← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8665

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (841 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وإنما هو موقف ضد الشرع صراحة، وتسبق الأقوال المعتادة -هذه المرة- بعض النصوص على الجرائم المقترفة، بحيث يستحيل أن يخطئ المرء ما تتسم به من طابع الوعيد: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُون﴾ ١. فما الشعور الذي تراد إثارته لدى الكافرين بهذه الوسيلة، وعلى وجه التحديد ... ؟ أهو الخوف من العقاب ... ؟ ولكن أي تأثير لإنذار كهذا في ضمير مغلق كضمير هؤلاء الجاحدين؟ إن الناظر الذي يعي خطورة حالهم قد يخشى عليهم العقاب، أما بالنسبة لهم فهل يوجد هناك شيء آخر سوى إثبات عقوقهم؟ ... سوى نوع من الحكم المسبق؟ سوى أمارة تشعر بإدانتهم الفعلية؟ نعم، فليس من الممكن أن يتوجه تحذير من هذا النوع إلى الجاحدين من أجل منفعتهم المباشرة، وإنما هي دعوة موجهة من بعيد إلى الإنسان العاقل المستكن فيهم، فربما أدى إدمان الطرق إلى أن ينفتح الباب، أن تنطلق الروح، أن يبعث الميت. أما الآن، فذلك موضوع من موضوعات التفكر يقدم إليهم، فإن كانت لديهم فرصة للتفكير فسوف يرون بلا ريب فيه نذيرًا بالطامة الكبرى التي تنتظرهم، والتي يدل كل شيء على وقوعها. ما هي طبيعة

стр. 352

هذه الطامة؟ ومتى تقع؟ وكيف؟ لم يذكر شيء من هذا الشأن حتى الآن. وهكذا تنتهي المنطقة الوسيطة "= ٢٠ أو٦٢ ب". وبهذه المرحلة الأخيرة نصبح على عتبة الجزاء بالمعنى الصحيح. جـ: "اعتبارات النتائج المترتبة على العمل": نتائج طبيعية: إذا نظرنا إلى هذه المجموعة الأخيرة نلاحظ أولًا قلة نسبية في النصوص التي تهتم بما نطلق عليه عمومًا: "الجزاءات الطبيعية" أي: النتائج النافعة أو الضارة التي تصدر في الأحوال العادية دائمًا عن سلوكنا الأخلاقي، كالصحة والمرض في نظام حياتنا المادية، دون تدخل ظاهر من الإرادة العليا التي تحكم الطبيعة. ولقد استطعنا في نسق هذه الأفكار أن نميز نوعين من الأسباب المسوغة: فردية، أو عامة. فأما ما كان من الوصايا معللًا بالخير الفردي، ناتجًا عن العمل بها، فلم نجد منه سوى أربعة نصوص، هي قوله تعالى١: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ٢.

стр. 353

- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ١. - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ ٢. - وأخيرًا تنحصر إدانة البخل والتبذير في أنهما معًا يعرضان صاحبهما للوم والعسر، ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ٣. ولكن الأوامر التي يأتي تسويغها بالخير العام الذي تؤدي إليه فهي أكثر عددًا، هي قوله تعالى: - ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم﴾ ٤. - ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ٥. - وعقاب القاتل يجب أن يستهدف المذنبين وحدهم: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ٦.

стр. 354

- والنزاع الذي يتفشى في جيش أو في شعب يستتبع ضياعه واضمحلال قوته: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ١. - وتسليح الجيش في زمن السلم يستهدف إرهاب العدو: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم﴾ ٢. وفي حالة الحرب يجب أن نأخذ حذرنا، وألا نضع أسلحتنا، حتى في أثناء الصلاة، وهو واجب كإجراء وقاية، توقعًا لهجوم مفاجئ: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ ٣. - ولكن، لماذا نقاتل؟ وبدهي أننا نقاتل "في سبيل الله"، ولكي نبلغ هذه الغاية الأخيرة رسمت لنا النصوص أهدافًا كثيرة وسيطة هي: أ- إيقاف بأس الكافرين، وكسر قوتهم العدوانية: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٤. ب- منع الفساد والفوضى أن ينتشرا في الأرض: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ ٥.

стр. 355

جـ- إنقاذ المؤسسات الدينية من أن تهدم: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ ١. د- وأخيرًا معاقبة المعتدين، وكشف الكرب عن المؤمنين: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ ٢. وهذا هو كل ما وجدناه مرجعًا للجزاءات الطبيعية٣. "= ٢ أو١٢ ب".

стр. 356

وها نحن أولاء نجد أنفسنا بعيدين عن مستوى الحسن الأخلاقي الذي هو غاية في ذاته، حيث كانت الواجبات تمتدح وتقدر تبعًا لطبيعتها الخاصة، وحين تدخلت المشاعر الدينية بعد ذلك لتحفز من جانبها إلى إيقاظ هذا الحس كنا لا نزال في مجال عناصر تنتمي إلى أسرة واحدة. أما الآن فإن لنا شأنًا مع طرف ثالث ليس من الأسرة، وحاشاه أن يكون البحث عن اللذة، أو الطمع في الكسب، أو تدبيرًا ماهرًا لإجراءات محترسة لمداراة الرذائل. ولكنه العقل الرشيد العملي، وغريزة المحافظة على النفس، وشعور مشروع بحب الذات، واهتمام طيب بخلق روابط من الصداقة المتبادلة بين الناس. ومع ذلك. فسواء أكان هذا عامًّا أم فرديًّا، مشروعًا أو حتى جديرًا بالثناء -أوَليس هو دائمًا المنفعة التي لا شك فيها، تدافع -هذه المرة- عن قضية القانون الأخلاقي؟ فهل يخصص القرآن -حينئذ- جانبًا، ولو صغيرًا، للأخلاق السوقية، حتى ما كان منها -على هذا النحو- نقيًّا بريئًا؟ ولنتذكر هنا الفرق الذي ذكرناه في مستهل هذا الفصل، ما بين إخبار بوجوب استعمال العقل، وبين هدف مقترح للإرادة، ولسوف تكون لدينا فرصة التوسع في دراسة هذا الفرق في الفصل التالي.

стр. 357

ولكن لماذا نصر على إحداث هذه التفرقة الأساسية للضمير الإنساني الذي لا يقبل الانفصام؟ إنني أفهم جيدًا أن من الواجب عليَّ، عند اصطدام الواجب بالمنفعة، أن أضحي لأجل الأمر العلوي لواجبي، لا برغباتي فحسب، بل بغرائزي الأولية، بما في ذلك حياتي. ولكن، حين لا يكون اصطدام، أيمكن ألا يبالي المرء حقًّا بذاته؛ أن يتأفف من مقتضيات فطرته العميقة. إن الحكيم الرواقي لا يجد بدًّا من الاعتراف بأنه إذا لم يكن هذا بالنسبة إليه ضرورة، فإنه على الأقل ترجيح وتفصيل. ومع ذلك فهل يمكن لأحد أن يتأثر بروح الزهد أكثر من المسيح؟ ألم يبتعد عن المكان حين عرف أن الفريسيين تشاوروا عليه لكي يهلكوه؟ ... ١ وحين أحس بالخيانة تقترب ألم يلجأ إلى الله، يدعوه أن يجنبه هذه الكأس, "وقال: يا أبا الآب، كل شيء مستطاع لك، فأجز عني هذه الكأس، ولكن ليكن، لا ما أريد أنا، بل ما تريد أنت"؟ ٢. عندما أرى الغريزة والذكاء، الإيمان والعقل، واجبي ومصلحتي -كل ذلك يتجه نحو نقطة واحدة، وعندما أسمع من كل جوانحي نفس الصيحة، نفس النداء، نفس الأمر, فهل من حقي أن أقول -مفتخرًا-: إني لم أستجب إلا لصوت وحيد، وإني لم أتحرك إلا بدافع الواجب وحده، وإن العوامل الأخرى لم تؤد أي دور، أساسي أو ثانوي، في قراري؟ كيف أتحقق من هذا؟ ألم يعترف الفيلسوف "كانت" هو أيضًا، بالرغم من طابع مذهبه المتشدد لشخص الإنسان بحق الدفاع عن نفسه باعتبار أنه حق لا يمكن انتهاكه, لا بوساطة الغير، ولا بوساطة الإنسان نفسه؟

стр. 358

وعليه، فمتى ما حُدِّد للإرادة موضوع، وبمجرد أن يتضمن الشكل موضوعًا طيبًا -يصبح من العسير أن نفصل الشكل عن الموضوع، أو نخفي الموضوع عن رؤية العقل. وهل لجهد الإرادة تلك القدرة السحرية على أن يمحو ذكرياتنا بضربة واحدة، وهل بوسعه أن يطفئ أنوار عقولنا بنفخة واحدة؟ إن علينا أن نركز انتباهنا على الغلاف: فإذا تحققنا أن محتواه ثمين فسيزيد ذلك لا محالة من وزنه، وسيغلي من قيمته، ولسوف يشق في النهاية القشرة ليلمس إدراكنا وحساسيتنا. وحينئذ لن نستطيع أبدًا أن نمنع هذا العنصر الجديد من أن ينشئ لنا، لا أقول: هدفًا آخر نسعى إليه، أو سيدًا آخر نخدمه، فتلك تكون ردة عن الواجب، وإنما هو ينشئ لنا تكملة من القوة والحماس في سيرنا المنتصر، إلى نفس الهدف، ولن يعود الواجب آنذاك محترمًا فحسب، بل سوف يكون هوانا الذي يمتزج بدمنا. أليس تطلب النزاهة الكلية في مجال ضروراتنا الجوهرية -إنكارًا لضعفنا الإنساني؟ لقد وصم "بسكال"١ هذا الغرور وندد به تنديدًا كافيًا. إننا لا ننكر إمكان موقف كهذا بالنسبة إلى بعض المتميزين في قمة تقدمهم،

стр. 359

ولكن هل يكون منهجًا حكيمًا أن ندعو إلى الأخلاق فنبدأ بقطع قنطرتها خلف الأبطال، بقطع الأسباب بين المرء وماضيه، وبذلك لا ندع للإنسانية سوى يأس مطلق؟ وكيف تقنع بالواجب إنسانًا مستغرقًا في شئونه، أو آخر مستسلمًا لشهواته، إذا كنت تطلب منه أن ينقطع تمامًا عن ماضيه كله على صورة تحول عنيف، وأن يخضع نفسه لقاعدة جافة لم يدرك بعد ملاءمتها؟ وإذا كنت فضلًا عن ذلك تعمد إلى منعه من أن يلقي نظرة واحدة على أي شيء من شأنه أن يسوغ في نظره أمرك إياه، وإلا أصبح عديم الأخلاق، فأية نتيجة يمكن أن تحصل عليها من هذه التربية، إن لم تكن أن تفقد تلميذك كل ثقة بنفسه، وإلى الأبد؟ ألم يكن أكثر تعقلًا وإنسانية، لكي تلقن تلميذك أوليات الحياة الأخلاقية، أن تبدأ بوضع نفسك مكانه، وتنظر من الزاوية التي ينظر منها؟ وأن تحاول أن تعطيه بدل ما تريد أن تسحبه منه، وأن تريه أن طريق الواجب هي في الوقت نفسه طريق الذكاء، والذوق الحسن، طريق الأمن، والمجد؟ إنه كلما عرف بطريقة أفضل فائدة الاستقامة، شيئًا فشيئًا، وكلما استبدل بفورة العاطفة اتزان العقل، فلسوف يتسنى له أن يتذوق حلاوة الخير، وسحر الفضيلة، وعظمة البطولة. ولسوف تتخلق بالتدريج في نفسه مواءمة مع الخير، نوع من التماثل بين إرادته والقاعدة الأخلاقية. وربما استطاع عند بلوغ هذا الحد أن ينفصل تمامًا عن كل مؤثر أجنبي، كيما يستسلم استسلامًا كاملًا للواجب من أجل الواجب, دون أن تقلقه عواطفه الذاتية, أو يؤثر عليه ما قد تدخره له تصاريف الطبيعة من نجاح أو إخفاق. لقد اضطر إلى الاعتراف بهذه الطريقة في تصور التربية الأخلاقية أعظم الفلاسفة الغربيين تشددًا بين المحدثين منهم ونعني به "كانت"، فكتب يقول: "لقد يكون من المفيد أن نربط هذا

стр. 360

التوقع لحياة سعيدة ورغدة بذلك الدافع العلوي: "أن يحترم المرء القانون، وأن يحترم ذاته" ... ولكن ذلك فقط لموازنة المغريات التي لا تفتأ الحياة تخادعنا بها على الجانب الآخر، لا من أجل أن نضع فيه القدرة المحركة بالمعنى الصحيح ... "١. ونقرأ بعد ذلك في نفس الكتاب: "بيد أن هذا الفصل لمبدأ السعادة عن مبدأ الحس الأخلاقي ليس من باب التعارض، والعقل العملي الخالص لا يرى أن يتخلى المرء عن كل دعاوي السعادة، بل ربما كان واجبًا في بعض المجالات أن يهتم المرء بسعادته؛ لأن السعادة تقدم له من ناحية وسائل أداء واجبه، ولأن الحرمان من السعادة, من ناحية أخرى -"في حالة الفقر مثلًا"- يجلب معه إلى الإنسان إغراءات بانتهاك واجبه. على أن يكون مفهومًا أن عمل المرء لسعادته فحسب، لا يمكن أن يكون واجبًا، أبدًا، وأقل من ذلك أن نجعل منه مبدأ كل واجب"٢. وقال بطريقة أكثر صراحة: "لا شك أن أحدًا لا يستطيع أن ينكر أنه لكي نقود عقلًا مجدبًا، أو حتى فاسدًا إلى طريق الخير الأخلاقي -فإننا نحتاج إلى بعض التدريبات الإعدادية لترغيبه عن طريق ما يحقق من نفع ذاتي، أو ترهيبه بالخوف من بعض الخسائر. ولكن متى ما حققت هذه الآلية "الميكانيكية" وهذا الانقياد، بعض الآثار فيجب أن نقدم إلى النفس المبدأ الأخلاقي في صورته المحضة، أي: في صورة الالتزام بالواجب٣. وهكذا تستهل الحياة الأخلاقية بإدخال العنصرالمثالي، "المثل الأعلى"،

стр. 361

في مجال كان من قبل محتلًّا بالعنصر الطبيعي، والحق أن هذا المثل الأعلى يسعى دائمًا إلى أن يكسب أرضًا، ويختلس فيها مكان شاغلها الأول. فهو لا يكف عن المطالبة بوجوب أن يكون سيد الضمير الأوحد، وأنه لا يريد أي اختلاط أو التباس به، ولكن أهذا ممكن؟ وهل له حق فيه؟ وهل يصل إليه؟ كل ذلك خارج عن المسألة التي تشغلنا الآن، أعني أنه على الرغم من كل شيء، فإن أمر الطبيعة، مستقلًّا عن نوايانا، يختلط غالبًا بقضايانا الأخلاقية، شئنا أو لم نشأ، وهو يقاومها، ويستخرج منها نتائج، لا تفتأ تمس أعماقنا قليلًا أو كثيرًا. وتلكم هي الحقيقة الفعلية التي حرص القرآن على إبرازها بالأمثلة العديدة التي ذكرناها آنفًا، وكما يروى عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: "إن للحسنة لنورًا في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لسوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق"١.

стр. 362

النتائج غير الطبيعية "أو الجزاء الإلهي ": بيد أن الجزاءات الطبيعية ليست شاملة وعامة، وليس بلازم أن نذهب إلى حد القول دون تحفظ مع فيكتور كوزان VICTOR COUSIN بأن: "الفضيلة والسعادة من جانب، والشقاء والرذيلة من جانب آخر، على توافق ضروري، لا في نظر الضمير فحسب، بل على مسرح الحياة والتاريخ، فليس هناك عمل، أو فكرة، أو رغبة، أو شعور مرذول، إلا وينال عقابه، آجلًا أو عاجلًا، وبطريقة مباشرة على الدوام تقريبًا، وبمعياره الدقيق، والعكس صحيح في

стр. 363

كل عمل، أو فكرة، أو قرار، أو شعور فاضل، فكل تضحية تستتبع مكافأتها"١، كما أننا لا نريد أن نذهب مع تيودور جوفروي TH. JOUFFROY في قوله: "عندما نبتعد -متذرعين بحريتنا- عن السعي إلى غايتنا الحقة فإننا لا نفتأ نرد إليها بفضل العقوبات التي يفرضها النظام الطبيعي للأشياء، وهو النظام الذي دعينا إلى أن نعيش في كنفه، فهو يفرض عقوباته على من يترك طريقه، ليسلك طريقًا ليست له"٢. كلا ... لسنا ملزمين بالمضي مع هذين الرأيين، فإذا كان قانون الطبيعة المادية، أو الاجتماعية، قد استطاع أن يضع جزاء لبعض الواجبات في صورة سعادة ملائمة، وأن يجازي الوحدة بالقوة، والإخلاص بالتقدير، كما يجازي بعض الانحرافات، كالسكر، والفسق، بما هي قمينة به من بؤس، فليست كل الفضائل، والرذائل بواجدة حسابها مسوى في النظام الطبيعي للأشياء ... وهيهات. ولقد كان "كانت" على حق حين أعلن أنه ليس بين الفضيلة والسعادة ارتباط تحليلي، شريطة ألا يقصد بالسعادة تلك المسرة الخاصة المتصلة بالممارسة الأخلاقية، والتي قال عنها أرسطو: "إنها تنضاف إلى الفعل كما تنضاف إلى الشباب نضرته" وإنما يقصد بها المتع اللاحقة، المنفصلة عن الفعل، والمختلفة عنه من حيث طبيعتها. وإنا لنمضي إلى ما هو أبعد من "كانت" فإن هذا الفيلسوف العظيم، حين لم ير أن هذا الارتباط يوجد لاحقًا في التجربة الراهنة، جعل منه مبدأ مسلمًا للقانون الأخلاقي، واجب الوجود في عالم مقبل، تتوافق فيه

стр. 364

قوانين الطبيعة مع قوانين الإحسان الإلهي. وموجز رأيه: أن هذا الرباط رباط تركيبي مسبق. أما نحن، فنرى أنها علاقة تركيبية فعلًا، ولكنها ليست مسبقة. ذلك أننا -إذا نحينا التعاليم الدينية جانبًا- نتصور أي قانون أخلاقي قانونًا كامل العدالة، يستهدف في كل ما يمنحه أشياعه من مكافآت -أن يكسبهم ما يستحقون من الاحترام، والكرامة، وهو في كلمة واحدة: يمنحهم أجرهم، دون أن يتيح لهم وجودًا بعد الموت، بل دون أن يضمن لهم حياة دائمة السعادة. فهذه الأفكار كلها غريبة تمامًا عن فكرة القانون الأخلاقي، العقلية المحضة، وهي أيضًا غريبة أكثر من ذلك عن أخلاق شكلية بدأت بتقسيم الإنسان إلى قسمين، متعاديين على سبيل الإطلاق. فإذا كنا قد أبعدنا الجانب الحسي من المجال الأخلاقي بلا أدنى شفقة، فباسم أي مبدأ نسمح لأنفسنا في النهاية أن نشفق على مصيره؟ ولماذا ندخله من الشباك بعد أن طردناه من الباب، ثم نمنحه حق الإقامة المشروعة؟ فإذا ما أصر بعض الناس مدعيًا أن فوق هذه العدالة التي تتم داخل القانون الأخلاقي عدالة أخرى أعلى درجة، تجعل نظامي الإرادة والحس متناظرين، فإننا نستطيع أن نقبل ذلك إذا لزم الأمر، دون أن يعني ذلك قبول تلك المسلمات القائلة بارتباط العمل الأخلاقي بحياة ثانية، وسعادة مستقبلة. فالعملية من أبسط الأمور، وما علينا إلا أن نقلب صيغة هذا التتابع لنجد أنفسنا مكتفين بما نؤدي من واجب. أفننتظر أن يكافئنا المجتمع على أمانتنا في الأداء العادي لواجباتنا نحوه؟ أو لسنا مدينين له بأكثر مما هو مدين به لنا؟ إذن، فماذا نقول عن خالق الكون الذي يدين له الأفراد، والمجتمعات بكل شيء؟ من منا لم ينل مقدمًا من يد الله: وجوده، وقدراته، وطاقاته، وإمكاناته،

стр. 365

ونعمه المادية والروحية؟ ولكن ألم يكن من الواجب حينئذ، بدلًا من أن نطمح إلى ثواب، أن نبتغي بسلوكنا الطيب أن يكون وفاء لدين، وشاهد عرفان بتلك النعم التي لا تحصى، والتي أنعم الخالق بها علينا، حتى من قبل أن نسأله إياها؟ وهكذا نجد أن كل رد فعل مستقبل، لا ينتج طبيعيًّا وتلقائيًّا؛ من طريقتنا في العمل -لا يمكن أن نقيم عليه برهانًا، أو أن نفرضه مقدمًا على أنه بدهي في ذاته، أو على أنه ضروري لإثبات الحقيقة الأخلاقية، وأقصى ما يمكن أن يبلغه هذا التعليل المسبق إذا ما طبق على فكرة العقاب أن تكون له بعض الصحة، وربما استعمله القرآن بهذه المناسبة أحيانًا. وإنه لحق -في الواقع- أن المذنبين الذين يشعرون الآن بأنهم سعداء لن يظلوا دون عقوبة أبدًا، فإما أن يكون الخلق عبثًا، وإما أن تكون هنالك بكل تأكيد "رجعة" للعدالة: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ١, ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ٢. بيد أنه لما كانت فكرة السعادة المستقبلة غير ذات ارتباط داخلي بفكرة الفضيلة، ولما لم يكن هناك مبدأ عقلي يحتم توافقهما، فإنهما منفصلان في عقولنا، ولسوف يظلان كذلك طالما لم يتدخل مشرع حر، إنساني أو علوي، بمبادرته الذاتية؛ كيما يوفق بينهما، ويقر ما بينهما التركيب المراد. ومع ذلك, إن الأخلاق القرآنية كسائر الأخلاقيات الدينية -لم تقع في هذا التناقض الفلسفي، الذي يعزل عزلًا مطلقًا العنصر الأخلاقي عن العنصر الحسي، ثم يعود بعد ذلك إلى التوفيق بينهما ولكن متأخرًا جدًّا.

стр. 366

إنها أخلاق تتصور الإنسان، من أول لحظة، في كيانه المتكامل، الذي لا يتوقف فيه القلب والعقل عن التعاون مع الإرادة. وهذه الأخلاق ترى فضلًا عن ذلك أن خلود النفس، ووجود الله ليسا من الفروض المسلمة، بل هما نقطة انطلاق. إنهما عقيدتان أساسيتان في ذاتهما أولًا، وتؤسسان بدورهما نظام الجزاءات. إن إله القرآن وجميع الكتب المنزلة ليس خالقًا ومشرعًا فحسب، وإنما هو في الوقت نفسه مكافئ عادل. وإذن فمن الواضح الجلي أن مثل هذه المفاهيم يجد فيها التفكير في أشكال الجزاء نموًّا أكثر تماسكًا، كما أنها تقدم إليه إجابات دقيقة لمختلف المقتضيات والمطالب. فإذا كان الإنسان الذي يستسلم لأفعاله بأكملها يتحمل نتائجها بأكملها، فأي شيء أكثر عدلًا من هذا؟ ومن ناحية أخرى, نجد أن الفعل الإرادي الذي أقر الله -سبحانه- به شريعة الواجب، يسير في نفس الفكرة الإلهية مع الفعل الذي وضع الله به المبدأ العام للمجازاة، جنبًا إلى جنب، واقرأ إن شئت قوله ﵎: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ١. بل إن هذا الارتباط بين الفضيلة والسعادة، وبين الرذيلة والعقوبة، وهذا الفصل بين الأبرار والأشرار، والذي بدا هنا كواقع، أو كوعد، أو كأمر تنفيذي، يأتي أحيانًا كنتيجة ضرورية لحجة استنباطية، نابعة من مفهوم

стр. 367

"أو مبدأ" إله حكيم، عدل؛ يقول القرآن: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ٢, ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون﴾ ٣. ومن الطبيعي أن هذا الاستنباط، لكي يكون ضروريًّا، يجب أن يقتصر على الفكرة العامة للمجازاة، وألا يزعم أنه يحدد أشكالها. أمن الممكن -مثلًا- وضع علاقة عقلية بين العمل الوقتي للإرادة الإنسانية، أو حتى الجهد الدائم في هذه الحياة الفانية، وبين مكافأة باقية في حياة خالدة؟ ٤. ولكن، إذا كانت مكافأة كهذه ليست، ولا يمكن أن تكون نظيرًا لأعمالنا -إذا نظرنا إليها في ذاتها- فإنها منذئذ تصبح موضوعًا لوعد، أو التزام. هي العوض في عقد مبرم بين الله والإنسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة﴾ ٥، بشرط أن تبلغ أعمالنا -على الأقل- قدر الأعمال العظيمة، وأن تكون طاهرة، غير

стр. 368

ناقصة، وأن تستوفي -في جملتها- الشروط المطلوبة، حتى يتقبلها الله، وهو ما يستحيل، في الحالة التي نحن عليها، أن نحكم به على يقين. وفَسِّرْ لنفسك بهذه الألوان والظلال حالة التباين الظاهري بين القول النبوي، الذي يرى أن قبول الصالحين في الجنة ليس إلا منحة من فضل الله، وهو قوله ﷺ فيما روي عن أبي هريرة, ﵁: "لن يُدْخِلَ أحدًا عملُه الجنةَ"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة" ١, وبين الأقوال القرآنية التي تتحدث عن ذلك الميراث السماوي، باعتباره ثمنًا مترتبًا على أعمالنا من مثل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢، وقوله: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٣.

стр. 369

الجزاء الإلهي مدخل ... ٤- الجزاء الإلهي: طبيعة الجزاء الإلهي، وأشكاله: لقد آن لنا أن نسأل أنفسنا عن طبيعة الجزاء الإلهي ومجاله، على ما وصفه القرآن. فعلى حين تجعل التوراة السعادة الموعودة في طيبات هذا العالم، ويحصرها الإنجيل تقريبًا في السماء، نجد أن القرآن -كما سبق أن وضحنا- يريد أن يجمع هذين المفهومين، وأن يوفق بينهما. والحق، أن الأمر بالنسبة إلى القرآن أمر مصالحة وتوفيق، فهو يريد أن يثبت في وحدتهما الأولية عنصرين متكاملين لواقع واحد، عمل الشراح

стр. 370

الكتابيون بصورة ما على شطره، حين ألح كل فريق من جانبه، إلحاحًا شديدًا على الجانب الذي تركه الآخر في كنف الغموض. ومع ذلك، فلو كان الأمر أمر توفيق أو مصالحة فقط لما نهض هذا الجمع بين النظامين مطلقًا بتفسير النظام القرآني؛ لأن مبدأ هذا التركيب حين وضع، زاد القرآن في تحديده وأثراه، حين أدخل فيه كثيرًا من العناصر الجديدة. ولنذكر أولًا الآيات التي يكتفي القرآن فيها بإقرار هذا المبدأ على وجه الإيجاز، إنه يعلن أن الجزاء الإلهي -دون أن يحدد طبيعته- سوف يحدث في موعدين، يستوي في ذلك الصالحون، والطالحون؛ وفي الصالحين يقول الله سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ١، وفي الطالحين يقول سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٢. ولئن كانت الآيات التي أشرنا إليها آنفًا لا تحدد طبيعة الجزاء الإلهي، فإن النصوص في مواضع أخرى تحدثنا عن طبيعته على نحو يتفاوت في تفاصيله. ومع أنه يشق في بعض الحالات أن نقرر عن أي الحياتين يتحدث، في مثل قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ٣ -فلسوف نحاول أن نبحث على حدة كلاًّ من لحظتي هذا الجزاء الإلهي: في العاجلة، وفي الحياة الأخرى الآجلة.

стр. 371

أ- الجزاء الإلهي في العاجلة: هذا الوعد بالجزاء الإلهي هو في جانب كبير منه ذو طابع أخلاقي: عقلي أو روحي، فالطابع المادي الخالص يمثل هنا، على نقيض المنهج العبراني، نسبة تافهة، إن لم يكن كمية سلبية، وسنرى الآن أي اعتدال يتفرد به القرآن وهو يعبر عن هذا النوع من الخير العاجل. ١- الجانب المادي: والموضع الوحيد الذي ينشئ وعدًا ببعض الخير العاجل -فيما عدا العبارات الموجزة التي ذكرناها آنفًا، والتي تعلن ببساطة أن الفضيلة سوف تحصل على نصيب من ثوابها في هذه الحياة، وعلى جزء آخر "وهو الأفضل" فيما بعد -فيما عدا هذا فإن الموضع الوحيد الذي يحتوي في الظاهر عنصرًا ماديًّا قد جاء على هذا النحو في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ١ "= ١ ب". والقول الثاني في نفس السورة أقل من هذا تحديدًا -أعني تضمنًا للجانب المادي، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ ٢.

стр. 372

وفي آية أخرى لا يشتمل التعبير على معنى وحيد، إذ قد يكون له تأويل يحمل عليه، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ ١، فقد يكون معناه: "يجد في الأرض حرية ورخاء"، وقد يكون معناه: "يجد في الأرض منجاة من أعدائه، ويؤدي عمله في أوسع مجال"، وهذا التفسير الأخير يتفق مع السياق: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ... ﴾ ٢. وإنا لنلمح نفس الغموض في العبارة التي تعد هؤلاء المهاجرين بقوله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ ٣. وفكرة الخير الموعود في هذه الحياة لأهل الخير هي فكرة أكثر عمومًا، فالحق سبحانه يقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ ٤. وأخيرًا ترتدي السعادة المعلنة صفة سلبية شاملة، في ذلك الخطاب للكافرين: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ ٥. أما بقية النصوص فليست وعودًا، ولا إنذارات مباشرة، ولكنها أنباء تاريخية، قديمة أو معاصرة للوحي، تفسرها علاقاتها بالأحداث الأخلاقية، وأكثر النصوص تلح بخاصة على الجانب العقابي أو السالب من الجزاء. فبلد معين، أو مجموعة معينة كانت تعيش في بحبوحة، تجد نفسها في أمن ودعة، حتى ذلك اليوم الذي توعدها الله فيه بالرعب والمسغبة، فضربها الله بمصيبة تهلك حرثها وثمراتها، وتنزف منابعها.

стр. 373

وفي بعض الآيات ينسب القرآن هذا البلاء، وهذا التحول في المصير -إلى نقص الإيمان بالله، وجحود فضله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ١، ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ ٢. وفي مواضع أخرى يفسر القرآن ذلك التحول في المصير إما لفرط الطمأنينة التي يحس بها الناس تجاه مستقبلهم "ناسين قدرة الله"، وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ ... ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ٣، وإما أن يكون العقاب بسبب إخلال الناس بواجباتهم الاجتماعية، وعدم إحساسهم ببؤس إخوانهم، مثل قوله تعالى: ﴿ ... إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ ... ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ .... ﴿أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ ... ﴿كَذَلِكَ الْعَذَاب﴾ ٤. وجملة القول أن القرآن يفسر التحول بالكبائر الإنسانية: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ ٥, ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ٦, ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ٧.

стр. 374

وأخيرًا: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا، لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ ١. وهذا النص الأخير -فضلًا عن ذلك- لا يقدم هذا الإحسان الموعود على أنه مكافأة، بل هو اختبار وفتنة. ففي الحالات الشديدة الخطر يدفع المتمردون من حياتهم، لا من أموالهم، أما حالة الفساد العام فإن الله سبحانه يقابلها بتدمير الشعب كله وإهلاكه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ ٢, ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ ٣. وهذا طبعًا باستثناء أولئك الذين يبرهنون على إحسانهم وطاعتهم، فهؤلاء ينجيهم الله من وقع ضرباته: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ ... ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَر﴾ ٤, ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين﴾ ٥. وهكذا يستخدم القرآن بلا توقف تاريخ الأمم القديمة العاصية، حتى يكون لدى الظالمين الذين يخلفونهم على الأرض مثل أسلافهم، متمثلًا دائمًا في أذهانهم، ولا سيما الكافرين على عهد النبي ﷺ الذين لم يكونوا خيرًا ولا أشد قوة من الأقدمين: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ ٦،

стр. 375

بل على العكس: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ١. وإذن، فالخونة جميعًا عرضة للمؤاخذة، تؤهلهم ذنوبهم لأن يعاقبوا بقسوة، وليس في طاقة أحد أن يؤمن العصاة من أن تحل بهم مصيبة، في البر أو في البحر، على حين غفلة: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ ... ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٢, أو تصيبهم قارعة وهم نائمون، أو وهم يلعبون: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ، أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ ٣، أو يكون ذلك خلال سفرهم: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِين﴾ ٤، أو يكون صاعقة سماوية: ﴿يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ ٥، أو خسفًا: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ ٦, أو بأية وسيلة أخرى لا يعلمونها: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٧, وعلى كل حال فسيان أن يكون ذلك إهلاكًا شاملًا عاجلًا، أو إفناء بطيئًا: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّف﴾ ٨. ومن الواضح في كل ذلك أن الأمر لا يتصل مطلقًا بعقوبة مقدرة بقدرها، بل بدرس يستخلص من التاريخ الإنساني، ومن القانون الكوني، فالمهم هو إثارة الانتباه لدى الأغنياء والأقوياء، ليروا أن أمنهم وترفهم بمكان من الوهم والبطلان.

стр. 376

ب- عنصر يتصل بأتييد جماعة المؤمنين: هنالك فوق الحياة البدنية والمادية المحضة مجال آخر تعز فيه الهموم على الناس وتغلو، أعني: مجال مصير مثلهم العليا، ومجال مشاعرهم الجماعية، وبهذا الملحظ نجد أن الوعود على العكس أكثر عددًا، ومباشرة، وصراحة. فقد حدث أثناء المعارضة الضارية التي هبت ضد النبي وصحابته أن تحالف الكفار والمنافقون، فلم يكتف القرآن بأن ساق إلى المؤمنين هذا العزاء الذي يقول لهم: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ١، ولم يقتصر على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢، ولكن يعدهم بتأييده الإيجابي: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِين﴾ ٣، ﴿مَعَ الْمُتَّقِين﴾ ٤، ﴿مَعَ الصَّابِرِين﴾ ٥، وهو ﴿وَلِيُّ الْمُؤْمِنِين﴾ ٦، و ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٧، ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى﴾ ٨. وإذا كانت القدرة مما تفرد به الله، فإنه يعطي بعضها لأوليائه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٩، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُون﴾ ١٠، والله سبحانه يتيح لهذا الحزب المساعدة والنصر: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيب﴾ ١١، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُه﴾ ١٢، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ

стр. 377

وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ١, ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين﴾ ٢، ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٣، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ ٤، ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥. أما خصومهم فعلى العكس من ذلك مسوقون إلى الهزيمة، وإلى العذاب: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ٦، وهم موعودون بالذل: ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّين﴾ ٧، مشمولون بالخزي: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ ٨، ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٩، ولسوف تحطم قوتهم: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ ١٠، ولا ريب: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ١١، ولكن: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ ١٢، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ

стр. 378

بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ١, ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ٢. ويمضي أحد النصوص في هذه الطريقة إلى أقصى غاية، فإن الأفق الذي يفتحه أمام المؤمنين الصالحين لا يقتصر على انتصار قضيتهم العادلة، وانتصارالذائدين عنها، وإنما هو الحكم في هذه الدنيا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ ٣. وإنا لنعلم أن ذلك كان خلال عدة قرون، ولكنه يبقى ما بقيت شروطه متحققة، فإذا كان بعض الأمور قد اختلف، فإنما قد كان طبقًا لنفس القانون؛ لأن من المكتوب الإلهي: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ٤. وأهم الفضائل المطلوبة لأهلية الحكم الفضيلة الاجتماعية، فمن المشاهد أن حكمًا علمانيًّا يمكن أن يستمر ويزدهر بالاتحاد والعدالة أكثر من حكم أدعياء الإيمان، إذا ما ركنوا إلى الأخلاق المنحلة، وإلى الفوضى والعصيان، ولقد أعلن القرآن هذه الحقيقة في قوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ ٥. فهذه فيما يتعلق بالجانب الجماعي "= ٤ أو٣١ ب".

стр. 379

جـ- "الجانب العقلي والأخلاقي": بيد أن الجزاء الإلهي لا يتوقف عند هذا الحد، فهو لا يقتصر على تثبيت أقدام المؤمنين أمام عقبات الحياة المادية، أو إشباع مطامحهم الجماعية إلى السلام والرفعة، وإنما هو يتعمق أكثر، حتى يصل إلى أعمق ملكاتنا، وأكثرها رقيًّا، ليصبح بذلك مكملًا ضروريًّا للجزاء الأخلاقي الحق. والواقع أننا عندما قلنا آنفًا: إن الخير ينير النفس، ويزكي القلب، ويقوي الإرادة الخيرة، وإن الشر يدنس, ويعمي، ويفسد -فقد كانت تلك إشارة إلى اتجاه، أكثر منه واقعًا، وإلى نواة، أكثر منها كائنًا مصورًا، وإلى مرحلة أولى في تاريخ طويل، وإلى حالة نشأت حافلة بإمكانات عديدة، قابلة للإيقاف، والتحول، للتقدم والنكوص، إلى ما لا نهاية. ولكي نضع هذه الحالة الناشئة على إحدى الطرق المفتوحة أمامها يلزمنا مبدأ فعال، قادر على توجيهها في هذا الاتجاه أو ذاك. وإذن ... فهاكم ذلكم المبدأ الفعال!! إن خالق الفطرة ذاته هو الذي أوجب على نفسه هنا أن يهدي هذه الفطرة إلى الغاية التي تتجه إليها. فالله سبحانه سوف يرشد أولئك الذين يعملون له -إلى الطرق التي تهدي إليه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ١، وسوف يهدي قلوب الذين يؤمنون به: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ٢, وسوف يبدد ظلماتهم، ويوصلهم إلى النور: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٣.

стр. 380

وسوف يرشدهم إلى الطريق المستقيمة: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ١. والذين يلزمون الصدق والاستقامة في أقوالهم يصلح الله لهم نقائص أفعالهم: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ ٢. والذين يراعون أوامره على تقوى سوف يمنحهم القوة على تمييز الحق من الباطل، والخير من الشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ ٣. وسوف يقدم إليهم نورًا هاديًا: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِه﴾ ٤. وسوف يصلح نوايا الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُم﴾ ٥. والذين اختاروا الاتجاه الحميد "أو يعملون على أن يتجهوا وجهة الخير" -سوف يزيدهم الله نورًا، ويهدي خطاهم على دروب مستقيمة: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ ٦. وهو ينزل في قلوبهم الطمأنينة التي لا قلق معها، كيما يدعم إيمانهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ٧. أما الكافرون، الظالمون، المتكبرون، المعتدون، الجاحدون، المرتابون، المستبدون، الكاذبون، الحانثون، المفرطون، المنحرفون، وكل أولئك الذين اختاروا نهائيًّا أن يكونوا ضد الشرع -فإن الله سبحانه لا يقتصر على عدم هدايتهم، وهو القائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ

стр. 381

اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. بل إنه يبقي على ضلالهم، ويزيده: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِين﴾ ٢، وهو يقسي قلوبهم: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ ٣، ويختم على قلوبهم وآذانهم وأعينهم: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٤. وهو يصمهم ويعميهم: ﴿فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ ٥، ويزيد مرضهم: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ ٦، ويطيل زمن ضلالهم وعماهم: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ٧، ويصيبهم بالنفاق: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِم﴾ ٨، وينسيهم أنفسهم حين نسوا الله: ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ٩، ويتركهم للشيطان: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ ١٠، ويقودهم في الظلمات: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ١١. ولكن الظالمين ليسوا وحدهم الذين يلقون هذا الإذلال، فالمؤمنون أنفسهم يجب أن يذكروا أن نورهم وإلهامهم ليسا سوى هبة من فضل الله، يمكن أن تسحب، إذا ما غيروا موقفهم: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ١٢، وهكذا تبلغ النصوص التي تصور هذه الحالة من ردود الفعل الأخلاقية العاجلة "= ٢٣ أو٤٠ ب ".

стр. 382

د- الجانب الروحي: وفي الجزاء الإلهي العاجل عنصر أخير، يتمثل في التعديل الذي تحتمه أفعالنا في علاقاتنا مع الله. وليس ما يهمنا الآن هو هذه العلاقة الخارجية على نحو ما، علاقة المشرع بالمشرع له، أو علاقة القاضي بالمقضى فيه، وهي العلاقة التي تتجلى في نوع من إطلاق السراح أو الإدانة، وتتيح لنا أن ننال مكافأة، أو نتعرض لعقاب، وإنما يهمنا علاقة أخرى أكثر عمقًا، وخصوصية، كل ما عداها ليس إلا رمزًا تختلف درجة كماله، هذه العلاقة، حتى في حالة عدم وجود أي تعبير إيجابي عنها، تحتفظ بكل قيمتها العاطفية، وهي أسبق في الوجود، وفي الأهمية. ذلك أن موقفنا في مواجهة الشريعة يجد إجابته العاجلة عند الله، في قبوله أو رده، قبل أن يحدث أي رد فعل خارجي، فموقفنا هو الذي يجعلنا مرضيين أو مردودين في عينه، وهو الذي يكسبنا أو يفقدنا حبه؛ الشيء الجدير بأن نلتمسه عنده. ولسوف يبرز القرآن الآن هذا الجانب الخاص، ليؤكده من خلال تعبيره الشفاف: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾ ١، ﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٢، ﴿يُحِبُّ الصَّابِرِين﴾ ٣، ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِين﴾ ٤، ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين﴾ ٥، ﴿يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين﴾ ٦، ﴿فَاتَّبِعُونِي

стр. 383

يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ١، ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ٢، ﴿يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ ٣، وهو يذكر من يذكره: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ٤، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٥، والصابرون: ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ٦، و ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٧. ﴿اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّه﴾ ٨ -أو- اتبعوا، ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ ٩. والذين لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أقرباءهم -أولئك ﴿﵃﴾ ١٠. وهو الذي ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ١١. والله مع الذين يخشونه فلا يفعلون الشر: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ١٢, ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى

стр. 384

الصَّالِحِين﴾ ، وهو ﴿وَلِيُّ الْمُتَّقِين﴾ ١. وأخيرًا، فكلما وقف الناس موقفًا يحترم أوامره كسبوا لديه تقديرًا أكثر: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢. ونقيض هذه المذكورات كلها قلما يغيب عن أعيننا، فابتعادنا عن الإيمان أو عن القاعدة يحدث انقطاعًا متفاوت القوة في علاقاتنا بالله، قد يمكن إصلاحه، وقد يعسر. إن الإنسان حينئذ -بدلًا من أن يستحق محبته- يستوجب غضبه، ونقمته، ولعناته، فضلًا عن إجراءات النكال الإيجابي، التي سوف نشرحها حسب تصنيفها: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ ٣، والله ﴿لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ و ﴿لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين﴾ ٤ و ﴿لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ ٥, "وهم أولئك الذين يبدءون الهجوم أو يتمادون في القتال بلا مبرر". و ﴿لا يُحِبُّ الظَّالِمِين﴾ ٦، و ﴿لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين﴾ ٧،

стр. 385

و ﴿لا يُحِبُّ الْخَائِنِين﴾ ١، و ﴿لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِين﴾ ٢، و ﴿لا يُحِبُّ الْكَافِرِين﴾ ٣، ﴿لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ ٤، و ﴿لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم﴾ ٥، و ﴿لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ ٦، ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْر﴾ ٧، و ﴿لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِين﴾ ٨، و ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ ٩. والله يمقت الأقوال تكذبها الأفعال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ ١٠, ﴿وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ ١١، ويزيدهم كذلك مقتًا جدالهم في آيات الله على غير أساس: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا﴾ ١٢. ولكن غضب الله العلي ولعنته ليسا وقفًا على هؤلاء المجادلين المعاندين: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ ١٣. بل إنهما يلحقان المرتدين: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾

стр. 386

﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ ١، ويلحقان الكافرين بعامة: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِم﴾ ٢، وهما أيضًا جزاء القتلة: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ ٣. والناكثين بعهد الله: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ ... ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَة﴾ ٤، والطاعنين في الأعراض المحصنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ... ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ٥، والهاربين يوم الزحف: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ٦، وأدعياء الإيمان الذين يتجاوزون أمتهم، ليبحثوا عن ولاء لهم لدى الكافرين، دون أن يكونوا مضطرين إليه دفاعًا عن أنفسهم -فهؤلاء الأدعياء يقطعون صلتهم بالله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ ٧. فالنصوص المتعلقة بالجزاءات الروحية العاجلة تبلغ في جملتها إذن "= ٢٠ أو٥٨ ب". "قصورالجزاء العاجل": وهكذا نجد -ابتداء من هذه الحياة- إجابة إلهية على طرقنا في العمل، حسنة كانت أو سيئة، وهي إجابة تأتي على المستوى المادي، والعقلي،

стр. 387

والأخلاقي، والروحي، سواء في ذلك الفرد أو الأمة. ولكن هذا كله يبدو في عيني العدالة السماوية غير كاف. أولًا: لأن هذه كلها عينات ومقدمات للعدالة الكلية، فالجزاءات الإلهية التي تبرز لنا في هذا العالم ليست شاملة، ولا كاملة، وهي ليست في ذلك أكثر من الجزاءات الطبيعية، والجزاءات الإنسانية. فإما أنها ليست شاملة فالله يقول: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ١، وأما أنها ليست كاملة، فالله يقول: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة﴾ ٢. وبعد ذلك؛ لأن السعادة وضروب التعاسة مختلطة بعضها ببعض، في هذه الدنيا، فالصالحون يدفعون في الواقع ثمن أخطائهم، حق ما كان منها لممًا، من آلامهم، وما يلقون من عقبات في هذه الدنيا، والله يقول: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ٣، ويقول: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٤، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ٥ -هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى إن أحلك القلوب ظلمة، وأشد النفوس سوادًا لا تعدم أن تفعل بعض الخير، ولقد تكون هذه الأفعال مغرضة، أو عفوية، أعني: غاب فيها الإيمان بسلطة الأمر. ومع ذلك فإن هؤلاء لن يحرموا حرمانًا كاملًا من أجرهم، بل إن لهم على العكس مكافأة مضمونة، تدفع لهم فورًا، من طيبات هذه الدنيا. بحيث تبقى جرائمهم دون مقاصة، تنتظر الفصل يوم الدين، فـ ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ

стр. 388

إِلَّا النَّار وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١، وعليه فلن يبقى من هذا الاختلاط أي أثر ليوم الجزاء، فمتى ما استقر كل معسكر في مقامه الأبدي، فلن يكون هنالك سوى التهنئة الخالصة بالنسبة إلى بعضهم: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ ٢، ﴿وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ ٣، وسوى الفزع الدائم بلا انقطاع للآخرين، بحيث: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ ٤. وأخيرًا؛ لأن ما يحدث لنا من خير وشر خلال حياتنا الدنيا، لا ينبغي أن يتصور على حدة، على أنه ثواب أو تكفير عن أعمالنا التي قمنا بها، بل على أنه ابتلاء، ومحرك لجهدنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ٥. فمن هذا الاعتبار الثلاثي تنبع ضرورة جزاء، لا يقتصر على كونه كاملًا وخالصًا فحسب، ولكن يكون حسابيًّا محضًا، لا وقائيًّا، فهو ثمرة نهائية للجهد، وليس حثًّا على بذل المزيد منه. وهكذا ينبغي أن يقابل هذا العالم الحافل بالتكاليف المتكاثرة دائمًا -عالم من المحاسبات، نتصوره على هذا النحو فحسب. فكيف سلك القرآن ليؤدي هذا التحذير؟ ذلكم هو ما سنمضي في دراسته الآن، حتى نهاية الفصل.

стр. 389

ب- الجزاء الإلهي في الحياة الأخرى: والآيات القرآنية لا تعالج كلها هذه الفكرة بنفس الطريقة، فبعضها لا يعطينا منها سوى فكرة عامة غير محددة، والآخر يمنحها تحديدًا يتفاوت في درجة دقته، وقد يكون سلبيًّا أو إيجابيًّا، ماديًّا، أو روحيًّا. وعلينا إذن أن نميز هنا نماذج عدة: أ- لنذكر أولًا الآيات التي تكتفي -لكي تعين للصالحين والعاصين مصائرهم الخاصة- بذكر الاسم النوعي لمقامهم الأبدي، جنة أو نار١، دون أن تذكر لهما أية تفاصيل: "= ٨٠ أو٥٨ ب".

стр. 390

ب- وفي مجموعة أخرى من الآيات لم يصرح باسم الدار الآخرة، كما أن المصير الذي تعلنه خاصًّا بكلٍّ، قد جاء في صورة تتفاوت في غموضها. فقد أعلن للصالحين: - البشرى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ١. - الأمل والرجاء: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ ٢ - الوعد الحسن: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ . - الفوز: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٤. - الفضل الكبير: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ ٥. - عملهم لا يضيع: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ ٦. - عملهم لا ينكر: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ ٧.
следующие страницы →