← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8665

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (841 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أن يولي وجهه شطر الكعبة١ في مكة، وأن يظل على هذا الوضع طوال الصلاة. وإذن، فقد انعقد الإجماع تقريبًا، فيما يتعلق بالتوجه، واللباس، والنظافة الطبيعية -على أنه لا يلزم أن يكون أداؤها عن نية وإرادة، أما فيما يتعلق بالنظافة الدينية المحضة "الوضوء والغسل"، فقد اختلفت المذاهب: فعلى حين تشترط لها مذاهب أهل الحجاز ومصر "المالكية، والشافعية والحنابلة" -وجود النية، على أساس أنها واجب بالنظر إلى الصلاة، يكتفي مذهب أهل العراق "الحنفي" بالواقع الموضوعي، متى التزم في دقة، حتى لو كان عن غير نية. وقد ثار خلاف كهذا حول الوقوف على جبل عرفات، أثناء أداء الحج بمكة. فكيف إذن نفسر هذه الاستثناءات التي تؤدي إلى تقويض المبدأ العام، مبدأ النية، الذي أعلن رسول الله ﷺ أنه لازم لا ينفصل عن كل نشاط أخلاقي؟ حاول أتباع الفقه العراقي لذلك تفسيرين، فبدءوا بتبني التأويل الشائع للحديث عن النية، وأن بطلان العمل غير المصحوب بالنية هو وجه من وجوه الكلام فحسب، فالنية شرط ضروري، لا لوجود العمل الأخلاقي في ذاته، أي: صحته، بل لكماله، واستيفائه قيمته الكاملة. وهكذا يقررون مع خصومهم في الرأي أن الواجب الذي لا يؤدى بحضورالقلب، بل باعتباره أمرًا -لن تكون له قيمة إيجابية، ولن يستوجب أية مكافأة، ولكنهم

стр. 457

لا يرونه باطلًا مطلقًا، أو ذنبًا، وحسبه أنه يكفي لإبراء صاحبه من التكليف بإعادته مع النية. فإذا أتى هؤلاء الشراح إلى افتراض أن الحديث ينص على الإبطال الكلي للعمل غير المصحوب بالنية، التزموا بتقييده، حيث يطبقونه فقط على الواجبات الأساسية، التي يؤمر بها لذاتها، لا لغيرها من الواجبات الأخرى. ومن ثم تفيد أشكال الطهارة من هذا التجاوز؛ لأنها لم يؤمر بها إلا كمقدمات للصلاة، التي تعتبر هنا الواجب الأول. هذا التفسير المزدوج لا يبدو لأعيننا كافيًا؛ لأنه في جزئه الأول يهمل المعنى الحقيقي للكلمات دون ضرورة ظاهرة، وهو في جانبه الثاني يستبعد جميع الواجبات المساعدة بصورة منهجية، على حين أن من بينها واجبات ينبغي أن تؤدى صراحة -تبعًا لنفس المذهب- باعتبارها واجبات: "ومن ذلك الطهارة الرمزية التي يطلق عليها: التيمم". ولسوف نحاول من جانبنا أن نستخلص السبب الحقيقي في هذا التجاوز، لدى هؤلاء وهؤلاء. وفي رأينا أن جميع الحالات المتجاوز عنها لا تمثل تقييدًا يرد على مبدأ النية، وإنما هو مجرد اختلاف في فهم الموضوع الذي تستهدفه قاعدة أو أخرى من القواعد العملية. وهذا الاختلاف ينحصر في كلمتين: "العمل"، و"الكينونة"، والواقع أنه طالما كان الأمر أمر نشاط تجب ممارسته، فإن هذا النشاط لا يمكن أن يكون إلا إراديًّا، ولن تكون له الصفة الأخلاقية، إلا إذا كانت الإرادة قائمة على الطابع التكليفي لهذا النشاط. فالأخلاقية والنية صنوان لا ينفصمان. فأما إذا كان الأمر بالعكس, مجرد حالة حدوث، فهنا لا تهم كثيرًا

стр. 458

الطريقة التي تحدث بها هذه الحالة، بل لا ينبغي أن يستثنى من ذلك أن تحدث بوساطة الصدفة، أو المعجزة. ومن الواضح في هذه الظروف أن النتيجة التي يحصل عليها بأية وسيلة، سوف تعفينا مطلقًا من تكاليفنا، حيث كان الواجب أن يكون شيء فحسب، ولقد كان. وعلى ذلك, فإننا نعتقد أن هذه الاستثناءات كلها تقوم على سبب عميق هو أننا ندرك أحيانًا من وراء الواجب الإيجابي الفعَّال الذي يقتضي بالإجماع حركية الإرادة -ضرورة أخرى سلبية أو منفعلة، أي: واجبًا ساكنًا١ "غير حركي" إن صح التعبير. ولقد نتصور بعض القوانين على أنها لا تستوجب فحسب نشاطًا من جانبنا، ولكنها تستوجب كذلك نتيجة ينبغي بلوغها بأي ثمن، بل وقد لا تستهدف غير هذه النتيجة. وأما مسألة معرفة ما إذا كان هذا القانون أو ذاك له فعلًا أهداف كهذه -فهي مسألة تفاصيل، تهم أكثر ما تهم حالات التطبيق، ونحن لا يعنينا سوى أن نستخرج وجهة النظر العامة، التي تحكم كل هذه الترخصات. وقد ميز علم أصول الشريعة الإسلامية في شرح القانون بين ضربين: أولهما: خطاب تكليف، وهو الذي يقوم على فعل شيء أو تركه. وثانيهما: خطاب وضع، ويراد به وضع الشروط والأسباب، وبيان حال الصحة وعدمها٢.

стр. 459

ومن الثابت في هذا العلم أن الأفراد الذين يعجزون عن أن يكونوا موضع تكليف ليسوا بأقل أهلية لأن تتوجه إليهم الأوامر الوضعية. ولذلك يفرض في مال الصبية والمجانين ما يفرض في مال الآخرين من أفراد الجماعة، ومتى ما أديت هذه الفرائض في أوانها أصبحت الشريعة مستوفاة استيفاء كاملًا، بمعنى أن هؤلاء الأفراد القاصرين عندما يبلغون، أو يستردون شخصيتهم الأخلاقية لن يلزمهم أن يدفعوا مرة أخرى بالنسبة إلى الماضي، دفعًا مقرونًا بالنية. وها نحن أولاء من خلال التفرقة التي أجريناها بين "واجب العمل" و"واجب الكينونة" -قد أبرزنا فائدة تلك الفكرة القانونية القديمة، بل جعلناها أكثر وضوحًا، وأشد بساطة، وبسطنا امتدادها إلى الأفعال الأخلاقية. أما وقد بسطت ووسعت هذه الفكرة على هذا النحو، فإنها تصبح قادرة على أن تحل مباشرة المجموعتين من الصعوبات التي صادفناها آنفًا، ولن يكون من العسير أن نتحقق من صدقها في جميع الحالات المذكورة من قبل؛ فردية أو اجتماعية، والتي كان فيها للفعل الذي تم عن جهل، أو بالإكراه -نصيب من القبول والموافقة. هل نحن بحاجة إلى القول بأن كل هذه المحاولات ليس الهدف منها أن نرد إلى الموضوعية في الأخلاق اعتبارها، وأن نخلع بعض القيمة على العمل غير المصحوب بالنية؟! من البداهة بمكان أن فعلًا كهذا لا يمكن أن ينسب إلى أحد من الناس، فهو عمل يبدو وكأنه لا يحمل اسمًا، ولا يعقب أدنى فضل للفرد. ولقد رأينا كيف أن المدرسة العراقية، وهي أقل المدارس اقتضاء في موضوع النية كشرط "لصحة الفعل" تنضم إلى المدارس الأخرى في حتمية وجود

стр. 460

النية كشرط "لقيمة الفعل"، أي: شرط كمال، وإذن، فإن الإجماع في هذه النقطة أمر حاصل ويتعين، على العكس، أن نعثر على هذا الإجماع في النصف الثاني من المسألة، أعني أن نبين أنه طالما كان الأمر متعلقًا "بواجب حقيقي إيجابي" -فإن أي مذهب إسلامي -فيما نعلم- لم يسلم بالصحة الأخلاقية لأي عمل موضوعي تنعدم فيه فكرة الواجب من الضمير. ولقد رأينا فعلًا أنه حيثما توفرت هذه الصحة للفعل أحيانًا أمكن تصور القانون في صورة "عدالة محايدة"، و"غير شخصية"، تستهدف الشيء، لا الشخص، حتى كأن الصيغة لم تكن في هذا الصدد: "يجب أن تفعلوا" ... ولكن: "من الضروري أن يكون هذا"، أي: إنهم بدءوا بإلغاء فكرة التكليف، في حالة معينة، بالمعنى الأخلاقي للكلمة. وهكذا نجد أن الارتباط العام والضروري الذي أقره الحديث بين "العمل" و"النية" محترم بالإجماع.

стр. 461

ب- النية وطبيعة العمل الأخلاقي: لقد أتاح بحث المسألة الأولى، الخاصة بغيبة النية، أن نثبت مبدأ النية، كشرط صحة أخلاقية في كل عمل. فالحدث اللاشعوري، والحدث اللاإرادي، بل والعمل الشعوري الإرادي الذي لا يتصور على أنه خضوع "أو إخلال" بتكليف، وإنما يؤتى من جانبه الطبيعي الدنيوي -هذا كله عاجز عن الوفاء بواجبنا، عندما يجب. ولنبحث الآن الدور الإيجابي للنية، أعني: درجة فاعلية وجودها. وأول ما نبحثه هو مسألة معرفة ما إذا كان لها أن تحدث تعديلًا عميقًا في طبيعة العمل ذاتها، وبعبارة أخرى: ما إذا كان العمل السيئ الذي وقع

стр. 462

بحسن نية يكتسب بذلك قيمة أخلاقية، ويصبح على هذا النحو عملًا فاضلًا، وفي الحالة المضادة هل يكون عكس هذه الحالة صحيحًا؟ وقبل أن نجيب عن هذه المسألة نعتقد أن من الواجب أن نتذكر معنى المصلحات التي تصاغ بها. فما المراد بعبارة: نية حسنة أو سيئة؟ إننا ما زلنا نفترض أن الإرادة حبيسة في أعمالها، وكيفيات هذه الأعمال، بصرف النظر عن جميع الدوافع التي قد تحملها عليها. ومن ثم، فإن حسن النية لا يمكن أن يتمثل هنا في شرف الغايات التي قد تتحرك بها الإرادة. ومع أن دراسة هذه الفكرة الغائية يجب أن نستبقيها للقسم الثاني من هذا الفصل، فإن قيمة النية تنبع هنا فقط من الطريقة التي نحكم بها على مشروعاتنا، من حيث اتفاقها أو اختلافها مع القانون. ولما كانت أحكامنا الأخلاقية لا تتوافق بالضرورة مع واقع الأشياء، فقد يكون بينها وبين الإرادة فاصل، حين تسعى الإرادة إلى بعض الأمور على أنها مطابقة أو مناقضة للواجب، ولكنها لا تكون كذلك في الواقع. والمسألة، في الحقيقة، هي في محاولة معرفة ما إذا كان يكفي أن نحكم بصدق على عمل ما بأنه مباح أو ممنوع، وأن نتابعه بهذا الاعتبار، لكي يكتسب الصفة التي أسبغناها عليه، إن لم يكن في ذاته، فعلى الأقل بالنسبة إلينا. وتلك مسألة يصعب علينا إلى أقصى حد أن نعطي عنها إجابة قاطعة، بالإيجاب أو بالنفي. ذلك أننا، من ناحية، لو التزمنا بدقة التعبير، وأخذنا بالفكرة القائلة بأن النية الحسنة هي في ذاتها الخير الأخلاقي: "الخير المطلق بلا قيود"،

стр. 463

"الخير الوحيد في العالم، بل وفيما وراء العالم"١ فلسوف يقودنا ذلك منطقيًّا، لا إلى تسويغ جميع الأخطاء، والضلالات، التي تحدث للضمير فحسب، بل إلى أن نتخذ منها قيمًا مطلقة، ونماذج كاملة من نماذج الفضيلة، ولسوف يكون محاولة مخفقة أن نرجو إبعاد هذه الحالات على أنها: "أعمال مناقضة للواجب" -كما حاول "كانت" بعد ذلك بقليل أن يفعل؛ لأن الحالات المذكورة على وجه التحديد يفترض صاحبها أنها مطابقة للقاعدة. ولو عنَّ لإنسان أن يتطلب خارج مجال النية مطابقة مادية للقانون، على ما هو عليه في ذاته فلن يعدو الأمر حينئذ أن يهدم ما هو بسبيل بنائه، حيث يرجع بهذه الطريقة عن مبدأ القيمة المطلقة للإرادة الطيبة، الذي يريد اتخاذه كأساس. هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى، لو أننا اعتبرنا توجيهات الضمير عاجزة عن تغيير أي شيء في طبيعة العمل، فإن أكثر الطوايا إثمًا، وأشد النوايا سوادًا ينبغي أن تتقبل في نطاق الأخلاقية كما تتقبل أكثر النوايا استنادًا للمسوغات الطيبة، بشرط واحد هو أن تبدو مادة العمل دون أي مأخذ عليها في نظر الشرعية. وهكذا نحن عاجزون عن الإجابة بنعم، أو بلا، إجابة قاطعة، فالمشكلة تضعنا أمام مأزق يبدو من الصعب الوصول إلى مخرج منه. ومع ذلك فإن هذه الصعوبة المزدوجة تتعلق تعلقًا واضحًا بتطلب للمطلق، زائد عن الحد، وهو تطلب لا يجد هنا أدنى صدى في الضمائر النزيهة، والواقع أننا لا نستطيع في تقديراتنا الأخلاقية أن نقرر أن آراءنا الباطنة لا تأثير لها في أعمالنا الظاهرة، ولكنا لا نذهب في هذه الطريق إلى حد إلغاء قيمة هذه الأعمال. فمهمة الفلسفة الأخلاقية التي تريد أن تبقى قريبًا من

стр. 464

"أحداث الضمير" الذي تفسره -سوف تنحصر إذن في استخلاص ألوان هذا الشعور العادل، وإبرازها -بالرغم مما يشوب هذا الشعور من غموض- ثم ترسم لها الحدود بقدر ما تستطيع من دقة. فكيف حاول كبار الأخلاقيين المسلمين أن ينهضوا بهذه المهمة؟ وبم يتعلق الأمر أخيرًا؟ إن هناك بالنسبة إلى من يتخذ قرارًا أخلاقيًّا أربع حالات ممكنة: فهل هو يريد أن يعمل طبقًا للقانون، أو على الرغم منه؟ وفي كلتا الحالين، هل طريقته في العمل ذاتها موافقة لما يأمر به القانون؟ أم هي عكس ما يأمر به؟ فلنترك جانبًا الحالات التي ينفق فيها حكمه مع الواقع، إذ لا توجد في هذا الفرض أية صعوبة تواجه الأخلاقي. ولنقف عند الحالات التي يتباين١ فيها الذاتي من الموضوعي، فأي الرأيين يجب أن نتخذ منه مقياسًا للتقدير؟ أهو طريقتنا في تصور هذا العمل، أو ذاك، ووجه حكمنا على اتفاقه أو تعارضه مع القاعدة، التي تقرر نهائيًّا قيمة سلوكنا، والتي تطبع عليه طابعها الأخلاقي؟ ... تلكم هي المسألة. وإنا لنلاحظ في هذا الصدد أن إجابة الأخلاقيين المسلمين لا تتبع دائمًا خطًّا متوازيًا: فتارة يكون العامل الحاسم في حكمهم باللوم هو النية، وتارة

стр. 465

جرم العمل، والحالة الأولى هي حالة عمل مطابق للشرع مع نية مخالفة، والحالة الثانية عكس الحالة الأولى. ١- فعندما يخطئ من يقوم بعمل ما في حقيقة الطبيعة الأخلاقية لهذا العمل، ثم ينفذه مع تصوره أن مشروعه يسير ضد القاعدة، وهو ينوي مخالفة الواجب -فليس من شك في أنه يدين نفسه بهذه الطريقة في السلوك. هنا نجد أن "مادة العمل ليست بشيء، وأن النية هي كل شيء"، وذلك هو الحكم الصريح لفقهاء المسلمين بإجماع. والأمثلة التالية ترينا بصورة كافية كيف أنهم يمدون هذا الحكم إلى كل مجالات الواجب، ومن ذلك أن يستولي رجل على مالٍ يعتقد أنه لغيره، ولكنه في الواقع ماله الخاص. وآخر: يخطئ الحكم على عصير فاكهة قدم له، فيأخذه على أنه خمر، ويشربه بهذه النية، على حين أنه غير محرم فعلًا. وثالث: يعتقد أنه سوف يموت في ساعة معينة، ومن ثَمَّ يجد نفسه مضطرًّا إلى أن يصلي مقدمًا، دون أن يؤدي هذه الصلاة في وقتها، مع أن مخاوفه لو تبددت لأداها في أوقاتها العادية. وعلى سبيل الإيجاز: إن كل من يشرع في عمل خاطئ في نظره، وإن كان مشروعًا في ذاته، يرتكب بهذه النية الآثمة جريمة في حق الشرع الأخلاقي، على الرغم من هذه المطابقة المادية، التي تنجيه قطعًا من الجزاء الشرعي. ٢- أيكون الأمر على هذا النحو في الحالة المناقضة؟ وهل للنية الحسنة هذه القوة المغيرة التي تجعل الشر خيرًا؟ وإليك مثالًا: فنحن نعلم أن كثيرين من الناس شديدو التأثر والحساسية تجاه مقدساتهم، لدرجة أن أية إساءة توجه إلى آلهتهم الزائفة، التي يعبدونها -قد تستدعي من جانبهم أن يجدفوا في حق الله المعبود بحق؛ ومن ثم نهى

стр. 466

القرآن الكريم عن هذه الإثارة فقال: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ١. ولكن، لو أن مؤمنًا غيورًا دفعته حرارة إيمانه إلى أن يعبر -دون تعقل- عن احتقاره للأصنام، دون أن يفكر في ردود الفعل المحتملة على هذا النحو، أفلن يكون معذورًا بنزاهة قصده؟ ومثال آخر: إن الأخلاق القرآنية تذم المجدفين والمغتابين: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ٢، بالقدر الذي تذم به الذين يسمعون لهم دون اعتراض، فيصيرون بذلك شركاءهم ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ ٣، ولكن إذا لم أرد شرًّا قط بشخص المفترى عليه، وإذا كنت أعتقد فقط في وجوب أن أكون على علاقة طيبة بكل الناس، فلا أسيء إلى أحد، أو أظلم أحدًا، أفلا أستطيع مع محافظتي على مشاعري الخاصة، أن أدع المغتاب وشأنه، وربما كنت أكن له بعض الاحترام؟ وأليس من حقي أن أقول في نفسي إن التصرف على هذا النحو تصرف حميد؟ وحالة ثالثة: في الحق أن نشر العلم الحقيقي واجب على كل فرد بحسب وسائله، أي: على قدر الاستطاعة. فمن الواجب علينا أن نتقاسم مع الآخرين ما لدنيا من حقائق، وليس أقل من ذلك وجوبًا أن يكون عملنا هذا قائمًا.

стр. 467

على بصيرة. والعلم سلاح ذو حدين، يمكن أن يكون في خدمة العدالة، كما قد يصبح في خدمة الهوى. وإذن، فهل لأولئك الذي يحملهم المزاج، أو المنفعة، أو العادة على أن يسيئوا استخدام العلم -هل لهم حق في معارفنا، ولكن إذا لم يكن في نيتي أن أساعدهم على الإساءة، وإذا كنت أريد أن أنورهم، فقط، وبكل طيبة، ثم أدعم وشأنهم، يتصرفون على مسئوليتهم الكاملة -أليست هذه من جانبي لفتة كريمة، تستحق الثناء؟ كلا ... هكذا يؤكد أخلاقيونا، فإن الشر لا يمكن أن يصبح خيرًا بفضل كيمياء الإرادة، وبهذا النوع من سذاجة الضمير الذي أخطأ طريقه١. وليس لدى أخطائنا الموهبة السحرية القادرة على تطهير الدنس، بل إن هذا الخلط والتلون الذي نلجأ إليه يعتبر في أقوال الغزالي إثمًا آخر، قال: "بل قصده الخير بالشر على خلاف مقتضى الشرع شر آخر، فإن عرفه فهو معاند للشرع، وإن جهله فهو عاص بجهله "فجهله مزدوج؛ لأنه يجهل الشرع، ويجهل أنه يجهله، وقد قيل: أشد من الجهل الجهل بالجهل" إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم، والخيرات إنما يعرف كونها خيرات بالشرع، فكيف يمكن أن يكون الخير شرًّا؟! ... هيهات ... ثم يقول: من قصد الخير بمعصية عن جهل فهو غير معذور٢، إلا إذا كان قريب العهد بالإسلام ولم يجد بعد

стр. 468

مهلة للتعلم"١. ومع ذلك، فإننا نضيف أنه إذا كان الجهل عذرًا فهل بوسعه أن يرقى بالنية الخاطئة إلى مرتبة مبدأ من مبادئ الأخلاقية؟ إذا كان الأمر كذلك فلماذا كان من الضروري أن يخرج المرء من هذا الجهل، وأن يرجع عن أخطائه؟ إن النبي ﷺ لم يقصد بقوله: "إنما الأعمال بالنيات" ٢ أن الأعمال لا تقوم، ولا توجد إلا بالنيات فحسب، بل قال أيضًا عن عائشة, ﵂: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" ٣، أليس هذا هو أفضل برهان على أن المسلك الحسن لا ينحصر في حسن النية وحده، ولا في دقة العمل وحدها، بل في مجموع من الشكل، والمادة، بحيث لا يمكن أن يستغني أحدهما عن الآخر؟ وإنا لنجد القولة الكاملة عن الواجب في الحديث المشهور: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" ٤,

стр. 469

وفي الحديث الآخر: "لا يقبل الله قولًا إلا بعمل، ولا يقبل قولًا ولا عملًا إلا بنية"١. ولقد تناول الحسن البصري، وسعيد بن جبير ﵄ هذا الحديث، فكان من قولهما: "لا يصلح قول وعمل إلا بنية، ولا يصلح قول وعمل، ونية إلا بموافقة السُّنة"٢. ومع ذلك، إن هذين الشرطين لا يمضيان دون شرط ثالث يستتبعانه، فليس يكفي أن يتوافق العمل مع القاعدة، وهو أمر قلناه دائمًا، بل يجب أن يكون هذا التوافق أو التطابق مرادًا، ومرضيًا بكل حرية. وإذن، فلكي يمكن أن تكون قاعدة معينة ملتزمة عن إرادة يجب أن تكون معلومة من قبل، ولذلك قسم النبي ﷺ القضاة إلى ثلاث طوائف: واحدة منها هي الناجية، فقال: "قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فالذي في الجنة رجل عرف الحق فقضى به، والذي في النار رجل قضى للناس على جهل، ورجل عرف الحق فقضى بخلافه" ٣. ويجب أن نعترف بأن هذه الأقوال توقظ فينا أعمق ألوان القلق على أنفسنا، وإذا كان التحديد السليم للأخلاقية ينحصر في هذه المطالب الثلاثة، فما الذي يضمن لنا أننا سنسير طبقًا له؟ وما الذي يضمن لنا أننا -في حالة معينة سوف نعرف، ونتبع الشرع الموضوعي الذي يحكم هذه الحالة في الواقع؟ وإذا كان من واجب النية القلقة أن تجرم وتتهم النفس الأمارة

стр. 470

المتمردة، فبأي حق يستطيع الانحراف اللاإرادي أن يبطل أعمالنا، على حين أنه ليس بيدنا أن نتجنب الخطأ؟ وإذا كنا -من ناحية أخرى- نريد الخير، ونقع بجهلنا في الشر، ثم لا تكفي نيتنا الحسنة لتبرئتنا، ولا تبلغ على وجه الدقة سوى عفو متسامح، فهل تكون جهودنا التي نبذلها في البحث عن الحقيقة -إذن- باطلة، بلا قيمة، وبلا جزاء، بحكم إخفاقها؟ إننا لكي نبدد هذا القلب ينبغي أن نذكر القانون العلوي للأخلاق القرآنية: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ . فإن ما يجب علينا ليس هو عدم الوقوع في خطأ، وليس هو أن نبلغ في جميع الظروف الصيغة الدقيقة للواجب في ذاته، وإنما هو أن نبذل جهدًا دائبًا، حتى نزداد معرفة بهذا القانون الموضوعي، ونهتدي بنوره. ولكن شتان ما بين الرغبة الحارة في أن نكون على الحق، والاعتقاد التلقائي بأننا نسير في طريقه، في الواقع، وما بين استخدام جميع الوسائل التي في قدرتنا لكي نصل إلى الحق. فارتكاب خطأ بسيط، مقرونًا بحسن النية، لا ينتج سوى العفو، وهو أمر لا يفتأ القرآن يردده، وليس معنى ذلك أن الاجتهاد الذي يصحب هذا الخطأ، ويسوغه بصورة معينة -لا وزن له في الميزان الأخلاقي. فلقد ساق إلينا رسول الله ﷺ هذا العزاء فيما رواه عمرو بن العاص, ﵁: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" ١. إن في أيدينا الآن العناصر الضرورية لتفسير التناقض الذي ذكرناه في بداية هذه الفقرة. فإذا كنا قد خصصنا النية السيئة بدرجة من التأثير

стр. 471

والفاعلية لم نخص بها الإرادة الطيبة، فقد يعتقد أن لنا شأنًا في مفهومين مختلفين لقيمة العامل الباطني، الذي يبرز أحيانًا وينزوي أحيانًا أمام العنصر المادي, وإنا لنعرف الآن أن هذين الحكمين لا يصدران إلا عن مبدأ أخلاقي واحد، أعني: إن كان اقتضاء الشكل والمادة معًا. فإذا ما نقص أحد هذين العنصرين فإنه يظهر فاعليته بالفراغ الذي يتركه خلفه في العمل الأخلاقي، وفي عجز العنصر الآخر المتبقي، عن أن ينشئ وحده الفضيلة الكاملة. والواقع أن الخير الأخلاقي، في مجموعه، لا ينحصر في حالة باطنية محضة، ولا في حالة ظاهرية محضة، بل هو ينحصر في الانتقال من إحداهما إلى الأخرى، وهو انتقال، لكي يكون جديرًا باسمه، يجب أن يضم كلا العنصرين على سواء، ولا حاجة لأن نؤكد عجز العنصر المادي، ذلك أن العمل الظاهري الخالص، وهو عمل يليق بإنسان غبي كالآلة، قد يؤدي خدمات مفيدة للمجتمع، ولكنه سوف يظل دون علاقة بشخصيتنا. ولقد يستطيع فعلًا -على حسب تعبير كانت- أن يوفر لنفسه الشرعية، ولكنه لن يستطيع مطلقًا أن يضمن الأخلاقية. بيد أن البرهنة على القضية الأخرى تبدو مهمة عسيرة، أليس العنصر الروحي هو العنصر الجوهري في الواجب، إن لم يكن هو كل الواجب؟ إن هذه الفكرة مسلمة عمومًا، حتى إنه يبدو من باب التطاول أن نشكك فيها، أو أن نضع لها بعض القيود, ومع ذلك فإنها تحتاج إلى بعض التحديدات الضرورية. وأول هذه التحديدات: أن فكرة "الإرادة" لا تشتمل فحسب على فكرة "القدرة" من حيث المبدأ أو الافتراض "فعمل الإرادة مستحيل في حال اليأس الواقعي والكلي"؛ ولكن من حيث كون "الإرادة" و"العزم" يتميزان، كما يتميز الحاضر من المستقبل، فالإرادة تفترض -كنتيجة مباشرة- نشاطًا خارجيًّا معينًا، لا يلبث أن يتحد معها خلال الزمن. والواقع أن

стр. 472

العنصرين متضامنان تضامنًا وثيقًا في شعورنا كما يتضامن عضوان في كياننا. وكما أنه في الأحوال العادية، لا تعمل الخلية مطلقًا وحدها، ولحسابها الخاص، فكذلك قدرتنا على القرار قلما تدعي أنها تضع اللمسة الأخيرة في المشروع العملي؛ فهي تعترف لنفسها بالنسبة إلى قدرتنا على التنفيذ، بمكان الرائد الذي يمهد الطريق للجندي الحقيقي. وهي لا توقف خطة العمل من أجل أن تتوقف فيه لحظة واحدة، بل من أجل أن تمضيه صراحة إلى مجال التنفيذ مباشرة، وهو وحده موجد الخير الموضوعي المقصود. وثاني التحديدات: أنه ما دام العمل الباطني لا يشتمل على بداية للفعل ولو في صورة هزة عضلية، أو مخية -فمن الممكن شرعًا أن نسأل أنفسنا عما إذا كان قد تجاوز نهائيًّا مرحلة تكون الأفكار النظرية، ومرحلة التأمل الجمالي، ليدخل إلى مجال الممارسة الأخلاقية، أو حتى مجال الممارسة وحدها، أعني: مجال الإرادة، والله يقول: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّة﴾ ١، ذلك أن الإرادة هي، بالمعنى الحقيقي، أن نتحرك حركة انتشارية، تنطلق من الفكرة، متجهة نحو العمل. والإرادة هي التوجه من المثالي إلى الواقعي، وعلى هذه المسيرة من الباطن إلى الظاهر، ومن الشعور إلى التجربة، يوجد الفعل الإخلاقي. هذا الفعل ليس حالة سكونية "ستاتيكية" عبادة في خلوة، حبيسة في دير القلب، إنه وثبة حية، وحركة ذات انتشار، نقطة انطلاقها في الداخل، ونقطة انتهائها في الخارج. وهكذا نجد أن النية لا تقتصر على أنها تدعو لعمل، وتتوقع أن يتبعها فحسب، بل إنها تحتويه كنطفة، إن لم يكن وليدًا.

стр. 473

ولنمضِ إلى ما هو أبعد. تصور عالمًا يكون الإنسان فيه منطويًا على نفسه، مقتصرًا على تغذية آماله، وصوغ مشروعات، أو حتى بذل جهود يائسة، وافترض أنه قضى عليه أن يدور في هذه الحلقة، دون نظر أو قدرة على الواقع -فأية غاية عقلية يمكن أن نعزوها إلى خلق آلة كهذه من الأفكار غير المؤثرة، والمشروعات المبتورة، والمحاولات المخفقة؟ أيكون هذا حقًّا هو النموذج المثالي لطبيعة عاقلة؟ إنا لنعتقد على خلاف ذلك بأن كل كائن مزود بعقل، مهمته على الأرض أن يخلق فيها وقائع موضوعية ممكنة، ودوره الأخلاقي أن يطوع هذا الخلق لفكرة الخير، حتى يجعل الدنيا من مرحلة إلى أخرى -أكثر كمالًا. ومما لا شك فيه أن هذه المهمة المزدوجة، من العزم، والتحقيق، والتي ينظر إليها عمومًا على أنها مقسمة بين سلطتين متميزتين في الإنسان، يحتم الضمير الأخلاقي الذي لا يقبل الانقسام وجودها في وحدة شاملة. وحتى لو صادف جهدنا في التنفيذ تعويقًا، أو اعترضته عقبات لا يستطاع تذليلها، فإننا لا نتخلى عن الإحساس بهذه الضرورة المزدوجة الداخلية. والحق أنه ينبغي أن نفرق هنا بين حالتين ممكنتين: فإما أن يبدو لنا توقع هذه العقبات العصية في اللحظة التي تتحفز فيها الإرادة نحو التنفيذ، وبذلك يختنق عمل الإرادة في المهد، إذ إنه من التناقض أن نريد ما لا يمكن إرادته. وإما أن تفاجئنا هذه الاستحالة بعد أن اتخذنا القرار، وحينئذ، يا لها من خيبة أمل يشعر بها الإنسان الفاضل في انتظاره للقيمة الموضوعية التي جد في طلبها!! ... إن هذا "الدش" البارد الذي يتعرض له حماسه أمام مشهد

стр. 474

شر يريد منعه، أو مشهد خير يرجو صنعه -سوف يكون مؤلمًا، بقدر ما كان اهتمامه بتحقيق مثله الأعلى عظيمًا، وبقدر ما كانت الحفاوة التي أعدها له حارة. ماذا يمكن أن يقال غير أن الضمير الأخلاقي في هذه الظروف يعتبر أن مهمته لما تنته؟ ومهما يكن عدلًا ذلك العفو الذي يمنحه إياه مشاهد محايد، يراعي القدرة المحدودة للطبيعة الإنسانية، فإن الأسى الذي يشعر به الإنسان في دخيلة نفسه هو وثيقة اتهام ضد ذاته. إن ذلك يعني في نظره أن الجهد الذي بذله ما زالت فيه نقائص، وكأنما كان بوسعه أن يبذل أقصى جهده كيما يبلغ هدفه. ولكن مهما يكن الافتراض، وحتى في الحالة التي ينبغي فيها أن نعذر الإرادة الطيبة المعوقة -هل يكون لنا الحق في أن نرى في هذه الحالة العاجزة نموذج العمل الأخلاقي الكامل؟ الحق أنه يجب علينا من وجهة نظر حق العفو أن نثبت فرقًا في الدرجة بين ضرورة العنصر الباطني، وضرورة التعبير المادي عنه، ذلك أن رضا الإرادة شرط لازم للأخلاقية، بحيث إن أقل تمرد باطني يكفي، لا لينزع عن أصح الأعمال كل قيمة فحسب، بل ليجعله إجراميًّا. فتلك ضرورة مطلقة وباطنة، على حين أن عدم التنفيذ، أو عدم المطابقة الظاهرية، على الرغم من أنهما يبتران العمل الأخلاقي، وينتقصان الفعل الذي تم بحسن نية، فإنهما لا يدينانه إلا حين تكون هنالك استحالة مادية، أو جهالة لا تدفع، وحينئذ يمكن أن يطلق عليها: ضرورة كمال مطلقة، أو ضرورة شرطية لاستكمال مطلب الأخلاق.

стр. 475

لكن هذه ليست سوى وجهة نظر إضافية، فإن الوضع المبدئي للواجب يقتضي عملًا كاملًا، يلتزم به الإنسان بكليته، ويمتزج فيه العنصر الأخلاقي بالمادي، والملكة التي تبدع وتنظم بالقوة التي تحقق، ويتلاقى فيه العقل الذي يفكر، والقلب الذي يخلص، واليد التي تعمل. ولم يبقَ بعد ذلك كله سوى مسألة تفرض نفسها من هذه الوجهة، وهي أن نعرف إذا ما كان هذا الاقتضاء المزدوج يخص قيمة مساوية، أو غير مساوية لهذين الجزأين المكونيين للعمل الأخلاقي الكلي، وذلك هو ما تجيب عنه الفقرة التالية:

стр. 476

جـ- فضل النية على العمل: ها نحن أولاء، قد قمنا -إن صح هذا التعبير- بتشريح العمل القائم على النية، وميزنا فيه بين طبقتين: باطنة وظاهرة, "النية والتنفيذ", ثم إننا غيرنا شروط كلا العنصرين، كل بدوره، حتى ندرك درجة أهميته الخاصة في البناء الأساسي للواجب. وقد استدعى هذا التعديل انهيارًا كليًّا أو جزئيًّا في صرح الواجب، وانتهينا إلى ضرورة وجود هذه الشروط لبناء عمل أخلاقي كامل. بيد أن هذه الطريقة، التي هي نوع من الاستدلال بالمحال، مع الاستعانة بتحليل للتجربة الأخلاقية -تقدم لنا بالأحرى جانبًا سلبيًّا من المشكلة، حين ترينا الآثار السيئة، التي قد يحدثها غياب أحد الجزأين أو انحرافه. إنها لا تفيدنا شيئًا من العلم بطبيعة إسهامه الإيجابي في تحقيق الخير. ومن أجل هذا الغرض سوف نعيد الآن وضع الأمور في تركيبها البدائي، ولسوف نحاول -من خلال ملاحظتنا لهذه الطبيعة المزدوجة للعمل الأخلاقي أثناء

стр. 477

نشاطه- أن نقدر بقيمتها الحقة مختلف ضروب الخير التي يتعين على العمل الأخلاقي أن يوجدها في العالم أو في أنفسنا. ومن المقرر عمومًا تقسيم الواجبات إلى: واجبات نحو النفس، وواجبات نحو الغير، "والواجبات نحو الله ليست في نهاية الأمر سوى واجبات نحو أنفسنا، فطاعتنا أو معصيتنا لا يمكن أن تزيدا أو تنقصا شيئًا من العظمة الإلهية وقداستها". ولما كان هناك نوع من التقارب بين مفهوم النية، ومفهوم الواجب الشخصي، كما يوجد ارتباط واضح بين العمل الظاهر وعلاقاتنا الاجتماعية -فإن من الممكن بادئ ذي بدء أن نقوم بنوع من توزيع الخصائص، بأن نعين لهذين العاملين؛ الداخلي والخارجي، منطقتين مختلفتين من مناطق التأثير، ومن ثم تخرج إلى قيمة مساوية تقريبًا، للنية, وللعمل، وإن كان ذلك من وجهتي نظر مختلفتين: فللنية دورها في إثبات وتأكيد طهارة القلب، وشرف النفس، وفي كلمة واحدة: كمال الذات. وللعمل غايته في تأمين العيش الرغيد لإخواننا، وتنميته. هذه الطريقة في النظر ربما تكون خاطئة من ناحيتين، فهي تعني من ناحية، أننا ننسى أن واجباتنا الاجتماعية لا تنحصر فقط في الأعمال الظاهرة, كما أن واجباتنا الشخصية، هي الأخرى لا تنحصر في الأعمال الباطنة؛ فإن علينا أن نحب جارنا، وألا نحسده، أو نحتقره ... وعلينا أن نحفظ حياتنا، وأن نكسب عيشنا اليومي بشرف، وأن ننظم نفقاتنا تنظيمًا عقليًّا، دون سرف أو شح ... ومن ناحية أخرى سوف يكون هذا إنكارًا للتماسك الذي أثبتناه بين النية والعمل في جميع الظروف، وبمناسبة كل واجب، أيًّا كان، روحيًّا أو بدنيًّا. والواقع أنه يجب علينا, حتى عندما نبذل جهدًا لأنفسنا، من أجل تحسين صفتنا الأخلاقية الخاصة -أن نميز بين لحظتين مختلفتين: لحظة القرار

стр. 478

بالشروع في تلك المهمة، باعتبارها أمرًا من الشرع، ولحظة وضع هذا القرار موضع التنفيذ. ولذلك لا يصح أن تقتصر أية دراسة كاملة لدور النية الإيجابي على مقارنة العنصر النفسي بالعنصر البدني، مقارنة النفس بالبدن، على ما جرت به العادة، بل يجب أن نتصور العلاقة بين ملكة اتخاذ القرار، وبين القدرة على التنفيذ في كلا جانبيها الباطني والظاهري. وكلما كان الأمر يتعلق بمقارنة عمل القلب وحركة البدن، فلا ريب في أن الأخلاق الإسلامية تغلب الواقع القلبي على تعبيره الحسي. والحق أن القرآن يلح غالبًا على دور العاملين معًا، في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ ١, وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ ٢, وقوله: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ ٣, وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ٤, وقوله: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ ٥. ولكن، على حين لا نجد القرآن مطلقًا يمدح عملًا حسنًا لا يستمد منبعه من أعماق النفس -فكثيرًا ما نجده يبرز بخاصة عمل القلب وحده، سواء باعتباره قيمة في ذاته: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ ٦، ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب﴾ ٧، أو باعتباره شرطًا جوهريًّا للسلام النهائي: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ ٨، ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ٩. وإنا لنجد هذه الميزة وقد فاضت على الموقف الباطني في الحديث الشريف

стр. 479

بخاصة، وفي نصوص المفسرين، وهي في هذا المجال أكثر صراحة. ولنأخذ على سبيل المثال فكرة: "تقوى الله" التي تكاثرت حولها جميع الأحكام القرآنية تقريبًا، والتي ورد ذكرها أكثر من مائتين وعشرين مرة في القرآن. إن القرآن يعني بهذه اللفظة موقفًا طائعًا يحترم الأمر الإلهي، وإن هذا الأمر مسموع ملبًّى على أوسع معانيه: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ ١، وبخاصة حين يقترن بالأمر التحريمي، في مقابل "البر": ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ٢. وهو في كلتا الحالين يبدو غالبًا أنه يستهدف طاعة كاملة، تشترك فيها القوتان: البدنية والأخلاقية، ولكن النبي ﷺ قد ركز بكل وضوح على العامل القلبي، الذي يُعيِّنه على أنه جوهر الفضيلة ذاته، فقال: "إن التقوى ههنا" ٣، وأشار إلى صدره، مكررًا قولته ثلاثًا. فحين جاء من بعد ذلك مجموعة من الأخلاقيين، مثل: الحكيم الترمذي، والغزالي -ساروا على نهجه، وجعلوا من هذا العنصر الباطني التحديد الدقيق للتقوى، فكتب الحكيم الترمذي يقول: "التقوى طهارة القلب، وطهارة الصدر مما ذكرنا بدءًا من الإزراء بالخلق، والاحتقار لهم، وقلة العطف عليهم والاحتياط لأحوالهم، ومنح النصيحة لهم، والعون لهم على عبوديتهم لله، وأن يحدوهم على الخيرات ولا يدعوهم إليها، فصاحب التقوى بمنزلة رجل خرج من الحمام وقد تطهر من الأدناس، والأوساخ، ولبس ثيابًا بيضًا، فإذا رأى غبارًا، أو هاجت رياح، توقى على رأسه ولحيته وثيابه أشد التوقي"٤.

стр. 480

ويقول الإمام الغزالي: "التقوى صفة قلب مال عن حب الدنيا، وبذلها إيثارًا لوجه الله تعالى"١. ولقد يبدو غريبًا أن نخص بالصدارة جانبًا ذاتيًّا من الواجب، وهو جانب لا يعتبر سوى مرحلة بعيدة من مراحل الخير الفعلي. والواقع أنني لا أستطيع أن أنقذ حياة جاري، أو أوفر له حقه في العيش الرغيد لمجرد حبي الباطني له. هذا صحيح, ولكن، يجب -أولًا- ألا نبالغ إلى غيرما حد, في دور النتيجة النهائية في أداء الواجب. فمن المعلوم أن هذه النتيجة النهائية لا تصدر فقط عن جهدنا الأخلاقي، ولا عن نشاطنا البدني، ولكنها تتطلب تعاون مجموعة كبيرة من الظروف الطبيعية، وحتى ما فوق الطبيعية. وحينئذ يصبح واجبنا محصورًا في أضيق الحدود، فهو يقتصر على استعمال الوسائل التي في حوزتنا، وليس عليه أن يوصلها إلى غايتها. ومن ثم فإن العقل، والقلب، والبدن، تبدو لنا كلها أسبابًا، يتفاوت بعدها أو قربها بالنسبة إلى المرحلة النهائية، التي يتمثل فيها الخير الموضوعي. والحق أن النشاط المادي يمكن أن يعتبر أقرب مراحل هذه الفترة في النظام الزمني. بيد أن هذا القرب الزمني على وجه التحديد لا يؤدي أي دور في تقديرنا الأخلاقي، اللهم إلا البرهنة على أنه يتمتع بسببية مستقلة، بالنسبة إلى فترة سابقة. أما في حالة العكس، فيجب أن يختلف تقديرنا، حتى يكون مرتبطًا بهذه السابقة التي أشهرت وجود هذه المجموعة كلها من السببية. وبعبارة أخرى: إذا كان العنصر الأخلاقي يؤثر تأثيرًا فعالًا بالخير وبالشر، على العنصر المادي، فإن تأثيره يجب أن يقدمه على هذا الأخير، وإن كان

стр. 481

أكثر منه اتصالًا مباشرًا فيما يتعلق بالنتيجة، وهذه فعلًا هي الطريقة التي ينظر بها إلى الأشياء في الأخلاق الإسلامية. والواقع أن لحظتي نشاطنا لا تمثلان داخل هذا النشاط مجرد علاقة تتابع في الزمن، بل ينظر إليها على أنهما مرتبطتان ارتباط السبب بالنتيجة، وقصار النظر وحدهم -أي: أولئك الذين لا يمتد نظرهم إلى أبعد من السبب المباشر- هم الذين يعزون إلى أقرب الأسباب كل الفضل في إحداث النتيجة, ولكن أيكون المرء مصيبًا إذا هو غلا في تقدير دور الآلة في الحضارة الحديثة، حتى ليقدمها على العقل الذي أبدعها، والذراع التي تديرها, والإرادة التي تنظمها، وتكيفها تبعًا للحالات؟ على هذا القياس فاحكم على دور الآلة البشرية التي تتكون من اللحم والعظم، فإن صحة القلب تؤمِّن صحة البدن، كما قال رسول الله ﷺ سواء في جانبه المادي، أو في جانبه الأخلاقي، قال فيما رواه النعمان بن بشير: "ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد، ألا وهي القلب" ١. وقال أيضًا: "القلب مَلِك، وله جنود، "أو الجوارح جنوده"، فإذا صلح الملك صلحت جنوده، وإذا فسد الملك فسدت جنوده"٢. وقد علق حكيم ترمذ على هذا فكتب يقول: "فكذلك القلب إذا فسد، لا يغرنك صلاته وصومه، وعمل جوارحه، فلو أن جميع

стр. 482

جوارحه تزينت بجميع الطاعات، ثم دامت تلك الطاعات على الجوارح، وامتدت المدة في ذلك، فقرّت الجوارح على الطاعات، ولم يكن في قلبه من الغنى ما يمد الجوارح -بقيت الجوارح معطلة، والقلب مغتر، فماذا أغنى هذا الظاهر على الجوارح، وإذا كان القلب غنيًّا، والجوارح معطلة، ففي أدنى حركة من القلب يوسِع الجوارح خيرًا وبرًّا"١. ذلكم هو الجانب الذي يعود إلى العمل الباطني في تحقيق الخير الموضوعي، فهو ليس شرطًا ضروريًّا فيه وحسب، ولكنه سبب مؤثر بوساطة العمل الظاهري، الذي ليس سوى "مكمل وانعكاس" للأول. أضف إلى ذلك أن أوامر القانون الأخلاقي ليس هدفها الوحيد أن تثبت العدالة في الدنيا، وإنما هدفها كذلك تقويم شخصنا، بأن ترفعنا فوق الأشياء الأرضية، والحياة الحيوانية. والعمل الباطني من وجهة النظر العامة لم يكن سوى وسيلة بعيدة، وسبب غير مباشر. وهو من هذه الوجهة الجديدة إما أن يكون غاية في ذاته، وإما أن يكون المرحلة الأخيرة في السلسلة السببية، فهو يتصل بالغاية النهائية التي يتحقق بها هدف الواجب على وجه الكمال. وليس معنى هذا أن النشاط المادي تتوقف الحاجة إليه عند هذه النقطة، ولكنه يغير دوره فحسب، أو بعبارة أدق: يصبح دوره مزدوجًا: فبدلًا من أن يجنح بنتائجه إلى الخارج فقط، يستدير في الوقت نفسه إلى الداخل، ليقوي استعداداتنا الفطرية، ويزيد في تأصيلها.

стр. 483

ألم يؤكد القرآن أن الإحسان يثبت النفس، فقال جل ذكره: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ١, ويطهر الإنسان، ويزيد في قيمته: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ١. وهذا هو شأن الأعمال الصالحة كلها، كما قال الإمام الغزالي، فالهدف منها أساسًا تغيير صفات أنفسنا: "فلا تظنن أن في وضع الجبهة على الأرض غرضًا، من حيث إنه جمع بين الجبهة والأرض، بل من حيث إنه بحكم العادة يؤكد صفة التواضع في القلب، فإن من يجد في نفسه تواضعًا، فإذا استكان بأعضائه، وصوره بصورة التواضع تأكد تواضعه, ومن وجد في قلبه رقة على يتيم فإذا مسح رأسه وقبله تأكدت الرقة في قلبه". ويقول قبل ذلك الموضع: "وإذا حصل أصل الميل بالمعرفة فإنما يقوى بالعمل بمقتضى الميل والمواظبة عليه، فإن المواظبة على مقتضى صفات القلب، وإرادتها بالعمل تجري مجرى الغذاء والقوت لتلك الصفة، حتى تترشح الصفة، وتقوى بسببها، وإن خالف مقتضى ميله، ضعف ميله وانكسر، وربما زال وانمحق، بل الذي ينظر إلى وجه حسن مثلًا، فيميل إليه طبعًا ميلًا ضعيفًا، لو تبعه وعمل بمقتضاه، فداوم على النظر والمجالسة، والمخالطة والمحاورة، تأكد ميله، حتى يخرج أمره عن اختياره، فلا يقدر على النزوع عنه، ولو فطم نفسه ابتداء، وخالف مقتضى ميله لكان كقطع القوت والغذاء عن صفة الميل، ولن يتأكد ذلك إلا بالمواظبة على أعمال الطاعة، وترك المعاصي بالجوارح؛ لأن بين الجوارح وبين القلب علاقة، حتى إنه يتأثر كل واحد منهما بالآخر، فالقلب هو المقصود، والأعضاء آلات موصلة إلى المقصود"٢. فهذا تحليل سريع للمفهوم الإسلامي للعلاقة بين العنصر الباطن، والعنصر الظاهر، ودور كل منهما في أي فعل أخلاقي تام. وقد استطعنا خلال هذا

стр. 484

التحليل أن نشهد نوعًا من الحركة الدائرية، التي تصعد أولًا من المركز إلى المحيط، لتتجلى في صورة خير موضوعي، ثم تهبط بعد ذلك من المحيط إلى المركز لتتحول إلى خير شخصي. ولكن، قد يقال لنا: بما أن "الفعل" و"رد الفعل" يتقاصان بالتبادل على هذا النحو، وإن اختلفت نقطتا بدئهما، فلماذا إذن هذا التميز الذي تريد أن تخص به منهجيًّا العمل الباطني؟ ونجيب عن ذلك: بأن الدورين ليسا متشابهين قط. إذ إن العامل الباطني يصل في أهميته إلى درجة يصبح معها التحقق المادي للعمل مدينًا له مطلقًا بوجوده الأخلاقي, على حين أن الأثر الذي يمارسه الجانب المادي على الأخلاقي ليس إلا مكملًا له، ودعامة يمكنه أن يستغني عنها إذا لزم الأمر. فالعمل الباطني يمكنه أن يكتفي بنفسه إلى حد كبير. وهناك فرق آخر ليس بأقل أهمية، هو أن نشاطنا الظاهر، الذي هو مرحلة وسيطة بيننا وبين الناس -قلما يتجاوز دوره كوسيلة للوصول إلى شيء آخر، في الخارج، أو في الداخل. على حين أن عمل القلب، الذي يستطيع أن يكون وسيلة ذات فاعلية من أجل خير الناس -هو في الوقت نفسه، وفي كل حال، إما "غاية في ذاته" وإما السبب المباشر، والموصل لهذه الغاية من حيث إنه يعتبر جوهر خيرنا الشخصي. وبذلك نرى عيب جميع النظريات الأخرى، التي ترى أن العمل الأخلاقي من شأنه أن يتوجه إلى هدف معين خاص، سواء بأن يحبس الإنسان في داخل نفسه، أو بأن يستخدمه فقط لغايات خارجية غريبة عنه. لقد بدأنا بأن ميزنا في الفعل الأخلاقي الكامل بين لحظتين: لحظة النية، ولحظة العمل، وميزنا في هذه بين: العمل الباطني، والعمل الظاهري.

стр. 485

ولقد ذكرنا حتى الآن ما تخص به الأخلاق الإسلامية النشاط الأخلاقي الباطني من تفوق، وكانت مهمتنا ميسرة نسبيًّا، لوفرة النصوص التي تقرر هذه الحقيقة، ولطبيعة الموضوع ذاتها، والقصد الآن أن نعرف إن كانت توجد علاقة رتيبة في الأخلاق الإسلامية بين "النية" و"العمل بعامة". فأن تكون للنية قيمة امتياز بالنسبة إلى العمل الظاهر، فذلك ما يستخرج منطقيًّا من التدرج الذي سبق إقراره بين القلب والجسد، ولكن أيمكن أن يكون هذا الامتياز ثابتًا لها في مواجهة العمل الباطني؟ ليس لدينا في هذا الصدد سوى نص وحيد، هو حديث مشهور، على الرغم من أن السند الذي يعتمد عليه الطبراني١ والبيهقي، ليصلا بالنص إلى النبي ﷺ ليس قويًّا، والحديث هو: "نية المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيته"٢ وبعد أن ذكر أبو طالب المكي هذا النص قال: إنه فسر بعشرة أوجه، كلها مقبول، ويتناول الغزالي في "إحيائه" أكثر هذه التفسيرات، فيرفضها جميعًا، ما عدا واحدًا، يعتبره الوحيد الذي يتفق مع الهدف الحقيقي للشرع الإسلامي. وكان من بين ما رفضه من الآراء أن قال: "وقد يقال: إن النية بمجردها خير من العمل بمجرده دون النية، وهو كذلك، ولكنه بعيد أن يكون هو المراد، إذ العمل بلا نية، أو على الغفلة لا خير فيه، والنية بمجردها خير". واستطرد يقول: "بل المعنى به أن كل طاعة تنتظم بنية وعمل، وكانت النية من جملة الخيرات، وكان العمل من جملة الخيرات، ولكن النية من جملة الطاعة خير من العمل،

стр. 486

أي: لكل واحد منهما أثر في المقصود، وأثر النية أكثر من أثر العمل، فمعناه: نية المؤمن من جملة طاعته خير من عمله الذي هو من جملة طاعته"١. وإنا لمتفقون مع الغزالي على قوة هذا التفسير، ولكنا حين تابعنا تعليله لم نتقدم في حل المشكلة التي تشغلنا، فهو يقتصر في الواقع على هذا الاعتبار المشترك، المسلم به من وجهة نظر معينة، أعني أن الغاية الأخيرة التي يقصدها الشرع الإسلامي هي صحة النفس، وما تبقى ليس سوى وسائل لبلوغ هذا الهدف. ونحن نقول: ليكن!! ولكن هذا الرجحان لو صح بالنسبة إلى الأعمال البدنية، وهو صحيح، فهل يكون كذلك في مواجهة العمل القلبي؟ وهل النية خير من الجهد الباطي ذاته أم لا؟ ولماذا هذه الأفضلية؟ ذلك ما لم يقله. وعلى الرغم مما يبدو من تناقض في تأكيد هذا الرأي، فإننا نرى مع ذلك، أنه مما يمكن إثباته، أولًا؛ لأن الشراح قد حملونا على الظن بأن هذه هي وجهة نظر الفقه الإسلامي، لا بالرجوع إلى هذا النص الذي ضعف سنده إلى رسول الله ﷺ فحسب، ولكن إلى القولة الأخرى الأكثر شهرة، والأقوى إثباتًا، وهو قوله, ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات"، قالوا: إن كل الأعمال، أقوالها وأفعالها، فرضها ونفلها، قليلها وكثيرها، الصادرة من المكلفين المؤمنين، صحيحة أو مجزئة بالنيات ... فلا عمل إلا بنية ... إلا ما يستحيل دخولها فيه كالنية، ومعرفة الله تعالى، فإن النية فيهما محال. وربما أطلق "العمل" على حركة النفس، فعلى هذا يقال: "العمل إحداث أمر قولًا كان أو فعلًا بالجارحة أو بالقلب"٢.

стр. 487

والآن، كيف نسوغ هذا الرأي؟ أوَليس من التناقض أن نثبت في الأخلاق أشياء تتجاوز في قيمتها النشاط الأخلاقي ذاته؟ إن وضع المشكلة على هذا النحو تزييف لها وإحالة. فكل ما ندعيه هو أن في هذا النشاط مجالًا للتفرقة بين مرحلتين مختلفتين، فقبل أن نلتزم بعمل ما ينبغي أن نؤكد له المبدأ، ونضع له الخطة، ونحدد له الوسائل، ونرسم له الهدف. وفي كلمة واحدة: ينبغي قبل التنفيذ أن نصله بالشريعة فالجانب الشرعي يشرط ويسبق جانب التنفيذ، في الأخلاق، أو في السياسة. وإذا كان دور النية الحسنة على وجه التحديد هو اختيار الحل، من حيث هو حسن أخلاقيًّا، فإن معنى ذلك أنها تلتزم بالواجب بوصفه واجبًا، وبهذا الوصف صراحة. إن كل نشاط، حتى أدخله في الطوية، وأكثره تطابقًا مع القاعدة هو في ذاته نشاط محايد، مبهم، يمكن أن يرتدي صفة القداسة أو الدنس، الطاعة أو العصيان، الحسن أو القبح أو اللامبالاة، تبعًا للطريقة التي يتصور بها. ولقد طالما ألح الأخلاقيون المسلمون، حتى فقهاء العبادات -على هذه الفكرة، كما أن القولة المتواترة بلا شك عن النبي ﷺ ليس لها من معنى غير هذا. وعليه، فإن ما يصدق على التباس الأعمال الظاهرة يصدق تمامًا على جهودنا الباطنة. فعندما يغفل الإنسان عن أمر الشرع، ثم هو يحس تلقائيًّا أنه مدفوع إلى أن يتطلب من نفسه تجردًا عن المنافع الأنانية في هذه الدنيا، وحبًّا للأقربين، وكرمًا، وإخلاصًا للإنسانية، فيجب ألا ينخدع بهذه المشاعر النبيلة؛ لأن هذا الاقتضاء الذي نشعر به، من رغبة في تحسين صفتنا، ربما كان مفروضًا علينا بتأثير نوع من النداء الفطري، أو بتذوقنا للكمال، أو بمجرد الرغبة في ممارسة قدراتنا الخلاقة، أو لكي ننال لأنفسنا نوعًا من

стр. 488

التطابق النزيه في سلوكنا الظاهري، وبذلك نطمئن إلى أننا لن نتعثر أمام الناس، أو لأسباب أخرى أقل أو أكثر تسويغًا. والنية التي أصطحبها في أدائي لهذه المهمة هي التي تعطي لجهدي الباطن معنى، وهي التي تطبعه بصفته النوعية، وتسمه بسمتها المميزة. إنها عصبه، وحياته، وهي أشبه بروح الروح.

стр. 489

د- هل تكتفي النية بنفسها ؟: لقد عالجنا على التوالي ثلاث حالات: في الحالة الأولى: كان العمل يحدث بلا نية -وهي حالة "البطلان الأخلاقي". وفي الحالة الثانية: كان العمل والنية حاضرين، ولكن يعتورهما بعض النقص فإما أن تكون النية سيئة -وهي حالة "اللاأخلاقية"، وإما أن يكون العمل غير مطابق للنية -وهي حالة "الانحراف" الذي يحتمل الإدانة أو العفو. وفي الحالة الثالثة: كان العمل والنية حاضرين، ومتطابقين، وهي "الأخلاقية الكاملة" مع أفضلية النية. والحالة التي بقي علينا أن نبحثها هي مقابل الحالة الأولى، وهي التي تكون فيها النية الأخلاقية وحدها، غير مترجمة إلى عمل، ونتساءل إذا ما كان للنية في هذه الحال أن تكتفي بنفسها، أعني: إن كانت تستطيع أن تؤدي دور فعل أخلاقي متكامل. ولنذكر أولًا المعنيين الذين تنطوي عليها كلمة "نية" "INTENTION"، وهما المعنيان اللذان اهتم أخلاقيونا بالتمييز بينهما. فقد تعني هذه الكلمة أحيانًا

стр. 490

العزم الثابت، الذي لا يتوقف إلا أمام عقبة واقعية كئود، ولكن الغالب أن يقصد بها مشروع في مرحلة التدبر والتردد؛ رغبة، أو ميل١. ولا حاجة بنا أن نمضي إلى تقويم المعنى الثاني، فإن الإنسان المشدود إلى عادته اللينة، والذي لا يحاول تحطيم العقبات التي تعترض كل جهد جاد، الإنسان الذي يجعل من كل ما يقلق الراحة عائقًا -هذا الإنسان لا حق له بداهة في أن يفيد من تعاطفه مع الأعمال الطيبة كصفة أخلاقية حميدة، أو كاعتذار مقبول عن ضعفه. ولنستفد في هذه النقطة من الطريقة التي حكم بها القرآن على بعض المتخلفين عن الهجرة من مكة، فقد دعي هؤلاء إلى أن يتركوا بلدهم، حيث كان العدو مسيطرًا، ويلحقوا بإخوانهم الذين هاجروا إلى المدينة، ولكنهم لم يستجيبوا للدعوة، وظلوا على مقامهم بحجة أنهم كانوا "مستضعفين في الأرض" ولكن القرآن يعقب على ذلك بقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ، ثم يستثني منهم: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ ٢. كما أن أحاديث النفس، والميل الطبيعي الذي يشعر به المرء تجاه لذة

стр. 491

معينة، حسية أو خيالية، ليست أكثر حظًّا من النية الحسنة البليدة، فهي كلها لا تنشئ بالنسبة إلينا عملًا نحاسب عليه، ما دامت الإرادة لم تعزم عليه والرسول ﷺ يقول فيما رواه أبو هريرة: "إن الله تجاوز لي عن أمتي، ما وسوست به صدورها، ما لم تعمل به أو تكلم" ١. أما فيما يتعلق بالنية، بالمعنى الدقيق للكلمة، وهي التي لم تترجم إلى عمل؛ لأن الأحداث خالفتها، فليست المسألة أن نعرف إن كانت لها وحدها قيمة أخلاقية، أو إن كانت كافية لتستوجب المثوبة أو العقوبة. فلا ريب مطلقًا في أن المسئولية الأخلاقية تكون كاملة متى ما اتخذ القرار، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ٢. وحتى لو أننا رجعنا في قرارنا، وأخذنا بعكسه تماما -فإن النية الأولى تكون قد أنتجت آثارها الأخلاقية، اللهم إلا إذا قابلناها بعزم مضاد. ولكن المسألة الحقيقية هي أن نعرف إذا ما كان لقرار يتحقق كاملًا، ولقرار آخر حيل بينه وبين التحقق -نفس القيمة الأخلاقية تمامًا؟ ولنترك جانبًا الحالة التي تكون فيها هذه الحيلولة نتيجة عجز من جانبنا؛ نتيجة ضعف الجهد، وقصور العزم. ومن الواضح في هذه الظروف، أن النية لا ينبغي أن تعتبر بالقياس إلى الفعل في نفس الدرجة. ولننظر في الحالة التي يفترض فيها أن طالبي الأخلاقية يستعملان استعمالًا كاملًا سببيتهما الإنسانية، وأنهما لا يهملان أية وسيلة في طاقتهما لتحقيق عمل إرادتهما. ولما كان نجاح أحدهما، وإخفاق الآخر

стр. 492

لا يمكن أن يعزى إلا إلى فرصة خارجية، مستقلة عن إرادتهما -فمن الممكن أن نقر بلا ريب فيما بينهما تماثلًا كاملًا. بيد أننا لا نستطيع من ناحية أخرى أن ننكر ما قد تؤدي إليه ممارسة قدرتنا التنفيذية من قيم إيجابية أو سلبية، في العالم من حولنا، وفي أنفسنا. ومهما قلنا: إن هذه الممارسة قد حظيت بظروف خارجية، فإن الواقع أمامنا يؤكد: أنها على الرغم من أنها أصبحت ممكنة بفضل الطبيعة، فإنها ما زالت ممارستنا نحن؛ لأنها تمت بإرادتنا، وقد كان من المحتمل أن نغفل الاستفادة من هذه الإمكانية، ولكن النتائج التي كسبناها بجهدنا المنفذ، والتي جعلت حقيقتنا أكثر امتلاء وغنى مما كانت عليه من قبل -هذه النتائج هي إبداعنا، ومن ثم يجب أن تضاف إلى رصيدنا. فكيف بنا إذن نضع الحالتين على قدم المساواة؟ ومع ذلك، إذا أخذنا أقوال الأخلاقيين المسلمين على حرفيتها لكان الأمر هكذا، إذ يبدو أن رأيهم لا يقوم في أساسه على اعتبارات عقلية, ولكن على نصوص كثيرة مروية عن الرسول, ﷺ . فلنقف إذن على هذه الأرض، ولنذكر أولًا أقوى هذه النصوص التي استندوا إليها، فمن ذلك ما رواه الأحنف بن قيس عن أبي بكرة، أنه ﷺ قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". فقلت: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" ١. وفي حديث آخر يشبه رسول الله ﷺ أصحاب الأعذار القاهرة بالمجاهدين معه: "إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم ... حبسهم العذر ".

стр. 493

وخير من ذلك!.. "أن الفقراء الذين يغبطون١ المتصدقين سوف ينالون نفس الثواب عند الله، في مقابل أولئك الذين يفتن أبصارهم ما عليه شرار الأغنياء من ترف وسرف، فيتمنون أن يحوزوا مال الدنيا حتى ينعموا مثلهم، فهؤلاء لهم نفس العقاب"٢. هذه النصوص التي لا شك في صحتها لدى نقاد الحديث، لا تتمثل لأعيننا في شكل مجموعة منسجمة، بل يبدو لنا على العكس، أن كلًّا منها يجيب عن طافئة مختلفة، ولذلك نستطيع أن نضعها في ثلاث مجموعات: ١- نية مع محاولة التنفيذ. ٢- نية منعت محاولتها منعًا طارئًا عرضيًّا. ٣- نية فرضية. وعلى ذلك، فإن الطائفة الأولى التي مثل لها برجلين يقتتلان، لا تدخل مطلقًا في موضوعنا، الذي هو نية بلا عمل، وليس من الصعب أن نتصور في هذا المثال أن يعامل المنهزم بنفس القسوة التي يعامل بها المنتصر، لا لأنه كان يتحرك بروح الحقد والعدوان ذاتها فحسب؛ بل لأنه غارق إلى أذنيه في الصراع، مسخر كل قواه أيضًا في خدمة نيته الشريرة، ولا فرق بينهما إلا في نتيجة جهودهما. وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الطائفتين الأخريين، حيث كانت النية

стр. 494

متهمة ببقائها في حيز الأفكار، مع وجود بعض الحالات التي تجعلها تتفاوت بعدًا أو قربًا من العمل. والواقع أننا قد نفترض أنه في إحدى الحالات يطرأ التعويق بعد عقد النية، وبعد شيء من الاستعداد في طريق تنفيذها، أو حتى بعد عدد من التجارب التي صادفت نجاحًا من قبل، ولكن ربما تنقطع السلسلة بحادث غير متوقع؛ على حين أنه في الحالة الأخرى تكون العقبة موجودة فعلًا، لتجعل من المستحيل أن يوجد أي عزم، ولتحيل النية إلى مجرد رغبة شرطية، كأن يقول الإنسان: لو كنت غنيًّا لتصدقت، أو لاستمتعت بكل مباهج الحياة على أكمل وجه. وهكذا توجد حالتان متطرفتان، وحالة وسيطة. فبين النية الفاعلة، والنية الفرضية، العاجزة توجد النية المعطلة، الممنوعة منعًا عارضًا. وإذا كان العقل يميل إلى أن يحكم على الأوليين حكمًا مختلفًا، فإن الثالثة تعتبر بالنسبة إلى الحكم العقلي حالة ملتبسة، من حيث كانت تجمع بين صفات الحالتين المتعارضتين. ومع ذلك فإن النصوص فيما يبدو لا تفرق بين هذه الطوائف المختلفة, فهل يجب أن نتناولها على أنها ذات تماثل مطلق ... ؟ ليس ذلك رأينا، فنحن نعتقد أن التماثل هو في الطبيعة، لا في الدرجة. وأيًّا ما كان الأمر فإن للنية دائمًا أجرها، ولكنها كلما اقتربت من العمل غنيت بالقيم، بحيث لا تبلغ قيمتها إلا في العمل التام. هذا التدرج مقبول من الناحية العقلية، ولكنه عندما يصبح متعلقًا بجزاء إلهي فربما نجد من الجرأة أن نريد تحديد فضل الله، وأن نجعله خاضعًا لمقاييسنا، التي ثبت أنها معيبة غالبًا.

стр. 495

إن من المستبعد أن نحكم على هذه الأمور الإلهية بأنوارنا الفطرية وحدها، فنحن نعلم أنه في مجال الحقائق المنزلة يجب أن نطبق منهجًا مناسبًا، بأن نلجأ إلى النصوص التي أوحت إلينا هذه الحقائق، وكل ما نملك من أن نحسن الاختيار من بين هذه النصوص. وإذن، فإن لدينا -أولًا- أصلًا من المبدأ القرآني، ينبغي أن يؤدي دوره في تفسير جميع النصوص الخاصة، فالعدالة الإلهية، التي يعبر عنها القرآن لا تحكم على الأشياء جملة، أو بصفة تقريبية، وإنما هي تزن ميزانًا دقيقًا كل درجة من درجات الجهد: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ١، حتى لو كان في وزن الذرة: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ ٢, ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ ٣. فإذا كان الجهد الباطن يستغرق الأجر كله فكم من الذرات يضيع!! وإنه لجدير بنا أن نقول: إن لفضل الله مطلق الحق في أن يتقبل هذا العمل أو ذاك بإحسان أكثر، وأن يخصه بأجر أكرم مما يستحق في ذاته، ومن ثم يرتقي بالنية إلى مستوى العمل، وذلك كله بعد أن يكون قد أعطى كلاًّ بحسب أعماله -نعم، ولكن شريطة ألا تستتبع هذه الترقية اضطرابًا في السلم كله، وهو ما سوف يحدث لا محالة، فإن جميع الدرجات العلى يجب حينئذ أن تتطلع إلى ارتقاء آخر، يجعلها أكثر علوًّا مما كانت. وإذن، فلن يعدو الأمر أحد احتمالين: إما ألا يجاب مطلبها، ويصطرع الكرم مع العدالة المنزهة؛ وإما أن تمنح كسبًا جديدًا، وحينئذ تكون النسبة مراعاة، ويستقر التدرج مرة أخرى. ولدينا -بعد هذا المبدأ العام- نصوص محددة، تؤكد صراحة هذا الفرق في الدرجة بين النية المتحققة، والنية المخفقة:
следующие страницы →