هو مجرد وجهة يدل عليها بصورة إجمالية مبسطة, الاتجاه الأكثر نضجًا وتطورًا.
والآن، ما قيمة العمل الذي يؤدى في الظروف التي وصفناها؟
إنه عمل، لا هو بالتلقائي المحض، ولا هو بالكسبي الكامل، فهو ثمرة قوتين متضافرتين: الفطرة والشخص، كما هي الحال في كل عمل إنساني آخر، مع مقادير مختلفة، ولكن ألا ينبغي أن ينقص الثواب الشخصي كلما زاد إسهام الفطرة؟
هذا هو السؤال.
إن هناك أولًا حالة تبدو فيها -بداهة- استحالة القول بالإيجاب، وهي حالة الرجل الوسط الذي يحرز التقدم، وتعتبر هذه المرونة الفطرية بالنسبة إليه كسبًا للإرادة، فلنقف الآن أمام هذه الحالة.
أليس بخسنا للعمل الأخلاقي الذي أصبح ميسورًا نسبيًّا، معناه أننا ننكر الجهد ذاته، في خير نتائجه؟
لقد طالما ذكرنا أن الغاية من الصراع لا تكمن في الصراع نفسه، بل في النصر الذي يسفر عنه. ومع ذلك فلا ينبغي لهذا النصر أن يحمل على معنى عرضي أو صدفي، فإذا كنت للمرة الأولى أصارع ضد إغراء معين، واستطعت أن أفلت منه فليس ذلك سببًا كافيًا لأن أمنح لقب المنتصر، فمن ذا الذي يدري ماذا كنت أكون لو أن الصدفة لم تسهم بجانب من العمل، صغر أو كبر؟ ولقد قيل في المثل: إن عندليبًا واحدًا لا يصنع الربيع١.
стр. 632
ولا شك أن هذا هو السبب في أن أرسطو قد وضع الفضيلة في طائفة العادات. فنترك إذن الظروف تتغير، ولندع الفرصة تسنح في أشكال مختلفة، فإذا ما حصلت على نفس النصر، فحينئذ أستطيع أن أنشرح له، ولكنه ليس انشراحًا كاملًا أيضًا.
ذلك أنه، إذا كنت في كل مناسبة ينبغي أن ألجأ إلى نفس مصادر الدعم، وأن أعاني نفس المصاعب، حتى أضمن لنفسي المطابقة الأخلاقية في سلوكي، فإني أؤكد بذلك أن صفة التمرد في فطرتي تبقى كاملة، إن لم أقل: إنها بدت عاجزة عن أن تتطور. ولعل المثال الكلاسيكي عن الطفل الذي يحاول أن يغرق كرته في الماء دون جدوى -يعطينا صورة كاملة عن هذه المحاولات المتماثلة دائمًا، دون أن تحرز تقدمًا.
لسوف يبذل المسكين قصاراه ليغرق كرته، ولسوف تثب كرته وتطفو كلما تركها، إلا أن يخرقها، أو يربط فيها ثقلًا.
ولسنا نغالي مطلقًا، حين نؤكد أن كل الاهتمام الأخلاقي، كما وصفه المتصوفة المسلمون، كان موضوعه على وجه التحديد أن يوقف ضرورة هذا الانهماك في المقاومة، وأن يحقق نوعًا من التوازن الداخلي، أو يقترب منه بقدر الإمكان.
وهاك مثالًا من بين ألف أخرى تصدق هذه الحقيقة، وقد سيق إلينا في القصة التالية التي يستبطن فيها أبو محمد المرتعش ذاته:
فلقد كان من عادة هذه الصوفي أثناء حجه السنوي أن يفرض على نفسه كل أنواع المشتقات، كان يحتمل الجوع والتعب، دون أن يشعر بأي اعتراض في نفسه، حتى ظن أنه قد أصبح متحكمًا في ميوله الغريزية، إلى أن وقع حدث تافه فتح له عينيه، ولنتركه يتحدث، قال: "وذلك أن والدتي
стр. 633
سألتني يومًا أن أستقي لها جرة ماء، فثقل ذلك على نفسي، فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجات كانت لحظ، وشوب لنفسي، إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع"١، وما لبث صاحبنا في استعادته لما قام به أن أدان كل أعماله السابقة، وأدرك أن مهمته لما تكن قد بلغت غايتها.
"فالهدف من الجهد إذن هو تقليل الجهد"، وأعظم ميزة نحصل عليها منه هو أن يجعلنا مستقلين عنه شيئًا فشيئًا، وذلك في نفس الوقت الذي يجعلنا فيه أكثر إلفًا للعمل الذي درب عليه.
ولا ريب أن ذلك لا يكون نتيجة عادة نتصورها في شكلها الإستاتيكي الخالي من أية محاولة، بل من حيث هي منبع ديناميكي ينمو بالتطبيق، ويعدل نفسه بتعديل موضوعه، وهو يتيح لنا السيطرة على الموقف، في أكثر الظروف تنوعًا، ومفاجأة.
يجب أن يتعمق الصراع، ويتأصل، ويتحول إلى طبع خاص، فيصبح وكأنه فطرة ثانية، وبهذا وحده يمكن للمرء أن يتحدث عن أخلاق متحققة، لا عن أخلاق منشودة.
ويجب أن نذكر أن هاتين المرحلتين، من الصراع، والانتصار، أو بصفة
стр. 634
أعم، هاتين المرحلتين من الإضافة الخارجية، والتقدم التلقائي قد صيغتا في اللغة العربية بصيغتين مختلفتين، ومعبرتين خير تعبير، رغم أنهما من أصل واحد: خلق، وتخلق، فكلمة "خلق، أو أخلاقية" بالمعنى الصحيح تعني تلك القدرة الفطرية أو المكتسبة، التي ينبثق عنها السلوك تلقائيًّا وبعبارة أخرى: الخلق هو الشكل الثابت لوجودنا الباطني، في مقابل الخلق، وهو الشكل الظاهري الذي وهبه الله لكل مخلوق.
وطالما لم نحصل على هذا الثبات الذي بفضله تفيض الأعمال، في دفعة كريمة وتلقائية فإننا نظل في حالة التخلق، أعني حالة الاختبار والمحاولة، من أجل نسلك بطريقة أو بأخرى.
ويستعمل اللفظ غالبًا في هذه الصيغة بمعنى محقر، يقترب من التصنع والتظاهر. وهكذا يكفي أن نتأمل تعريفات الألفاظ، حتى نعرف في أي جانب نضع القيم العليا.
وشأن العمل، كشأن المعرفة: فلكي "نعمل" كما هي الحال حين "نحكم"، كلا الأمرين يستوجب "رأس مال" يقتطع منه.
وإذا لم يكن في يد الباحث عن الحقيقة نظام من المبادئ الأولية، ومن القوانين العامة، وما دام لا يستطيع أن يحدس بالوجهة التي يوجه إليها بحوثه -فإن عمله يصبح من أطول الأعمال وأشقها.
أمن حقنا أن نقول: إن الإنسان يكون عالمًا بقدر ما يزداد بطؤه في التوصل إلى الحقيقة؟
إني أتوقع أن أحدًا لن يوافقني على هذا القول، ولكن، ألا يجب علينا أيضًا، منذئذ، أن نحدد الإنسان الصالح بأنه ذلك الذي يجد رهن تصرفه
стр. 635
مجموعة من الوسائل الخاصة القادرة على إسكات صوت الهوى سريعًا، وجعل القرار الحسن أسرع وآكد؟
إن الأخذ بالرأي المقابل، الذي يحدد العمل الأخلاقي بأنه الذي يؤدي مع أكبر قدر من المقاومة -معناه الإصرار الغريب على أن يظل الإنسان في المرحلة البدائية، حيث يكون عرضة لحشد من المشاعر الشرسة، غير المستأنسة، التي لا يستطيع مقاومتها إلا إذا استدعى جهد أكثر المقاتلين يأسًا.
هذه المرحلة البدائية التي لم ير فيها أكثر فلاسفتنا الأخلاقيين حرصًا١ سوى حالة عابرة، قابلة لأن تجتاز، وتستبدل بعكسها -ما كان لها بداهة أن تكون "قانونًا"، أو "نظامًا شاملًا" للقيم. ذلك، أن الحياة الأخلاقية المثلى -على هذا الرأي- لن تكون فقط حياة المبتدئين، والتلامذة، بل ستكون بالحري، حياة الأشرار والفاسدين. ولسوف يكون نموذجنا هو الإنسان الذي لا يستطيع أن يعزم على أن يسير في الحياة بشرف إلا إذا فرض على فطرته نوعًا من العنف المؤلم، وإلا إذا أتى بعض الحركات القاسية راغمًا.
ومع ذلك فإن وجهة النظر هذه هي عكس ما يبدو لنا من موقف القرآن تمامًا, فلقد رأينا كيف ذم الحق ﵎، أولئك الذين لا يؤدون واجبهم بمسرة ونشاط، والذين ﴿لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ ١، ورأينا بأي أسلوب فضحهم وكشف سترهم؟
وكان أرسطو إذن على حق في أن يقول: إن الذي لا يسر لأداء الأعمال الطيبة ليس خيرًا حقًّا.
стр. 636
لقد تناولنا حتى الآن الحالة التي لا يكون فيها هذا الطبع الكريم، والخير هبة من الطبيعة، بل كسبًا للجهد، والعمل الذي يؤدى بعد هذه الهداية، هو مقابل مقاومة متجمعة، في الماضي، قليلة كانت أو كثيرة، وإن كان أداؤه الآن دون مقاومة كبيرة.
وإنا لنؤكد أن العمل الذي يتم في هذه الظروف -يرجع الفضل فيه إلى الكفاءة الشخصية، فالانبعاث الناشئ عن الجهد لا يناقضه، بل يستشعر فيه أنه أصله، فهو استمرار له وتتويج، باعتباره الغاية، والوسيلة.
ولقد يعترض علينا، بأننا حين نعلل على هذا النحو، نصور الإرادة الإنسانية، وكأن فيها تلك القوة المطلقة المغيرة للكائن الأخلاقي، بصرف النظر عن جميع القوى الأخرى التي تساعد على تغييره، بل ننظر إلى تلك الإرادة، مستقلة حتى عن الفضل الإلهي؟! وفي إجابتنا على هذا الاعتراض ننكره أشد الإنكار. فمما لا شك فيه أننا نقع في خطأ فادح، حين نرتكب خلطًا كهذا في عرض الأخلاق القرآنية. ولقد آن الأوان لنتحدث صراحة عما تركناه غامضًا في فرضنا. فلنقل إذن في كلمة واحدة: فِيمَ يتمثل تدخل هذا العامل العلوي، الذي يتجلى لنا في القرآن، وفي الحديث؟
وإنه ليتمثل لنا غالبًا، باعتباره يؤدي دورًا محددًا في تكوين الطبع الأخلاقي، فهو يأتي تلبية لجهد إنساني مستهل، أو منجز، وهو يجيء على إثر هذا الجهد، سواء لتغذيته ودعمه، أو لإثرائه، والإفضاء به إلى نتيجته. وفي هذا يقول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ١، ويقول: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ٢، ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ ٣.
стр. 637
وإذن، فهناك دائمًا شيء يأتي أولًا من جانبنا، فالإنسان -لكي يتلقى النور- ينبغي أن يطلبه، وأن ينشرح له، ينبغي أن يظهر حاجته إليه، وأن يمد إليه يديه، وأن يخطو خطوات نحوه، وهو قوله, ﷺ : "ما يكن عندي من خير لا أدخره عنكم، وإنه من يستعف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، ومن يستغن يغنه الله، ولن تعطوا عطاء خيرًا وأوسع من الصبر" ١.
فالمدد الإلهي مشروط إذن بجهد إنساني، وهذا الجهد مع ذلك يحتفظ بقيمته كاملة، فأما السكينة، والراحة اللتان تعقبانه فإنهما لا تنقصان من أجره شيئًا.
والحق أن القرآن لا يذكر في بعض آياته هذه العلاقة، على أنها بين شرط ومشروط، بل إنه أحيانًا لا يشير أدنى إشارة إلى المحاولة الإنسانية، وهو حين يتحدث عن الهداية الكاملة التي يحظى بها الأصفياء، يقدمها على أنها ثمرة إنعام خالص، جاء بفضل الله مباشرة، وهو ما نقرؤه في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ٢، ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُْ﴾ ٣؛ لأنه ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ ٥.
стр. 638
بيد أن ترك الذكر لا يعني بالضرورة النفي، ولو أننا أردنا أن نحكم على هذا الموقف ببعض هذه الآيات نفسها فلسوف يظهر أن هذه المنحة السماوية لم تكن إلا أجرًا على موقف محسن أبداه هؤلاء الناس من قبل: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ١, ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ٢. فهناك إذن إيمان يحتاج إلى تقوية، ومشاعر جديرة بالإثابة.
ولن نمضي -بطبيعة الحال- إلى حد أن ندعي أن العمل الإنساني سابق مطلقًا، فمن البداهة أن وجودنا العضوي، والنفسي، والاجتماعي، سابق على وجودنا الأخلاقي، ثم إن الإمكانات الموجودة بالقوة في باطن هذا الوجود الأخلاقي تسبق النشاط الشعوري، وتعد له.
بل إننا لنمضي إلى القول بأن هنالك نوعًا من المدد الإلهي الإيجابي للأنفس ذات الاستعداد الطيب، وزيادة في القوة تغنيها عن مزيد من الجهد في المقاومة، ضد الاتجاهات السيئة.
وإنا لنقف أمام هذه الحالة الأخيرة كيما ندفع برهان النظرية المناقضة إلى نهايته.
فلنفترض إذن أن النصوص تعني هذه الأنفس المتميزة، وأن هذه القوة التي اكتسبتها ليست في جانب منها نتيجة تدخلها الإرادي والمجاهد. ومع أننا نقرر مع القرآن أن هذه الأنفس باستعدادها الطيب للتقوى: ﴿كَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ ٣ -فإننا نسلم أنها استحقت ذلك فعلًا: ﴿فَضْلًا
стр. 639
مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ ١ -حينئذ يثور أمامنا سؤال هو: ماذا بقي إذن لجزائهم؟ وكيف نفسر حقيقة أن القرآن لا يدخر مدحًا إلا وجهه إليهم، ولا وعدًا حسنًا إلا أعده لهم؟
هنا تظهر بكل وضوح "المناقضة" بين "الجهد"، و"الانبعاث التلقائي".
فأما القائلون بالقيمة الذاتية وغير المشروطة للجهد فربما أرادوا أن يلطفوا من حدة رأيهم، فيقترحوا علينا صورة من الاحتكام. ويقولون لنا: إن غيبة الجهد في مواجهة شهوة مستبعدة لا يضعف الخلق، بشرط أن يبقى هذا الجهد في حالة تحفز وحركة لمجاهدة شهوات أخرى باقية، ولا يحدث إلا في الحالة القصوى -عندما تقهر جميع الأهواء الفاسدة- أن تصبح "الأخلاقية" غير ذات موضوع؛ لأنها سوف تخلي مكانها حينئذ "للقداسة".
هذا الحل لا يبدو لنا مقنعًا:
أولًا: لأن النصوص لا تفرق بين نفس أعفيت من هذا الصراع إعفاء كليًّا، وأخرى أعفيت منه جزئيًّا، وليس هذا فحسب، بل يبدو أنها تضفي أعلى القيم على النفس التي تبغض الرذائل كلها وتمقتها: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ ٢.
ومن ناحية أخرى فإن الصيغة، على الرغم من تلطيفها، قد اقتبست كثيرًا من المبدأ المتناقض، الذي بنيت عليه الصيغة القديمة، فهي تنظر دائمًا إلى الجانب "غير المهذب" من النفس؛ فلا خلق إلا بقدر ما يكون هناك من شرور، يجب مجاهدتها، فبين الأخلاقية والجهد "الدفاعي" علاقة وثيقة إن لم يكونا شيئًا واحدًا.
стр. 640
وأما حلنا فشيء آخر تمامًا.
ذلك أننا -من ناحية- نبقي للنصوص هدفها الشامل، فنحن نرى أن النصر مهما تراحب مداه، وأية كانت علته يمنح النفس المتحررة من أدرانها أجرًا أعلى بالنسبة إلى النصر الذي يظل هدفًا لإغراءات الشر المتحفزة.
وبدلًا من أن يسير تقديرنا متوازيًا مع مشقة المقاومة يجب أن يزيد كلما نقصت هذه المشقة. فالقول الحق في نظرنا، هو القول الذي يقرر علاقة عكسية بين القيمة وضرورة الجهد المحارب، فالقيمة مرتبطة بتقهقر هذه الضرورة، لا بتقدمها.
ولكنا، في مقابل ذلك، لا نقفل حلقة الأخلاقية بعد هذا الانتصار؛ لأننا بدلًا من أن نوفق بينها وبين جانب واحد من نشاطنا، نحدد لها "مجالين" ثانيهما ليس أزهدهما قيمة، فبعد أن نصارع ضد الظلام، يواجهنا الصراع في النور، وكل شهوة نحكمها هي عقبة نجتازها، ونير ننزعه، ودرجة من الحرية والخصوبة نرتقيها.
فمنذ أن تصبح الإرادة الطيبة لا يناوئها عدوها، وحين لا تصبح هنا ضرورة للجهد المكافح، "فإن جهدًا آخر يطرح نفسه، ويفرضها". فالوقت, والقوة اللذان كانا مخصصين لأعمال "الهدم" وإزالة الأنقاض سوف يدخران منذئذ، إلى أن يصبحا أعظم قدرًا، وأكثر استجماعًا، لأعمال "الإنتاج والبناء".
لقد عرفت الأخلاقية أحيانًا بأنها: "فن السيطرة على الأهواء"، وهذا التعريف ناقص؛ لأنه لا يعبر إلا عن الجانب السلبي، والوجه الأدنى قيمة من العمل، بل إنه في رأينا مرحلة تمهيدية. فالأخلاق بالمعنى الكامل للكلمة هي أيضًا وبصفة خاصة مشروع لتحقيق القيم الإيجابية، وصيغة أمرها
стр. 641
المبدئي ليست: "كف نفسك عن الشر" بل هي: "افعل الخير". وكل ما في الأمر أننا نجد أنفسنا أحيانًا، وبشكل ضمني، مضطرين إلى أن نوجه هجومنا ضد العدو، الذي يروم تحويل أنظارنا عن هدفنا الأساسي.
وحسبنا لكي نقتنع بهذا أن نقرأ هذا التدرج في الوصايا الإسلامية:
فعن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي, ﷺ : "على كل مسلم صدقة" , قالوا: فإن لم يجد؟ قال: "فيعمل بيديه، فينفع نفسه ويتصدق". قالوا: فإن لم يستطع، "أو لم يفعل"؟ قال: "فيعين ذا الحاجة الملهوف". قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: "فيأمر بالخير" أو قال: "بالمعروف". قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: "فيمسك عن الشر، فإنه له صدقة" ١.
هذا ومن الأمور الشائعة تشبيه الأخلاق بالطب، فأحدهما للنفس من حيث كان الآخر للبدن.
وإذا كان فن الطب لا يكتفي بأن يكون موضوعه أن يعالج الحالة المرضية للجسم، كيما يوفر لها الصحة، بل يهتم أيضًا، وبأوفى قدر، بالحالة العادية، من أجل صونها، وتحسينها، فإن مهمة مماثلة ينبغي أن تناط بطب النفوس: فمن واجبه أن يصف لكياننا الجواني نظام التغذية، وطريقة اتباعه لتحقيق أنسب الظروف لتنمية هذا الكيان.
وهكذا يأتي "الجهد المبدع" فوق "جهد المدافعة"، وبعد أن حددنا موقف القرآن حيال جهد المدافعة، يجب أن نرى الآن موقفه من جهد الإبداع.
стр. 642
ب- الجهد المبدع:
لنفترض الآن أن أحد ميولنا السيئة، أو كثيرًا منها، أو كلها -قد انزاح من وجودنا الأخلاقي، إننا نكون بذلك قد حققنا تقدمًا. وكلما تخلص حقل عملنا من أعشابه الضارة، أصبح أكثر قابلية للزراعة. ومع ذلك يجب ألا نظن أنه قد أصبح -للحال- صالحًا؛ لأن تنحية الاتجاهات الضارة ليس معناها خلق الاتجاهات النافعة بالضرورة.
ولذلك يجب ألا نبقى في حالة اللامبالاة، والحياد، حيال ما يجب غرسه، فبعد أن ننزع الأعشاب الضارة يجب علينا أن نبحث عن البذور الجديدة. فأما إذا التزمنا موقفًا محايدًا في هذا الصدد فإن هذا الموقف يكون ضد الأخلاق.
ولنفترض كذلك أن بعض الميول الصالحة الراسخة تحتل لدينا الآن المكان الأول، فتلك ولا شك خطوة جديدة، تجعلنا أكثر تأهلًا للأخلاقية، ولكنا لا نكون بعد في صميم أرضها.
في هذه المرحلة يتمثل الخير لنا على أنه الأجدر، أو الأفضل، ولكنا لم نترك بعد مجال النزوع. وشتان بين أن "ننزع" إلى شيء، وأن "نريد" هذا الشيء، فالعمل الأخلاقي الأول هو الإرادة، على وجه الخصوص. وليس المراد فقط إرادة "الخير" من حيث هو مفهوم عام, يحوطه الغموض وعدم التحديد، مما تحتويه العموميات، بل هو إرادة هذا الخير، أو ذاك، محددًا معرفًا بكيفه، وكمه، وغايته، ووسائله، ومكانه، وزمانه.
ولكن بأي معنى يمكن أن نتحدث هنا عن العمل النشط؟
نستطيع أن نميز "ثلاثة معان": فهو يتمثل "أولًا" في "بحث جاد" مستبعدًا كل تراخ، عن ذلك الحل المعين الذي يجب أن نأخذ به، فما
стр. 643
ينبغي أن نكل أمر تحديد موضوع إرادتنا إلى تصاريف الطبيعة الخارجية، ولا إلى حركات فطرتنا الداخلية. وليس دورنا الأخلاقي أن نقف متفرجين على ما يحدث أمامنا، أو في داخلنا، ولا أن ننقاد انقيادًا آليًّا للحواس، أو العواطف الجامحة. بل ينبغي على العكس أن نسمو فوق جميع الاعتبارات الباطنة والظاهرة، وأن ننظر من عل إلى كل الحلول الممكنة، لنجري اختيارنا واضحًا جليًّا، وذلك في الواقع هو الجانب الذي يختص بشخص الإنسان، كعامل حر، ومستقل، نسبيًّا.
وحتى لو أننا اخترنا هذا الحل أو ذاك من الحلول المقترحة دون أن نضيف إليه أي تعديل، فإننا حين نوافق عليه وندمغه بطابع شخصيتنا، أو -في كلمة واحدة- حين نتبناه، حينئذ فقط نستحق أن نعتبر أخلاقيًّا صانعي أعمالنا.
والقرآن الكريم، فيما خلا النصوص التي تذكرنا بواجباتنا الخاصة، ما زال يؤكد أهمية هذا الواجب العام الذي يضم كل الواجبات الأخرى، فهو يستثير همتنا دون تحديد، مستعملًا الفعل "عمل" في حالة اللزوم، ويصوغ لذلك أوامر وعظات يكررها، فيقول: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ ١, ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين﴾ ٢.
إن القدرية الاتكالية هي العدو الأول للأخلاق الإسلامية، ونحن ندعم رأينا في هذا الموضوع، بالواقعة التالية التي رواها أكبر اثنين من المحدثين "هما البخاري ومسلم". فقد روى البخاري عن محمد بن بشار، قال: حدثنا غُنْدر، حدثنا شعبة عن منصور والأعمش سمعا سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن علي ﵁ عن النبي, ﷺ : أنه كان في جنازة، فأخذ عودًا، فجعل ينكُت في الأرض، فقال: "ما منكم من أحد إلا كُتِبَ
стр. 644
مقعده من النار، أو من الجنة". قالوا: ألا نتكل؟ قال: "اعملوا، فكلٌّ ميسر" ١، ثم تلا قوله ﵎: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ٢.
هذه الدرجة الأولية من الجهد لا بد منها للأخلاقية، فهي روحها وجوهرها، فمن وضع نفسه في الدرجة الأدنى من ذلك مباشرة، فإنه يتخلى ويتنازل عن كرامته كإنسان. ولكي نستعمل تعبيرًا من تعبيرات النبي ﷺ نقول: إن عدم وجود هذه الدرجة الأولية لا يسمى ضعفًا، بل هو "عجز" حقيقي، وذلك وارد في قول الرسول ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" ٣.
بيد أن للجهد المبدع "معنًى ثانيًا"، وهو لا ينحصر في اختيار إرادي، أيًّا كان نوعه، بل في "اختيار صالح". ولا ريب أنه إذا كان بحثنا -على سبيل الافتراض- قد اتجه من قبل نحو الخير، فإن جميع الحلول التي نحصل عليها سوف تبدو لنا صالحة. ومع ذلك فليس كل ما يستهدف خيرًا هو بالضرورة صالح في ذاته، ومشروعية الغاية لا تعفي من مشروعية وسائلها، فلكي يكون الحل المتصور مقبولًا لا يكفي أن يستهدف الخير، بل يجب كذلك أن يستلهم الشرع، وأن يتطابق مع قواعده، في بنائه ذاته. ولقد
стр. 645
يحدث في الواقع أن يكون أحد الحلول كافيًا جدًّا ليوصف بأنه صالح، وأن يكون حل آخر أقل من أن يستحق هذا الوصف.
ولنأخذ على ذلك مثال "الصدقة"، فلا شيء أوضح منها، ولا أكثر اشتراكًا بين جميع الضمائر، طالما حملت على معناها العام. ولكن متى طلبنا بدقة ما يريد كل فرد أن يصنعه بصورة حسية في هذا المجال، كيما يفي بتكاليفه -فإننا نقع في أكثر التعريفات تضاربًا؛ ذلك أن المساعدة المالية التي يريد المتصدقون أن يقدموها للفقراء قد تختلف، على ما لا يحصى من الدرجات، تبعًا لكرمهم، وابتداء من الفلس، إلى حد هبة الثروة بأكملها.
ولكن الشرع الأخلاقي، على الأقل في لغة الإسلام، لم يدع الأمور تجري في أعنة الفوضى، بل لقد أقر إجراء، وثبت حدودًا. فهو -من ناحية- قد أقر حدًّا أدنى معونة سنوية قدرها ٢.٥% من الثروة النقدية و٥% أو ١٠% من المحصول "تبعًا لطريقة الري" وهو من ناحية أخرى قد جعل ثلث الثروة الكلية حدًّا أقصى، من حق الإنسان عند الوصية، أن يمنحه لآخر، من غير ورثته الشرعيين.
فواجب المؤمن محدد على هذا النحو: أن يتحاشى الطرفين المحرمين، فلا يقنع بقدر من المال أقل من الحد الأدنى الواجب، ولا يتجاوز الحد الأقصى المباح.
وإذا كان المجال هنا قد اهتم بالاعتبارات الكمية، فهناك مجالات أخرى تضع في الاعتبار الأمور التي تتصل بالكيفية، وبالهدف، وبالزمان، وبالمكان. وكلها شروط بنائية أو تحتمها الظروف، ويجب أن تتحقق لتنشئ ما قد تعتبره الأخلاق الإسلامية اختيارًا صالحًا. فالعمل الذي ينعدم فيه أحد هذه العناصر الجوهرية يسقط بنفس الأثر في حمأة الشذوذ.
ولقد نجد في هذه التنظيمات بعض الجور على الضمائر الفردية، بحيث لا تترك
стр. 646
شيئًا لاختيارها الحر، ولسوف نرى فيما بعد مدى حرية التصرف المتروكة لهذا الاختيار.
بيد أنه ليس من الصعب أن نلاحظ أن القاعدة لم تحل كل مشكلة، وهي لا تستطيع مطلقًا أن تحل كل مشكلة، وذلك حين لا نتجاوز الإطار المقيد للحد الأدنى المقبول.
ونعود إلى نفس المثال، لنجد أنه يبقى علينا أن نختار الأشخاص الذين لهم الحق كل الحق في مساعدتنا، والطريقة التي نعطيهم بها "وعلى سبيل المثال: سرًّا أو علانية"، وأن نراعي كذلك كيفية عطائنا، وبخاصة حين يكون عينيًّا.
وباختصار، كلما خضنا في التجربة الحسية وجدنا أن بديلًا يفرض نفسه دائمًا على اختيارنا، دون أن نخرج -مع ذلك- عن واجبنا الدقيق.
وأخيرًا فلنتناول "الدرجة الثالثة" من الجهد، فعندما نريد حل مشكلة أخلاقية يتمثل لأعيننا كثير من الحلول، كلها صالحة على وجه التحقيق, وقد يحدث غالبًا ألا يكون صلاحها بدرجة متساوية، فمنها ما تتوفر فيه الشروط الأولية للواجب، توفرًا كاملًا، ومنها ما هو أكثر أو أقل جدارة. و"البحث عن الأفضل" هو ما ينشده الجهد المبدع في درجته الثالثة، فهل هذا البحث عن "الأفضل" هو أيضًا مما تلح الأخلاق القرآنية في طلبه مثلما تلح في طلب "الخير" دون زيادة؟
من المحال علينا أن نجيب بالنفي، فالقرآن ما يزال في الواقع يدعو معتنقيه إلى هذا النوع من الجهد، ويوصيهم به، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
стр. 647
أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١، وقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُون﴾ ٤. وهي آيات تريد أن تقول: إن الذين كان لهم التفوق الأخلاقي على الأرض سوف يكونون أول من يلقاهم الله يوم القيامة.
وأخيرًا, نقرأ في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ هذه القولة الجميلة: "إن الله تعالى يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها" ٥.
وعلى هذا النسق نجد مثالًا ملموسًا في واقعة تاريخية مشهورة، فنحن نعلم الظروف التي عزم فيها رسول الله ﷺ وصحابته على أن يثأروا من المشركين في مكة لأول مرة، أولئك الذين لم يقتصروا على أن أكرهوا المسلمين على ترك بلدهم، واستولوا على أموالهم وديارهم المهجورة، بل إنهم دأبوا على اضطهاد المستضعفين الذين لم يستطيعوا الهجرة.
وقد خطرت للمسلمين المهاجرين إلى المدينة وسيلتان لاستنقاذ إخوانهم المحتجزين بمكة، ولتحطيم كبرياء المعتدين، فإما أن يتصدوا لقافلة تجاراتهم لدى عودتها من الشام، وإما أن يأخذوا بزمام المبادرة فيلاقوا جحافلهم التي تفوق عدد المسلمين ثلاث مرات، والتي توفر لها الكثير من العدة والسلاح، وكانت قد سارت إليهم فعلًا، واستشار النبي ﷺ أصحابه، قائلًا: "إن الله وعدني إحدى الطائفتين، العير أو النفير"، وقد مال الاتجاه العام أول
стр. 648
الأمر إلى الحل الأقل خطرًا، والأكثر فائدة، ولكن الله كان يريد أكثر الحلول تأثيرًا، وأعظمها شرفًا، وأقدرها على حسم النزاع بين الحق والباطل، وقد كان، وهو ما سجلته الآية الكريمة: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ١.
وهكذا يدعو القرآن المؤمنين إلى أن يبتغوا في سلم الأعمال أسماها وأقواها تأثيرًا.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: إلى أي مدى يطلب منا هذا الجهد الأرفع؟ وهل هو يطلب بنفس الصرامة المتمثلة في الدرجتين السابقتين؟
نعم، ولا ريب، عندما تكون إحدى القيم الرفيعة في خطر، ولا يوجد لصونها والمحافظة عليها من وسيلة أمام الإنسان إلا أن يجاهد بكل قواه، ويستنفد كل موارده.
وأعظم دلائل الإيمان -كما رأينا- هو التضحية التي يقدمها المؤمن عن طواعية وحرية، وهو بذل النفس -حتى النفس- من أجل المثل العليا التي تعلو عليها.
ولكن، هل من الممكن في الظروف العادية أن نجيب بالإيجاب، بكل دقته وصرامته؟
لا نظن ذلك؛ لأن معناه، أولًا، أننا نلغي فكرة الدرجة من تقديراتنا
стр. 649
الأخلاقية، وقد يصبح مجال العمل ضيقًا شديد الضيق، إلى حد ألا يسمح إلا بعمل واحد لا يختلف مطلقًا بالزيادة أو النقصان. ولسوف نجد أن الجهد الكريم الذي قد يقف على بعد خطوات دون الغاية المرجوة، سوف يوصم بنفس القدر من اللاأخلاقية التي يوصم بها أي عميل بليد، أو متوسط، أو ضعيف. بل إن الفضيلة نفسها سوف تكون مفهومًا خياليًّا، لا وجود له إلا في عالم الأساطير. ذلك، أنه إذا كان ما ندعوه بالممكن الأفضل يعني هذا الحد المحدود للقدرة الإنسانية فلسوف يختلط لا محالة بما هو فوق الإنساني، أو بالأحرى بما هو لاإنساني. فلكي يتأكد الإنسان من أنه استعمل كل قواه يصبح دليله الوحيد أن ينتحر باستهلاك نفسه. وبهذا نرى إلى أية استحالة يقودنا فرض كهذا.
أما موقف القرآن فجد مختلف عن هذا. فهو من ناحية يجعل فكرة "الكمال" ما بين الانهماك غير المعقول، والجهد المتوسط.
وهو من ناحية أخرى، مع تشجيعه الناس على أن يطلبوا الأفضل، يزكي ويستر بلطفه أهل الصلاح الطيبين جميعًا، ضعفاء كانوا أو أقوياء. ومن أجل هذا وجدناه بعد أن يقيس المسافة بين المجاهد الذي يبذل نفسه وماله, والخالف الذي يبقى في المؤخرة، وبعد أن يعلن أفضلية المجاهد في قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ ١، إذا به يستدرك قائلًا: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ٢.
وهذه المقارنة ذاتها، بل ونفس التقدير، بين منفقَيْن، أحدهما بادر
стр. 650
بالإنفاق في الظروف الشاقة، على حين جاء الآخر من بعد، عندما تضاءلت المشقات كثيرًا: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ١.
ومن هنا ينبع قانون عام ذكره النبي ﷺ في قوله: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير" ٢.
ومن هنا نفهم بسهولة لماذا تتغير لهجة القرآن، فهو حين يتحدث عن موقف عُدِمت فيه الطاقة كلية، وسيطر عليه تراخٍ عظيم التفريط، يكون التحريم صريحًا، واللوم عنيفًا، فأما إذ كان الأمر هنا أمر إهمال ضئيل وضعف نسبي بسيط, فإن الرحمة تبدو هنا مشروعة، وملائمة.
وهذا المبدأ في التدرج، الذي انطوت عليه نصوص لا تحصى، قد هدى العلماء والفقهاء المسلمين إلى ترتيب معاني الخير والشر متدرجة، بحيث أدى ذلك إلى تصنيف كل منهما في طائفتين رئيسيتين، وعلى هذا النحو فإن العمل الصالح يمكن أن يكون: إما تكليفيًّا صارمًا، وإما تفضيليًّا جديرًا بالاختيار، وكذلك في حالة العكس أي: العمل الخبيث، إما أن يكون محرمًا صراحة، وأما معيبًا فقط، غير مستحب.
وها نحن أولاء الآن نستطيع أن نجيب عن السؤال المطروح, فنحن باستعمالنا لهذه المصطلحات التي أصبحت مقبولة لدى الجميع نقرر أولًا أن البحث عن الممكن الأفضل، متى تجاوز منطقة محددة بالنسبة إلى كل واجب، والتي تعتبر تكليفًا مطلقًا -فإنه يدخل بذلك في مجموعة الخير النافلة.
стр. 651
ولعلنا نذكر حالة الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال: "الصلوات الخمس، إلا أن تطوع شيئًا". فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ من الصيام؟ قال: "شهر رمضان، إلا أن نطوع شيئًا". قال: أخبرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة؟ قال: فأخبره رسول الله ﷺ شرائع الإسلام. قال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئًا، ولا أنقص مما فرضه الله عليَّ شيئًا، فقال رسول الله, ﷺ : "أفلح إن صدق" ١.
ثم إن كلمة "الأفضل" هنا لا ينبغي من ناحية أخرى أن تؤخذ على أساس أنها صيغة الحد الأعلى، بل على أساس المقارنة، فإن المستوى الذي يندب جهد كل إنسان إلى أن يبلغه مباشرة ليس هو الدرجة الحدية التي يتعين الوقوف عندها، بل كل الامتداد الذي يقع فوق التكليف، بالمعنى الدقيق للكلمة. وفي هذا الامتداد المتراحب الذي يتسع لتنافس كل الناس، يدعى كل واحد منهم إلى أن يرتقي بالتدريج، من نقطة إلى أخرى، بحسب قدراته، ومع مراعاة ما بقي من تكاليفه.
هاتان الملاحظتان تسهمان من جانبهما في إبراز الصفة الرحيمة في هذه الأخلاق، فهما تضيفان إليها جانبًا جديدًا، فضلًا عن الجانب الذي تناولناه من قبل٢.
وخلاصة القول: أن العناصر الثلاثة التي يتكون منها الجهد المبدع بأكمل معاني الكلمة هي: "الاختيار الإرادي"، و"الاختيار الصالح"، و"الاختيار الأفضل".
стр. 652
والعنصر الأول هو روح الأخلاق بعامة، والثاني يقدم إلى كل من الأخلاق الخاصة نوعيتها المختلفة، مع مراعاة القواعد الخاصة بكل نوع، وأما الثالث فهو يصل أخيرًا لإتمام عمل الاثنين وإكماله.
وإذا كانت أغلبية المذاهب الأخلاقية تقوم على أساس مبدأ وحيد، هو "الواجب" أو "الخير"، فإن الأخلاق القرآنية هي إذن، وفي نفس الوقت "أخلاق واجب"، و"أخلاق خير". ولو أننا افترضنا أن الجهد بالمعنى الكامل للكلمة في متناول أيدي جميع الناس فإن هذه الأخلاق لا تبدو متشددة إلا بصدد الدرجتين الأوليين، فأما الدرجة العليا فإن اقتضاءها يصبح "نصحًا"، و"تشجيعًا".
والآن ندرك كيف يصبح من الممكن أن نقيم بين هذه المراحل الثلاث للجهد المبدع سلمًا من القيم الأخلاقية المتصاعدة. والتوازي "بين قوة الجهد والتصاعد في القيمة" وهو الذي كنا نرفضه بالنسبة إلى جهد المدافعة، نقبله هنا بكل رضًا فيما يتعلق بالجهد المنتج. ولكن لما كانت زيادة هذا الجهد المنتج مستفيدة طبيعيًّا من النقصان المشروع في جهد المدافعة، فإن نتيجتينا تتوافقان، وتؤكد إحداهما الأخرى. فهما في الواقع ليستا سوى ترجمتين لحقيقة واحدة بذاتها.
وفائدة هذا المفهوم أنه يعيننا على حل عدد من "المشكلات". فهو يسمح لنا "أولًا" بأن نُرضي الحرص المشروع للنظرية القائلة بأن "الجهد هو شرط كل قيمة أخلاقية". والواقع أن هذه النظرية تجد تسويغها في هذا الشعور بالحيرة الذي يصيب الضمير، حين يراد له أن يسلم للصالحين بثواب على أفعال لم يحققوا فيها جهدًا ولا انتصارًا، والمبدأ الذي تدافع عنه تلك النظرية مبدأ ممتاز، ولكنها فقط تطبقه تطبيقًا سيئًا، ومن ناحية
стр. 653
واحدة: إنها لا ترى أن النقص من ناحية مُعوَّض بالزيادة، وفيض الزيادة من الناحية الأخرى١.
والواقع أن هدف جهد القديس أو الصالح ليس: أن يتحاشى الكبائر، ويتحفظ من السقوط في "قاع" الأخلاق، بقدر ما هو: أن يتحاشى التوقف عند درجة من الكمال أية كانت، وأن يصعد دائمًا إلى أعلى، في الطوابق العليا.
فالأخلاق عند القديسين ليست حربًا، بل هي بالأحرى حياة، بكل ما تضمه الحياة من صراع في المسيرة وفي التقدم؛ ولذلك يشعرون أثناء فترات راحتهم القصيرة بأنهم منادون إلى أن يبدءوا العمل، وهذا النداء الباطن يرتدي في القرآن شكل دعوة صريحة إلى النبي, ﷺ : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ٢.
وهكذا يتضح أننا أبعد ما نكون عن القول بأن أي مخلوق، مهما كان, يمكن أن يُعفى نهائيًّا من الكفاح؛ بل إننا نرى كيف ينفتح أفق لا حد لرحابته أمام الأنفس الطاهرة المخلصة كيما تبذل جهدها. فحتى لو انتهت مقاومتنا ضد الأهواء المضادة للشرع، فإن علينا أن نقهر خمود المادة، وأن ننتصر على تثاقل الفطرة؛ كيما نحلِّق في آفاق تزداد على مر الزمن رقيًّا.
ومن هنا تنبع هذه النتيجة التي لم يسبق إليها أحد، والتي تبدو في الظاهر متناقضة: إن "القداسة" بدلًا من أن توضع خارج الأخلاق، سوف تكون -بالعكس- "الأخلاقية بأجلى معانيها". وتلك على
стр. 654
ما نعتقد وجهة نظر القرآن، في قوله مخاطبًا النبي, ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
و"المشكلة الثانية" التي يمكن أن تحل، في ضوء المبدأ نفسه، هي مسألة معرفة ما إذا كانت "القداسة" تنتظم بدورها درجات؟
لا شيء يمنعنا من أن نجيب بالإيجاب، شريطة أن تكون جميع الدرجات داخل إطار الكمال، بأوسع معاني الكلمة.
وموقف القرآن واضح كل الوضوح في هذه النقطة، وإليك بعضًا من أقواله:
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٢، ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٣.
ومع ذلك، فلنحذر أن نخلط هنا فكرتين متميزتين تميزًا تامًّا، وإن كانتا متصلتين من بعض الجوانب: "الأقل كمالًا" و"الناقص"، فغالبًا ما ينزلق الفكر تلقائيًّا من إحدى هاتين الفكرتين إلى الأخرى، ويمضي هكذا إلى حد أن يسيء تقدير رجل كامل، بمقارنته برجل أكثر كمالًا.
ولقد اعتنى رسول الإسلام ﷺ بتنبيهنا إلى هذا الموقف إزاء رسل الله، وتحذيرنا منه، فقال: "لا تخيِّروني على موسى" ٤, وإذا كان القرآن
стр. 655
قد حكى على لسان المسلمين هذه المقالة الدالة على الإيمان: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ١ فإن هذا النفي ينبغي ألا يتوجه فقط إلي الفرق المتعلق بحدث الإيمان، أعني "الاعتقاد ببعضهم، والإنكار لآخرين منهم"، كما تدل عليه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٢, بل ينبغي أن ينصرف أيضًا إلى كل تفرقة تتجلى في تقدير يضفى على بعضهم، ويحرم منه آخرون.
ومن هنا، فيما نعتقد كان موقف القرآن، في أنه لم يتبع الترتيب التاريخي، فهو لا يسير على أي نظام محدد في تعداد الأنبياء، بحيث إن نفس الاسم، المنسوب إلى نفس المجموعة، لا يظهر دائمًا في نفس الموضع، على هذه القائمة.
وفي رأينا أننا حين نقرأ أسماءهم في أنساق متنوعة، فإن الهدف من ذلك إزالة الوهم بأن بينهم تدرجًا في المقام ثبت لهم جميعًا مرة واحدة، وقد يعد ذريعة إلى موقف غير مناسب حيال بعض منهم، أيًّا كان.
"ومشكلة أخرى أيضًا" هي مشكلة معرفة ما إذا كانت "القداسة" يمكن أن توجد مع "المعصية"؟ عن هذا السؤال يمكن أن نجيب بنعم، وبلا، تبعًا للتعريفات التي تعطى للكلمات.
فإذا كان المقصود بكلمة "معصية" معناها العادي، الذي يتمثل في عصيان متعمد، فلا مرية في أنه لا يمكن أن تكون موضوع حديث بالنسبة
стр. 656
إلى من كلفتهم السماء بهدايتنا، إن عصمة هؤلاء الرجال، في الواقع، وفي الشرع، يجب ألا تكون موضع شك، لسبب جد بسيط، هو أننا على سبيل الافتراض يجب أن نقتدي بهم، والمعصية التي قد يقعون فيها ربما يقر في أذهاننا حينئذ أنها صارت "واجبًا" ولم تعد من قبيل "المحرم".
أما الأصفياء الذين لم يكلفوا برسالة إلى الناس، فعلى الرغم من أن عصمتهم ليست ثابتة "شرعًا" فإنها توجد في "الواقع" بصفة عامة. وإذا كان يحدث لهم أن يذنبوا، فما ذلك إلا على سبيل الندرة والشذوذ، الذي يحدث نتيجة نسيان، أو غفلة، بحيث منع ذلك مؤقتًا ضميرهم من أن يمارس وظيفته العادية، ولكنهم سرعان ما يرجعون إلى صوابهم، وفي ذلك يقول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ١، ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ٢.
فأما إذا أخذنا كلمة "المعصية" بطريقة أخرى، وحملناها على معنى لطيف، لا يعني سوى تأخير قليل، وتوقف مؤقت طارئ، في استيعاب القيم، فإن المعصية بهذا المعنى تتمثل في أن يأخذ القديس بحل حسن، أو حتى ممتاز في نظره، ومع ذلك، فإن هناك حلًّا آخر، ربما كان أفضل في الواقع. وعندما ينكشف له هذا الحل الأفضل أخيرًا، فإن الأسى والندم الذي يجده في نفسه حينئذ، يعدل ما يستشعره الرجل الصالح بعد أن يرتكب كبيرة.
وبهذا المعنى، اعتاد المفسرون أن يشرحوا لنا ألفاظًا مثل: "العصيان"
стр. 657
في قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ ١، و"الظلم" في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ ٢، و"الذنب" في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ٣، وهي ألفاظ يصف بها القرآن أحيانًا الأنبياء، ولم ينج منها رسول الإسلام محمد, ﷺ .
وهذه الألفاظ كلها، وهي التي تعني حين يوصف بها عامة الناس أشد الذنوب نكرًا، هي هنا ذات معنى بالغ اللطف، كالنسيان: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ ٤، والخطأ: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٥، أو حتى مجرد الانعكاس الطبيعي: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُون﴾ ٦، وهذه كلها أمور لا معنى لها في نظر العامة، ولكنها تتعرض لنوع من التضخيم في ضمير الصفي. ولقد قيل دائمًا بحق: "إن النبل ملزم" "noblesse oblige".
والواقع أن القرآن يعملنا أن ذنوب الكبار ضعف ذنوب الآخرين: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ٧، ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٨، على حين أن الذين يجاهدون حتى لا يقعوا في الكبائر تغفر لهم الصغائر برحمة من الله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ٩، ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ١٠.
стр. 658
وهكذا نجد في القرآن لكل درجة من درجات الدقة مقتضياتها الخاصة، كما نجد فيه -لكي نبلغ مستوى الكمال الكلي- تصاعدًا لا ينتهي.
والحق أنه كثيرًا ما يحدث لدى كبار القديسين أن يحكموا على أنفسهم في سلوكهم العادي بأنهم أدنى من المرتبة العليا التي يطمحون إليها، ولما كان ماضيهم بالنسبة إلى حاضرهم كحاضرهم بالنسبة إلى مستقبلهم، ليست هذه كلها سوى مراحل من التقدم المستمر، فإن كل حالة سابقة تتمثل لهم على أنها مما يوجب الحياء حقًّا إذا ما قورنت بما يلحقها، وبهذا المعنى فسر كثير من الشراح الآية القرآنية التي تقول: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ ١، وفسروا بنفس الطريقة ما كان من همة رسول الله ﷺ ونشاطه في الصلاة، وما كان من إلحاحه كل يوم، في رجاء عفو الله: "فعن أبي بردة قال: سمعت الأغر، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ يحدث ابن عمر، قال: قال رسول الله, ﷺ : "يأيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة" ٢.
لقد درسنا فيما سبق فكرة القرآن عن الجهد، في جانبيها الدفاعي والهجومي، ورأينا كيف أن الجهد، في شكل أو آخر، وفي جميع الدرجات -هو أداة ضرورية للحياة الأخلاقية، سواء لإزاحة الشر، أو لأداء الخير، أو لبلوغ الكمال. والصراع شرط الإنسان، سواء لكسب الفضيلة، أو لحفظ الحياة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ ٣.
ولكن بحثنا حتى الآن قد انصب بصورة جوهرية على الجزء الباطني من الجهد، ويجب علينا الآن أن ندرسه في شكله الحسي. وإذن فماذا تكون القيمة الأخلاقية للجهد البدني في نظر القرآن؟
стр. 659
الجهد البدني
مدخل
...
٢- الجهد البدني:
لنذكر أولًا أنه إذا كانت هنالك أخلاق ترى في الألم النازل بأجسادنا، من حيث هو، قيمة جديرة بأن تطلب لذاتها، أو باعتبارها نظامًا لنجاة النفس -فإن هذه ليست أخلاق القرآن، على وجه التأكيد. ذلك أن هذه الأخلاق لا ترى أن يبحث الإنسان عن الألم البدني صراحة، فضلًا عن أن تأمر به فهي قد فرقت تفرقة واضحة بين الجهد البدني الذي يتضمنه واجب مقرر، أو الذي يصحبه من وجه طبيعي, وبين جهد مندوب، هو إبداع خالص لهوى أنفسنا.
إنها ترفض هذا النوع الأخير من الجهد، وتحرمه. ولعلنا نعرف خبر أولئك النفر من المؤمنين الذين اعتقدوا أن قيامهم بواجب العبادة المشكور يقتضي أن يفرضوا على أنفسهم ضروبًا مختلفة من الحرمان والتقشف، وهو أمر أشار إليه القرآن، دامغًا إياه بالإفراط والمخالفة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ١.
وقد روت السُّنة تفاصيل هذا الموقف فيما روي عن أنس أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم:
стр. 660
لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه، فقال: "ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" ١.
والواقعة التالية تعطينا مثالًا آخر، من هدي رسول الله، فعن ابن عباس قال: بينا النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي, ﷺ : "مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه" ٢.
ألا يترتب على هذا بداهة أن الجهد البدني في الإسلام لا يمكن أن تكون له قيمة منفصلة عن مضمونه؟
ولهذا، فعندما يكون الأمر بالعكس، أي: عندما لا يكون أداء الواجب إلا مع تحمل بعض المشقة البدنية، فإن القرآن والحديث لا يألوان جهدًا في طلب جهدنا في مختلف صوره:
- جهد من أجل المعيشة: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْض﴾ ٣, ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ ٤.
стр. 661
- جهد من أجل اكتساب ما يكون صدقة١.
- جهد لأداء العبادة في وقتها المحدد، دون نظر إلى الفصول، وتغير ظروف الجو والمناخ. ولهذا كان من الواجب أداء الصلاة، بطريقة أو بأخرى، متى حان وقتها: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ٢، حتى خلال الحرب: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ ٣. والصوم يجب أداؤه، في أطول الأيام، مثلما يؤدى في أقصر الأيام: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهْ﴾ ٤.
والحج يؤدى، في أي فصل من فصول السنة وقع: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ٥، ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ٦.
ومن المعلوم، فيما قبل الإسلام، أن العرب لكي ييسروا تجارتهم في سوقهم السنوية، ولكي يوفقوا بينها وبين هذه العبادة -جعلوها ثابتة في الربيع، واقتضاهم هذا أن يقوموا بعملية تأجيل تسمى "النسيء"، فألغى القرآن هذه العادة حين أثبت "أو بالأحرى أعاد تثبيت" تاريخه القمري المحدد، بحيث يمر على التوالي بجميع فصول السنة، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ ٧.
- وهناك أخيرًا، جهد الدفاع عن الحقيقة المقدسة، وفي هذا يصبح التوجيه أكثر ترديدًا، وأعظم قوة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ
стр. 662
بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ ١.
وكذلك: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ٢، ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ ٣.
وهذه الروح القوية في الجهاد لا تظهر فقط من خلال تكرار الأمر بالجهاد في القرآن، بل إن لها صداها في القول الذي كان السابقون إلى الإسلام يبايعون عليه رسول الله, ﷺ : "فعن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في العسر واليسر،
стр. 663
والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم"١.
وفي حديث آخر يحدد النبي أن: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" ٢.
على أننا نعتقد أن من المفيد أن نبين ببعض الأمثلة إلى أي مدى تتغير قيمة الجهد البدني تبعًا لما قد يكون له من علاقة وثيقة أو غير وثيقة مع الخير الذي يستهدفه الواجب. ولسوف نرى في الواقع أن هذه العلاقة تبلغ تارة درجة التماثل مع الجانب الرئيسي للواجب، وتارة تتوافق مع جانب ثانوي في العمل، تتفاوت أهميته بين كثرة وقلة، وثالثة تتضاءل إلى مجرد علاقة مصاحبة.
وإليك ثلاثة أمثلة:
стр. 664
١- النجدة:
عندما نقول: يجب أن ننقذ حياة غريق، أو نصون حياة يتيم، وعندما يكون الأمر أمر حفظ الحياة الإنسانية، فعندئذ يماثل القرآن حياة الإنسان الواحد المنقذة بحياة الإنسانية جمعاء: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ١.
فماذا يكون على وجه الدقة واجبنا في ظروف كهذه؟
стр. 665
من البدهي أن واجبنا لن يكون أن نطيل فعلًا هذه الحيوات؛ لأنه ليس لنا سلطان مباشر على هذه النتيجة النهائية، مع أن هذا هو "الخير" الحقيقي المراد. إن واجبنا هو أن نقود أنفسنا نحو هذه الغاية، من الطريق المتاحة لنا، وهذه الطريق الوحيدة التي أتاحها الله لنا ليست سوى أن نسخر قوانا، ونوجهها في اتجاه هذا الهدف، وذلك يعني في آخر الأمر أن نمارس بعض الأعمال، وأن نبذل بعض الجهود: جهدًا ذهنيًّا نكشف به الوسيلة، وجهدًا أخلاقيًّا تمليه الإرادة الطيبة لنحمل أنفسنا على استخدام هذه الوسيلة، وجهدًا عضليًّا لتنفيذ قرارنا "وذلك بأن نلقي بأنفسنا -مثلًا- في الميم". والخطوة الأخيرة من كل هذه الخطوات التي يترتب بعضها على بعض -هي التي توصلنا إلى أعلى درجات الخير المتصورة، فهي أقرب سبب لما حققناه، كما أنها الحدث الذي تميز بتضحية كبيرة. والجهد البدني يشكل هنا، كما نرى، جزءًا أساسيًّا، بدونه تظل مهمتنا ناقصة نقصانًا ظاهرًا.
стр. 666
٢- الصلاة:
أليس في توجه المؤمن إلى الله بفكر خالص مستجمع راحة كبرى لنفسه؟
ولكن اللغة التي تعبر عن هذا الفكر ليست بدون تأثير عليها، فهي تثبتها، وتنيرها، وتعززها.
ثم إن خشوع البدن الذي تتجسد فيه الفكرة إطار لهذه الفكرة، وهو في الوقت نفسه غذاء لها. وإذا لم نبلغ المكان الذي تتم فيه هذه "المناجاة الخاصة" إلا بعد أن نتخذ عدة استعدادات شبيهة بما يتخذه المرء قبل زيارة شخصية رفيعة -فإننا بذلك نؤكد تأكيدًا مضاعفًا شعورنا بالاحترام لهذا الاستقبال.
والتركيب العضوي لهذه العناصر المختلفة هو نفس تعريف الصلاة، التي أمرنا الإسلام بأدائها عدة مرات في اليوم.
стр. 667
ومع ذلك فإن الجوانب كلها ليست متساوية النصيب في التكليف، ففي ظرف معين يمكن إغفال هذا الجانب، وفي ظرف آخر يمكن إغفال ذاك، وهكذا، ومن الممكن أن نغفلها جميعًا، ما خلا واحدًا على وجه التحديد، هو الأساس والمحور، وسائر العناصر بالنسبة إليه كالقشة بالقياس إلى البذرة، وكالصدقة بالنسبة إلى اللؤلؤة، أعني: عمل القلب.
فالمحتضر الذي لا يستطيع أن يأتي أدنى حركة، ولا أن ينبس ببنت شفة -ملزم أن يؤدي صلاته أداء ذهنيًّا، بشرط وجود وعيه وذاكرته.
وهكذا نجد أن العمل البدني الذي كان منذ لحظة "فيما يتعلق بالنجدة" في المرتبة الأولى -لا يؤدي هنا سوى دور ثانوي، ومع ذلك فهو يعتبر جزءًا متممًا للواجب١، في الظروف العادية.
стр. 668
٣- الصوم:
هنا نقف أمام نوع من المشقة البدنية، التي تحدث خلال أداء الواجب، ولكنها قلما تكون جانبًا منه. فالألم بطبيعته لا يمكن أن يكون موضوع تكليف؛ لأن كل ألم -بمقتضى التعريف- انفعال، وليس عملًا.
ولكن قد يقال لنا: إذا لم يكن ممكنًا أن يكون موضوعًا مباشرًا لتكليف، فقد يكونه بوساطة عمل معين، يصلح لإثارته، وإذن فمن الممكن أن يعبر عن الأمر بالصوم في هذه الكلمات: "أذق نفسك ألم الجوع والعطش بامتناعك عن الشراب والطعام، خلال ساعات محددة".
ونجيب عن ذلك بأنه لو كان الأمر هكذا فلن تكون هنالك وسيلة
стр. 669
للطاعة، في وسع من لا يحس بهذا الحرمان المحدد، ما دام تطويل الصوم زيادة على ساعاته محرمًا، كتحريم قطعه قبل موعده. وإذا علمنا أن أولئك الذين يرعون القاعدة بإخلاص متساوون في الطاعة، بصرف النظر عن رد الفعل الخاص في أجسامهم، لنتج عن ذلك بداهة ألا يدخل الألم البدني هنا في الحساب، كجزء من الواجب، بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة.
والواقع أن الواجب شيء آخر، وقد كان من طريق الصدفة أن وجدت له علاقة بالألم. والجهد الذي نبحثه هنا ذو طابع أخلاقي أساسًا، إنه أولًا، وقبل كل شيء نوع من "التدريب" المفروض على "الإرادة الإنسانية"، حتى نحصل منها على قدر من الانتظام، والثبات، في خضوعها "للإرادة الإلهية". ولما كانت إرادتنا سيدة نفسها، من حيث تسيطر على بدنها، ولكنها نائبة الرئيس -إن صح التعبير- أمام الخالق, فإن مهمتها أن توفق بين هذين الأمرين بإتباع أحدهما للآخر، وخيرها يكمن في التزامها بدور الوسيط الذي يعرف قدر نفسه، وشرها في أن تقلب هذا النظام الأصلي، فتتردى إلى أسفل، وتكون مسترقة للشهوات.
ولتيسير هذه المهمة كانت الشعيرة المقترحة غاية في السهولة، نظام غذائي يتبع، شهرًا في كل عام، وهو نظام ينظم الساعات، دون أن يمس كمية الغذاء أو كيفيته: فإذا طلع الفجر أمسك الصائم عن تعاطي أي شيء خلال النهار، وبعد مغرب الشمس يصبح كل شيء مباحًا. وهذا التنظيم نفسه ينطبق على العلاقات الجنسية.
وهكذا تتلقى نائبة الرئيس "أي: الإرادة" بمناسبة عمل واحد أمرين متعارضين، في كل يوم مرتين: أحدهما بأن تكف، والآخر بأن تعمل، فإذا ما حرصت إرادتنا على القيام بتنفيذ هذين الأمرين في مجالها الخاص، ومن أن تعيد نفس التدريب خلال الشهر ... فيا له من ترويض لهذه الإرادة!
стр. 670
ذلك أنه كلما كثرت طاعة المرء أصبح طائعًا، كما أنه كلما تمرس بالقيادة يصبح قائدًا. ومع ذلك إن هذا التدريب لم يكن لكي نتوقف عند الموضوع المادي الذي يستخدم فيه، إنه يستهدف مجموع سلوكنا، فمن أقبل خلال صومه على كل آثم من القول أو الفعل -لم يستفد من الدرس، إذ يكون قد فرض على نفسه تضحيات لا جدوى منها، حين حرم نفسه من الأكل والشرب، على حين لم يحقق مقاصد الأمر السماوي، وفي هذا يقول رسول الله ﷺ فيما رواه أبو هريرة: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" ١.
إننا لم نستلهم المغزى الأخلاقي للصوم، على ما حددناه آنفًا، من المسلك العام للتعليم القرآني فحسب، وإنما هو مبسوط في نفس النص الذي يأمر بهذه الشعيرة، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢، والرسول ﷺ يقول: "الصوم نصف الصبر"٣ ويقول أيضًا: "الصوم جنة" ٤.
وليس في هذه النصوص، ولا في غيرها٥، فيما أعلم، أية إشارة إلى