← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8665

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (841 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

هذا الثناء الموجز ذو معنى كبير؛ لأنه قد أرسى المعالم الأولى في سلم التدرج الذي سوف ينمو بعد ذلك وينمو، بفضل الأخلاقيين المسلمين. فالحكيم الترمذي يلح بخاصة في كتابه "مسائل وأجوبتها" على إحساس الإجلال والتوقير أمام العظمة الإلهية، وهو يعظم دور هذا الإحساس الفعال، لا ضد النزعات الشريرة، باطنة وظاهرة فحسب، وإنما كذلك ضد الغفلة، وذهول النفس. ولكي يبلغ الناس هذا الهدف يقول الترمذي: "والعباد محتاجون في انقطاع الوسوسة إلى الخوف، لا خوف العقاب، ولكن خوف العظمة، حتى تذهل النفس وتنقطع وسوستها"١. وحين جاءه أحد تلاميذه يشكو إليه عجزه عن تركيز فكره أثناء الصلاة, أجابه الحكيم بطريقة الرمز فقال على سبيل الإيجاز: "ما تقول لو أن دارًا فيها غرف وقصور، وألوان الأغاني والسرور، فبينا هم في فرح ذلك السرور والطرب إذ دخل داخل، فقال: جاء الأمير -أليس تخمد تلك الأصوات، ويذهل أولئك القوم عن جميع ما هم فيه لهول مجيئه وهيبته؟.. قال: نعم، قلت: فكذلك هذا الصدر الذي فيه ألوان السرور، بما يتعاطى من أحوال الدنيا، ويتقلب فيه من درك المنى، فيفرح القلب به، وينتشر في الصدر دخانه، وتشره فيه نفسه، فتلك الأحاديث كائنة فيه، فإذا ولج القلب باب الملكوت فعاين من عظمة الله تعالى وجلاله وكبريائه ذهلت نفسه عن كل شهوة وذبلت، وانخشع القلب ... "٢. وفي رسالة أخرى أضاف بعد أن عرف الطريقة التي ينبغي على المؤمن أن يلتزمها حين يقرض الله قرضًا حسنًا، بإعطاء ماله للمحتاجين، وأنه لا يصح

стр. 527

أن ينتظر بهذا الإعطاء أجرًا من صاحب المنة، إن كان قد أخرج الإعطاء من قلبه، "ولم تبغِ نفسه ثوابها، فكأنه من القبيح أن يقول: يا رب، أي شيء تعطينا بهذا؟ "١. أما الغزالي فسيكون أشد وضوحًا، ومباشرة وهو يقول: "وأما الطاعة على نية إجلال الله تعالى؛ لاستحقاقه الطاعة والعبودية فلا تتيسر للراغب في الدنيا، وهذه أعز النيات وأعلاها، ويعز على بسيط الأرض من يفهمها، فضلًا عمن يتعاطاها"٢. وهو حين يتحدث عن شعور الحب يبدو أنه يجعله في سمو شعور الإجلال؛ لأنه يعتبره من صفات ذوي الألباب، من كبار الأتقياء. ويقول: إن هؤلاء الأتقياء لا يطمعون إلا في التقرب إلى الله، ورؤيته، والاستماع إليه، ومعرفته بحق، وهم بهذه المعرفة سوف يعرفون حقيقة كل شيء، أما هم فإن "عبادتهم لا تجاوز ذكر الله تعالى، والفكر فيه، حبًّا لجماله وجلاله"٣. أما فيما يتعلق برأيه في مشاعر المؤمنين, بالخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، فلسوف نراه فيما بعد. بيد أن أحدًا -فيما نعلم- لم يتوج هذا التدرج قبل الشاطبي "المتوفى عام ٧٩٠هـ"، فلقد تولاه بالبحث الدقيق للمقارنة الأخيرة، وهي المقارنة التي تحاول معرفة ما إذا كان من حقنا، ونحن نؤدي واجبنا، أن ننظر إلى المسببات التي يفترض أن تنتج عنه، والتي نعلم من جانب آخر أن الشرع يستهدف تحقيقها، أو أن الأمر على عكس ذلك، فيجب أن تقتصر أنظارنا على العمل ذاته، دون أن نشغل أنفسنا بأي شيء يسفر عنه، وبعبارة أخرى، على

стр. 528

ما عبر به المؤلف نفسه: إذا قيل لك: لِمَ تكتسب لمعاشك بالزراعة أو بالتجارة أو بغيرها؟ قلت: لأقيم صُلْبي، وأقوم في حياة نفسي وأهلي، أو لغير ذلك من المصالح التي توجد عن السبب, أو قلت: لأن الشارع ندبني إلى تلك الأعمال، فإنا أعمل على مقتضى ما أمرت به، كما أنه أمرني أن أصلي، وأصوم، وأزكي، وأحج, إلى غير ذلك من الأعمال التي كلفني بها، فإن قيل لك: إن الشارع أمر ونهى لأجل المصالح، قلت: نعم، وذلك إلى الله، لا إليَّ١. ولقد بحث المؤلف هذه القضية ونقيضها، في صفحات جميلة، وطويلة من موافقاته٢، ذاكرًا على التوالي الأسباب التي تساق لتأييد كل منهما، ثم يختم بحثه بقوله بأن الحل الأخير يتصل بعوامل كثيرة، وينبغي أن يختلف باختلاف الحالة، "وهذان القسمان على ضربين: أحدهما: ما شأنه ذلك بإطلاق، بمعنى أنه يقوي السبب أو يضعفه، بالنسبة إلى كل مكلف، وبالنسبة إلى كل زمان، وبالنسبة إلى كل حال يكون عليها المكلف. والثاني: ما شأنه ذلك، لا بإطلاق، بل بالنسبة إلى بعض المكلفين دون بعض، أو بالنسبة إلى بعض الأزمنة دون بعض، أو بالنسبة إلى بعض أحوال المكلف دون بعض"٣. وإن أهمية المشكلة، وعمق تحليلها، ليبيحان لنا أن نطيل الحديث قليلًا في تلك الفكرة الجدلية، حتى نعطي للقارئ بيانًا واضحًا وكاملًا بقدر الإمكان، على أن نسمح لأنفسنا فيما بعد بتعديل الصيغة أو إكمالها. وحسبنا أن ننظر نظرة كمية إلى تحليله المزدوج لنستطيع القول -على الفور- بأن النظرية التي تنتصر لها أكثر الأسباب الأخلاقية هي النظرية التي تتطلب

стр. 529

قصر النية المطلق على العمل، بحيث تمزج "ماهية" الإرادة "بعلتها"، فتجعلهما شيئًا واحدًا لا غير. ويستطرد الشاطبي ليقول بأن هذه الطريقة في تصور الواجب تتفق اتفاقًا تامًّا مع حالتنا البشرية، كخاضعين للشرع، لا كأصحاب حقوق على الشارع، يطالبون بها. يقول: "ومن الأمور التي تنبني على ما تقدم: أن الفاعل للسبب، عالمًا بأن المسبب ليس إليه، إذا وكله إلى فاعله، وصرف نظره عنه -كان أقرب إلى الإخلاص، والتفويض والتوكل على الله تعالى، والصبر على الدخول في الأسباب المأمور بها، والخروج عن الأسباب المحظورة، والشكر، وغير ذلك من المقامات السنية، والأحوال المرضية، ويتبين ذلك بذكر البعض على أنه ظاهر. أما الإخلاص، فلأن المكلف إذا لبى الأمر والنهي في السبب، من غير نظر إلى ما سوى الأمر والنهي -خارج عن حظوظه، قائم بحقوق ربه، واقف موقف العبودية، بخلاف ما إذا التفت إلى المسبب وراعاه، فإنه عند الالتفات إليه متوجه شطره، فصار توجهه إلى ربه بالسبب، بواسطة التوجه إلى المسبب، ولا شك في تفاوت ما بين الرتبتين في الإخلاص. وأما التفويض فلأنه إذا علم أن المسبب ليس بداخل تحت ما كلف به، ولا هو من نمط مقدوراته كان راجعًا بقلبه إلى من إليه ذلك، وهو الله سبحانه، فصار متوكلًا ومفوضًا. هذا في عموم التكاليف العادية والعبادية، ويزيد بالنسبة إلى العبادية أنه لا يزال بعد التسبب خائفًا، وراجيًا، فإن كان ممن يلتفت إلى المسبب بالدخول في السبب، صار مترقبًا له، ناظرًا إلى ما يئول إليه تسببه، وربما كان ذلك سببًا إلى إعراضه عن تكميل السبب، استعجالًا لما ينتجه، فيصير توجهه إلى ما ليس له، وقد ترك التوجه إلى ما طلب بالتوجه إليه.

стр. 530

وهنا تساق لنا حكاية التقي المخدوع الذي "سمع: أن من أخلص الله أربعين صباحًا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"، فأخذ -بزعمه- في الإخلاص لينال الحكمة، فتم الأمد، ولم تأته الحكمة، فسأل عن ذلك فقيل له: إنما أخلصت للحكمة، ولم تخلص لله"١. هذا إلى جانب أن الإنسان يبرهن بالانقطاع الذهني بين العمل ونتائجه على أنه يؤمن بالله أعظم من إيمانه بنفسه؛ لأنه حين يفصل السبب عن نتيجته فلن يرى بعد ذلك هذه النتيجة شيئًا بدهيًّا، لوجود سببها، بل سيراها صادرة عن إرادة الخالق وحدها. ولسوف تكون محاسن هذا الموقف العاقل مضاعفة: فتبدو أولًا، وبشكل مباشر، على ذواتنا، ثم في طريقة أدائنا لواجبنا، ثم يكون لها انعكاسات على موقفنا في المستقبل. وحسبنا لكي نقدر الحالة النفسية حق قدرها، لدى من يؤدي واجبه؛ لأنه واجبه ليس غير -أن ننظر إلى أي حد يؤدي انتظار النتائج، إلى إقلاق الروح، وخلق الكثير من الهموم. فالمرء يسأل نفسه قبل حدوث أي شيء: ترى هل سيتم جهدي أو يخفق؟ وإلى أية درجة سوف يعرف النجاح؟ وبعد حدوث الفعل، يسأل نفسه، تبعًا لكفاية النتيجة: لو كنت فعلت أفضل أما كنت كسبت أكثر؟ أو يقول حين يحكم بأن تصرفاته كانت غاية في السلامة: يا لظلم القدر!!

стр. 531

فهذا التمزق، والتبعثر، وذاك القلق، والغم، وذلك التمرد، والسخط على القضاء -كل ذلك نتيجة نظرة متبجحة ألقيناها على السر المستكن في ضمير الغد ... فلنسدل إذن ستارًا كثيفًا بين الحاضر والمستقبل، ولنقم حجازًا فاصلًا بين العمل وآثاره، فبذلك نتخلص من هذا الموكب الحزين. وحينئذ لا نواجه سوى هم واحد، كما قال رسول الله ﷺ هو هم تنفيذ واجبنا الماثل، فلنقبل على العمل إقبالًا كاملًا، ولنكل أمر الباقي إلى الله، فهو الذي يحمله عنا، أفضل منا قطعًا. يقول الرسول: "من جعل الهموم همًّا واحدًا كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة، ومن تشاعبت به الهموم لم يبال الله في أي أودية الدنيا هلك"١. وهكذا نجد أن بساطة الهدف، وتركيز الجهد، والأمن النفسي -هذه كلها هي المحاسن التي تجلبها النزاهة الكاملة إلى النفس المخلصة. فأما العمل فلسوف يكسب على هذا النحو ثباتًا واستقامة وكمالًا، فلقد يحدث في الواقع أن تنسينا عجلتنا في جني ثمرات جهودنا -أن نلتفت إلى تفصيل ضروري، أو أن تحملنا على تعديل طرائقنا، حتى نطوعها للهدف المقترح. وهل كان لخداع العمال، وللغش التجاري مصدر سوى هذا البحث عن النتيجة؟ أليست النتائج التي يصل إليها عالم، والتخاذل الذي يصاب به بطل، والتراخي الذي يقع فيه مؤمن غيور -أوليست هذه كلها أبلغ أمثلة في هذا المجال؟ فأما إذا كان الأمر بالعكس، فاقتصرنا على مراعاة قاعدة الواجب،

стр. 532

واتباع النموذج الذي تدلنا عليه, فإن العناية الخاصة التي نضفيها على العمل لإكماله، والمثابرة التي نؤديه بها -كل ذلك سوف يجعل هذا العمل في نظرنا نموذجًا فنيًّا جديرًا بالتقدير في ذاته، لا باعتبار الثمرة التي يحتمل أن تنتج عنه. وأخيرًا، فإن هذه الطريقة في النظر إلى الأشياء سوف تزودنا بفضيلتين ضروريتين، لمواجهة جميع الاحتمالات، التي قد تنتج عن أعمالنا. فإذا لم تؤت جهودنا ثمرتها، فقد كنا من قبل هيأنا أنفسنا تقريبًا لذلك، ولن تكون المفاجأة كبيرة. بل سوف نتحمل أكثر النتائج سوءًا بمزيد من الشجاعة، يعدل ما توقعنا من شر، وحسبنا أننا -على الأقل- لم نعلق عليهما أملًا كبيرًا. أما إذا أسفرت جهودنا -على العكس- عن نتائج طيبة، فهي بالنسبة إلينا، مفاجأة جميلة، ما كان لنا أن نطيق شكر المنعم بآثارها، على إحسانه إلينا, أبدًا. فهذه بينات كافية لتأييد النظرية، التي ترى أن إخلاص النية ينحصر في أن يستغرق الإنسان استغراقًا مطلقًا في العمل التكليفي، منقطعًا عن أية نتيجة. أما النظرية المعارضة، فليست هي الأخرى أقل استنادًا إلى أسبابها الخاصة. ونبادر إلى القول بأنها لا تزعم أنها تضع في مكان هذا المبدأ مبدأ آخر أثمن منه، وإنما هي تنازع فقط في حق هذا المفهوم، أن يستأثر بكل القيمة، بحيث توصم كل إضافة ذات اعتبار آخر باللاأخلاقية. أي: إن هذه النظرية تريد أن ترينا عجز فكرة "العمل التكليفي، أو التحريمي" عن أن تنشئ القوة اللازمة للعمل، أو الامتناع عنه، والضرورة الأخلاقية لأن يضاف إليها وجهتا النظر الآتيتان:

стр. 533

أولًا: من حيث الثمرات الطبيعية التي تحدد مضمون العمل وأهميته. وثانيًا: من حيث الأثر الذي تتمثله الإرادة لنفسها، والذي يسوغ في نظرها, التكليف الأخلاقي بالبدء في العمل. وفي الواقع، لنا أن نتساءل من هذه الوجهة الثانية: كيف نمنع البطل الذي يدافع عن وطنه، والمصلح الذي يبتغي إنهاض أمته، من أن يكون لهما أدنى تطلع إلى الهدف من نشاطهما، ومن أن يكون لهما أي اهتمام ببلوغ الغاية من أعمالهما؟! إن إرادة قصر نظر هذين الرجلين الصالحين على العمل، من حيث مضمونه العاجل والمباشر، والرغبة في أن نفرض عليهما هذه الغشاوة القاسية التي تحول بينهما وبين أن ينظرا إلى بعيد، ألا يعني كل ذلك حرمانهما من منبع حماسهما ذاته؟ أليس معناه أننا نكلفهما ألا يباليا بأمن أمتهما، وتقدمها؟ ومن هو ذلك الرجل ذو النشاط الوافر الذي يقنع تمام القناعة، بمجرد أن يسير نظام قيادته "وإستراتيجيته"؟ إن لنا في رسول الله ﷺ قدوة حسنة في هذا المجال، فكلنا نعلم كم كان حريصًا على نجاح رسالته، وكم كان يدعو الله أن يمنح أمته الإيمان ويهديها سواء السبيل، هذا الحرص الذي نجده لدى كل رجال ماضي العزيمة، لا ينبغي، في الحقيقة، أن يتحول إلى وسوسة مريضة، كما لا ينبغي أن يبلغ درجة البرود واللامبالاة. وقد كان دور القرآن على وجه التحديد أن يضبط هذا الحرص الشديد لدى النبي، وأن يسكب في قلبه القلق هذا العزاء، وتلك السكينة، حتى يبلغ به درجة الاعتدال، ولذلك كان من آيات

стр. 534

القرآن قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ ١. وقوله: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ ٢. وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِير﴾ ٣. أما فيما يتعلق بالثمرات الطبيعية للعمل فحسبنا أن نتأمل حالة الرجل الذي يهم بعمل خبيث، ونتأمل الفرق في ضميره بين ثقل الشر الموجود في موضوع نشاطه المباشر وبين الخطر الأخلاقي لهذا الشر نفسه، عندما يكون قد تأمل امتداده، سواء من خلال انعكاساته القريبة والبعيدة، أو بفعل انتشار القدوة السيئة، التي سوف يعطيها للآخرين. إن الذنوب التي قد تبدو لنا من أول وهلة -ذات أهمية ضئيلة، لا تلبث- بعد أن نتناولها من هذه الزاوية -أن تكشف لنا عن شناعة، وأن تجعلنا نقيس المسئولية التي تصدر عنها على أوسع مدى، بحيث يمكن أن يقال: إن الأخلاقية تزداد هنا عمقًا، كلما كسب أفق العمل مجالًا متسعًا. إن هذا المبدأ هو الذي يسوغ قولنا: إن ترويج درهم زائف أشد خطرًا من سرقة مائة درهم، نظرًا إلى استمرار الغش الذي يحتمه هذا العمل في تداول النقود، فعلى المروج وزرها، بعد موته، إلى أن يفنى ذلك الدرهم. وقد استطاع الغزالي استنادًا إلى هذا المبدأ أن يقول: "ومن نظر إلى

стр. 535

وجه غيرالمحرم فقد كفر نعمة العين، ونعمة الشمس، إذ الإبصار يتم بهما, وإنما خلقتا ليبصر بهما ما ينفعه في دينه ودنياه، ويتقي بهما ما يضره فيهما، فقد استعملهما في غير ما أريدتا به، وهذا لأن المراد من خلق الخلق، وخلق الدنيا وأسبابها -أن يستعين الخلق بهما على الوصول إلى الله تعالى، ولا وصول إليه إلا بمحبته والأنس به في الدنيا، والتجافي عن غرور الدنيا، ولا أنس إلا بدوام الذكر، ولا محبة إلا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر، ولا يمكن الدوام على الذكر والفكر إلا بدوام البدن، ولا يبقى البدن إلا بالغذاء، ولا يتم الغذاء إلا بالأرض والماء والهواء ولا يتم ذلك إلا بخلق السماء والأرض، وخلق سائر الأعضاء ظاهرًا وباطنًا، فكل ذلك لأجل البدن، والبدن مطية النفس، والراجع إلى الله تعالى هي النفس المطمئنة بطول العبادة والمعرفة؛ فلذلك قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ....﴾ الآية، فكل من استعمل شيئًا في غير طاعة الله فقد كفر نعمة الله في جميع الأسباب التي لا بد منها، لإقدامه على تلك المعصية"١. وقد استخلص الشاطبي من هذا التنازع بين الأدلة المتعارضة النتيجة الآتية: أنه لا ينبغي إذن أن نرفض جملة، أو نقبل قبولًا عامًّا كل ما يترتب على النظر في المسببات، ولكن ضابطه أنه إن كان الالتفات إلى المسبب من شأنه التقوية للسبب، والتكملة له، والتحريض على المبالغة في إكماله، فهو الذي يجلب المصلحة، وإن كان من شأنه أن يكر على السبب بالإبطال، أو بالإضعاف، أو بالتهاون به، فهو الذي يجلب المفسدة٢. ومع اعترافنا بضرورة التفرقة بين الاعتبارين، فإن صياغتنا للفكرة سوف تكون مختلفة اختلافًا يسيرًا.

стр. 536

هنالك أولًا حالات تصلح فيها هذه الطريقة في تقدير الأعمال بنتائجها الموضوعية، التي يمكن أن تستتبعها، لا في رفع درجة تشددنا الأخلاقي فحسب، أو في النظر بعين الخطورة إلى أخطاء كنا من قبل نعتبرها أقل خطرًا، بل إن هذه الطريقة قد تصلح أحيانًا في تغيير طبيعة أحكامنا ذاتها، المتعلقة بهذا العمل أو ذاك. فهل هناك ما هو أكثر منافاة للقانون من ترك الجريمة دون عقاب، وترك الباطل يغتصب مكان الحق، وترك الظلم يتسلط؟؟ ولكن، إذا كان اللوم الذي يوجه ضد خطأ معين يثير من الأخطاء ما هو أشد خطرًا، وإذا كان التشهير بالباطل يستتبع إظلام الحقيقة، وإذا كان التمرد على الطاغية، مع العجز عن إقرار النظام، لا يؤدي إلا إلى إراقة دماء الأبرياء، وجعل الاستبداد أشد تحكمًا، كما لم يكن -إذا كان ذلك جائز الحدوث، أوليس هذا هو موضع تطبيق المبدأ المشهور: "تجنب أسوأ الشرين، وتقبل أخفهما"؟؟ وسوف لا يقتصر الأمر على أن نقول: إنه "من الممكن"، بل "من الواجب" أن نعتبر مقدمًا جميع النتائج التي يمكن التنبؤ بها، والتي يمكن أن يؤثر اعتبارها من قريب، أو من بعيد, على تنظيم الواجب الحسي، وتحديده بذاته. والشاطبي، والحق يقال، يعترف بذلك في مواضع أخرى. ولقد نلاحظ حقًّا في هذه الحالات، أن النظر الذي نوجهه إلى الأثر أو المسبب لا يزودنا "بدافع للعمل" ولكنه يزودنا على الأصح، بشرط أو "مسوغ للتشريع" أي: إن فائدة هذا النظر في دفع الإرادة أقل من فائدته في إضاءة الطريق أمام فهم الواجب، طالما أنه ينبغي أن يتم، من قبل أن

стр. 537

يصبح أمر الواجب مفروضًا على الإرادة. والواقع أن السير الطبيعي يقتضي أن يكون الضمير واعيًا أولًا، بالشروط الكاملة للعمل الذي نؤديه، وقد يؤدي هذا الوعي إلى اعتبار العمل تكليفًا مطلقًا، دون اللجوء إلى اعتبارات أخرى، أو قد يتبلور في صورة تطمئننا مسبقًا إلى أن الخير الذي بدأناه لا يستتبع شرًّا أكبر منه، أو أن الواجب الذي نتصوره لا يبطله واجب آخر أكثر جوهرية. وحين يتم إقرار نظام العمل على هذا النحو، حينئذ فقط، يمكن للنتائج المتوقعة من هذا العمل أن تصبح غايات تعتمد عليها الإرادة في التنفيذ. إن هذه الملاحظة حكيمة، وليس بوسعنا سوى أن نسلم بها، ونتفق معها. فلنترك إذن جانبًا الأمثلة التي ذكرنا آنفًا، ولنقتصر على بحث القيمة الأخلاقية لاعتبار النتيجة، لا كإسهام في تحديد الواجب، بل كمحرك للإرادة، التي وعت وعيًا كافيًا موضوع نشاطها. وهنا أيضًا نلاحظ أن جميع النتائج لا يمكن أن تعامل على قدم المساواة، فهناك نتائج يمكن أن تستخدم "كغايات موضوعية"، ذات قيمة أخلاقية لا جدال فيها، وهناك نتائج أخرى ليست سوى "غايات ذاتية" يمكن أن تكون "مشروعيتها" مجالًا للجدل؛ ونتائج ثالثة "ذاتية أيضًا"، ولكن بالمعنى الأدنى لكلمة "الذاتية" الذي يعني "الأنانية المذمومة"، ويمكن أن يقال عمومًا: "إن هذه الأنواع الثلاثة من الغايات توافق الطبقات الثلاث للنية، التي نحن بسبيل عرضها". وأقصد بعبارة "غاية موضوعية" تلك الغاية التي يرى الضمير مكانها خارج الذات أساسًا، وأن فائدتها التي تستطيع الذات أن تجنيها منها لن تكون في حساب الإرادة، من حيث هي موضوعية، مع أن بوسع هذه

стр. 538

الفائدة: إما أن تتحقق في نفس الوقت بمفردها، وإما أن تكون هدفًا لحركة أخرى من حركات الإرادة. والغاية الذاتية هي -بعكس ذلك- النتيجة التي تنتظرها الذات من نشاطها، "من حيث هو نافع لها". إن "المبدأ الأسمى" للأخلاقية يجب أن يلتمس في "موضوع النية"، والإرادة التي يمكن أن توصف بأنها "طيبة" ليست هي الإرادة التي تطلب، أو تتلمس، أجر جهدها، ولكنها التي تقدم نفسها، وتستفرغ جهدها، وتستنفد كل ما في طاقتها، دون حساب، إنها هي التي "تنسى ذاتها في سبيل مثلها الأعلى". ولقد وجدنا أن هذا المثل الأعلى يتقدم إلينا في شكلين مختلفين، كلاهما يعرضه علينا القرآن. ففي الشكل الأول تقف النية عند صورة الواجب المجردة، وتحركها فكرة وحيدة، هي أنه يجب أن ينفذ الأمر، من حيث هو أمر علوي: أطع الله لأنه حقيق أن يطاع، بهدف أن تمتثل لأمره، وأن تنال رضاه، دون أن تحاول أن تفهم: لماذا أعطى هذا الأمر، وبغض النظر عن الأسباب الصالحة لتسويغه. فذلكم هو الشكل الأول للإخلاص. بيد أن هناك شكلًا آخر أقل تجريدًا لهذا المثل الأعلى، الذي ينبغي أن نخلص له، فبدلًا من أن نتوقف عند الشكل، ننفذ إلى المعنى العميق للأمر، ونحاول أن نوفق هدفنا الخاص مع هدف الشارع. فنحن نهتم بإرساء قواعد النظام، والعدالة، والحق، ونستهدف في كلمة واحدة تحقيق الخير الذي نعرف أنه مقصود الشرع، أو نحدس بأنه كذلك مسبقًا. وكما رأينا فإن القرآن الكريم يقدم غالبًا، في الصورة الأولى، هدف الإرادة الطيبة، ولكن على الرغم من كونها قليلة العدد فإن النصوص التي

стр. 539

تجعل من الخير في ذاته مثلًا أعلى للنية -قد جاءت صريحة، وهكذا يحض القرآن المؤمنين على جهاد أعدائهم، لا طاعة لله فحسب، ولكن لينقذوا المستضعفين: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ ١، وليضعوا حدًّا للمحن القاسية التي يتحملها هؤلاء، وضروب الإغراء التي يعرضها الكفار عليهم كيما يفتنوهم عن الدين: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ٢. ومع ذلك، فما هو هذا الجهاد في سبيل الله؟ إن النبي ﷺ يحدده لنا في هذه الكلمات: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" ٣. فأي هذين الموقفين أسمى أخلاقيًّا؟ في رأينا أن الإجابة التي تقدم عن هذا السؤال ينبغي أن تختلف، تبعًا للأولوية التي تعطى للإيمان، أو للعقل. والحق أنه لن يكون مقبولًا لدى أهل العقل أن نضع في أعلى درجات السلم ثقة معصوبة العينين، ثم نخفض إلى المرتبة الثانية -الضمير المستنير الذكي. فالإنسان الذي يطيع أمرًا، دون أن يحاول فهم أسبابه، خاضع للصفة الآمرة في الحكم فحسب، على حين أن من يطيعه مدركًا أنه عدل، ومعقول، يشعر تجاه الشرع بالمزيد من الإعجاب والاحترام. وكذلك النية التي تستهدف إدراك المعنى العميق للحكم، فإلى جانب أنها لا تنقص من جمال

стр. 540

الإيمان مهما بلغ، تزيده بما يدعمه ويحصنه، فلا يتزلزل أمام عوادي الزمن. أما أهل الإيمان, فيرى أن الإيمان الذي يحتبس في حدود الذكاء إيمان مقيد مبتور، إن لم نقل: إنه غير موجود، وهو يشهد، في الواقع، بأن ثقتنا في موضوع تصديقنا أدنى من ثقتنا في أنفسنا، أعني: في أنوارنا الجزئية. وإذن، فلا إيمان بالمعنى الصحيح، إلا حيث تنقطع هذه الأنوار، وإلا حيث لا نلجأ إلى أي دليل خاص ومناسب؛ لكي ندعم صدق قضية معينة وعدالتها، بل نلجأ إلى سبب شديد العموم يشيع في كل شيء ولا يكمن في القضية المطروحة، وإنما في السلطة التي تطرحها. ويضيف أهل الإيمان إلى ذلك أن من يعتمد على أنواره الخاصة، كيما يوفق بين نيته وأهداف التشريع الإلهي، يظل دائمًا دون المثل الأعلى الكامل، مهما يكن نزيهًا في غرضه، ومهما سما هدفه. إذ إن الفكر مهما كان نزيهًا، ومهما سيطر عليه الاهتمام بإقرار نظام عالمي عادل ونزيه، لا يظل مقيدًا بالمخلوق دون أن يحقق الارتفاع إلى الخالق فحسب -بل إن أي جهد عقلي لا يستطيع مطلقًا أن يطمئن إلى قدرته على أن يكشف حِكَم الله في هذا النظام أو ذاك، وأن يحيط بها علمًا. وإذن فلا شيء من هذه الأهداف التي تتجه إليها جهودنا سوف يكون مساويًا في القدر أو الرفعة لما يقوم برضا العقل الإلهي، وهو رضا لا ينال كاملًا إلا حين نريد ما يريد ذلكم العقل وبسبب العلل المعروفة، والمجهولة التي يمكن أن يدركها. وهنا نقطة الذروة التي تحكم كل القيم، والتي لا يوجد فوقها أي هدف ممكن لأكمل النوايا.

стр. 541

ولا شك أن مقارنة هذين الهدفين لا ينبغي أن تفرض فيما بينهما خيارًا يستبعد أحدهما، ولا أن تدعهما يتعاقبان أمام الإرادة، إذ إنهما بالأحرى، عنصران مكملان، يؤدي التنوع في القيمة الواقعية إلى جعلهما لازمين لكمال المثل الأعلى، بل إننا نستطيع أن نؤكد أيضًا أنهما يتعايشان فعلًا في الأنفس المطمئنة، مع قدر من التنوع يغلب أحدهما تارة، والآخر تارة أخرى، في الضمير المستنير. ذلك أن المؤمن الذي يطيع أكثر الأوامر غموضًا، حتى ما يبدو منها قاسيًا، قلما يقصد أن يخضع نفسه لنزوة، أو اعتساف. فهو حتى حين لا يرى تلك الأوامر ومضة عقل، لا يقلل ذلك من اعتقاده الجازم بأن هناك أوامر أخرى مفعمة بالحكمة، وهو يخضع لها ضمنًا، ويسعى في تحقيقها دون أن يفقه طبيعتها، وذلك هو ما تحدث عنه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ١ -هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، إن الاهتمام بتحقيق الخير الأخلاقي الذي يدرك دون كبير عناء في أكثر الأوامر الواضحة عدلًا -لا ينفصل مطلقًا في ضمير المؤمن عن شعور يجده في نفسه، يتفاوت في درجة غموضه، ولكنه يحمل في طياته رضاه العام، وغير المشروط، بكل القواعد الأخرى، وبدون هذا الرضا لن يكون جديرًا بلقب "المؤمن": ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢. وهكذا نجد أن وجهتي النظر بالنسبة إلى الأخلاق الدينية متعاضدتان،

стр. 542

وتتضمن إحداهما الأخرى. ومع ذلك فليس ينقص من الحقيقة أن أسمى الوجهتين، وأرحبهما أفقًا، هي وجهة نظر الإيمان المطمئن، والخضوع المطلق، فهي التي تستلزم بالضرورة الوجهة الأخرى، دون أن تكون مستلزمة لها بنفس القدر من الضرورة. فقد يجوز في الواقع -وهو ما يحدث غالبًا بالنسبة إلى الملاحدة- أن يكون السعي في سبيل الخير العام من حيث هو صادر عن نوع من الاستعداد الفطري الخير، الذي يحبب إليهم الإحسان، ويزين لأعينهم العدالة لذاتهما، بمعزل عن أوامر الشرع ووصاياه. ولقد رأينا أن هذا النوع من التلقائية ليست له قيمة أخلاقية, على حين أن فكرة طاعة الله لا تخلو مطلقًا من إدراك أوامره على أنها أحكم الوسائل التي تهدف إلى تحقيق أعظم الخير للإنسان، وللكون أجمع. فإذا كان طول النظر، وعمق التأمل، شرطًا في صيرورة هذا المفهوم واضحًا غير ملتبس, راسخًا غير مهتز, وإذا كان توفر درجة أسمى من درجات التقدم الأخلاقي شرطًا في بلوغ هذا المفهوم مركز الصدارة من أفق الضمير، فإن ذلك لا يحول دون أن يكون متضمنًا في عقيدة الإيمان، وهو موجود فعلًا؛ على الرغم من أنه قد يكون غامضًا، على نحو ما, في نفس كل مؤمن، حتى لو كان من أوساط المثقفين. فلنمسك الآن عن القول في هذه الدرجات المتنوعة من المثل الأعلى الأخلاقي، كيما نلخص الحديث عن الصيغة الأساسية الصالحة لمختلف الدرجات. هذه الصيغة هي: توحيد موضوع الإرادة مع موضوع الشرع، سواء توقفنا عند شكله، أو تغلغلنا في جوهره. ولو أن المرء ثبت نظره على هذا الموضوع فسيجد فيه "الموضوعية" التي تعرف بها شجاعة النفس وشرفها، سواء حين يقف بعيدًا عنه، إجلالًا لمشرع، أو حين يقترب منه بجاذبية الحب، وبدافع العرفان.

стр. 543

فمتى ما تركنا هذه الذروة، هبطنا على الفور إلى مستوى الغايات الذاتية أعني: "المنفعة". وليس هنالك وسيلة أمام إرادة ملتزمة حقًّا, للخروج من هذه المعضلة: فإما أن تكون في خدمة الشرع أو الخير في ذاته، وإما أن تمضي للبحث عن الخير الشخصي. فهل لنا أن نقول: إن هذين النوعين من الخير يمكن أن يتطابقا تطابقًا كاملًا، بل يمكن أن يصلا إلى حد الامتزاج؟ لا مانع عندي من الموافقة على أن الخير العام قد يكون في نفس الوقت خيرنا الخاص؛ ولكن قد يتساءل المرء، من وجهة نظر الذات الفاعلة: إذا ما كان بوسع الذات، بحركة واحدة لا غير، أن تفيض خارجها فتهتم بالشرع، ثم تستدير إلى نفسها، مدفوعة بالأنانية؟ وحتى لو افترضنا أن هذا الأمر ممكن فإن هذا الهدف المزدوج يرجع -على كل حال- إلى نوعين من "الدوافع"، ينبغي أن ندرسهما الآن، كلٌّ على حدة١. والمسألة الآن هي أن نعرف قيمة هذه الدوافع الذاتية. هل يجب أن نؤثم كل اهتمام بالخير الشخصي، حتى لو كان من أكثر أنواع الخير مشروعية باعتباره متنافرًا مع شرط العباد المخلصين، وباعتبارنا مكلفين بأن نكرس كل عمل من أعمالنا لله؟ هذا هو الرأي الذي أيده أكثر الأخلاقيين المسلمين حماسًا وغيرة، حتى إن صرامة "كانت" ليست بشيء إلى جانب صرامتهم، وهم يرون أن واجب كل فرد ليس تقييد رغباته فحسب، وإخضاعها للقاعدة، بل إنه يجب ألا يكون له رغبة أخرى غير رغبة البذل. ذلك أن تخصيص بعض الجهد لإشباع الفطرة، من حيث هي، معناه أننا نقيم إلهًا آخر غير الله. وهذا

стр. 544

هو المبدأ "الثالث المستبعد في الأخلاق", فليس بين الفضيلة والرذيلة من حد وسط، فحيثما لا يكون فكرنا موصولًا بالله فإنه ينقلب ضده. وما هكذا يفكر المعتدلون الذين هم الأغلبية، ولسوف نرى أن اعتدالهم ينتهي في آخر المطاف إلى ما نطلق عليه: الصرامة الكانتية. لقد تساءلوا أولًا عما إذا كان هذا التجرد المطلق حيال الفطرة ممكن الوقوع عمليًّا، أو حتى إذا ما كان ممكنًا إنسانيًّا؟ فمن منا يستطيع أن يتباهى بأنه لا يعرف الاهتمام بشخصه، وبأنه يطيق أن يستغني عن كل نتيجة، أخلاقية أو مادية، قد ينتجها نشاطه؟ من ذا يستطيع أن يدعي أن الصحة، والحياة، والرفاهية، والسلام، والصداقة مع الجار، وحتى العلم، والذكاء، وكيفيات القلب، والعقل، هي في نظره أشياء لا قيمة لها، وليس لها قط جاذبية، أو سلطان عليه؟ لقد استطاع أبو بكر الباقلاني أن يصف أنصار هذا التجرد المطلق وصفًا قاسيًا، فقضى بتكفير من يدعي البراءة من الحظوظ، وقال: هذا من صفات الإلهية، وحاول أيضًا أن يرد عليهم أدلتهم الدينية. لقد كانوا يريدون في الواقع بهذه الطهارة المزعومة للنية أن يجنبوا المؤمنين أن يقعوا في هذا النوع من الشرك، الذي هو عبادة المنفعة، لقد أرادوا البراءة عما يسميه الناس حظوظًا، ولكن الباقلاني يلاحظ أنهم بهذه القرينة يقعون في الشر الذي أرادوا أن يتجنبوه؛ لأنهم لم يفعلوا سوى أن ألهوا الإنسان، حين خصوه بدرجة من الكمال، هي في الحق صفة من صفات الله١. وبدون أن نذهب إلى حد الزعم بأن الإنسان لا يتحرك إلا لحظ ومنفعة،

стр. 545

هل يمكن أن نقرر عقلًا أن أحدًا من الناس لا يسمح له في أية حالة أن يبحث عن خيره الشخصي من حيث هو؟ وهل يمكن مثلًا أن نحرم على إنسان مهدد بالجوع والعطش أن يعمل "أعني: أن يأكل ويشرب"، تحت سلطان هذه الضرورة الفطرية؟ وهل ينبغي إذن أن ينتظر بضع لحظات كيما يستحضر أولًا أمر الواجب، فلا يعمل إلا بهذا الأمر، حتى لو كان هذا الانتظار يجعل أية محاولة للإسعاف غير مفيدة؟ إن هذا المثال وحده كافٍ لنعترف بقساوة وسخف هذا الرفض المنهجي لحق الإنسان في أن يسمع لصوت فطرته، ويستجيب لندائها البريء، وكل ما يجب علينا ألا ننساه هو: أن المسألة ليست مطلقًا أن نجعل من المنفعة المقبولة عقلًا مبدأ ثانيًا من مبادئ الأخلاقية، فشتان ما بين المنفعة والمبدأ والناس، كل الناس، في كلا المذهبين، متفقون على أن الأخلاقية "واحدة"، وعلى أنه لا توجد خارج إرادة الطاعة "بوجهيها" أية قيمة أخلاقية، "موضوعية" في أي مكان. أما المعتدلون فيحاولون ببساطة أن يزيلوا هذه اللعنة التي أراد بعض الصوفية أن يصموا بها دون تمييز كل سعي ذي غاية ذاتية، مهما كان. أي: إنهم، بعبارة أخرى، يودون أن يجعلوا في مكان هذا التقسيم الثنائي تقسيمًا ثلاثيًّا، يصح بمقتضاه أن نجعل بين "الثواب" و"العقاب" مجرد "البراءة"، وبين اكتساب القيمة وفقدانها, نضع "اللاقيمة" la non- valeur، وبين مستوجب الثناء ومستوجب الذم مجرد "المشروع", وبين التكليف والتحريم الإباحة. هذه التفرقة ذات الطابع الثلاثي لا تمثل جميع نواحي التشريع القرآني فحسب، ولكنا نجدها عند الحديث عن النية، على وجه التحديد، معبرًا عنها بصورة واضحة في حديث مشهور، رواه مالك، والبخاري، ومسلم، وجميع المحدثين، وفي ألفاظ هذا الحديث أن واقع تربية الخيل والاعتناء بها

стр. 546

ينظر إليه تبعًا للنوايا، فهو تارة عمل يثاب عليه، جدير بالأجر الإلهي، وأخرى إثم، وثالثة ليس هذا ولا ذاك, واقع يثاب عليه ذلك الذي يمسكها دائمًا بأمر الله، وفي سبيل الله، وواقع آثم لمن يمسكها تظاهرًا، وتفاخرًا، ولمن يتخذ منها أداة عدوان ضد المؤمنين. ولكن، لننظر كيف يضع النبي ﷺ بين الحالتين حالة أخرى، لا يطيق أحد أن يأتي بأدق منها: حالة الرجل الذي يهتم بالخيل، من أجل حاجاته الخاصة، دون أن يغفل واجباته الدقيقة، فهذا الرجل لن يستحق ثوابًا، ولا عقابًا، وإنما يكون على وجه الدقة "ناجيًا" وكل ذلك في قوله, ﷺ : "الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر ... " ١. وليس لدينا أوضح ولا أدق من هذا لدعم رأينا، الذي هو أيضًا رأي الجمهور. وهكذا تستأثر الإرادة المخلصة بكل القيمة الإيجابية، أما الإرادة الذاتية فهي جديرة بالتقديرين الآخرين. ولسوف يوصف البحث عن هذه المنفعة الشخصية أو تلك، بوساطة هذا العمل أو ذاك: إما "مقبول" أو "مباح"، وإما "مرذول" أو "مؤثم"، تبعًا للشروط المعقدة التي سوف نعرضها متتابعة في الفقرتين التاليتين:

стр. 547

جـ- براءة النية: وأقصد "ببراءة" النية في عمل ما، أيًّا كان، الصفة التي تكتسبها الإرادة عندما تتحاشى أن تسعى بهذا العمل إلى غايات دنيئة، ثم هي في الوقت نفسه لا ترقى إلى مستوى شرف الإخلاص، المنزه عن الغرض، وإنما

стр. 548

تقنع بموقف وسط، يتمثل في انقيادها "لمنفعة مشروعة"، يقر لها القانون بحقها فيها. وجميع الحالات التي يمكن أن تندرج تحت هذا العنوان هي من الناحية الشرعية صحيحة، لا غبار عليها، ولكن قيمتها من الناحية الأخلاقية "صفر"، تبعًا لأكثر النظريات الإسلامية تسامحًا. ومعنى كونها صفرًا: أنها لا تستحق مدحًا أو ذمًّا، ولا تستتبع لصاحبها ثوابًا ولا عقابًا. وهو موقف يعد بلا شك "نقصًا" أو عدم كمال، فمن المؤسف أن يقنع امرؤ بأن يبرئ ذمته، على حين كان يستطيع أن يزيد من قيمته، ولكن هذا يتيح له أن يكون "ناجيًا". ولدخول الأعمال في هذه المجموعة شرطان: أحدهما يتوخى الغاية، والآخر الوسيلة. فأما الذي يتوخى الغاية فغني عن البيان أنه ينبغي أولًا أن يكون عملًا جائزًا في الشرع، ومعروفًا بصفته هذه للذات، وذلك هو تعريف هذه المجموعة الثانية، أو منطوقها نفسه، "في مقابل المجموعة الثالثة بخاصة". ولكن يجب علاوة على هذا أن يكون الوعي بهذا الجواز شرطًا "يكيف" حركة الإرادة نحو الغاية، لا أن "يصاحبها" فحسب. ويجب في هذا التطابق بين الهوى والقاعدة -أن تقيد القاعدة تأثير الهوى، وأن يكون هذا التقييد مرضيًا دون إكراه، وهنا نجد لونًا يكاد يهرب أمام أعيننا، ولكن من الضروري بصفة مطلقة أن نحسب حسابه قبل العمل، مخافة أن يرى المرء براءته تتحول إلى معصية. ومن أجل هذه الضرورة القصوى، نجد أن القرآن عندما ينظم بعض حالات الخروج على تحريم معين، يؤكد تكليف من يريد استعمال هذا الحق -بأن يطمئن إلى أن استعماله لا يفرضه في الواقع ميل إلى الموضوع المحرم الذي

стр. 549

أبيح، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. كيف نميز، في حالة كهذه، الأصل من التبع المقيد؟ هاكم طريقة على الأقل، يستطيع كل إنسان أن يتصرف فيها، على تفاوت في فاعليتها، وذلك بأن يغير المرء شروط تجربته، ولو ذهنيًّا، فيسأل نفسه عما قد يفعله لو أن القاعدة كانت تحرم منفعة كهذه. ولسوف يكون حظ الإجابة التي نحصل عليها في إعلامنا بدافعنا الحقيقي، بقدر حظنا من التجارب فيما مضى، عن درجة الحذر الذي نستخدمه في سلوكنا لمواجهة واجباتنا الدقيقة، فإذا كنت في حالة المنع قد كسبت قدرًا من الانتظام في الرقابة على شهواتي وضبطها، فإني أستطيع أن أحكم بقدر من الاحتمال: بأن اعتبار القانون في حالة الإباحة هو الذي يحكم سلوكي، ويقيد حاجاتي؛ وأما إذا كنت، في حالة الصراع بين الواجب والهوى، أعترف بأن الهوى هو الذي يتسلط غالبًا، فلسوف يثبت لي أنه في حالة اتفاقهما -ستكون الطبيعة أيضًا هي التي تحكم لدي، وتمضي كلمتها. ولقد وصف القرآن على نحو كاف هذا الموقف المضطرب وفضحه، وهو الموقف الذي يغير وجهه غالبًا أمام الشرع، فتارة يخضع له، وأخرى يفارقه، تبعًا لما يجد، أو يفتقد، من إشباع حاجاته الأنانية، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢.

стр. 550

كلا ... فسلطة الواجب بالنسبة إلى شهواتنا يجب أن تكون مطلقة غير مشروطة، وليس أمامنا إلا أن نذعن لها طوعًا أو كرهًا: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ١. وذلكم هو شعار المؤمنين الثابت أمام الأوامر المختلفة، لله ورسوله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ . وفي احترام هذه العلاقة المتدرجة، أو عكسها بتقديم ما ينبغي أن يتأخر، تكمن السمة التي يتميز بها الهوى المستنير، الذي يعتبر إشباعه طبيعيًّا ومباحًا -عن الهوى الأعمى الذي لا يفتأ القرآن يحذرنا منه. بيد أنه لا يكفي أن يكون الهدف الذي يتوخاه المرء من بين المباح، في ذاته، بل يجب أيضًا، بموجب الشرط الثاني -أن يكون العمل الذي يستهدفه من شأنه أن يستخدم أخلاقيًّا، كوسيلة لبلوغ هذه الغاية. وهنا تتدخل فكرة "الغائية" بكل تعقيداتها٢، فإن أهدافنا من هذا العمل أو ذاك لن تقوم في ذاتها فحسب، بل باعتبار اتفاقها أو اختلافها مع أهداف الشرع من هذه الأعمال. هل يوجد -مثلًا- بالنسبة للإنسان، اهتمامات أكثر طبيعية من اهتمامه بأن يعيش دون مفاجآت كبيرة، وبأن يخلق صداقات متينة مع إخوانه؟ بيد أن الإنسان لكي يبلغ هذه الغايات يملك طريقًا طبيعية جدًّا، لا معابة

стр. 551

فيها، ولا ملامة. فلكي يعيش ماديًّا، ما عليه إلا أن يبذل جهوده في الإنتاج، أو في المبادلات، أو في بعض المهام الشريفة والمنتجة، أو لكي يكسب مودة أصدقائه حسبه أن يتصرف حيالهم بأكثر الطرق مجاملة، وأقلها طلبًا، وأعظمها سماحة بقدر ما يطيق. وعلى أية حال، فليست طقوس العبادة، ومآثر الإحسان بالتي نستحق أن نطمح بها إلى تقدير الناس، أو نؤمل مساعدتهم، فإذا اتخذ المرء هذه الأعمال لغايات دنيوية كهذه، على حين أنها أعمال لا ينبغي أن يستهدف بها سوى قداسة الواجب، فتلك هي النية الآثمة الدنسة. ولكن، إذا كان جرمًا أن يستعمل الإنسان الفضيلة بنية تحصيل بعض الميزات الإنسانية، فهل يعد جريمة أيضًا أن يؤديها المرء على أمل الحصول على ثواب الله، أو خوفًا من عقابه؟ هذا سؤال أثار مناقشة من أعظم المناقشات بين الأخلاقيين المسلمين. وإنا لنعرف البرهان الأساسي للمتشددين، وهو برهان جد بسيط، مستمد مباشرة من القرآن: فلقد خلق الإنسان من أجل طاعة الله فحسب، ومن أجل التوجه إليه بنية نقية، فإذا سمح لنفسه أن يتطلع ببصره إلى النتائج المناسبة، أو غير المناسبة لأعماله، فإن معنى ذلك قلب نظام الغائية؛ لأن الواجب حينئذ سيصير مجرد وسيلة، وستصبح المنفعة هي الغاية الأخيرة والموضوع الحقيقي للعبادة. ولقد كان على خصومهم في الرأي أن يقوموا بجهد في التعليل الدقيق حتى يتخلصوا من هذا البرهان. والواقع أن هؤلاء الخصوم قد حاولوا من ناحية أن يثبتوا للخلق غاية مزدوجة يستهدفها، وأرادوا من ناحية أخرى أن

стр. 552

يؤكدوا أن متابعة غايات ثانوية يمكن أن يحدث دون الإضرار بالغاية الأساسية. ثم يفسرون ذلك بقولهم: والحق أن الإنسان باعتباره ذاتًا مكلفة لا دور له إلا أن يؤدي مهمته أداء دقيقًا في وقته، وأيما امرئ مال إلى هجر واجبه رد إليه بمختلف الجزاءات، ليس هذا فحسب، بل إن من يدخل أداء واجبه في مجال العبادة، فلن يستحق بهذه الصفة أدنى شيء يطلبه لدى الناس، أو من الله. فأما لدى الناس: فقد وضحناه فيما سبق، وإنا لنعرف أن الشريعة الإسلامية تحرم على العلماء والقضاة أن يمسوا شيئًا من عامة الناس. وأما من الله: فلأن رسول الله ﷺ قال: "لن يدخل أحدًا عمله الجنة" ١. وهو يقصد بذلك أن العمل وحده لا يكفي. وليس ينقص من صدق هذه الحقيقة أن الإنسان بوصفه موضوعًا للإحسان والعدل الإلهي سوف، يدعى إلى أن يجني ثمرات عمله، فعندما يجيء الإنسان ليطلب، لا أقول: "مستحقه"، ولكن: ما "وعد به"، فهل يكون هذا الطلب منه سوى اتفاق مع مشيئة الله المجازي، إن لم يكن مع مشيئة الله المشرع؟ ولنذكر إلى جانب ذلك حقيقتين لا يستطيع أن ينكرهما أحد، حتى من وجهة نظر التشريع، "أولهما": أن هذين الصنوين المتشابهين: الخوف والرجاء، هما في نظر الدين صفتان جديرتان أن يقصدا لذاتهما، فهما أشبه بجناحين لازمين لتحليق الإيمان والتقوى، وارتقائهما.

стр. 553

وكذلك نجد أن فظاظة القلب وقساوته تعدان في نظر كل الناس داء يصيب الأنفس الجاحدة، ولقد أفاض القرآن في هذا المعنى، شأنه شأن جميع الكتب المقدسة. "والحقيقة الثانية": أن هذه المشاعر الدينية نفسها يمكن شرعًا أن تستخدم دوافع لأعمال تتناسب معها. ولا أحد ينازع في أن الآلام التي يحسها المؤمن أو يخشاها تفرض عليه -عادة- هذا الموقف الصوفي الذي يكل فيه كل أموره إلى الله، طالبًا عونه، ملتمسًا إحسانه، وها هو ذا القرآن يدعونا صراحة بقوله: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ ١، وقوله: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ٢، والسُّنة تعلمنا أيضًا: "أن النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر فرغ إلى الصلاة"٣. فإذا سلمنا بهاتين النقطتين كان في ذلك حصر للمجال المتطرف. وفي مقابل ذلك يفسح له المجال المقابل -في نقطة مهمة حين يحدد دور المشاعر المذكورة آنفًا. ذلك أن المبدأ العام وإن كان يعترف بقيمتها الذاتية، ويعلن أن الهروب من الألم، والبحث عن السعادة بوسائل صالحة إنما ينبثق عن اتجاهات جد مشروعة، فليس بوسعه أن يذهب إلى حد منحها جزاء أخلاقيًّا عندما تؤدي في الضمير دور المحرك الأول إلى الواجب؛ لأن ذلك معناه سن أمور لا يزكيها شيء في القرآن. وهنا نقطة لا نغلو في الإلحاح عليها، وهي نقطة ألقى إغفالها قدرًا من الاختلاط المؤسف في كثير من الأذهان، بين فكرتين متميزتين تمام التميز في التعاليم القرآنية: بين "النية"، وهي موقف الفاعل الأخلاقي و"الجزاء"،

стр. 554

وهو رد الفعل من المشرع، ولقد أثبت القرآن الواجبات من جهة، وأثبت نتائجها الجزائية من جهة أخرى، فإذا شرفت الفضيلة وأثيبت وإذا ما استنكرت الرذيلة وعوقبت، فهل في ذلك غير العدالة؟ ولكن شتان ما بين أن نعين لأعمالنا عاقبتها، وأن نقترح على الإرادة مبدأ يلهمها، وذلكم هو ما صاغه القرآن في مواضع كثيرة، فهذا المبدأ مختلف تمامًا، إذ هو المثل الأعلى، والإنسان الذي يؤدي واجبه بالخوف أو بالرجاء، والذي يتخذ من توقع مصيره في الحياة الآخرة قوة محركة لإرادته الطائعة، هذا الإنسان لا يقتصر عمله على خلط وتوحيد نوعين مختلفين من الغائية: الغاية الوجودية "الثمرة"، والغاية الأخلاقية "الهدف"، ولكنه أيضًا يغفل شرطًا جوهريًّا عن العاقبة الموعودة؛ لأن القرآن خط له طريقًا يتبعه، وأثبت له سعيًا يقوم به، من أجل أن ينتهي إلى هذه الحياة السعيدة: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ ١، وليست الجنة إلا للقلوب السليمة، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ٢، والقلوب الراجعة إلى الله: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيب﴾ ٣. ولكن إذا كان التقارب قد تم على هذا النحو بين المذاهب المتعارضة، فهل يؤدي ذلك إلى اندماجها؟ ليس بشكل تام برغم هذا، فإن النقطة المتنازع عليها تظل كل هي. فعلى حين أن النظرية المتشددة تحكم دائمًا بالكدرة والدنس على كل ما ليس طاهرًا نقيًّا إلى الحد الوارد في قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ ٤ -ترى النظرية المتسامحة أن بين الطهارة المطلقة، التي هي موضوع الثناء والثواب، والدنس الصارخ، الذي دحر وذم كثيرًا في النصوص.

стр. 555

-توجد تلك الطهارة النسبية، الوسط، التي لم يذكرها القرآن صراحة بالموافقة أو بالرفض، وهو موقف يدعو إلى اعتبارها لا تستحق مدحًا ولا ذمًّا، وإنما هي مباحة فحسب. ويمكننا كذلك القول بأن القرآن قد ارتضى هذا الموقف الانتفاعي، إن لم يكن شجعه على نحو ما بمجرد التبشير بالمجازاة. ولا ريب أنه لم يقل مطلقًا: أدوا واجباتكم، ناظرين إلى سعادتكم الأخروية، ولكنه قال: أدوها لله، وحين تؤدونها بهذه النية سوف تكونون سعداء. وإذا كانت هذه الصورة قد غابت حتى عن بعض الفلاسفة فبوسعنا أن نحكم بصعوبة إدراكها على عامة المؤمنين. فالإنسان الوسط سوف يحفظ دائمًا منها صورة الوعود الجميلة للصالحين "والنذر المخوفة للأشرار"، ولما كان هذا الإنسان ضعيفًا وحساسًا بطبيعته، وعلى افتراض أنه مؤمن، فإنه سوف ينقاد بفطرته إلى التعلل بالآمال "والإحساس بالمخاوف" إلى جانب شعوره بالواجب. وإذن، فعندما يجتمع الشعور بالواجب مع الحاجة إلى الأمن، ويتسايران في الضمير دون افتراق -فلا قوة على وجه الأرض، متى تحركت الفطرة تستطيع أن تمنع آثار هذا الاتصال الدائم؛ إذ كيف يستطيع تشريع عادل أن يحرم ثمرة أودعت بذرتها في القلب؟ ولكن، لنتناول الأمر تناولًا عقليًّا. قد: يقال إن العمل بدافع الخوف من العقاب هو أبعد شيء عن أن يكون مبدأ ذا قيمة أخلاقية، ونحن أول من يوافق على هذا الرأي. ولكن هل هو دافع يتساوى في حقارته مع الخديعة، والصلف، والمداهنة والتباهي؟ وهل

стр. 556

من الممكن أن نضع شعور الخوف من الله في مستوى الخوف من الناس؟ أليس من الواجب أن نعترف على الأقل بأن بين هذين الخوفين فرقًا هو: أن الخوف من الناس يعلمنا النفاق والجبن، ويحملنا على خرق القانون حين يكون موضوع هذا الخوف عاجزًا على أن ينالنا؟ أما فيما يتعلق بالأمل في السعادة المقبلة: فقد تقولون: إنها قضية ارتزاق وطمع في الأجر. نعم، بداهة، نظرًا إلى الحب الخالص، الذي يصد عن كل ما سوى المحبوب ذاته. ومع ذلك فمن ذا الذي لا يرى أن مجرد قبول هذه الصفقة والتنازل هكذا عن مال ملموس، مؤكد، مستحق فورًا، نظير سعادة غير محددة، غير مؤكدة على المستوى الفردي، بعيدة ساحقة البعد، لدرجة أنها تقتضي الموت، والعودة إلى الحياة مرة أخرى. قبل لمسها ... أقول: من ذا الذي لا يرى في كل هذا ارتفاعًا فوق الغريزة الحيوانية المرتبطة بالحاضر، إلى مستوى الآجلة، وبرهانًا على الصفات العليا من الصبر، والسيطرة على النفس، وسعة العقل، وفي كلمة واحدة: برهانًا على نوع من المثالية؟ قد يقال: إنها بصيرة مضارب. ولكن، يا لها من مضاربة عجيبة! ما كان لأي حساب احتمالي أن يسوغها، دون تدخل من الإيمان. وإذن، فما هو ذلكم الإيمان، أم لم يكن الاعتقاد فيمن ليس بالنسبة إلينا مدركًا بحواسنا، ولا قابلًا للإثبات بعقلنا وحده؟ فهو حساب إذن، إن وجد، ولكنه أرفع قدرًا وأقل غرضًا من حساب المضاربين جميعًا، إذ إن مخاطره في نظر العقل العملي السليم أكبر بكثير من فرص نجاحه، غير أن الإنسان يوافق عليها، ويرتضيها إلى حد التضحية العليا، بفضل الثقة وحدها.

стр. 557

وقد يلح بعضهم أيضًا بإدعاء المساوئ الأخلاقية التي قد تنتج من قلب العلاقة بين الغاية والوسيلة. وهنا لا بد من وضع الأمر في نصابه: ما مقياس هذا القلب؟ إنه -كما رأينا- الاستقلال الذي يمنح للمنفعة على حساب الواجب، ولنسأل إذن أي مؤمن: إذا كانت هذه يمكن أن تكون حالته في أية لحظة أو فليلق على نفسه -بالحري- الأسئلة الآتية: لو أني تصورت المحال، لأرى أن العمل بالشرع ليست له أية مكافأة، فهل أفكر حينئذ في أن أطلب عليه بعض الأجر؟ وإذا كان انتهاك الوابجب لا يستتبع أية عقوبة فهل يضعف بسبب ذلك، تمسكي بطاعته؟ وإذا كنت لسبب ما مطمئنًا إلى أن جميع ذنوبي سوف تغفر فهل تكون هذه بالنسبة إلي فرصة لارتكابها؟ ألا يكون كل هذا بالأحرى سببًا إضافيًّا لكي أثبت كما قال الرسول, ﷺ : "إني عبد شكور" ١, واستمع إلى هذا التأمل من الشاعر: هب البعث لم تأتنا رسله ... وجاحمة النار لم تضرم أليس من الواجب المستحق ... ثناء العباد على المنعم؟! وهكذا نجد أن الأهمية التي يعلقها مؤمن صحيح الإيمان على السعادة لا تمثل سوى منفعة فرعية، ثانوية، أو زيادة يمكن أن يستغني عنها عند اللزوم، حين توشك أن تهدد أعظم هدف جوهري في نظره وهو: إرضاء الله. وهذا الموقف العاقل، النبيل، الذي يرى بنظرة واحدة المثل الأعلى

стр. 558

الخالص، وضعف الفطرة المجردة -هذا الموقف متمثل بأكمل صورة في دعاء جميل للنبي ﷺ فحين كفر القوم به، وجحدوا الحق الذي أنزل معه، وعرضوه لأشد ألوان الاضطهاد -نادى ربه: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن ساخطًا علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي"١. فلنمض إلى ما هو أعمق، ولنسأل أنفسنا عن درجة هذا الطموح إلى السعادة المقبلة، وعن أهميته، حتى نعرف إذا كان من الممكن أن ينشئ لدى المؤمن دافعًا مستقلًّا، وصالحًا ليقود إرادته بمفرده. فأما من الوجه الذي يصوغ به القرآن وعوده فلا بد من شرطين لاستحقاق السعادة الأبدية: طهارة القلب، والإيمان الدائم، حتى الموت، وبالأخص في نهاية العمر. فمن ذلك الإنسان، الذي يدعي بيقين أنه استوفى هذين الشرطين، حتى أشد الناس طاعة وخضوعًا؟ وهل تكون المكافأة العظيمة التي يمكن تصورها من القوة بحيث تحرك هذه النفس القلقة، نفس المؤمن؟ إن هذا القلق تعبر عنه أصدق تعبير الآيتان الكريمتان: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ٢, ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ ٣.

стр. 559

بيد أن فاعلية الشعور المضاد ليست بأقل إثارة للجدل، فهل توقع العقاب في الحياة الأخرى، مهما يكن فظيعًا، يكفي حقًّا لقهر الإغراء الحاضر للشر، وتحويل الإرادة عنه؟ إن لنا الحق أن نشك في هذا، بقدر ما نضع في مواجهة ذلك الإنذار سعة الرحمة الإلهية. وإذن، فلا يصح من الناحية العامة أن تطغى إحدى هاتين الفكرتين بمفردها، على ضمائر المؤمنين، وذلك ما تنبغي ملاحظته في وصف القرآن للأنفس الصالحة، فهو يقدمها إلينا في الواقع متأثرة بالحالتين المتعارضتين في وقت واحد: الخوف والرجاء، وانظر مثلًا قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ٢، وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ٣. أية نتيجة يمكن أن نحصل عليها من خلط هذين العنصرين المتضادين، اللذين يبطل كل منهما أثر الآخر، أو كما يمكن أن يقال: من خلط نصفي الشعور هذين، إن لم تكن النتيجة استشعارًا غامضًا، لا يمكن تصويره، وترجمة في لغة عاطفية للإرادة المستسلمة، الخاضعة باختيارها لأوامر الواجب، مهما كانت النتائج؟ "افعل ما يجب، وليكن ما يكون"، ذلك في آخر الأمر هو الموقف الذي تؤدي إليه حالة الشك، التي تزلزل قلب المؤمن.

стр. 560

فإذا أردنا أن نطلق على هذا الوليد اسمًا -بأي ثمن فلسنا نجد خيرًا من أن نطلق عليه: "شعور الحياء"، وهو حالة مخففة تقع بين انفعالين قويين كما أنه أقرب شيء إلى "شعور الاحترام" ويمكن تعريف هذا الشعور بأنه: "مفارقة المرء للشر، مخافة أن يتدنس، أو يحمر خجلًا أمام نفسه، وأمام الله". وإنها لصدفة سعيدة أن نجد لدى رسول الله ﷺ هذا المفهوم نفسه على أنه السمة التي تميز الأخلاق الإسلامية، فيقول: "لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء" ١ وفي رواية: "إن لكل دين خلقًا ... " ٢. وقد جرى العرف باعتماد الأخلاق اليهودية على أنها "شريعة الخوف"، والأخلاق المسيحية على أنها "شريعة الحب". ولكن مؤلفًا -فيما نعلم- لم يحاول حتى الآن أن يستخلص -على هذا النسق من الأفكار- العنصر الغالب على الأخلاق الإسلامية، فها نحن أولاء قد أوردناه من حديث مؤسس هذه الأخلاق -ذاته، وهو ما يفسر، مرة أخرى، الفكرة المركزية لهذه الدراسة، أعني: أن النظرية الإسلامية تجمع مختلف المبادئ اللازمة للحياة الأخلاقية في تركيب منسجم، بحيث تجعلها جميعًا تتجه نحو الوسط العادل. ولنعد إلى موضوعنا، ولنفترض أن شعورًا واضحًا بالخوف أو بالرجاء يمكن أن يولد لدى المؤمن طاعة نفعية، عن طريق توقع السلام الموعود. فلسوف نقول إذن بأن ما تقوم به الإرادة لتحويل هذه الغاية الوجودية إلى غاية إرادية، أي: لتجعل منها دافعًا للعمل -هذا التحويل يخلق بلا شك علاقة جديرة، أو مسافة معينة بين وجهة نظر المشرع، ووجهة نظر الذات.

стр. 561

ولما كانت هذه المسافة لا يمكن تجنبها تقريبًا في الأنفس الضعيفة، فإنها لا يمكن أن تنشئ جريمة أخلاقية، وإنما هي من قبيل اللمم الذي يغفره أي شرع عادل، وإن كان يعريه من أية قيمة إيجابية. ولقد رأينا كيف يعرف الغزالي "النية الحسنة" بالمعنى الرفيع للكلمة، ثم هو يتحدث بعد ذلك عن هؤلاء الذين يدفعهم إلى الطاعة خوف العقاب، أو إغراء الثواب، فيقول: "الحقيقة ألا يراد بالعمل إلا وجه الله تعالى، وهو إشارة إلى إخلاص الصديقين، وهو الإخلاص المطلق، فأما من يعمل لرجاء الجنة، وخوف النار فهو مخلص، بالإضافة إلى الحظوظ العاجلة، وإلا فهو في طلب حظ البطن والفرج، وإنما المطلوب الحق لذوي الألباب وجه الله تعالى فقط"١. إن البحث عن السعادة المقبلة ليس سوى حالة خاصة لمفهوم أكثر عمومًا، هو السعي إلى غايات ذاتية، وصفناها بأنها مشروعة، ولكنها مبتذلة، وقلنا: إن الشرط في هذا التقدير "الوسط" ألا تكون الإرادة مدفوعة إلى الموضوع المراد، مستقلة عن الشرع، بل بناء على موافقة ضمنية على الأقل بأن تتابع السعي في هذا الموضوع، بهذا العمل أو ذاك. ولنضف هنا شرطًا آخر يظل خفيًّا بعض الشيء، وغير محدد بصورة كافية. فلكي نستحق هذا التقدير "الوسط" يجب كذلك أن يكون التأثير الذي يمارسه القانون الأخلاقي على هذه الإرادة النفعية ذا طابع "مقيد ومحدد" لا أكثر ومعنى هذا: أنه يمنعها من أن تمضي إلى ما وراء الغاية المقصودة، ولكنه لا يقدم لها أي سبب صالح لتشجيعها على العمل، وإلا

стр. 562

فإن الإرادة تسترد اعتبارها، كما ينظر إلى النية على أنها حسنة من الناحية الأخلاقية. والواقع أنه ما دامت الإرادة لا تمسك من الموضوع المراد سوى كونه مباحًا، فكيف يتسنى لها أن تتجه نحو هذا الموضوع، بله أن تتجه إلى عكسه "الذي هو أيضًا مباح افتراضًا"، لو لم تكن مدفوعة بأشياء خارج الشرع، كالميل، أو العادة؟ إن الشهوة، حتى لو كانت مقيدة بالقاعدة، هي دائمًا شهوة، ولذلك نعد من باب التافه المبتذل ذلك السعي إلى الخير الشخصي، عاجله وآجله، بل هو فقط من باب المباح. ولن يكون الأمر كذلك حين تكشف الإرادة من وراء اللامبالاة الظاهرية التي يبديها القانون، أسبابًا إيجابية "تجعل العمل أفضل من الامتناع, من الناحية الأخلاقية" فتسعى هذه الإرادة إلى الموضوع، لا من حيث هو مشبع لشهوة، بل من حيث إن هذا الإشباع سوف يكون فرصة لخير أخلاقي ندب إليه الشرع. وإليكم أمثلة مستقاة من السُّنة النبوية: ١- الكسب: وذلك أن النشاط المنظم في اكتساب خيرات الأرض تتغير قيمته، تبعًا للهدف الجوهري الذي يختطه لنفسه، وتبعًا للروح التي تحركه. فإذا كان الهدف هو الفرح بالتملك، وإمكانية التمتع بالحياة دون تعثر، فإنه يظل متوجهًا إلى الفطرة، ولا يستحق أكثر من أن يوصف بأنه

стр. 563

"لا بأس به". ومن هذا الباب قوله, ﷺ : "لا بأس بالغنى لمن اتقى" ١. فأما إذا كان في مصدر هذا النشاط نظرة نزيهة، وإذا كان العامل يتحرك متطلعًا إلى نظام أفضل في توزيع السعادة العامة، وهو نظام يرجو أن يسهم فيه بهذا النشاط، سواء بأن ينسى نفسه، أو بأن يعتبرها فردًا في هذا النظام الشامل، حينئذ تصبح النية جديرة بالتقدير والثناء، بعد أن كانت نية مبتذلة، وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ فيما رواه أبو سعيد الخدري: "فنعم صاحب المسلم، ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل" ٢. ولعلنا نتذكر هنا ما سبق من قوله ﵊ بشأن الخيل أنها: "لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر" ٣. ٢- الكماليات: وهذه القيمة ذاتها يمكن أن يوصف بها الاستعمال المعتدل لأدوات الترف والرفاهية بعامة٤، وذلك إذا كنا لا نتصور هذه الكماليات على أنها تجيب عن تطلعنا، وتشبع حاجتنا الفطرية، بل بحسبانها إحسانًا ترتضيه العناية الإلهية، إلى جانب أن الرضا بها يجعلنا موافقين لمشيئتها: "إن الله جميل يحب الجمال" ٥، ومعترفين -في الوقت نفسه- بفضلها: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" ٦.

стр. 564

فإذا أخذت المسألة على هذا النحو لم يكن الاستمتاع المعتدل بما وهبنا الخالق من عناصر الطبيعة -مباحًا فقط، ولكنه يصبح مندوبًا إليه، من حيث إنه يتيح لنا أن نبرهن على شكرنا للمنعم المتفضل. ٣- الاستثناءات: فالحرمان الإرادي مما مكننا الله منه يشبه إذن أن يكون اعتراضًا سيئًا وغير مهذب على على مقاصد الفضل الإلهي، ويصدق، هذا بخاصة على الحالات الاستثنائية التي يريد الشرع أن يوفر علينا فيها مواجهة بعض الصعوبات، فهو يحدث بعض الاستثناءات للقاعدة العامة: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه" "أو" "كما يكره أن تؤتى معصيته" ١. فمن استعمل هذه الاستثناءات، بروح النظام والموافقة الكلية، لا على سبيل الترف والتفريط -فإنه يرتقي إلى ما فوق مرحلة براءة العوام، وهو يبرهن بذلك على تواضعه، وخشوعه أمام الله، حين يقر بعدالة كل إجراء رحيم، من لدنه، باعتباره تلطفًا إلهيًّا بضعفنا الإنساني. وبعكس ذلك، فإن من يزعم لنفسه القوة على تحمل المشقة، وعلى التزام الإجراء الصارم، الذي يتقرر في الظروف العادية أوشك أن يقول لله: "إنني أستطيع أن أستغني عن رحمتك". ٤- اللعب: هل هناك ما هو أكثر ابتذالًا وتفاهة في نظر الحكمة القرآنية من اللعب

стр. 565

واللهو؟ وكلما أراد القرآن أن يضع من شأن الحياة الدنيوية، وأن يحقرها -هل استعمل في ذلك سوى أن يصفها بهذين اللفظين: لعب ولهو؟ ومع ذلك، فإن النبي ﷺ يتحدث عن بعض الألعاب الرياضية "كالرمي، وتربية الخيل"، وهي ألعاب ذات قيمة، فقال عن عثمان, ﵁: "كل شيء ليس من ذكر الله فهو لعب ولهو، إلا أن يكون أربعة: ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشي الرجل بين الغرضين، وتعليم الرجل السباحة" ١. وكما قال بعض الصحابة: من حكم علي, ﵁: "روحوا القلوب؛ فإنها إذا أكرهت عميت"، ومن أقوال أبي الدرداء: "إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو، فيكون ذلك عونًا لي على الحق"٢. لقد كانوا يرون أن من الخير أحيانًا أن يريحوا أنفسهم ببعض اللهو، حتى يشحذوا أذهانهم، ويستردوا طاقاتهم اللازمة لاستئناف النشاط الأخلاقي بالمعنى الصحيح. من هذا كله تنبع نتيجتان واضحتان في الأخلاق الإسلامية: الأولى: أن في هذه الأخلاق منطقة وسطى، بين الحسن والقبيح. والثانية: أن تدخل النية الحسنة يجعل الأعمال المباحة أو المسموح بها فقط، أو حتى الأعمال التي قلما ندب إليها الشرع بعامة -يجعلها حسنة وجديرة بالثناء.
следующие страницы →