← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8665

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (841 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

- وهي نار متقدة: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ ١. - يسمع لها من بعيد زمجرة وهدير: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ ٢. - حتى كأنها بركان ثائر: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُور﴾ ٣. - فهي تقذف شرارًا كالقصور الكبير: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ ٤. - وهم موثوقو القيود: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ ٥. - مغلولو الأعناق والأيدي والأقدام: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ, إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ ، ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ ٦. - مشدودون إلى سلاسل طويلة: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا﴾ ٧. - "يسحبون على وجوههم"، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ ٨. - ثم يطرحون في النار على وجوههم: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ ٩.

стр. 422

- وهم مضطرون إلى مكان ضيق: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ ١. - ليذوقوا عذابًا لا نظير له يومئذ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ ٢. - يتعرضون فيه لعقاب الإحراق: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيق﴾ ٣. - فهم غذاء جهنم: ﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ ٤. - وكلما أحس العصاة بالعذاب والألم حاولوا الهروب منه، فتدفعهم الزبانية في النار، يضربونهم بهراوات من الحديد: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ ٥. - ويحيط بهم النكال من كل صوب: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ ٦. - وسيضرب اللهيب وجوههم: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ ٧. - وسيسلخ جلدهم: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ ٨. - وسيحرق لحمهم: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَر﴾ ٩. - ويصل إلى قلوبهم: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ ١٠.

стр. 423

- أما الذهب الذي يجمعه البخلاء فسوف يُحمى في النار، ثم تكوى به الجباه، والجنوب، والظهور: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ ١. - هنالك ستكون صرخات ألم وتوسلات: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ ٢. - وستكون لهم فيها زفرات وشهقات: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ ٣. - وكلما ذابت جلودهم كان لهم غيرها، حتى يذيقهم الله العذاب مضاعفًا، وهكذا إلى الأبد: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ ٤. - ولن يقتصر أمرهم على عذاب الحريق، بل سيكونون كذلك في عذاب الحميم، يغمسون في هذا الماء المغلي، ثم يقذفون في النار، وهكذا دواليك: ﴿يُسْحَبُونَ, فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ٥. - ويصب هذا الماء الحميم على رءوسهم، فيذيب جلودهم، وأحشاءهم: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ ٦. - فإذا شربوا منه انشوت وجوههم، وتمزقت أمعاؤهم: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ ، ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ ٧.

стр. 424

- ولسوف يسقون شرابًا آخر أكثر تقيحًا، لا يطيقون إساغته: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ، يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ ١. - وهنالك أيضًا طعام الزقوم، يغلي في بطونهم كرصاص يذاب: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ، طَعَامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ، كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ ٢. - وأطعمة أخرى ذات غصة، وعذاب كله ألم: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٣. - من صنوفه الريح المحرقة: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ ٤. - وظل من دخان خادع: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ ٥. - وكذلك حين تتوالى على المعذبين أقصى حالات البرودة، وأقصى حالات الحرارة -على ما قاله بعض المفسرين في كلمة "غساق": ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ ٦. - وموجز القول: أنهم سوف يلقون عقوبات، وآلامًا دائمة لا انقطاع لها: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ ٧. فالنصوص التي تعدد العقاب البدني تبلغ على هذا النحو "= ٧٤ أو١٥ ب".

стр. 425

على أننا لا ينبغي أن نعتبر كل هذه العقوبات المادية غاية، بل هي وسيلة لإيلامهم أخلاقيًّا، فالغرض الجوهري من الاندحار في هذا المأوى البشع ليس النار، بقدر ما هو الخزي الذي تعنيه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ ١. ومما يزيد في شقائهم أنهم في هذه الآلام الأخلاقية والمادية لن يجدوا من حولهم قلبًا عطوفًا معزيًا، بل إن روابط الصداقة التي كانت لهم في الماضي، والتي ستكون قد تقطعت يومئذ، هذه الروابط سيحل في مكانها جوار سيئ لهؤلاء الأصدقاء القدامى أنفسهم، فلن يكون بينهم منذئذ سوى الخصام: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّار﴾ ٢. والبغض: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِين﴾ ٣. والتلاعن: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ٤، ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ٥. ولقد أردنا بهذا التصنيف، وهذه النصوص المحددة أن نعطي للقارئ إحساسًا دقيقًا بمنهج التبليغ الذي اتبعه القرآن، وبالنسبة التي يمثلها كل طريق من طرقه في المجموع.

стр. 426

ولسنا ندعي، نظرًا إلى غنى الأسلوب القرآني، أننا قدمنا إحصاءً منزهًا عن الخطأ، ولكنَّا على الأقل قدمنا الأحداث الرئيسية في جداول، كل في إطاره الخاص، ونحسب أن إدخال أي تعديل إليها سوف يكون قليل الأهمية، ولكنا كي نبرز نتيجة هذه الدراسة نعتقد أن من المفيد تلخيصها في جدول إجمالي، على النحو التالي:

стр. 427

قائمة ورود الطرق المختلفة للتوجيه: الحث على الواجب أب المجموع بسلطانه الشكلي ١٠ ١٠ بقيمه الداخلية ٦٢٠ ٤٥٥ ١٠٧٥ بالمشاعر الدينية "حب, حياء ... إلخ" ٢٠ ٦٢ ٨٢ بالنتائج الطبيعية ٢ ١٢ ١٤ بالجزاءات الإلهية: ١- مبدأ الجزاء بعامة ١١ ٢ ١٣ ٢- مبدأ الجزاء على مرحلتين ١٤ ١٢ ٢٦ ٣- الجزاء الإلهي في العاجلة: أ- ذو طابع مادي ١ ١ ب- ذو طابع دنيوي ٥ ٣١ ٣٦ جـ- ذو طابع عقلي وأخلاقي ٢٣ ٤٠ ٦٣ د- ذو طابع روحي ٢٠ ٥٨ ٧٨

стр. 428

٤- الجزاء الإلهي في الآخرة: أ- اسم عام للدار الآخرة: الجنة ١٩ ٨ ٢٧ : النار ٦١ ٥٠ ١١١ ب- إعلان ثواب أو عقاب غير محدد: ثواب ٦٦ ١٠٠ ١٦٦ عقاب ٩٤ ٦٦ ١٦٠ جـ- تحديد "ثواب أو عقاب": سعادة روحية ١٠٢ ٧٠ ١٧٢ سعادة حسية ٩٧ ٢٧ ١٢٤ صيغة كاملة ٤ ٤ عقوبات أخلاقية ١٠١ ٤١ ١٤٢ عقوبات مادية ٧٤ ١٥ ٨٩

стр. 429

خاتمة: فتلك إذن أرقام تتحدث ببلاغة أكثر من أي تعليل نظري. وأخطر الاعتراضات التي تثار غالبًا ضد الأخلاق الدينية بعامة ينحصر في القول بأنها تضرب صفحًا عن الضمير، فرديًّا كان أو جماعيًّا، وأنها تستمد كل قوتها، وكل سلطانها من إرادة علوية، خارجة عن طبيعة الأشياء، وأنها تفرض نفسها بخاصة عن طريق الترغيب في الثواب، والخوف من العقاب الذي قررته تلك الإرادة العليا١. ونحن ندرك الآن أن هذا النقص -في أية حالة من حالاته- لا يمس الأخلاق الإسلامية، فالقرآن -كما رأينا- يعلن أن النفس الإنسانية مستودع قانون أخلاقي فطري، نفخ فيها منذ الخلق، والنبي ﷺ يأمر كلًّا منا أن يستفتي قلبه، كيما يعرف ما يأخذ وما يدع. بل إن أكثر المذاهب الإسلامية محافظة تتفق على أن تسلم للعقل الإنساني بمجال خاص في التقدير والتشريع، حين يكون تحديد الخير والشر مرجعه العقل، سواء أكان كمالًا أم نقصًا، وسواء أكان موافقًا أم مخالفًا للفطرة.

стр. 430

والمشكلة التي أثارت اختلاف المذاهب في هذه النقطة كانت فقط هي: أيجب أن نأخذ أمر العقل أمرًا نهائيًّا؟ وهل هو يتفق دائمًا، أينما كان، مع واقع الأشياء؟ وهل هو يتوافق بخاصة مع العقل الإلهي؟ فأما أن الضمير مزود -بطريقة كافية- بسلطة لتأكيد مسئوليتنا أمام أنفسنا، فأمر لا يماري فيه أحد، ولكن هل لديه من هذه السلطة ما يكفي لإثبات مسئوليتنا أمام الله؟ على هذه المسألة المحددة دار النقاش. وعلى هذا، أليس واضحًا ما يحدث لنا غالبًا من أن تُعْمِيَ العاداتُ ضميرنا، أو تضلله الأوهام، أو تتسلط عليه المنفعة، وأن تتحدث إلينا العاطفة أحيانًا متخفية في ثوب العقل، ومتقلدة بلغته؟ ... بل إننا قد نميل إلى القول بأن العقل في هذه الحالات هو الذي يتحدث إلينا، لكنه عقل ساقط فاسد؛ لكثرة ما سخر نفسه لخدمة الغريزة البهيمية، فإذا ما بلغ هذا الحد من الضلال فإنه يزعم أن دوره الرئيسي أن يكشف عن وسائل إشباع منافعنا العاجلة، وأن يحاول إنجاحها. ولكن عجبًا!! إننا حين يتعارض العقل والمشاعر على نحو سافر، وذلك ما يحدث في أكثر الحالات، نسلم بانتظام للعقل بحقه في السيطرة على المشاعر، فهل نحن بهذا في موقف محايد؟ وحين يستأثر العقل في زهو بسلطة حسم النقاش ألا يجعل من نفسه بذلك حكمًا وخصمًا في آن؟ فإذا ما أمضينا هذا الاستدلال إلى غايته حق لنا أن نتساءل عما إذا كان خالق هذه الفطرة البالغة التنوع يرضى فعلًا أن يضحي بالجانب الأكبر والأقدم من صنعه، في سبيل آخر قادم، ما الذي يدل في الواقع على أن الله قد أمر بهذه التضحية؟

стр. 431

وأين هو التوكيل الذي بمقتضاه يتحدث جزء واحد فقط من الخلق باسم الخالق؟ وما الذي يهدينا في هذه الدعوى؟ أهو غريزة الصدق أم هو الكبرياء والزهو بالذكاء؟ ولا ريب أن الإرادة العاقلة هي أثمن جزء في وجودنا، فهي التي نتميز بها، على حين أن ما تبقى مشترك بيننا وبين الكائنات الدنيا. إنها الملكة القادرة على أن تركزنا في ذواتنا، على حين أن الحواس والغرائز تبعثرنا خارجها. فهي إذن مخصصة ليمنحها الخالق حق السيادة، ودور المبدأ المنظم. ولكن، هل يكون عدلًا أن يحكم سيد رعاياه دون استشارتهم؟ أليس من الواجب أن يبذل كل طاقته ليضمن لهم النمو الذي يقدرون عليه؟ أين ينتهي العمل الديموقراطي، وأين يبدأ الطغيان والاستبداد في هذا التنظيم؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يرسم هذا الخط الفاصل على أساس من الحياد؟ لقد أدرك ذلك الفقهاء المسلمون، فيما خلا عددًا قليلًا من المعتزلة وأشباههم. وقد قرر هؤلاء الفقهاء أنه لإيجاب مسئولياتنا أمام الله لا بد من شريعة تأتي من عند الله بطريقة إيجابية وصريحة، في مقابل ذلك القانون الضمني المستودع ابتداء في فطرتنا. ولن يكون دور هذه الشريعة الجديدة -بلا ريب- أن تبطل قانون الفطرة؛ لأنهما حقيقتان، ما كان لهما أن تتعارضا، ولكن دور الشريعة الإلهية أن تثبت قانون الفطرة، وأن تمنحه سندًا متينًا، وذلك بعد أن تستخلصه بكل نقائه وطهارته. ويجب أن يبدأ مشروع هذا التطهير المسبق -بداهة- بمنع ضلالات العقل المزعوم قبل وقوعها، وبإيقاظ الضمير النائم تحت أنقاض الأوهام. يقول تقي الدين ابن تيمية: "إن الرسل إنما بعثت بتكميل الفطرة، لا بتغيير

стр. 432

الفطرة"١، وانطلاقًا من هذه الفكرة يمكن القول بأن الأطر التي سوف تثبتها هذه الشريعة الإيجابية حتى تتيح للضمير الفردي أن يمارس حقه بطريقة حرة ومشروعة -هذه الأطر سوف تكون منطلقًا، لا لما هو من باب الحلال والحرام فحسب، بل وفي الوقت نفسه لما هو معقول حقًّا وما ليس كذلك. فما يضاد النقل سيكون كذلك مضادًّا للعقل، وكما قال ابن تيمية: "وكل ضلالة فهي مخالفة للعقل، كما هي مخالفة للشرع"٢. وعلى هذا النحو، فإن هذه الشرعية الدينية لم تأتِ لتحل محل الأخلاقية ولا لتضادها، بل هي تفترضها، وترجع إليها دائمًا. ولقد رأينا في الواقع مدى العناية التي يلتزم بها القرآن، وهو يصوغ أوامره، فهو يحرص على مطابقتها للعقل، وللحكمة، وللحقيقة، وللعدالة، وللاستقامة، إلى جانب قيم أخرى، يتكون منها بناء الضمير الأخلاقي ذاته. ورأينا كيف يقدم القرآن النتائج التي تحدث في النفس من اتصالها بالفضيلة، والتأثر الذي يمارسه الفعل على القلب والروح، وأهمية الندم والتوبة. وهذا كله يتصل بالضمير الفردي. بيد أن الإنسان، وهو كائن عاقل، هو في نفس الوقت كائن اجتماعي؛ إنه في ملتقى قوتين؛ باطنة وظاهرة، يتلقى منهما معًا أو على التوالي، أوامره. وقد يجوز لنا أن نقول: إن الجانب الأكبر من الغذاء الروحي، وأغلب المثل العليا، بالنسبة إلى كل إنسان يعيش في المجتمع -إنما تأتيه أولًا

стр. 433

من خارج، وهو مختار، بعد أن يعيد التفكر فيها ويجترها، أن يتمثلها كاملة أو يرفضها، ويستبدل بها خيرًا منها. فما الجانب الذي يعود إلى الأمة الإسلامية في السلطة الأخلاقية؟ هذا الجانب على الرغم من كونه محدودًا، إلا أنه من أهم الجوانب؛ لأن حدوده ليست سوى الحدود التي تفرضها العدالة الفطرية، والقواعد العامة للعدالة المنزلة. إننا لا ندين بالاحترام والطاعة ولاء للإجماع فحسب، وهو القرار الإجماعي للهيئة التشريعية المختصة، ولا لكل صيغة صادرة عن السلطة التنفيذية، من أجل إقرار النظام، وتوفير الخير العام فحسب، بل إن كل تفصيل إرادي تافه في ذاته، ولكنه يعتبر موضوعًا لأمر شرعي -ينال بهذه الصفة قوة القانون الأخلاقي. ولكي نبرهن على أن الضمير العام ليس في الإسلام وهمًا، بل ولا نسخة من الضمير الفردي -لا نجد خيرًا مما سبق أن ذكرناه، أعني: تكليف الأمراء أن يطبقوا الجزاءات الشرعية على من يستحقونها، حتى بعد توبتهم، وهدايتهم التامة. قد يخطر لنا أن نتساءل: أليس في تغيير المذنب لموقفه، والتزامه طريقًا من السلوك المرضي، ما قد يرضي الأخلاقية إرضاء كاملًا؟ ومن وجهة نظر الإيمان، أليس مكفولًا العفو عن ذنوب الذين يعودون إلى الإيمان في طهارة وعزم؟ ومع ذلك، يبقى علينا أن نطهر جوًّا دنسته الجريمة، وأن نأسو جراح الضمير العام الذي صدم بها، وأن نتدارك تقليد المثل السيئ، الذي قدمته. وتلكم هي الاعتبارات، ذات الطابع الاجتماعي المحض، التي حتمت هذا الإجراء البالغ القسوة، الذي يعاقب إنسانًا صلح حاله، وصفت سريرته.

стр. 434

ولنذكر واقعًا اجتماعيًّا آخر، يتصل، هذه المرة، بالعلاقة بين الأفراد، فلقد رأينا في الواقع صفة القداسة التي يضفيها الإسلام على حق الغير، بحيث أن أي ضرر يحدث لإخواننا، حتى في حال عدم علمهم، يظل على عاتق من تسبب فيه، إلى أن يعترف لضحاياه، فينال منهم عفوًا صريحًا وواعيًا. وهكذا نرى أن انتهاك الحق العام، يقتضي من الناحة الأخلاقية، جزاءات أخرى، أكثر من مجرد الندم، والتوبة، والصلاح الشخصي، جزاءات تصل في مداها إلى ما هو أبعد من الرضا الإلهي. إن من وراء أوامر الضمير الفردي، والضمير العام نظامًا أكثر صلابة منهما، هو نظام الفطرة الكونية الشاملة، بقانون سببيته الذي لا يعرف الهوادة، فهذه طريقة في العمل تؤدي إلى نهاية حسنة، وتلك طريقة أخرى تعود ضد صاحبها، ولذلك تنصحنا الفطنة الحكيمة بأن نحسب حساب النتائج قبل الشروع في أي عمل. على أن هذه الاعتبارات الغائية لا يمكن من وجهة النظر الأخلاقية أن تنال صفة الشرعية إلا حين لا تحيد عن الواجب، بل تمضي بالأحرى متوافقة معه، طالبة منه المزيد. وبهذه الشروط، أليس من حق أية تربية حسنة أن تلجأ إلى مثل هذا الأسلوب أحيانًا، لدعم تعليمها؟ على هذا النحو، جرى القرآن في كل حال، وهو يذكرنا، بعدد قليل من الأمثلة، بالنتائج الطبيعية لسلوكنا، وهي نتائج مختارة من بين أكثرها عمومًا، وأكثرها واقعية وبقاء. إن المنابع العقلية التي يستقي منها الأخلاقيون عادة، كل بحسب هواه، برهانهم لوضع أسس التكليف الأخلاقي -هي: الاقتضاء الأخلاقي المحض، والضرورة الاجتماعية في جوهرها، والعقل الراشد العملي، وتلكم هي المنابع مجتمعة.

стр. 435

وهنا تتوقف الأخلاق العلمانية، ولكن الأخلاق القرآنية لا تقتصر على هذه الاعتبارات، بل هي تشملها، وتتجاوزها، وتكملها لحسن الحظ بمبدأ سام من جانب آخر، هو الإيمان بوجود سيد مشرع، له سلطته العلوية الضرورية للتصديق على كل قرار يتخذ من جهة أخرى، واعتماده. ولقد رأينا على هذه الأرض الجديدة أن أمر القرآن تقوم دعائمه على ثلاثة أسباب مختلفة: أولًا: على أن السلطة التشريعية وحدها، لمن قرر الأمر؛ والله سبحانه جدير أن تكون كلمة أمره مطاعة دون شرط، ودون ما حاجة إلى أي سر آخر: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾ ١، كما أنه صوت الحقيقة والعدل ذاته: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ ٢. ثانيًا: على الشعور بمعيته الحبيبة المهيبة، وهذا الشعور من شأنه أن يحرك شجاعتنا إلى فعل الخير، وإلى أن نفعله على خير وجه، كما أنه قادر على أن يدفع دفعًا رقيقًا كل ميولنا السيئة. ثالثًا: على توقع إجراءات الجزاء التي قررها الله سبحانه. وإذا وصلنا إلى هذه النقطة، فقد بدا لنا منهج التعليم القرآني مرة أخرى في صورة مركبة، مزدوجة في تركيبها؛ إذ تستهدف الحياة الدنيا والحياة الأخرى معًا، وتعلن للإنسان بأن عليه أن يتقبل في كلتا الحياتين الثمن الأخلاقي، والبدني، والروحي لأفعاله. لقد أثرنا من قبل مسألة معرفة ما إذا كان تغير الوسط الجغرافي، والظروف الاجتماعية -قد استطاع أن يفرض بعض التعديلات في المفهوم القرآني عن الحياة الآخرة.

стр. 436

ولقد لزمنا -لكي نجيب عن هذه المسألة- أن نعود مرة أخرى إلى النصوص نستشيرها، ونميز فيها مجموعتين، تبعًا لنزول الوحي بها قبل الهجرة أو بعدها. وهنا نلاحظ: وجود نوعين من السعادة "الروحية والحسية" في المرحلتين، مصحوبين بتفاصيل عديدة. ومع ذلك، فقد لاحظنا قلة عددية، تكاد تبلغ أحيانًا حد الندرة، في الآيات المدنية، المتعلقة بالجنة أو النار، حتى في جانبهما الروحي. فإذا ما وسعنا نطاق البحث وجدنا أيضًا أن مراجع القيم الباطنة من النصوص كثيرة جدًّا، في المرحلتين، وكأنها متناسبة مع زمانها الخاص، ومع حجم الحديث المطابق لها١. وفي مقابل ذلك نجد أنه على حين يبدأ الحديث الأخروي يقل في المدينة -يظهر اتجاه معاكس له في إطار الاعتبارات الأخرى، فمن الآن فصاعدًا يفسح التبليغ مكانًا أرحب للشعور بالحضور الإلهي، وللنتائج العاجلة، ذات الطابع الأخلاقي، والاجتماعي، والروحي. ونرى أيضًا مجموعة جديدة تظهر، يفرض الواجب فيها بسلطانه الشكلي المحض، وكل هذا يسمح لنا أن نرى، أن العالم الإسلامي قد شهد مع الهجرة تقدمًا للأفكار الأخلاقية، لا تخلفًا كما كان يقال غالبًا. وأيًّا ما كان الأمر، فإذا كنا قد عرفنا -هكذا- الوسائل الكثيرة التي يستخدمها القرآن لتسويغ أمره، والجانب الذي فسحه للدوافع الأخلاقية السامية، بما في ذلك التجرد المطلق، والخضوع للشرع لمجرد احترام الشرع -إذا عرفنا ذلك يصبح من الظلم بداهة أن نتهم الأخلاق القرآنية بأنها أخلاق نفعية.

стр. 437

إن أكثر ما نملك هو أن نتطلب لأخلاق محضة جزاء أخلاقيًّا لا غير، وبذلك يمكن أن ننكر على هذه الأخلاق أن تكون مختلطة. وربما كان هذا الجهاز المادي للثواب والعقاب الأخروي -على الرغم من أنه ليس الوحيد في المواجهة- من الأمور التي نود ألا تكون، حتى نرد إلى الجزاء الإلهي قيمته الكبرى. ولنلاحظ أولًا أن هذا المفهوم عن الجزاء الأخروي، وهو مفهوم مادي جزئيًّا، ليس إسلامي النوع؛ فهو يعتبر عنصرًا مشتركًا بين جميع الأخلاق الدينية، التي تعترف للناس بحياة أخرى، سوف يجتمع فيها البدن والروح من جديد، بعد أن يكونا قد انفصلا مؤقتًا بالموت، يجتمعان ليلتقيا معًا ثوابًا خالدًا، أو عقابًا أبديًّا. ولا ريب أن هذه هي حال الأخلاق المسيحية، فلقد أجمع الآباء، وفقهاء الكنيسة على أن يعلموا عقيدة بعث الجسد، وعقيدة اشتراكه مع الروح في الجزاء١، وهما عقيدتان قائمتان على أساس متين من تعليم السيد المسيح والدعاة، فقد قال يسوع لحوارييه: "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها، بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم"٢. وقال أيضًا: "يرسل ابن الإنسان ملائكته، فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم، ويطرحونهم في أتون النار، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان"٣. وكثيرًا ما صورت جهنم على أنها "النار التي لا تطفأ، حيث دودهم لا

стр. 438

يموت والنار لا تطفأ"١، ويصرخ الغني الخبيث الذي كان يلبس الأرجوان والبز مترفهًا، ولم يكن يعطي المسكين لعازر حتى مات جوعًا، يصرخ وهو في عذاب الهاوية قائلًا: "يا أبي إبراهيم، ارحمني، وأرسل لعازر ليبل طرف إصبعه بماء، ويبرد لساني؛ لأني معذب في هذا اللهيب"٢، ونقرأ في رؤيا القديس يوحنا اللاهوتي: "وأما الخائفون، وغير المؤمنين، والرجسون، والقاتلون، والزناة، والسحرة، وعبدة الأوثان، وجميع الكذبة فنصيبهم في البحيرة المتقدة بنار وكبريت"٣. وعلى الرغم من أن الكنيسة لم تقل شيئًا عن طبيعة النار، فإنها تقرر أنها نار واقعية، لها سماتها من: اللهب، والجمر، والأوار الذي لا يخمد ... إلخ. وإذن، فقد كان ديكارت على حق حين اعترض على نظرية بعض اللاهوتيين الذي كانوا يقولون: "إن الله يخيب أمل المعذبين عندما يقر في أذهانهم أنهم يرون ويستشعرون نار الجحيم التي تحرقهم، وإن لم يكن موجودًا منها شيء في الواقع"، ويرد ديكارت على ذلك بقوله: "إن الله لا يمكن أن يكون خادعًا، إذ كيف يمكن أن نؤمن بأمور أوحاها الله إلينا إذا كنا نظن أنه يخدعنا أحيانًا؟ إن شعور المعذبين ليس خيبة أمل، بل هم معذبون حقًّا بالنار؛ لأن الله قادر على أن يجعل الروح تذوق آلام النار المادية بعد الموت، كما كانت تحس بها قبله"٤. ومع أن الإشارة إلى الجنة كانت أقل ترددًا في العهد الجديد من موضوع النار، فإنها تحمل كثيرًا طابع السعادة الحسية، بجانب السعادة الروحية.

стр. 439

ولقد رأينا آنفًا توسلات الغني الخبيث، يلتمس قليلًا من الماء ليبل لسانه. ولذلك يقرر يسوع في أكثر العبارات صراحة، وعمومًا: "وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتًا، لتأكلوا، وتشربوا على مائدتي في ملكوتي، وتجلسوا على كراسيٍّ تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر"١، وقال أيضًا للذي دعاه: "إذا صنعت غداء أو عشاء ... فادع المساكين، الجدع، العرج، العمي، فيكون لك الطوبى، إذ ليس لهم حتى يكافئوك؛ لأنك تكافَى في قيامة الأبرار"٢، وأكثر من ذلك تحديدًا أيضًا قوله في آخر اجتماع له مع حوارييه: "وأقول لكم: إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة، هذا إلى ذلك اليوم، حينما أشربه معكم جديدًا في ملكوت أبي"٣، وقد عبر عن فكرة مماثلة لهذه بمناسبة تناول القربان المقدس، قال: "شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم؛ لأن أقول لكم: إني لا آكل منه بعد، حتى يكمل في ملكوت الله ... "٤. بيد أن الجانب الحسي من نعيم الجنة أكثر ظهورًا في رؤيا القديس يوحنا: "من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله،٥ من المن المُخفى٦ من يغلب فذلك سيلبس ثيابًا بيضًا٧، أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجانًا٨، لن يجوعوا بعد، ولن يعطشوا بعد، ولا تقع عليهم الشمس، ولا شيء من الحر"٩. واقرءوا وصف القدس الجديدة لنفس المؤلف، كتب يقول: "والمدينة ذهب نقي شبه زجاج نقي، وأساسات سور المدينة مزينة

стр. 440

بكل حجر كريم"١. "ومن هناك شجرة حياة تصنع اثنتي عشرة ثمرة، وتعطي كل شهر ثمرها ... "٢ إلخ. هل يقال: إن هذه رؤيا قديس شجعته في ذلك العصر التعاليم الأخروية التي قالت بها اليهودية؟ ... ٣... هذا ممكن، ولكنه أحد أمرين: إما أن الرؤيا وهم شعري، ومحض خيال حالم، وإما أنها تطابق مع شيء من الواقع، لا أقول: إنها أدركت كل شيء، ولكن أقول: إنها تقترب وتوجز؛ لأنه كما قيل: "إن الأشياء التي أعدها الله لمن يحبونه أشياء لم ترها العين، ولا سمعتها أذن، ولا خطرت على قلب إنسان"٤. فهي إذن أشياء سوف تراها العين، وتسمعها الأذن، وسوف تمس القلب. والحق أنه لا يوجد نص يؤكد تشابه الحياتين، ولكن لا يوجد نص يمنع إمكان نوع من الاستمرار بينهما، بل إننا نقول: إن هذا الاستمرار شرط في تيسير إدراكهما على نحو بالغ. ولكن إذا كان العالم الذي وعدنا به عالمًا جديدًا على وجه الإطلاق، لا يرى، ولا يمس، ولا مثال له في عالمنا الحاضر، فأي سلطان سيكون له علينا؟ وأي اضطراب سوف يلقى حينئذ في أذهاننا؟ أنكون إذن بحيث يتعرف بعضنا على بعض، ونحس بنفس القدر من البساطة أنه لم تمضِ سوى ساعة بين الموت والبعث؟ ٥ ... ثم تجربتنا الراهنة لجميع الملذات

стр. 441

والآلام البدنية والأخلاقية، أتصلح بحسبانها شيئًا ذا قيمة كبيرة؟ ألا يتمثل سبب وجودها، في جانب كبير منه، في أنها تعرفنا بأوليات هذه الحياة الجديدة، وتقدمها إلينا على سبيل الإيجاز، والتشويق؟ إني لأعرف التأويل الذي أمكن أن يوضع لكلمات المسيح، إنهم لكي يتقوا هجمات العقليين، وهم في الوقت نفسه يسلمون نصًّا بما أعد للمعذبين من آلام بدنية بالغة القسوة, يريدون أن يعتبروا النصوص الإنجيلية المتعلقة بالمائدة الطيبة التي أعلنت للسعداء من قبيل الرموز، على حين لا مجال هنا، ولا أثر لأي مقارنة. فهذه النصوص قد تناولها المسيحيون الأوائل تناولًا حرفيًّا، كما كان يفعل آباء الكنيسة السريانية١، وكما يفعله حتى الآن البروتستانت في القدس الجديدة٢. وإني لأعرف أيضًا أن هذا التأويل يمكن أن نواجهه عند نظرنا في النصوص القرآنية، بل وربما كان على جانب أكبر من الصواب؛ لأن هذا التعليم يجيء في مواضع كثيرة على أنه "مثل" أو رمز "مثل الجنة ... "٣. بيد أنه، على الرغم من أن كلمة "مثل" تعني "الوصف"، كما تعني "المقارنة" فمن الصعب أمام كثرة الآيات الأخرى التي لا تظهر فيها هذه الكلمة -أن نعريها من معناها الحقيقي، وأن نتناولها على أنها مجرد رموز. ولا ريب أن القرآن -فيما يبدو- يؤكد لنا أن ملذات الجنة ذات شبه بأحوال الأرض وأشيائها، دون أن يكون بينهما تماثل جوهري؛ ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ ٤، وقد استطاع ابن عباس أن يقول: إنها ليس لها منها

стр. 442

سوى الاسم. ولكن، إلى أي حد سيكونان متمايزين؟ أهو تمايز المعقول من المحسوس؟ أم أن أشياء الجنة سوف تحتفظ ببعض التماثل الطبيعي مع أشياء الأرض؟ ومع ذلك، إذا لم يكن الجسد المبعوث سيتقاسم مع النفس كل متعها المشروعة ألا يكون بعثه عبثًا، والجزاء على كل حال ناقصًا؟ ذلك أنه على حين أن الجزاء القانوني والجزاء الأخلاقي، بطبيعتهما، لا يؤثر كل منهما مباشرة إلا على عنصر مختلف من الشخص "الحاسة، أو الضمير" -فإن ما يميز الجزاء الإلهي هو أنه يجب أن يكون كليًّا وكاملًا، فطبيعة هذا الجزاء المركبة ليست عيبًا، ولكنها فيما يبدو لنا بعكس ذلك، شرط في كماله، من حيث هي متفقة مع تركيب الطبيعة الإنسانية، على النحو الذي نعرفه اليوم، ويبدو أن هذه الطبيعة ستظل -إلى أن يثبت العكس- محتفظة بهويتها هذه, أعني: بهذا الارتباط الوثيق بين الجانب البدني، والجانب الأخلاقي. وهكذا نرى الآن رحابة الفكرة القرآنية عن الجزاء. إنها ليست نزعات خاصة لإنسان، ولا آراء شخصية لفيلسوف ولا رأيًا شائعًا في عصر، أي عصر، سواء أكان معاصرًا للإسلام، أم سابقًا عليه، أم لاحقًا به، ليس ذلك كله هو ما تعبر عنه هذه النظرية، إذ إنها لما كانت شاملة بفضل غايتها أرادت أن تكون كذلك شاملة بفضل منهجها، ومن ثم فإن ما تركه الحكماء الأقدمون منذ سقراط وإيبيكتيت epictete، وما كتبه فلاسفة العصر الحديث حتى "كانت" و"ميل" وما جاء به القديسون، والأنبياء، منذ بدء الزمن، حتى موسى وعيسى -كل مذهب من هذه المذاهب لا بد أن يجد في النظرية القرآنية إحدى الصيغ التي يوافق عليها. وما ذلك إلا لأنها تستهدف النفس الإنسانية بكل قواها وفي كل أعماقها، ولأنها تدعو جميع الناس، في جميع الطبقات، ومن جميع درجات العقل.

стр. 443

وليس عدلًا في ذاته فحسب أن تتساوى المكافأة مع الجهد المكافَأ، من حيث التركيب والغناء، ولكن من حكمة المنهج أن يكون التعليم الشامل مزودًا بنظام للبرهنة يتساوى في تنوعه مع تنوع الاتجاهات، والأمزجة، والعقول، لدى من يتوجه إليهم، بحيث يستطيع كل منهم، تبعًا لطريقته في التفكير، أن يرى فيه أمورًا صالحة لإقناعه. فيجب أن يجد الأمر بالواجب تسويغه في الحقيقة، بأية صورة تمثلت، ويجب أن يكون قادرًا على ممارسة تأثيره في النفس، بأية عين تأملته، وذلكم هو ما يقدمه لنا القرآن. إن جلال الأمر الإلهي، ومطابقته للحكمة، وتوافقه مع الخير في ذاته، والرضا الذي يمنحه لأشرف المشاعر وأرقها، والقيم الأخلاقية التي يؤدي تطبيقه إلى تحقيقها، والغايات العظمى في هذه الدنيا، وفي الأخرى ... كل ذلك يسهم في دعم سلطان الواجب القرآني. بيد أن خاتمتنا هذه، بدلًا من أن تذلل جميع الصعوبات، يبدو أنها أثارت صعوبة جديدة؛ ذلك أن جميع الطاقات حين تسخر على هذا النحو، وإذا ما توترت كل القوى ونشطت، وإذا ما تهيأت كل الوسائل واستعدت، فلا يبقى سوى أن تتحرك تحت عصا الإرادة -فهل سيكون من حق هذه الإرادة أن تستعير دوافعها من مجالات جدّ مختلفة؟ وهل يمكن أن يقوم أي شيء، في نظر القرآن على أنه حافز على العمل؟ وبعد أن وفقت الأخلاق القرآنية بين الاختلافات، وأجابت عن جميع المقتضيات المشروعة، على صعيد الجزاء -هل تبدو هذه الأخلاق لامبالية في مجال "النية" وذلك من وجهة نظر عرضنا للموضوع؟ أتكفيها المطابقة المادية، أيًّا كان المبدأ الذي يلهمها، أو حتى في غيبة الشعور بالواجب كلية؟ ... تلكم هي المسألة التي تواجهنا الآن بإلحاح، وهي ما خصصنا له الفصل التالي.

стр. 444

الفصل الرابع: النية والدوافع مدخل ... الفصل الرابع: النية والدوافع "النية" l'intention بالمعنى الواسع للكلمة: حركة تنزع بها الإرادة نحو شيء معين، سواء "لتحقيقه"، أو "لإحرازه". والموضوع المباشر للإرادة الفاعلة هو "العمل" الذي تشرع في أدائه، ولكن هذا المشروع لا يكون ممكنًا كمشروع إرادي على وجه الكمال، إلا حين يلمح الإنسان في صميم العمل ومن ورائه شيئًا من الخير، أيًّا كان، يزكيه في نظره، وينشئ له سبب كينونته. وفي هذا يكمن الموضوع غير المباشر، أو الغاية الأخيرة التي يقصد إليها الجهد العاقل، الواعي، والتي يتطلع إلى بلوغها. وتطلق كلمة "غاية" FIN أو "هدف" BUT على ذلك الموضوع البعيد، من حيث هو حقيقة مستقبلة يتعين السعي وراءها وبلوغها، ولكنه من حيث هو مبدأ أو فكرة، تحفز النشاط الإرادي، وتمهد له، يطلق عليه "باعث" motif أو "دافع" mobile, فهما كلمتان معتبرتان بعامة مترادفتين تمامًا، على حين أنهما تشتملان على قدر كافٍ من الألوان الدلالية، يحدد لتصوراتنا دورًا مختلفًا في هذا الإعداد للعمل. فباعتبار أنها "باعث" تصور فكرة الخير الأسمى حالة عقلية صرفة، تستخدم في تسويغ العمل المعتزم، وجعله معقولًا، وبيان مطابقته للقانون أو الشرع. بيد أننا حين نتجاوز هذه المرحلة العقلية نجد أن فكرة الهدف تتمثل

стр. 445

لنا كقوة محركة تدفع نشاطنا، وحين ننظر إليها من وجهة هذا التأثير على الإرادة فإننا نطلق عليها اسم الدافع mobile. ويمضي "كانت" إلى ما هو أبعد من ذلك في هذه التفرقة، حين يطلق كلمة "دافع mobile" إطلاقًا نوعيًّا على الغايات الذاتية، الصادقة بالنسبة إلى الشخص فحسب، على حين يطلق "البواعث motifs" مرادًا بها عنده الغايات الموضوعية، الصادقة بالنسبة إلى جميع الكائنات العاقلة١. وأيًّا ما كان أمر هذه الألوان الدلالية، فإن نقطة انطلاقنا في هذا الفصل هي التفرقة الواضحة بين نوعين من مطالب الإرادة هما: الماهية le quoi، والسبب le pour quoi. فمن المسلم لدينا في الواقع أنه في أي قرار عادي يتخذ بعد تأمل كافٍ -لا بد للإرادة من نظرتين: إحداهما تنصبّ على العمل، والأخرى على الغاية وهذه العين الغائية للإرادة قد تغض الطرف، ولكنها لا تكون مغلقة بصورة كاملة مطلقًا، ولقد يبتعد الموضوع الذي تتأمله من مجال الشعور الواضح، ولكن لن يقلل ذلك من حقيقة حضوره فيما تحت الشعور، أو في اللاشعور، وهو أكثر عمقًا وخصوصية. بل إن هذا الموضوع هو المبدأ الأول الذي يلهم الإرادة ويحدد حركتها نحو العمل. هاتان النظرتان للإرادة هما موضوعان مختلفان من موضوعات الدراسة في العلم. فعلى حين أن النية الغائية يكثر تناولها بخاصة لدى الأخلاقيين، نجد أن علماء النفس والقضاة مشغولون أكثر بدراسة النية بمعناه العام، والموضوعي بعامة، بحيث يجوز لنا أن نفرق بين هذين النوعين من النية، بأن نطلق

стр. 446

عليهما، كل على حدة: النية الأخلاقية، والنية النفسية، "أو السيكولوجية" لا لأن الأخلاقية لا تهتم باختيار الموضوع المباشر "فهذا الاختيار بعكس ذلك هو شرطها الأولي"، ولكن لأن الفعل الذي يفقد فقدانًا كاملًا هذه النية الأولى -لا يدخل في مجال الأخلاق amorale١، أعني يكون محايدًا؛ على حين أن الإرادة التي تسعى وراء غايات غير مشروعة هي إرادة ضد الأخلاق immorale، أعني: آثمة. أما النية النفسية، فإنها لا تفعل أكثر من أن تمنح العمل حق الحياة، إنها تجعله صحيحًا، يعتمد عليه، والنية الحسنة أخلاقيًّا تجلب إليه ما يناسبه من القيمة. ولقد كان من المستحسن دون شك أن يحدد هذان النوعان في اللغة الشائعة بتسميتين مختلفتين، ولكن لم يحدث من ذلك شيء، بكل أسف، بل لقد خلطت اللغة بينهما دائمًا في لفظ واحد، تاركة لنا مهمة تمييز المعنى الدقيق المراد منه، بحسب السياقات، أو الظروف التي يستعمل فيها. أما الذين يولعون بالوضوح والتحديد، فينبغي عليهم إذن أن يلجئوا إلى صفات مميزة، مثل: الأولى، أو الثانية، المباشرة أو غير المباشرة، النفسية أو الأخلاقية، الموضوعية أو الغائية. ومع ذلك، فإن بعض الأخلاقيين يحتفظون باسم "نية intention" للمعنى الذي يرتبط بالعمل، وباسم "القصدية intentionnalite" للمعنى الذي ينصرف إلى الغاية، حتى يبددوا هذا الغموض، ويختصروا الكلام في نفس الوقت. أما نحن، فسوف نعنون هاتين الدراستين بكلمتي: "النية intention" و"الدوافع mobiles" -من أجل مزيد من الوضوح.

стр. 447

النية مدخل ... النية: سوف نفترض الآن أن الإرادة أمكنها أن تحصر نفسها في العمل، وأنها قد امتصت فيه امتصاصًا كاملًا، دون هدف آخر، أو نية مستترة، وأنها قد قطعت كل صلة لها بالأسباب العميقة التي تحفزها إلى ذلك العمل. إن اتجاهها المسدد على هذا النحو، إلى العمل الذي تنتجه، أو هي بصدد إنتاجه، يطلق عليه: "قصد، أو نية -intention"، فعلى أهبة القيام بالعمل تعني كلمة "intention" قرارًا يتفاوت في ثباته؛ فهو "القصد" و"العزم"، فأما حين يتزامن مع العمل -وتلك هي الحالة التي تكون فيها كلمة "نية" هي اللفظة المناسبة- فهو الشعور النفسي الذي يصحب العمل، أعني أنه موقف عقل يقظ, حاضر فيما يؤديه. بيد أن فكرة "القصد، أو النية" في كلتا الحالين؛ ولأنها تتصل بواجب عمل -ينبغي أن تنطوي عنه على ثلاثة عناصر تكوينية، وثلاثة فحسب، هي: ١- تصور المرء لما يعمله. ٢- إرادة إحداثه.

стр. 448

٣- إرادته بالتحديد، على أنه شيء مأمور به، أو مفروض. فهذه الفكرة إذن هي الشعور الذي يتحقق لدينا من نشاطنا الإرادي، سواء حين يكون هذا النشاط على وشك أن يمارس، أو خلال ممارسته، مع معرفتنا أننا نسعى بذلك إلى أداء واجب ملزم. فإذا حددنا هذه الفكرة على هذا النحو فإنها سوف تقدم لبحثنا عددًا من المشكلات التي تطلب حلًّا: ما الذي يحدث إذا ما غابت النية كليًّا، أو جزئيًّا؟ وإلى أي حد يمكن للنية أن تغير طبيعة العمل؟ وهل تكون الغلبة في الفعل الأخلاقي التام، للعمل أو للنية؟ وإلى أي حد تستطيع النية بمفردها أن تقوم بدور واجب كامل؟

стр. 449

أ- النية كشرط للتصديق على الفعل: أما بالنسبة إلى المسألة الأولى، وهي المسألة التي تتصل بغيبة النية، فلكي نزيدها تحديدًا يجب أن نتذكر أولًا ما سبق أن قيل في موضوع المسئولية. ولقد رأينا١ كيف أن الشرع الإسلامي يضرب صفحًا عن أي عمل ينقصه أحد العنصرين النفسانيين: المعرفة، والإرادة. فالعمل اللاشعوري، أو الحدث المادي الصرف، الذي يحدث عن طريقنا، دون أن نشعر به، بأن نكون نائمين مثلًا، هذا العمل لا يمكن أن يوصف بحسن أو قبح، ما دام لا يمكن أن نحاسب عليه. ومن هذا القبيل العمل الشعوري, حين يكون غير إرادي، إنه حدث يتم بعلمنا، ولكن مستقلًّا عن إرادتنا، في صورة طارئ نتعرض له، صادر عن قوة لا تقاوم، وذلك كحادث أو تصادم. ولقد كنا نقول حتى الآن: إن المبادئ القانونية، والمبادئ الأخلاقية تسير جنبًا إلى جنب. بيد أنها تبدأ في الافتراق منذ أن يصبح الأمر متعلقًا.

стр. 450

بعمل شعوري وإرادي، ولكن يفتقر إلى النية؛ أي: حين يدور القانون على جانب منه، وتدور الإرادة على جانب آخر، بحيث إنه، على الرغم من كونه من الناحية المادية يمكن اعتباره متفقًا مع القانون، أو مخالفًا له، فإنه لا يمكن أن يكون كذلك من حيث الروح التي تم بها، وتلك هي حالة القتل الخطأ، أو أي حدث يتم بنية حسنة، ولكنه يسبب أضرارًا للآخرين. فعلى حين يعلن القانون الأخلاقي، كما يعلن قانون العقوبات من جانب آخر: أن أعمالنا لا تنسب إلينا إلا بقدر النية التي نؤديها بها، فإن القانون المدني يحاول أن ينفذ هنا نوعًا من الحل الوسط: فهو، وإن كان يبرئ الشخص، يستخدم جزءًا من ثروته لإصلاح الضرر الذي تسبب فيه. هذه الاعتبارات التي قدمناها من وجهة نظر المسئولية والجزاء، يجب أن نعيد تناولها هنا من وجهة نظر التصديق على الفعل، فمن هذه الزاوية الأخيرة يبدو أن ما وصلنا إليه من نتائج يتعرض للنقض أو الهجوم، في مواضع مختلفة، حيث يظهر الشرع الإسلامي قانعًا بما حصل من نتيجة، حتى لو كانت تحدث ضد نيتنا، أو حتى دون علمنا. ويمكن تشبيه ذلك بسداد دين معين عن طريق طرف ثالث، دون أن يقوم هذا الأخير بإخطار المدين، أو يسترجع ماله منه. وحتى لو أن الدائن لجأ إلى تصرفات قاسية، فبلغ به الأمر أن ينتزع حقه انتزاعًا، فلن يعود له شيء يطالب به. ومن الممكن أن يتم أداء الأمانة، والمساعدة المادية للمعوزين، في نفس الظروف, حتى إنه في حالة رفض الأغنياء أن يدفعوا زكاة العشر، فإن الحكومة تستطيع، بل يجب عليها، أن تتصرف بكل أنواع الضغط على

стр. 451

الأغنياء، حتى تضمن للفقراء حقهم. ولا شك أننا نعرف خبر المعركة القاسية التي خاضها الخليفة الأول أبو بكر ﵁ في هذا الشأن١. بيد أن جميع الحالات التي ذكرناها لا تمثل صعوبات خطيرة، ولا هي بحيث تحير الأخلاقي. غير أن الحقيقة -في واقع الأمر- أننا لا نعفى إعفاء كاملًا من واجباتنا نتيجة حدث يقع مستقلًّا عنا، أو رغم إرادتنا. ويجب في الأمثلة السابقة أن نميز بين جانبين مختلفين للواجب، ذلك أنه إذا كانت العدالة تقتضي أن يتملك كل إنسان من الطيبات ما له فيه حق -فإن ذلك ينتج عنه تكليف مزدوج: أولًا: على من يحوز الشيء مناقضًا في حيازته الشرع أن يرده إلى مالكه، وثانيًا: على الأمة أن تحرص على ألا تضيع حقوق أصحاب الحقوق أو تهضم، فإذا لم يتم الأداء بوساطة الحائز لزم التدخل لإقرار النظام. وليست الدولة وحدها، وهي الهيئة العليا التي تمثل المجتمع في هذه المهمة العامة -هي التي يجب أن تعمل لكي تسود العدالة بين الناس، بل إن كل عضو في الجماعة خاضع لهذه الضرورة الأخلاقية، في حدود وسائله المشروعة، بحيث يترتب على ترك الرذيلة تستشري، والعدالة مختلة -أن يصبح التقصير جريمة شاملة. وإذن فإن أولئك الذين يؤدون واجباتي الاجتماعية، بدلًا مني، أو أولئك الذين يحملونني على أدائها على الرغم مني -هؤلاء وأولئك لا يفعلون ما يفعلون من أجلي، بل من أجلهم هم، بمقتضى واجب آخر، فليقم من شاء بهذا

стр. 452

إن على الأمة وحدها يقع عبء حفظ النظام العام، والدفاع عن الحق المشترك، ومنع الظلم الظاهر, وعلى كل منا أن يراقب موقفه الباطني، وأن يتحقق من توافقه مع روح الشريعة. ولكن، ألا يجب منذئذ، ومن وجهة النظر التي نقول بها الآن، أن ننتهي إلى "الموضوعية المحضة" في التشريع الاجتماعي الإسلامي؟ الواقع أن المبدأ الذي يستخلص من هذا البحث مختلف اختلافًا تامًّا عن المبدأ الذي رأيناه حتى الآن. فعلى حين قد رأينا أن "الأخلاقية" و"المشروعية" لم تكونا تفترقان من حيث المسئولية والجزاء إلا في منتصف الطريق، إذ بنا نشهد الآن انفصالًا أساسيًّا من حيث قبول الفعل، بين القانون الأخلاقي، والقانون الاجتماعي، منذ البداية. فمن الناحية الأخلاقية لا يمكن أن ندخل في باب الأخلاق أي عمل إذا لم يكن شعوريًّا، وإراديًّا، وانعقدت عليه النية في آن واحد. ولا شيء من هذه الشروط بضروري للنهوض بالتكليف الاجتماعي، وإنما يجب، ويكفي، أن يستوفي العمل بعض الشروط الموضوعية المحضة، المتعلقة بالمكان، وبالزمان، وبالكم، وبالكيف، حتى لو تحققت الصور الواقعية منه وحدها، دون علم، ودون إرادة، وسواء أكان نتيجة إكراه، أو صدفة. ولا ريب أن الرأي العام لا يرضى تمامًا بهذا، فهو يرفض قطعًا أن يمنح تقديره للأحداث التي تقع في ظروف كهذه، بيد أن وجهة النظر التي يتخذها في هذا التقدير ذات طابع أخلاقي خالص. وربما كان أخطر الاعتراضات هو أن نكشف عن وجود أفعال أخلاقية

стр. 453

إن على الأمة وحدها يقع عبء حفظ النظام العام، والدفاع عن الحق المشترك، ومنع الظلم الظاهر, وعلى كل منا أن يراقب موقفه الباطني، وأن يتحقق من توافقه مع روح الشريعة. ولكن، ألا يجب منذئذ، ومن وجهة النظر التي نقول بها الآن، أن ننتهي إلى "الموضوعية المحضة" في التشريع الاجتماعي الإسلامي؟ الواقع أن المبدأ الذي يستخلص من هذا البحث مختلف اختلافًا تامًّا عن المبدأ الذي رأيناه حتى الآن. فعلى حين قد رأينا أن "الأخلاقية" و"المشروعية" لم تكونا تفترقان من حيث المسئولية والجزاء إلا في منتصف الطريق، إذ بنا نشهد الآن انفصالًا أساسيًّا من حيث قبول الفعل، بين القانون الأخلاقي، والقانون الاجتماعي، منذ البداية. فمن الناحية الأخلاقية لا يمكن أن ندخل في باب الأخلاق أي عمل إذا لم يكن شعوريًّا، وإراديًّا، وانعقدت عليه النية في آن واحد. ولا شيء من هذه الشروط بضروري للنهوض بالتكليف الاجتماعي، وإنما يجب، ويكفي، أن يستوفي العمل بعض الشروط الموضوعية المحضة، المتعلقة بالمكان، وبالزمان، وبالكم، وبالكيف، حتى لو تحققت الصور الواقعية منه وحدها، دون علم، ودون إرادة، وسواء أكان نتيجة إكراه، أو صدفة. ولا ريب أن الرأي العام لا يرضى تمامًا بهذا، فهو يرفض قطعًا أن يمنح تقديره للأحداث التي تقع في ظروف كهذه، بيد أن وجهة النظر التي يتخذها في هذا التقدير ذات طابع أخلاقي خالص. وربما كان أخطر الاعتراضات هو أن نكشف عن وجود أفعال أخلاقية

стр. 454

لا علاقة لها بالحياة الاجتماعية، وهي أفعال قد يقنع القانون فيها، سواء بالتعبير المادي عن الواجب في غيبة واقعه النفسي، أو بمجرد حضور هذا الواقع النفسي، دون أن يتطلب منه واقعًا أخلاقيًّا, وهو الواقع الذي تؤلف فكرة الواجب فيه جزءًا جوهريًّا من العمل الشعوري المقبول بحرية تامة. إن أفعالًا كهذه لا ينبغي أن توجد من حيث المبدأ: أولًا: لأن القرآن يتطلب منا الشعور النفسي، وحضور الذهن فيما نقول، وفيما نفعل، وذلك حين يمنعنا من أن نتصور أداء واجباتنا المقدسة ونحن في حال شرود، أو إغماء، أو سكر: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ١. ثم هو يتطلب منا بعد ذلك الضمير الأخلاقي، بالمفهوم الأسمى لهذه الكلمة: رضا القلب، وتلقائية الفعل، والسرور، والهمة التي يؤدى بها الواجب. تلكم هي الصفات التي تجعل أعمالنا مقبولة عند الله. وهذا هو السبب فيما أعلنه القرآن من أن أولئك الذي يقدمون بعض الصدقات، أو بعض شعائر التقوى، كسالى مرغمين -لن تقبل أعمالهم عند الله أبدًا: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ ٢. وهو أيضًا السبب في أنه وصف هؤلاء الناس الذين لا إيمان لهم، ولا شجاعة عندهم، والذين يتظاهرون جبنًا بالإيمان المنافق، عن خوف، لا عن اقتناع -وصفهم بأنهم ليسوا مطلقًا في عداد المؤمنين: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُون﴾ ٣. والشرط الصريح للأخلاقية "وللإيمان ذاته" يتمثل، كما حدث القرآن،

стр. 455

في أن يقبل المرء مختارًا جميع أوامر الشريعة، وأن يخضع نفسه لها كلية، لدرجة ألا يجد شيئًا يتردد في نفسه ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١. بيد أننا لكي نقدم للقارئ قولة عامة تلخص وتستوعب بلا حدود هذه الأمثلة القرآنية -لا نجد خيرًا من أن نذكر تلك القولة المحمدية التي جعلها البخاري في صدر صحيحه من الحديث الشريف: "إنما الأعمال بالنيات"، وهذه القولة التي يتجرمونها عادة بمعنى: "إن الأعمال لا قيمة لها إلا بنواياها"، -هي في الواقع أكثر مضمونًا ووضوحًا من ترجمتها؛ إنها تقول بالحرف: "إن الأعمال لا توجد "أخلاقيًّا" إلا بالنوايا". ومع ذلك فقد توجد بعض الواجبات الفردية، وبتعبير أدق: بعض الشعائر الدينية، تغاضى الفقهاء المسلمون بشأنها عن غيبة النية، وهو موقف عام لهم، إن لم يكن إجماعًا بينهم. ومثال ذلك حالة الاستبراء والتطهر، وسائر مقدمات الصلاة، فمن المعروف أن على كل مسلم إذا أراد أداء الصلاة أن يمر قبلها بنوع من مرحلة الانتقال، وهو الانتقال من العالم المدنس للحياة الأرضية، إلى العالم المقدس للحياة الروحية، فيجب أولًا أن يزيل النجاسات والوساخات من مكان عبادته، كما يزيلها من بدنه، وملابسه، وهي الملابس التي ينبغي أن تكون ذات هيئة محتشمة. ويجب فضلًا عن ذلك أن يقوم، تبعًا للحالة، بتوضؤ جزئي "فيغسل الوجه, واليدين, والقدمين, ويمسح شعره", أو بتوضؤ كلي "بأن يغتسل اغتسالًا كاملًا". ويجب أخيرًا

стр. 456

أن يولي وجهه شطر الكعبة١ في مكة، وأن يظل على هذا الوضع طوال الصلاة. وإذن، فقد انعقد الإجماع تقريبًا، فيما يتعلق بالتوجه، واللباس، والنظافة الطبيعية -على أنه لا يلزم أن يكون أداؤها عن نية وإرادة، أما فيما يتعلق بالنظافة الدينية المحضة "الوضوء والغسل"، فقد اختلفت المذاهب: فعلى حين تشترط لها مذاهب أهل الحجاز ومصر "المالكية، والشافعية والحنابلة" -وجود النية، على أساس أنها واجب بالنظر إلى الصلاة، يكتفي مذهب أهل العراق "الحنفي" بالواقع الموضوعي، متى التزم في دقة، حتى لو كان عن غير نية. وقد ثار خلاف كهذا حول الوقوف على جبل عرفات، أثناء أداء الحج بمكة. فكيف إذن نفسر هذه الاستثناءات التي تؤدي إلى تقويض المبدأ العام، مبدأ النية، الذي أعلن رسول الله ﷺ أنه لازم لا ينفصل عن كل نشاط أخلاقي؟ حاول أتباع الفقه العراقي لذلك تفسيرين، فبدءوا بتبني التأويل الشائع للحديث عن النية، وأن بطلان العمل غير المصحوب بالنية هو وجه من وجوه الكلام فحسب، فالنية شرط ضروري، لا لوجود العمل الأخلاقي في ذاته، أي: صحته، بل لكماله، واستيفائه قيمته الكاملة. وهكذا يقررون مع خصومهم في الرأي أن الواجب الذي لا يؤدى بحضورالقلب، بل باعتباره أمرًا -لن تكون له قيمة إيجابية، ولن يستوجب أية مكافأة، ولكنهم

стр. 457

لا يرونه باطلًا مطلقًا، أو ذنبًا، وحسبه أنه يكفي لإبراء صاحبه من التكليف بإعادته مع النية. فإذا أتى هؤلاء الشراح إلى افتراض أن الحديث ينص على الإبطال الكلي للعمل غير المصحوب بالنية، التزموا بتقييده، حيث يطبقونه فقط على الواجبات الأساسية، التي يؤمر بها لذاتها، لا لغيرها من الواجبات الأخرى. ومن ثم تفيد أشكال الطهارة من هذا التجاوز؛ لأنها لم يؤمر بها إلا كمقدمات للصلاة، التي تعتبر هنا الواجب الأول. هذا التفسير المزدوج لا يبدو لأعيننا كافيًا؛ لأنه في جزئه الأول يهمل المعنى الحقيقي للكلمات دون ضرورة ظاهرة، وهو في جانبه الثاني يستبعد جميع الواجبات المساعدة بصورة منهجية، على حين أن من بينها واجبات ينبغي أن تؤدى صراحة -تبعًا لنفس المذهب- باعتبارها واجبات: "ومن ذلك الطهارة الرمزية التي يطلق عليها: التيمم". ولسوف نحاول من جانبنا أن نستخلص السبب الحقيقي في هذا التجاوز، لدى هؤلاء وهؤلاء. وفي رأينا أن جميع الحالات المتجاوز عنها لا تمثل تقييدًا يرد على مبدأ النية، وإنما هو مجرد اختلاف في فهم الموضوع الذي تستهدفه قاعدة أو أخرى من القواعد العملية. وهذا الاختلاف ينحصر في كلمتين: "العمل"، و"الكينونة"، والواقع أنه طالما كان الأمر أمر نشاط تجب ممارسته، فإن هذا النشاط لا يمكن أن يكون إلا إراديًّا، ولن تكون له الصفة الأخلاقية، إلا إذا كانت الإرادة قائمة على الطابع التكليفي لهذا النشاط. فالأخلاقية والنية صنوان لا ينفصمان. فأما إذا كان الأمر بالعكس, مجرد حالة حدوث، فهنا لا تهم كثيرًا

стр. 458

الطريقة التي تحدث بها هذه الحالة، بل لا ينبغي أن يستثنى من ذلك أن تحدث بوساطة الصدفة، أو المعجزة. ومن الواضح في هذه الظروف أن النتيجة التي يحصل عليها بأية وسيلة، سوف تعفينا مطلقًا من تكاليفنا، حيث كان الواجب أن يكون شيء فحسب، ولقد كان. وعلى ذلك, فإننا نعتقد أن هذه الاستثناءات كلها تقوم على سبب عميق هو أننا ندرك أحيانًا من وراء الواجب الإيجابي الفعَّال الذي يقتضي بالإجماع حركية الإرادة -ضرورة أخرى سلبية أو منفعلة، أي: واجبًا ساكنًا١ "غير حركي" إن صح التعبير. ولقد نتصور بعض القوانين على أنها لا تستوجب فحسب نشاطًا من جانبنا، ولكنها تستوجب كذلك نتيجة ينبغي بلوغها بأي ثمن، بل وقد لا تستهدف غير هذه النتيجة. وأما مسألة معرفة ما إذا كان هذا القانون أو ذاك له فعلًا أهداف كهذه -فهي مسألة تفاصيل، تهم أكثر ما تهم حالات التطبيق، ونحن لا يعنينا سوى أن نستخرج وجهة النظر العامة، التي تحكم كل هذه الترخصات. وقد ميز علم أصول الشريعة الإسلامية في شرح القانون بين ضربين: أولهما: خطاب تكليف، وهو الذي يقوم على فعل شيء أو تركه. وثانيهما: خطاب وضع، ويراد به وضع الشروط والأسباب، وبيان حال الصحة وعدمها٢.

стр. 459

ومن الثابت في هذا العلم أن الأفراد الذين يعجزون عن أن يكونوا موضع تكليف ليسوا بأقل أهلية لأن تتوجه إليهم الأوامر الوضعية. ولذلك يفرض في مال الصبية والمجانين ما يفرض في مال الآخرين من أفراد الجماعة، ومتى ما أديت هذه الفرائض في أوانها أصبحت الشريعة مستوفاة استيفاء كاملًا، بمعنى أن هؤلاء الأفراد القاصرين عندما يبلغون، أو يستردون شخصيتهم الأخلاقية لن يلزمهم أن يدفعوا مرة أخرى بالنسبة إلى الماضي، دفعًا مقرونًا بالنية. وها نحن أولاء من خلال التفرقة التي أجريناها بين "واجب العمل" و"واجب الكينونة" -قد أبرزنا فائدة تلك الفكرة القانونية القديمة، بل جعلناها أكثر وضوحًا، وأشد بساطة، وبسطنا امتدادها إلى الأفعال الأخلاقية. أما وقد بسطت ووسعت هذه الفكرة على هذا النحو، فإنها تصبح قادرة على أن تحل مباشرة المجموعتين من الصعوبات التي صادفناها آنفًا، ولن يكون من العسير أن نتحقق من صدقها في جميع الحالات المذكورة من قبل؛ فردية أو اجتماعية، والتي كان فيها للفعل الذي تم عن جهل، أو بالإكراه -نصيب من القبول والموافقة. هل نحن بحاجة إلى القول بأن كل هذه المحاولات ليس الهدف منها أن نرد إلى الموضوعية في الأخلاق اعتبارها، وأن نخلع بعض القيمة على العمل غير المصحوب بالنية؟! من البداهة بمكان أن فعلًا كهذا لا يمكن أن ينسب إلى أحد من الناس، فهو عمل يبدو وكأنه لا يحمل اسمًا، ولا يعقب أدنى فضل للفرد. ولقد رأينا كيف أن المدرسة العراقية، وهي أقل المدارس اقتضاء في موضوع النية كشرط "لصحة الفعل" تنضم إلى المدارس الأخرى في حتمية وجود

стр. 460

النية كشرط "لقيمة الفعل"، أي: شرط كمال، وإذن، فإن الإجماع في هذه النقطة أمر حاصل ويتعين، على العكس، أن نعثر على هذا الإجماع في النصف الثاني من المسألة، أعني أن نبين أنه طالما كان الأمر متعلقًا "بواجب حقيقي إيجابي" -فإن أي مذهب إسلامي -فيما نعلم- لم يسلم بالصحة الأخلاقية لأي عمل موضوعي تنعدم فيه فكرة الواجب من الضمير. ولقد رأينا فعلًا أنه حيثما توفرت هذه الصحة للفعل أحيانًا أمكن تصور القانون في صورة "عدالة محايدة"، و"غير شخصية"، تستهدف الشيء، لا الشخص، حتى كأن الصيغة لم تكن في هذا الصدد: "يجب أن تفعلوا" ... ولكن: "من الضروري أن يكون هذا"، أي: إنهم بدءوا بإلغاء فكرة التكليف، في حالة معينة، بالمعنى الأخلاقي للكلمة. وهكذا نجد أن الارتباط العام والضروري الذي أقره الحديث بين "العمل" و"النية" محترم بالإجماع.
следующие страницы →