ولما كانت هذه المسافة لا يمكن تجنبها تقريبًا في الأنفس الضعيفة، فإنها لا يمكن أن تنشئ جريمة أخلاقية، وإنما هي من قبيل اللمم الذي يغفره أي شرع عادل، وإن كان يعريه من أية قيمة إيجابية.
ولقد رأينا كيف يعرف الغزالي "النية الحسنة" بالمعنى الرفيع للكلمة، ثم هو يتحدث بعد ذلك عن هؤلاء الذين يدفعهم إلى الطاعة خوف العقاب، أو إغراء الثواب، فيقول: "الحقيقة ألا يراد بالعمل إلا وجه الله تعالى، وهو إشارة إلى إخلاص الصديقين، وهو الإخلاص المطلق، فأما من يعمل لرجاء الجنة، وخوف النار فهو مخلص، بالإضافة إلى الحظوظ العاجلة، وإلا فهو في طلب حظ البطن والفرج، وإنما المطلوب الحق لذوي الألباب وجه الله تعالى فقط"١.
إن البحث عن السعادة المقبلة ليس سوى حالة خاصة لمفهوم أكثر عمومًا، هو السعي إلى غايات ذاتية، وصفناها بأنها مشروعة، ولكنها مبتذلة، وقلنا: إن الشرط في هذا التقدير "الوسط" ألا تكون الإرادة مدفوعة إلى الموضوع المراد، مستقلة عن الشرع، بل بناء على موافقة ضمنية على الأقل بأن تتابع السعي في هذا الموضوع، بهذا العمل أو ذاك.
ولنضف هنا شرطًا آخر يظل خفيًّا بعض الشيء، وغير محدد بصورة كافية. فلكي نستحق هذا التقدير "الوسط" يجب كذلك أن يكون التأثير الذي يمارسه القانون الأخلاقي على هذه الإرادة النفعية ذا طابع "مقيد ومحدد" لا أكثر ومعنى هذا: أنه يمنعها من أن تمضي إلى ما وراء الغاية المقصودة، ولكنه لا يقدم لها أي سبب صالح لتشجيعها على العمل، وإلا
стр. 562
فإن الإرادة تسترد اعتبارها، كما ينظر إلى النية على أنها حسنة من الناحية الأخلاقية.
والواقع أنه ما دامت الإرادة لا تمسك من الموضوع المراد سوى كونه مباحًا، فكيف يتسنى لها أن تتجه نحو هذا الموضوع، بله أن تتجه إلى عكسه "الذي هو أيضًا مباح افتراضًا"، لو لم تكن مدفوعة بأشياء خارج الشرع، كالميل، أو العادة؟
إن الشهوة، حتى لو كانت مقيدة بالقاعدة، هي دائمًا شهوة، ولذلك نعد من باب التافه المبتذل ذلك السعي إلى الخير الشخصي، عاجله وآجله، بل هو فقط من باب المباح.
ولن يكون الأمر كذلك حين تكشف الإرادة من وراء اللامبالاة الظاهرية التي يبديها القانون، أسبابًا إيجابية "تجعل العمل أفضل من الامتناع, من الناحية الأخلاقية" فتسعى هذه الإرادة إلى الموضوع، لا من حيث هو مشبع لشهوة، بل من حيث إن هذا الإشباع سوف يكون فرصة لخير أخلاقي ندب إليه الشرع.
وإليكم أمثلة مستقاة من السُّنة النبوية:
١- الكسب:
وذلك أن النشاط المنظم في اكتساب خيرات الأرض تتغير قيمته، تبعًا للهدف الجوهري الذي يختطه لنفسه، وتبعًا للروح التي تحركه.
فإذا كان الهدف هو الفرح بالتملك، وإمكانية التمتع بالحياة دون تعثر، فإنه يظل متوجهًا إلى الفطرة، ولا يستحق أكثر من أن يوصف بأنه
стр. 563
"لا بأس به". ومن هذا الباب قوله, ﷺ : "لا بأس بالغنى لمن اتقى" ١.
فأما إذا كان في مصدر هذا النشاط نظرة نزيهة، وإذا كان العامل يتحرك متطلعًا إلى نظام أفضل في توزيع السعادة العامة، وهو نظام يرجو أن يسهم فيه بهذا النشاط، سواء بأن ينسى نفسه، أو بأن يعتبرها فردًا في هذا النظام الشامل، حينئذ تصبح النية جديرة بالتقدير والثناء، بعد أن كانت نية مبتذلة، وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ فيما رواه أبو سعيد الخدري: "فنعم صاحب المسلم، ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل" ٢. ولعلنا نتذكر هنا ما سبق من قوله ﵊ بشأن الخيل أنها: "لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر" ٣.
٢- الكماليات:
وهذه القيمة ذاتها يمكن أن يوصف بها الاستعمال المعتدل لأدوات الترف والرفاهية بعامة٤، وذلك إذا كنا لا نتصور هذه الكماليات على أنها تجيب عن تطلعنا، وتشبع حاجتنا الفطرية، بل بحسبانها إحسانًا ترتضيه العناية الإلهية، إلى جانب أن الرضا بها يجعلنا موافقين لمشيئتها: "إن الله جميل يحب الجمال" ٥، ومعترفين -في الوقت نفسه- بفضلها: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" ٦.
стр. 564
فإذا أخذت المسألة على هذا النحو لم يكن الاستمتاع المعتدل بما وهبنا الخالق من عناصر الطبيعة -مباحًا فقط، ولكنه يصبح مندوبًا إليه، من حيث إنه يتيح لنا أن نبرهن على شكرنا للمنعم المتفضل.
٣- الاستثناءات:
فالحرمان الإرادي مما مكننا الله منه يشبه إذن أن يكون اعتراضًا سيئًا وغير مهذب على على مقاصد الفضل الإلهي، ويصدق، هذا بخاصة على الحالات الاستثنائية التي يريد الشرع أن يوفر علينا فيها مواجهة بعض الصعوبات، فهو يحدث بعض الاستثناءات للقاعدة العامة: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه" "أو" "كما يكره أن تؤتى معصيته" ١. فمن استعمل هذه الاستثناءات، بروح النظام والموافقة الكلية، لا على سبيل الترف والتفريط -فإنه يرتقي إلى ما فوق مرحلة براءة العوام، وهو يبرهن بذلك على تواضعه، وخشوعه أمام الله، حين يقر بعدالة كل إجراء رحيم، من لدنه، باعتباره تلطفًا إلهيًّا بضعفنا الإنساني.
وبعكس ذلك، فإن من يزعم لنفسه القوة على تحمل المشقة، وعلى التزام الإجراء الصارم، الذي يتقرر في الظروف العادية أوشك أن يقول لله: "إنني أستطيع أن أستغني عن رحمتك".
٤- اللعب:
هل هناك ما هو أكثر ابتذالًا وتفاهة في نظر الحكمة القرآنية من اللعب
стр. 565
واللهو؟ وكلما أراد القرآن أن يضع من شأن الحياة الدنيوية، وأن يحقرها -هل استعمل في ذلك سوى أن يصفها بهذين اللفظين: لعب ولهو؟
ومع ذلك، فإن النبي ﷺ يتحدث عن بعض الألعاب الرياضية "كالرمي، وتربية الخيل"، وهي ألعاب ذات قيمة، فقال عن عثمان, ﵁: "كل شيء ليس من ذكر الله فهو لعب ولهو، إلا أن يكون أربعة: ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشي الرجل بين الغرضين، وتعليم الرجل السباحة" ١.
وكما قال بعض الصحابة: من حكم علي, ﵁: "روحوا القلوب؛ فإنها إذا أكرهت عميت"، ومن أقوال أبي الدرداء: "إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو، فيكون ذلك عونًا لي على الحق"٢.
لقد كانوا يرون أن من الخير أحيانًا أن يريحوا أنفسهم ببعض اللهو، حتى يشحذوا أذهانهم، ويستردوا طاقاتهم اللازمة لاستئناف النشاط الأخلاقي بالمعنى الصحيح.
من هذا كله تنبع نتيجتان واضحتان في الأخلاق الإسلامية:
الأولى: أن في هذه الأخلاق منطقة وسطى، بين الحسن والقبيح.
والثانية: أن تدخل النية الحسنة يجعل الأعمال المباحة أو المسموح بها فقط، أو حتى الأعمال التي قلما ندب إليها الشرع بعامة -يجعلها حسنة وجديرة بالثناء.
стр. 566
ولكن إذا كان الأمر كذلك فكيف نفسر هذه الصرامة التي لجأ إليها أكثر الحكماء والنساك في الإسلام؛ ليحرموا على أتباعهم، وأحيانًا على أنفسهم، أن يقبلوا على عمل من قبيل المباح فقط، أو ينتفعوا برخصة، وأن يتخلوا عن نزعاتهم حتى ما كان منها أكثر اتصالًا بالشرع، اللهم إلا في حالة الضرورة القصوى، التي يفرضها الحفاظ على الحياة؟ كيف نفسر هذا؟
والواقع أن منهجهم يتطلب أن يستشير كل فرد هواه، لا لكي يتبعه، بل لكي يأخذ جانب المعارضة منه تمامًا١، وهم يعلنون ضرورة أن يشغل المرء نفسه بواجب جوهري، هو "الواجب"، أو بواجب كمال هو "المندوب"، وهم يرون صراحة أن الإنسان مكلف بأن يقف في مواجهة الأشياء المباحة: "المباحات" -تمامًا كما يقف من الأشياء المحرمات. أليس في هذا خلط لنظامين اهتمت النظرية اهتمامًا كبيرًا بالتفرقة بينهما؟ وهل من المستطاع أن نوفق بين هذا الرأي، وتعاليم القرآن والحديث؟
أما فيما يتعلق بطريقتهم في صوغ تلاميذهم فإن لنا إجابة نستقيها من تعاليم الشيوخ أنفسهم، فهذه الصرامة في النظام، كما يقولون، ليست إلا نوعًا من العلاج يجب أن يفرضه المنتسبون على أنفسهم في مرحلة انتقال، تختلف طولًا وقصرًا، وهي طريقة لتحطيم قوة الشهوة الحسية في أنفسهم، التي تعتبر أقدم النزعات وأرسخها جذورًا في الفطرة الإنسانية، وبذلك يتم التمهيد لسيطرة العقل.
وكلنا يعرف التأثير المشئوم الذي يحدثه في النفس تعود التساهل، فلكي يتم استئصال هذه الرذيلة من أنفس المبتدئين يجب أن يتعاطوا أولًا دواء على
стр. 567
هذا النحو من القسوة. فهم يبرئون المتطرف بالنقيض المتطرف، حتى يعود المرء بعد ذلك إلى الوضع العادي، ومتى ما انطرحت عن نفسه أثقال هذه القوى المناهضة للأخلاق سمح لها بإرخاء العنان لجوارحها شيئًا فشيئًا، إذ كانت مطمئنة منذئذ إلى قدر من النور في القلب، يعصمها من الوقوع في ظلمات الحواس بسهولة.
هذه الطريقة في معالجة نفس المبتدئين في الطريق بقسوة لا تبدو لنا مع ذلك إبداعًا أو ابتكارًا، حين نضعها في مجموع النظم الإنسانية المناظرة لها، فلقد اتبع الناس في كل عصر نفس المنهج كلما أرادوا أن يحدثوا تغييرًا ذا طابع عميق، وهكذا تصنع الأم لتفطم ولدها، كما يفعل المروض ليستأنس الوحوش، ويدرب جوارح الصيد١.
أما فيما يتعلق بالنساك أنفسهم، فلما كان سعيهم إلى اكتساب التطهر بالجهد والجهاد، فليس من المستبعد أنهم قد فرضوا على أنفسهم هذه القساوة في بداية٢ مضمارهم. لكنهم إذا تخطوا هذه المرحلة التعليمية يتبعون بصفة عامة المسيرة العادية، ولا يلجئون من بعد إلى هذا التكلف.
стр. 568
وإذا كنا أحيانًا نراهم في أثناء مرحلتهم النهائية يمتنعون عن عمل مباح فلا ينبغي أن نرى بالضرورة في هذا الامتناع حرمانًا مفروضًا، أو تحريمًا إراديًّا لما يجيزه الشرع؛ وذلك لأن لدينا تفسيرين لتزكية سلوكهم: فإما أنهم لم يشعروا بحاجتهم إلى استعماله، فهم يختارون أحد النقيضين المباحين على سواء، وإما أنهم لانشغالهم بمراقبة حركة القلب، وتوجيهها إلى خير نية ممكنة -يسقطون العمل الذي تحركهم إليه نية مبتذلة، مؤثرين عليه عملًا آخر، لا يرتابون في قيمته الأخلاقية، على ما ذكره الغزالي: "من حضرت له نية في مباح ولم تحضر في فضيلة فالمباح أولى، وانتقلت الفضيلة إليه، وصارت الفضيلة في حقه نقيصه؛ لأن الأعمال بالنيات، وذلك مثل العفو، فإنه أفضل من الانتصار في الظلم، وربما تحضره نية في الانتصار دون العفو فيكون ذلك أفضل"١، أي: إن اختيارهم قد يختلف من حالة إلى أخرى، تبعًا للجهة التي تملي عليهم بالفعل دافعًا أرقى، وهو موقف شريف، ومعقول تمامًا، حينما تكون هنالك فرصة للعمل، ولكنه لا يكون كذلك حين تقتضي الظروف عملًا سريعًا؛ لأنه حينئذ يجب أن نميز بين واجبين أداء: أن نعمل، وأن نكون على نية حسنة، فإذا لم يبلغ المرء أن يحقق الثانية،
стр. 569
فهل من سبب يدعوه إلى إهمال كل شيء؟ ١.
وإذن فإن حكماءنا، في انتظارهم وبحثهم عن القيمة العليا، لم يذهبوا مطلقًا إلى حد اللامعقول. أليس من التناقض الأخلاقي في الواقع أن نترك الشر يستشري، في انتظار المثل الأعلى؟
لا شك أن من الشجاعة، والشهامة والرجولة، أن نتحمل -كما ينبغي- ضراوة الجوع عندما تفرضها علينا ضرورة أخلاقية أو طبيعية، ومن الجميل والجليل أن يعاني المرء تجربة العزوبة العفة؛ فذلك أحرى من أن يوقعه الزواج في سوء أخلاقي.
وإن القرآن ليدعونا إلى هذا الجلد والتحمل والمصابرة، حتى في الآيات التي يمنحنا فيها الرخص. ولكن للامتناع حدودًا يصبح التصلب والمكابرة من ورائها، لا أقول: نكالًا يرفضه الشرع فحسب، بل أمرًا ضد إرادة الله ورضاه.
ومن المفيد أن نرى كيف تتعاقب هذه الأفكار الثلاثة في نفس الفقرة القرآنية: ١- الإباحة٢- النصيحة بالصبر والجلد ٣- استبقاء الرفق،
стр. 570
وذلك في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ .... ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ .... ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ ١ وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ ... ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ... ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ ٢.
والحكيم المسلم لا يستطيع أن ينكر هذه الدرجات، وإذن، فهو عندما ينظر إلى درجة من الأخلاقية أرفع، على أنها واجب حتم، يعلم علم اليقين أن دونها مكانًا يجوز له أن ينزل إليه، ويجب عليه أن يلجه عند الضرورة؛ لأن التصلب العنيد الذي يقف ضد الفطرة حتى النهاية هو بلا ريب جريمة ولذلك قال مسروق: "ومن اضطر إلى شيء مما حرم الله عليه، فلم يأكل، ولم يشرب حتى مات دخل النار"٣.
إننا لا نملك مطلقًا أنفسنا؛ لا نملك أن ننفقها، ولا نملك أن ندخرها، وحينما يطلب الشرع الأخلاقي منا تضحية معينة يجب علينا قبولها عن طواعية ورضاء، فلماذا نكون ملكيين أكثر من الملك حين يعفينا منها؟ إن الامتثال لأمر الفطرة بوساطة أمر الشرع الأخلاقي هو الذي يؤدي قطعًا إلى النية الباسلة، ولكن لا حرج علينا أن نمتثل لهذا الأمر بموجب الرحمة لذاتها، حين يبيح لنا الشرع ذلك. وكل ما يمكن أن يؤخذ على هذا السعي إلى غايات ذاتية مشروعة هو أنه ليس فيه من الأخلاقية سوى طابعها السلبي.
ولكن، قد يقال لنا: إنك قسمت غايات الإرادة إلى مجموعتين: موضوعية، وذاتية، وبعد أن قصرت القيمة الأخلاقية على الإرادة التي يكون هدفها غاية موضوعية، قسمت الغايات الذاتية إلى مشروعة، وغير مشروعة،
стр. 571
ومن ثم ينتج أن أفضل ما ترتضيه لنية ذاتية هو أن تكون بريئة، أو جائزة. أفلا توجد إذن غايات تتصف بكونها ذاتية، وهي إلى جانب ذلك ذات قيمة باعتبارها ذاتية؟ وألا يقلل هذا دائمًا من قيمة كل منفعة شخصية، فينحط بها إلى أدنى درجات الأخلاقية، إن لم يجعلها موضع الاتهام العقيم، وبحيث لا تستطيع على كل حال أن تنشئ دافعًا صالحًا؟
أما فيما يتعلق بالنفع الحسي، الذي لا يتصل بوصفه كذلك بالأخلاقية إلا من بعيد فإني أوافق على أن يوصم بهذا النقص، ولكن هنالك أيضًا نفعي الأخلاقي، بالمعنى الصحيح، فهل ترى أن تحمله قدر الخير الحسي نفسه، فتقصيه أيضًا من مجال المبادئ المحددة للإرادة على وجه مقبول؟ وإذا كنت أهتدي، حين أقبل على أعمالي الفاضلة، برغبتي في أن أكتسب الصفات الراسخة لنفسي: طهارة قلبي ونور عقلي، وقوة إرادتي -فهل يمكن القول دون تعارض في الحدود بأن الإرادة التي تسعى إلى خيرها الأخلاقي لا تتحرك بنية أخلاقية حسنة؟
ونجيب عن ذلك: بأنه يجب أن نعلم أن الأخلاق العقلية، كأخلاق قدماء الإغريق، والرواقيين منهم بخاصة، ترى في نية كهذه أنها ليست حسنة، فحسب، بل هي أفضل ما يمكن تحقيقه، وإذا كان جوهر النفس هو معرفة الحقيقة، وملازمة الفضيلة، وإذا كان أكمل الأعمال في كل شيء -من ناحية أخرى- هو العمل الذي يهدف إلى تحقيق كمال جوهره -فيجب أن نستنتج من ذلك أن المبدأ الأخير في الأخلاقية لا يمكن أن يكون غير البحث عن هذا الكمال.
ويجب أن نؤكد فضلًا عن ذلك أن من المستحيل من وجهة نظر الأخلاق القرآنية أن نقابل بين هذين النوعين من الخير الشخصي؛ لأنه على حين يقدم القرآن لنا مسألة البحث عن الرفاهية المادية على أنها مجرد أمر مباح، فإنه
стр. 572
لا يقتصر على أن يجعل من طهارة القلب شرطًا للسلام والسعادة الأبدية فحسب، ولكن عنوانًا ذا قيمة للاكتساب، والاجتهاد الذي لا يفتأ يستثير جهدنا إليه، واقرأ إن شئت قوله تعالى تعبيرًا عن المعنى الأول: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ١، وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ ٢ -ثم اقرأ عن المعنى الثاني قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ٣، وقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٤، وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ ٥.
وإذن، أليس من الواجب أن نجعل من هذا النوع من الخير الشخصي استثناء من القاعدة العامة؟
ومع ذلك، فعلى الرغم من كل الاعتبارات التي تنتصر لمصلحة هذا الاستنتاج -فإنا نعتقد أن في مبدأ "الكمال" غموضًا، ومن ثم، عجزًا عن أن يكون في ذاته، وبمفرده، الباعث الأخلاقي الأسمى.
والواقع أنه يحدث غالبًا أن ننشد الكمال في صفاتنا العليا، العقلية والأخلاقية، لا ننشدها لذاتها، بل لكي نحصل بكمالها على شيء من المرونة، وسرعة العمل، وعلى كفاءة أحسن، دون أن نتطلب من أجل هذا أن تخضع ممارستها لقاعدة الواجب خضوعًا دقيقًا، وفي هذه الحالة لا يعتبر.
стр. 573
الكمال في نظرنا غاية في الواقع، بل وسيلة لبلوغ غايات أخرى، يجب أن ينظر إليها بدورها بعين الاعتبار، حتى نحسن الحكم على قيمتها، تبعًا للمقياس الأخلاقي.
وحتى عندما نرى في هذا الكمال غاية أخيرة، بقطع النظر عن كل ما تبقى، فهل يكون عملنا حينئذ سوى إشباع هذا الميل الفطري الذي يقضي بأن على كل كائن أن يحقق كمال جوهره؟
وهذا الجوهر المثالي، النقي أكمل ما يكون النقاء، والذي نتخذه نموذجًا هل يمثل بالنسبة إلينا شيئًا آخر سوى أنه موضوع اهتمام فني؟ وليس بخاف أنه لا الغريزة، ولا ذوق الفن، من مبادئ الأخلاق، ولا يمكن أن تكون كذلك، وأقصى ما يمكن أن تبلغه هو أن نظل معها في مستوى البراءة. ولن يكون الأمر على هذه الحال لو أننا تصورنا هذا الكمال في النفس والعقل، لا كتلبية لحاجاتنا أو أذواقنا، بل في علاقته بالقاعدة الأخلاقية، سواء من حيث هو أداء لواجب، أو من حيث هو كفاءة كبرى على أدائه.
وهكذا نستطيع أن نستنتج، برغم التناقض الذي نواجهه في إثبات الاستنتاج -أن جميع الغايات الذاتية المشروعة، مهما اختلفت في ذاتها، لا تختلف بوصفها كذلك، على صعيد النية. ولما كانت قيمتها من هذه الناحية نسبية ومشروطة، فإن المبدأ الأخير للأخلاقية يجب أن يبحث عنه في غاية موضوعية ثابتة، تخضع لها الإرادة دائمًا وتخلص.
من أجل هذا لا نجد في الآيات التي يمجد القرآن بها صنائع الإحسان، يؤديها المتصدقون، بنية تثبيت أنفسهم -لا نجد هذا الهدف المذكور إلا في المحل الثاني، وبوصفه عنوانًا فرعيًّا؛ إذ كانت النية الأساسية ابتغاء وجه الله، وكسبًا لمرضاته، ولاحظ ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
стр. 574
أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ ١.
لقد كان المكي إذن على حق في قوله، وإن كان حديثه عابرًا، ولم يكن فيه ملحًّا على مضمونه، قال: "فتكون نيته في ذلك صلاحًا لقلبه، وإسكان نفسه، واستقامة حاله، وذلك كله لأجل الدين، وعدة الآخرة، وشكرًا لربه تعالى، ودخولًا فيما أحل له، واعترافًا بما أنعم عليه، واتباعًا لسنة نبيه فيه، ولا يكون واقفًا مع طبع، ولا جاريًا على العادة"٢.
فلنتناول الآن دراسة المجموعة الثالثة.
стр. 575
د- النيات السيئة:
كما أنه لا يمكن أن يكون بين نقطتي المكان الإقليدي١ "سوى خط مستقيم واحد"، فكذلك الحال في علاقة ذات التكليف بموضوعه، بوساطة النية -لا يمكن أن "توجد سوى طريق واحد للفضيلة"، هي الطريق التي تبدو فيها نية الذات كاملة، بمعنى أن تكون متطابقة مع قصد المشرع، فإن كانت مطابقة لقصد أمره "أي بدافع الواجب" فهي نية حسنة، وإن كانت مطابقة فقط لقصد عفوه "أي: بالإفادة من هذه الرخصة" -فهي نية مقبولة.
وأي انحراف شعوري وإرادي عن الطريق المرسومة على هذا النحو،
стр. 576
يقضي بالضرورة إلى نية آثمة. ومع ذلك فما أكثر ما نجد خارج هذه الطريق المستقيمة، ما لا نهاية له من الاتجاهات، والمنعطفات، والغوايات!!
وهكذا تقف وحدة مبدأ الأخلاقية في مواجهة مبادئ مناقضة لها، لا تحصى كثرتها، وهو ما أشار إليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ١.
وإذن فلسوف يكون من المجازفة والتخبط أن نشرع في إحصاء كامل لكل الانحرافات، أو حتى أن نجري تصنيفًا عامًّا لمختلف أنواع هذه المجموعة.
ولما كانت طبيعة الموضوع لا تقبل تنظيمًا دقيقًا على هذا النحو، فإننا نقتصر على إبراز الحالات الواضحة، التي ركز عليها القرآن والحديث تركيزًا خاصًّا، وهي: نية الإضرار، ونية التهرب من الواجب، ونية الحصول على كسب غير مشروع، ونية إرضاء الناس "الرياء".
١- نية الإضرار:
من المعروف، على الصعيد الاجتماعي، أن الشريعة الإسلامية قد اتخذت مجموعة من الإجراءات، التي لو طبقت تطبيقًا أمينًا لأدت -دون أي تقصير- إلى خلق مجتمع قوي وسعيد متضامن ومزدهر، تحكمه العدالة والرحمة في آنٍ.
ولكنا نعلم من ناحية أخرى أن أفضل شرائع العالم تصبح عاجزة، إذا فقدت الإرادة الطيبة لدى الناس، الذين تنطبق عليهم، أو الذين دعوا إلى تطبيقها.
стр. 577
إن أفظع طريقة لتخريب أية شريعة لا تتمثل في أن تواجهها مقاومة شرسة، أو أن يغفل العمل بها: فلقد يكون هذا طريقة أخرى لاحترام قداستها، بألا تدنس طهارتها النظرية، وبحصر العمل بها في أكثر الأيدي نزاهة، وهو فضلًا عن ذلك يتركها للزمن، ليبرهن على إحكامها، عندما يسمح بتطبيقها.
ولكن أسوأ المواقف وأضرها بشريعة ما -هو أن نتظاهر في مواجهتها بمظهر الورع، محترمين حروفها بكل عناية، وإن كنا نتفق على تغيير هدفها فنجعلها ظالمة مقيتة، بعد أن كانت محسنة ذات فضل على الناس. فذلك هو ما أطلق عليه القرآن، بمناسبة بعض المصالحات الزوجية التي يلفها سوء النية -أنه: "اتخاذ آيات الله هزوًا"١.
وإليك الحالة: فنحن نعلم كم يحاول القرآن بكل الوسائل المعقولة أن يبقي على هذا الرباط المقدس بين الزوجين، وأن يوثقه. فهو أولًا يوصي الرجال بأن يعاملوا النساء معاملة إنسانية متى شعروا نحوهن بالنفرة: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ٢.
ثم هو ينصح الزوجات بأن يطعن أزواجهن، حتى لو اقتضى ذلك بعض التنازلات: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ ٣. ثم هو أخيرًا يدعو الطرفين
стр. 578
-في حال عجزهما عن إقرار أمرهما فيما بينهما- إلى أن يعرضا النزاع على التحكيم، لدى أعضاء من أسرتيهما، حتى يحاولا تحقيق مصالحة بين الزوجين: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ ١.
وأكثر من ذلك، أنه إذا أخففت كل هذه الجهود المصلحة، وأصبح الطلاق أمرًا مقررًا -يمنح القرآن الزوج مهلة، يعيد خلالها تدبر الأمر: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ ٢، فإذا ما نشب نزاع للمرة الثانية، ووقع فيها طلاق ثانٍ، فإن القرآن يمنح الزوج مرة أخرى فترة مماثلة للأولى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ٣، وبحيث لا يصبح الافتراق نهائيًّا إلا في الطلاق الثالث.
وينبغي أن نعترف بأن روح الحرص على الرباط الزوجي لا يمكن أن تكون أكثر تصلبًا إلا إذا ضادت الفطرة وناهضتها، وعليه فإن كل هذه المحاولات لتدارك الرباط الزوجي، ورأب صدعه، ليس الهدف منها توحيد عنصرين متنافرين بأي ثمن، على حين أنهما لا يتقاربان إلا ليتعارضا. وإنما هي على العكس، تفترض إمكان قيام حياة أسرية تأخذ مجراها العادي، بعد أن انتهى العارض، وهدأت الخواطر. والقرآن يشترط صراحة للعودة إلى الاتحاد الزوجي أن يكون كل من الزوجين آملًا أن يؤدي واجباته بأمانة: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ ، و ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ ٤.
ومع ذلك فإن خبث الرجال الحاقدين يبغي أن يسيء استخدام هذا
стр. 579
الحق، الممنوح لهم، فيجعلوا منه أداة إعنات وظلم لأزواجهم، فهم بتأخيرهم اختيارهم خلال المدة المخصصة لهم، وبعدم نطقهم إلا في اللحظة الأخيرة، يعودون في نهاية الأمر إلى نسائهم، لا على أساس نسيان الماضي، ولا بنية خلق جوٍّ صحي، لحب جديد، بل بقصد تطليقهن من جديد، ثم إمساكهن معلقات على هذا النحو، لا لشيء إلا لإطالة قيود سراحهن، فيمنعونهن بهذا القيد الظاهر من أن ينشئن زواجًا آخر، قد يجلب لهن قدرًا أكبر من السعادة والقرار.
في مواجهة هذه النيات الآثمة يحذر القرآن الرجال، في مواضع كثيرة وأحيانًا يستخدم ألفاظًا عنيفة، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ١.
وقد وجه القرآن إنذارًا مماثلًا إلى الموصين الذين يقصدون بمساعدة المنتفعين بوصاياهم، أن يحرموا وارثيهم الشرعيين، فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارّ﴾ ٢.
فمن هذه الأمثلة القرآنية، التي تشركها أمثلة أخرى كثيرة٣، استنبط النبي, ﷺ -دون ريب- هذه القاعدة الشاملة، التي أثبت بها تكليف كل مسلم، بأنه: "لا ضرر ولا ضرار" ٤.
٢- "نية التهرب من الواجب":
بيد أن هناك طريقة أخرى للتحايل على الشرع، وذلك بأن نضيع شروط تطبيقه، عندما نثير مفاجأة يحتمل أن تغير المغزى الشرعي للظروف، وهكذا لاتدخل تحت القاعدة.
стр. 580
هنا لا تكون نية المثير أساسًا عدوانية، حتى لو نتج عن هذه الحيلة بعض الأضرار بالنسبة إلى الآخرين، فهو لم يسع في ضررهم، بل سعى إلى فائدته الخاصة.
هذه الأنانية التي يفرضها على الناس حبهم المفرط للأعراض الدنيوية -قد تبدو في صروتين، إحداهما: يمكن أن تكون "سكونية" "إستاتيكية" أو "محافظة"، والأخرى "حركية" "ديناميكية" أو "محتكرة". وأقل أنواع الأنانية نشاطًا هي تلك التي تحمل الإنسان على أن ينطوي على نفسه، فتجعله قليل الإيثار، قليل الإحسان، ضنينًا بما يملك؛ على حين أن الأنانية الجشعة الجامحة لا تقنع بوضعي سلبي، وإنما تمعن في جمع المكاسب والمنافع بكل وسيلة.
والحيل في الصورة الأولى معروفة جيدًا في الشريعة الإسلامية، كما عرفت نظمها، وإنا لنجدها مستفيضة في باب فريضة الزكاة، ومن الوسائل البسيطة للتهرب بالخديعة من هذا الواجب المقدس، عند اقتراب موعد جباية الأموال، أن يمزق المالك رأس ماله بالمصروفات، والقروض، والاتفاقات والعقود، بحيث يجعله أقل من الحد الأدنى للنصاب المفروض.
فماذا يكون رد فعل الشرع في مواجهة مثل هذه العمليات؟
هذا يتوقف على النية التي يعمل بها المالك، فإن كان يصدر في هذه التصرفات عما تقتضيه الحاجة الواقعية، أو تحت ضغط ظروف غير مستثارة -فلا لوم عليه من الناحية الأخلاقية، وليس ذلك فحسب، بل هو من الناحية الشرعية بريء معفو عنه. وأما إذا كان يفعل ذلك صراحة ليهرب من التكليف بدفع زكاته، فالناتج عكس ذلك.
وغني عن البيان أن الذي يتحايل على الشريعة على هذا النحو، فيقتل
стр. 581
روحها -يرتكب دون ريب عملًا من الأعمال المنافية للأخلاق، ولكنه في الوقت نفسه يخطئ الحساب، حين يظن أنه يستطيع أن يهرب بهذه الحيلة من التكليف الشرعي.
وجميع الفقهاء متفقون في الرأي حين يظهر سوء النية في أحداث واضحة، هي عود الظروف العادية بمجرد مضي الحول.
أما في حالة العكس، أعني: إذا لم تعد الأموال المتصرف فيها إلى ملكيته، فهل نؤثمه، أو نبرئه؟
مسألة فيها نظر، فعلى حين يعفيه "اللخمي" و"أبو حنيفة" من الزكاة، بتفسير حالة الشك لمصلحته، وترجيح براءته ابتداء -يرى الآخرون في هذا التوافق بين العملية وحول الزكاة دليلًا كافيًا على الغش والخداع.
وعلى هذا النسق نجد حيلة أخرى، تتمثل في تجميع رءوس أموال كثيرة، أو قطعان تخص أشخاصًا مختلفين، "وقد تكون الحيلة متمثلة، وفقًا لأفضل المنافع، في فضل رأس مال مشترك" بقصد تجنيب كل منهم إلزامًا ثقيلًا.
ولقد حرم الحديث الشريف صراحة هذه الطريقة في الزيغ عن القاعدة وتنكبها، فعن أنس, ﵁: "أن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة"١.
وبقيت بعض المنافذ التي يمكن أن يتصورها، وينجح فيها أولئك الأغنياء
стр. 582
قساة القلوب، حتى يتهربوا من العدالة الإنسانية، فهل بوسعهم أن يكونوا مطمئنين إلى الهروب بهذه الوسائل من العدالة الأبدية؟
لقد ساق القرآن لنا في هذا الموضوع عبرة: فإن أصحاب الجنة أقسموا عشية الحصاد أن يذهبوا إليها مبكرين، خفية، حتى لا يلفتوا إليهم انتباه المساكين، وبذلك يطرحون عن كاهلهم عبء اقتطاع جزء محتمل من ثرواتهم، ويا لها من مفاجأة سيئة طالعتهم حين وصلوا إلى جنتهم، لقد طاف على ثمراتها جميعًا طائف العذاب الرباني، فدمرها وهم نائمون١.
٣- "نية الحصول على كسب غير مشروع":
ويكثر استعمال هذه الوسائل المنحرفة بصورتها الثانية، في الحياة اليومية لبعض رجال الأعمال، المهتمين بإنقاذ مظهر الشرعية.
ولسنا مهتمين هنا بذكر المناهج الخادعة التي يستخدمها صناع وتجار دون تحرج، حتى يخفوا معايب سلعهم، ويرفعوها إلى ما ليست به في الواقع، فتلك مفاسد كبيرة، ذكرت كثيرًا في الأحاديث، ويكفي أن يعارضها الأمر الصريح في القرآن، وهو الأمر الذي يتطلب في كل اتفاق توفر الرضا الكامل لدى الطرفين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ٢.
стр. 583
وهذا التراضي يفترض، في الواقع، أن يكون كل شيء في القضايا مستمدًّا من الشرع صراحة. وبهذه الشرعية في كل شيء, وتجاه كل شيء -يحدد رسول الله ﷺ معنى الإيمان في قوله: "الدين النصيحة، لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" ١.
وأكثر تحايلًا من ذلك، تلك الطرق التي يصطنعها لأنفسهم أولئك المثقفون ثقافة قانونية، فهم على الرغم من تكلفهم احترام الشريعة، وحرصهم على أن لا يصادموا حروفها -يحاولون أن يجدوا فيها مخرجًا جانبيًّا يشبع أنانيتهم، ولقد أشار الحكيم الترمذي في كتاب "الأكياس والمغترين" إلى عدد من هذه الحيل:
منها: القاضي الذي يتقبل بعض الأشياء من أطراف النزاع على أنها "هدية" على حين لم يؤتها إلا بوصفه قاضيًا، ولم تقدم إليه إلا كرشوة.
ومنها: المدين الذي يرجو دائنه أن يعطيه مخالصة عامة من كل ما يمكن أن يحاسبه عليه، دون تحديد "تاركًا الأمر في نطاق الغموض، ولكن المخالصة التي يظفر بها لا صحة لها أبدًا عند الله".
ومنها: الزوج الذي تنازل له امرأته عن جزء من مالها، كيما تتفادى سوء المعاملة من ناحية زوجها، "فهذا الصنيع لا يمكن أن يعتبر بالاختيار الكامل، بل هو أدنى من أن يكون عطية عن طيب نفس، على ما اختار القرآن أن يعبر به على وجه الاشتراط، في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ "٢.
стр. 584
وينبغي أن نوغل في التاريخ إلى العصر اليهودي لنجد حالات نموذجية من هذه الحيل الملتوية، التي تذهب، في سبيل ضمان انتظام السلوك، إلى حد أن تبدأ بتحريف القاعدة ذاتها، وتشويهها، وطيها بطريقة أو بأخرى، حسب الشهوات، ولقد أشار القرآن إلى بعض هذه الألاعيب التي حاول بنو إسرائيل أن يعثروا عليها حتى يستبيحوا الصيد، يوم السبت، دون أن يرتكبوا إثمًا، وهو قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ١.
ويحكي لنا الحديث قصة أخرى، هي قصة الشحم الذي كان محرمًا عليهم، فامتنعوا عنه قاعدة، وباعوه تجارة، قال عطاء: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: سمعت النبي ﷺ قال: "قاتل الله اليهود، لما حرم الله عليهم شحومها، جملوه ثم باعوه، فأكلوها" ٢.
ولنا أن نستنتج من ذلك أنه عندما يحرم الله شيئًا فإنه يحرم في نفس الوقت تملك ثمنه، ولذلك ذم الإسلام كسب السحرة والكهنة، والفواجر، ففي صحيح البخاري: "وكره إبراهيم أجر النائحة والمغنية" وقول الله تعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ -فتياتكم: إماؤكم- وعن ابن مسعود الأنصاري, ﵁ "أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن٣.
стр. 585
وهناك حالات كثيرة أخرى تعاطاها الناس على رغم الشرع، في المجتمعات الإسلامية، وهي مدروسة في كتب الشريعة الإسلامية، تبعًا لمختلف المذاهب.
وإذا كان من الواجب أن نعترف بأنه إن كان الفقهاء لم يجمعوا على عدم شرعية هذه الحيل، فيجب ألا ننسى أيضًا أن الذين أقروها لم يكن هدفهم أن يثبتوا لها الطابع الإخلاقي، وينفوا بذلك الشكوك عن فاعليها.
ولنأخذ -أو بالحري: لنعد إلى- مثال عقد المخاطرة: أو بيع العينة، وهو تلك الحيلة المعروفة التي يحاول بها إخفاء وجه الربا القبيح، والتي نعى باسكال PASCAL على اليسوعيين أن يستبيحوها "حتى حين تكون نيتهم الأساسية توخي الكسب"١.
ونحن نعلم أن القرآن يحرم الربا تحريمًا قاطعًا مطلقًا، لا بالمعنى الحديث والمقيد فقط، "وهو الفائدة التي تتجاوز سعرًا معينًا"، بل بالمعنى الأقدم والأوسع للكلمة: وهو كل منفعة مادية أو غير مادية، تؤخذ ممن يقرضون، فالإقراض ليس متاجرة، بل هو معاونة، والعون يجب أن يكون نزيهًا نزاهة مطلقة ويقول تعالى في ذلك: ﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ ٢.
وإذن، فالهدف من عقد المخاطرة تقديم النقود المقترضة في صورة ثمن بيع، وهاكم وصف العملية: فالمقرض يقدم أولًا لمستقرضه سلعة يبيعه إياها بثمن مؤجل أعلى، ثم هو بعد ذلك يشتريها منه نقدًا وبثمن أدنى، بحيث نجدنا -في نهاية العملتين- في نفس حالة الربا الصريح، فالمستقرض يقبض
стр. 586
نقودًا الآن، ويتعهد بأن يرد فيما بعد أكثر مما قبض، وقد استعمل خروج السلعة ودخولها، لتغطية وتلطيف الوقع الحاد للكسب غير المشروع.
ما قيمة هذه السوق في الفقه الإسلامي؟
إن الأمور إذا سارت علنية على نحو ما وصفنا، أعني: إذا كان من المتفق عليه مسبقًا بين الطرفين إعادة بيع ما سبق شراؤه لنفس الشخص فإن اتفاق الفقهاء إجماعي على إبطال هذا العقد، باعتباره عقدًا ربويًّا، ولكن إذا كنا أمام عمليتين متتابعتين، دون أن نلاحظ فيهما توطؤًا، فهل يجب أن نعتبر العمليتين وحدة واحدة؟ أليس من الممكن أن تكون هناك سوقان منفصلتان، يجوز أن تكون ثانيتهما مفروضة, على إثر رجوع المشتري عن رأيه فجأة، بعد فوات الأوان، ندمًا على إبرامه الأولى؟
إن من الصعب أن نحكم بيقين على النية العميقة لدى الناس، ولكن كيف نحكم على قضية من هذا القبيل؟
أما المالكية فيرون أن هذا الكسب غير مشروع، وهو ربًا.
وأما الشافعية فيبيحونه، ويقرونه شرعًا.
فهما حكمان متعارضان، ولكنهما في الحقيقة لا يحكمان في حالة واحدة، في نفس الظروف.
والواقع أنه لو كان ممكنًا أن نكشف ما يجري في فكر المتعاقدين فلربما لم نشهد هذا الخلاف، ذلك أن مالكًا من ناحيته لا يمنع في الظروف العادية أن يبيع المرء مرة أخرى نقدًا، وبسعر أقل، ما سبق أن اشتراه غاليًا وبأجل، والشافعي من جانبه لا يوافق على أن يجعل المرء من هاتين العمليتين مجموعًا يستهدف به الربح الدنس قصدًا ونية.
стр. 587
والمشكلة التي طرحوها كانت على هذا النحو فحسب:
لو أننا علمنا أن أجلي "العمليتين الحاصلتين على وجه الانفصال -لا غبار عليهما، ولكن جمعهما هو الذي يثير الاتهام بأن لدى صاحبيهما هدفًا غير مشروع، فهل يجب أن نحكم ببطلان عقد كهذا، كأنما سوء النية ثابت فيه؟
فالشافعية يرون أنه لا يجوز حمل الناس على التهم١، ولما كانت البراءة هي الأصل، فيجب التمسك بها، إلى أن يثبت العكس، وهو ما رده المالكية فقالوا: ليس الأمر هنا أمر تهمة مطلقًا، ولكنه أمر ملاحظة وإدراك للواقع في مدلولها العقلي، وهو المدلول الذي يصير أيضًا أشد وضوحًا حين يتعلق بما هو من "أهل العينة"٢.
وهكذا تدل الطريقة التي يدور بها النقاش، دلالة واضحة على أن موضوعه لم يكن عملًا افترضت فيه نية الربح عمومًا، وأن المسألة رغم ذلك تنحصر في التسويغ أو التأثيم -ولكن الموضوع انحصر في حالة ملتبسة، بتعين تفسيرها، لنعرف إن كانت تخفي أو لا تخفي هذه النية الآثمة، "وبعبارة أدق: إن كان يجب أن نعاملها على هذا النحو أو لا". فالخلاف كله إذن يدور في خاتمة المطاف حول حكم وجود، لا حكم قيمة، فإن هذا الحكم الأخير لا يرتاب فيه أحد، ولم يكن كذلك، مما يدخل في اختصاص القضاء.
وإليك مثالًا آخر من الأمثلة التي كانت موضوع نقاش من هذا القبيل، ولسوف يكشف لنا الاتجاه العميق الذي أدى إلى هذا الخلاف في النظر وذلك هو الوجه الذي يجب أن نفسر به يمينًا ذات معان كثيرة. فبأي.
стр. 588
مقياس، يتعين علينا، أن نحكم على كذب يمين أو صدقها، أقصد اليمين التي تأتي ضمن رغبة، أو قرار شخصي، بأن يقوم الحالف بفعل شيء، أو تركه لا اليمين التي أديت أمام القضاة١، ولا التي وردت في وعد خاص، حيث يشبهها عدد من الفقهاء، بيمين القضاء؟
أما المالكية فيعتبرون أولًا نية الحالف، في الأيمان التي لا يقضي على حالفها بموجبها، فإن لم يتضح المعنى الدقيق الذي صاغ به الحالف رغبته، أو اتخذ به قراره -وجب الرجوع إلى المعنى الذي يعطيه العرف لهذه الصيغة، في بيئة الحالف، وهم يأخذون الصيغة بمعناها العادي الأكثر شيوعًا، وبذلك يحاولون، من ناحية إلى أخرى، أن يتعرفوا على نية الحالف بكل الوسائل المحتملة، ليحكموا عليه نتيجة هذا التعرف، وهم لا ينتقلون إلى مرحلة أبعد إلا عند استحالة الوقوف عند أخرى أقرب٢.
стр. 589
ويأتي الأحناف والشافعية على النقيض من ذلك تمامًا، فهم قلما يعنون بمثل هذا التفتيش عن المعنى، الذي لا بد أن الحالف أراد أن يعبر عنه، وإنما يدخلون مباشرة في الكلمات المنطوقة، ويتمسكون بمعناها الحرفي، ومن ثم كان على الأحناف أن يصوبوا شرعًا جميع المنافذ والحيل، ما دامت لا تصطدم بحرفية أقوالنا. الأمر الذي جعل ابن حنبل، إمام المذهب السلفي المتشدد، يقول فيهم قولته المشهورة: "عجبت مما يقولون في الحيل والأيمان، يبطلون الأيمان بالحيل"١.
بيد أن أكثر ما يدهش في موقف الأحناف هو أنه قليلًا ما يتسق مع نظريتهم العامة، الكثيرة الاعتماد على العقل. ونحن نعلم كيف كانوا في مواجهة النصوص المقدسة يمتازون بثاقب الفكر، محاولين دائمًا أن يدركوا علتها، ومستعملين غالبًا التعليل بالقياس، وربما أفرطوا في استعماله. ولكنهم حين يتعرضون لتفسير عقد، أو نذر، وبصفة عامة كل ما يقتضي جزاء أو كفارة، فإنهم كانوا يمسكون عن كل تفسير، ويقبلون جميع الوسائل الملتوية، بشرط واحد فقط، هو ألا تتعارض هذه الوسائل مع النص الجامد للقاعدة المقررة.
ومن هنا نفهم الحدة والقسوة لدى أحد علماء المدرسة الظاهرية وهو ابن حزم، حين ذهب إلى حد اتهام أتباع المذهب الحنفي بأنهم لا يشجعون بطريقهم هذه على الرذيلة فحسب، بل إنهم يعلمون المجرمين كيف يرتكبون كل ما يريدون، من السرقة، وهتك الأعراض، والإرهاب، وقتل النفس، وهم آمنون من إقامة الحد عليهم، حتى لو أنهم أخذوا في حالة تلبس٢.
стр. 590
ولكي ننصف هذا الفقه، الذي هوجم بشدة -نلاحظ أولًا أن يقوم على وجهة نظر شرعية خالصة. والواقع أن ابن حزم في حدة اعتراضاته لم يمض إلى حد اتهام الحنفية بالرغبة في تسويغ تحايل متعمد على الشرع، فكل ما يأخذه عليهم هو أنهم يفوتون بعض الوقائع الإجرامية دون عقاب، حيث لا وجود -في رأيهم- لبعض شروط العقوبة، وأما كون هذا النقص قد حدث بطريقة طبيعية أو صناعية فشيء لا دليل عليه بداهة، والحنفية لا يريدون أن يفتشوا عنه, وربما كانت هذه نقطة ضعفهم.
стр. 591
بيد أن هذا الرفق فيما يتعلق بتطبيق الجزاءات، في الحالات المشتبهة، يتضح مع ذلك بسهولة، من خلال الشريعة الإسلامية ذاتها.
ألم يحرم النبي ﷺ انتهاك الحق المقدس لكل امرئ في الأمن، إلا بسبب صحيح, وكان من قوله فيما رواه ابن عباس, ﵄: "فإن دماءكم وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام" ١ وإذا كانت هذه المدرسة الحنفية قد شجعها شعور إسلامي عارم، باحترام شخص الإنسان، فقد أرادت إذن أن تلتزم بالبراءة الظاهرة، تاركة مسألة الباطن إلى الضمير الفردي.
أليس كل ما يؤخذ على موقفها هذا هو أنها تمنح مزيدًا من الحرية إلى أولئك الذين لا يحسنون استعمالها؟
٤- نية إرضاء الناس "الرياء":
بقي أمامنا أن نصف نوعًا آخر من الدوافع الأنانية، سيكون بالنسبة إلينا آخر ما نتحدث عنه، إنه نموذج آخر من الأنانية الجشعة، ولكن هذه الأنانية ليست معتدية، ولا جاحدة، ولا مادية، فهي أكثر نعومة وألفة.
إنها تنبع من "حب الذات"، ذلك الإحساس الطبيعي، الذي يكون في بعض الظروف مشروعًا؛ على تفاوت في قدر هذه المشروعية، ولكن عيبه هنا هو أنه لا يفرض واجبًا، ومن ثم كان في غير محله.
وإنما تتفاوت مشروعيته في ذاته؛ لأن من الضروري، لكي يعيش الإنسان في مجتمع، أن يطمئن إلى حد أدنى من محبة قلوب الآخرين، حد أدنى من الاعتبار في نظرهم، بقدر ما هو ضروري أن يتنفس لكي يعيش بدنيًّا.
стр. 592
أليس من المسموح به، بل من الموافق للسُّنة الحسنة أن يكون المرء أكثر حرصًا على هيئته الظاهرة، وطريقة لباسه في المجتمع، من حرصه على ذلك مع من يألفهم، وهو أمر أكدته السُّنة، فلقد "كان ﷺ يلبس رداء إذا خرج"١
كما ينبغي على المرء أن يكون أحرص على ذلك في المجتمعات منه في العمل، وهي سنة رسول الله ﷺ الذي قال: "ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته، سوى ثوبي مهنته" ٢.
ولكن أداء المرء لواجبه نحو الله، ونحو الأقربين، بنية أن يكون شخصًا بارزًا في الناس، ينظرون إليه بإعجاب، ويقولون فيه خيرًا -فتلكم هي الأنانية المنكرة، وإن ارتدت ثوبًا مفرطًا في الرقة.
وليس المرائي، كما ينبغي أن نوضح، من يتخذ هيئة متكلفة، ويقوم بحركات ظاهرة لا تتفق مع ما في قلبه وفكره، وباختصار: من يظهر خلاف ما يبطن، ليخدع الناس، ففي هذه الحالة يتخذ الرياء اسمًا آخر أكثر إجرامًا هو "النفاق" والنية السيئة التي تحركه أكثر عمقًا، هي تلون المنافقين.
فرذيلة "النفاق" مركبة؛ أما رذيلة "الرياء" فبسيطة. فالمرائي يبسط للناس مفاخره، دون تلبيس لفكره، أو إخفاء لمشاعره الخاصة تحت ظواهر خادعة، إنه يبسطها حتى يراها الناس، ويعجبوا بها؛ فهو يشعر بالحاجة إلى
стр. 593
تشجيع خارجي يستثير جهوده، وهو لا يجد لديه من القوة الخاصة المحركة ما يكفي لحفزه إلى أداء واجباته، ولا يجد هذا الحافز إلا حيث يوجد الاستحسان، والإعجاب، والمدح، والتصفيق، وسائر ردود الفعل المماثلة، التي يتنفس بعدها الصعداء.
هذا النوع من التطفل الأخلاقي، لا ينبغي أن نتوقع له شيئًا من الإغضاء، على الرغم من مظهره الوادع؛ ولقد حكم القرآن على الأنفس التي تنشد ثمن الفضيلة في تقدير الناس حكمًا قاسيًا، غاية في القسوة، فأعلن أن أعمالهم هباء وباطل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ ١، فهم ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ ٢، وأعلن أن أشخاصهم مستحقون للويل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ﴾ ٣.
ويعد الحديث بين أوائل من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة:
أولهم: "رجل استشهد، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار".
وثانيهم: "رجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما فعلت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار".
стр. 594
وثالثهم: "رجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن يُنفَق فيها، إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فسحب على وجهه، ثم أُلقي في النار، أولئك أول خلق الله تسعر بهم نار جهنم" ١.
ومن الواضح أن الناس، في هذه النيات الخربة، قد أصبحوا موضوع عبادة مشترك مع الله سبحانه، وقد شبه الرسول ﷺ هذه الرذيلة بعبادة الأوثان، وأسماها: "الشرك الأصغر"٢.
وقد خصص الأخلاقيون المسلمون، وبخاصة المحاسبي, والغزالي فصولًا ممتازة لبحث منابع هذا الفساد القلبي، وأشكاله، وأدويته. ولما كان هدفنا الجوهري أن نستنبط المبادئ العامة الموجودة في القرآن, فإننا نحيل القارئ إلى هذين المؤلفين بالنسبة إلى كل المسائل التفصيلية.
стр. 595
هـ- إخلاص النية واختلاط البواعث:
وإذن، فالنية توصف بأنها حسنة، أو عادية، أو سيئة، تبعًا لما إذا كانت طاعة الإنسان من أجل ذاته، أو كانت ذات هدف نفعي، مشروع، أو غير مشروع.
هذا التشريع يفترض أن تحكم الإرادة بمبدأ وحيد، صحيح، أو غير صحيح، وليس بوسعنا أن ننكر الإمكان النظري لهذا الإفراد، ولكن أدنى ما يمكن أن نقوله هو أنه نادر إلى أقصى حد.
стр. 596
وأكثر الحالات ورودًا هي الحالة التي تصطرع فيها أسباب كثيرة لصالح قرارنا، فماذا يمكن -تبعًا للمبادئ القرآنية- أن تكون القيمة الأخلاقية لقرار معين تشترك فيه مجموعة من البواعث؟
لنذكر أولًا النصوص التي سبق ذِكْرُنَاهَا١، والتي لا يمجد القرآن فيها فحسب، بل يطلب منا بقوة، أن يكون لنا قلب خالص من تأثير الدنيا، ومن أهوائه الخاصة، قلب يتخذ من الله الهدف الوحيد لأعماله. وهذا هو مجموع الشروط التي تتحدد بها صفة "الخضوع الخالص" والتي قال الله عنها بأن وجود الإنسان على الأرض ليس له من سبب آخر سواها٢.
ولقد يحاول امرؤ أن يبدو مترددًا بصدد المدلول الحقيقي لهذه الأقوال، فيقول لنا: ربما كان الغرض إقصاء الوثنية السفيهة، التي هي إدخال بعض المخلوقات هدفًا للتعبد في العمل العبادي، وهو ما لا يستتبع بالضرورة إدانة هذا الانحراف الدقيق للإرادة، الذي يتمثل في خليط من الدوافع إلى طاعة الله.
ولسوف نجيب عن ذلك بأن النبي ﷺ بوصفه المفسر الأول للقرآن، قد فهم النصوص المذكورة على التحديد، بمعناها الشامل، وتدل الظروف التي بدأ فيها نزول بعض الآيات -أيضًا- على أن الاهتمام كان في المقام الأول بهذا الخليط من الدوافع، أكثر من أي شيء آخر. وتلك هي الحالة التي نزل بمناسبتها آخر آية من سورة الكهف، وإليك القصة:
أخرج ابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص عن طاوس
стр. 597
قال: قال رجل: "يا رسول الله، إني أقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني"١، فلم يرد عليه شيئًا حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٢.
فإذا تركنا تفسير القرآن، إلى أقوال النبي ﷺ وجدنا الكثير من هذه الأقوال، فقد روى البخاري ومسلم، واللفظ له عن أبي موسى الأشعري, ﵁: أن رجلًا أعرابيًّا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله, الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله, ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله" , وفي رواية: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" ٣.
قال المحاسبي: "وأكثر العلماء يرون أنه أشد الحديث، إذ لم يجعل في سبيل الله إلا من أخلص، لتعلو الكلمة وحدها، ولم يضم إليها إرادة غيرها"٤.
وروى النسائي عن أبي أمامة الباهلي, قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر, ما له؟ فقال ﷺ :
стр. 598
"لا شيء له"، ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتُغي به وجهه" ١.
وأكثر من ذلك صراحة أيضًا ذلك الإعلان الإلهي الذي نقرؤه في حديث قدسي، عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله, ﷺ : "قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" ٢.
وهكذا نرى تبعًا لهذه النصوص أن جميع البواعث التي تنضاف إلى إرادة الطاعة تعرض قيمة العمل للخطر، وتحرمه من رضا الله ﵎.
بيد أننا ينبغي أن نسأل أنفسنا إذا كانت النفس حين تواجه هكذا بأشكال مختلفة من الواجب، فتنقاد لسلطان الأمر ولنهزته معًا -أتكون مستحقة للذم شأن النفس الخاضعة لأهوائها خضوعًا محضًا ومجردًا؟
إن هنالك حالة، مجمعًا عليها، لا يقلل تدخل الشعور الحسي فيها من قيمة الإرادة في شيء، وذلك عندما يكون القرار قد اتخذ بمقتضى الشرع، ولكنا على إثر استحسان غيرنا له نرتضيه أكثر، فالفائدة التي ننالها حينئذ في رأينا ليست السبب في عملنا، بل هي نتيجة له بصورة ما. وتلك هي الحالة الواردة في الحديث، حالة الرجل الذي قال: "يا رسول الله، أسر العمل، لا أحب أن يطلع عليه، فيطلع عليه، فيسرني ذلك". لقد قال النبي ﷺ عن هذا الرجل: "له أجران؛ أجر السر، وأجر العلانية" ٣.
стр. 599
إن المفسرين متفقون على أن هذا القول يصدق في حالة افتراض أن انكشاف السر لم يحدث إلا بعد أن تم العمل، فهل يصدق أيضًا في حالة ما إذا فوجئ الإنسان، وهو يؤديه؟
لقد أراد المحاسبي -بعد أن ذكر الخلاف في هذه النقطة- أن يحسم النقاش، فأحدث تفرقة نوافقه عليها، فهو يلاحظ في الواقع أن السرور الذي يحس به المرء حين يرى في طريق الخير، قد تكون له أسباب مختلفة، ليس لها كلها نفس القيمة، فمثلًا: قد يكون منبعًا للسرور الأخلاقي الحقيقي أن يعطي المرء القدوة الصالحة من نفسه للآخرين، لا لكي ينال الحظوة عندهم، بل لكي تجد الفضيلة بهذه الوسيلة أكبر عدد من المشايعين لها، والعاملين بها. ولكنه ليس محظورًا أن يرتضي المرء هذا الانكشاف غير المتوقع، والذي لم يحاوله، حين يرى فيه نوعًا من الأجر الإلهي، أو دليلًا على أن مآثره الصالحة أهل لاستحقاق رضوان الله.
أما فيما يتعلق بسرور الإنسان الطبيعي بأن يكون مقدرًا في الناس، فذلك معدود دائمًا نقصًا بالنسبة إلينا، ولكنه لا يعتبر محرمًا إلا إذا توقفنا عنده وقنعنا به، فإذا ما اختزل إلى شعور لاإرادي، وعابر، ترددنا في المبالغة في خطورته، وهو ما لم يمنع الأنفس الكبيرة من أن تتألم منه، وتود لو أفلتت من إساره تمامًا١.
فإذا ما نحيت هذه الحالات، فإن المشكلة الحقيقية تكون حين تسبق النظرات النفعية العمل، ثم تصبح إلى حد معين من بين الأسباب التي تفرضه، فذلك هو ما يطلق عليه بالمعنى الصحيح: "اختلاط البواعث".
стр. 600
ولقد سبق أن قلنا: إن النية المسبقة يجب أساسًا أن تكون خالصة، ليصدق عليها أنها حسنة. ولكن أهذا الصفاء المطلق واجب محتم، لا يتضمن درجات، ويعتبر إهماله حرامًا يتساوى في خطورته مع السعي الخالص والمجرد إلى المنفعة؟ ثم نسأل أولًا: هل الفطرة الإنسانية قادرة دائمًا على نوع من التجرد كهذا، وهل هي تضحي بنفسها تضحية كاملة من أجل مثلها الأعلى، دون أن تجد فيه في الوقت نفسه ما يجذبها إليه؟
وأيًّا ما كانت الطريقة التي سوف يجاب بها عن هذا السؤال، فإننا نبادر إلى القول بأننا نعتقد أن المبادئ القرآنية تدعونا إلى أن نكون أقل تشددًا بالنسبة إلى المواقف المتوسطة، منا بالنسبة إلى الطرف المقابل.
والواقع أنه إذا لم يكن الشيء داخلًا في نطاق قدرة النفس، وإذا كان من المقرر الثابت -من ناحية أخرى- أنه لا أحد يمكن أن يكلف إلا في حدود وسائله، فيجب بداهة أن نفسر جميع الأقوال التي تتطلب هذا الإخلاص المطلق على أنها بناء لنقطة الذروة في القيمة، التي يجب أن تسعى جهودنا نحوها، دون أن تبلغها أبدًا.
ولسوف يكون الابتعاد عن هذا المثل الأعلى بلا شك "عيبًا"، ولكنه لن يكون "ذنبًا"، سوف يكون نقصًا ولكنه لن يكون فسادًا وخروجًا عن الأخلاق.
ولا حاجة مطلقًا إلى أن نكره النصوص لتفسيرها على هذا النحو، إذ يكفي أن ننظر إلى الفروق في اللهجة التي يصدر بها الحكم بسوء النية، والحكم بالنية المختلطة. فمتى ما بدا اختلاط البواعث، لاحظنا الاختفاء المنهجي لذلك النذير بالعقاب، الذي تستتبعه النوايا الآثمة، ورأينا النصوص تقتصر على القول بأن ذلك لا يستحق أن يوصف بأنه "في سبيل الله"، أو أنه