← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8665

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (841 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أليس معنى هذا أن الفرد قد عرف ضمنًا أن فكرة الخير يجب أن تتضمن قيمتين مختلفتين: حدًّا أدنى إلزاميًّا، وإضافة أكثر إغراء بالثواب؟ إن الضمائر لا تخطئ في هذا؛ ولكنها تخطئ عندما تريد أحيانًا أن تأخذ الجانب الإلزامي على أنه أدنى الدرجات الممكنة، وهو مقياس لا يجد فيه الناس ما يبلغ رضاهم بصفة عامة. أما أهل الصلاح من الناس فهو أكثر إلحاحًا؛ إنه يقدر لنفسه بطريقة مبهمة -قدرًا وسطًا من الخير لا يستطيع أن يقيسه قياسًا دقيقًا، فكيف نبلغ في الواقع تحديد هذا القدر المتوسط بالنسبة إلى كل واجب من واجباتنا؟ ليس هناك أي مقياس عقلي، وموضوعي يستطيع أن يقدمه العقل الإنساني. فهل نركن إلى الضمير الفردي؟ ليس هناك اتفاق في هذا الصدد، فهل نحاول وضع حد اتفاقي؟ إن هذا يعني اللجوء إلى التحكم والاعتساف. وهكذا نجدنا بحاجة ماسة إلى هذه التحديدات. إن شمولية القانون "L' UNIVERSALITE DE LA LOI" تتطلب قدرًا من التجانس في الأساس، وبغير ذلك ربما لا تبقى لنا أية قاعدة؛ ثم لا يصبح القانون أكثر من كلمة تردد، فارغة من مضمونها. لقد حاولنا أحيانًا أن نحدد تحديدًا عقليًّا واجبنا الدقيق نحو أندادنا، ولكنا لم نستطع أن نقدم سوى جانبه السلبي: ألا نلحق بهم ظلمًا، ومعنى ذلك أن يكون للناس حق في عدالتنا، لا في إحساسنا، وتلكم هي الأنانية شامخة في القانون!!

стр. 107

ثم ... كيف نقدر الحد الأدنى الضروري من واجباتنا نحو الله، ونحو أنفسنا؟ عن هذه النقاط جميعها تقدم الأخلاق الإسلامية إشارات ثمينة. ففيما عدا الواجب المطلق الذي لا يتضمن تقييدًا، ولا تحديدًا، أعني: "الإيمان" -نجد أن هذه الأخلاق تعين في كل عمل يقبل التحديد درجتين من الخير، وتعطي لكل منهما علامات مميزة، ومحددة بدرجة كافية: الحد الأدنى، الذي لا يهبط العمل دونه، إلا إذا أخل بالواجب؛ ثم ما يعلو فوق ذلك دون تجاوز للحد الأقصى؛ وبعبارة أخرى: الخير الإلزامي، والخير المرغوب فيه. ومعنى ذلك بالنسبة إلى ما سبق أن ما وصف بأنه ضرورة صارمة يمثل مشاركة جوهرية في كل قيمة١. وفضلًا عن ذلك، إن القرآن يفتح الطريق في كل مجال إلى مشاركة أكبر، وهو يحث كل إنسان على ألا يقنع بهذه المرحلة المشتركة، وأن يرتفع دائمًا إلى درجات أكثر جدارة, في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ٢؛ وقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ ٤، فهو يضع فضيلة "الإسماح - CONDESCENDANCE" فوق "الحق الثابت"، ويلح بخاصة على فضيلة "الإحسان"، واسمع في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ٥. وإمهال المدين عندما يكون عاجزًا عن الوفاء -واجب، ولكن إعفاءه

стр. 108

نهائيًّا من دينه بادرة جديرة بالثناء. ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ١. والدفاع عن النفس ضد الظلم حق، ولكن التحمل والمغفرة أجمل. ﴿لَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ١. وأداء الفرائض خير، ولكن ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ٣. في مقابل هذه الدرجات للقيمة الإيجابية، والتي سبق أن ذكرناها في المفهوم الأخلاقي للخير، في القرآن -من اليسير أن نتعرف درجات القيمة السلبية التي وضعها القرآن على النقيض. بيد أن سلم القيم، مع هاتين القائمتين المتوازيتين لما يُستنفد، حتى في سطوره البارزة؛ ذلك أنه سلم ثلاثي، يتقارب فيه هذان الطرفان المتضادان بوساطة حد وسط يربطهما، دون أن ينقطع استمرارهما؛ فبين "القيمة"، و"نقيض القيمة" يقحم القرآن "اللاقيمة"؛ إذ يوجد بين "المفروض" و"المحرم" مكان لـ"المباح". ثم إنه يميز في "المفروض" -أولًا- الواجب الرئيسي، ثم يجيء دور التكاليف الأخرى، ثم أخيرًا الأعمال التي يتصاعد ثوابها. كما أنه يرتب في "المحرم" الكبائر، ثم تأتي السيئات الأخرى، من الفواحش أو اللَّمَم. وكذلك نراه يميز بين درجتين في الأعمال المباحة، ونعني بهما: المسموح به، والمتغاضى عنه. فمن الحق إذن أن نتساءل عما إذا كان أدق العقول وأكثرها إدراكًا للتنوع -يمكنه أن يجد أشياء أخرى يضيفها إلى هذا البناء المتدرج للقيم؟!

стр. 109

ولقد حاولنا عبثًا أن نعثر على أية ثغرة تسوغ ما ذهب إليه "جوتييه" من إطلاق تعبير "العقل المولع بالفصل" -على العقل الإسلامي الذي أقر هذا التدرج، وهو بحسب ما اعترف به هذا المفكر سمة إسلامية خالصة١، إذ يقول: "إن وضع الشيء بإزاء نقيضه هو الصيغة التي تتلخص فيها جميع الأشياء في العالم العربي، وبخاصة المسلم، بما في ذلك الدين، والتاريخ ... إلخ" ٢. تلك على أية حال ملاحظة عابرة؛ ولنعد إلى عرضنا، إلى النقطة التي تركنا الحديث عندها، لنقول كلمة عن المغزى الحق لهذا التدريج، فيما يتعلق بالمعفو عنه، والمباح القرآني، فلا ريب أن المباح بالمعنى الصحيح إنما يتناول الأعمال التي لا دخل فيها للأخلاق٣. أما فيما يتعلق بالمعفو عنه فيجب أولًا أن نبعد الفكرة التي تجعل منه رخصة ببعض ما يمس الأخلاق، رخصة ببعض الميول والأهواء لدى كل فرد. إن ذلك سوف يكون إنكارًا مسبقًا للأخلاق ذاتها، التي هي بحسب التعريف "قاعدة السلوك"، فماذا يكون -على الحقيقة- الالتزام بقاعدة، إن لم يكن التمسك الصارم بها، وعدم الخضوع للمغريات التي تصد عنها؟! ولكن ... ها هو ذا وضع المسألة: فإذا ما وجد نوع من المشقة، ووقف القرآن أمامها صلبًا لا يتزعزع، ثم وجدناه يحثنا على أن ننتصر عليها بأي ثمن -فذلك هو ما يستتبع على وجه التحديد مقاومتنا لميولنا، إذ يجب أن نختار بين طاعة الله، وبين الخضوع للرغبات الجامحة، ومن ثم قال الله

стр. 110

سبحانه ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١، وقال: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ ٢, وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ٣. فلم يكن المعفو عنه في القرآن -إذن- لكي ننحرف أمام أهوائنا، وإنما هي بكل بساطة وصدق مسألة مراعاة للواقع المحسوس الذي يجري فيه نشاطنا، دون أن نذهب في هذه الطريق إلى أحد إلغاء جهدنا، وإعفاء أنفسنا من واجبها. فقد رأينا -عمومًا- أن القاعدة لا تخضع للموقف بذاتها، وإنما هي تخضع له في خصائصها المكانية - الزمانية - كالكمية، والمدة، والشكل، والتاريخ ... إلخ. فإذا أردنا ألا يكون القانون الأخلاقي حرفًا ميتًا فيجب -في الواقع- أن نجعله في إطار صارم من الزمان، والمكان، والظروف الخارجية المحضة، يجب أن يجد القانون مجال تطبيقه بشكل أو بآخر. ومن الطبيعي والعدل أن تتطلب فاعلية هذا التطبيق مرونة مناسبة، للتكيف مع الواقع المستقل عن إرادتنا؛ وعندما يخضع التكليف للضرورة عند هذا الحد، فيقف أمام عقبة في هذا الواقع لا تقهر، "مثلًا: حالة الإنسان العاجز عن أداء واجبه العسكري، أو المحروم الجائع الذي لا يستطيع أن يمتنع عن الأطعمة النجسة" -هنا تصبح المسألة أساسًا هي تفادي الهلكة، في فضيلة واحدة على حساب فضائل أخرى تعدلها، أو تفوقها أهمية. وهكذا نجد أن لطف الشريعة لم يكن الهدف منه تقليل الجهد، بل إرساءه على أساس عقلي، أي: "عَقْلَنَته" إن صح التعبير. ولسوف نرى فيما بعد٤، بأية طريقة حقق القرآن تركيب هاتين الفكرتين، فلنكتف الآن باستخلاص موقف القرآن أمام المشكلات المتعلقة بمفهوم الإلزام في ذاته.

стр. 111

تنافضات الإلزام ... ثالثًا: تناقضات الإلزام الحق أننا بإزاء فكرة الإلزام في ملتقى مجموعة من التناقضات العملية التي يحس كل فكر أخلاقي بأنه محير فيما بينها، والتي ينبغي حيالها أن يتخذ موقفًا، أيًّا كان، ومن بين هذه التناقضات نذكر اثنين رئيسيين: أولًا- وحدة وتنوع: حقيقة لا ريب فيها أنه إذا كانت الأخلاق علمًا فيجب أن تبنى على أساس قوانين شاملة وضرورية، لا أن تقوم على قضايا خاصة وممكنة. وليس بأقل من ذلك صدقًا أنه إذا كانت الأخلاق علمًا معياريًّا، موضوعه تنظيم النشاط الإنساني فيجب أن تتناول الحياة في واقعها المحسوس. ولما كانت الحياة في جوهرها هي التنوع، والتغير، والجدة، فسوف نجد أنفسنا إذن أمام التتابع التالي: فإما أن يكون نموذج السلوك الذي يقدمه لنا هذا العلم قد جاء ليكون ثابتًا وعامًّا. وإما أن يكون قابلًا للتنويع والتعديل. وفي حالة الفرض الأول سوف ترتد الإنسانية إلى نموذج وحيد متماثل مع

стр. 112

نفسه دائمًا، وسوف يختصر المكان إلى نقطة، والزمان إلى برهة، وسوف تتوقف حركة الكون، وسوف تمحى الحياة ذاتها، لتحل محلها فكرة مجردة، لا توجد إلا في تخيل عَالِم الأخلاق LE MORALISTE. ولو أننا -على العكس- أخذنا في اعتبارنا أن العمل المفرد يتصف بالتفرد، ويستعصي على الاندماج في فكرة عامة، وهو خاضع فقط لتأثير الزمان، واختلاف المكان -فلن يكون هناك مجال للحديث عن قاعدة، أو قانون، أو علم ... فماذا تكون في الواقع قاعدة مصيرها إلى الموت بمجرد تخلقها؟ وما حقيقة قانون لن يأمر سوى فرد واحد، بشكل فوري؟ وما كُنْه علم لا يملك أية عمومية؟ وهكذا، إما أن نحافظ على وحدة القانون، أو أن نحترم تنوع الطبيعة المحكومة بهذا القانون. إما أن نبقي على بساطة القاعدة أو أن نخضعها لتعقد الحياة التي تطبق عليها. إما أن نرتقي إلى المثل الأعلى الخالص، والخالد، أو أن نهبط إلى الواقع المتغير إلى أقصى حدود التغير. إما أن ننتصر "للجوهر" أو "للوجود". فهاتان هما نهايتا الطريق التي يجب أن نصعد مرتقاها، وهما النهايتان اللتان لا نستطيع أن نقترب من إحداهما إلا إذا ابتعدنا عن الأخرى. تلكم هي أولى الصعوبات الأخلاقية. ثانيًا- سلطة وحرية: لكن هنالك صعوبة أخرى، وهي مع ذلك ذات علاقة بالأولى؛ فمما لا شك فيه أن العلاقة المعبر عنها بلفظة -الإلزام- هي علاقة تجمع إرادتين مختلفتين، ومدفوعتين بطبيعتهما إلى إظهار اتجاهات متصارعة. "المشرع" الذي يأمر، وهو شديد الحرص على "سلطته"؛ و"الفرد" الذي يعمل، وهو يدافع عن "حريته".

стр. 113

ولما كانت سلطة المشرع تبقى محترمة بقدر ما تحتفظ القواعد التي تسنها بمعناها كاملًا قويًّا، دون مساس -فإن تنوع الظروف لا يتدخل مطلقًا لتحديدها, أو للتخفيف من وطأتها. وفي هذه الحالة يصبح القانون الأخلاقي مماثلًا لأي قانون من قوانين الطبيعة، يخضع له الفرد خضوعًا سلبيًّا، ويطبقه تطبيقًا أعمى. ومعنى ذلك، أن "الإلزام" الصرف يقابله بالضرورة انتفاء للحرية، وخضوع تام. ولكن، ما جدوى هذا الضمير حينئذ؟ الضمير الذي لن يغير حضوره أو عدمه شيئًا في مجرى الأمور؟ وإذا نحن اتجهنا إلى الطرف الآخر، وأرضينا الفرد العامل بمنحه حرية كاملة في الاختيار والتصرف، فستكون النتيجة عكسية، إذ سوف يتحول "الأمر" إلى مجرد "نصيحة" يمكن أن نقبلها أو نرفضها، بحسب تقديراتنا الشخصية. ما الذي يجب علينا أمام هذه الدواعي المتعارضة؟ هل يجب أن ننحاز إلى أحد الجانبين، أو نحاول التوفيق بينهما؟ وإذا تعين الاختيار فأي الاتجاهين نختار؟ وإذا تعين التوفيق فعلى أي أساس يكون؟ تلكم هي المشكلة التي تتطلب حلًّا ولننظر الآن كيف اختلفت حلولها. وفي السطور التالية، حتى نهاية الفصل سوف نهتم ببيان كيف أن الحل القرآني يمكن أن يعتبر توفيقًا منصفًا لجميع الأطراف الحاضرة في القضية، على حين أن لدى النظريات العادية اتجاهًا متفاوتًا في مقداره، نحو اختيار أحد طرفي التعارض، أو الآخر. ولسوف نقصر الفقرة التالية -التي خصصناها للخاتمة- لنقوم بإثبات الشق الأول من هذه الدعوى المزدوجة؛ ونبدأ الآن بالشق الثاني، لنبرز الصعوبات التي تصطدم بها نظريتان سائدتان، نقدمهما هنا مثلين نموذجين، لاتجاهين متطرفين، أحدهما يمثل السلطة الصارمة للواجب العام، والآخر يدافع عن أصالة العامل النفسي ضد فكرة صرامة المنطق: النظرية الكانتية، ونظرية روه "RAUH".

стр. 114

كانت مدخل ... "كانت": من المعروف أنه -لكي يقاوم هذا الفيلسوف الألماني بعض النظريات روضت الأخلاق حين أخضعتها لجميع مطالب الحياة الدنيوية- لم يكتف الرجل برسم خط فاصل بين فكرة الأخلاق وفكرة الحياة الحسية، بل مضى إلى أبعد من ذلك، وأمعن في البعد، فهو لم يكتف بأن جرد مفهوم الواجب من كل تجربة حسية، وكل واقع مادي يمكن أن ينطبق عليه، بل إنه خلصه أيضًا من صفته الخاصة، من مادته التكوينية التي تظهر في هذه القاعدة أو تلك، فلم يبقِ له سوى صفته الشكلية، وهي أنه قانون شامل صالح لجميع الإرادات، وقد استخلص من ذلك هذا التعريف للواجب، فهو: "كل سلوك يمكن أن يصاغ في قاعدة عامة، دون أن يكون عرضة لنقد العقل أو تسخيفه"١. ولقد اعتقد كانت -اعتمادًا على هذه الصيغة المجردة إلى أقصى حد- أنه يستطيع أن يستنبط علم "الواجبات الأخلاقية LA DEONTOLOGIE ETHIQUE" على ما قاله بنتام BENTHAM؛ أعني: علم الواجبات الحسية الخاص بكل مفهوم عملي، وذلك بتقدير كل سلوك عملي من حيث هو أخلاقي أو غير أخلاقي، عن طريق وزنه بذلك الميزان الوحيد، وهو صلاحيته لأن يصبح قانونًا عامًّا.

стр. 115

أمشروع من هذا القبيل يمكن أن يتحقق فعلًا؟ وهل أساس هذا البناء ذاته متين بحيث يدعمه؟ إليك من وجهة النظر التي تهمنا تخطيطًا للفكر الكانتي، ويمكن القول إجمالًا بأنه يتكون في ثلاث مراحل: أ- إثبات حدث أولي. ب- تحليل يسمح بالارتقاء إلى أعلى درجات العمومية. جـ- هبوط مرة أخرى لوضع القواعد الأساسية للأخلاق الإنسانية. أ- إن نقطة البداية في النظرية الكانتية تنحصر في هذا الواقع المحسوس، الذي يقدمه الضمير مباشرة، أعني أننا في أحكامنا الأخلاقية لا نزن الأعمال مطلقًا بالقياس إلى نتائجها الطيبة، أو السيئة، ولكنا نزنها بالقياس إلى قاعدة عامة صالحة للتطبيق على جميع الأفراد، ومستقلة عن جميع النتائج، وتلك حقيقة لا مجال للطعن فيها. فنحن -بدلًا من أن نجعل البحث عن اللذة، والهروب من الألم مبدأ للتقدير الأخلاقي- نستحسن الأعمال الفاضلة بقدر ما تشق علينا. ونحن نعجب إلى أقصى حد بالنفوس القوية التي تعرف كيف تقاوم كل ضروب الإغراء، وتتخطى جميع العقبات. ونحن -قبل أن نمنح أنفسنا الحق في إخضاع قاعدة سلوكنا الخاص لأحوالنا الشخصية- نعرف أن من واجبنا أن نقيسها على القاعدة التي نتطلبها من الآخرين: "كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهم"١، ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ

стр. 116

بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ ١، ويمضي رسول الله ﷺ إلى حد أن يجعل من هذا الحب المتبادل المتساوي شرطًا للإيمان: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٢. من هذه الإدانة الكاملة للأنانية في جميع أشكالها استخرج الضمير الإنساني العام مبدأ شمولية الواجب وتبادليته. فلم يفعل "كانت" إذن في البداية سوى أن سجل هذا القانون، ولاحظه كواقع للضمير. ومع أنه قد أوضح نقص هذه الأقوال القديمة، وعجزها عن تقديم القانون الأخلاقي الكامل٣ -نجده يبني كل نظامه ابتداء من الفكرة الموحاة في هذه المأثورات. والواقع أنه يعتمد في وضع القاعدة الجوهرية للحكم الخاضع لقوانين العقل العملي المحض -على حكم "الإدراك العادي"، وهي القاعدة التي يصوغها على هذا النحو: "سل نفسك إذا ما كان العمل الذي تهم به يمكن أن يحدث افتراضًا، طبقًا لقانون الطبيعة التي أنت جزء منها -هل تستطيع إرادتك -مع ذلك- أن تقبله على أنه ممكن؟ ". ويستطرد قائلًا على سبيل المثال: "كل منا يعرف جيدًا أنه إذا سمح لنفسه أن يخدع خفية فلن يكون ذلك سببًا في أن يسلك كل الناس نفس السلوك، وإذا ما نظر أحدنا بلامبالاة كاملة إلى بؤس الآخرين, فلن يترتب على ذلك أن يقف الناس جميعًا نفس الموقف من بؤسه"٤.

стр. 117

ب- ولكن من أين يأتي هذا الطلب الحثيث لعمل مثالي لا يوجد له نموذج في التجارب؟ ويجيب مؤسس مذهب: "الشكلية العملية formalisme pratique" بقوله: "يأتي ذلك من أن "القانون الأخلاقي" ينقلنا بطريقة مثالية إلى مجال مختلف تمامًا عن مجال "القانون التجريبي", فهو يشركنا في عالم ذهني صرف، حيث يتجلى استقلال الإرادة، لا في نوع من الاستقلال عن قانون الطبيعة المحسوسة وحسب، فذلك ليس سوى وجه سلبي للحرية، ولكن كذلك في أن هذه الإرادة تضع لنفسها قانونها. هذا القانون ينبغي أن يكون قانون عقل محض، أي: بحيث لا يكون متحررًا فقط من تأثير أي ظرف تجريبي، أو حدس intuition، أو أية مادة، بل يكون أيضًا قادرًا على تحديد الإرادة بطريقة قَبْلية apriori، ذلك أن العقل المحض إنما كان كذلك؛ لأن شأنه في استعماله العملي كشأنه في استعماله النظري: "هو عقل واحد، يحكم طبقًا لمبادئ قَبْلية"١. ولما كنا لا نجد غير الشكل المحض لتشريع عام، هو الذي يستطيع أن يحدد الإرادة تحديدًا -وجب لهذا أن يتكيف كل حكم مع هذا الشكل، وإلا أصبح مستحيلًا أخلاقيًّا. وهكذا نجد أنها عمومية، لا تشبه فقط عمومية قانون الطبيعة، الذي ينبغي لأي حكم عادي أن يهتدي به، على أنه صورة مطابقة للعقل المحض، ولكنها أيضًا عمومية مطلقة، تصلح للتطبيق على جميع الكائنات العاقلة، فانية وخالدة، وهي تجد أساسها في حكم جازم، أعني: ضروري وقَبْليّ, صادر عن العقل المحض. ويعلن "كانت" هذا القانون الأساسي للعقل المحض على هذا النحو:

стр. 118

"اسلك بحيث يمكن للقاعدة التي تقبلها إرادتك أن تصلح في الوقت نفسه كمبدأ يتخذ أساسًا لتشريع عام"١. وهنا أيضًا نتعرف على مسلك العقل "المبتذل - triviale"، الذي أراد -كانت- أن يعلو عليه. جـ- وحيث قد وصلنا إلى قمة التجريد بهذه الصيغة التي لا يمكن أن نتصور ما يفوقها في العمومية -فإننا نستطيع أن نعفي أنفسنا من الإشارة إلى المنحدر الذي يجب أن نهبط منه، لنجد تطبيقات هذا القانون العام على الطبيعة الإنسانية. ولنعد الآن مرة أخرى إلى تتبع هذا المذهب في مراحله الثلاث المتعاقبة؛ كيما نسبر غوره.

стр. 119

المرحلة الأولى: - ولنسأل أنفسنا -أولًا- عما إذا كان يوجد في الواقع علاقة ضرورية بين فكرة العموم وفكرة الأخلاق. أصحيح أن إمكان تحول قاعدة إلى قانون عام يعتبر الشرط الضروري والكافي لنخلع عليها الوصف الأخلاقي؟ أصحيح أيضًا "أن القاعدة إذا لم تصمد أمام تجربة التماثل مع القانون الطبيعي عمومًا، فإنها تصبح مستحيلة أخلاقيًّا"١. وعلى حد قول مؤلفنا: إن في هذا المقياس المزدوج -"القانون الذي يسمح بتقدير سلوكنا بعامة"٢، والوسيلة إلى أن نتعلم "بأسرع ما يمكن

стр. 120

مع عصمتنا من الخطأ"١، وقال: "وبهذا المقياس في أيدينا يصبح لدينا في جميع الحالات التي تطرأ، كامل الاختصاص لتمييز ما هو خير مما هو شر، ما هو مطابق للواجب مما هو مناقض له"٢. ولا يحتاج الأمر إلى كثير من الحصافة لكي نرى كم يضم الجزء الأول من هذا المقياس، تحت نفس المفهوم -قيمًا شديدة الاختلاف فيما بينها، ابتداء من الواجب، حتى نقيضه تمامًا، مارة بالأعمال المحايدة والمشبوهة. والواقع أننا إذا نحينا جانبًا طرق السلوك التي قد يرفض الإنسان التبادل فيها، فإن ما يتبقى يعتبر في نظره سلوكًا لا مؤاخذة فيه، تقبل أحكامه أن تتحول -في رأيه- إلى قانون عام. ونبدأ بقاعدة السلوك التي يتخذها الإنسان المتوسط لنفسه في ناحية من نواحي حياته اليومية: وهي أن يسير وراء أهوائه البريئة التي يجوز الترَخُّص في إرضائها، وحينئذ نجد أن السلوك الحسن أخلاقيًّا، والسلوك المحايد أخلاقيًّا قد أصبحا غير متميزين، بحسب المفهوم الذي يقول: "بإمكان تعميم مثل هذه القاعدة" -ليس هذا فحسب، ولكن الواجب قد هبط إلى مستوى مجرد المباح؛ لأنه شتان بين أن نقول: إن التشريع يجب أن يكون عامًّا، وبين أن نقول: إنه يمكن أن يكون كذلك. ولما كان هذا الاختلاف هو الذي يتميز به السلوك "الملزم" من السلوك "الجائز" فقط، فإن الصيغة الكانتية شأنها شأن الصيغة السوقية -vulgaire- التي تعتري إليها -عاجزة عن تقديمه. ومعلوم من ناحية أخرى بأية عناية ميز "كانت" بين طائفتين من قواعد السلوك التي تدور حول الواجب "كإسداء الخير للغير":

стр. 121

الطائفة الأولى: تأمر بالامتثال للواجب، لا أكثر, "أي: مهما يكن الدافع: استعداد طيب، أو مزهو، أو ذو مصلحة ... ". والأخرى: تشترط في الوقت نفسه تحديد الواجب بفكرة الواجب. ولما كان واضحًا أن مقياس العمومية، سواء أكان ممكنًا أم ضروريًّا، لا يوضح لنا هذه الفروق الطفيفة مع أهميتها القصوى، فإن التباسًا آخر يحدث هنا ما بين الأخلاقية والشرعية "moralite et legalite". بيد أن الالتباس الأسوأ هو الالتباس الذي يحدثه هذا "المحك" المزعوم في الضمير الفردي، حين يمنحه الحق في أن يطلق وصف "الخير الأخلاقي" على كل سلوك يريد ببساطة رفعه إلى مرتبة القانون العام، حتى لو كان من أكثر الأعمال تهمة، إن لم يكن بحكم الضمير العادي، فعلى الأقل في نظر الحكمة الكانتية ذاتها. فلنختبر، مثلًا، شعور أولئك الذين يرتكبون مخالفات تتفاوت في خطورتها، ضد القانون الأخلاقي: "الطبيب الذي يخدع مريضه ليشفيه، والمحسن الذي يرتكب كذبة بريئة لينقذ حياة، والإنسان المرهف الحس الذي يؤثر أن ينتحر على أن يتحمل عارًا ... " -ألا يعطي هؤلاء لسلوكهم قيمة قانون عام، يجب أن يطبق على جميع الناس الذين يوجدون في نفس الظروف التي وجدوا هم فيها؟ ثم ماذا؟! هذا الإنسان الوقح الذي يرتمي في أحضان الفسق الداعر، هل يحس بأدنى عيب في أن يقتدي الناس به؟ أوَليس هناك بعض الناس يريدون أن يخلعوا صفة القانون العام على العري، وجميع آثاره اللاأخلاقية؟! بيد أن هناك، على عكس ذلك، قواعد للسلوك لا يمكن أن ترتفع إلى درجة العمومية، دون أن تتعارض في ذاتها، أو دون أن تعرض الطبيعة الإنسانية للخطر، ومع ذلك لا نستطيع أن ننسبها إلى اللاأخلاقية.

стр. 122

ولنفترض أن إنسانًا ما جعل موقفه في الحياة أن يبلغ درجة من الكمال لم يبلغها أحد دونه. فليس التعميم وحده هو الذي يهدم هذه الفكرة، بل إن أقل قدر من التوسع فيها يهدمها تمامًا، إذ إن التفوق لن يصبح تفوقًا. فهل من العقل أن نصف هذه الغاية بأنها شر من الناحية الأخلاقية؟ وإليك مثلًا آخر: التبتل عن الزواج ... ولنترك جيلًا إنسانيًّا واحدًا يفرض على نفسه إلزامًا بهذا التبتل ... إن آخر حي من هذا الجيل سوف يشهد حتمًا نهاية الإنسانية، فهل يمكن أن نصف بالإجرام موقف هذا المتبتل، وهو موقف مدحته المسيحية كثيرًا؟ وما رأي "كانت" نفسه في هذا؟ هكذا تبطل المقابلة بين العام والأخلاقي، في وجهها المزدوج، الإيجابي والسلبي، وليس يغض من صدق هذا القول أن هناك علاقة ضرورية بين المُلْزِم والعام، وهي علاقة من طرف واحد، سوف نتولى بعد قليل بيان معناها وأهميتها.

стр. 123

المرحلة الثانية: بيد أن "كانت" لا يقتصر على تقرير عمومية واجباتنا، كواقع حسي، وتجريبي، واحتمالي. وهو لا يكتفي كذلك بنصف تجريد، يجعل من العقل الإنساني قوة للقانون العام ... إنه يمضي إلى أبعد من ذلك كثيرًا ليصل إلى الجوهر الحقيقي للعقل العملي في ذاته، وهو يقدم لنا القانون الأساسي لهذا العقل المحض، على أنه مطلب لا غنى عنه، ليس لقاعدة أو أخرى "محددة للقيام بأعمال معينة"١ فحسب، بل لتشريع شامل عمومًا. ويؤكد لنا.

стр. 124

أن قانونًا بهذا الشكل، وبهذه الشمولية البالغة التجريد -هو الذي يحقق الصفة الجوهرية للقانون الأخلاقي، ولا يمكن مطلقًا أن تكون له صفات أخرى إذا أريد للواجب ألا يكون "مفهومًا وهميًّا". ويقول لنا "كانت": إنه لم يصل إلى مذهبه الشكلي عن طريق حاجة فلسفية إلى التجريد، أو تقليدًا للشكلية المنطقية لدى أرسطو، وإنما على أساس اعتبارات أخلاقية ذات أهمية بالغة، وعن طريق منطق الأخلاقية ذاته؛ لأنه -كما يقول-: إذا كانت القيمة الأخلاقية للعمل لا تكمن في الآثار التي تنتظر منه، ولا في اتفاقه مع ميولنا، بل في علاقته بالقانون ... وإذا كان هذا القانون -من ناحية أخرى- واقعًا مسلمًا للعقل، باعتباره قوة ذات كيان ذاتي، ومستقل عن قوة الشعور -فيجب أن نستبعد كلًّا من المذهب الإمبيريقي empirisme- الذي يحصر الخير في النتائج النافعة, والنزعة الصوفية mysticisme, التي تتوه في العالم العلوي، ونتمسك بالمنهج العقلي rationalisme، وهو المنهج الوحيد الذي يتناسب مع المفاهيم الأخلاقية١. وإلى هنا نستطيع أن نكون متفقين مع "كانت" ولكنه يضيف قائلًا: "ولما كنت قد جردت الإرادة من جميع الدوافع والنتائج فلم يبق سوى التمسك بالصيغة العامة للقانون في عمومه، فهي وحدها التي تصلح أن تكون مبدأ للإرادة". وبعبارة أخرى: إذا اتخذت المادة موضوعًا للإرادة، وكانت مبدأ محددًا لها، فإن الإرادة سوف تخضع لظرف تجريبي، "ولما كنا قد نزعنا بالتجريد كل مادة، فلم يبق سوى الشكل"٢.

стр. 125

وهنا -في رأينا- يكمن اللبس، وتظهر الحاجة إلى الحبكة، وبسببهما أحدث هذا التعليل ثغرة بين المقدمات والنتيجة؛ لأنه عندما استبعدت الدوافع الحسية، والحسابات العملية، فلم تستنفد بذلك جميع الحلول الممكنة للوصول إلى الشكل المحض، ألسنا نرى -في الواقع- وسطًا بين "المادة" المنقوضة و"الشكل" المختار؟ إن هذا الوسط ليس المادة "موضوع الرغبة"، الخاضعة للتجربة، والمتنوعة بالنسبة لكل، ولا الشكل الخالي تمامًا، ولا مضمون له، ولكنه مفهوم قابل للتفكير، موضوع للإدراك، معروف قَبْليًّا، ومفروض على كل الإرادات، بفضل تصور قيمته الذاتية. ألسنا بهذا نتحاشى عيوب المنهج الإمبيريقي، مع تحفظنا الكامل من أن نضيع في المنهج الشكلي؟ والحق أننا بسب نوع من الحاجة المنطقية نفرض بالضرورة على أحكامنا شكلًا عامًّا؛ كيما نجيزها من ناحية القوانين الأخلاقية، فنحن لا نوافق على أن يصبح سلوك ما ملزمًا لبعض الناس، وغير ملزم للآخرين، الذين يماثلونهم في ظروفهم، فذلك أمر يثير العقل. ولكن هذا الارتباط الضروري بين المادة والشكل لا يصح إلا في اتجاه واحد: "فكل واجب عام، ولكن العكس ليس صحيحًا"، فمن أجل تأكيد هذه العلاقة بدأ الحكم الأخلاقي بأن لاحظ في السلوك "قيمة" في ذاتها، تنزع بمنطقها الداخلي إلى أن تنتشر، وهي قيمة ذات صفة من نوع خاص، فهي من الممكن أن تفرض، وهي يسيرة بالنسبة لكل الأفراد. وأية طريقة للسلوك لا تستوفي هذا الشرط المزدوج لا يمكن أن تكون قانونًا أخلاقيًّا ... فلتكن أي شيء، إلا أن تكون واجبًا، ولكنها ليست بالضرورة جريمة؛ لأن من الممكن أن تكون عملًا اختياريًّا "مثل التبتل"، أو عملًا يستحق أعلى درجات التقدير "مثل: البطولة الخارقة لمن هو فوق

стр. 126

البشر"؛ ولهذا لم تكن الفضيلة الإلهية التي هي أسمى القيم الأخلاقية -قانونًا عامًّا بالنسبة إلى جميع الكائنات العاقلة. وما دام الأمر كذلك، أعني: ما دامت جميع القيم ليست لها القدرة على أن تأخذ شكل قانون عام، وما دام يتحتم علينا أن نختار من بينها القيمة التي يمكن بحسب طبيعتها ذاتها أن تتحقق فيها هذه العمومية -فأولى بنا أن نقبل عقلًا أنه ليس من الضروري حين تتخذ أية قاعدة للسلوك هذا الشكل المجرد، أن تزودنا بمقياس للخير الأخلاقي. والنظر بعين الاعتبار إلى "عمومية" قانونٍ ما, لا يعفي مطلقًا من النظر إلى "شرعيته". ولما كنا نزعم أنه حين نقدر شرعية مبدأ معين -لو أننا اكتفينا بأن نلاحظ فيه فكرة القانون المحضة، بصفة عامة، دون نظر إلى مضمونه ومدلوله الخاص- فلسوف يصبح من المستحيل علينا أن نقرر أن هذا المسلك وحده أخلاقي، دون ذاك, كما يصعب علينا تحديد مجال الفضيلة والرذيلة. لقد كان "كانت" يعترف بأن الشيء حين يمكن استعماله حسنًا من وجه، وسيئًا من وجه آخر -ليس حسنًا مطلقًا ... ألا تنطبق هذه الحالة على منهجه الشكلي؟ إن المبدأ الشكلي العام ليس سوى قالب يمكن أن نصب فيه كعكة من عجين، أو حجرًا من طين. وأعظم تناقض في النظرية الكانتية هو أنها تعتبر صفة أساسية ما ليس إلا صفة فرعية؛ ولذلك فإن "كانت" يرى أن القانون الشكلي هو الذي يتخذ أساسًا للخير، وليس الخير هو الذي يتخذ أساسًا للقانون الشكلي. هذا الموقف المعارض لموقف القرآن -كما رأينا- محدد في فكر "كانت"،

стр. 127

بنفس القياس الكاذب parallogisme الذي فندناه، والذي قال فيه: "إذا كان مفهوم الخير لا يتفرع عن قانون سابق، وإنما يتخذ أساسًا لهذا القانون -فلن يمكن حينئذ أن يكون سوى مجرد مفهوم لشيء مرغوب"١. ونحن نعتقد -بعكس ذلك- أن الحكم على قانون بأنه أخلاقي ليس لكونه عامًّا، ولكن تعميم القانون يصبح واجبًا؛ لأنه وضع أولًا على أساس أنه حق، إذ لماذا ننشد سلامًا عالميًّا إن لم يكن لاعتقادنا أنه يمنحنا نموًّا عظيمًا لوجود الإنسانية ذاته؟ ولنفترض بعكس ذلك أنه تقرر وجوب اختفاء الضعفاء ليفسحوا المجال للأصلح من الناس، للحياة!! إن حكمنا سوف يتغير في الحال ليصبح الصراع الشامل هو الرأي الوحيد الذي يعطيناه رجل الأخلاق. إن العمومية لا تفعل أكثر من أن تترجم في عبارات شاملة ما تحصل أولًا في شكل جوهر مفهوم، والذي يحدث هو: أن الضرورة، سواء في النظام الأخلاقي، أو في النظام المنطقي، هي السبب في وجود العمومية، ومن ثم ينبغي أن تسبق هذه الضرورةُ العموميةَ في تفكير المشرع، ومن الواضح أن الضرورة الأخلاقية تنبع من قيمة داخلية، لا من شكل خارجي. هذا الفهم المعكوس لعلاقة الفضيلة بالقانون لا يؤدي إلا إلى تغيير وضع الإرادية الإلهية volontarisme theologique، بنقلها إلى مجال ميتافيزيقي، بحيث يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الله لا يأمر بشيء لأنه حق في ذاته، بل إن ما يأمر به الله هو حق؛ لأنه أمر به فحسب. فهناك فقط تغيير في المصطلحات، فحيث يقول رجال اللاهوت: "هذا أمر علوي من الله", يقول كانت: "هذا أمر حتمي من العقل المحض".

стр. 128

والفرق بينهما، مع ذلك، هو أن رجال اللاهوت يجدون في الكمال الإلهي ضمانًا واقعيًّا ضد الأوامر الظالمة، فأي ضمان نجده في هذا المفهوم التجريدي للعقل المتسامي، اللهم إلا إذا طابقنا بينه وبين العقل الإلهي؟ ولا يخطئنَّ أحد في إدراك فكرتنا، فنحن نميز في الشكلية الكانتية جوانب كثيرة، ما دامت تستخدم قانون العقل المحض في نواح متعددة، فهذا القانون مبدأ موضوعي، يحدد السلوك وموضوعاته: "الخير والشر"، وهو في الوقت ذاته مبدأ شخصي "دافع" يوجه الإرادة نحو الطاعة١. ونحن نميل بالنسبة إلى هذه النقطة الأخيرة إلى ألا نثير أية صعوبة، بل على العكس من ذلك، نحن نعترف بأن الشكل الصرف للقانون قادر قدرة كاملة على أن يؤثر في الضمير الأخلاقي. فأداء المرء للواجب؛ لأنه واجب، دون أن يبالي بالخير الأخلاقي الذي يستهدفه -هو تعريف للإرادة المخلصة بإطلاق. ولسوف نبين٢ أن ذلك هو المثل الأعلى للأخلاق القرآنية؛ فالمرء لا يسأل طبيبه الذي يثق به عن أوامره؛ لأن المناقشة هنا هي الارتياب، فهل الأمر كذلك فيما يتصل -لا بالسلوك- بل بالحكم والتقدير، والأمر المفروض؟ وهل يستطيع الشكل الخارجي للقانون بعامة أن يقوم بدور مبدأ تشريع للخير والشر؟ إن القول بأن فكرة الإلزام وحدها تكفي لإعطائنا دليلًا إيجابيًّا على أفضل الطرق للسلوك -قول يدهشنا؛ فإن العقل الذي يأمر بالخضوع لقانون ما- ربما يكون متحكمًا ظالمًا، وما كان له أن يكون عقلًا، إذا لم

стр. 129

يفترض مقدمًا الاتفاق الكامل لهذا القانون مع المثل الأعلى للعدالة. فقد خلط -كانت- إذن، وعالج بطريقة واحدة مرحلتين مختلفتين للضمير الأخلاقي: ١- اللحظة التي ما زال التفكير يجري فيها لوضع القانون. ٢- واللحظة التي ينفذ فيها القانون، الذي تم وضعه بالفعل. وفي كلمة واحدة: خلط "كانت" بين "الإلزام" و"النية"، بين علم الأخلاق la morale، وبين السلوك الأخلاقي la moralite.

стр. 130

المرحلة الثالثة: والواجب الكلي العام!! فلنقبله، ولكن ينبغي أن نفرق بين درجات كثيرة من العمومية، فإن لها امتدادًا بقدر ما لها من مفاهيم: الواجب الأبوي، والأموي، والزوجي، والبنوي. واجبات الرياسة، والصداقة، والمواطن، والإنسان. واجب العمل، وواجب التفكير، وواجب المحبة. فهل يمكننا بصفة مشروعة أن نعطي لكل هذه التعبيرات نفس الامتداد، على جميع الأشخاص، وعلى كل الموضوعات، بحيث ننفض عنها حدودها الخاصة، ثم نمد بعضها على بعض؟ وهل من حقنا أن نقول لرئيس أن يعامل من هم أعلى منه رتبة معاملته لمرءوسيه؟ وأن نطلب إلى زوج أن يعامل كل نساء الدنيا كما يعامل زوجته، والعكس؟ إن كل واجب، إذا تعدى حدوده الخاصة -قد يتوقف عن أن يكون واجبًا، ولربما يصير جريمة. فالأمر إذن أمر عمومية نسبية، لا يمكن

стр. 131

لامتدادها أن يتحدد إلا تبعًا لطبيعة عناصره التكوينية، وبالقياس إلى مجموعة الظروف المناسبة. وتقسيم الواجبات وتحديدها هو العمل الجوهري لعالم الأخلاق بمعنى الكلمة، فكيف نشرع في هذا العمل؟ أيمكن أن نصل إلى النسبي ابتداء من المطلق، دون أية مساعدة خارجية؟ وكيف نحدد ألوان رسم من الرسوم، وتفاصيله التي يضعها فيه الفنان بالاعتماد على الشكل فقط؟ وكيف يتسنى لنحوي قُحٍّ، من حيث كونه كذلك أن يكون قادرًا على إعطاء المبررات للمعاني العميقة في المقال، وألوان الأسلوب؟ إننا إذا أردنا أن نحول الأخلاق إلى رياضيات، بل وأكثر من رياضيات، فربما أصبح الأمر غريبًا وغير مقبول، ويا لها من أعجوبة!! وإذا كان من المستحيل، واقعًا، أن نستنبط جميع نظريات الهندسة من مبدأ واحد، فكيف نأمل أن نحصل من ذلك على نجاح أكبر في علم السلوك؟ وإذن، ففي حالة نقص الاستنباط الدقيق؛ لأنه مستحيل في هذه الظروف، نشهد لدى "كانت" محاولة للتقريب تتفاوت في براعتها، بين الشكل والمادة؛ نوعًا من التكليف يهدف إلى تسويغ نفس قواعد الأخلاق العامة، بعد قطعها عن روابطها الدينية أو الميتافيزيقية، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى نشهد لديه بعض الآراء الشخصية عن نوع الحياة الفاضلة التي يفضلها الفيلسوف. إن ضمائر كثيرة مخلصة يمكنها أن تجتمع على الطريقة الكانتية، في رؤية المثل الأعلى الأخلاقي؛ وهو أمر لا نناقشه، ولكنا حين نختبر بعض صيغه الفرعية في علاقتها بمبدئه الأول -تبدو لنا، إما دون رباط ضروري، وإما سقيمة التوافق معه.

стр. 132

فأما كونها دون رباط ضروري، فتلك هي حال الصيغة التي تأمر باحترام الإنسانية في شخص الغير، كما نحترمها في أنفسنا، وذلك باعتبار الشخصية الإنسانية غاية في ذاتها. إن من الممكن أن نسأل أنفسنا: لماذا يحس العقل المحض، وهو السيد المستقل، والمطلق، بهذه الضرورة في أن يحترم شيئًا آخر دون ذاته؟ أمن المعقول أن نعتبر غاية ما لا يكونها إلا جزئيًّا، تلك الطبيعة المختلطة، المصنوعة من الشيء ومن الفكر، وهي في أصلها محسوسة أكثر منها معقولة؟ ويبدو أن هذه الملاحظة لم تغب بكاملها عن الفكر الكانتي، وربما كان هذا هو السبب في أنه قيد صيغته، حين طلب معاملة الشخصية الإنسانية على اعتبار أن مفهوم "العناية" لا يقتصر عليها وحدها، بل ينطبق "في الوقت نفسه" على غيرها، ولكن هذه الدقة في التعليل لا تلبث بكل أسف أن تضعف بمجرد أن نصل إلى تحديد الواجب العملي الذي ينبع من هذا الاحترام. وقد كان من الواجب أن يؤدي منطق هذه الثنائية في الطبيعة الإنسانية إلى تأكيد نوع من التفرقة، لا بين الشخصية والفرد فحسب، أي: بين ما آل إلينا على صورة الاشتراك، وما يُعزى إلى كل إنسان بمفرده، ولكن أيضًا بين حقوق العقل وحاجات الجسد. ولكنا نرى "كانت" يدافع مع الجميع عن حق الناس في الأمن، والواجب الصارم ألا يعتدي أحد على أجسامهم وأموالهم، كما يحرم الاسترقاق والسخرة في جميع أشكالها. وإذن، فلم نكن بحاجة إلى كل هذه الدقة في التحليل، لنصل في النهاية، إلى إلى ترديد أمور تافهة، وأعم من أن يتضمنها المبدأ الذي أعلنه. ألسنا نرى هنا أن النتيجة تتضمن أكثر مما في المقدمات؟ وإذا كان الاحترام يمكن أن يمتد إلى العنصر المحسوس في الإنسان، ويجب أن يكون كذلك، فلماذا نرفض امتداده إلى العنصر المحسوس في مجال آخر؟ ولماذا

стр. 133

كان من المسموح به أن نعامل الحيوانات على أنها أشياء، سواء أكنا نستأنسها أم كنا نذبحها دون تحرج؟ وهنا اعتبارات أخرى غريبة عن المنطق المحض، لا مناص من أن تدخل في تفكير المشرع، كيما تطبع نتائجه بذلك الطابع غير المتكافئ، تارة بتوسيعها، وتارة بتضييقها. وأما كون تلك الصيغ الفرعية سقيمة التوافق مع المبدأ، فذلك عندما يحظر علينا هذا المبدأ أن نسمح لأي امرئ أن يمس حقوقنا، فإما أن الكلمات قد فقدت مدلولها، وإما أن أي "حق" من حيث هو هو، لا ينشئ "واجبًا" قِبَلَ من يملكه، بل في مواجهة الغير. فإذا كان هذا فعلًا حقي فأنا حر في أن أستمسك به، أو أتنازل عنه لمن أشاء. ولنقررْ، بنوع من انفصام الذات، أنني باعتباري "فردًا" يجب أن أدافع عن حقي باعتباري "إنسانًا"، أي: باعتباري أمينًا على هذا المبدأ المقدس، مبدأ الإنسانية. لكنا إذا تعدينا واجب "العدالة" فهناك واجب "الرحمة"، ألا يتطلب هذا الواجب أيضًا أن يطبق بصورة شاملة؟ ولما كانت الرحمة تستتبع بالأحرى إغضاء وتسامحًا، فإن الأخلاق المسيحية التي تأمرنا في هذا الصدد بأن نحب حتى أعداءنا -كانت أكثر إخلاصًا لمبدأ الواجب الكلي الشامل من الأخلاق الكانتية. وهنا نشهد اعترافًا ضمنيًّا بأن العمومية لا يمكن أن تتوافق مع واجب إلا إذا قوضت عمومية واجب مناقض له. والحق أن الأمر الحتمي غير المشروط لا يمكن أن يُتَخيّل بالمعنى الدقيق للكلمة، أعني: من وجه مطلق، غير محدود، لا بالتجربة، ولا بالإدراك، إلا إذا قبلنا مبدأ الواجب الوحيد وبما أن هنالك تعددًا في الواجبات، وينبغي أن يوجد هذا التعدد، فإن هناك حالتين ممكنتين:

стр. 134

فإما أن الأمرين سوف يمضيان متوازيين، دون أن يضيق أحدهما بالآخر، وإما أن كلًّا منهما سوف يتجه إلى مناقضة الآخر، لا إلى محايدته فحسب. وفي الحالة الأولى، لا توجد أية صعوبة عملية، فنحن مثلًا ينبغي ألا نكذب، وألا نقتل؛ وهذان واجبان متوافقان تمامًا، ومن الممكن أن يمضيا معًا. ولا ريب أنه ليس من الضروري أن يفرضا دائمًا في وقت واحد؛ لأن أحدهما خاص "بالكلام" والآخر خاص "بالعمل" بيد أن الحدود المرسومة لكل منهما لم تفرض عليه من خارجه، بل بنصه نفسه، ومن تحليل مفهومه الخاص، وهو عمل يتناسب مع ممارسة الإدراك الإنساني، مستقلًّا عن كل عنصر تجريبي. أما في حالة التصادم بين الواجبات، فتتفجر صعوبات عظيمة الخطر، وإليك بعض الأمثلة: يجب أن نقول الحقيقة، وأن نكون مؤدبين تجاه الآخرين. فما العمل حين لا يمكن إعلان الحقيقة القاسية دون حرج؟ يجب أن أمسك عليَّ لساني. ولكن لو أني كشفت أن العون الذي وعدت به سوف يكون لمصلحة ظلم واضح؟ حرام عليّ أن أكذب، وحرام عليّ أيضًا أن أدع للهلاك نفسًا، ربما أستطيع إنقاذها. وما العمل عندما تعرض الحقيقة شخصًا آخر بريئًا للخطر؟ إن قول الحقيقة في هذه الحالة يكون على حساب حياة الغير، فهل مثل هذا العمل من أعمال الكرامة المحمودة، أم هو أنانية مذمومة؟ وإذا سمح المرء لنفسه أن يكذب لإنقاذ حياة إنسان، فهل هذا منه احتقار لذاته؟ أم هو تضحية؟ أم هبة لذاته؟

стр. 135

ومحاولة التوفيق بين اتجاهين باستخدام تعبير غامض ذي معنيين، أهو لحساب الفضيلة، أم هو على العكس يعرضها للخطر؟ ذلك أننا في مواجهة المعتدي سنتمسك معنويًّا بأن نجعله يقتنع بالاتجاه الخاطئ، ونكون حينئذ قد تجنبنا الكذب بحرفيته، وإن كنا قد فارقناه بمعناه. وهكذا نرى أن تعميم أمرين، ولو عقليًّا، يستتبع بالضرورة تجاوزهما للحدود، وتناقضها، وتدمير كل منهما للآخر، ومن ثَمَّ كانت الضرورة المطلقة في تضييق مجال تطبيق أحدهما، لكي يمر الآخر، ولكن أيهما؟ أمن حقنا أن نميز واحدًا منهما، أيًّا كان، على سبيل التحكم؟ وكيف نخولهما حقًّا متساويًا للمرور دون أن يسبق ذلك أن نخصهما بقيمة متساوية؟ على أنه من غير المقبول أن نضع في مستوى واحد: اللازم، والضروري، والزائد الفضلة؟ الأكثر إلحاحًا والأقل، الوجود والكمال. ومهمة عالم الأخلاق لا تنتهي بمجرد أن يضع قائمة بالواجبات، فإن عليه أيضًا أن يقر فيما بينها تدرجًا في القيم، وحتى لو افترضنا أن هذا النظام قد وضع، فلن يكون مطلقًا نظامًا نهائيًّا؛ لأنه في جوهره نسبي, ولأن ما هو لازم محتم في حالة -قد يصبح ثانويًّا في حالة أخرى، وفائضًا زائدًا في حالة ثالثة. ولذلك نجد الإنسان أمام الخطر يضحي بأثمن الطيبات من أجل إنقاذ الحياة، ثم هو يعرض الحياة للأخطار من أجل إنقاذ الشرف. وإنما تتحدد القيمة الجديرة باختيارنا عند الاتصال بالواقع الراهن؛ وليس ممكنًا وضع خط دقيق للتمييز بين الواجبات المختلفة إلا "على الطبيعة"، وهو مع ذلك خط غير ثابت، يخضع دائمًا للتعديل، بحيث إننا لو أردنا تحديد واجب في لحظة معينة، فإن الكلمة الأخيرة سوف تترك لحكم كل فرد، بل ربما تترك لما يمكن أن نسميه "بحاسته السادسة". هكذا نجد أنفسنا وقد تجاوزنا "الكانتية" بمرحلتين، وهذا التجاوز نفسه ينقلنا إلى الطرف الآخر من الطريق.

стр. 136

" فردريك روه ": على الطرف النقيض للنظرية الكانتية التي تجعل السلطة التشريعية كلها من شأن العقل الخالص -تقف نظريات أخرى تدافع عن قضية الحرية التجريبية للذات، ويتجلى هذا التناقض العجيب المثير لدى "جيو guyau" و"نيتشه nietzsche" وهما اللذان قصرا الأخلاقية على الشعور بالجمال، أو على إرادة الحياة، وعلى أساس هذا الرأي الأخير يتقرر أن القيمة الأخلاقية لا توجد مسبقًا في نظام الأشياء الأزلية، بل هي إبداع إنساني يتجاوز الإنسان به نفسه ليصبح فوق الإنسان sur homme. ولم يدفع الفيلسوف الفرنسي "فريدريك روه frederic rauh" هذه الفكرة الثورية إلى نهايتها، وهي التي ترمي إلى أن تلغي إلغاء كاملًا فكرة الإلزام، ومعها الأخلاق نفسها. وهو، وإن كان يعترف بسمو فكرة الواجب بالنسبة إلى الفرد، إلا أنه مع ذلك أراد أن يكون كل فرد هو صاحب مبادئه وأحكامه الخاصة، ومبدعها١. ويمكن أن نقول, دون أن نخشى إغرابًا: إنه على الرغم من المسافة التي تفصل ما بين هذه الفكرة، وفكرة "كانت" -فإنها تلتقي معها وتتوافق في بعض المقاييس؛ ذلك أن كلًّا منهما لا تبقي من فكرة الواجب إلا معناه العام، الذي لا يتضمن أي اتجاه خاص. بيد أن اختلاف الرأيين يبدأ بعد هذا التوافق في نقطة الانطلاق؛ فعلى حين يحلق الفيلسوف الألماني في سماء

стр. 137

المنطق، ولا يهبط نحو المحسوس إلا على مراحل، ومع كثير من التحفظ -نجد أن مؤلف "التجربة الأخلاقية"١ يسرع فجأة على الصعيد النفسي. وقد رأينا، كيف حاول "كانت" -انطلاقًا من الفكرة القائلة بأن جوهر العمل الخير أنه حق بالنسبة إلى جمع الإرادات- أن يولد من هذا المبدأ بعض الصيغ الأقل تجريدًا، ثم من هذه بعض القواعد الأكثر مادية. وأخيرًا، فإنه بمجرد أن كشف عن هذه الصيغ ثبتها إلى الأبد في أطرها الصارمة الثابتة، وأغلق بعضها على بعض، كأنها أعداد ليبنزية٢. فمشكلة صراع الواجبات لم تواجهه إذن؛ لأن كل شيء مرّ تحت نظره، كأنه محكوم بصيغة معينة واحدة. ولقد كان "روه" على حق حين أعلن عجز جميع القواعد المجردة عن أن تحكم بنفسها واقعًا ماديًّا، وكما أن من المستحيل أن نحدد نقطة خريطة، دون الرجوع إلى نقط أخرى كثيرة، أو أن نفسر كلمة في نص، دون أن نرعى السياق، أو أن يملك فن العلاج ضمان فاعلية دواء معين، دون أن يلاحظ مزاج المريض، وسائر اتجاهات مرضه -فكذلك رجل الأخلاق، لا يستطيع أن يغفل في السلوك الإنساني عاملي المكان والزمان؛ لأن السلوك في جوهره مكاني - زماني. وسلوكنا خلق واقعي يتجه إلى الاندماج في عالم الواقع، فليس يكفي

стр. 138

إذن أن يكون ممكنًا من الناحية المنطقية، بل يجب أيضًا أن يكون قابلًا للتحقق من الناحية العملية، وأن يجد مكانه وسط الوقائع التي تحوطه، بحيث لا يكون ممنوعًا بواسطة الأحداث التي تسبقه، ولا مدفوعًا بالأحداث التي تلحقه. فلا مناص إذن، قبل أن نتخذ قرارًا معينًا، من أن نحيط علمًا بالواقع الموضوعي، لا في مجرى نموه الراهن فحسب، بل في تاريخه، وفي مصيره. وليس هذا هو كل شيء، بل يجب أن نلاحظ في الوقت نفسه تنوع العوامل النفسانية التي تحدد رد الفعل لدينا على الطبيعة؛ فإذا ضربنا هاتين المجموعتين من العوامل، إحداهما في الأخرى، فإن النتيجة التي نحصل عليها في كل حالة هي دائمًا ثمرة أصيلة. فإذا أضفنا أن الزمن لا يمكن أن يعيد نفسه وصلنا إلى نتيجة قاطعة هي: أن التاريخ لا يمكن أن تتماثل فيه لحظتان أبدًا. وهكذا تبرز في وضوح "الصفة النسبية" للحياة الأخلاقية. على أن فيلسوفنا الذي عرف كيف يتفادى الخطأ الكانتي -لم يستطع أن يعصم نفسه من الوقوع في نقص معاكس، فقد مضى تبعًا لمنهجه في تعليم الأخلاق، وكأنما كانت فكرة عدم التماثل بين لحظتين من لحظات الحياة -تستبعد في نفس الوقت تشابههما، ولا تسمح بأن يكون بينهما أي مقياس مشترك، وكأنما لا يوجد إلى جوار العنصر الفردي أي مكان يتسع لعنصر جنسي أعم وأشمل، وكأنما لا تترك الأشياء التي تمر أثرًا لها، يبقى من بعدها. وبناء على ذلك: يدعونا فيلسوفنا إلى أن نركز انتباهنا على العنصر الوقتي، ويحثنا كذلك بصراحة على أن نتحرر من المبادئ والمثل، ويرى: أنه يجب ألا نكف عن إخضاعها للتجربة والاختبار، بدلًا من أن نخضع لها١

стр. 139

ولا تقتصر النتيجة حينئذ على إعطاء كل امرئ الحق في أن يشرع لنفسه واجباته، وفق ما يلائم طبعه، واستعداداته، ومطامحه فحسب، بل إن لنفس الشخص أن يضع مبادئه وأحكامه، بصورة مستمرة، تحت الفحص، وأن يهدم في كل لحظة ما بناه في لحظة سابقة. ألسنا نلقي بأنفسنا في غمار الهوى والاعتساف حين نسلمها على هذا النحو لحياة مضاعفة من الفوضى؟ على أن هذه ليست أهم نقطة، بل إن من الواجب أن نسأل أنفسنا عن مبدأ التجربة نفسه، كقوة قادرة على هداية الضمير؟ إن التجربة تعتمد على "الأحداث" ولكن الضمير "يتغذى من القيم"، فبأية عملية سحرية يمكن تحويل جانب إلى آخر؟ ولا بد أن يعرف "روه": أن الحكم "القيمي" لا يمكن أن يخرج من مجرد الحكم "الواقعي"، في أية صورة تمثل هذا الواقع، موضوعيًّا كان أو شخصيًّا، بسيطًا أو مركبًا، ماضيًا، أو حاضرًا، أو مستقبلًا. ففيما يتعلق بالماضي والحاضر -تتلخص كل ثمرة بحثنا التجريبي في هذه الملاحظة البسيطة التي تقرر: أن أي عمل قد صحبه أو لحقه دائمًا أثر معين، فنحن نسجله، ونحيط به علمًا، لا أكثر. ولا شك أننا حين نحكم بأن أثرًا من الآثار حسن أو سيء، فنحن نميل إلى ذلك الحكم، بل ويدعونا إليه العمل الذي هو سبب فيه. ولكن، ما الذي يدفعنا في الواقع إلى أن نحكم على الأثر هكذا؟ إن تجربتنا لو أمكنها أن تنتهي إلى حكم تقديري كهذا، وهي "تنصب" فيه، فإنها ليست على أية حال "منبعه"، بل هي مجرد مناسبة له. فنحن لا نستطيع مطلقًا أن نستنتج من حدوث ظاهرة ما -أن هذا الحدوث في حد ذاته يرضينا أو يغضبنا.

стр. 140

ولنعترف بأن هناك رباطًا طبيعيًّا بين هذين الحكمين، ولكن هذا لا يمنع من أن نحدث هنا تفرقة هامة: فإن حكمنا التقديري نفسه هو واقع ملحوظ، حدث نفساني ينبع من التجربة بما أنه يقع تحت ملاحظتنا الباطنة، ولكن ما ينصب عليه هذا الحكم هو "قيمة" تستعصي بموجب تحديدها على كل تجربة، وتتجاوزها لانهائيًّا. فالتجربة لا تفعل -إن صح هذا التعبير- أكثر من امتياح بئر "القيمة" نقطة بعد نقطة، مع هذا الشعور الغريب بملامحها الخاصة، وبأنها معين لا ينضب. والقيمة ذات طابع مطلق، فهي ليست مسجلة في الزمان، مع أن عنصر الزمان يمكن أن يوحي بها، فلا يصح إذن أن نلجأ في حل لغزها إلى ما هو وقتي. ولسوف يتضاءل دور التجربة أيضًا فيما يختص بالمستقبل، الذي هو المجال الوحيد للعمل الأخلاقي, "فهذا العمل ليس من باب ما هو كائن، بل من باب ما ينبغي أن يكون، ومن المستحيل -من ناحية أخرى- أن نقرر عمل بعض الأشياء في الماضي، أو في نفس اللحظة التي يتم فيها اتخاذ القرار". فمما لا حاجة إلى ذكره ابتداء: أن التجربة بمعناها الصرف ليست هي التي تبيح لي أن أستخلص أن الأشياء إذا ما كانت قد حدثت حتى الآن بطريقة أو بأخرى -سوف تحدث غدًا، ودائمًا بنفس الطريقة. فهذا الاستقراء يجد أساسه المنطقي في اعتقادنا بثبات الطبيعة، والأمر كذلك بالنسبة إلى قانون الأعداد الكبيرة، الذي يجب أن يفترض عدم تدخل الأسباب الجديدة، القادرة على خلخلة المعدل المتوسط لحسابنا. وأخيرًا، فما الذي أحصل عليه من كل رصيدي التجريبي، وما يواكبه

стр. 141

من مسلمات؟ إنني أعلم الإمكان "أو الاستحالة العملية" لتحقيق مشروع معين، أو درجة احتمال ناجحة، ولكن من ذا الذي يخبرني: إن كان ما أشرع فيه خيرًا جديرًا بأن أسعى إليه؟ وإذا كانت أمامي ممكنات كثيرة فما الذي يجعلني أقرر تنفيذ أحدها، وربما كان أقلها صلاحية بطبيعته؟ إن من الواضح أن ما نؤثر به بعض الاتجاهات من تفضيل في نشاطنا، واستبعاد لبعضها -ينبع من مثل أعلى، لا من واقع. وعليه، فإذا لم يكن هذا المثل الأعلى سوى ظهور لذاتنا التجريبية المتقلبة، وإذا لم يكن سوى عطاء لشعورنا الحقيقي أو الافتراضي، فإنه يصبح -هو أيضًا- عطاء عابرًا، وظاهرة مؤقتة. فبأي حق يزعم إذن أنه يحكم عملًا مستقلًّا، على حين أنه قد يكون موجودًا في اللحظة التي سيبدأ فيها العمل؟ وإنما هي إحدى اثنتين: إما أن إرادتنا تستطيع أن تكتفي بمثل أعلى يتلاءم مع العمل، أي: يولد ويموت معه، وتلك هي إرادة العجزة والمجانين. وإما أن تمضي إرادتنا -على العكس- تلتمس في المثل الأعلى صفاته التي تفرضه عليها، سواء بالنسبة إلى المستقبل البعيد أو القريب، أعني: أنها تذهب لتطلب منه بعض الثبات، قبل أن تمنحه الحق في أن يحكمها. بيد أننا حينئذ لن نكون في مجال الذات التجريبية، والتجربة المحضة إذ إن "المثل الأعلى الثابت" هو التعريف نفسه "للقانون الأخلاقي"، ولما لم يكن قانون معين ثمرة لتجربة مطلقًا، بل موضوعًا للبرهنة أو الإيمان، وكانت "التجربة" هي مرجع "الأخلاق" ... أليس هذا تناقضًا في المصطلحات؟!

стр. 142

خاتمة: وضح لنا إذن وضوحًا كاملًا أن كلتا النظريتين لا تظهر من الحقيقة الأخلاقية سوى جانب واحد، وفضلًا عن ذلك يكمن نقصهما المشترك في تعصبهما، وترافضهما، أكثر مما يكمن في جانبهما الإيجابي. وهكذا حدث للفلسفة العملية ما حدث لنظرية المعرفة، فالمثالية، والواقعية، والعقلية التجريبية، وجماعات أخرى فلسفية كثيرة، لم يكن تعارضها إلا لأن كلًّا منها يركز من جانبه على شرط ضروري للمعرفة الإنسانية، معتبرًا أنه هو الشرط الكافي، والسبب الكلي، على حين أنه ليس سوى عنصر واحد بين عناصر أخرى كثيرة. والواقع أنه، لا المفهوم المنطقي، ولا القانون العلمي، ولا مجموع المفاهيم والقوانين المعروفة -بقادرة مطلقًا على أن تؤلف، وتستنفد الموضوع المحسوس، الذي هو نقطة التقائها، ولكنه يتجاوزها بلا حدود، هذا من ناحية. بيد أنه من ناحية أخرى يظل كل موضوع واقعي أجنبيًّا تمامًا، وغير قابل للتمثل، ما لم يوضع في أشكال عقلنا وقوانينه. وبعبارة أخرى: إذا كانت المبادئ الأولى، والقوانين العامة تعفينا

стр. 143

مطلقًا من أن نطابقها مع الواقع، وإذا كان هذا الواقع لا يحتوي شيئًا زائدًا، ولا يقدم لنا جانبًا جديدًا -فإن العالم سوف يبلغ مرحلة المتماثل المبهم، سوف يكون بلا حياة، بلا تاريخ، بلا أبعاد. ولكن في مقابل ذلك، إذا لم يكن هنالك من حقيقة مكتسبة، ولا قانون ثابت، فإن العقل سوف يتوقف عن أن يكون عقلًا، سوف يفقد وحدته البنائية، سوف يئول إلى هباء، ولن تكون له أدنى سيطرة على الطبيعة. وفي مقابل ذلك، من وجهة نظر عملية -لو كان يجب على العالم أن يستأنف دائمًا من البداية، فلن يكون التقدم ممكنًا، ولن يتم مطلقًا بناء صرح الحقيقة. وإنما هو لقاء الفكرة بالموضوع، لقاء الشكل بالمادة، لقاء الفرض بالتجربة؛ لكي تنفجر شرارة المعرفة الحقة. وذلكم هو شأن الأخلاقية ... فلا الصيغة المجردة لقاعدة عامة، ولا التحليل الدقيق للحالة الخاصة -معزولًا كلاهما عن الآخر- يكفي لهداية إرادتنا، وإنما هو كما قررنا منذ قليل -تركيب "المثل" الشامل، القادم من "أعلى" مع الواقع الراهن، الذي ليس سوى إيضاح وبيان، حتى يوجد الدليل الممتاز لضميرنا. فبين المثل الأعلى والواقع، بين المطلق والنسبي، يوجد الضمير الإنساني علامة توحيد، يجب أن يستمر في التقريب بين هذين الطرفين، بأن يؤكد رابطة ما بينهما في صورة العمل الذي يولد من اقترانهما السعيد، ويرتدي هذه الصفة المزدوجة التي يمثلها في وقت واحد: ثبات القانون الأزلي، وجدّة الإبداع الفني. أليس هذا هو نفس إدراك "التكليف" الذي يستخلص من المفاهيم القرآنية؟ ولنستمع إلى القرآن وهو يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١،

стр. 144

ألا نرى فيه من أول وهلة الخط الفاصل الذي يميز هذه الصيغة من الأخريات؟؟ ليست هذه هي الصيغة: "افعلوا ما يبدو لكم حسنًا" تبعًا لإلهام اللحظة. وليست هذه أيضًا صيغة الواجب الصارم على سبيل القهر، دون استثناء أو تعديل. ليست هذه أو تلك، ومع ذلك فهي تتفق معهما في امتدادها العميق. بهذه الكلمات الجامعة البينة يلفت القرآن أنظارنا نحو السماء، وهو يثبتنا على أسس متينة من الواقع، وهكذا نجد طرفي السلسلة وقد اجتمعا: صعود نحو المثل الأعلى، وإنقاذ للفطرة؛ خضوع للقانون، وحرية للذات. ولكن، هل ترون أن هذا ممكن؟! ألا يجوز أن يتنافر هذان الطرفان المتعارضان؟ أم لا لا يجوز لكل فرد، منذ اللحظة التي يصرح له فيها بتحديد واجبه بالنسبة إلى حالته الخاصة -أن يتجاوب مع نوازعه الطارئة، ويطرح بهذا سلطة الأمر؟ هذا ما لا يحدث أبدًا؛ لأن الضمير الذي يخاطبه القرآن ليس ذلك الضمير الفارغ؛ غير المهذب، المتروك دون مرشد غير حالته البدائية، على ما عليه إنسان الطبيعة لدى "روسو". وليس هو أيضًا ضمير ذات مختلقة، كالذات الخالصة moi transcendantal لدى "كانت". إنه ضمير يجمع شرطين لم يجتمعا خارجه قط، فهو أولًا مستنير، بفضل تعليم إيجابي، حددت فيه الواجبات ورتبت بدرجة كافية. وهو فضلًا عن ذلك قائم في مواجهة واقع حي، ومراعى إلى أقصى حد. وباختصار: ذلكم هو ضمير المؤمن، ومن خصائص ضمير كهذا أن يكون لديه، وهو حاضر في ذاته، ومهيأ للتناصح، شخصية مشرعه، فما كان له إذن أن يستسلم لاعتبارات يعلم أنها غير مشروعة في نظر واضع الشرع, بَلْه أن يخون نفسه.

стр. 145

وإليك مثالًا على هذا، فالله سبحانه يقول لي "ما معناه": افعل هذا إلا المحرم، ولا تفعل هذا، إلا إذا كنت مكرهًا بضرورة، ثم إنه يحصنني ضد الدوافع الخفية التي يمكن أن تحملني على مخالفة الأمر، تحت ستار ضرورة زائفة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. فهل أستطيع في هذه الظروف أن أبرئ نفسي، وأنا أعتبر مخالفة بسيطة كأنها محرم؟ أم حين أرى التخويف الهين من باب الإكراه، على حين أعلم يقينًا أن هذا ليس ما أراده الله سبحانه بهذه الكلمات؟ ولا ريب أن الله لم يجبني دائمًا بصراحة في الحالات المشتبهة، وهو لا يوحي إلينا أيضًا، فأمامنا جميعًا نفس الحل، إيجابًا وسلبًا، ولدي دائمًا فرص لأرتكب خطأ في التفسير، أو في التحديد. وهذه الاحتمالية نتيجة طبيعية لظرفي الإنساني، وللحرية التي أتاحها لي في هذا الظرف نفسه. والأمر الجوهري بالنسبة لي، كمؤمن، هو أن أبذل جهدي في حال الالتباس، وأن أميز، وأتبع، بأمانة وإخلاص، ما يمكن أن يكون من أمر الله، تبعًا لمجموع تعاليمه. ولو كان الحل الذي اجتهدت فيه واخترته منحرفًا، فلن أكون آثمًا، متى ما بذلت جهدي الضروري، الذي يصدر عني، لإضاءة طريقي، والله يقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ٢. فأما أن كل فرد، في الحالات المشتبهة، ملزم بأن يرجع إلى ضميره،
следующие страницы →