معينة، حسية أو خيالية، ليست أكثر حظًّا من النية الحسنة البليدة، فهي كلها لا تنشئ بالنسبة إلينا عملًا نحاسب عليه، ما دامت الإرادة لم تعزم عليه والرسول ﷺ يقول فيما رواه أبو هريرة: "إن الله تجاوز لي عن أمتي، ما وسوست به صدورها، ما لم تعمل به أو تكلم" ١.
أما فيما يتعلق بالنية، بالمعنى الدقيق للكلمة، وهي التي لم تترجم إلى عمل؛ لأن الأحداث خالفتها، فليست المسألة أن نعرف إن كانت لها وحدها قيمة أخلاقية، أو إن كانت كافية لتستوجب المثوبة أو العقوبة. فلا ريب مطلقًا في أن المسئولية الأخلاقية تكون كاملة متى ما اتخذ القرار، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ٢.
وحتى لو أننا رجعنا في قرارنا، وأخذنا بعكسه تماما -فإن النية الأولى تكون قد أنتجت آثارها الأخلاقية، اللهم إلا إذا قابلناها بعزم مضاد.
ولكن المسألة الحقيقية هي أن نعرف إذا ما كان لقرار يتحقق كاملًا، ولقرار آخر حيل بينه وبين التحقق -نفس القيمة الأخلاقية تمامًا؟ ولنترك جانبًا الحالة التي تكون فيها هذه الحيلولة نتيجة عجز من جانبنا؛ نتيجة ضعف الجهد، وقصور العزم.
ومن الواضح في هذه الظروف، أن النية لا ينبغي أن تعتبر بالقياس إلى الفعل في نفس الدرجة. ولننظر في الحالة التي يفترض فيها أن طالبي الأخلاقية يستعملان استعمالًا كاملًا سببيتهما الإنسانية، وأنهما لا يهملان أية وسيلة في طاقتهما لتحقيق عمل إرادتهما. ولما كان نجاح أحدهما، وإخفاق الآخر
стр. 492
لا يمكن أن يعزى إلا إلى فرصة خارجية، مستقلة عن إرادتهما -فمن الممكن أن نقر بلا ريب فيما بينهما تماثلًا كاملًا.
بيد أننا لا نستطيع من ناحية أخرى أن ننكر ما قد تؤدي إليه ممارسة قدرتنا التنفيذية من قيم إيجابية أو سلبية، في العالم من حولنا، وفي أنفسنا. ومهما قلنا: إن هذه الممارسة قد حظيت بظروف خارجية، فإن الواقع أمامنا يؤكد: أنها على الرغم من أنها أصبحت ممكنة بفضل الطبيعة، فإنها ما زالت ممارستنا نحن؛ لأنها تمت بإرادتنا، وقد كان من المحتمل أن نغفل الاستفادة من هذه الإمكانية، ولكن النتائج التي كسبناها بجهدنا المنفذ، والتي جعلت حقيقتنا أكثر امتلاء وغنى مما كانت عليه من قبل -هذه النتائج هي إبداعنا، ومن ثم يجب أن تضاف إلى رصيدنا.
فكيف بنا إذن نضع الحالتين على قدم المساواة؟
ومع ذلك، إذا أخذنا أقوال الأخلاقيين المسلمين على حرفيتها لكان الأمر هكذا، إذ يبدو أن رأيهم لا يقوم في أساسه على اعتبارات عقلية, ولكن على نصوص كثيرة مروية عن الرسول, ﷺ .
فلنقف إذن على هذه الأرض، ولنذكر أولًا أقوى هذه النصوص التي استندوا إليها، فمن ذلك ما رواه الأحنف بن قيس عن أبي بكرة، أنه ﷺ قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار".
فقلت: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" ١. وفي حديث آخر يشبه رسول الله ﷺ أصحاب الأعذار القاهرة بالمجاهدين معه: "إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم ... حبسهم العذر ".
стр. 493
وخير من ذلك!.. "أن الفقراء الذين يغبطون١ المتصدقين سوف ينالون نفس الثواب عند الله، في مقابل أولئك الذين يفتن أبصارهم ما عليه شرار الأغنياء من ترف وسرف، فيتمنون أن يحوزوا مال الدنيا حتى ينعموا مثلهم، فهؤلاء لهم نفس العقاب"٢.
هذه النصوص التي لا شك في صحتها لدى نقاد الحديث، لا تتمثل لأعيننا في شكل مجموعة منسجمة، بل يبدو لنا على العكس، أن كلًّا منها يجيب عن طافئة مختلفة، ولذلك نستطيع أن نضعها في ثلاث مجموعات:
١- نية مع محاولة التنفيذ.
٢- نية منعت محاولتها منعًا طارئًا عرضيًّا.
٣- نية فرضية.
وعلى ذلك، فإن الطائفة الأولى التي مثل لها برجلين يقتتلان، لا تدخل مطلقًا في موضوعنا، الذي هو نية بلا عمل، وليس من الصعب أن نتصور في هذا المثال أن يعامل المنهزم بنفس القسوة التي يعامل بها المنتصر، لا لأنه كان يتحرك بروح الحقد والعدوان ذاتها فحسب؛ بل لأنه غارق إلى أذنيه في الصراع، مسخر كل قواه أيضًا في خدمة نيته الشريرة، ولا فرق بينهما إلا في نتيجة جهودهما.
وليس الأمر كذلك بالنسبة إلى الطائفتين الأخريين، حيث كانت النية
стр. 494
متهمة ببقائها في حيز الأفكار، مع وجود بعض الحالات التي تجعلها تتفاوت بعدًا أو قربًا من العمل.
والواقع أننا قد نفترض أنه في إحدى الحالات يطرأ التعويق بعد عقد النية، وبعد شيء من الاستعداد في طريق تنفيذها، أو حتى بعد عدد من التجارب التي صادفت نجاحًا من قبل، ولكن ربما تنقطع السلسلة بحادث غير متوقع؛ على حين أنه في الحالة الأخرى تكون العقبة موجودة فعلًا، لتجعل من المستحيل أن يوجد أي عزم، ولتحيل النية إلى مجرد رغبة شرطية، كأن يقول الإنسان: لو كنت غنيًّا لتصدقت، أو لاستمتعت بكل مباهج الحياة على أكمل وجه.
وهكذا توجد حالتان متطرفتان، وحالة وسيطة. فبين النية الفاعلة، والنية الفرضية، العاجزة توجد النية المعطلة، الممنوعة منعًا عارضًا. وإذا كان العقل يميل إلى أن يحكم على الأوليين حكمًا مختلفًا، فإن الثالثة تعتبر بالنسبة إلى الحكم العقلي حالة ملتبسة، من حيث كانت تجمع بين صفات الحالتين المتعارضتين.
ومع ذلك فإن النصوص فيما يبدو لا تفرق بين هذه الطوائف المختلفة, فهل يجب أن نتناولها على أنها ذات تماثل مطلق ... ؟
ليس ذلك رأينا، فنحن نعتقد أن التماثل هو في الطبيعة، لا في الدرجة. وأيًّا ما كان الأمر فإن للنية دائمًا أجرها، ولكنها كلما اقتربت من العمل غنيت بالقيم، بحيث لا تبلغ قيمتها إلا في العمل التام.
هذا التدرج مقبول من الناحية العقلية، ولكنه عندما يصبح متعلقًا بجزاء إلهي فربما نجد من الجرأة أن نريد تحديد فضل الله، وأن نجعله خاضعًا لمقاييسنا، التي ثبت أنها معيبة غالبًا.
стр. 495
إن من المستبعد أن نحكم على هذه الأمور الإلهية بأنوارنا الفطرية وحدها، فنحن نعلم أنه في مجال الحقائق المنزلة يجب أن نطبق منهجًا مناسبًا، بأن نلجأ إلى النصوص التي أوحت إلينا هذه الحقائق، وكل ما نملك من أن نحسن الاختيار من بين هذه النصوص.
وإذن، فإن لدينا -أولًا- أصلًا من المبدأ القرآني، ينبغي أن يؤدي دوره في تفسير جميع النصوص الخاصة، فالعدالة الإلهية، التي يعبر عنها القرآن لا تحكم على الأشياء جملة، أو بصفة تقريبية، وإنما هي تزن ميزانًا دقيقًا كل درجة من درجات الجهد: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ١، حتى لو كان في وزن الذرة: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ ٢, ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ ٣. فإذا كان الجهد الباطن يستغرق الأجر كله فكم من الذرات يضيع!! وإنه لجدير بنا أن نقول: إن لفضل الله مطلق الحق في أن يتقبل هذا العمل أو ذاك بإحسان أكثر، وأن يخصه بأجر أكرم مما يستحق في ذاته، ومن ثم يرتقي بالنية إلى مستوى العمل، وذلك كله بعد أن يكون قد أعطى كلاًّ بحسب أعماله -نعم، ولكن شريطة ألا تستتبع هذه الترقية اضطرابًا في السلم كله، وهو ما سوف يحدث لا محالة، فإن جميع الدرجات العلى يجب حينئذ أن تتطلع إلى ارتقاء آخر، يجعلها أكثر علوًّا مما كانت. وإذن، فلن يعدو الأمر أحد احتمالين: إما ألا يجاب مطلبها، ويصطرع الكرم مع العدالة المنزهة؛ وإما أن تمنح كسبًا جديدًا، وحينئذ تكون النسبة مراعاة، ويستقر التدرج مرة أخرى.
ولدينا -بعد هذا المبدأ العام- نصوص محددة، تؤكد صراحة هذا الفرق في الدرجة بين النية المتحققة، والنية المخفقة:
стр. 496
أولًا: الحديث القدسي، المروي لدى اثنين من أكابر السلف، وأوثقهم سندًا، هما: البخاري ومسلم، وهو الحديث الذي يقرر أن النية الحسنة التي لم تعقب أثرًا تكتب حسنة، على حين أنها تحتسب عشر حسنات لو تحققت, قال رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه : قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة" ١.
ثانيًا: وليس أقل من ذلك دلالة ما أثبته القرآن من فرق بين المجاهدين وغير المجاهدين، وفي هؤلاء بين الضعفاء والأصحاء٢، والحق أنهم جميعًا قد وضعوا تحت عنوان "المؤمنين"، وأنهم موعودون أجمعين بالنعيم الأخروي ولكنهم ليسوا جميعًا في درجة واحدة.
ومن ثم لم يقل القرآن جملة: إن أولئك الذين يجاهدون فعلًا هم أسمى من الآخرين، ولكنه يلون هذا السمو تبعًا للحالة: فتارة تكون "درجات كثيرة" "بالنسبة إلى الأصحاء من المؤمنين"، وتارة هي "درجة واحدة" "يفضلون بها الضعفاء". وهنا يكمن برهاننا، إذ من أين تأتي درجة هذه الرفعة، أو درجاتها ما لم تكن من ذلك الفرق بين الجهود المبذولة، والتضحيات السخية، بين الذين يجاهدون بنياتهم فحسب، وأولئك الذين يبذلون "أموالهم وأنفسهم"؟ ذلكم هو ما يقوله لنا النص هنا أيضًا، قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا،
стр. 497
دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ ١، وهو ما يقرره نص آخر بقدر من التحديد أكبر: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
إن النية خير، والعمل القائم على نية الخير خير أرفع؛ لأنه العمل الأخلاقي الكامل.
стр. 498
دوافع العمل
مدخل
...
دوافع العمل:
كان الجزء الأول من هذا الفصل مخصصًا لدراسة النية، من حيث هي "علاقة بين الإرادة وموضوعها المباشر"، أعني: العمل نفسه، بصرف النظر عن كل توقع يمكن أن يستثير هذا النشاط. ولقد رأينا:
أن هذه الرؤية الداخلية، وهذا الإدراك الشعوري لما يفعله الإنسان وبالوصف الذي يفعله به -يعتبر عنصرًا رئيسيًّا في الأخلاقية "ولكنه ليس كل شيء"، وأن غيبة هذا العنصر تفسد أكثر تصرفات الإنسان دقة، ومطابقة للواجب من الوجهة المادية.
وأن كل تحول في النية، أعني: كل خطأ في الوصف الصادق للعمل -إما أن يدين سلوكنا، وإما أنه يكفي فقط ليمنحنا العفو.
وأن من بين العنصرين المكونين للحدث الأخلاقي تظفر النية بالأولوية والتقدم على العمل.
وأن النية وحدها خير أخلاقي يمكن تقديره، ويكتفي بنفسه عند الاقتضاء، ولكنه على أية حال لا يتساوى في القيمة مع العمل الأخلاقي الكلي.
стр. 499
وعلينا الآن أن نستخرج عنصرًا آخر، ترك حتى الآن دون نظر. "فالجانب الغائي للإرادة"، وهو الذي ضربنا عنه صفحًا خضوعًا لحاجة المنهج -ينبغي منذئذ أن يوضع في دائرة الضوء. فأنا قبل أن أعمل، أعرف ما ينبغي أن أعمل، وبهذا الاعتبار سوف أمضي إلى فعله. وعندما أكون بسبيلي إلى أدائه أعرف أن ذلك هو واجبي، فأفعله عن وعي، وبقصد ونية.
ولكن، لماذا أفعل واجبي، وفي سبيل أي هدف؟
هذان السؤالان: ماذا؟ ولماذا؟ لا ينفصلان قط في عمل من أعمال الإرادة يدرك ذاته على سبيل الكمال. ترى، هل تندمج الإجابة عنهما في شيء واحد فحسب؟ إنهما لا يواجهانا بنفس الدرجة من الإلحاح فحسب، ولكن الإجابة التي نعطيها للثاني هي التي تفرض الإجابة عن الأول. أي: إن الغاية تفرض الوسائل "ولا أقول: إنها تسوغها، لو كانت ظالمة في ذاتها".
وموضوع دراستنا هذه هو أن نعرف: ما الأهمية التي تلصقها الأخلاق القرآنية بهذه الإجابة؟ هل تبدو هذه الأخلاق لامبالية بكل الغايات التي قد تقصد إليها الإرادة حين تطيع أوامر الأخلاق؟ وفي حالة النفي ما الغايات التي تعتبرها هذه الأخلاق غير مسوغة مطلقًا؟ وما الغايات التي ترتضيها، أو تسمح بها؟ وما المبدأ الأسمى الذي ينبغي أن يلهم أعمالنا؟ وهل هذا المبدأ المثالي مطلوب أيضًا في كل الأعمال؟ أم أن ذلك يتفاوت كثرة وقلة، بحسب ما إذا كان يتعلق بواجب، أو بمجرد طريقة للعيش الفردي، في الظروف العادية جدًّا المتصلة بحياتنا اليومية؟
إننا حين نجيب بطريقة واضحة ومحددة على مثل هذه الأسئلة، وحين لا نتوقف عند العموميات -يمكننا بذلك أن نقدم النظرية الأخلاقية للقرآن في هذا الصدد، تقديمًا دقيقًا.
стр. 500
والواقع أنه لا يكفي أن نلفت النظر إلى أن اللفظ العربي: "الإسلام" يعني: "الانقياد"، أي: الخضوع للإرادة الإلهية، كما يعني في الوقت نفسه: "الإخلاص"، وهو استبعاد أي سلطان آخر على الإرادة الإنسانية.
ولا يكفي كذلك أن نقول: كم يؤكد القرآن ضرورة أن يستلهم كل فرد في أعماله النية النقية؟ لأنه يجب أيضًا أن نبين فيم يتمثل هذا النقاء؟ ومتى يتسنى لمزيج من الدواعي والبواعث أن يقوض أركانه، ويزيل بنيانه؟
стр. 501
دور النية في المباشرة وطبيعتها
...
أ- دور النية غير المباشرة، وطبيعتها:
بيد أننا قبل أن ندخل في هذه التفاصيل ينبغي أن نقول ابتداء: إلى أي مدى تقاس قيمة عمل ما -في الإسلام- بأهدافه البعيدة؟ ونكتفي الآن بقولة لرسول الله ﷺ يلخص بمضمونها الكثيف، ويعمم بامتدادها إلى ما لا نهاية -ما لا يحصى من النصوص القرآنية وغيرها، مما سوف نرى منه غير قليل من النماذج خلال دراستنا، وذلكم قوله, ﵊: "إنما الأعمال بالنيات" ١. وهذه القولة -التي استخدمناها من قبل لإثبات النية المباشرة، كشرط صحة، أعني: شرط وجود أخلاقي- يمكن أن تساعدنا أيضًا في أن نتناول النية بصورة أعمق، باعتبارها معيارًا للقيمة، وشرطًا أخيرًا للثواب والعقاب.
هذا الاستخدام المزدوج للنص، والذي جرى عليه من قبل جميع المفسرين -يجد تسويغه أولًا في اشتقاق الكلمة العربية: نية "= intention ". فهذا اللفظ في الواقع مشتق من جذرين امتزجا معًا بصورة ما:
أولهما: ناء بالحمل، أي: نهض به.
стр. 502
وثانيهما، نأى، أي: ذهب بعيدًا١.
فإذا تذكرنا الأصل المزدوج لهذا المصطلح فإنه يعني إذن نظرتين للحركة الإرادية، تقعان في آن واحد على العمل الماثل، الذي يكلف به الإنسان وعلى غايته البعيدة التي يستهدفها.
ومع ذلك، فلا حاجة بنا إلى أن نتمسك بهذه الإشارة الضمنية، ولنفترض أن هذه القولة تقصد بخاصة إلى الجزء الأول، ولا سيما في جانبه السلبي، ولكن لنقرأ بعد ذلك بقية النص، ولسوف نرى فيه المعنى الثاني، يستخرج ويتحرك كلما اطرد الخطاب، وأصبح محسوسًا شيئًا فشيئًا، يقول الرسول, ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى" ٢, "في حال عمله" ثم يختم الحديث بهذه الجملة الثالثة والأخيرة: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" ٣.
ومن الواضح أن هذا الدور العظيم لمبدأ التقدير الأخلاقي ما كان له أن يتعين إلا بنية حقيقية، أصولية، منبثقة من المنبع العميق في أنفسنا، فلم تكن لتعينه بضعة أفكار سطحية، ناشئة عن تكلف لغة باطنية أو منطوقة.
стр. 503
فهذه النية الزائفة قد تستر إلى حين الانطلاقة الواقعية لدوافعنا، ولكنها لا تبلغ قط أن تغيرها.
وعندما أعمل، في الحرب، تحت سلطان الكراهية، وبروح الثأر، لا يفيدني في شيء أن أبعد تفكيري عن هذا الهدف بأن أقول لنفسي: سوف أدافع لا عن مصلحتي، بل عن حقيقة مقدسة. فنحن لا نلغي وجود العالم بإغلاق أعيننا كيلا نرى شيئًا، وسد آذاننا كيلا نسمع شيئًا. وليس بوسعنا أن نتملك الفضيلة بمجرد تفكيرنا فيها، أو حتى نطقنا باسمها، فالرجل العاقل لا يرى في هذه الشكلية سوى ستار جد رقيق لا تلبث أن تنكشف وراءه الحقيقة.
لسنا ننكر في بعض الحالات صعوبة تبين الدوافع الخفية لأعمالنا. ولسنا نذهب إلى حد تأييد "كانت" فيما ذهب إليه من الاستحالة المطلقة لاستكناهها١، فهذه الفكرة على ما لاحظه "دلبوس delbos"٢ تبدو لدى "كانت" متصلة بنظريته التي تقول باحتمال وجود إرادة إنسانية علوية، تجري اختيارها خارج الزمان، ومن ثم لا تستجيب لأي معرفة تجريبية.
стр. 504
بيد أننا ما دمنا في نطاق ما يقبل المعرفة -ندرك أن الصعوبات التي تثيرها دوافعنا العميقة كثيرة، وحتى لو افترضنا أن هذه الدوافع الحقيقية قد كشفت، فإنها ليست سهلة المراس بحيث يمكن إقصاؤها وشغل مكانها بمجرد صارف من صوارف الفكر، كيفما أردنا.
بل قد يجوز لنا أن نتساءل: إذا ما كانت النية بعامة يمكن أن تكون موجهة؟
يرى الإمام الغزالي أن الإنسان لا سلطان له مباشرة على هذا التوجيه، وفي ذلك يقول: "إنما النية انبعاث النفس وتوجهها، وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها، إما عاجلًا، وإما آجلًا، والميل إذا لم يكن لا يمكن اختراعه، واكتسابه بمجرد الإرادة، بل ذلك كقول الشبعان: نويت أن أشتهي الطعام وأميل إليه، أو قول الفارغ: نويت أن أعشق فلانًا وأحبه وأعظمه بقلبي، فذلك محال، بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشيء وميله إليه، وتوجهه نحوه إلا باكتساب أسبابه، وذلك مما قد يقدر عليه، وقد لا يقدر عليه، وإنما تنبعث النفس إلى الفعل إجابة للغرض الباعث، الموافق للنفس، الملائم لها، وما لم يعتقد الإنسان أن غرضه منوط بفعل من الأفعال فلا يتوجه نحوه قصده، وذلك مما لا يقدر على اعتقاده من كل حين، وإذا اعتقد فإنما يتوجه القلب إذا كان فارغًا غير مصروف عنه بغرض شاغل أقوى منه، وذلك لا يمكن في كل وقت، والدواعي والصوارف لها أسباب كثيرة، بها تجتمع، ويختلف ذلك بالأشخاص، وبالأحوال، وبالأعمال، ويضرب الغزالي لذلك مثالًا فيقول: "فإذا غلبت شهوة النكاح مثلًا، ولم يعتقد غرضًا صحيحًا في الولد، دينًا ولا دنيا، لا يمكن أن يواقع على نية الولد، بل لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة، إذ النية هي إجابة الباعث، ولا باعث إلا بالشهوة، فكيف ينوي الولد، وإذا لم يغلب على قلبه أن إقامة سنة النكاح اتباعًا لرسول الله ﷺ يعظم فضلها، لا يمكن أن
стр. 505
ينوي بالنكاح اتباع السُّنة، إلا أن يقول ذلك بلسانه وقلبه، وهو حديث محض ليس بنية. نعم طريق اكتساب هذه النية مثلًا أن يقوي أولًا إيمانه بالشرع، ويقوي إيمانه بعظم ثواب من سعى في تكثير أمة محمد ﷺ ويدفع عن نفسه جميع المنفرات عن الولد، من ثقل المؤنة، وطول التعب وغيره. فإذا فعل ذلك ربما انبعث من قلبه رغبة إلى تحصيل الولد للثواب، فتحركه تلك الرغبة، وتتحرك أعضاؤه لمباشرة العقد، فإذا انتهضت القدرة المحركة للسان بقبول العقد، طاعة لهذا الباعث الغالب على القلب كان ناويًا، فإن لم يكن كذلك فما يقدره في نفسه، ويردده في قلبه من قصد الولد -وسواس وهذيان"١.
وقد نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك؛ لأننا لو افترضنا أن هذا العلاج الأخلاقي قد استمر ونجح، لبقي أن الفطرة الحسية لم تنعدم لذلك. فهذا القدر الكبير من الأفكار، ومن المطامح، ومن العادات التي اكتسبت من جديد -يمكنه فعلًا أن يحد من سلطان ميولنا الغريزية، أو يخففها، ومع ذلك فإن هذه الميول تظل ماثلة، ولا يختنق صوتها قط اختناقًا كاملًا، بل إن الأمر ليصل أحيانًا، عندما يتزامن أمر العقل مع دافع الأنانية، أننا لا ندري -على وجه القطع- لأي الأمرين خضعنا.
ويجب أن نلاحظ جيدًا أن الذين قد يتسلط عليهم هذا الشك ليسوا هم العامة من الناس، أولئك الذين يطلقون العنان لأهوائهم، وليسوا أيضًا هم حديثو العهد بالدين، فهم قلما يتنبهون إليه. فمن الواضح أنهم لما كانت مبادئهم حتى الآن متفردة، لا تزاحمها مبادئ أخرى مضادة، فلا مجال لأن يخطئوا تبين المبدأ الواقعي الذي يلهم أعمالهم، ولن يكونوا بحيث يفسرون نواياهم الخاصة بتشابه الأقوال أو الصور، عندما تبدو لهم مظلمة أو غامضة.
стр. 506
وإنما يقع في هذا الصالحون من الناس، أولئك الذين قد يجدون بحق، كل عناء في تمييز دوافعهم الحقيقية، وفي تهدئة وساوسهم في هذا الموضوع.
وبالرغم مما يبدو في هذا من تناقض، فمن الممكن القول بأنه على قدر ما يحققون من تقدم أخلاقي يجب أن تزداد مخاوفهم من ألا تسترهم في نظر أنفسهم تلك الطبقة السميكة من مكتسباتهم الجديدة، فتدفعهم إلى الاعتقاد بأنهم إنما يعملون دائمًا حبًّا في الفضيلة.
ألا يحدث في الواقع أن يكتشفوا أحيانًا، وبعد فوات الأوان، أنهم كانوا في ذلك مخدوعين، وأنهم إنما كانوا يعملون في هذه المناسبة أو تلك لإرضاء النزعة الخفية من طبيعتهم؟
ولكن هل يمكن لهذه الأسرار العميقة، التي تنزع غالبًا إلى أن تختفي عن أكثر الاختبارات دقة -أيمكن أن تغيب عن رقابة الله الذي هو ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ١, ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير﴾ ٢.
ولهذا نجد في الأخلاق الدينية -أكثر من أية أخلاق أخرى- ضرورة تفرض نفسها على كل فرد، هي أن يستعمل الدقة وعمق النظر في اختبار ضميره، بقدر ما يمارس من جهد شجاع لتحرير نفسه من كل تأثير، سوى التأثير الذي يفرضه الشرع، ويرضاه.
والحق أنه لا يوجد شرع عادل يكلفنا بأن نحمل أكثر مما تطيق فطرتنا، حتى ندرك ما لا نستطيع إدراكه، أو نجاهد ما لا نطيق هزيمته. ولكنا عندما توقفنا قوة هذه الفطرة، قبل أن نصل إلى نهاية الطريق، "فعند نقطة
стр. 507
الإيقاف هذه يختلف موقف الضمير الذي يخضع لقانون العقل وحده، عن موقف من يخضع لقانون الجلال والفضل الإلهي، وإليكم نقط الخلاف هذه ":
فمن الناحية العقلية، تبعًا لوجهة النظر التي نأخذ بها، وتبعًا لمزاجنا أيضًا -نرى أن العجز عن "فعل الأحسن" الذي نجد أنفسنا فيه لا بد أن يترجم في ضميرنا بشعورين متناقضين، ينتهي كل منهما إلى نتيجة لا ترضى النزعة الأخلاقية؛ إذ إننا من الناحية القانونية نعتبر أنفسنا قد أدينا ما علينا، ما دمنا غير ملزمين مطلقًا بعمل المستحيل.
بيد أن ملاحظة نقصنا الأساسي "الجواني"، وليكن اضطراريًّا، يجب أن تثير فينا شعورًا باحتقار أنفسنا، فلسنا نملك ألا ندين هذه الفطرة العقيمة إدانة لا نقض فيها ولا إبرام؛ لأنها غير جديرة بمطامحنا الأخلاقية.
وهكذا نجد أن الاعتبار الأول، وهو اعتبار منطقي، لا حرارة فيه، يمنح نشاطنا وهمتنا إجازة، ويدعونا إلى أن نستريح في هدوء على هذا الحد، كأنه لا يقبل التجاوز بحال. فإذا ما ارتضينا هذه الوقفة، واستطالت قليلًا فسرعان ما تتحول إلى تقهقر تدريجي.
وإذا كانت ملاحظة هذا البون ما بين واقعنا ومثلنا تشعل -بالعكس- النار في قلوبنا، وتجعلنا ثائرين ضد أنفسنا، فقلما يكون ذلك من أجل إصلاح فطرتنا، وهو أمر نعتبره -على سبيل الفرض- مستحيلًا، بل هو من أجل أن ننقم على ظرفنا التعيس. هذه الكراهية التي لا جدوى من ورائها، والتي تسمى "اليأس"، تقود الإنسان حتمًا إلى نفس الوقفة أولًا، ثم إلى التقهقر الذي أشرنا إليه منذ قليل. وذلكم هو الإنسان، طالما اعتمد على قواه، وأنواره الخاصة.
هذا كله في مقابل نفس مغذوة بالإيمان، مملوءة بالثقة في هذه الحقيقة
стр. 508
الحية والعلوية، هذه الحقيقة التي لا حدود لخيرها ولا لقوتها، والتي هي موضوع حبنا واحترامنا ونطلق عليها: الله.
إن النفس التي تثق في هذه الحقيقة لا ترتد أبدًا إلى ذلك اليأس القاتل، ولا إلى ذلك التساهل البليد نحو الذات. ذلك أن فكرة لطف الشرع الإلهي الذي لا يأمرنا بأن نخرج من فطرتنا، يقابلها في ضميرنا فكرة العلم الشامل العلوي لخالق هذا الشرع. هذا العلم الشامل وحده، الذي يطلع على أعماق قلوبنا، والذي يقيس قياسًا دقيقًا حدود قدرتنا -هو الذي يستطيع أن يحكم بحق إن كنا لا نزال نطيق أن نبذل جهدًا، لكشف نقائصنا المستورة، نقائص سلوكنا الباطني، وتصحيحها -هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، إن فكرة وجود الله ذي الجلال في كل مكان، تلك الفكرة التي تملأ نفوسنا اهتمامًا بالأخلاق، وبالصرامة نحو أنفسنا -هذه الفكرة يخففها بدورها فكرة الرحمة التي تمد يدها دائمًا إلينا، لا من أجل أن تتلقى أولئك الذي يرجعون من غفلتهم، ويحاولون أن ينهضوا من كبوتهم فحسب، ولكن من أجل أن تساعدهم، وتمدهم بقوة يتراحب مداها دائمًا.
في هذا الضوء يصف لنا القرآن حالة نفس المؤمن، فهي ليست يائسة من روح الله: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١، ولا هي آمنة من مكره: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٢ وإنما هي دائمًا في منتصف طريق، بين الأمل والخوف، أو بالأحرى، تغذي كلا الشعورين في وقت واحد: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ٣.
وإذن، فهو حوار حي، بين لطف وهمة، وشجاعة وأمل، وهو حوار يتعهد شعلتنا، دون أن يحرقنا بها، ويرطب قلوبنا دون أن يسلبها حميتها،
стр. 509
فكل شيء متوازن، ومتناسب، وهذا هو مجموع الشروط الضرورية، والكافية لبناء عمل دائم وخصب، فهل تستطيع النزعة الأخلاقية أن تجد في غيره بيانًا أفضل؟
والآن، إذا كنا قد أثبتنا مبدأ النية العام، وبعد أن حددنا أنه لا يمكن أن يعني مطلقًا نية سطحية، أو مصطنعة، بل لا مناص من دوافع حقيقية تتعمق في أنفسنا، كيما تجد فيها جذورها العميقة، وتطهرها -نستطيع الآن أن نشارف الموضوع الرئيسي في هذا القسم، ألا وهو دراسة المجموعات المختلفة لهذه الدوافع، وتمحيص نظمها في الأخلاق الإسلامية، كل على حدة.
وفي أثناء هذه الدراسة للنية الغائية، سوف نصادف كل نوع منها، ابتداء من أجدرها بالمدح، حتى أحقها بالذم، مارين بمنطقة وسيطة، في مستوى عادي، يمكن أن توصف باللامبالية، ولو لم يرق ذلك في نظر بعض الأخلاقيين والمتصوفة المسلمين؛ إذ كيف نجمع في حكم واحد رفضًا لمبدأين متباعدين، أحدهما عن الآخر، المبدأ الذي يقف ضد الشرع، والآخر الذي يمكن برغم كل شيء أن يجعل الشرع أكثر فاعلية؟
ألم يعلمنا القرآن والسُّنة بطريقتهما في تقدير الأمور -أن بين الطرفين من "الخير والشر"- مكانًا للفظ وسط، وأن بين "المأمور به" و"المنهي عنه" يوجد المسموح به أو "المباح"؟
إن في القرآن ثلاثة تعبيرات هي: "كتب عليكم, حرم عليكم, وأحل لكم"، وهي أكثر التعبيرات شيوعًا، والقرآن يعين بها المجموعات المختلفة في تشريعه، فلماذا لا يطبق نفس التقسيم الثلاثي على الروح "أي: الدوافع" التي تحرك أنواع السلوك المختلفة؟
стр. 510
وإذن، فلكي نحكم بأن نية معينة هي طيبة، أو خبيثة، أو جائزة فحسب -لا يكفي دائمًا أن ننظر فيها إلى المفهوم المجرد، بل يجب في الوقت نفسه أن نحسب حساب عاملين آخرين، قد يعدل تدخلهما حكمنا تعديلًا عميقًا:
الأول: نوع العمل الذي نقصد إلى ممارسته، لتحقيق غاية معينة؛ لأنه إذا كانت الأشياء ذات القيمة المادية، يمكن أن تستعمل وسيلة للتوصل إلى غايات هذه الدنيا، فليس الأمر كذلك بالنسبة إلى واجب مقدس، ينبغي أن يتصور لذاته، أو لغايات أسمى.
والثاني: الدور الذي يناط بباعث أو آخر ليؤديه في بناء قوتنا المحركة، تبعًا لما إذا كان وحده، أو مشتركًا مع باعث آخر، وفي هذه الحالة الأخيرة حسبما إذا كان يكون في هذه الشركة عنصرًا رئيسيًّا، أو ثانويًّا؛ لأنه في أي خليط من الدوافع المختلفة لا يجب أن ننظر إلى طبيعة كل عنصر مضاف فحسب، بل ننظر كذلك إلى الأهمية النسبية التي نعلقها على كل من هذه العناصر في المجموع. وإذا كان الإنسان ذاته خليطًا فكيف لا نبالي بالعمل الذي يدل على طبيعته بصورة أفضل؟
إن من المناسب فقط أن نحكم عليه تبعًا للتفضيل الذي يمنحه لهذه الغاية على تلك الغاية الأخرى، ومعنى النسبة يقتضيه، كما يقتضيه المبدأ القرآني، الذي سوف توزن طبقًا له أعمالنا، حتى لو كانت في وزن الذرة.
وعلى هذا النحو نجد أن خطة هذه الدراسة قد تحددت بالفعل، رغم أنها شديدة التعقيد، والتداخل, ولسوف نعرض على التوالي نظرية هذه الأشكال الثلاثة من النية، على أن نفترض أن كل واحدة منها هي صاحبة السيطرة على الضمير، ثم نشرح في النهاية مختلف الطرق التي يمكن أن تمتزج بها الدوافع الكثيرة، لكي تسهم في تحديد اختيار إرادتنا.
стр. 511
ب- النية الحسنة:
من المعلوم، في الأخلاق العقلانية أن أكثر النظريات تشددًا، وهي نظرية "كانت"، تجعل المبدأ المحدد للإرادة الطيبة في الفكرة المجردة للواجب، باعتباره القانون الشكلي للعقل.
ولقد يجوز لنا أن نعتبر هذه النظرية مجرد بديل ميتافيزيقي للنظرية القرآنية. ولا ريب أن القرآن يقدم الأشياء في ضوء مختلف؛ لأنه يملأ هذا الشكل الفارغ للواجب بمادة مناسبة، ويعين لممارسة هذا الأمر السامي سلطة أكثر ارتفاعًا بصورة أخرى. فالمؤمن لا يذعن للواجب "كفكرة" أو "ككائن عقلي"؛ ولكنه يذعن له باعتباره متصلًا بحقيقة أساسية، ومن حيث هو صادر عن الموجود الأسمى الذي زودنا بهذا العقل، وأودع فيه الحقائق الأولى؛ بما في ذلك الحقيقة الأخلاقية في المقام الأول.
بيد أننا إذا نحينا هذه الفروق النظرية جانبًا، فسوف نلاحظ تماثل النظريتين فيما قامتا عليه أساس من اقتضاء عملي.
فالقرآن يعلمنا أن الرسالة الوحيدة للإسلام، الرسالة التي من أجلها خلق الإنسان، بل خلقت جميع الكائنات العاقلة، مرئية وغير مرئية، "إنسًا وجنًّا" -هذه الرسالة تنحصر في العبادة والخضوع للخالق جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ .
وتأتي آيات كثيرة لتكمل هذا الإعلان بأقوال أكثر تحديدًا، ومن ألفاظ هذه الأقوال نجد أن خضوع النفس لأمر الله يجب أن يكون خالصًا، دون شرك: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ ١، ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٢، ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ٣.
стр. 512
ولكي نفهم جيدًا ما يقصده القرآن بهذا الإخلاص ينبغي أن نضيف مجموعتين أخريين من الآيات التي قدم لنا بها تحديدًا -هو في الحقيقة سلبي- ولكنه يعبر أصدق تعبير عن هذا الخضوع الخالص.
ففي المجموعة الأولى يلح القرآن على نقطة هي: أن سيطرة أهوائنا يجب أن تنتفي من أحكامنا، فهي شر وثن يتبع: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ ١، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ ٢, ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٣.
وفي المجموعة الأخرى يريد القرآن أن يحرر أنفسنا من تأثير العالم الخارجي، فهو يمنعنا من أن نلتمس طاقتنا الأخلاقية في آراء الناس عنا، أو في المواقف التي يمكن أن يتخذوها حيالنا، فرضاهم وسخطهم، ومهابتهم وقدرتهم -يجب ألا نعبأ بها أو نبالي، وحسبنا في ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ ٤، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ ٥ -في مقابل قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ ٦، وقوله: ﴿يُرَاؤُونَ النَّاسَ﴾ ٧, ويريد القرآن أيضًا ألا نبالي بجزاء الناس أو عرفانهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ ٨، ومن
стр. 513
قبل كان من الأوامر الجوهرية الموجهة إلى النبي في بداية الوحي هذا الأمر الموجز المحكم: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر﴾ ١.
فأين يقع إذن المبدأ المحدد للإرادة إذا كانت قد قطعت هكذا عن كل هذه الدوافع؟
إن القرآن يدلنا عليه في هذا التحديد الذي يصف به الإنسان التقي، فيقول: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ ٢.
وإن القرآن ليمضي في هذا الاتجاه إل حد القول بأن الذي يأخذ الصدقة ليس هو، الفقير، ولكنه الله سبحانه: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ ٣، وللنبي ﷺ في هذا المقام تعبير رائع، حيث قال: "من تصدق بصدقة بصدقة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا طيبًا، كان إنما يضعها في كف الرحمن، يربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى تكون مثل الجبل" ٤.
فمن مجموع هذه النصوص يستنتج تحديد كامل للنية الحسنة، طبقًا لمفهوم القرآن، فهي حركة تعدل بها الإرادة الطائعة عن كل شيء، طوعًا أوكرهًا،
стр. 514
ظاهرًا أو باطنًا، كيما تتوجه نحو الجانب الذي تتلقى منه الأمر، إنها انفصال عن الناس، وعن أنفسنا، واتصال بالمثل الأعلى، والأزكى، والأكمل: الله جل وعلا.
والقرآن لا يقتصر على النصوص المحددة، التي غالبًا ما تأتي في ألفاظ مستوعبة، لتقدم لنا المثل الأعلى على أنه الموضوع الوحيد الذي يجب أن يضعه الإنسان نصب عينيه وهو يعمل: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ ١، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٢، ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ٣، ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُون﴾ ٤ ... إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة, ولكن القرآن من أوله إلى آخره يوجهنا نحو هذا الهدف. إنه مشروع عظيم ينتزع الأنفس من هذا الجو الأرضي، ويجذب أنظارها إلى السموات، بحيث يمكن القول بأن سيطرة هذه الفكرة الإلهية هي التي تحكم الخطاب القرآني.
ولكي نقتنع بذلك ما علينا إلا أن نفتح هذا الكتاب كيفما اتفق، لا أقول: إنه لا توجد صفحة واحدة فحسب، بل إنه لا يوجد سطر واحد، في المتوسط، لا نجد فيه ذكر الله، سواء باسمه، أو بضميره، أو ببعض صفاته٥.
стр. 515
وإذن، فليس هناك بالنسبة إلى نفس قارئ القرآن إمكانية النسيان العميق، أو حتى الغفلة الطويلة، ما دامت دقات هذا العالم الروحي ترن في أذنيه وتعاوده بلا انقطاع، كيما ترده إلى النبع الأول للقوة والنور، ولا نظن أن هناك تدريبًا أبلغ تأثيرًا من هذا، حتى نبقي على انتباهنا يقظًا، وحتى نجعل نيتنا طاهرة ونزيهة.
ومع ذلك، فمما تجدر ملاحظته أن هذا القرآن لا يخلط مطلقًا في موضوع التنزه عن الغرض ما بين النية والعمل.
فالقرآن، على الرغم من أنه وصم أشياء هذه الدنيا بالانحطاط، لم يرد فيه أي توجيه أو وعظ يوجب على معتنقيه أن يتنازلوا عن الحياة زهدًا وتقشفًا. إنه بكل تأكيد يذم التطرف في كل شيء، ولكنه لا يحرم مطلقًا الرفاهية الفردية، ولا الازدهار الجماعي.
ففيما يتعلق بالرفاهية الشخصية نجده يقول في كلمات صريحة: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ ١.
وفيما يتعلق بنمو الزراعة، والتجارة، والصناعة، وتطور الكشف والحضارة بعامة -نجده يدعونا دائمًا إلى تحقيقه، دون أن يمنع شيئًا منه. ولا حاجة قط إلى تكرار النصوص في هذا الموضوع، بل يكفي أن نعطي منها نصًّا واحدًا، ذا أهمية لا حد لها، وذا ألفاظ تجعل من كل ما يوجد في الأرض، وعليها، وكل ما يوجد في البحر، وفي الهواء، مسخرًا للناس
стр. 516
من لدن العناية الإلهية، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ١.
وكل ما في الأمر أن القرآن قد أخضع اكتساب هذه الموارد، وتوزيعها، واستعمالها لبعض القواعد العامة التي تكفل خير الجميع في عدالة، وجعل -فيما عدا ذلك- من هذا العالم معبرًا، ومنزلًا مؤقتًا: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ٢.
وهو لم يجعل من اهتمامات الدنيا كلها، ومن متعها، غاية، بل وسيلة لبلوغ أشياء أخرى، يقول القرآن: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ، لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ٣.
وإذن، ففيم تنحصر النزاهة التي علمنا إياها القرآن، إن لم تكن في الفكر، وفي النية؟ ذلك أنه إذا كان الشر الأخلاقي لا يمكن في الممارسة المادية لنشاط معين، يستهدف إنتاج الطيبات، وحيازتها، فلا يمكن أن يوجد إلا في الروح التي تملي هذه الممارسة. وما علينا إلا أن نستنبط، ثم نصوغ رأي الأخلاق الإسلامية في هذا الصدد، مميزين ست حالات، تختلف قيمتها أحيانًا اختلاف الليل والنهار:
стр. 517
أولًا: الحالة الأولى، التي تصف اللاأخلاقية الصريحة، وهي الحالة التي يكب الإنسان فيها على الاستيلاء على المادة، بدافع من حب التملك الغريزي الغشوم، دون تمييز أو تحرج، وبدهي أن هذه هي الحالة التي يكون الإنسان فيها مذنبًا، قانونًا وأخلاقًا، وهي ما يطلق عليه صراحة: "عبادة الهوى" في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ١.
ثانيًا: بيد أن الذنب الأخلاقي لن يكون أدنى، إذا كان الجهد الذي يبذل لتحاشي هذه الطريقة المنحرفة أو تلك مفروضًا فقط؛ بالإكراه أو بالإرهاب، يمارسه الآخرون ضدنا، وبحيث إنه لولا وجود هذا المنع الخارجي لكنا قد تجاوزنا الحد، وخالفنا الشرع بإتيان هذه الطريقة، على الرغم من كونها منكرة. ففي هذه الحالة أيضًا يكون المرء تحت حكم الهوى، ما دام يخضع مكرهًا لتنفيذ حرفية الشرع، والقرآن يسجل من هذا النوع مواقف، في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِر﴾ ٢، وقوله: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ ٣.
ثالثًا: لنفترض الآن أن هذا الخبث الروحي غير موجود، ولكن ها هو ذا رجل توفر له مهنته العادية أن يعيش شريفًا أمينًا، فلنفترض أن ارتباط هذا الرجل بنوع حياته كان بحيث يستشعر كراهية عميقة لكل كسب خبيث، لا لأنه يعتبره مذمومًا من الناحية الأخلاقية؛ لأن مسألة من هذا القبيل لم تخطر له قط, ولكن لأنه ضد مزاجه، أو عاداته. فهذه الحالة المسالمة التي
стр. 518
لا تضر، هذه الغيبة التلقائية للشر -إنما تنشئ براءة الغريزة الصبيانية، لا انتصار الإرادة العاقلة١.
وإنما تبدأ الحياة الأخلاقية عندما يكون سعينا إلى العيش المشروع نتيجة اختيار واع، منطلقه التمييز بين الخير والشر، وقاعدته الامتناع عما هو محرم، والالتزام باستعمال المباح وحده. ومع ذلك فهذه ليست سوى بداية؛ لأنه إذا كان مستحبًّا بلا ريب أن يمتنع المرء إراديًّا عن الشر عندما يعرض له، فليس الأمر كذلك حين يبيح لنفسه استعمال شيء لم يذمه القانون الأخلاقي، فالإباحة ليست الوصية، وهذه أدنى من التكلف.
إن الإباحة بالمعنى الواسع للكلمة هي عدم التعارض مع الشرع، ولكنها بالمعنى الدقيق الذي نريده هنا هي: الإمكان الأخلاقي للعمل أو عدم العمل، غير أن الممكن لا يحمل في ذاته كل سبب وجوده. فهو وإن كان "شرطًا ضروريًّا" لكل وجود, إلا أنه ليس "بالشرط الكافي".
وإذن يجب أن نبحث في مكان آخر عن المبدأ الذي يضطرنا إلى استعمال حقنا بدلًا من أن نهمله، ففي هذا المبدأ تكمن قيمة اختيارنا.
فماذا يكون هذا المبدأ؟ إن الحالات الثلاث الآتية تجيب عن هذا السؤال.
رابعًا: عندما نسأل أنفسنا: لماذا نبحث عن رفاهيتنا المشروعة؟ فإننا نقتصر أحيانًا على أن نقول لأنفسنا: لأنه غير محرم، دون اعتبار للبواعث الأخرى المكملة.
стр. 519
فقد رأينا في هذه الحالة أن الدافع الحقيقي لعملنا لا يمكن أن يكون هو القانون من حيث هو قانون؛ لأن هذا القانون يصلح للنقيضين على سواء، ومن ثَمَّ فهو عاجز عن تفسير أيهما.
ولما لم يكن وراء "القانون"، و"المنفعة" بالمعنى العام مبدأ آخر محتم للإرادة, فإن الدافع الحقيقي لعملنا هنا هو إذن وبالضرورة "الهوى" الذي نجده لإشباع حاجاتنا الفطرية. ولا ريب أنه ليس الهوى الأعمى المستبعد للعاطفة، ولكنه هوى مستنير خاضع للعقل. ولكن ما أهمية ذلك، إذ إن المصلحة دائمًا، لا القانون، تظل في هذه الحالة أساس اختيارنا الخاص؟! وقد كان دور القانون أن يزيح العقبة أمام طريق مزدوج، ولكن الفطرة هي التي أعطت الأمر بألا يُختار سوى واحد منهما، كما لو كانت هذه الفطرة تترقب هذه اللحظة المواتية، التي بدا لها فيها أن القانون لا يبالي، فاختارت ما تفضله عليه.
إن توقع الاختيار العام، والخضوع له، أمران لهما قيمة ثمينة، ولكن الاختيار الخاص لا معنى له من الناحية الأخلاقية، فهو ليس جديرًا بذم أو بمدح من حيث هو في ذاته، وذلكم هو الموقف الذي أطلقنا عليه "الموقف السطحي"، والذي يعبر في هذا المجال عن أدنى درجة في سلم الأخلاقية.
خامسًا: إننا لم نواجه حتى الآن الحالات التي تستحق أن تذكر على سبيل الاستحسان. فالنية الحسنة ليست هي النية التي تكتفي بتحذيرنا من المحرمات، وإخضاع رغباتنا لما هو مباح، إنها أكثر اقتضاءً، ويجب فضلًا عن ذلك أن تتوفر لها اعتبارات أخلاقية إيجابية، صالحة لتسويغ اختيارها للموضوع المرغوب. وهكذا نجد أن كسب الإنسان عيشه، وأكله حتى يشبع جوعه، وارتداءه لباسًا نظيفًا، واستخدامه للرفاهية، ومسامراته البريئة -كل ذلك وغيره من الأعمال الكثيرة المماثلة, خالٍ مطلقًا من أي معنًى أخلاقي ما دام
стр. 520
هدفه الوحيد -أن يمتعنا متاعًا حسنًا بالحياة، حتى ولو لم نقع في الإفراط المعيب.
وإذا كنا نقضي عمرنا في هذا -وهذه بكل أسف حالة الجمهرة من الصالحين- فإن جملة متاعنا سوف تكون بلا وزن ولا قيمة، ولن يكون لنا أي رصيد أخلاقي، كما أن وجودنا الثاني سوف يكون مفتقرًا بنفس النسبة. في حين أن هذه الأعمال ذاتها يمكن أن تصير ثروات أخلاقية، إذا ما تدخلت أسباب شرعية مرضية لتسد النقص في وجهتها، مثلًا، حين أحافظ على بدني، من أجل أن أطيق بشجاعة تحمل الواجبات التي كلفت بها، وحين أقصد بأحاديثي العادية المحضة أن أوثق صداقة نزيهة مع إخواني، وحين أمارس نشاطي في الميدان الاقتصادي فأتصور شيئًا آخر غير مجرد المتعة بالتملك، سواء أكنت أريد أن أجنب أسرتي، أو أجنب نفسي مغبة العيش عالة على المجتمع، أم كنت أحب أن أنشر السعادة بين هؤلاء الذين هم أقل حظًّا، أن أتيح لجماعات من الناس أن يكسبوا عيشهم بشرف، أن أزيد في ازدهار بلدي، أو أزيد في قيمة هذا الصنع الإلهي بصورة أعم، هذه الكرة الأرضية التي استخلفنا الله فيها، كما يتيح لجميع المخلوقات التي تسكنها أن تعيش، وتتنعم، وتمجد خالقها.
وهكذا نجد أن الحكمة الإسلامية لم تعين حدًّا إجباريًّا لكسبنا الشريف، وإنما فرضت على عقلنا تلك الطريقة في رؤية أعراض هذه الدنيا على أنها غير جديرة بأن نطلبها، لا من أجل ذاتها، ولا من أجل ما قد تجلبه لنا من متعة، ولكن نطلبها لغايات معقولة، تصبح بها الأشياء المباحة مستحبة أخلاقيًّا، أو مأمورًا بها.
ولذلك فإن الحكماء المسلمين لم يتميزوا بنوع خاص من الحياة، وإنما تجدهم يبرزون في كل مكان، وفرصة ظهورهم في الحقل، والمصنع، والدكان، لا تقل عن فرصة ظهورهم في خلوة الزهاد، وصومعة الرهبان.
стр. 521
سادسًا: والواقع أن هنالك أمثلة نلمس فيها أجمل الشواهد على البعد عن الغرض، وهي أمثلة لا يهتم أصحابها بالحياة المادية، إلا لمامًا، وفي مناسبات نادرة، بقدر ما يصلح للقيام بحاجاتهم العاجلة، دون الاحتفاظ بشيء إلا ما يكفي للفترة ما بين عملين.
هناك رجال خلوا من أعبائهم الأسرية فعكفوا عكوفًا كاملًا على تثقيف قلوبهم، وعقولهم. ومع أنهم كانوا ملتزمين في الوقت نفسه بخدمة الدولة، في الجهاد العام، وكانوا بذلك في كفالة الأمة -فإنهم لم يكونوا يلمسون من عطائها غير القوت الضروري الذي يضمن بقاءهم، ثم يهبون كل فائض بعد ذلك.
كانت هذه حال جماعة معروفة باسم "أهل الصفة"، الذين أشار إليهم القرآن في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ ١، ومن الحالات النموذجية بين هؤلاء حالة أبي هريرة. وقد كان منهم أيضًا من تتاح لهم فرصة الحصول على نصيبهم في توزيع عام، وهم الذين يقومون بتوزيعه، ولكن عدم الاهتمام بمثل هذه الأشياء جعلهم ينسون أنفسهم، وهو ما حدث مع عائشة أم المؤمنين.
وكان منهم أخيرًا أناس لم يترددوا، وهم على علم تام بنتيجة عملهم، أن يهبوا إخوانهم ما كانوا هم بحاجة إليه، ونزل فيهم قوله ﵎: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ٢، وقد
стр. 522
قدمت لنا أيضًا عائشة مثالًا رائعًا على هذا الإيثار، وهذه الغيرية، فيما رواه مالك في موطئه قال: "بلغني عن عائشة زوج النبي ﷺ أن مسكينًا سألها وهي صائمة، وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه، فقالت: أعطيه إياه، قالت: ففعلت ... إلخ"١.
وبذلك نرى ما كانت تستهدفه هذه الأنفس الشريفة، فما كان لإغراء المنافع المشروعة في الحياة المادية، أن يستميلهم، ويضطرهم إلى طلبها، أو استعمالها عندما تكون في متناول أيديهم. لقد اقتعدوا قمة السلم الأخلاقي، بحيث ما كان لأمر ينشأ عن ذلك الهم المادي أن يحملهم على الهبوط منها، حتى لو كان في صورة موافقة، أو دعوة إلى الخير الأخلاقي الشائع المفضل, اللهم إلا أن تصبح هذه الدعوة تكليفًا، بمعنى أن يكون أمرها أمر حفاظ على الحياة بالمعنى الدقيق للكلمة، فحينئذ يكون لهم فضل النزول في النهاية، ولكن بقدر ما يؤدون هذا الواجب المحدد، الملح إلى أقصى حد، ثم يصدعون مرة أخرى إلى مكانهم الأثير.
وليس يعوزنا أن نقدم في الجانب المضاد أمثلة أخرى من بين صحابة رسول الله ﷺ فنظير حالة أبي هريرة، يمكن أن نضع حالة رجل من أغنياء الصحابة كابن عوف.
والحق أن الزهادة يمكن أن ينظر إليها على أنها كانت استثناء في العالم الإسلامي، ولم تكن القاعدة العامة، فإذا اعتبرناها من وجهة نظر مجردة فلسوف نعترف بأن تعميمها من أضر الأمور بحسن سير الحياة الإنسانية، لا من الوجهة المادية فحسب، بل من الوجهة الأخلاقية أيضًا.
стр. 523
والواقع أنه يجب أن يوجد في المجتمع أناس يكسبون فائضًا، ليجد آخرون قوتهم الضروري، ويجب أن يكون لكل إنسان حد أدنى من الفائض، لا لكي ينتج بصورة أفضل، ومستمرة فحسب، بل لكي يضمن لنفسه أيضًا ما هو ضروري، بما أنه ليس بين المفهومين خط فاصل، يفرق بينهما تفرقة واضحة في الواقع الملموس.
بل إن من الممكن أيضًا أن يقال: إن هؤلاء الذين يبقون عمدًا على هامش النشاط الاجتماعي يختارون، طبقًا لاعتبار معين، أقل المهمات الأخلاقية مشقة، متحاشين بذلك كثيرًا من الصدمات، وصنوف البلبلة، والإغراء. ولا ريب أن عليهم أولًا أن يبذلوا بعض الجهد حتى يحملوا أنفسهم على ارتضاء هذا الانزواء، ولكن متى ما تمت الخطوة الأولى، فإن كل شيء سيسير تلقائيًّا.
ومما لا شك فيه أن قوة ملكاتنا العليا لا تمتحن إلا في تشابك الاهتمامات وتعقدها. وتمكين الفضل في معرفة كيف نتوقى الاحتراق ونحن وسط النار؟ وكيف نكسب السماء ونحن مهتمون بشئون الأرض؟
إن حل مشكلات من هذا القبيل هو الذي يكشف عن نور روحنا، وصلابة إرادتنا، وطهارة قلبنا. بيد أن هذه الاعتبارات الأخيرة لا تطعن، في صورته المجردة، في أهمية سلم القيم الذي أشرنا إليه، والذي نلخصه في الجدول الآتي:
стр. 524
وفي هاتين الدرجتين الأخيرتين تتجلى النية الأخلاقية بالمعنى الدقيق للكلمة، أعني: الإرادة الجديرة بالثناء وبالأجر. فهي التي لا تكب على عمل مباح فقط، دون أن تلمس فيه خيرًا أخلاقيًّا، جديرًا بأن يلتمس وهي تتابع وتستهدف دائمًا تنفيذ الأمر، سواء أكان أمر واجب جوهري، أم أمر كمال.
هذا على حين أن الطيبة بالمعنى الأخلاقي الأعم تنحصر في حرصنا على ألا نخالف الشرع، وأن نطيع أوامره بعامة، سواء بإرادة تنفيذ ما يأمر به، أو بأن نبيح لأنفسنا ما يبيحه.
بيد أن هذه المطابقة الباطنية، حتى تلك التي توجد في أعلى درجات السلم، فيما يتعلق بالهدف المباشر -هذه المطابقة تشتمل أيضًا على نماذج كثيرة من الوجهة الغائية؛ فقد كان لدى أخلاقيينا اهتمام بالتفرقة هنا بين الدوافع الممكنة المختلفة، وحاول بعضهم أن يرتبها في سلم تدرجي.
فعندما يكون المرء في طريقه لأداء واجبه، فيتساءل: لماذا أفعل هذا؟ -يكتفي أحيانًا بأن يقول لنفسه: لأن هذا هو واجبي. وإذا لم تكن هذه
стр. 525
الإجابة منطوقة، وإذا كانت دقيقة وصادقة، فإنها كذلك غامضة بحيث يمكن أن تستحيل إلى مجموعة من الأسباب، متعاقبة أو متصاحبة. وإذن، فإن علينا أن نغوص في ثنايا ضميرنا وطواياه، وأن نلح في تساؤلنا: ولكن لماذا نؤدي هذا الواجب؟ ... فربما تعرفنا بهذه الطريقة على الدافع الخاص الذي يدفعنا إلى طاعته والخضوع له. ولنسلم بأن تحركنا لم يكن إكراهًا، ولا ميلًا غريزيًّا، أو عادة مكتسبة، وإنما هو الشرع المقدس الذي يفرض علينا هذه الطريقة أو تلك من طرق العمل.
ويبقى إذن أن نعرف على وجه التحديد كيف تأثرنا بهذا الشرع؟ ... أهو إجلال لله، أم حب له؟ أخوف من عقابه أم طمع في ثوابه؟ أحرص على تحقيق الخير الذي يستهدفه الشرع، أم مجرد خضوع للأمر الصريح، دون نظر حتى إلى علة هذا الأمر؟
لقد عدد أبو طالب المكي هذه الحالات المختلفة للنفس، وهي الحالات التي يمكن أن تؤثر على المؤمن، وتدفعه إلى أداء واجبه. ومع أنه أدرجها جميعًا تحت عنوان واحد هو: "من أجل الله" فإنه يعترف بسلم معين فيما بينها، ولكنه لم يقل: كيف ينتوي أن يرتب درجاته؟ ١، ولا شك أنه يفترض أن هذا التدرج معروف من قبل بملامحه البارزة على الأقل.
والواقع أننا -فضلًا عن النصوص القرآنية المذكورة في بداية هذه الفقرة- نجد المبدأ الأساسي للواجب واردًا في هذا التعبير الجميل من تعبيرات الكتاب الكريم.
﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾ ٢، ونجد تعبيرًا آخر أكثر دلالة في الحديث الشريف الذي يمتدح فيه النبي ﷺ خلق: "سالم" مولى "أبي حذيفة" حين قال: "إن سالمًا شديد الحب لله، لو كان لا يخاف الله ما عصاه".
стр. 526
هذا الثناء الموجز ذو معنى كبير؛ لأنه قد أرسى المعالم الأولى في سلم التدرج الذي سوف ينمو بعد ذلك وينمو، بفضل الأخلاقيين المسلمين.
فالحكيم الترمذي يلح بخاصة في كتابه "مسائل وأجوبتها" على إحساس الإجلال والتوقير أمام العظمة الإلهية، وهو يعظم دور هذا الإحساس الفعال، لا ضد النزعات الشريرة، باطنة وظاهرة فحسب، وإنما كذلك ضد الغفلة، وذهول النفس. ولكي يبلغ الناس هذا الهدف يقول الترمذي: "والعباد محتاجون في انقطاع الوسوسة إلى الخوف، لا خوف العقاب، ولكن خوف العظمة، حتى تذهل النفس وتنقطع وسوستها"١.
وحين جاءه أحد تلاميذه يشكو إليه عجزه عن تركيز فكره أثناء الصلاة, أجابه الحكيم بطريقة الرمز فقال على سبيل الإيجاز: "ما تقول لو أن دارًا فيها غرف وقصور، وألوان الأغاني والسرور، فبينا هم في فرح ذلك السرور والطرب إذ دخل داخل، فقال: جاء الأمير -أليس تخمد تلك الأصوات، ويذهل أولئك القوم عن جميع ما هم فيه لهول مجيئه وهيبته؟.. قال: نعم، قلت: فكذلك هذا الصدر الذي فيه ألوان السرور، بما يتعاطى من أحوال الدنيا، ويتقلب فيه من درك المنى، فيفرح القلب به، وينتشر في الصدر دخانه، وتشره فيه نفسه، فتلك الأحاديث كائنة فيه، فإذا ولج القلب باب الملكوت فعاين من عظمة الله تعالى وجلاله وكبريائه ذهلت نفسه عن كل شهوة وذبلت، وانخشع القلب ... "٢.
وفي رسالة أخرى أضاف بعد أن عرف الطريقة التي ينبغي على المؤمن أن يلتزمها حين يقرض الله قرضًا حسنًا، بإعطاء ماله للمحتاجين، وأنه لا يصح
стр. 527
أن ينتظر بهذا الإعطاء أجرًا من صاحب المنة، إن كان قد أخرج الإعطاء من قلبه، "ولم تبغِ نفسه ثوابها، فكأنه من القبيح أن يقول: يا رب، أي شيء تعطينا بهذا؟ "١.
أما الغزالي فسيكون أشد وضوحًا، ومباشرة وهو يقول: "وأما الطاعة على نية إجلال الله تعالى؛ لاستحقاقه الطاعة والعبودية فلا تتيسر للراغب في الدنيا، وهذه أعز النيات وأعلاها، ويعز على بسيط الأرض من يفهمها، فضلًا عمن يتعاطاها"٢. وهو حين يتحدث عن شعور الحب يبدو أنه يجعله في سمو شعور الإجلال؛ لأنه يعتبره من صفات ذوي الألباب، من كبار الأتقياء. ويقول: إن هؤلاء الأتقياء لا يطمعون إلا في التقرب إلى الله، ورؤيته، والاستماع إليه، ومعرفته بحق، وهم بهذه المعرفة سوف يعرفون حقيقة كل شيء، أما هم فإن "عبادتهم لا تجاوز ذكر الله تعالى، والفكر فيه، حبًّا لجماله وجلاله"٣.
أما فيما يتعلق برأيه في مشاعر المؤمنين, بالخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، فلسوف نراه فيما بعد.
بيد أن أحدًا -فيما نعلم- لم يتوج هذا التدرج قبل الشاطبي "المتوفى عام ٧٩٠هـ"، فلقد تولاه بالبحث الدقيق للمقارنة الأخيرة، وهي المقارنة التي تحاول معرفة ما إذا كان من حقنا، ونحن نؤدي واجبنا، أن ننظر إلى المسببات التي يفترض أن تنتج عنه، والتي نعلم من جانب آخر أن الشرع يستهدف تحقيقها، أو أن الأمر على عكس ذلك، فيجب أن تقتصر أنظارنا على العمل ذاته، دون أن نشغل أنفسنا بأي شيء يسفر عنه، وبعبارة أخرى، على
стр. 528
ما عبر به المؤلف نفسه: إذا قيل لك: لِمَ تكتسب لمعاشك بالزراعة أو بالتجارة أو بغيرها؟ قلت: لأقيم صُلْبي، وأقوم في حياة نفسي وأهلي، أو لغير ذلك من المصالح التي توجد عن السبب, أو قلت: لأن الشارع ندبني إلى تلك الأعمال، فإنا أعمل على مقتضى ما أمرت به، كما أنه أمرني أن أصلي، وأصوم، وأزكي، وأحج, إلى غير ذلك من الأعمال التي كلفني بها، فإن قيل لك: إن الشارع أمر ونهى لأجل المصالح، قلت: نعم، وذلك إلى الله، لا إليَّ١. ولقد بحث المؤلف هذه القضية ونقيضها، في صفحات جميلة، وطويلة من موافقاته٢، ذاكرًا على التوالي الأسباب التي تساق لتأييد كل منهما، ثم يختم بحثه بقوله بأن الحل الأخير يتصل بعوامل كثيرة، وينبغي أن يختلف باختلاف الحالة، "وهذان القسمان على ضربين: أحدهما: ما شأنه ذلك بإطلاق، بمعنى أنه يقوي السبب أو يضعفه، بالنسبة إلى كل مكلف، وبالنسبة إلى كل زمان، وبالنسبة إلى كل حال يكون عليها المكلف. والثاني: ما شأنه ذلك، لا بإطلاق، بل بالنسبة إلى بعض المكلفين دون بعض، أو بالنسبة إلى بعض الأزمنة دون بعض، أو بالنسبة إلى بعض أحوال المكلف دون بعض"٣.
وإن أهمية المشكلة، وعمق تحليلها، ليبيحان لنا أن نطيل الحديث قليلًا في تلك الفكرة الجدلية، حتى نعطي للقارئ بيانًا واضحًا وكاملًا بقدر الإمكان، على أن نسمح لأنفسنا فيما بعد بتعديل الصيغة أو إكمالها.
وحسبنا أن ننظر نظرة كمية إلى تحليله المزدوج لنستطيع القول -على الفور- بأن النظرية التي تنتصر لها أكثر الأسباب الأخلاقية هي النظرية التي تتطلب
стр. 529
قصر النية المطلق على العمل، بحيث تمزج "ماهية" الإرادة "بعلتها"، فتجعلهما شيئًا واحدًا لا غير.
ويستطرد الشاطبي ليقول بأن هذه الطريقة في تصور الواجب تتفق اتفاقًا تامًّا مع حالتنا البشرية، كخاضعين للشرع، لا كأصحاب حقوق على الشارع، يطالبون بها. يقول: "ومن الأمور التي تنبني على ما تقدم: أن الفاعل للسبب، عالمًا بأن المسبب ليس إليه، إذا وكله إلى فاعله، وصرف نظره عنه -كان أقرب إلى الإخلاص، والتفويض والتوكل على الله تعالى، والصبر على الدخول في الأسباب المأمور بها، والخروج عن الأسباب المحظورة، والشكر، وغير ذلك من المقامات السنية، والأحوال المرضية، ويتبين ذلك بذكر البعض على أنه ظاهر.
أما الإخلاص، فلأن المكلف إذا لبى الأمر والنهي في السبب، من غير نظر إلى ما سوى الأمر والنهي -خارج عن حظوظه، قائم بحقوق ربه، واقف موقف العبودية، بخلاف ما إذا التفت إلى المسبب وراعاه، فإنه عند الالتفات إليه متوجه شطره، فصار توجهه إلى ربه بالسبب، بواسطة التوجه إلى المسبب، ولا شك في تفاوت ما بين الرتبتين في الإخلاص.
وأما التفويض فلأنه إذا علم أن المسبب ليس بداخل تحت ما كلف به، ولا هو من نمط مقدوراته كان راجعًا بقلبه إلى من إليه ذلك، وهو الله سبحانه، فصار متوكلًا ومفوضًا. هذا في عموم التكاليف العادية والعبادية، ويزيد بالنسبة إلى العبادية أنه لا يزال بعد التسبب خائفًا، وراجيًا، فإن كان ممن يلتفت إلى المسبب بالدخول في السبب، صار مترقبًا له، ناظرًا إلى ما يئول إليه تسببه، وربما كان ذلك سببًا إلى إعراضه عن تكميل السبب، استعجالًا لما ينتجه، فيصير توجهه إلى ما ليس له، وقد ترك التوجه إلى ما طلب بالتوجه إليه.
стр. 530
وهنا تساق لنا حكاية التقي المخدوع الذي "سمع: أن من أخلص الله أربعين صباحًا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"، فأخذ -بزعمه- في الإخلاص لينال الحكمة، فتم الأمد، ولم تأته الحكمة، فسأل عن ذلك فقيل له: إنما أخلصت للحكمة، ولم تخلص لله"١.
هذا إلى جانب أن الإنسان يبرهن بالانقطاع الذهني بين العمل ونتائجه على أنه يؤمن بالله أعظم من إيمانه بنفسه؛ لأنه حين يفصل السبب عن نتيجته فلن يرى بعد ذلك هذه النتيجة شيئًا بدهيًّا، لوجود سببها، بل سيراها صادرة عن إرادة الخالق وحدها.
ولسوف تكون محاسن هذا الموقف العاقل مضاعفة: فتبدو أولًا، وبشكل مباشر، على ذواتنا، ثم في طريقة أدائنا لواجبنا، ثم يكون لها انعكاسات على موقفنا في المستقبل. وحسبنا لكي نقدر الحالة النفسية حق قدرها، لدى من يؤدي واجبه؛ لأنه واجبه ليس غير -أن ننظر إلى أي حد يؤدي انتظار النتائج، إلى إقلاق الروح، وخلق الكثير من الهموم.
فالمرء يسأل نفسه قبل حدوث أي شيء: ترى هل سيتم جهدي أو يخفق؟ وإلى أية درجة سوف يعرف النجاح؟
وبعد حدوث الفعل، يسأل نفسه، تبعًا لكفاية النتيجة: لو كنت فعلت أفضل أما كنت كسبت أكثر؟ أو يقول حين يحكم بأن تصرفاته كانت غاية في السلامة: يا لظلم القدر!!