← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8665

دستور الأخلاق في القرآن

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (841 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وأكثر الحالات ورودًا هي الحالة التي تصطرع فيها أسباب كثيرة لصالح قرارنا، فماذا يمكن -تبعًا للمبادئ القرآنية- أن تكون القيمة الأخلاقية لقرار معين تشترك فيه مجموعة من البواعث؟ لنذكر أولًا النصوص التي سبق ذِكْرُنَاهَا١، والتي لا يمجد القرآن فيها فحسب، بل يطلب منا بقوة، أن يكون لنا قلب خالص من تأثير الدنيا، ومن أهوائه الخاصة، قلب يتخذ من الله الهدف الوحيد لأعماله. وهذا هو مجموع الشروط التي تتحدد بها صفة "الخضوع الخالص" والتي قال الله عنها بأن وجود الإنسان على الأرض ليس له من سبب آخر سواها٢. ولقد يحاول امرؤ أن يبدو مترددًا بصدد المدلول الحقيقي لهذه الأقوال، فيقول لنا: ربما كان الغرض إقصاء الوثنية السفيهة، التي هي إدخال بعض المخلوقات هدفًا للتعبد في العمل العبادي، وهو ما لا يستتبع بالضرورة إدانة هذا الانحراف الدقيق للإرادة، الذي يتمثل في خليط من الدوافع إلى طاعة الله. ولسوف نجيب عن ذلك بأن النبي ﷺ بوصفه المفسر الأول للقرآن، قد فهم النصوص المذكورة على التحديد، بمعناها الشامل، وتدل الظروف التي بدأ فيها نزول بعض الآيات -أيضًا- على أن الاهتمام كان في المقام الأول بهذا الخليط من الدوافع، أكثر من أي شيء آخر. وتلك هي الحالة التي نزل بمناسبتها آخر آية من سورة الكهف، وإليك القصة: أخرج ابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص عن طاوس

стр. 597

قال: قال رجل: "يا رسول الله، إني أقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني"١، فلم يرد عليه شيئًا حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٢. فإذا تركنا تفسير القرآن، إلى أقوال النبي ﷺ وجدنا الكثير من هذه الأقوال، فقد روى البخاري ومسلم، واللفظ له عن أبي موسى الأشعري, ﵁: أن رجلًا أعرابيًّا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله, الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله, ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله" , وفي رواية: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" ٣. قال المحاسبي: "وأكثر العلماء يرون أنه أشد الحديث، إذ لم يجعل في سبيل الله إلا من أخلص، لتعلو الكلمة وحدها، ولم يضم إليها إرادة غيرها"٤. وروى النسائي عن أبي أمامة الباهلي, قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر, ما له؟ فقال ﷺ :

стр. 598

"لا شيء له"، ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتُغي به وجهه" ١. وأكثر من ذلك صراحة أيضًا ذلك الإعلان الإلهي الذي نقرؤه في حديث قدسي، عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله, ﷺ : "قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" ٢. وهكذا نرى تبعًا لهذه النصوص أن جميع البواعث التي تنضاف إلى إرادة الطاعة تعرض قيمة العمل للخطر، وتحرمه من رضا الله ﵎. بيد أننا ينبغي أن نسأل أنفسنا إذا كانت النفس حين تواجه هكذا بأشكال مختلفة من الواجب، فتنقاد لسلطان الأمر ولنهزته معًا -أتكون مستحقة للذم شأن النفس الخاضعة لأهوائها خضوعًا محضًا ومجردًا؟ إن هنالك حالة، مجمعًا عليها، لا يقلل تدخل الشعور الحسي فيها من قيمة الإرادة في شيء، وذلك عندما يكون القرار قد اتخذ بمقتضى الشرع، ولكنا على إثر استحسان غيرنا له نرتضيه أكثر، فالفائدة التي ننالها حينئذ في رأينا ليست السبب في عملنا، بل هي نتيجة له بصورة ما. وتلك هي الحالة الواردة في الحديث، حالة الرجل الذي قال: "يا رسول الله، أسر العمل، لا أحب أن يطلع عليه، فيطلع عليه، فيسرني ذلك". لقد قال النبي ﷺ عن هذا الرجل: "له أجران؛ أجر السر، وأجر العلانية" ٣.

стр. 599

إن المفسرين متفقون على أن هذا القول يصدق في حالة افتراض أن انكشاف السر لم يحدث إلا بعد أن تم العمل، فهل يصدق أيضًا في حالة ما إذا فوجئ الإنسان، وهو يؤديه؟ لقد أراد المحاسبي -بعد أن ذكر الخلاف في هذه النقطة- أن يحسم النقاش، فأحدث تفرقة نوافقه عليها، فهو يلاحظ في الواقع أن السرور الذي يحس به المرء حين يرى في طريق الخير، قد تكون له أسباب مختلفة، ليس لها كلها نفس القيمة، فمثلًا: قد يكون منبعًا للسرور الأخلاقي الحقيقي أن يعطي المرء القدوة الصالحة من نفسه للآخرين، لا لكي ينال الحظوة عندهم، بل لكي تجد الفضيلة بهذه الوسيلة أكبر عدد من المشايعين لها، والعاملين بها. ولكنه ليس محظورًا أن يرتضي المرء هذا الانكشاف غير المتوقع، والذي لم يحاوله، حين يرى فيه نوعًا من الأجر الإلهي، أو دليلًا على أن مآثره الصالحة أهل لاستحقاق رضوان الله. أما فيما يتعلق بسرور الإنسان الطبيعي بأن يكون مقدرًا في الناس، فذلك معدود دائمًا نقصًا بالنسبة إلينا، ولكنه لا يعتبر محرمًا إلا إذا توقفنا عنده وقنعنا به، فإذا ما اختزل إلى شعور لاإرادي، وعابر، ترددنا في المبالغة في خطورته، وهو ما لم يمنع الأنفس الكبيرة من أن تتألم منه، وتود لو أفلتت من إساره تمامًا١. فإذا ما نحيت هذه الحالات، فإن المشكلة الحقيقية تكون حين تسبق النظرات النفعية العمل، ثم تصبح إلى حد معين من بين الأسباب التي تفرضه، فذلك هو ما يطلق عليه بالمعنى الصحيح: "اختلاط البواعث".

стр. 600

ولقد سبق أن قلنا: إن النية المسبقة يجب أساسًا أن تكون خالصة، ليصدق عليها أنها حسنة. ولكن أهذا الصفاء المطلق واجب محتم، لا يتضمن درجات، ويعتبر إهماله حرامًا يتساوى في خطورته مع السعي الخالص والمجرد إلى المنفعة؟ ثم نسأل أولًا: هل الفطرة الإنسانية قادرة دائمًا على نوع من التجرد كهذا، وهل هي تضحي بنفسها تضحية كاملة من أجل مثلها الأعلى، دون أن تجد فيه في الوقت نفسه ما يجذبها إليه؟ وأيًّا ما كانت الطريقة التي سوف يجاب بها عن هذا السؤال، فإننا نبادر إلى القول بأننا نعتقد أن المبادئ القرآنية تدعونا إلى أن نكون أقل تشددًا بالنسبة إلى المواقف المتوسطة، منا بالنسبة إلى الطرف المقابل. والواقع أنه إذا لم يكن الشيء داخلًا في نطاق قدرة النفس، وإذا كان من المقرر الثابت -من ناحية أخرى- أنه لا أحد يمكن أن يكلف إلا في حدود وسائله، فيجب بداهة أن نفسر جميع الأقوال التي تتطلب هذا الإخلاص المطلق على أنها بناء لنقطة الذروة في القيمة، التي يجب أن تسعى جهودنا نحوها، دون أن تبلغها أبدًا. ولسوف يكون الابتعاد عن هذا المثل الأعلى بلا شك "عيبًا"، ولكنه لن يكون "ذنبًا"، سوف يكون نقصًا ولكنه لن يكون فسادًا وخروجًا عن الأخلاق. ولا حاجة مطلقًا إلى أن نكره النصوص لتفسيرها على هذا النحو، إذ يكفي أن ننظر إلى الفروق في اللهجة التي يصدر بها الحكم بسوء النية، والحكم بالنية المختلطة. فمتى ما بدا اختلاط البواعث، لاحظنا الاختفاء المنهجي لذلك النذير بالعقاب، الذي تستتبعه النوايا الآثمة، ورأينا النصوص تقتصر على القول بأن ذلك لا يستحق أن يوصف بأنه "في سبيل الله"، أو أنه

стр. 601

"لا يرضي الله"، أو أنه "لا يستحق لديه أجرًا"، أو أن "الله غني عنه" ... إلخ. وما أشبه ذلك من الصيغ المخففة، التي لا تثبت للعمل صفة الإثم، وإن كانت قد خلعت عنه القيمة الإيجابية. فأما إذا ثبت أن الفكرة المحضة للواجب تستطيع أن تتقدم وحدها في قراراتنا، على جميع الأفكار سواء أكان ذلك بنوع من الاستعداد الفطري، أما كان بوساطة تكرار الجهد، وإذا ثبت أن كل تشويه يخالط نقاءها لا ينتج إلا عن إهمال ناشئ عن خطأ -فهذه نقطة يجب أن تؤخذ حينئذ في الاعتبار، ويتعين أن ننظر في درجة الذنب. كيف لا نفرق -في الواقع- في حكمنا على نفس حالكة السواد، شديدة الفساد، وأخرى تحاول في صراعها مع الإغراءات الخاصة -أن تخفف، أو توازن، أو تمحو الشر بالخير؟ أوَلم يحدثنا القرآن عن أولئك الذين ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ ١؟ والحق أن هذه الآية تتحدث عن عملين منفصلين، أو لهما سيئ، والثاني، وهو الذي يتمثل بخاصة في الاعتراف بالذنب، وفي التوبة عنه؛ وظيفته أن يكفر عنه، على حين أن الحالة التي تشغلنا هنا، كما يجب أن نعترف، مختلفة عن ذلك: فهي لا تتصل إلا بعمل وحيد، هو نفس العمل، مدفوعًا بنية مختلطة، تأخذ من الحسن والقبح معًا. لكن ذلك فيما نعتقد ليس سوى تفصيل، فالتماثل جوهري بين الحالين، بحيث توجد فيهما دائمًا عناصر متنافرة في مجموع العمل، وبحيث إن وجود بعض الأشياء المقبولة بين هذه العناصر يجعلنا نأمل في رد فعل أكثر رحمة، لدى الحكم الأعظم، . وأما أن يظهر هذا الاختلاط في جزء واحد، أو في أجزاء مختلفة فقليلًا ما

стр. 602

يهم: ذلك أن التحليل الدقيق الذي يقوم به الحكم لن يكون أكثر تدقيقًا في حالة منه في حالة أخرى، لكي يميز فيها الظروف المخففة أو الملطفة. فإن القرآن يؤكد لنا في مواضع كثيرة أن الحكم الأخير سوف يصدر في ظروف توزن فيها أقل التفاصيل التي للإنسان أو عليه، أي: إن شيئًا مما يكون في صالحنا لن يضيع، حتى لو كان مثقال ذرة. ولقد استطاع الغزالي، انطلاقًا من هذا المبدأ القرآني أن يضع في هذا الموضوع نظرية راعت إلى حد كبير تنوع المواقف، وهي جديرة أن يوقف عندها. يرى هذا المؤلف أن من الواجب أن ندرس درجة تأثير كل عنصر من هذا الخليط، مأخوذًا أولًا على حدة، كما لو كان موجودًا وحده في مجال الضمير، ثم يؤخذ بعد ذلك في علاقته بالعنصر الآخر، ومن هذا الدرس، وتلك المقارنة تنتج ثلاث حالات ممكنة: فإما أن يكون كل من الباعثين قويًّا، حتى ليستطيع أن يدفعنا إلى العمل لو كان منفردًا١، وإما أنهما لا يكسبان هذه القوة إلا باجتماعهما، وإما أن أحدهما فقط يملك هذه الطاقة، والآخر ليس سوى قوة مكملة، عاضدة ومعاونة، تجعل مهمة الأول أكثر يسرًا. ويمضي في تصوير هذه الحالات، بتسمية الحالة الأولى: مرافقة، والثانية: مشاركة، والثالثة: معاونة. وعلى الرغم من اختلاف هذه الحالات في طبيعتها، فإن الأولى والثانية يجب أن يندرجا في مجموعة واحدة، هي: حالة المساواة "سواء أكانت مساواة في الفعل أم في الترك". وبعكس ذلك تنقسم الحالة الثالثة إلى نوعين

стр. 603

مختلفين، تبعًا لما إذا كانت السيطرة والتفوق من حظ القوة الأخلاقية، أو من حظ قوة الهوى والعاطفة، فلم يبق للحكم على هذه المجموعات الثلاث، بعد تحديدها سوى أن ننصب الميزان، ثم نرى أي الكفتين سوف يرجح. ومثال ذلك -على ما ذكر هذا الأخلاقي- أن زيدًا من الناس سألك حاجه، ولنفترض أنه يستحقها بوصفين: الفقر الذي أصابه، ووشيجة القرابة التي تربطه بك، فقضيت حاجته. فلكي تقيس قيمة عملك ليس أمامك سوى أن ترجع إلى التجربة التي تجريها على نفسك، فإن كنت متأكدًا أنك حين يتقدم إليك أجنبي في حال الفقر ذاتها، أو حين يتقدم إليك أحد أقربائك الموسرين -يسألك نفس الحاجة، فإنك تحس نفس الهزة والأريحية، ففي هذه الظروف نحكم بأن في كل من الباعثين، إذ انفرد، سلطة متساوية على نفسك، وقد اجتمعا جميعًا، فأقدمت على الفعل، وكان الباعث الثاني رفيق الأول١. وكذلك الأمر في حالة العكس، حين لا يظفر الأجنبي الفقير، ولا القريب الغني بإحسانك، فإن الأسباب المنفردة تكون عديمة الفاعلية بدرجة متساوية. فأما إذا كنت تعرف مثلًا أن فكرة شقاء الغير تكفي -منفصلة عن أي اعتبار- لغرض إحسانك، وأن رباط القرابة لا أثر له سوى تسريع حركتك، دون أن يطيق إثارتها وتفجيرها -حينئذ تجب التفرقة بين جانبين

стр. 604

في نيتك، جانب رئيسي متغلب متفوق، وجانب آخر مساعد، خاضع له. ومن البديهي أنه في حالات تساوي التأثير بين الواجب والمنفعة يجب أن ينظر إلى العمل على أنه باطل، فالخير والشر يتقاصان، ويتزايلان، فإذا رجح الباعث الأخلاقي كان له أجر، ولكنه نظير فضل من القوة، بالنسبة إلى دافع الهوى. وبعكس ذلك لو أن باعث الهوى كان أقوى من باعث الواجب، فإن العمل يكون مستحقًّا للعقوبة، ولكنها أقل مما إذا كان مفروضًا بسبب خبيث. ذلك أنه كما أن أصغر كمية من الغذاء، أو الدواء، لا بد أن تحدث تأثيرها الطيب، أو السيئ، على أبداننا، فكذلك لا بد أن يضفي أقل ميل للإرادة، وأخف اتصال لها بالخير أو الشر، على أنفسنا قدرًا مساويًا من النور أو الظلام، من القرب أو البعد عن الله. ويتساوى في ضعف الاحتمال أن تسحق كثرة الشر سحقًا كاملًا قلة الخير، أو أن تمحو قلة الشر محوًا كاملًا كثرة الخير، إذ لو حدث هذا لوضعنا الشرع في مأزق حرج، ولحرمنا من كل أمل ولن تستطيع النفس الإنسانية أن تفلت من هذا الخليط إلا في ظروف نادرة١. ولكي ندعم هذه النظرية، يمكن أن نستمد دليلًا إيجابيًّا من القرآن الكريم، عندما يبيح للحجيج أن يشتغلوا بحياتهم المادية، خلال سفرهم

стр. 605

"بالتجارة مثلًا"، إلى جانب اشتغالهم بواجباتهم الروحية، وذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ١، ولكن على شرط أن تكون الواجبات الروحية هي المحرك الأول٢. أما فيما يتعلق بالنصوص التي عرفناها من قبل، والتي تحكم بالبطلان على كل شرك في البواعث -فيجب، كما ذكر الغزالي، أن نقيدها بالحالة التي تبدو فيها هذه البواعث متساوية، كما تدل عليه كلمة "شرك" عادة٣. والغزالي -على الرغم من الطابع العقلي والنقلي معًا لهذا التصنيف، والذي يبدو لنا عند التجريد ذا سمات صحيحه منزهة- لا يدعي بتقديمه أنه قد وجد الحل العملي النهائي للمشكلة، والمقياس الصحيح الذي يمكننا من الحكم على أنفسنا بأنفسنا، على طمأنينة. بل إنه -على العكس- يحذرنا من "الخطر العظيم" في أن نركن إلى أحكامنا الخاصة، التي قد تجعل هذا العنصر أو ذاك أغلب على قصدنا بين مجموع البواعث. ثم يقول: "نعم، الإنسان فيه على خطر عظيم؛ لأنه ربما يظن أن الباعث الأقوى هو قصد التقرب إلى الله، ويكون الأغلب على سره الحظ النفسي، وذلك مما يخفى غاية الخفاء، فلا يحصل الأجر إلا بالإخلاص، والإخلاص قلما يستيقنه العبد من نفسه، وإن بالغ في الاحتياط"٤.

стр. 606

وقد سبق هذا الشك أيضًا لدى المحاسبي، ولكن بصورة تذكرنا بالنظرية الديكارتية عن الدليل النظري، فهو مع اعتقاده أنه من الممكن، بل مما تفرضه الضرورة الأخلاقية -ألا نبدأ عملًا إلا عن يقين بأننا نقصد به وجه الله وحده، إلا أنه يرى أن انقضاء بعض الوقت قد يتيح الفرصة للنسيان أو الغفلة، مما يستوجب خوفنا من تسرب بواعث أخرى إلى نفوسنا لا نكون متنبهين لها١، كالارتياح والسرور باطلاع الناس على أعمالنا، أو ركون القلب إلى شيء من ذلك مما لا يلتفت إليه، ثم لا نزال حذرين حتى نفرغ، ثم نمسك عن إظهارها، يقول المحاسبي: "فإذا مضى عليه وقت من الأوقات، ولو كان كطرف العين، مما يمكن المخلوق فيه النسيان والسهو، فالخوف أولى به؛ لأنه لا يدري لعله قد خطرت خطرة بقلبه: رياء أو عجب، أو كبر، أو غيره، فقبلها وهو ناسٍ، لا يذكر أنها رياء، فيكون مشفقًا، خائفًا، فالخوف على عمله، والوجل والإشفاق من أجل ذلك، بل الأمل والرجاء أغلب وأكثر؛ لأنه قد استيقن أنه قد دخله بالإخلاص لله وحده، ولم يستيقن أنه راءى بشيء منه، فالإخلاص عنده يقين، والرياء هو منه في شك، فخوفه إن كان قد خالطه رياء كان ذلك الخوف مما يرجو أن يصفيه الله له، لإشفاقه على ما لا يعلم فيه، فبذلك يعظم رجاؤه، وإن لم يكن خالطه رياء فذلك زيادة على عمله، وعبادة منه، وكلما أشفق ازداد نعيمًا بالطاعة، وأملًا في الله ، إذا أيقن أنه دخله بالإخلاص، وختمه بالإشفاق والوجل من علم الله ، فبذلك يعظم رجاؤه وأمله، ويتنعم بطاعة ربه "٢.

стр. 607

خاتمة: إن المسألة التي وضعناها أمام أنفسنا في نهاية الفصل السابق -قد وجدت هنا إجابتها، بأكثر الطرق تفصيلًا وتحديدًا. وليس يكفي أن نقول: إن الأخلاق الإسلامية لا تقيم وزنًا مطلقًا لعمل مقتصر على تعبيره المادي المحض، حيث ينعدم وعي الضمير به انعدامًا تامًّا. وليس يكفي كذلك أن يكون لعمل ما حقيقة نفسية مزدوجة، أعني أن يكون شعوريًّا وإراديًّا معًا، لكي يثبت وجوده أخلاقيًّا. فهذا الوجود يفترض أن يدخل في الضمير عامل جديد تمام الجدة. فمتى ما كان المرء أمام واجب عمل، فإن العمل المطلوب "يجب أن يتصور في علاقته بقانون"، ومن حيث هو مطابق لقاعدة ما، يجب أن تدخل فكرة الواجب في فلك الضمير، وأن تكون جزءًا من هدفه. وأي تصور لها على غير هذا النحو، أعني أن تتصور من جانبها العادي، وفي تحديدها المادي، فذلك معناه أن العمل يبقى خارج مجال الأخلاقية، فهو حدث "دنيوي". هذه النظرة العقلية إلى الطابع الأخلاقي للعمل ليست فقط ضرورية

стр. 608

لتخصيصه بصفته الأخلاقية بعامة، ولكن هذه الصفات الأخلاقية سوف يحكم عليها فعلًا بالطريقة الدقيقة التي نقدر بها غالبًا مشروعاتنا. ولا ريب أن الأخلاق الإسلامية لا تذهب إلى حد أن تتخذ من مفاهيمنا الأخلاقية معيارًا وحيدًا، يعفينا من مطابقتها للشريعة الموضوعية في ذاتها، ولكنا نجد، من ناحية، أن نيتنا الحسنة يمكن أن تعذرنا في حالة الجهل الذي لا يدفع، ومن ناحية أخرى، حين تتعارض المطابقة الواقعية مع مفهومنا الذاتي، أعني حين نؤدي عملًا نعتقد خطأ أنه غير مشروع، فإن هذه النية السيئة تكفي لإدانة سلوكنا، الذي هو غاية في الصواب في الواقع. على ذلك انعقد "الإجماع"، ولا حاجة بنا إلى مزيد من القول لإثبات تفوق النية على العمل. وهكذا نجد أن الشرط الأولي للفعل الأخلاقي هو وجود إرادة تشرع في العمل في علاقته بالقاعدة، وبهذه الصفة على وجه التحديد. ولكن، إذا كان هذا الإدراك شرطًا ضروريًّا فإنه ليس الشرط الكافي لتوفير نية حسنة من الناحية الأخلاقية، فإن هناك، فوق الاختيار الأخلاقي للموضوع المباشر "وهو العمل"، اختيار الهدف البعيد "الغاية" وفي هذا الاختيار تتمثل النية الأخلاقية بأخص معانيها. فما القاعدة التي يجب أن تسيطر على هذا الاختيار؟ لقد رأينا كيف استخدم القرآن، خلال تعليمه الأخلاقي جميع وسائل الإقناع القادرة على أن تكسبه كل العقول وقلنا: "إن جلال الأمر الإلهي، ومطابقته للحكمة، وتوافق موضوعه مع الخير في ذاته، والرضا الذي يمنحه لأشرف المشاعر وأرقها، والقيم الأخلاقية التي يؤدي تطبيقه إلى إضفائها على

стр. 609

النفس، والغايات العظيمة في هذه الدنيا، وفي الأخرى ... كل ذلك يسهم في دعم سلطان الواجب القرآني"١. هذه الطريقة في تصوير الشرع لا تحسم مسألة معرفة ما إذا كانت البواعث التي استخدمها الشارع لتسويغ أوامره يمكن بطريقة صحيحة أن تكون للإنسان بمثابة مبدأ يحكم إرادته للطاعة. فهل من حقه عندما يواجه حالة اتخاذ قرار أخلاقي أن يستقي دوافعه من أي مصدر من هذه المصادر بلا تمييز، إن لم يكن من غيرها أيضًا؟ ذلكم هو السؤال الذي طرحناه من قبل، والذي خصصنا لحله هذا الفصل. وبوسعنا الآن أن نقول، والنصوص في يدنا: ماذا يكون الحل؟ فإن القرآن لم يبق من كل البينات المطروحة أمام العقل إلا على نقطة واحدة، يفرضها على الإرادة الطائعة، باعتبارها الهدف المفرد الصحيح، والمبدأ الوحيد الذي يجب أن تستلهمه في العمل: "اعمل وغايتك الله وحده"، وتلكم هي القضية التي لا يفتأ القرآن يرددها في مواضع مختلفة، وبنفس الألفاظ تقريبًا. فلم يرد في القرآن مطلقًا هذا التعبير الغائي: "افعل هذا من أجل ذاك"، مما موضوعه المباشر منفعة شخصية أو عامة، حسية أو معنوية. أما الخير المحسوس فليس هناك نص يقترحه، لا هدفًا مبدئيًّا، ولا تكميليًّا. بل إن مما يزيدنا إعجابًا أن الخير الأخلاقي، الذي ينشده الحكماء بوصفه أعلى الدرجات، وذلك مثل الكمال الذاتي، والتضحية من أجل الآخرين، هذا الخير الأخلاقي لا يبرز في القرآن على مستوى النية إلا كقيمة من الدرجة

стр. 610

الثانية، كإضافة خاضعة للمبدأ الأسمى، ألا وهو: رضوان الله العلي الأعلى. وإذن، فماذا يبقى لكي نخص به الفطرة، على صعيد القيم الأخلاقية؟ لا شيء. ألا يوجد استثناء من أجل البحث عن السلام، وعن السعادة الموعودة؟ لا. ولكن، فيم إذن الخلاف في هذا الصدد بين المتطرفين والمعتدلين؟ هذا الخلاف لا ينصب إلا على طرف جانبي من المسألة، ولا يقلل صرامة النتيجة التي انتهينا إليها في شيء، فبعضهم يرى أن ما سوى المبدأ الأسمى ذل ودناءة، وضياع للقيمة، وآخرون يرون أنه تفاهة ونفي للقيمة. فالذين يبحثون عن القيم العليا الخالدة، مفضلين إياها على الملذات العابرة، يعرفون بكل تأكيد، الشروط الواجب توفرها لهذا الاختبار، فإن المقاعد محجوزة للقلوب المخلصة، المتوجهة إلى الله. فليس يكفي إذن أن يكون للإنسان نشاط مستنير، واعٍ بذاته، وبعلاقته بالشرع، يقظ للأمر الإلهي كنموذج يتبع، وإن انقاد لمبدأ آخر غريب عنه، بل يجب أن يكون هذا النشاط متحركًا، مهتديًا، متأثرًا بهذا الأمر العظيم ذاته. يجب أن يصبح هذا الأمر، للنظر المتأمل محركًا. يجب أن يتحول هذا النور إلى قوة. يجب أن يكون الموضوع المباشر، في نفس الوقت الغاية الأخيرة.

стр. 611

وإنا لنستطيع بفكرة الواجب، من حيث هي موضوع مباشر، أن نستهل الحياة الأخلاقية: "مرحلة الصحة". ونستطيع بها، من حيث هي "غاية أخيرة"، أن نبلغ ذروة "القيمة". ولقد كان "كانت" على صواب في هذه النقطة، ولكنه لم يفعل سوى أن قلد وجهة نظر الأخلاق الدينية، وإن عراها من جوهرها الحيوي.

стр. 612

الفصل الخامس: الجهد مدخل ... الفصل الخامس: الجهد الآن وقد ميزنا بصورة كافية، بين عنصرين متميزين في البناء الأخلاقي، هما: "النية" و"العمل"، وبعد أن حددنا الدور المزدوج "للنية"١ يبقى علينا أن نجلو الأهمية الفائقة للعنصر الثاني: "العمل"، وهو السلاح الوحيد، الهجومي والدفاعي، في معركة الفضيلة. والواقع أن المدد الوحيد في يد الإنسان لكي يصل إلى غاياته، وواجبه الوحيد في الوقت نفسه -منحصر في أن يستعمل قواه المعنوية والمادية، القادرة على هدايته إليها، سواء أكانت الغاية أن يتخذ قرارًا أخلاقيًّا، أو أن ينفذه، وسواء أكان يريد إصلاح خلة باطنية، أو تزكية نية. وربما كان من غير المفيد، وغير المعقول، على سواء، أن يمارس الإنسان نشاطًا، أيًّا كان، لكي يكسب الفضيلة، لو كانت النفس الإنسانية ذات طبيعة كاملة مكملة، أو إذا كانت هذه الطبيعة برغم ما فيها من نقص، غير قادرة على التطور. فضرورة تدخلنا المؤثر تنطوي إذن على مسلم مزدوج، هو أن الكائن الأخلاقي قد خلق ناقصًا، وقابلًا للكمال في آن. فهو بذرة تنطوي على جميع عناصر الكائن بأكمله، وتشتمل تقديرًا، وفي حيز القوة، على شروط نموها.

стр. 613

كلها، ولكنها في انتظار ظهور عمل حر وإرادي، حتى تحول هذه الشروط التقديرية إلى واقع فعلي. فأما أن هذا فعلًا هي حالة الكائن الأخلاقي فذلك هو ما يبدو أن القرآن قد دل عليه دلالة كافية بالآيات الآتية: فمع أن الإنسان -من ناحية- قد ولد محرومًا من جميع المعارف العقلية والحسية، فإنه قد زود بملكات قادرة على أن تقدم له ما يتمنى من هذه المعارف: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ ١. ومتى ما صاغ الله نفس الإنسان وسواها استودعها فكرتي الخير والشر: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ٢. فذلكم هو مجموع الوسائل التي تتصرف فيها كل نفس إنسانية، وبفضلها تستطيع أن تتصور مباشرة المثل الأعلى الذي تسعى إليه، وأن تشعر بالرغبة في بلوغه، وأن تلتزم بتحقيقه بذاتها. وليس ينقص من صدق هذا القول -من ناحية أخرى- أن النفس الإنسانية، على الرغم من وجود استعدادها بكل هذا الجهاز، تظل دائمًا قابلة للترقي، والتردي، للازدهار والذبول، بتأثير إرادتها الخاصة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٣. ومن ثم تنبع الضرورة الأخلاقية، أن يعمل الإنسان، وأن يتحمل مسئوليته: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ

стр. 614

وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١. بيد أن مفهوم "الجهد" لا يتحدد بوساطة "العمل بعامة"، بل "بالعمل المؤثر الفعال" بخاصة، الذي موضوعه: "مقاومة قوة، أو قهر مقاومة"٢، وهو تعريف متوافق ابتداء مع المعنى المادي، ولكنه يجب أن يتوافق أيضًا مع المعنى الأخلاقي. والتماثل بين المجالين واضح جلي؛ فعلى صعيد الإبداع الخيِّر يصادف الفكر غالبًا في الموضوع، وفي نفسه، عقبتين ينبغي أن يتخطاهما: خمود المادة التي يجب تحويلها، ونقص الهمة في الإرادة الفاعلة. والأمر كذلك عندما يجب الامتناع عن الشر، في مواجهة القوى التي تدفعنا إليه. ففي هذه الحالات جميعًا لا يكفي أن "نعمل"، بل يجب أن "نجاهد بقوة وإصرار". لقد كان وجودنا العضوي والمادي صراعًا مستمرًّا ضد جميع أنواع الشرور، التي نلقاها عن طريق الحياة، حتى الموت٣، ولا يفتأ القرآن يذكرنا بهذا الظرف الملازم للطبيعة الإنسانية، في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ٤. ولكن فوق هذا الجهد "الطبيعي" الذي تفرضه الغريزة جهدًا آخر، يقتضيه "العقل"، ويجب أن يسخر لخدمة "المثل الأعلى". هذا النوع من الجهد، هو الذي نزمع دراسته في الأخلاق الإسلامية.

стр. 615

وأول ما نقوله هو: أن المطالبة باستخدام الطاقة الأخلاقية قد ترددت كثيرًا في القرآن، ففي كل موضع منه نستمع إلى دعوة إلى هذا الجهاد الثابت المستمر، سواء من أجل فعل الخير، ومقاومة الهوى، أو لاحتمال الشرور، وكظم الغضب، أو لأداء واجباتنا الدينية. والحق أن الله لا يفرض علينا أي تكليف فوق وسائلنا، ولكن ذلك لا يمنع أنه يحثنا على طاعته "بكل" ما نملك من "قوانا": ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١. والقرآن يدعو إلى أن نبذل هذا النشاط ونمده على طريق التقدم الأخلاقي الصاعد، وهي دعوة يصوغها في تشبيه مجازي جميل، وهو يقول: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ ، ثم يبين حقيقتها: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ، ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ ٢. ولم يكتف القرآن بأن يستثير الناس إلى تحقيق هذا الاقتحام الساعد، بل مضى إلى حد أن أدخل فكرة هذا الجهد في تحديد الإيمان الصادق نفسه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٣. فهل بوسع أحد أن يضع الجهد الأخلاقي وضعًا أسمى من هذا؟ ومع ذلك فلسنا نستطيع أن نكتفي بهذه العموميات، فإن فكرًا

стр. 616

جدليًّا مولعًا بالوضوح، وبالدقة لا يمكن أن يتوقف عند تأكيد مطلق كهذا، دون أن يبحث له عن بعض ما ينقضه، ودون أن يحاول توفيقًا يضع الأمور موضعها الصحيح. ومن أجل هذا سوف نخضع النقاط الآتية لبحثنا: ١- هل يجب أن تنفي قيمة الجهد قيمة الانبعاث التلقائي؟ وبأي شرط؟ ٢- ما نصيب الجهد العضوي في هذه القيمة؟ ٣- أليس للجهد حين يفرض نفسه حد يقف عنده؟

стр. 617

جهد وانبعاث تلقائي مدخل ... ١- جهد وانبعاث تلقائي: كان "سيجور" يقول: إن الإنسان "يفخر بكل ما هو جهد"١. هذا الاتجاه الفطري إلى تمجيد روح الكفاح والتضحية -وهو اتجاه مشروع في بعض الظروف، إلى درجة معينة- قد يصل أحيانًا إلى حد أن يجعل من هذه الروح غاية أخيرة، وقيمة في ذاتها. فهل بنا من حاجة إلى أن نؤكد رفض هذه الطريقة في النظر؟ إن النشاط الذي لا يبذل إلا من أجل أن يبذل -هو اللعب بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة. وكل جهد جاد يفترض أن يكون له موضوع متميز عنه، يخصه بقيمة معينة، ويعزم أن يسعى إليه، بسبب هذه القيمة التي خصه بها.

стр. 618

ومن خلال علاقته مع "الموضوع المنشود" "يكتسب الجهد قيمته" التي تعتبر ذريعته و"واسطته". بل إن الجهد ليست له على الأخص قيمة أخلاقية إلا من حيث هو وسيلة لتحقيق بعض الخير الأخلاقي. فالشعار الذي يمجد الجهد في ذاته، دون نظر إلى متعلقه؛ الجهد باعتباره تعبيبرًا عن الديناميكية الحيوية، التي تصلح للضر والنفع، على حد قول الشاعر: إذا أنت لم تنفع فضر فإنما ... يرجى الفتى كيما يضر وينفع هو شعار تمليه الغريزة العمياء، لا الضمير الواعي المستنير. ولو كان من الممكن -يومًا- أن نقدر جهد المجرم تقديرًا أخلاقيًّا، كمنبع للخلق والإبداع، فلن يكون ذلك إلا إذا ضربنا صفحًا عن الموضوع الذي يقارفه فعلًا، ثم نظرنا إلى ما لديه من إمكان أن يباشر موضوعًا آخر، أعني أن يسخر نفسه لخدمة الفضيلة. هناك "موقفان فلسفيان" صرحا بميلهما إلى المبالغة في تقدير هذا الجهد الأخلاقي، وهما، وإن لم يستلهما المبدأ الذي رفضناه قبل، أعني: مبدأ الجهد -بوصفه قيمة في ذاته، فقد جعلا له على الأقل معادلًا عمليًّا. أما الموقف الأول: فيتحدث على مستوى الوجود، وهو يتمثل في القول بأن النفس الإنسانية عاجزة عن الخضوع للقانون الأخلاقي برضاها الكامل، وبدافع الحب. ولما كان الانتصار على الشر، يكلفنا دائمًا تضحية، ويفرض إكراهًا على ذات الإنسان، فإن الكفاح يصبح في كل مكان وزمان شرطًا في الفضيلة، والوسيلة الوحيدة لاكتساب السلوك الحسن. وقد راق "كانت" أن يكرر في كتاب "دين في حدود العقل"١،

стр. 619

كلمة القديس بولس في رسالته إلى أهل رومية: "كما هو مكتوب، أنه ليس بار، ولا واحد"١. وتبرز بعض الأقوال في كتابه "نقد العقل العملي" هذه التشاؤمية ذاتها، فهو يقول: إن الدرجة الأخلاقية التي وضع فيها الإنسان ... هي احترام القانون الأخلاقي، والحالة الأخلاقية التي يمكن أن يكون فيها دائمًا هي الفضيلة، أعني: النية الأخلاقية: "للكفاح"، لا تملك القداسة، وربما كان من تفاهة التفكير والسطحية وشطحات الخيال، أن نخص الروح "بطيبة تلقائية، لا تحتاج إلى محرك يحثها، أو إلى لجام يكبحها"٢. ومع ذلك، فقد تكشف بعض التعبيرات عنده عن نوع من الشك، أقل صرامة، وأكثر تعقلًا، فهو ينكر فقط: "أن يكون في قدرة مخلوق أن ينفذ جميع القوانين، على وجه من الاختيار لا يجد معه في نفسه إمكان شهوة تحثه على مخالفتها، ولو مرة واحدة"٣. ويبدو أنه يوافق أيضًا على إمكان "أن يتحول الخوف الاحترامي إلى ميل، والاحترام إلى حب، وذلك على الأقل هو كمال النية التي تقدس القانون، لو كان في طاقة مخلوق، أن يبلغها، أبدًا"٤. وأما "الموقف الفلسفي" الثاني فلن يذهب إلى حد الإنكار المطلق لقدرة الإنسان على أن يؤدي واجبًا معينًا، عن طواعية وهمة. ولكن العمل المؤدى في هذه الظروف قليل القيمة والثواب في نظره.

стр. 620

وإذن، فإن بين مصطلحي "الجهد، والقيمة الأخلاقية" علاقة ثابتة، لدرجة أن دقة قياس أحدهما بالآخر يمكن أن تذكر في صورة معادلة: فوجود أحدهما أو عدمه، وزيادته أو نقصه قد تستتبع نفس الأثر في الآخر، بصورة لا يمكن تحاشيها، وبنفس النسبة. وبقدر ما يكون التزام القاعدة أمرًا لا يمكن تحقيقه إلا ببذل مجهود من الإرادة تتفاوت درجته، فمما لا شك فيه أن كل جهد يدخر يعادل خسارة، بنفس النسبة، في الجزاء. فهل الأمر كذلك في حالة العكس، وهي الحالة التي تسمح فيها القوة الأخلاقية للذات بأن تنهض بتكاليفها دون جهد؟ هذه المسألة موضع خلاف بين الأخلاقيين المسلمين، ومن الذين أدلوا برأيهم بالموافقة، نذكر أصحاب أبي سليمان الداراني، على حين أن علماء البصرة قد أيدوا الرأي المعارض تمامًا١. ولو أننا رجعنا إلى الضمير العام، فلن نعدم أن نلاحظ نفس التعارض، ونفس التردد. ألا تنطوي هذه الحيرة على تناقض في الفكر الأخلاقي ذاته، وهو تناقض بين طريقتين في التقويم، كلتاهما مشروعة على سبيل الاحتمال؟ أليست العبقرية، وشرف الخلق، والعظمة، وطهارة النفس، كلها موضوع تقدير وإعجاب لدى كل الناس؟

стр. 621

فإذا قارنا هذه الصفات الفطرية بتلك التي تكتسب بالعمل فهل فعلنا سوى أن قابلنا الصلب بالهش، والدائم بالمؤقت؟ من ذا الذي يتردد في أن يقول: أين يضع ثقته؟ إننا لو خيرنا بين فنانين، أحدهما يؤدي حركاته برشاقة وتلقائية، والآخر لا يستطيع أن يؤدي نفس الحركة إلا بعناء وعرق متصبب، فمن الواضح أن نميز التفوق عن التوسط، ونفضل دائمًا المطبوع على المصنوع. بيد أننا من ناحية أخرى ننظر إلى القولة المشهورة: "لكل بحسب أعماله" لا على أنها عادلة فحسب، بل على أنها هي العدالة ذاتها بحدها. وإذن، فمن ذا الذي لا يرى أن الصفات الفطرية التي منحتناها الطبيعة ليست من عملنا؟ أليس من واجبنا -إذا قسنا الأمور بهذا المقياس- أن نحتفظ للجهد بكل القيمة، وأن نستبعد من حساب القيمة كل ما كان تلقائيًّا؟ ثم ... أفلا يترتب على هذا المنطق أن تحتل نفس القديس حينئذ أدنى الدرجات في سلم الجزاء؟ من الذي يسلم بقبول ذلك؟ هل يجب أن ننحاز إلى جانب، في مواجهة هذا التناقض؟ أم أن نبحث عن حل وسط؟ والحق أن الفضيلة في أية مرحلة من مراحل الحياة الأخلاقية ليست ثمرة خالصة من ثمرات الطبيعة المحضة، كما أنها ليست نتيجة الاكتساب المطلق؛ ذلك أن أسوأ الناس، وأكثرهم شرًّا، لا يخلو أن تكون في نفسه بذرة طيبة يستطيع استخدامها في صراعه ضد خلقه الخبيث، كما أن أطهر الأنفس لا تستغني مطلقًا عن بعد الجهد، كيما ترتقي في مراتب الجزاء. ولقد أثبتت اللغة الفرنسية هذا المقياس المزدوج للقيمة، حين أطلقت كلمة

стр. 622

"merite" على كل صفة فطرية أو مكتسبة، جديرة بالتقدير، حتى لو كانت الجمال، أو الغنى. وإنما يجب فقط أن نعترف بأن لدى الناس اختلافًا في نصيب كل منهم من عاملي الفضيلة؛ ويجب أن نلاحظ في الوقت نفسه أن الناس لا يتساوون دائمًا لا في موضوع الكفاح ولا في الشكل الذي ينبغي أن يبدو فيه جهدهم الأخلاقي. وهنا نجد من المناسب أن نتعمق أكثر، لنكشف عن صيغة التوفيق بين أحكامنا الأخلاقية. وإنا لنعتقد أننا نستطيع العثور على مفتاح الحل في التفرقة التي أثبتها القرآن بين نوعين من الجهد، أحدهما قد يطلق عليه "جهد المدافعة" effort eliminatoire والآخر هو "الجهد المبدع" EFFORT CREATEUR.

стр. 623

أ- جهد المدافعة: ونقصد بعبارة "جهد المدافعة" تلك العملية التي نضع فيها في مواجهة الميول الخبيثة التي تحثنا على الشر قوة مقاومة قادرة على دفع تأثيرها. ولا أحد يستطيع أن ينازع في ضرورة عملية كهذه، كلما وجدنا أنفسنا أمام قوة معادية تريد أن تتغلب، فواجبنا الأول في هذه اللحظة، ومهمتنا العاجلة الملحة هي أن نسكت سورتها. ولقد رأينا أن القرآن لا يفتأ في كثير من المواضع يطالبنا بهذه المقاومة، وهو يعد أولئك الذين يعرفون كيف يقهرون شهواتهم بأعظم الغايات، يقول ﵎: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى، يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى، فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا،

стр. 624

فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ١. ومما يذكر هنا كحكم عملي، من أحكام كثيرة: الصوم المطلق، الذي يفرضه القرآن، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، في الجزء الثاني عشر من السَّنة، وفي أحوال كثيرة غير هذه الفترة المفروضة. إن في ذلك بلا ريب تدريبًا عظيمًا، لحطم عبودية الجوارح. ولكن، هل هذا الانتصار باهظ دائمًا، وفي كل مكان، لدرجة أنه يقتضينا تضحية مرهقة؟ إنه على الرغم من التشاؤمية المفرطة، التي تنظر إلى الحياة الأخلاقية من خلال منظار أسود، والتي ترى أن الشر قانون الطبيعة الذي لا يرحم -فإننا نجيب عن هذا السؤال بأنه ليس الأمر هكذا دائمًا. وبدهي أننا لا نريد أن نتكلم عن فطرة ملائكيه، لم تطرح بالنسبة إليها مشكلة الشر مطلقًا، من حيث كان محالًا على مثل هذه الفطرة أن تفعل غير الخير. ولسنا نتكلم أيضًا عن مريض، ربما تنقصه كلية الطاقة العضوية، ليأتي شرًّا ما، وربما ينقصه الذوق العادي ليسيغ لذة معينة. فهاتان الحالتان، ما فوق الأخلاقية SUPRAMORAL، والحياد الأخلاقي AMORAL، هما خارج القضية سواء. ولكنا وإن بقينا في مجال الفطرة الإنسانية الكاملة، المزودة بالغرائز وبالعقل -نلاحظ لدى كثير من الأشخاص قدرًا من الانبعاث التلقائي فيما

стр. 625

يصدرون من قرارات خيرة، وهو انبعاث ذو درجات لا تحصى، تصعد إلى أعلى درجة، وتهبط إلى أدناها، بحيث إن هذه القرارات لا تجد ما يقاومها حسيًّا من النزعات المضادة. ولا يقتصر الأمر على حالة اتخاذ قرار عادي أو تافه فحسب، بل حتى في حالة اتخاذ قرار عظيم الخطر، نجد أن هذه العزيمة التي لا يحصل عليها الرجل العادي إلا بمجهود شاقّ، تتحقق لدى هؤلاء الأشخاص بطريقة أكثر يسرًا وطواعية. وهذه الحالة الشبه تلقائية يمكن أن تحدث بطريقتين: فإما أن تكون منحة، بفضل استعداد فطري، وإما أن تكون "ثمرة جهد"، بعد فترة تتفاوت في طولها وفيما تخللها من معاناة. ففي الحالة الأولى، حين تكبت الأهواء إلى مستوى لا يكاد يدركه الشعور، وتحتل فكرة الخير في النفس مكانًا سَنِيًّا، يصبح العمل الصالح موضوع حب ومتعة. وهذه الحال العلوية التي تستهدفها الحاسة الأخلاقية هي حال كبار الصالحين، التي فطرهم الخالق عليها، وبخاصة الرسل، الذين اصطفاهم الله منذ البدء، لتبليغ الرسالة الإلهية، و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ١. وفي الحالة الثانية لا تمضي الأمور هكذا إلا إلى حد معين، وبفضل كفاح شخصي متجدد غالبًا. وليس قانونًا فقط أن نقول: إن استخدام ملكة ما في اتجاه معين يغذي بنفس القدر هذه الملكة المستخدمة، ولكن الله سبحانه يتدخل بمعونة إيجابية لهداية من يبحث عن الطريق الصحيح، بحثًا جادًّا، والقرآن الكريم يعلن: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا،

стр. 626

وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١، وفي الحديث القدسي عن رب العزة ﵎: "وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته" ٢. ولكن، إذا نزلنا أكثر من هذا، إلى مستوى الإنسان الوسط، ألا نلاحظ حالة شبيهة بهذه، شبهًا جزئيًّا؟ فحين نألف أن نقف أمام شهوة معينة، سواء لنفكر في صفتها التي لا تليق بكائن عاقل، أو لنحدس بنتائجها المخوفة، وحين تبلغ هذه التوقعات أو تلك القيم أن تملك علينا غالبًا تصورنا، وأن تنفذ إلى قلوبنا -ألا نحس في أنفسنا بقوة معينة نابضة، كانت إلى ذلك الحين غير محسة، وهي منذئذ تيسر أمر ابتعادنا عن الشر؟ وعليه، فإذا كان القديس مدفوعًا "بالحب"، والرجل الوسط مؤيدًا "بالعقل"، والعامي مقيدًا "بالخوف"، أو منجذبًا "بالرجاء" فإن المنهاج دائمًا هو هو، بصرف النظر عن ذلك الفرق النوعي بين الأفكار، والمشاعر، المتفاوتة في قدرها وشرفها. فالإرادة في هذه الحالة أو في تلك، مزودة بمحركات أخرى تساعد على انطلاقها، وحينئذ يصبح القرار أسرع وأيسر، ويقل الجهد بنفس النسبة. ليس المراد من ذلك أن نقول: إنه لم يعد هناك صراع، وإنما نستطيع

стр. 627

القول بأنه موجود، حتى في الحالة الحدِّية، التي لا يمكن تجاوزها، وذلك على الأقل ما يتضح من مجموع النصوص التي سوف نراها. إن القوتين اللتين نواجههما هنا ليستا مسلحتين على قدم المساواة. والقاعدة العامة هي ما قال القرآن: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ ١، والرسول ﷺ يقول فيما روي عن ابن مسعود, ﵁: "ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن". قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" ٢، وتلك هي حال عباد الله الصادقين، فليس للشيطان عليهم سلطان: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٣، ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان﴾ ٤. وإن التأثير الذي تتعرض له فطرتهم الحساسة من هذا العمل الشيطاني لهو أقل ثباتًا ودوامًا من التأثير الذي يمارس على عامة الناس، فهو مجرد ظلام خفيف ناشئ عن ظل سحابة عابرة، لا تلبث أن تتقشع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ٥. والصدمة التي يحدثها التماس الشر في أنفسهم لا تتجاوز كثيرًا شكة الإبرة في بناء صلب: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٦.

стр. 628

وليس يغض من صدق هذا القول أن نجد أكثر الناس صلاحًا هم كذلك أناس متمتعون بفطرتهم الكاملة. وقد كان النبي ﷺ يقول عن نفسه: "إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر" ١. والواقع أن "الرجل الصالح في الإسلام" لا ينبغي أن يتصور على مثال "الحكيم البوذي" المجرد من الشهوة، ولا على مثال الحكيم الرواقي الذي لا يبالي بالألم. بل الأمر بعكس ذلك، فبعض الأشياء يروق الرجل الصالح، وبعضها يكرهه، وما دام هواه الفطري أو الذي اعتاده لا يتعارض مع واجب، فهو في كلتا الحالين لا يحاول أن يقاومه. ومن هذا القبيل ما روته السنة عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يحب الحلواء والعسل"٢. وما روي عن جابر بن عبد الله ﵁ من أنه ﷺ كان يكره الثوم والبصل، وأنه قال: "من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته" ٣. وما روي عن خالد بن الوليد بن المغيرة أنه دخل مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة زوج النبي ﷺ فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل منه، فقيل: هو ضب يا رسول الله، فرفع يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ فقال: "لا؛ ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه". قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر٤.

стр. 629

ولقد "كان ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقًّا"١، وروى البخاري عن أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي ﷺ فأرسلت إليه إحدى بناته، تدعوه وتخبره، أن صبيًّا لها، أو ابنًا لها في الموت، فقال للرسول: "ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب" فعاد الرسول فقال: إنها قد أقسمت لتأتينها، قال: فقام النبي ﷺ وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وانطلقت معهم، فرفع الصبي، ونفسه تقعقع، كأنها في شنة٢، ففاضت عيناه, فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" ٣. وهذه الظاهرة نفسها حدثت عندما: "اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتى رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غشية، فقال: "أقد قضى؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فبكى رسول الله ﷺ فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا، فقال: "ألا تسمعون، إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا " وأشار إلى لسانه "أو يرحم" ٤. ومع ذلك فإن أحيا المشاعر وأعمقها لا تتفجر عنده في هذه المواقف العادية المألوفة، فلقد كان لاهتمامه بنجاة الناس، والآلام التي يحسها حين يرى

стр. 630

ضلالهم، كان لذلك تأثير موجع على نفسه، والقرآن يخاطبه بقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ١. وكما تتجه عواطفه الرقيقة نحو هذه القيم العليا، نجدها تتجه وجهة أخرى، فيما حدثنا عن نفسه: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" ٢. فالقداسة الإسلامية لا تتمثل إذن في لامبالاة مطلقة حيال الفطرة، ولكن في تفضيل مؤكد بصفة خاصة للقيم الروحية. ولذلك نجد أن القرآن حين يصف المؤمنين الصادقين لا يقول: إنهم لا يحبون إلا الله، ولكن يقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ٣. وإذن، فلكي نطرح مشكلة الجهد والانبعاث التلقائي لسنا بحاجة إلى أن نفترض حالة تكون فيها القوى المناهضة للواجب منعدمة تمامًا، بل حسبنا أن ننطلق من واقع عدم التساوي بين القوى المتصارعة؛ لأن أدنى تفوق للشعور الخير يجب أن يخفف بنفس النسبة من ثقل التكليف، ومن التضحية التي تفرضها المقاومة، ولقد ذكر القرآن هذه الملاحظة، فبعد أن أوصى بأن نستعين بالصبر والصلاة قال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ ٤. وليس من العسير أن نرى -في الواقع- من خلال النزاع الذي يقابل بين قوى متنافرة على هذا النحو -انتصارًا يبدو، أو يتجلى في خطوطه العريضة، ونقول فقط: "في خطوطه العريضة" لأننا لسنا بصدد عمل خاص تبلور بصورة ما، ويقبل عليه الإنسان عند الاقتضاء بطريقة مباشرة وآلية، بل

стр. 631

هو مجرد وجهة يدل عليها بصورة إجمالية مبسطة, الاتجاه الأكثر نضجًا وتطورًا. والآن، ما قيمة العمل الذي يؤدى في الظروف التي وصفناها؟ إنه عمل، لا هو بالتلقائي المحض، ولا هو بالكسبي الكامل، فهو ثمرة قوتين متضافرتين: الفطرة والشخص، كما هي الحال في كل عمل إنساني آخر، مع مقادير مختلفة، ولكن ألا ينبغي أن ينقص الثواب الشخصي كلما زاد إسهام الفطرة؟ هذا هو السؤال. إن هناك أولًا حالة تبدو فيها -بداهة- استحالة القول بالإيجاب، وهي حالة الرجل الوسط الذي يحرز التقدم، وتعتبر هذه المرونة الفطرية بالنسبة إليه كسبًا للإرادة، فلنقف الآن أمام هذه الحالة. أليس بخسنا للعمل الأخلاقي الذي أصبح ميسورًا نسبيًّا، معناه أننا ننكر الجهد ذاته، في خير نتائجه؟ لقد طالما ذكرنا أن الغاية من الصراع لا تكمن في الصراع نفسه، بل في النصر الذي يسفر عنه. ومع ذلك فلا ينبغي لهذا النصر أن يحمل على معنى عرضي أو صدفي، فإذا كنت للمرة الأولى أصارع ضد إغراء معين، واستطعت أن أفلت منه فليس ذلك سببًا كافيًا لأن أمنح لقب المنتصر، فمن ذا الذي يدري ماذا كنت أكون لو أن الصدفة لم تسهم بجانب من العمل، صغر أو كبر؟ ولقد قيل في المثل: إن عندليبًا واحدًا لا يصنع الربيع١.

стр. 632

ولا شك أن هذا هو السبب في أن أرسطو قد وضع الفضيلة في طائفة العادات. فنترك إذن الظروف تتغير، ولندع الفرصة تسنح في أشكال مختلفة، فإذا ما حصلت على نفس النصر، فحينئذ أستطيع أن أنشرح له، ولكنه ليس انشراحًا كاملًا أيضًا. ذلك أنه، إذا كنت في كل مناسبة ينبغي أن ألجأ إلى نفس مصادر الدعم، وأن أعاني نفس المصاعب، حتى أضمن لنفسي المطابقة الأخلاقية في سلوكي، فإني أؤكد بذلك أن صفة التمرد في فطرتي تبقى كاملة، إن لم أقل: إنها بدت عاجزة عن أن تتطور. ولعل المثال الكلاسيكي عن الطفل الذي يحاول أن يغرق كرته في الماء دون جدوى -يعطينا صورة كاملة عن هذه المحاولات المتماثلة دائمًا، دون أن تحرز تقدمًا. لسوف يبذل المسكين قصاراه ليغرق كرته، ولسوف تثب كرته وتطفو كلما تركها، إلا أن يخرقها، أو يربط فيها ثقلًا. ولسنا نغالي مطلقًا، حين نؤكد أن كل الاهتمام الأخلاقي، كما وصفه المتصوفة المسلمون، كان موضوعه على وجه التحديد أن يوقف ضرورة هذا الانهماك في المقاومة، وأن يحقق نوعًا من التوازن الداخلي، أو يقترب منه بقدر الإمكان. وهاك مثالًا من بين ألف أخرى تصدق هذه الحقيقة، وقد سيق إلينا في القصة التالية التي يستبطن فيها أبو محمد المرتعش ذاته: فلقد كان من عادة هذه الصوفي أثناء حجه السنوي أن يفرض على نفسه كل أنواع المشتقات، كان يحتمل الجوع والتعب، دون أن يشعر بأي اعتراض في نفسه، حتى ظن أنه قد أصبح متحكمًا في ميوله الغريزية، إلى أن وقع حدث تافه فتح له عينيه، ولنتركه يتحدث، قال: "وذلك أن والدتي

стр. 633

سألتني يومًا أن أستقي لها جرة ماء، فثقل ذلك على نفسي، فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجات كانت لحظ، وشوب لنفسي، إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع"١، وما لبث صاحبنا في استعادته لما قام به أن أدان كل أعماله السابقة، وأدرك أن مهمته لما تكن قد بلغت غايتها. "فالهدف من الجهد إذن هو تقليل الجهد"، وأعظم ميزة نحصل عليها منه هو أن يجعلنا مستقلين عنه شيئًا فشيئًا، وذلك في نفس الوقت الذي يجعلنا فيه أكثر إلفًا للعمل الذي درب عليه. ولا ريب أن ذلك لا يكون نتيجة عادة نتصورها في شكلها الإستاتيكي الخالي من أية محاولة، بل من حيث هي منبع ديناميكي ينمو بالتطبيق، ويعدل نفسه بتعديل موضوعه، وهو يتيح لنا السيطرة على الموقف، في أكثر الظروف تنوعًا، ومفاجأة. يجب أن يتعمق الصراع، ويتأصل، ويتحول إلى طبع خاص، فيصبح وكأنه فطرة ثانية، وبهذا وحده يمكن للمرء أن يتحدث عن أخلاق متحققة، لا عن أخلاق منشودة. ويجب أن نذكر أن هاتين المرحلتين، من الصراع، والانتصار، أو بصفة

стр. 634

أعم، هاتين المرحلتين من الإضافة الخارجية، والتقدم التلقائي قد صيغتا في اللغة العربية بصيغتين مختلفتين، ومعبرتين خير تعبير، رغم أنهما من أصل واحد: خلق، وتخلق، فكلمة "خلق، أو أخلاقية" بالمعنى الصحيح تعني تلك القدرة الفطرية أو المكتسبة، التي ينبثق عنها السلوك تلقائيًّا وبعبارة أخرى: الخلق هو الشكل الثابت لوجودنا الباطني، في مقابل الخلق، وهو الشكل الظاهري الذي وهبه الله لكل مخلوق. وطالما لم نحصل على هذا الثبات الذي بفضله تفيض الأعمال، في دفعة كريمة وتلقائية فإننا نظل في حالة التخلق، أعني حالة الاختبار والمحاولة، من أجل نسلك بطريقة أو بأخرى. ويستعمل اللفظ غالبًا في هذه الصيغة بمعنى محقر، يقترب من التصنع والتظاهر. وهكذا يكفي أن نتأمل تعريفات الألفاظ، حتى نعرف في أي جانب نضع القيم العليا. وشأن العمل، كشأن المعرفة: فلكي "نعمل" كما هي الحال حين "نحكم"، كلا الأمرين يستوجب "رأس مال" يقتطع منه. وإذا لم يكن في يد الباحث عن الحقيقة نظام من المبادئ الأولية، ومن القوانين العامة، وما دام لا يستطيع أن يحدس بالوجهة التي يوجه إليها بحوثه -فإن عمله يصبح من أطول الأعمال وأشقها. أمن حقنا أن نقول: إن الإنسان يكون عالمًا بقدر ما يزداد بطؤه في التوصل إلى الحقيقة؟ إني أتوقع أن أحدًا لن يوافقني على هذا القول، ولكن، ألا يجب علينا أيضًا، منذئذ، أن نحدد الإنسان الصالح بأنه ذلك الذي يجد رهن تصرفه

стр. 635

مجموعة من الوسائل الخاصة القادرة على إسكات صوت الهوى سريعًا، وجعل القرار الحسن أسرع وآكد؟ إن الأخذ بالرأي المقابل، الذي يحدد العمل الأخلاقي بأنه الذي يؤدي مع أكبر قدر من المقاومة -معناه الإصرار الغريب على أن يظل الإنسان في المرحلة البدائية، حيث يكون عرضة لحشد من المشاعر الشرسة، غير المستأنسة، التي لا يستطيع مقاومتها إلا إذا استدعى جهد أكثر المقاتلين يأسًا. هذه المرحلة البدائية التي لم ير فيها أكثر فلاسفتنا الأخلاقيين حرصًا١ سوى حالة عابرة، قابلة لأن تجتاز، وتستبدل بعكسها -ما كان لها بداهة أن تكون "قانونًا"، أو "نظامًا شاملًا" للقيم. ذلك، أن الحياة الأخلاقية المثلى -على هذا الرأي- لن تكون فقط حياة المبتدئين، والتلامذة، بل ستكون بالحري، حياة الأشرار والفاسدين. ولسوف يكون نموذجنا هو الإنسان الذي لا يستطيع أن يعزم على أن يسير في الحياة بشرف إلا إذا فرض على فطرته نوعًا من العنف المؤلم، وإلا إذا أتى بعض الحركات القاسية راغمًا. ومع ذلك فإن وجهة النظر هذه هي عكس ما يبدو لنا من موقف القرآن تمامًا, فلقد رأينا كيف ذم الحق ﵎، أولئك الذين لا يؤدون واجبهم بمسرة ونشاط، والذين ﴿لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ ١، ورأينا بأي أسلوب فضحهم وكشف سترهم؟ وكان أرسطو إذن على حق في أن يقول: إن الذي لا يسر لأداء الأعمال الطيبة ليس خيرًا حقًّا.
следующие страницы →