← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8665

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (841 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ ١، ويلحقان الكافرين بعامة: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِم﴾ ٢، وهما أيضًا جزاء القتلة: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ ٣. والناكثين بعهد الله: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ ... ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَة﴾ ٤، والطاعنين في الأعراض المحصنة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ... ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ٥، والهاربين يوم الزحف: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ٦، وأدعياء الإيمان الذين يتجاوزون أمتهم، ليبحثوا عن ولاء لهم لدى الكافرين، دون أن يكونوا مضطرين إليه دفاعًا عن أنفسهم -فهؤلاء الأدعياء يقطعون صلتهم بالله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ ٧. فالنصوص المتعلقة بالجزاءات الروحية العاجلة تبلغ في جملتها إذن "= ٢٠ أو٥٨ ب". "قصورالجزاء العاجل": وهكذا نجد -ابتداء من هذه الحياة- إجابة إلهية على طرقنا في العمل، حسنة كانت أو سيئة، وهي إجابة تأتي على المستوى المادي، والعقلي،

стр. 387

والأخلاقي، والروحي، سواء في ذلك الفرد أو الأمة. ولكن هذا كله يبدو في عيني العدالة السماوية غير كاف. أولًا: لأن هذه كلها عينات ومقدمات للعدالة الكلية، فالجزاءات الإلهية التي تبرز لنا في هذا العالم ليست شاملة، ولا كاملة، وهي ليست في ذلك أكثر من الجزاءات الطبيعية، والجزاءات الإنسانية. فإما أنها ليست شاملة فالله يقول: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ١، وأما أنها ليست كاملة، فالله يقول: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة﴾ ٢. وبعد ذلك؛ لأن السعادة وضروب التعاسة مختلطة بعضها ببعض، في هذه الدنيا، فالصالحون يدفعون في الواقع ثمن أخطائهم، حق ما كان منها لممًا، من آلامهم، وما يلقون من عقبات في هذه الدنيا، والله يقول: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ٣، ويقول: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٤، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ٥ -هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى إن أحلك القلوب ظلمة، وأشد النفوس سوادًا لا تعدم أن تفعل بعض الخير، ولقد تكون هذه الأفعال مغرضة، أو عفوية، أعني: غاب فيها الإيمان بسلطة الأمر. ومع ذلك فإن هؤلاء لن يحرموا حرمانًا كاملًا من أجرهم، بل إن لهم على العكس مكافأة مضمونة، تدفع لهم فورًا، من طيبات هذه الدنيا. بحيث تبقى جرائمهم دون مقاصة، تنتظر الفصل يوم الدين، فـ ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ

стр. 388

إِلَّا النَّار وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١، وعليه فلن يبقى من هذا الاختلاط أي أثر ليوم الجزاء، فمتى ما استقر كل معسكر في مقامه الأبدي، فلن يكون هنالك سوى التهنئة الخالصة بالنسبة إلى بعضهم: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ ٢، ﴿وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ ٣، وسوى الفزع الدائم بلا انقطاع للآخرين، بحيث: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ ٤. وأخيرًا؛ لأن ما يحدث لنا من خير وشر خلال حياتنا الدنيا، لا ينبغي أن يتصور على حدة، على أنه ثواب أو تكفير عن أعمالنا التي قمنا بها، بل على أنه ابتلاء، ومحرك لجهدنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ٥. فمن هذا الاعتبار الثلاثي تنبع ضرورة جزاء، لا يقتصر على كونه كاملًا وخالصًا فحسب، ولكن يكون حسابيًّا محضًا، لا وقائيًّا، فهو ثمرة نهائية للجهد، وليس حثًّا على بذل المزيد منه. وهكذا ينبغي أن يقابل هذا العالم الحافل بالتكاليف المتكاثرة دائمًا -عالم من المحاسبات، نتصوره على هذا النحو فحسب. فكيف سلك القرآن ليؤدي هذا التحذير؟ ذلكم هو ما سنمضي في دراسته الآن، حتى نهاية الفصل.

стр. 389

ب- الجزاء الإلهي في الحياة الأخرى: والآيات القرآنية لا تعالج كلها هذه الفكرة بنفس الطريقة، فبعضها لا يعطينا منها سوى فكرة عامة غير محددة، والآخر يمنحها تحديدًا يتفاوت في درجة دقته، وقد يكون سلبيًّا أو إيجابيًّا، ماديًّا، أو روحيًّا. وعلينا إذن أن نميز هنا نماذج عدة: أ- لنذكر أولًا الآيات التي تكتفي -لكي تعين للصالحين والعاصين مصائرهم الخاصة- بذكر الاسم النوعي لمقامهم الأبدي، جنة أو نار١، دون أن تذكر لهما أية تفاصيل: "= ٨٠ أو٥٨ ب".

стр. 390

ب- وفي مجموعة أخرى من الآيات لم يصرح باسم الدار الآخرة، كما أن المصير الذي تعلنه خاصًّا بكلٍّ، قد جاء في صورة تتفاوت في غموضها. فقد أعلن للصالحين: - البشرى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ١. - الأمل والرجاء: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ ٢ - الوعد الحسن: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ . - الفوز: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٤. - الفضل الكبير: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ ٥. - عملهم لا يضيع: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ ٦. - عملهم لا ينكر: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ ٧.

стр. 391

- ولهم على الله أن يشكرهم: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ١. - وهم المفلحون: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ ٢. - ولهم حسن المآب: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ٣. - وهو خير لهم: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّه﴾ ٤. - ولسوف يجد المحسنون ما يقدمون: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٥. - ولسوف يكون عملهم أكثر حسنًا: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ ٦. - ثم يستردونه كاملًا: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ ٧.

стр. 392

- وسيكون مضاعفًا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ ١. - تبعًا لأفضل أعمالهم: ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ ٢. - بل ولهم زيادة عليه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٣. - والله ضامن أجرهم: ﴿وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّه﴾ ٤. - وهو أجر عظيم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ٥. - خير مما فعلوا: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ ٦. - وهو أجر كريم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٧. - لا انقطاع له: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ٨.

стр. 393

- ولهم المقام الشريف المرضي: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ ١. - ولهم عيشة راضية: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَة﴾ ٢. - وهي عيشة النعيم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ ٣. وقد بلغت الوعود بالسعادة على هذا النحو "= ٦٦ أو١٠٠ ب". كذلك نجد أن الوعيد المقابل لهذا الوعود كثيرًا ما يتردد، ولكنه أقل تنوعًا، فإذا لم تكن صيغة الوعيد شديدة الغموض، كقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ٤ -فإنه "الوعيد" ينحصر في القول بأن فاعلي الشر سوف يرد لهم نظيره، فالله سبحانه يدخر للكافرين، والظالمين، والمنافقين، والمستكبرين، والمجرمين, والعاصين بعامة -عقوبة قاسية، وعذابًا أليمًا، مخزيًا، خالدًا "٩٤ أو٦٦ ب"٥.

стр. 394

جـ- ما الجنة، وما الجحيم في المفهوم القرآني؟ وما طبيعة هذا الثواب، وذاك العقاب؟ إننا حتى الآن لا ندري شيئًا عنهما، وقد قدمهما لنا القرآن في الموضوعات السابقة بشكل مزدوج، روحي ومادي، يحتوي تارة طابعًا إيجابيًّا، وتارة طابعًا سلبيًّا. ولسوف ندرس كلا هذين الجانبين من الحياة الآخرة، كلًّا على حدة، بقدر ما يتسنى ذلك، ولكن لنقل ابتداء، كلمة عن مرحلة الانتقال بين الحياتين. تذوق أولي للمصير: يتلقى الصالحون منذ اللحظة التي تدعى فيها أنفسهم إلى بارئها، البشرى التي تنتظرهم، وتتلقاهم الملائكة بالتحية، وفي ذلك يقول القرآن: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ ١، ويكون الشهداء بخاصة:

стр. 395

﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ١. أما الهالكون فإنهم يبدءون مع الخفقة الأخيرة من حياتهم في مواجهة الواقع المرير: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ٢، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ٣. أما فيما يتعلق بالفترة التي تفصل الموت عن البعث، فإن القرآن لا يعطي تفاصيل عنها، وإنما قال فقط بصدد حديثه عن قوم نوح: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ ٤، وبمناسبة الحديث عن فرعون وقومه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ ٥. ولكن السُّنة تتحدث أيضًا عن تلك الضربات المروعة التي يوجهها الملائكة إلى الكافرين، كأنما هم يعذبونهم، على إثر سؤال يتعرضون له بعد أن يدفنوا في القبور. والسُّنة تقرر بصفة عامة أن الموتى في أجداثهم يشعرون بالفرح وبالحزن، وهم يرون ما أعد لهم في الدار الآخرة، حين يعرض عليهم بكرة وأصيلًا،

стр. 396

وقد روى البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات أحدكم فإنه يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار" ١. بيد أن القرآن يصف بالتفصيل حياة أهل الجنة، وأهل النار بعد البعث، ولسوف نرى في هذا الوصف كيف يسير العنصر الأخلاقي، والعنصر المادي معًا دائمًا، جنبًا إلى جنب، ولسوف نتناول بالتحليل والتصنيف الآيات القرآنية تحت العنوانين التاليين، وهي الآيات الخاصة بالنهاية السعيدة لضيوف السماء، وبالمصائر المتعلقة بحظ الهالكين التعيس. الجنة: المتع الروحية: يتحدد الجانب الروحي من السعادة العلوية -أولًا- بصورة سلبية بوساطة الوعود التالية: - بالأمن وعدم الخوف: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ٢. - فلا حزن: ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٣.

стр. 397

- ولا خزي: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ١. - تكفير السيئات، ومغفرة الذنوب: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ ، ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ ٢. - الرحمة "حين٣ تتجلى في دفع الشرور عمن يحبهم الله": ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٤. بيد أن الفرح الروحي الإيجابي أكثر تنوعًا، فحياة السعداء هي حياة: - أخوة وحب متبادل: "مبرأ من كل غل أو حسد": ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ٥.

стр. 398

- وتأمل في الجمال الإلهي: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١. - وحبور واستبشار: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ ، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ٢. - وشرف ورفعة: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ٣. - ولسوف تضيء السعادة وجوهم: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ ٤. - ولسوف يشعرون بتفوقهم على خصومهم: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٥. - وهم في مسعاهم إلى الجنة سوف يحوطهم النور: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ ٦. - ولسوف يكونون: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ ٧.

стр. 399

- وفي صحبة أسرهم وأصدقائهم: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ ١. - وحين يصلون تستقبلهم الملائكة، يحيونهم، ويقولون: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُون﴾ ٢. - فإذا ما استقروا زارتهم الملائكة الذين: ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ بكل تهنئة، وأماني سلام: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ٣. - وإذا استقبلهم الرحيم فإن لهم: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِم﴾ ٤. - و ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ ، ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيم﴾ ٥. - وسوف يقربهم إليه: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُون﴾ ٦. - ويجعلهم في أعلى عليين: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ ٧.

стр. 400

- فمكانهم هو أعظم مكان لدى القادر المقتدر: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ١. - ومنالهم هو رضوانه: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ ٢. - وكما يرضى الله عنهم يرضون عنه، فهو رضا متبادل: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٣. - فسعادتهم مزدوجة؛ لأنهم يكونون فرحين بما قدموا، راضين عن أنفسهم: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَة﴾ ٤. - وكما يكونون راضين عن مصيرهم، فإنهم يرددون دائمًا حمدًا لله على ما هداههم، وعلى أن وهبهم ما وعدهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ ، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ ٥. - ولا وجود لأحاديث اللغو، والباطل، والإثم، والاتهام بالإثم؛ لأنهم: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا﴾ ٦. - بل هو السلام المتبادل: ﴿إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ ٧. - وتسبيح الله الأعلى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ ٨.

стр. 401

وهكذا نجد أن النصوص التي تذكر المتعة الروحية في السماء قد بلغت عددًا "= ١٠٢ أو٧٠ ب". السعادة الحسية: وإنها لمسألة أن نعرف ما إذا كان للنفس أن تقدر على التمتع الكامل الحر، بسعادتها الذاتية، عندما تتحد ببدن معذب، أو محروم محارب في حاجاته، أو حتى مصدوم في أذواقه الجمالية. ألا تستطيع قرصة ذبابة، أو ضوضاء محرك، ورائحة قوية، وحرارة زائدة، وبرد شديد -أن تبعثر الانتباه المكب على أمور مجردة، بصورة تتفاوت عمقًا، متى ما أحسن المرء بها؟ ألا يعني تجنيب البدن هذه المكاره، وتوفير هدوء كامل بقدر الإمكان له -أننا في نفس الوقت نحرر الروح، ونتيح لها أعظم حالات الازدهار؟ حسبنا أن نقول هذا كيما نسوغ اهتمامنا بصحتنا، وبراحتنا، وابتعادنا عن الألم، وعن الموت، وحتى نقيم ذلك كله على أساس أخلاقي. وانطلاقًا من هذا الرأي نقرر أن أي نظام للثواب الأخلاقي لا يلبي هذه المطالب الأولية للحياة المادية -سوف يكون بكل جلاء نظامًا أبتر مشوهًا. وما كان هذا النقص بالذي يمكن أن نلحظه في النظام القرآني؛ ذلك أنه لا يقتصر على أن يضمن للصالحين في الدار الآخرة عدم الموت فحسب، وهو قوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ ١، أو الحماية من الشرور. وهو قوله: ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوء﴾ ٢، بل إنه يضمن أيضًا إبعادهم عن أماكن العذاب، ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ ٣، ويضمن لهم الراحة ﴿فَرَوْحٌ

стр. 402

وَرَيْحَانٌ﴾ ، ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَب﴾ ١، وبمنتهى الإيجاز: يضمن لهم السلام: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِين﴾ ٢ وللجنة في لغة القرآن مرادف هو ﴿دَارُ السَّلامِ﴾ ٣. لكن ذلك ليس إلا جانبًا سلبيًّا، والناس لا يبدو عليهم الرضا الكامل لمجرد أنهم لا يتألمون فعلًا، فلقد أظهرت الإنسانية في كل زمان اتجاهها الطبيعي إلى أن توفر لنفسها نسبة معينة من الرفاهية الإيجابية، وإلى أن تحسن ظروف حياتها. وليس للعلم أو الصناعة من غاية في سعيهما غير هذه الغاية، وهو أمر يمكن تسويغه من جانب آخر، إذا ما لاحظنا أن كل تحسين يطرأ يجب أن يكون ادخارًا لجهد مادي وفرصة إضافية لازدهار الروح في آن واحد. ومن أسف أن الصراع من أجل رفاهية الحياة ليس قريبًا من النهاية -على الرغم من تقدم العلم، وإبداع الفن، بل وربما كان ذلك بسبب هذا التقدم، وذلك الإبداع!! فالصراع يزداد على العكس بنسبة التقدم والإبداع، وكلما كسب الإنسان نقطة أثارت شهيته إلى درجة أرقى، ولكي يبلغها يجب أن يلجأ إلى نظام للآلة، يزداد كل حين تعقيدًا. ومن هنا كانت ضرورة الأبحاث الجديدة، والجهود المتجددة، وهكذا إلى ما لا نهاية له. والأمر كذلك إذا ما أريد الإبقاء على الأشياء في الحال التي بلغتها، فمن الضروري أن نرقبها ببذل مزيد من الجهد في المحافظة عليها دائمًا، حتى نمنع تركيبنا الصناعي من التفسخ، فتعود عناصره إلى حالتها البدائية؛ بحيث

стр. 403

نستطيع أن نقول: إننا ننهمك في البحث عن راحتنا وقتًا أطول عمومًا من تمتعنا بها، حتى لقد أصبح ما كان مجرد وسيلة وقد بلغ في جهودنا مبلغ غاية حقيقية لكثرة ما شغلنا به. أما أننا يجب أن نرى في هذا البحث الجامع عن السعادة المادية انحرافًا في الضمير المعاصر، فنحن نسلم بذلك، ولكن الدفعة الأولية تأتي من اتجاه أعمق من أن ننكره، وإن أسينا له. ألم يكن مما يتمناه في الواقع كل ضمير مرهف أن يصبح الإنسان مستغنيًا عن كل هذه الضرورات المادية، حتى يعكف على اهتمامات أكثر نبلًا، وأكثر اتفاقًا مع النزعة الإنسانية؟ إن هناك وسيلتين أمام العاقل كيلا تستهويه مطلقًا هذه الميول الحسية، الأولى: أن يقاوم هذه الاتجاهات، وأن يردها إلى حال من الجمود، وهي محاولات شرسة مصطنعة، تنتهي إلى الإخفاق في الظروف الطبيعية المتاحة. والوسيلة الأخرى إشباعها في اعتدال وتناسب، كلما ظهرت، وبشرط ألا يتطلب هذا الإشباع منه تضحية بوقت، أو قوة لازمة لتهذيب الروح. ويبقى من المسلم في حالة العكس أن من الأفضل أن نمر بها مرور الكرام، فلا نبحث فيها إلا عن الحد الأدنى الضروري للحياة. وإذن فسواء أكانت جهودنا في هذا الاتجاه كبيرة أم صغيرة، فإنها لا تجلب لنا سوى سعادة محدودة، بل إنها في الوقت نفسه تهدد طهارة حياة الروح وكمالها. ولنفرض على العكس أن جميع المتع المرغوبة والمشروعة، روحية ومادية،

стр. 404

قد قدمت إلينا، وأننا لم نعد في حاجة إلى السعي وراءها ألا نكون بذلك قد كسبنا كل شيء دون أن نخسر شيئًا؟ أليس هذا هو المثل الأعلى؟ وإذا كان هذا المثل الأعلى لا يمكن أن يتحقق في دنيا الابتلاء هذه، فما الذي يمنع أن يتحقق في عالم الجزاء؟ ولماذا يريد البعض أن يكون الأمر غير ذلك؟ لماذا يريدون بأي ثمن إقصاء كل عنصر حسي وإيجابي من السعادة السماوية؟ هل يضر نظام الطبيعة وجمالها بنظام الروح وجمالها؟ أليسا غالبًا قوامها وعمادها؟ ... لا ريب أن العاقل حين يعلم قدرهما الزهيد لن يلتمسهما لذاتهما، كما أنه لن يرفضهما إذا ما أتيحا له. أمن حقنا أن نرفض يدًا تمتد إلينا في صداقة لتقدم إلينا هدية، أو لتعلق على صدرنا حلية؟ إن قيمة هذه الأشياء تكمن أقل ما تكون في مادتها، عنها في معناها ومدلولها، إنها رموز وشواهد على الرضا، الذي لا يمكن أن نرفضه في مواجهة مهديها، إلا إذا أخللنا بالذوق الأخلاقي. من هذه الزاوية يجب في رأينا أن نتصور وصف القرآن للجنة، وهو وصف قلما ينافي فيه سرور القلب جاذبية الإطار الشعري الذي يظهر فيه. ولقد سبق أن استخرجنا الجانب الروحي من السعادة العلوية في مظهرها المزدوج، الإيجابي والسلبي، ورأينا المظهر المادي السلبي من الإسلام، فلنر الآن بأي جمال حسي يقدم القرآن لنا "الملك الكبير" في السماء، وهو

стр. 405

المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ١. تصور أولًا جنة رحيبة، رحيبة لدرجة أن: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ٢، فكل من فيها يتمتع بحرية التنقل، والاستقرار حيثما يريد: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ ٣. جنة ذات ﴿ظِلٍّ مَمْدُود﴾ ٤, دائمًا، وذات مناخ معتدل، لا يفسده حر شمس، ولا قسوة برد: ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ ٥. فهو مقام سعيد للابتراد: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ ٦، ومجال تخترقه الأنهار: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ ٧، وهي: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ ٨. وفي الجنة تتفجر الينابيع: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُون﴾ ٩، وهي العيون ذات العطور المختلفة التي تمزج بها الخمر اللذيذة: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ ، ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا

стр. 406

زَنْجَبِيلًا﴾ ١. وفي تلك البقاع المباركة: ﴿فَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ٢، تدنو منهم لتصبح على أفرعها في متناول أيديهم؛ لأن ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَة﴾ ٣، وهي فاكهة ﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ ٤, ﴿وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ ٥. وتصور بعد ذلك أن هذا البساط الرحيب الأخضر، المحلى بخيوط الفضة قد برزت فيه ﴿مَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ ٦، وفي هذه المساكن ﴿غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ ، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَة﴾ ٧، وهي على شاطئ الماء، أو بعبارة أخرى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ٨، وهي معدة إعدادًا رائعًا: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَة﴾ ٩ و ﴿سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ١٠, نسجها من الذهب والأحجار الكريمة، محلاة بفرش ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ ١١، وفيها كذلك: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَة﴾ ١٢.

стр. 407

وتصور أخيرًا هذه القصور الفخمة، الحافلة بنوع من الحياة الملكية، على مستوى عظيم، خلال أمسية باهرة: جماعة ملتئمة من الرجال والنساء والأولاد، أقارب وأحباب، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ ١. ولكل منهم زينته وحليته: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ﴾ ٢. وكسوة الحرير: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِير﴾ ٣، ذو لون مريح: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ ٤، وقد استندوا في مقاعدهم: ﴿مُتَّكِئِين﴾ ٥, ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض﴾ في مودة وحب؛ لأنهم يجلسون: ﴿مُتَقَابِلِين﴾ ٦، يتحادثون في سرور، ويستدعون ذكرياتهم البعيدة، وهم: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ ٧، مستغرقين في سعادتهم؛ لأنهم: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُون﴾ ٨. وليس عليهم إلا أن يأمروا بما يشاءون: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ ٩، فإن في طاعتهم غلمانًا يطوفون عليهم، وهم: ﴿مُخَلَّدُون إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ ١٠، يحملون في أيديهم صحافًا: ﴿مِنْ ذَهَب

стр. 408

وَأَكْوَاب﴾ ١، ﴿وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِين﴾ ٢، وأواني أخرى من فضة: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾ ٣، وكل ذلك مع: ﴿رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ٤، ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ٥. وهنالك يسارع الغلمان بأن يقدموا إليهم ما يشتهون من: ﴿شَرَاب﴾ ٦، ﴿وَلَحْمِ طَيْر﴾ ٧، ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ٨. مجموع هذه التفاصيل: "= ٩٧ أو٢٧ ب". وفي كلمة واحدة: كل ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ ٩، سوف يكون في حوزة عباد الله المخلصين، و ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ ١٠ بل وأكثر: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ١١. وهكذا يكتمل القول في: "=٤ أ". اجمع الخطوط الثلاثة التي رسمناها عن الأرض، والمبنى، والسكان، وضعها على الأساس الأخلاقي والروحي الذي عرضناه من قبل، وحينئذ سوف تجد بين يديك اللوحة القرآنية، عن حياة الفردوس، بقدر ما تطيقه لغة الفانين، ومداركهم.

стр. 409

على أن هنالك بعض الملاحظات الجديرة بالذكر قبل أن ندع مقام السعداء: أولًا: أن القرآن لا يكتفي بأن يعدد هذه المتع المختلفة: الأخلاقية والمادية، التي توجد في الجنة، فلقد أثبت أن بينها تدرجًا في القيم، بحيث إنه يحتفظ للأشياء الروحية بأعلى درجة، وهو يعلمنا أن بين جميع أشكال النعيم التي تقدمها السماء نعيمًا واحدًا لا يمكن تقدير قيمته، وهو رضا الله ﵎: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ١. إن رحمة الله وفضله بصفة عامة هما بالنسبة إلى القرآن أثمن الأهداف، وأقدرها على تحقيق فرح الإنسان: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ ، ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٢. وإذا كان المثل العربي يقول: "الجار قبل الدار" -أوَليست هذه الفكرة ذاتها هي التي يوحي إلينا بها القرآن عندما وجدناه -وهو يجمع بين نوعي السعادة التي وعدت بها الأنفس المطمئة- يسمح أولًا بدخولها العظيم في المجتمع الإلهي، ثم يرد ذكر الجنة بطريقة ثانوية، وفي المكان الأخير: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ ٣؟ ثانيًا: وإذا كانت ضرورة التحليل، وسهولة الإحصاء قد اضطرانا إلى أن نفرد العنصرين المكونين للحياة السعيدة، وأن نبني كلًّا منهما على حدة، فإن الأمر لا يجري على هذا النحو في النص، فليس في القرآن هذا الفصل المقصود، بل إن الصورة التي كوناها آنفًا لكل منهما لا توجد فيها، في أي

стр. 410

مكان، كاملة على هذا النحو، إنها فيه مجزأة، موزعة على سور كثيرة، بحيث لا نعثر في أغلب الأحيان، في كل مكان، إلا على بعض السطور القليلة، كأنما هي موجزة تذكر في أثناء الحديث. ولهذا المسلك في نظرنا مدلول مزدوج: إنه لا يحرص كثيرًا على أن يحدث في الروح هذا الأثر المضلل الناشئ عن صورة محدودة منتهية، لكي يكون بمنأى عن أن يثير الحس، أو يستنفد الفضول أو يشبعه. وإذا كان يلمس القلب فإنما يلمسه بحكمة واعتدال، ولكنه من ناحية أخرى لا يكشف لنا عن نفسه على أنه ثمرة علم بلغ هدفه منذ البداية، ولا على أنه ثمرة خيال جامح, كما افترضه بعضهم، لدى الإنسان الذي أبلغنا إياه، وإنما هو ثمرة تعليم منزه متدفق، يبدو مع ذلك أنه متصل بخطة توقيفية، لا تجارب فيها ولا تنقيحات. ثالثًا: وأبرز ملامح السعادة الحسية، أعني: أكثرها ذكرًا، موجود -كما رأينا- في تلك الإشارة إلى جنة ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ . وكل منا استطاع أن يجرب تلك اللذة التي يثيرها منظر الماء الجاري حين ينظر إليه من عل، وزد على ذلك أن في هذا دون شك أنزه ما يلذ النظر وأطهره، والقرآن يومئ إلينا منه بمعنى أكثر عمقًا، وبسعادة أحلى مذاقًا، ليس هو مطلقًا ذلكم الموقف الذي يثير الأحلام، ويلهم الشعر، ولكنه واقع أخلاقي في جوهره، هو: نسيان كل حزن، وذهاب كل حقد من القلوب: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ ١. رابعًا: أما فيما يتعلق بطعام الجنة اللذيذ، فإن التفسير يحدد بمقتضى تعبير الآية: ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُون﴾ أن ضيوف السماء سوف

стр. 411

يتعاطونه لمجرد السرور والابتهاج، وليس حاجة إلى حفظ حياتهم أو صحتهم، ذلك أنهم لما كانوا قد منّ الله عليهم بأبدان لا تقبل الفساد -لم تعد بهم حاجة إلى أي وقاية١. خامسًا: وأكثر ما تنبغي ملاحظته تلك العناية التي يبديها القرآن، عندما يتحدث عن شراب السماء, فهو ينفي عنه صفة الاغتيال التي تتصف بها عادة المشروبات المعروفة في الحياة الدنيا، ويقول القرآن في ذلك: إن الصالحين سوف يسقون: ﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ ٢. ولن تغشي لذة الكأس على العقل؛ لأنها: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ ٣، ولن يصيبهم منها صداع ولا وصب: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ ٤، ولن يصحبها كذب ولا ثرثرة: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ ٥، ولن تؤدي بهم إلى إثم؛ لأنها: ﴿لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ ٦. سادسًا: نلاحظ نفس الاهتمام بموضوع الأزواج، الذي تعد مرات ذكره -مع ذلك- قليلة نسبيًّا. فالقرآن لم ترد فيه أية إشارة إلى معاشرة الرجال للنساء "في الجنة"، ليس ذلك فحسب، بل إنه -بعد أن حدد أن النساء سوف يكن أبكارًا ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ ٧، وسوف يظللن كذلك أبدًا- قال: إن الحياة معهن ستكون حياة حب متبادل؛ لأنهن سيكن

стр. 412

﴿عُرُبًا﴾ ١، وهو حب بين شباب من سن واحدة: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾ ٢. أيجب أن ندهش لهذة اللغة النبيلة من كتاب يرى أن خير الزواج في حياتنا الدنيا هو قبل كل شيء في تلك السكينة الباطنة التي يشعر بها الرجل لدى رفيقة مشتقة من نفسه، وهو في المودة والحنان الذي أودعه الله بينهما: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ٣؟؟ ونلاحظ من ناحية أخرى أن الصفات الأخلاقية تزاحم الصفات المادية في نعت هؤلاء الرفيقات العلويات، ليس ذلك فحسب، ولكن العنصر الأخلاقي يتقدم على المادي، ومن ثم وجدنا: ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَة﴾ ٤، و ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ﴾ -أولًا- ﴿حِسَانٌ﴾ ٥، و ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ -أولًا- ﴿عِينٌ﴾ ٦، ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ ٧، وهن ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام﴾ ٨, لا يبرحنها. هذه الصفات الأخلاقية ذاتها هي التي أمرنا رسول الله ﷺ أن نبني عليها اختيارنا الزوجي فقال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها،

стр. 413

وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"١. سابعًا: وأخيرًا، عندما يتحدث القرآن عن أمور السماء لا ينبغي أن ننسى أنه يقصد إنشاءها خلقًا جديدًا، له أصالته المجهولة: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ ، ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢. والواقع أنه ما من إنسان يعلم ما أعد للمتواضعين، والمحسنين، والذاكرين الله في غالب أحوالهم، من مفاجآت جميلة، وإنعام يفوق خيالهم وقد حدث القرآن عن ذلك فقال: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ٣، وقال الله تعالى في حديث قدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" ٤، مما جعل ابن عباس يقول: وهو من أصوب المفسرين رأيًا بين صحابة النبي, ﷺ : "ليس في الدنيا من الجنة شيء إلا الأسماء"٥. بيد أنه لا يبدو أن هذه الأصالة تبلغ حد التخلص من الواقع المحسوس، فالنصوص تتجه إلى إقرار فرق في الدرجة بين الحياتين، أكثر من كونه فرقًا في الطبيعة. النار: هل نريد الآن صورة كاملة بقدر الإمكان عن مقام الهالكين، وما سوف يسامون من عذاب؟

стр. 414

إن هذه المقابلة بين مقام الطائعين ومقام العاصين جلية لدرجة أن من الممكن أن نكون هذه الصورة بأن نتتبع السطور التي خططناها، فنضع في مكانها معطيات نقائضها، نقطة بنقطة، ولكن ليست بنا من حاجة أن نلجأ إلى هذا المنهج المسبق، فلنترك القرآن يتحدث، فذلك أولى بنا وأجدر. عقوبات أخلاقية سلبية: إن الجانب السلبي، أو بالأحرى: الحرماني، من العقوبة الأخلاقية المرصودة للظالمين ينحصر في الأحداث التالية: - حبوط أعمالهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ١. - خيبة أملهم في الأوثان التي أشركوها مع الله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ ٢. - يأسهم من رحمة الله: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ ٣. - ومن مغفرته: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ ٤.

стр. 415

- ومن رؤيته: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون﴾ ١. - ومن نظره وتزكيته: ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ ٢. - حرمانهم من النور "الذي يبحثون عنه لدى المؤمنين بلا جدوى": ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ ٣. - ومن السمع، والبصر، والكلام "لحظة البعث": ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ ٤. - ومن كل اشتهاءاتهم: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ٥. - بأسهم من الحياة الآخرة: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ ٦. - حيث لا نصيب لهم فيها: ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ٧. - ويخذلون: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ ٨. - وحيث ينسون: ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ ٩.

стр. 416

- ويبعدون: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ١. - ولا مولى لهم ولا ناصر: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ٢. - ولن تفتح لهم أبواب السماء: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ ٣. - ولن يقبل منهم دفاع عن أنفسهم: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُون﴾ ٤. - وفي كلمة واحدة: إخفاقهم: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ٥. - وخسرانهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون﴾ ٦. عقوبات أخلاقية إيجابية: - ويوم البعث يمثل الأشرار أمام الله منكسي الرءوس: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ﴾ ٧.

стр. 417

- سود الوجوه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ ١. - عابسة كالحة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ ٢. - تعلوها ظلمة وغبار: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ، تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ ٣. - إنهم في ذلك اليوم سوف يودون أن يباعد الله بينهم وبين أعمالهم السيئة: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ ٤. - ولكن الكتاب هنالك، أحصيت فيه الأعمال على كل إنسان، حتى أتفه تفاصيلها, ويقولون: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ ٥. - وأكثر من ذلك هنالك، في أبدانهم، وحواسهم، شهود يشهدون ضدهم: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ ٦. - فهم: ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ ٧.

стр. 418

- وهم: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ١. - وهم مذمومون: ﴿جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ ٢. - وملومون: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ ٣. - وممقوتون: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ٤. - ويجللهم الخزي والعار: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٥. - ولسوف يعرضون أمام الله، فيراهم الأشهاد ويشيرون إليهم باحتقار: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ ٦. - فإذا ما عرفوا حسابهم تمنوا أن لم يكونوا قد عرفوه، وأن لو كان الموت عدمًا حقًّا لهم: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ ٧.

стр. 419

- ويرون أخيرًا العذاب الأليم يقترب: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ ١. - ويحسون تقطع كل العلائق التي تربطهم بسادتهم، وأتباعهم: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَاب﴾ ٢. - ويجدون أنفسهم عاجزين عن أن يرجعوا مجرى الزمن، ويعودوا إلى الأرض: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ ٣. - فليس أمامهم إلا أن يعضوا أصابعهم مع زفرات الأسى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ ٤. فهذه هي الآيات المتعلقة بالعقاب الأخلاقي "= ١٠١ أو٤١ ب". عقوبات بدنية: من الممكن -أولًا- أن نقدم الآلام البدنية التي سوف يتعرض لها الظالمون بعد الحساب الأخير -في صورة سلبية تنحصر في الحرمان من الحاجات الجوهرية، فهم جياع عطاش، ولن يجدوا شيئًا يهدئ عطشهم وجوعهم: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا، إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ ، ﴿لَيْسَ

стр. 420

لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ، لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ ١. بيد أن الآيات القرآنية التي تحدد تحديدًا موضوعيًّا عذابهم قد جاءت بوفرة كثيرة. - إن مسكن المعذبين هو -على نقيض مقام الطائعين- سجن: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ ٢. - وهو ذو أبواب كثيرة، كل باب يخص طائفة بعينها: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ٣. - سجن زبانيته من الملائكة الأشداء القساة: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٤. - ولكنه سجن تحت الأرض مقسم إلى سراديب مظلمة كثيرة، بعضها تحت بعض: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ٥. - وهي نار محكمة الانسداد عليهم: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ ٦. - وهي حفرة مملوءة نارًا: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ ٧.

стр. 421

- وهي نار متقدة: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ ١. - يسمع لها من بعيد زمجرة وهدير: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ ٢. - حتى كأنها بركان ثائر: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُور﴾ ٣. - فهي تقذف شرارًا كالقصور الكبير: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ ٤. - وهم موثوقو القيود: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ ٥. - مغلولو الأعناق والأيدي والأقدام: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ, إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ ، ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ ٦. - مشدودون إلى سلاسل طويلة: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا﴾ ٧. - "يسحبون على وجوههم"، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ ٨. - ثم يطرحون في النار على وجوههم: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ ٩.

стр. 422

- وهم مضطرون إلى مكان ضيق: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ ١. - ليذوقوا عذابًا لا نظير له يومئذ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ٢. - يتعرضون فيه لعقاب الإحراق: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيق﴾ ٣. - فهم غذاء جهنم: ﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ ٤. - وكلما أحس العصاة بالعذاب والألم حاولوا الهروب منه، فتدفعهم الزبانية في النار، يضربونهم بهراوات من الحديد: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ ٥. - ويحيط بهم النكال من كل صوب: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ ٦. - وسيضرب اللهيب وجوههم: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ ٧. - وسيسلخ جلدهم: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ ٨. - وسيحرق لحمهم: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَر﴾ ٩. - ويصل إلى قلوبهم: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ ١٠.

стр. 423

- أما الذهب الذي يجمعه البخلاء فسوف يُحمى في النار، ثم تكوى به الجباه، والجنوب، والظهور: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ ١. - هنالك ستكون صرخات ألم وتوسلات: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ ٢. - وستكون لهم فيها زفرات وشهقات: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ ٣. - وكلما ذابت جلودهم كان لهم غيرها، حتى يذيقهم الله العذاب مضاعفًا، وهكذا إلى الأبد: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ ٤. - ولن يقتصر أمرهم على عذاب الحريق، بل سيكونون كذلك في عذاب الحميم، يغمسون في هذا الماء المغلي، ثم يقذفون في النار، وهكذا دواليك: ﴿يُسْحَبُونَ, فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ٥. - ويصب هذا الماء الحميم على رءوسهم، فيذيب جلودهم، وأحشاءهم: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ ٦. - فإذا شربوا منه انشوت وجوههم، وتمزقت أمعاؤهم: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ ، ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ ٧.

стр. 424

- ولسوف يسقون شرابًا آخر أكثر تقيحًا، لا يطيقون إساغته: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ، يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ ١. - وهنالك أيضًا طعام الزقوم، يغلي في بطونهم كرصاص يذاب: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ، طَعَامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ ٢. - وأطعمة أخرى ذات غصة، وعذاب كله ألم: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٣. - من صنوفه الريح المحرقة: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ ٤. - وظل من دخان خادع: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ ٥. - وكذلك حين تتوالى على المعذبين أقصى حالات البرودة، وأقصى حالات الحرارة -على ما قاله بعض المفسرين في كلمة "غساق": ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ ٦. - وموجز القول: أنهم سوف يلقون عقوبات، وآلامًا دائمة لا انقطاع لها: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ ٧. فالنصوص التي تعدد العقاب البدني تبلغ على هذا النحو "= ٧٤ أو١٥ ب".

стр. 425

على أننا لا ينبغي أن نعتبر كل هذه العقوبات المادية غاية، بل هي وسيلة لإيلامهم أخلاقيًّا، فالغرض الجوهري من الاندحار في هذا المأوى البشع ليس النار، بقدر ما هو الخزي الذي تعنيه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ ١. ومما يزيد في شقائهم أنهم في هذه الآلام الأخلاقية والمادية لن يجدوا من حولهم قلبًا عطوفًا معزيًا، بل إن روابط الصداقة التي كانت لهم في الماضي، والتي ستكون قد تقطعت يومئذ، هذه الروابط سيحل في مكانها جوار سيئ لهؤلاء الأصدقاء القدامى أنفسهم، فلن يكون بينهم منذئذ سوى الخصام: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّار﴾ ٢. والبغض: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِين﴾ ٣. والتلاعن: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ٤، ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ٥. ولقد أردنا بهذا التصنيف، وهذه النصوص المحددة أن نعطي للقارئ إحساسًا دقيقًا بمنهج التبليغ الذي اتبعه القرآن، وبالنسبة التي يمثلها كل طريق من طرقه في المجموع.
следующие страницы →