون ذلك المضمر من لفظ هذا المظهر، ويكون المظهر تفسيرا له، وتقديره: أنزلنا سورة، فلما أضمره فسره بقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ ، كما قال:
أصبحْتُ لا أحمِلُ السِّلاحَ وَلَا ... أملِكُ رأسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرَا
والذِّئبَ أخْشَاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ... وحْدِي وأخْشَى الرِّياحَ والْمَطَرَا٤
أي: وأخشى الذئب، فلما أضمره فسره بقوله: "أخشاه".
والآخر أن يكون الفعل الناصب [١١٠و] لـ"سُورَةً" من غير لفظ الفعل بعدها، لكنه على معنى التحضيض، أي: اقرءوا سورة، أو تأملوا وتدبروا سورةً أنزلناها، كما قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُم
стр. 481
رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ ١، أي: احفظوا ناقة الله. ويؤنس بإضمار ذلك ظهوره٢ في قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٣. فإذا كان تقديره هذا فقوله: ﴿أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ إلى آخر ذلك منصوب الموضع لكونه صفة لـ"سورة". وإذا جعلت "أنزلناها" تفسيرا للفعل الناصب المضمر فلا موضع له من الإعراب أصلا، كما أنه لا موضع من الإعراب لقوله: أنزلنا سورة؛ لأنه لم يقع موقع المفرد، وهذا واضح.
وأما قراءة الجماعة: "سُورَةٌ"، بالرفع فمرفوعه بالابتداء، أي: فيما يُنزّل إليكم وما يتلى عليكم سورة من أمرها كذا، فالجملة بعدها٤ إذًا في موضع رفع؛ لأنها صفة لسورة.
ومن ذلك قراءة عيسى الثقفي: "الزَّانِيَةَ وَالزَّانِيَ"، بالنصب.
قال أبو الفتح: هذا منصوب بفعل مضمر أيضا، أي: اجلدوا الزانية والزاني، فلما أضمر الفعل الناصب فسره بقوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ . وجاز دخول الفاء في هذا الوجه لأنه موضع أمر، ولا يجوز: زيدا فضربته؛ لأنه خبر. وساغت الفاء مع الأمر لمضارعته الشرط، ألا تراه دالا على الشرط؟ ولذلك انجزم جوابه في قولك: زرني أزرك، لأن معناه زرني؛ فإنك إن تزرني أزرك. فلما آل معناه إلى الشرط. جاز دخول الفاء في الفعل المفسر للمضمر، فعليه تقول: بزيد فامرر، وعلى جعفر فانزل.
ولا موضع لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ؛ لأنه تفسير، ولا يكون وصفا لـ"الزانيةَ" "والزانيَ" من حيث كانت المعرفة لا توصف بالنكرة، وكل جملة فهي نكرة. وأيضا فإن الأمر لا يوصف به كما لا يوصف بالنهي ولا بالاستفهام؛ لاستبهام كل واحد من ذلك لعدم الخبر منه. وأيضا فإن الموصوف لا تعرض بينه وبين صفته الفاء، لا تقول: مررت برجل فيضرب زيدا؛ وذلك لأن الصفة تجري مجرى الجزء من الموصوف، وجزء الشيء لا يعطف على ما مضى منه.
стр. 482
فإن قلت: فقد أقول: مررت برجل قام فضرب١ زيدا، فكيف جاز العطف هنا؟ قيل: إنما عطفت صفة على صفة، ولم تعطف الصفة على الموصوف من حيث كان الشيء لا يعطف على نفسه لفساده.
ومن ذلك قراءة عبد الله بن مسلم بن يسار وأبي زرعة بن عمرو بن جرير: "بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَاء"٢، بالتنوين.
قال أبو الفتح: هذا حسن في معناه؛ وذلك أن٣ أسماء العدد من الثلاثة إلى العشرة لا تضاف إلى الأوصاف، ولا يقال: عندي ثلاثة ظريفين٤ إلا في ضرورة إلى إقامة الصفة مقام الموصوف، وليس ذلك في حسن وضع الاسم هناك، والوجه عندي ثلاثة ظريفون٥. وكذلك قوله: "بِأَرْبَعَةٍ شُهداءَ" لتجري "شهداء" على٦ "أربعة" وصفا؛ فهذا هذا.
فأما وجه قراءة الجماعة: ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهداءَ﴾ بالإضافة [١١٠ظ] فإنما ساغ ذلك لأنهم قد استعملوا الـ"شهداء" استعمال الأسماء؛ وذلك كقولهم: إذا دفن الشهيد صلت عليه الملائكة، وعد الشهداء يومئذ فكانوا كذا وكذا، ومنزلة الشهيد عند الله مكينة. فلما اتسع ذلك عنهم جرى عندهم مجرى الاسم؛ فحسنت إضافة اسم العدد إليه حسنها إذا أضيف٧ إلى الاسم الصريح أو قريبا من ذلك.
واعلم منْ بَعْدُ أن الصفات لا تتساوى أحوالها في قيامها مقام موصوفاتها، بل بعضها في ذلك أحسن من بعض، فمتى دلت الصفة على موصوفها حسنت إقامتها مقامه، ومتى لم تدل على موصوفها قبحت إقامتها مقامه. فمن ذلك قولك: مررت بظريف، فهذا أحسن من قولك: مررت بطويل؛ وذلك أن الظريف لا يكون إلا إنسانا مذكرا ورجلا أيضا، وذلك أن الظُّرف
стр. 483
إنما هو حسن العبارة، وأنه أمر١ يخص اللسان؛ فظريف إذا مما يختص الرجال دون الصبيان؛ لأن الصبي في غالب الأمر لا تصح له صفة الظرف، وليس كذلك٢ قولنا: مررت بطويل؛ لأن الطويل قد يجوز أن يكون رجلا، وأن يكون رمحا، وأن يكون حبلا وجذعا، ونحو ذلك. فهذا هو الذي يقبح، والأول هو الذي يحسن، فإن قام دليل من وجه آخر على إرادة الموصوف ساغ وضع صفته موضعه، فاعرف ذلك واعتبره بما ذكرنا.
وإنما قبح حذف الموصوف من موضعين:
أحدهما أن الصفة إنما لحقت الموصوف إما للتخصيص والبيان، وأما للإسهاب والإطناب، وكل واحد من هذين لا يليق به الحذف، بل هو من أماكن الإطالة والهضب٣.
واعلم أن الصفة كما تفيد في الموصوف فكذلك قد يفيد الموصوف في صفته، ألا تراك إذا قلت: مررت بغلام طويل فقد علم أن طويلا هنا إنسان. ولو لم يتقدم ذكر الغلام لم يُعلم أنه لإنسان أو غيره: من الرمح، أو الجذع، ونحوهما. وكذلك قد علم بقولك: طويل، أن الرجل طويل وليس بربعة ولا قصير، وهذا أحد ما خلط الموصوف بصفته حتى صارت معه كالجزء منه، وذلك لتساويهما في إفادة كل واحد منهما في صاحبه ما لولا مكانه لم يُفِد فيه.
ومن ذلك قراءة الأعرج بخلاف وأبي رجاء وقتادة وعيسى وسلام وعمرو بن ميمون، ورويت عن عاصم: "أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ"٤ "أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ"٥.
وقرأ: "أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ" رفع وخفف النون، و"أَنَّ غَضَبُ اللَّهِ" نصب -يعقوب.
قال أبو الفتح: أما من خفف ورفع فإنها عنده مخففة من الثقيلة وفيها إضمار محذوف للتخفيف، أي: أنه لعنةُ الله عليه وأنه غضبُ الله عليها، فلما خففت أضمر اسمها وحذف، ولم يكن من إضماره بد؛ لأن المفتوحة إذا خففت لم تصر بالتخفيف حرف ابتداء، وإنما تلك إن المكسورة، وعليه قول الشاعر:
стр. 484
فِي فِتيَةٍ كسُيُوفِ الهنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ١
أي: أنه هالك كل من يحفى وينتعل.
وسبب٢ ذلك أن اتصال المكسورة باسمها وخبرها اتصال بالمعمول فيه، واتصال المفتوحة باسمها وخبرها اتصالان: أحدهما اتصال العامل بالمعمول، والآخر اتصال الصلة بالموصول. [١١١و] .
ألا ترى أن ما بعد المفتوحة صلة لها؟ فلما قوي مع الفتح اتصال أن بما بعدها لم يكن لها بد من اسم مقدر محذوف تعمل فيه، ولما ضعف٣ اتصال المكسورة بما بعدها جاز إذا خففت أن تفارق العمل وتخلص حرف ابتداء، ولا يجوز أن تكون "أنْ" هنا بمنزلة أي للعبارة، كالتي في قول الله سبحانه: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ ٤، معناه أي: امشوا. قال سيبويه: لأنها لا تأتي إلا بعد كلام تام، وقوله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ﴾ كلام تام، وليست "الخامسة" وحدها كلاما تاما فتكون "أن" بمعنى "أي"، ولا تكون "أن" هنا زائدة كالتي في قوله:
ويوْمًا تُوَافِينا بوجْه مُقَسَّمٍ ... كَأَنْ ظَبْيَةٍ تَعْطُو إلَى وارِقِ السَّلَمْ٥
لأن معناه والخامسة أن الحال كذلك، يدل على ذلك قراءة الكافة: ﴿أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ وأن ﴿غَضَبَ اللَّهِ﴾ .
ومن ذلك قراءة أبي رجاء وحُميد ويعقوب وسفيان الثوري٦ وعَمرة بنت
стр. 485
عبد الرحمن١ وابن قُطَيبٍ: "كُبْرَهُ٢"، بضم الكاف.
قال أبو الفتح: من قرأ كذلك أراد عُظْمَهُ، ومن كسر فقال: "كِبْرَهُ" أراد وزره وإثمه.
قال قيس بن الخطيم:
تَنَامُ عنْ كُبْر شَأْنِهَا فَإذَا ... قَامَتْ رُوَيْدًا تَكَادُ تَنْغَرِفُ٣
أي عن معظم شأنها.
ومن ذلك قراءة عائشة وابن عباس ﵄ وابن يعمر وعثمان الثقفي: "إِذْ تَلِقُونَهُ"٤.
وقرأ: "إِذْ تُلْقُونَهُ"-من ألقيت- ابن السَّمَيْفَع.
وقرأ: "إِذْ تَتَقَفَّوْنَهُ" أُمُّ ابن عيينة. قال ابن عيينة: سمعت أمي تقرأ كذلك، وكانت على قراءة عبد الله.
وروي أيضا عن ابن عيينة قال: سمعت أمي تقرأ: "إذْ تَثَقَّفُونه"، قال: وكان أبوها يقرأ كما يقرأ عبد الله.
وقراءة الناس: ﴿إذ تَلَقَّوْنَهُ﴾ .
قال أبو الفتح: أما "تَلِقُونَهُ" فتسرعون فيه، وتَخِفُّون إليه. قال الزاجر:
جَاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشَّامِ تَلِقْ٥
стр. 486
أي تخِف وتسرع، وأصله تَلِقُون فيه أو إليه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل إلى المفعول، كقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ ١، أي: من قومه: والهاءُ٢ ضمير الإفك الذي تقدم ذكره.
وأما "تُلْقُونَهُ" فمعناه تُلْقُونَهُ من أفواهكم، وأما "تَتَقَفَّوْنَهُ" فتجمعونه وتَحْطِبُونَهُ من عند أنفسكم، ولا أصل له عند الله تعالى٣. وعليه القراءة الأخرى "تَثَقَّفُونَهُ" من ثَقِفْتُ الشيءُ، إذا طلبتَه فأدركتَه، أي تتصيدون الكلام في الإفك من هنا ومن هنا.
ومن ذلك قراءة أبي جعفر وشيبة وعيسى الهمداني وعيسى الثقفي، ورويت عن عاصم والأعمش أيضا: "ما زَكا"٤، بالإمالة.
قال أبو الفتح: من الواو، لقولهم فيه: زكوت تزكو فأميلت ألفه، فإن كانت من الواو من حيث كان فعلا، والأفعال أقعد في الاعتلال من الأسماء من حيث كانت كثيرة التصرف، وله وضعت، والإمالة ضرب من التصرف٥، ولو كان اسما لم تحسن إمالته حسْنَها في الفعل؛ وذلك نحو العَفَا: ولد الحمار الوحشي، والسَّنَا: الذي يأتي من مكة. وقد تقدم نحو هذا، فهذا مثال يقاس به بإذن الله.
ومن ذلك قراءة علي والأعرج وعمرو بن عبيد وسلام: "خُطُؤاتِ"٦ بالهمز.
وقرأ: "خَطَوَات" أبو السمَّال.
قال أبو الفتح: [١١١] ظ قد تقدم القول على ذلك فيما مضى٧.
стр. 487
ومن ذلك قراءة عباس١ بن عياش بن أبي ربيعة وأبي جعفر وزيد بن أسلم: "يَتَأَلّ"٢ يَتَفَعَّلُ.
قال أبو الفتح: تأَلَّيْتُ على كذا إذا حلفتُ، والألْوَةُ والإلْوَةُ والأُلْوَةُ والأَلِيَّةُ: اليمين.
أنشد الأصمعي:
عَجَّاجَةً هَجّاجَةَ تأَلَّى ... لَأُصْبِحَنَّ الأَحْقَرَ الأَذَلَّا٣
أي: ولا يحلف أُولُو الفضل منكم والسعة ألا يؤتوا أُولي القربى. ومن قرأ: "وَلا يَأْتَلِ" فمعناه: ولا يقصر، وهو يفتعل من قولهم: ما ألَوْتُ في كذا أي: ما قصرت.
ومن ذلك ما يروى عن النبي ﷺ : "وَلْتَعْفُوا وَلْتَصْفَحُوا"٤ بالتاء وروي عنه بالياء.
قال أبو الفتح: هذه القراءة بالتاء كالأخرى المأثورة عنه ﵇: "فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا"٥، وقد ذكرنا ذلك وأنه هو الأصل، إلا أنه أصل مرفوض٦ استغناءً عنه بقولهم: اعفوا واصفحوا وافرحوا، ولا وجه لإعادته.
стр. 488
ومن ذلك قراءة مجاهد وأبي روق: "يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقُّ"١ رفعا.
قال أبو الفتح: "الحق" هنا وصف الله "سبحانه"، أي: يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم وجاز وصفه "تعالى" بالحق لما في ذلك من المبالغة، حتى كأنه يجعله هو هو على المبالغة، فهو كقولنا٢: رجل خَصْم، وقوم زَوْر، وقوله:
فَهُمْ رِضا وَهُمْ عَدْل٣
وعليه قوله "تعالى": "إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ"٤.
ومن ذلك قول ابن عباس: أخطأ الكاتب، إنما هي "تستأْذنوا"، يعني قوله: "تستأْنسوا"٥
стр. 489
وكذلك يروى عن بعد الله، وروي عن أُبَيّ: "حَتَّى تُسَلِّمُوا أو تَسْتَأْذِنُوا"، وكذلك قرأ ابن عباس.
قال أبو الفتح: "تَسْتَأْنِسُوا" هنا معناه تطلبوا وتلتمسوا الأنس، كما أن "تستأذنوا" إنما معناه تطلبوا الإذن. فأما قولهم: قد استأنست بفلان فليس من هذا، إنما ذاك معناه أنست به، وليس المراد فيه طلبت الأنس منه. وأنس في هذا واستأنس كسخر واستسخر، وهزئ واستهزأ، وعجب واستعجب، وقر واستقر، وعلا واستعلى. قال أوس بن حجر:
وَمُسْتَعْجِب مِمّا يَرَى منْ أناتِنَا ... ولَو زَبَنَتْهُ الحربُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ١
ومن ذلك قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير: "مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لَهنّ غَفُورٌ رَحِيمٌ"٢.
قال أبو الفتح: اللام في "لهن" متعلقة بـ"غفور"؛ لأنها أدنى إليها، ولأن فعولا أقعد في التعدي من فعيل، فكأنه قال: فإن الله من بعد إكراههن غفور لهن. ويجوز أن تكون أيضا متعلقة بـ"رحيم"؛ وذلك أن ما لا يتعدى قد يتعدى بحرف الجر، ألا تراك تقول: هذا مارٌّ بزيد أمس، فتعمل اسم الفاعل وهو لما مضى؛ لأن هناك حرف الجر، وإن كنت لا تعديه فتنصب به وهو لما مضى؟ فكذلك يجوز تعلق اللام في "لهن" بنفس "رحيم"، وإن كنت لا تجيز: هذا رحيم زيدا، على مذهب الجماعة غير سيبويه ولأجل اللام في "لهن".
فإن قلت: فإذا كانت اللام في "لهن" متعلقة بـ"رحيم" وإنما يجوز أن [١١٢و] يقع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل أَفَتُقَدِّمُ "رحيما" على "غفور" وهو تابع له؟
قيل: اتباعه إياه لفظا لا يمنع من جواز تقديم رحيم على غفور؛ وذلك أنهما جميعا خبران لـ "إنّ"، وجاز تقدم أحد الخبرين على صاحبه؛ فتقول: هذا حلو حامض، ويجوز: هذا حامض حلو. فلك إذًا أن تقول: فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم، وإن شئت رحيم غفور.
стр. 490
ويحسِّن ذلك هنا أيضا شيء آخر، وهو أن الرحمة كأنها أسبق رتبة من المغفرة؛ وذلك أنه "سبحانه" إنما يرحم فيغفر، فكأن رتبة الرحمة أسبق في النفس من رتبة المغفرة؛ فلذلك جاز، بل حسن تعليق اللام في "لهن" بنفس "رحيم" وإن كان بعيدا عنها؛ لما ذكرناه من كون الرحمة سببا١ للمغفرة. فإذا كانت في الرتبة قبلها معنًى حسن أن تكون قبلها لفظا أيضا.
فإن جعلت "رحيم" صفة لـ"غفور" لم يجز أن تعلِّق في٢ "لهن" بنفس "رحيم"؛ لامتناع تقدم الصفة على موصوفها. وإذا لم يجز أن يُنوى تقديمها عليه لم يجز أن تضع ما تعلق بها قبله لأنه إنما يجوز أن يقع المعمول بحيث يجوز أن يقع العامل فيه، وأنت إذا جعلت رحيما صفة لـ"غفور" لم يجز أن تقدمه عليه؛ لامتناع جواز تقدم الصفة على موصوفها إذا كانت حالة منه محل آخر أجزاء الكلمة من أولهما، فاعرف ذلك.
ومن ذلك قراءة نصر بن عاصم: "فِي زَجَاجَةٍ الزَّجَاجَةُ"٣ بفتح الزاي فيهما.
قال أبو الفتح: فيها ثلاث لغات: زَجَاجَة، وزُجَاجَة، وَزِجَاجَة: بالفتح، والضم، والكسر. وفي الجمع زَجَاج، وزُجاج، وزِجاج: كنَعامة، ونَعام، ورُقاقة ورقُاق، وعِمامة وعِمام. حكى بعضهم: وضعوا عِمامَهُم عن رءوسِهم، يريد: عمائمهم. فقد يكون كزِجاجة وزِجاج، ويجوز أيضا أن يكون جمعا مكسران كظريف وظِراف، ودرع دِلاص٤ وأدرُع دِلاص، وناقة هِجان٥ وأينُق هِجَان.
ويدل على أنه تكسير -وليس كَجُنُب مما يقع للواحد فما فوقه بلفظ واحد -قولهم: هِجانان، وكذلك أيضا زَجاج جمع زَجاجة وزِجاجة وزُجاجة تكسير الجمع على ما مضى لا على
стр. 491
الجمع بطرح الهاء. ونظير عِمامة وعِمام - إذا لم تجعله تكسيرا، وجعلته جمعا بحذف التاء وإن لم يكن جنسا وكان مصنوعا- قولهم: سفينة وسَفِين، ودواة ودَوًى، وغاية وغايٌ. وراية ورايٌ، وثاية١ وثايٌ، وطاية وطايٌ.
ومن ذلك قراءة قتادة والضحاك: "كَوْكَبٌ دَرِّيٌ٣"، مخففة.
وقرأ: "دَرِّيءٌ"، مفتوحة الدال، مشددة الراء، مهموزة - سعيد بن المسيب، ونصر بن علي، وأبو رجاء، وأبان بن عثمان٤، وقتادة، وعمرو بن فائد.
قال أبو الفتح: الغريب من هذا "دَرِّيءٌ"، بفتح الدال، وتشديد الراء، والهمز. وذلك لأن٥ فَعِّيلا بالفتح وتشديد العين عزيز، إنما حكي منه: السَّكِّينة، بفتح السين وتشديد الكاف، حكاها أبو زيد. وقد ذكرنا في صدر هذا الكتاب القول على [١١٢ظ] الدُّرِّيّ وما فيه من الصنعة، شيئا على شيء، وبسطناه٦ هناك.
ومن ذلك قراءة السملي والحسن وابن محيصن وسلام وقتادة: "يَوَقَّدُ"٧ وثلاثة أوجه٨ في السبعة، وفيه خامسة: "يُوَقَّدُ" برفع الياء، وبنصب الواو والقاف، وبرفع الدال٩.
стр. 492
قال أبو الفتح: المشكل من هذا "يَوَقَّدُ"؛ وذلك أن أصله يتوقد، فحذف التاء لاجتماع حرفين زائدين في أول الفعل، وهما الياء والتاء المحذوفة. والعرف في هذا أنه إنما تحذف التاء إذا كان حرف المضارعة قبلها تاء، نحو "تَفَكَّرُون" و"تَذَكّرُون"، والأصل تتفكرون وتتذكرون؛ فيكره اجتماع المثلين زائدين، فيحذف الثاني منهما طلبا للخفة بذلك. وليس في يتوقد مثلان فيحذف أحدهما، لكنه شبه حرف مضارعة بحرف مضارعة، أعني شبه الياء في يتوقد بالتاء الأولى في تتوقد؛ إذ كانا زائدين، كما شبهت التاء والنون في تَعِد ونَعِد بالياء في يَعِد، فحذفت الواو معهما كما حذفت مع الياء في يعد.
وقياس من قال: "يَوَقَّد" -على ما مضى- أن يقول أيضا: أنا أَوَقَّدُ، ونحن نَوَقَّدُ؛ فتشبه النون والهمزة بالتاء، كما شبه الياء بها فيما مضى.
ونحو من هذا قراءة من قرأ: "نُجِّي الْمُؤْمِنِينَ"١، وهو يريد: نُنْجِي المؤمنين؛ فحذف النون الثانية وإن كانت أصلية، وشبهها -لاجتماع المثلين- بالزائدة. فهذا تشبيه أصل بزائد لاتفاق اللفظين، والأول تشبيه حرف مضارعة بحرف مضارعة، لا لاتفاق اللفظين، بل٢ لأنهما جميعا زائدان.
ومن ذلك قراءة ابن عباس: "ولَوْ لَمْ يَمْسَسْهُ نارٌ"٣، بالياء.
قال أبو الفتح: هذا حسن مستقيم؛ وذلك لأن هناك شيئين حسنا التذكير هنا: أحدهما الفصل بالهاء، والآخر أن التأنيث ليس بحقيقي. فهو نظير قول الله "سبحانه": ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ ٤، بل إذا جاز تذكير فعل "الصيحة" مع أن فيها علامة تأنيث فهو من النار التي لا علامة تأنيث فيها أمثل.
فأما قولهم: نعم المرأة هند بالتذكير فإنما جاز -وإن كان التأنيث حقيقيا، ولا فصل هناك- من قبل أن المرأة هنا ليست مقصودا قصدها، وإنما هي جنس؛ لأنها فاعل نعم، والأجناس عندنا إلى الشياع والتنكير.
стр. 493
أما ما رُوِّينا من قول جِران العود:
ألا لَا يَغُرَّنَّ امْرَأً نَوْفَلِيَّةٌ ... عَلَى الرَّأْسِ بَعْدِي أَوْ تَرَائِبُ وُضَّحُ١
فإن النوفلية هنا ليست امرأة، وإنما هي مِشْطَة تعرف بالنوفلية.
وأما قوله:
وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا٢
ففيه شيئان يُؤنّسان، وواحد يُوحش منه.
أما المؤنسان فأحدهما أنه تأنيثٌ لفظي لا حقيقي، والآخر أنه لا علامة تأنيث في لفظه. وأما الموحش فهو أن الفاعل مضمرٌ، وإذا أضمر الفاعلُ في فعله وكان الفاعل مؤنثا لم يحسن تذكير فعله حُسْنَه إذا كان مظهرا؛ وذلك أن قولك: قام هند أعذر من قولك: هند قام، من قبل أن الفعل٣ منصبغ [١١٣و] بالفاعل المضمر فيه أشد من انصباغه٤ به إذا كان مظهرا بعده. فقام هند -على صبغة- أقرب مأخذا من هند قام لما ذكرناه؛ وذلك أنك إذا قلت: قام فإلى أن تقول: هند فاللفظ الأول مقبول غير ممجوج؛ لأن الفعل أصل وضعه على التذكير فإذا قلت: هند قام فالتذكير الآتي من بعده مخالف للتأنيث السابق فيما قبل، فالنفس تعافه لأول استماعه. وقولك: قام هند، النفس تقبل تذكير الفعل أول استماعه إلى أن يأتي التأنيث فيما بعد. وقد سبق تذكير الفعل على لفظ غير مأبي ولا مرذول، ورد الغائب ليس كاستئناف الحاضر، فذلك فرق.
стр. 494
ومن ذلك قراءة سعيد بن جبير وأبي مجلز: "والإيصَالِ"١.
قال أبو الفتح: يريد وقت الإيصال، وهو قبل الغروب. وقد مضى القول عليه٢.
ومن ذلك ما حكاه عبد الله بن إبراهيم العمّي الأفطس، قال: سمعت مسلمة يقرأ: "كَسَرَابٍ بِقِيعَات"٣، بالألف.
قال أبو الفتح: كذلك في كتاب ابن مجاهد: "بِقيِعَاةٍ"، بالهاء بعد الألف. والذي قاله جائز؛ وذلك أن نظير قولهم: قِيعَةٌ وقِيعَاةٌ في أنه فِعْلَة وفِعْلَاة لمعنى واحد قولهم: رَجل عِزْهٌ وعِزْهَاةٌ: الذي لا يقرب النساء واللهو، فهذا فِعْلٌ وفِعْلَاة، وذلك فِعْلَة وفِعْلَاة، ولا فرق بينهما غير الهاء، وذلك ما لا بال به.
وقد يجوز أن يكون قيعات بالتاء جمع قِيعَة، كدِيمة ودِيمات، وقِيمة وقِيمات. وأما قيعة فيكون واحدا كديمة ويجوز أن يكون جمع قاع، كَنارٍ ونِيرَة -جاء في شعر الأسود -وجارٍ وجِيرَة. ومثله من الصحيح العين وَلَدٌ ووِلْدٌة، وأخٌ وإِخْوَة؛ لأن أخا عندنا فَعَل.
ووجه ثالث، وهو أن يكون أراد "بِقِيعة"، فأشبع فتحة العين، فأنشأ عنها ألفا، فقال: "بقيعاة". ونظيره قول ابن هرمة يرثي ابنه:
فأنْتَ مِنَ الغوائِلِ حِينَ تُرْمَى ... ومِنْ ذمّ الرِّجالِ بِمُنتَزَاحِ٤
أراد بمنتزح، فأشبع الفتحة، فأنشأ عنها ألفا، وقد تقصينا ذلك فيما مضى، فإذا أراد بالقيعات الجمع فهو كقول الآخر:
كأنَّ بالقيعاتِ مِنْ رُغَاهَا ... مِمَّا نَفَى بالليلِ حَالِبَاهَا
أَمْنَاءُ قُطْن جَدَّ حَالِجَاهَا٥
стр. 495
يريد ما جرى من رغوة لبنها في القيعات١، وهو كثير كقولهم: أرض قِفارٌ ومُحُول وسباسِبُ٢، مما بُولغ فيه بذكر الجمع.
ومن ذلك قراءة طلحة بن مُصّرِّف: "سَنَاءُ بَرْقِهِ"٣.
قال أبو الفتح: السناء، ممدودا: الشرف، يقال: رجل ظاهر النبل والسناء. والسنى مقصورا: الضوء. وعليه قراءة الكافة: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ ، أي: ضوء برقه. وأما "سناء برقه" فقد يجوز أن يكون أراد المبالغة في قوة ضوئه وصفائه، فأطلق عليه لفظ الشرف. كقولك: هذا ضوء كريم، أي: هو غاية في قوته وإنارته، فلو كان إنسانا لكان كريما شريفًا٤ [١١٣ظ]
ومن ذلك قراءة أبي جعفر يزيد: "يُذْهِبُ"٥، بضم الياء.
قال أبو الفتح: الباء زائدة، أي يذهِبُ الأبصار. ومثله في زيادة الباء في نحو هذا قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ٦، وقول الهذلي:
شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ... مَتَى لُحَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ٧
أي: شربن ماء البحر، وإن كان قد قيل: إن الباء هنا بمعنى في، أي: في لجج البحر.