← Адаб

Адаб · id 8666

الفن ومذاهبه في الشعر العربي

شوقي ضيف

Полный текст (574 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مولاك أكرم من تميم كلها ... أهل الفعال١ ومن قريش الْمَشْعَرِ فارجع إلى مولاك غير مدافع ... سبحان مولاك الأجلِّ الأكبر ويفخر بقومه فخرًا عنيفًا، ويحاول الغض من العرب بكل ما وسعه، ومما يصور عنف ذلك عنده قصيدته٢: هل من رسول مخبر ... عني جميع العرب بأنني ذو حسب ... عالي على ذي حسب جدي الذي أسمو به ... كسرى، وساسان أبي وقيصر خالي إذا ... عددت يومًا نسبي ومضى يتحدث عن أجداده من الفرس وأخواله من الروم وأنهم كانوا ملوكًا متوجين يتحلون بالجواهر ويلبسون الفراء الثمينة، وذكروا ما كانوا يضربونه حولهم من الحجابة، وكيف كان الوصفاء يسعون بين أيديهم بصحاف الذهب وأوانيه. وافتخر بأن الدولة العباسية قامت على حرابهم، وعدَّد كثيرًا من مظاهر الخشونة عند العرب، وهي شعوبية جامحة دفعته دفعًا إلى أن يهجو العرب بقصيدة أخرى أكثر مرارة٣. ويُرْوَى أنه دخل على المهدي وقد عرف ثورته على العرب وشعوبيته فقال له: فيمن تعتد يا بشار؟ فرد عليه: أما اللسان والزي فعربيان وأما الأصل فعجمي كما قلت في شعري يا أمير المؤمنين: ونبئت قومًا بهم جِنَّةٌ ... يقولون من ذا وكنت العَلَم ألا أيها السائلي جاهدًا ... ليعرفني أنا أنف الكرم نمتْ في الكرام بنو عامر ... فروعي وأصلي قريش العجم وسأله المهدي: فمن أي العجم أصلك؟ فقال: من أكثرها في الفرسان، وأشدها على الأقران، أهل طخارستان٤. ولا يغضب المهدي ولا يثور على

стр. 107

نحو ما غضب وثار هشام بن عبد الملك في العصر الأموي حين افتخر إسماعيل بن يسار النسائي في بعض مديحه له بآبائه الفرس١. ولم يكن إسماعيل يقصد إلى شعوبية ثائرة على العرب على نحو ما كان يقصد بشار. ومعنى ذلك أن تحولًا واضحًا حدث في الحياة، حتى أصبح الخلفاء يغضبون على هذه الشعوبية، وما يُطْوَى فيها من عصبية جنسية، وكان من أهم الأسباب في هذا الإغضاء أن العجم هم الذين دفعوهم إلى منصة الحكم. وإذا تركنا بشارًا إلى الجيل التالي المعاصر للبرامكة في زمان الرشيد وجدنا هذه الشعوبية تشتد، إذ ازداد تأثر الشعراء بالحضارة الفارسية المادية، ودفعهم ذلك إلى التمرد على التقاليد العربية والإسلامية، فخرجوا على عادات العرب الاجتماعية ونُظم الإسلام وقوانينه، ولعل أبا نواس خير من يمثل هذا الجيل، وأغلب الظن أن ثورته لم تكن ثورة جنسية؛ بل كانت ثورة حضارية من نوع خاص، ثورة الحضارة الفارسية وكل ما اتصل بها من خمر ومجون على العرب وحياتهم الإسلامية، وهو يثور في ضجيج وعجيج وصياح وهجوم حتى على الشعر وتقاليده، على نحو ما نرى في قوله٢: قل لمن يبكي على رَسْم دَرَس ... واقفًا ما ضرَّ لو كان جلسْ تصف الرَّبع ومن كان به ... مثل سَلْمَى ولُبَيْنَى وخَنَسْ اترك الربع وسلمى جانبًا ... واصطبح كَرْخِيَّة٣ مثل القَبَسْ وقوله٤: عاج الشقي على رسم يسائله ... وعجت أسأل عن خمارة البلد٥ يبكي على طلل الماضين من أسد ... لا دَرَّ دَرُّك قل لي من بنو أسد؟ ومن تميم ومن قيس ولَفُّهما؟ ... ليس الأعاريب عند الله من أحد

стр. 108

ولم تقف الشعوبية عند ذلك فقد كان الشعراء من العجم يتعصبون للوزراء منهم حين يَلون الحكم، وكان هؤلاء يغدقون عليهم في العطاء، كما كانوا يغدقون على الشعراء من العرب حين يمدحونهم، وقلما وجد في عصر الرشيد شاعر لم يمدح البرامكة، وتنبه زعماء العرب للفكرة؛ فكانوا يجزلون للشعراء في عطاياهم، ومدائح مروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة مشهورة، وكذلك مدائح على بن جبلة في أبي دُلَف العجلي وحميد الطوسي. وقد جذبوا بنوالهم كثيرين من شعراء الفرس، ومدائح مسلم بن الوليد في يزيد بن مَزْيد تدور على كل لسان. وقلْ ذلك نفسه في الخلفاء، فقد كان بأيديهم خزائن الدولة، فملئوا منها حجور الشعراء، وكان ذلك باعثًا في تجويد الشعراء لمدائحهم ومراثيهم حتى أتوا فيها بالعجب العجاب. اللهو والمجون لعل مجتمعًا عربيًّا لم يعرف اللهو والمجون كما عرفها المجتمع العباسي في القرنين الثاني والثالث، فقد غرق الناس في الكوفة والبصرة وبغداد إلى آذانهم في الحضارة الفارسية المادية وما يُطْوَى فيها من غناء وخمر. وحقًّا بدأت طلائع ذلك في أواخر العصر الأموي حين ظهر الوليد بن يزيد وحين أخذت الكوفة تسرف على نفسها في اللهو وما يتبعه؛ لكن ذلك لا يقاس في شيء إلى ما كان في العصر العباسي الذي شعر فيه الفرس بحريتهم، حتى لتأخذ شكل ثورة عاصفة على جميع التقاليد العربية. ومضى أبناء هذه الثورة يعبُّون من كئوس اللهو والخمر حتى الثمالة، وانتشرت دورهما في كل مكان، ولم تكن تزخر بالخمر والغناء وحدهما، بل كانت تزخر أيضًا بالقيان والغلمان. وساعد في اتساع هذه الموجة شيئان: ظهور مذاهب شاكّة بلبلت الأفكار وعلى رأسها مذاهب الزنادقة والدهريين، ثم انتشار دور القيان، التي كانت تعرضهن للبيع، وكانت تثقفهن وتؤدبهن وتعلمهن الغناء، ومر بنا في الفصل السابق تفصيل الحديث عن هذه الحركة وأثرها في الشعر ومعانيه وأوزانه. وهي لم تقف

стр. 109

عند ذلك فإن أصحاب هذه الدور كانوا يتخذونهم لتسلية روادها وابتزاز أموالهم؛ فكانت مألفًا للشعراء يختلفون إليها، وكانوا ينظمون فيهن أشعارهم، وهن يغنينهم فيها؛ بينما هم يشربون ويقصفون، ومن غير شك كنَّ من أهم الأسباب في إذاعة الشعر العباسي الحديث عند مطيع بن إياس وبشار وأبي نواس وأضرابهم، إذ كنَّ يحملنه معهم حين يُبَعْنَ، فيدخلنَ به في دار الخلافة ودور الأشراف، كما ينقلنه إلى الأمصار الإسلامية اللائي يرحلن إليها. ويصور كتاب الأغاني هذ الجانب العابث من الحياة العباسية، جانب القيان وغنائهم والأغاني التي تغنوا بها وأخبارهن مع الشعراء الذين كانوا يختلفون إلى دورهن وما نشأ بينهم وبين هؤلاء القيان أو الجواري من حب، صوروه تصويرًا طريفًا في أشعار كنَّ يتغنين بها، وذاعت في كل مكان. وقلما يلمع شاعر إلا وله جارية أو جوارٍ يُذعن شعره، فلمطيع بن إياس جواريه، ولبشار جواريه الأخرى، واشتهر غير شاعر بجارية وقف عليها شعره، اشتهر أبو نواس بجنان، واشتهر أبو العتاهية بعُتْبَة والعباس بن الأحنف بفوز ومحمود الوراق بِسَكن وسعيد بن حميد بفضل. وكان مسلم بن الوليد يلقب بصريع الغواني. وطبيعي أن تكون حياة هؤلاء القيان والجواري حياة ماجنة، ليس فيها طهر إلا شذوذًا، وصور الجاحظ العلة في ذلك، فقال: "كيف تسلم القينة من الفتنة أو يمكنها أن تكون عفيفة؛ وإنما تكتسب الأهواء وتتعلم الألسن والأخلاق بالمنشأ، وهي إنما تنشأ من لدن مولدها إلى أوان وفاتها فيما يصد عن ذكر الله من لهو الحديث ... وبين الخلعاء والمجان ومن لا يسمع منه كلمة جِدّ، ولا يرجع منه إلى ثقة ولا دين ولا صيانة ولا مروءة، وتَروي الحاذقة منهم أربعة آلاف صوت "أغنية" فصاعدًا، يكون الصوت فيما بين البيتين إلى أربعة أبيات، وعدد ما يدخل في ذلك من الشعر، إذا ضُرب بعضه ببعض، عشرة آلاف بيت، ليس فيها ذكر الله إلا عن غفلة، ولا ترهيب من عقاب ولا ترغيب في ثواب، وإنما بنيت كلها على ذِكْر العشق والصبوة والشوق والغُلمة، ثم

стр. 110

لا تنفك من الدراسة لصنعتها منكبَّة عليها تأخذ من المطارحين الذين طرحهم كله تجميش١.." وهؤلاء الجواري كن يختلفن ما بين عَوَّادة وزامرة وصناجة ورقاصة وطنبورية ودفاقة. وكانت كثيرات منهن يحسنَّ الشعر كما يحسن الغناء. يقول أبو الفرج في دنانير جارية البرامكة: "كانت من أحسن الناس وجهًا وأظرفهم وأكملهم وأحسنهم أدبًا وأكثرهم رواية للغناء والشعر٢" ويقول في متيَّم: "كانت صفرء مولدة من مولدات البصرة، وبها نشأت وتأدبت وغنت، وأخذت عن إسحاق الموصلي وعن أبيه من قبله، وكانت من أحسن الناس وجهًا وغناء وأدبًا، وكانت تقول الشعر ليس مما يستجاد؛ ولكنه يستحسن من مثلها٣" ويقول في عَربب: "كانت مغنية محسنة وشاعرة صالحة الشعر، وكانت مليحة الخطّ والمذهب في الكلام ونهاية في الحسن والجمال والظرف وحسن الصورة وجودة الضرب واتقان الصنعة والمعرفة بالنغم والأوتار والرواية للشعر والأدب٤". وكن يستخدمن معرفتهن بالشعر في اجتذاب الرجال إليهن بوسائل مختلفة؛ إذ كن يكتبن أبياتًا مثيرة على عصائبهن ومشادّ الطُّرَرِ والذوائب وعلى المناديل والوسائد والأسرة أو يكتبنها بالحناء على الأقدام٥، ويروي بعض العباسيين أنه رأى عريب وعليها قميص موشح بالذهب مكتوب في وشاحة: وإني لأهواه مسيئًا ومحسنًا ... وأقضي على قلبي له بالذي يقضي فحتى متى روح الرضا لا ينالني ... وحتى متى أيام سخطك لا تمضي٦ وترجم ابن المعتز في آخر طبقاته لطائفة منهن كن يحسن الشعر٧، لعل أهمهن فضل عاشقة سعيد بن حُمَيد، وشعرها في الأغاني يصور عشقها له ومراحله٨. وقد بعثت هؤلاء الجواري في الكوفة والبصرة وبغداد لهوًا واسعًا على نحو

стр. 111

ما مرَّ بنا في غير هذا الموضع عند مطيع بن إياس: طليعة اللهو الماجن في الكوفة وتبعته جماعته هناك من أمثال والبة والحمادين الثلاثة: حماد عجرد، وحماد بن الزِّبْرقان، وحماد الراوية. وكان بشار في البصرة لا يتغنى بالخمر فحسب؛ بل أكثر ما يتغنى به وصف ما يدور بين المرأة والرجل من علاقات حسية. ثم ظهر أبو نواس والحسين بن الضحاك الخليع وجيلهما فبلغوا من تصوير اللهو والمجون والشذوذ كل مبلغ، وكأن الحياة لم يعد فيها إلا العبث والفجور والاختلاف إلى الحانات ودور القيان، رَوَى الأغاني أنه اجتمع يومًا أبو نواس والحسين بن الضحاك وأبو العتاهية وهم مخمورون، فقالوا أين نجتمع؟ فقال القراطيسي: ألا قوموا بأجمعكم ... إلى بيت القراطيسي لقد هَيَّا لنا النزل ... غلام فاره طوسي وقد هَيَّا الزجاجات ... لنا من أرض بلقيس وقيناتٍ من الحور ... كأمثال الطواويس١ وكان بيت القراطيسي من بيوت القيان الكبيرة التي كان يجتمع فيها الشعراء، ومثله بيت ابن رامين٢ وبيوت أخرى كثيرة كانت لياليها كأنها أعراس، يحتفل فيها الشعراء بحبهم وبمجونهم وإثمهم، فإن تركوها فإلى ليالي يحيونها في بيوت الأعيان والأشراف بين السماع والعزف والقصف والخمر والعواطف الشاذة وغير الشاذة، ومن خير ما يصور هذا المجتمع الماجن قصيدة أبي العتاهية٣: لهفي على الزمن القصير ... بين الخورنق والسَّدير٤ إذ نحن في غُرَف الجنا ... ن نعوم في بحر السُّرور في فتية ملكوا عِنا ... ن الدهر أمثالِ الصقور

стр. 112

يتعاورون مُدَامةً ... صَهباء من حَلَب العصير١ عذراء ربَّاها شعا ... ع الشمس في حَرِّ الهجير لم تُدْنَ من نارٍ ولم ... يعلق بها وضَرُ القُدور٢ ومقرطقٍ يمشي أمام ... القوم كالرَّشَأ الغَريرِ بزجاجة تستخرج السِّـ ... ـرَّ الدفين من الضمير زهراءَ مثل الكوكب الـ ... ـدري في كف الْمُدير تدع الكريم وليس يَدْ ... رِي ما قبيلٌ من دَبِيرِ٣ ومخصَّرات زُرْنَنَا ... بعد الهدوّ من الخدور٤ ريَّا روادفهنَّ يلـ ... ـبَسْنَ الخواتم في الخصور٥ غُرّ الوجوه محجبا ... ت قاصرات الطَّرف حُور٦ متنعِّمات في النعـ ... ـيم مضمَّخاتٍ بالعبير٧ يَرْفُلْنَ في حلل المحا ... سن والمجاسد والحرير٨ ولم تكن حياة أبي العتاهية كلها لهوًا ومجونًا؛ فقد انصرف عن هذا العبث وتلك الخلاعة إلى الزهد. وربما كان أبو نواس أهم من حمل ذنوب عصره على ظهره؛ فقد عاش حياة متهتكة آثمة يندى لها جبين الأخلاق والآداب الاجتماعية، واشتهر بإجادته لفن الخمريات إذا نظم فيها أروع شعره، حتى عُدَّ شاعر الخمر في العربية، وهو حقًّا لا يبارَى في التغني بها، إذ كانت تملك عليه شغاف قلبه عي نحو ما نرى في قوله٩: أثنِ على الخمر بآلائها ... وسَمِّها أحسن أسمائها

стр. 113

فهي وثنه وصنمه، وذهب يعلن في جرأة أن هذا الصنم هو الذي ينبغي أن يقف به الشعراء ويطوفوا حوله، لا حول الأطلال والنساء والبدويات؛ فقد تغيرت الحياة وخَلَف تلك النساء جوارٍ حسان تشع منهن الفتنة والإغراء، ومن قوله في ذلك١: لا تَبْكِ ليلى ولا تَطْرَبْ إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالوَرْد كأسًا إذا انحدرت في حَلْق شاربها ... أجْدَتْه حمرتها في العين والخد٢ فالحمر ياقوتةٌ والكأسُ لؤلؤةٌ ... في كف جاريةٍ ممشوقة القَدِّ تسقيك من طَرْفها خمرًا ومن يدها ... خمرًا فمالك من سُكرين من بُدِّ ولا يزال يصف الخمر وسقاتها وندمانها وكئوسها ودناتها ومجالسها وما بها من أزهار وريحان وقيان وغلمان. وتحدث في غير خمرية إلى أصحاب حاناتها من اليهود والمجوس والنصارى، وأفاض في وصف خمر الأديرة ورهبانها وراهباتها، وكان يكثر من الإلمام بدير حَنَّة، وفيه يقول٣: يا دير حَنَّةَ من ذات الأكَيْراح ... من يَصْحُ عنك فإني لست بالصاحي رأيت فيك ظباءً لا قرون لها ... يَلْعَبن منا بألبابٍ وأرواح ومما يميزه في خمرياته تنويعه في معانيها وإحكامه لتأليفها حتى لتبدو الوحدة العضوية تامة في كثير من مقطوعاتها، وفي أثناء ذلك يعبر عن شغفه بها وذكرياته لها على شاكلة قوله٤: ودار نَدامى عطَّلوها وأدْلَجُوا ... بها أثرٌ منهم جديدٌ ودارسُ٥ مساحبُ من جَرِّ الزِّقاق على الثَّرَى ... وأضغاثُ ريحان جَنِيٌ ويابس٦ حبستُ بها صحبي فجددت عهدهم ... وإني على أمثال تلك لحابس أقمنا بها يومًا ويومًا وثالثًا ... ويومًا له يوم التَّرَحُّل خامس

стр. 114

تُدار علينا الرَّاح في عَسْجَدِيَّةٍ ... حَبَتْهَا بألوانِ التصاوير فارسُ١ قراراتُها كسرى وفي جَنباتها ... مَهًا تَدَّريها بالقِسيِّ الفوارس فللخمر ما زُرَّتْ عليه جُيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس والذكرى تعبق بنفسه لتلك الدار فيصفها على طريقة وصف المحبين لأطلال محبوباتهم وما بقى من آثار ديارهن؛ فيقول إن ندامى انصرفوا عنها ولا يزال فيها من آثارهم أضغاث ريحان رطبة ويابسة، ولا يزال بها علامات جَرِّ الزقاق. وقد عاج بها مع صحبه فقضى حقها من الوقوف بها، بل من المكث خمسة أيام يقصف ويشرب وينتشي. ويصف الكأس التي كانوا يتداولونها ويقول إنها كأس ذهبية رُسمت عليها تصاوير فارسية، تمثِّل كسرى في صيده مع فوارسه. وكانوا يصبون فيها الخمر حتى تبلغ أطواق الثياب، ثم يضيفون الماء حتى يدور بالقلانس. وانظرْ إلى هذه الأبيات التي يقولها في إحدى خمرياته٤: صفراءُ لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْه سَرَّاءُ رقَّتْ عن الماء حتى ما يلائمها ... لطافةً وجفا عن شكلها الماء فلو مزجت بها نورًا لمازجَها ... حتى تولَّد أنوار وأضواء دارت على فتية دان الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاءوا فَقُل لمن يدَّعي في العلم فلسفةً ... حفظت شيئًا وغابت عنك أشياءُ فإنك تحس عمق لذة أبي نواس بالخمر، حتى لتصبح هذه اللذة فلسفة له في الحياة، بل إنه ليزعم لأصحاب الفلسفة الكلامية من أمثال النظَّام أنه ينقصهم جزء مهم من فلسفتهم، هو فلسفة الخمر أو هو فلسفة اللذة والنشوة بها. وذهب يُعْلِنُ هذه الفلسفة، ويعلن معها استخفافًا بالدين وعقائده التي تحرِّمها وتحرم معها جملة الآثام التي كان يرتكبها على نحو ما نرى في قوله٥: وخذها إن أردت لذيذَ عيشٍ ... ولا تَعْدِلْ خليلي بالْمُدَامِ

стр. 115

وإن قالوا حرامٌ قل حرامٌ ... ولكن اللذاذةَ في الحرامِ وقوله١: الرَّاح شيء عجيبٌ أنت شاربها ... فاشرب وإن حَمَّلَتْك الراحُ أوزارا يا مَنْ يلوم على حمراءَ صافيةٍ ... صِرْ في الجنان ودعني أسكن النارا ودفعه ذلك إلى كثير من الإلحاد، يذيعه في خمرياته، متعابثًا متماجنًا، وأكثر هذا التباعث والتماجن إنما كان يأتيه في أثناء سكره وشربه، فهو ليس إلحادًا صادرًا من قلبه، وإنما هو عربدة وخلاعة، حتى لينكر البعث والنشور، في مثل قوله٢: وملحة باللوم تحسب أنني ... بالجهل أوثر صحبة الشُّطَّار بكرت عليّ تلُومني فأجبتها ... إني لأعرف مذهب الأبرارِ فَدَعي الملام فقد أطعت غوايتي ... وصرفتُ معرفتي إلى الإنكار ورأيت إتياني اللذاذة والهوى ... وتعجُّلًا من طيب هذي الدار أحرى وأحزم من تنطُّر آجلٍ ... علمي به رَجْمٌ من الأخبار ما جاءنا أحد يخبر أنه ... في جنةٍ من مات أو في النار ولم يكن الحسين بن الضحاك يقل عنه خلاعة. وكان مثله يكثر من الغزل بالغلمان، ويظهر أنه كان من ذوق هذا العصر ومُجَّانِهِ الآثمين أن يكون الغلام ألثغ أغن الصوت، يتطيب، ويصفف شعره ويجعله كالعقرب على صُدغة، يقول الحسين في غلام٣: بأبي ماجن السريـ ... ـرة يبدي تَعَفُّفًا حَفَّ أصداغه وَعَقْـ ... ـرَبها ثم صَفَّفَا وحَشا مَدْرَجَ القُصا ... ص بمسكٍ ورصَّفا ويَرْوي الأغاني للحسين كثيرًا من المقطوعات في وصف الغلمان، مما يدل

стр. 116

على أنه كان مولعًا بالشذوذ الجنسي، ومما روي له من ذلك قوله في غلام١: عالِمٌ بِحُبِّيهِ ... مُطْرِقٌ من التِّيهِ يوسفُ الجمال وفر ... عونُ في تعدِّيه لا وحقِّ ما أنا من ... عطفه أرجِّيه ما الحياة نافعة ... لي على تأبِّيه النعيم يشغله ... والجمال يطغيه فهو غير مكترثٍ ... للذي ألاقيه تائه تزهّده ... في رغبتي فيه والولع بالغلمان كان آفة هذا العصر، ومن يقرأ الأغاني يخيل إليه أن هذا الولع كان عامًّا بين الشعراء، وكان دور اللهو تعج بهم؛ فقلما توجد دار لهو دون أن يكون فيها ظبي غرير أو ظبية غريرة بل ظباء مختلفة، ولعلنا لا نغلو إذا زعمنا أن ما خلفه العصر العباسي من الغزل الشاذ بالغلمان يعدل ما خلفه من الغزل بالجواري والقيان. وكان الشعراء في هذا الغزل جميعه لا يعبرون غالبًا عن عواطف روحية؛ إنما يعبرون عن لذائذ حسية مسفَّة. وتعلَّق الحسين على شاكلة أبي نواس بالأديرة ووَصف قساوستها ورهبانها، ومن قوله في دير مُدْيان٢: يا دَيْرَ مُديان لا عرِّيت من سكن ... هَيَّجت لي سقمًا يا دير مُدْيانا هل عند قَسّك من علم فيخبرنا ... أم كيف يُسعف وجه الصَّبر مَن بانا حُثَّ المدام فإن الكأس مترعةً ... مما يهيج دواعي الشوق أحيانًا وأكثر الشعراء من التغني بالأديرة وخمورها، حتى ليؤلف ذلك ديوانًا خضمًا من دواوين الشعر العباسي، ولعل ذلك ما جعل القدماء يكثرون من التأليف في هذا الموضوع، وربما كان أهم شاعر أكثر من النظم فيه في أثناء القرن الثالث الهجري هو ابن المعتز، فديوانه يطفح بالحديث عن الأديرة المطيرة ودير السوسي

стр. 117

ودير عَبْدون، وفيه يقول١: سقَى الجزيرة ذات الظلّ والشجر ... وَدَيْر عبدون هَطَّالٌ من المطر يا طالما نبَّهتني للصَّبوح به ... في ظلمة الليل والعصفور لم يَطِر أصوات رهبانِ دَيْرٍ في صلاتهم ... سود المدارع نَعَّارين في السَّحَر ويظهر أن الرهبان كانوا يعنون بخمورهم؛ فتعلق بها الشعراء، وطلبوها من كل دَيْر، ووصفوا ما لذ لهم منها وطاب كشراب القربان الذي يقول فيه ابن المعتز٢. أسكنوها في الدَّنِّ من عهد نوحٍ ... كظلام فيه نهارٌ حبيسُ من شراب القرْبان يوصى بها الشمـ ... ـاسُ خزَّان بيتها والقسوسُ والحق أن كثيرًا من الشعراء في القرنين الثاني والثالث أسرفوا على أنفسهم في اللذات، تدفعهم إلى ذلك الحضارة المادية التي عاشوها، وذهبوا يصورون ذلك في صراحة صريحة وإباحية سافرة، لا يردعهم خلق ولا دين، فخلفوا لنا دواوين ضخمة من أدب عار مكشوف، قلما عرف أصحابه شيئًا من الخجل والحياء. الزندقة والزهد: رأينا الفرس يسيطرون بحضارتهم المادية على حياة الشعر والشعراء؛ فإذا تلك الحياة تطبع بطوابع قوية من اللهو والمجون. وأخذوا ينقلون تراثهم الأدبي الفارسي بكل ما فيه من معتقدات دينية عرفت بين آبائهم، فنقلوا "الأفستا" كتاب داعيتهم زرادشت وما كان يذهب إليه من أن في العالم إلهين: إلَهًا للخير والنور هو أهورا مزدا، وإلَهًا للشر والظلمة هو دروج أهرمن. وكان هذا الكتاب يشتمل على صلوات ومواعظ. وظهر بعده ماني ومزج بين عقيدته والنصرانية ودعا إلى زهد شديد، وأخذ يفسر كتاب الأفستا تفسيرًا عقليًّا؛ فعدوه في أول الأمر مارقًا، وسموا أتباعه زنادقة أي ملحدين، ولم تلبث تعاليمه أن عمت في بلاد الفرس. ولم يستطع مزدك داعيتهم الثالث الذي ظهر في أواخر القرن الخامس الميلادي أن

стр. 118

يكسر من تعاليم المانوية أو أن يخضد من شوكتها. وظل الإيرانيون بعد الإسلام يتعلقون بها؛ حتى إذا انتهينا إلى زمن العباسيين وجدناها لا تزال حية مزدهرة، ولا يزال كثير منهم ثنويًّا يؤمن بإلهي النور والظلمة. وكان نَفَرٌ منهم يعلن إسلامه في الظاهر ويضمر في الباطن تلك الزندقة أو تلك المانوية وما أذاعه ماني من عقائد وتعاليم، ويشرح الجاحظ طرفًا من هذه التعاليم فيقول١: "إن المنانيَّة تزعم أن العالم بما فيه من عشرة أجناس، خمسة منها خير ونور وخمسة منها شر وظلمة، وكلها حاسَّة وحارّة، وأن الإنسان مركب من جميعها على قدر ما يكون في كل إنسان من رجحان أجناس الخير على أجناس الشر ورجحان أجناس الشر على أجناس الخير، وأن الإنسان وإن كان ذا حواس خمسة فإن في كل حاسة متونًا من ضده من الأجناس الخمسة؛ فمتى نظر الإنسان نظرة رحمة فتلك النظرة من النور ومن الخير، ومتى نظر نظرة وعيد فتلك النظرة من الظلمة، وكذلك جميع الحواس. وإن حاسة السمع جنس على حدة وإن الذي في حاسة البصر من الخير والنور لا يعين الذي في حاسة السمع من الخير؛ ولكنه لا يضاده ولا يفاسده ولا يمنعه فهو لا يعينه لمكان الخلاف والجنس ولا يعين عليه لأنه ليس ضدًّا. وإن أجناس الشر خلاف لأجناس الشر ضد لأجناس الخير، وأجناس الخير يخالف بعضها بعضًا ولا يتضادُّ. وإن التعاون لا يقع بين مختلفها ولا بين متضادها؛ وإنما يقع بين متفقها". وكان ماني يحرم ذبح الحيوان، ودعا إلى الزهد في الحياة والتقشف، وفرض على أتباعه صلوات كانوا يستقبلون بها الشمس، فيدعون ويزمزمون. وكلمة زنديق أي مانويّ ليست عربية وإنما هي فارسية، عربت وأطلقت بنفس الاصطلاح الذي كانت تطلق به في بيئتها الأصلية أي على أصحاب ماني، وقد كثر هؤلاء الزنادقة منذ فاتحة العصر العباسي، حتى إذا كنا في عصر المهدي وجدنا موجتها تبلغ أقصى حدتها، حتى يضطر إلى اتخاذ ديوان للفحص عنهم والتنكيل بهم، وأكبر الظن أنه لم يجد فيهم خطرًا على الإسلام وحده،

стр. 119

بل رآهم أيضًا خطرًا على دولته، وكذلك شعر الخلفاء من بعده، وخاصة لتلك الثورات التي كانت تنشب ضدهم في إيران مثل ثورة المقنَّع الخراساني الذي كان يزعم أن الذات الإلهية تجسدت في أبي مسلم ثم حلَّت فيه، ومثل ثورة خليفته بابك الْخُرَّمي لعهد المأمون. ويجمل لنا المهدي تعاليمهم في وصيته لابنه الهادي إذ يقول له١: "يا بني إن صار لك الأمر فتجرد لهذه العصابة "الزنادقة"؛ فإنها فرقة تدعو الناس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للآخرة، ثم تخرجهم إلى تحريم اللحم ومس الماء الطهور وترك قتل الهوامّ تحرجًا وتحوُّبًا، ثم تخرجهم من هذه إلى عبادة اثنين أحدهما النور والآخر الظلمة، ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات والاغتسال بالبول وسرقة الأطفال من الطرق لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور؛ فارفع فيها الخشب وجرد فيها السيف، وتقرب بأمرها إلى الله لا شريك له". ولم يُقم المهدي لهم ديوان الزنادقة فحسب؛ بل دعا أيضًا المتكلمين والمعتزلة للرد عليهم وتأليف الكتب في نقض عقيدتهم، ومن يقرأ الحيوان للجاحظ يرى إلى أي حد شغل المعتزلة من أمثال النظّام أنفسهم بمناظراتهم ودَحْض معتقداتهم؛ فهم وأمثالهم من الدهريين شغلهم الشاغل. ويسوق الجاحظ ثبتًا طريفًا يضم من كان يتزندق من الشعراء، وهم -حسب إحصائه- الْحَمَّادون الثلاثة: حماد عجرد حماد الراوية وحماد بن الزّبْرِقان ويونس بن أبي فروة وعلى بن الخليل ويزيد بن الفيض ويونس بن هارون وعمارة بن حمزة وجميل بن محفوظ ومطيع بن إياس وقاسم بن زنقطة ووالبة بن الحباب وأبان بن عبد الحميد٢. ويَعجَبُ من زندقة أبان ويقول٣: "أما اعتقاده فلا أدري ما أقول لك فيه؛ لأن الناس لم يؤتوا في اعتقادهم الخطأ المكشوفَ من جهة النظر، ولكن للناس تأسٍّ وعادات وتقليد للآباء

стр. 120

والكبراء، ويعملون عن الهوى، وعلى ما يسبق إلى القلوب، ويستثقلون التحصيلَ ويهملون النظر، حتى يصيروا في حال متى عاودوه وأراده نظروا بأبصار كليلة وأذهان مدخولة ومع سوء عادة. والنفس لا تجيب هي مستكرهة، وكان يقال: العقل إذا أكره عمي. ومتى عمي الطبع وجَسا وغلظ وأهمل حتى يألف الجهل لم يكد الفهم ما عليه وله؛ فلهذا وأشباهه قاموا على الإلف والسابق إلى القلب". ويظهر أن أصحاب هذه الدعوة من الفرس كانوا لا يكتفون باعتناقها؛ فقد كانوا يدعون إليها مَنْ حولهم، ودخل في اعتقادهم غير عربي مثل مطيع بن إياس الكناني ووالبة بن الحباب الأسدي إن صحت عروبتهما؛ على أننا نلاحظ أن كثير ممن كانوا يتهمون بالزندقة في العصر إنما اتهموا بها من أجل فسقهم ومجونهم واستجابتهم لغرائزهم الشاذة، ونحن لا نستطيع أن نبرئ منها مطيعًا، فقد أحضرت ابنته إلى الرشيد للتحقيق معها في تهمة الزندقة، فأقرت بها، وقالت: "هذا دين علَّمنيه أبي". وهناك جماعة قتلوا بها، ونفس قتلهم يشهد شهادة قاطعة بزندقتهم؛ فقد قتل المهدي بشارًا، وإذا رجعنا إلى شعره وجدناه يشيد بعبادة النار في بيته المشهور١: الأرضُ مظلمةٌ والنَّارُ مشرقةٌ ... والنار معبودةٌ مذ كانت النارُ واستمد من ذلك دليلًا على أن إبليس خير من آدم؛ لأنه خلق من نار، أما آدم فخلق من طين، فقال٢: إبليس أفضل من إبيكم آدم ... فتنبهوا يا معشر الفُجَّار النارُ عنصره وآدم طينةٌ ... والطين لا يسمو سُمُّو النارِ ولما كثر منه ذلك نادى واصل بن عطاء في الناس أن يقتلوه؛ ففرَّ إلى البصرة ولم يزل غائبها عنها حتى توفِّي واصل، بل حتى عمرو بن عبيد، وردَّ عليه صفوان الأنصاري بشعر مفحم٣ غير أنه عاد إلى البصرة وعادت معه زندقته، حتى سفك

стр. 121

المهديُّ دمه. وممن قتله المهدي على الزندقة صالح بن عبد القُدُّوس الأزدي، وكان يعلن في البصرة مذهبه في الثنوية. ويقال أن أبا الهذيل العلاف المتكلم ناظره فقطعه، ثم قال له: على أي شيء تعزم يا صالح؟ فقال: أستخير الله وأومن بالاثنين. ولما علم بأن ديوان الزنادقة يرصده هرب إلى دمشق؛ فطلبه المهدي وزجَّ به في سجن تلك الفئة الباغية، حتى يحاكمَ، فقال في سجنه: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى قُبِرْنَا ولم ندفن فنحن بمعزلٍ ... من الناس لا نُخْشَى فنُغْشى ولا نَغْشى وقيل: إنه صلى صلاة تامة الركوع والسجود؛ فقيل له: ما هذا ومذهبك معروف: قال سُنَّة البلد وعادة الجسد وسلامة الأهل والولد. وأحضر للمحاكمة بحضرة المهدي فنوظر فيها اتُّهم به من الزندقة؛ فأظهر التوبة، فقال له المهدي ألست القائل في حفظك ما أنت عليه: رُبَّ سرٍّ كتمتُه فكأني ... أخرسٌ أو ثَنَي لسَانِي خَبْلُ ولو أني أبديتُ للناس علمي ... لم يكن لي في غير حَبْسىَ أَكْلُ قال: فإني أتوب وأرجع، فقال له المهدي: هيهات! ألست القائل: والشيخُ لا يترك أخلاقه ... حَتى يُوَارَى في ثَرَى رَمْسه إذا ارعوى عاوده جهلُه ... كذي الضَّنا عاد إلى نُكْسِه ثم قُدِّم، فقتل وصُلب على الجسر ببغداد١. ووراء صالح وبشار شعراء كانوا زنادقة حقًّا، ولم يقتلوا، وكأن التهمة لم تثبت عليهم في جلاء لديوان الزنادقة والقائمين عليه. ومن كبار الزنادقة حماد عجرد، يقول أبو نواس: "كنت أتوهم أن حماد عجرد؛ إنما يرمى بالزندقة لمجونه في شعره، حتى حُبِسْتُ في حَبْس الزنادقة، فإذا حماد عجرد إمام من أئمتهم، وإذا له شعر مزاوج بيتين بيتين يقرءون به في صلاتهم٢". وأبو نواس خير من يصور الصنف الثاني من الزنادقة التي كانت تلصق بهم هذه التهمة بسبب مجونهم، وبسبب ما قد يبدر على

стр. 122

ألسنتهم في قصفهم وشربهم من أبيات مارقة على شاكلة قوله١ يا ناظرًا في الدين ما الأمر ... لا قدرٌ صحَّ ولا جَبْرُ ما صح عندي من جميع الذي ... تذكر إلا الموت والقَبْرُ ولكن هذا كان تعابثًا ومجانة، وكان القائمون على ديوان الزنادقة يميزون بينه وبين الزندقة الحقيقية؛ فيكتفون بحبس أبي نواس حين يأمرهم بعض الخلفاء أو بعض الوزراء تعذيرًا له، حتى يرتدّ عن غيّه. على أن هذا الجانب في حياة المجتمع العباسي وما انطوى فيه من زندقة ومجون ينبغي ألا يضع غشاوة على أعيننا فلا نرى هذا المجتمع على حقيقته. لقد كان فيه لهو وترف، وكان تحفة عقائد الزنادقة والدهريين؛ ولكن ذلك إنما كان يشيع في بعض البيئات وفي دور المجانة والخلاعة. أما بعد ذلك فقد كانت هناك كثرة من يتّبعون سبيل الرشاد، وكان هناك الزهاد والعباد من أمثال عمرو بن عبيد وموسي بن سيّار الأسواري وعمرو بن فائد والقاسم بن يحيى وصالح المرِّي، هؤلاء الذي ملئوا العراق بزهدهم ومواعظهم. وكان هناك تلاميذ أبي حنيفة وابن حنبل وأضرابهما من أصحاب الشريعة الإسلامية وحملة الحديث. وكان هناك المعتزلة الذين وهبوا أنفسهم للذود عن حياض الإسلام والرد على الملاحدة والزنادقة. وكان هناك رابعة العدوية وأمثالها من الزاهدات. فموجة الزهد لم تكن أقل حدة من موجة المجون، ويُظَنُّ أنه دخلتها عناصر أجنبية مختلفة من زهد الهنود، وزهد المسيحية ورهبانها، وحتى من زهد المانوية. ولعلنا لا نعجب بعد ذلك إذا رأينا بعض الشعراء الماجنين مثل أبي نواس تجري على ألسنتهم أشعار رقيقة في الزهد٢. وكان صالح بن عبد القدوس على زندقته يكثر من الترغيب عن الدنيا والزهد فيها، ولا يني يذكر الموت والقبر٣. وكان شعره كله أمثالًا وحكمًا،

стр. 123

حتى قالوا إن ديوانه يشتمل على ألف مثل عربي وألف مثل أعجمي١، ويعجب ابن المعتزة مما يُرْوَى عنه من زندقته، ويَرْوي له بعض أشعاره زاهدة٢ من مثل قوله: وليس بعجز المرء إخطاؤه الغنى ... ولا باحتيال أدرك المال كاسبه ولكنه قبضُ الإله وبَسْطُه ... فلا ذا يجاريه ولا ذا يغالبه إذا كمَّل الرحمن للمرء عقلَهُ ... فقد كملتْ أخلاقه ومناقبه وقوله في أصحاب القبور: ألا أحد يبكي لأهل محله ... مقيمين في الدنيا وقد فارقوا الدنيا كأنهم لم يعرفوا غير دارهم ... ولم يعرفوا غير التضايق والبلوى وقوله: فوحقِّ من سمك السماء بقدرة ... والأرض صيَّر للعباد مِهَادا إن المصرَّ على الذنوب لهالكٌ ... صَدَّقت قولي أو أردت عنادا وربما كان أكبر من تغنَّى بالمهد في هذا العصر أبو العتاهية، وقد بدأ حياته ماجنًا أشد ما يكون المجون، ثم حانت منه التفاتة فزهد في حطام الدنيا ولبس الصوف، وأخذ يتغنى بالموت والفناء وما ينتظر الناس من ظلمة القبر ووحشته على شاكلة قوله٣: حتى متى أنت في لهو وفي لعب ... والموت نحوك يهوى فاغرًا فاه؟ ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... رب امرئ حتفه فيما تمناه تغترّ للجهل بالدنيا وزخرفها ... إن الشقيّ لمن غرته دنياه كأن حيًّا وقد طالت سلامته ... قد صار في سكرات الموت تغشاه نلهو وللموت مُمْسَانا وَمُصْبَحنا ... من لم يصبِّحه وجه الموت مسَّاه ولا يزال على هذا النحو يتحدث عن مصير الإنسان الذي ينتظره وأن من

стр. 124

الخير أن يقدِّم لهذا المصير العملَ الصالح، قبل أن تفيض روحه وينكشف عنه الغطاء. ونراه يكثر في أثناء ذلك من الابتهالات ومن الدعاء، منقبضًا عن الدنيا وملاذها وكل ما فيها من متاع؛ بل إنه ليقبِّح هذا المتاع وما يُطْوَى فيه من نعيم حتى ليقول١: رغيفُ خُبْزٍ يَابِسٍ ... تأكله في زاويَهْ وكوز ماء باردٍ ... تشربه من صافيهْ وغرفةٌ ضيِّقَةٌ ... نفسُك فيها خاليهْ خيرٌ من الساعات في ... ظلِّ القصور العاليهْ وكان يتَّهم بالزندقة وأن هذه الألحان يستمدها منها على نحو ما استمدها قبله صالح بن عبد القدوس. وكان وراءه ووراء صالح كثيرون زهدوا زهدًا إسلاميًّا خالصًا، ومن ثم لم يتهموا في زهدهم؛ لأنهم صدروا فيه عن عقيدة صحيحة مثل أبي محمد اليزيدي، وله أشعار كثيرة في الموعظة والحكمة،٢ من مثل قوله٣: إذا نكبات الدهر لم تعظِ الفتى ... وأفزع منها لم تعظه عواذله ومن لم يؤدبه أبوه وأمه ... تؤدبه روعات الرَّدَى وزلازله فدع عنك ما لا تستطيع ولا تُطِع ... هواك ولا يغلب بحقك باطله وممن كانوا يكثرون من أشعار الزهد محمود الوراق، وأكثر أشعاره أمثال وحكم ومواعظ وأدب٤ على شاكلة قوله٥: بكيت لقرب الأجل ... وبعد فوات الأمل ووافد شيب طَرَا ... بعَقْب شبابٍ رَحَلْ شبابٌ كأن لم يكن ... وشيبٌ كأن لم يزل

стр. 125

طواك بشير البقاء ... وحلَّ بشير الأجل وقوله: رأيت صلاح المرء يصلح أهله ... ويعديهم داء الفساد إذ فسد يعظَّم في الدنيا بفضل صلاحِه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد ومعنى هذا كله أن ألحان الزهد لم تكن تقل عن ألحان المجون إن لم تزد عليها، وغاية ما في الأمر أن الألحان الأخيرة هي التي كانت تذيع على ألسنة الجواري والمغنين، وقد نشروها في كل مكان.

стр. 126

٢- العلاقات اللغوية: إذا رجعنا إلى عصر بني أمية وجدنا الكوفة والبصرة أهم مصرين عربيين تصطدم فيهما اللغة العربية باللغات الأجنبية؛ فقد كان سكانها أخلاطًا من العرب والموالي فرسًا وغير فرس. وحقًّا كان هؤلاء الموالي يتعربون، ولكنهم كانوا يجدون عناءً شديدًا من نظام الإعراب والتصريف في العربية، ولعل ذلك ما جعل هاتين المدينتين تبادران إلى وضع قواعدهما، حتى لا يضل الموالي في شعابهما الوعثة. ولم يكن هذا كل ما عانوه؛ فقد كانوا يعانون أيضًا من لكناتهم وما يضطرون إليه من تكيف عضوي لمخارج الحروف ينجحون فيه أحيانًا، وأحيانًا يفشلون، فكان من الصعب عليهم مثلًا أن ينطقوا بحروف الإطباق التي لا يعرفونها في لغاتهم أو ينطقوا بالعين أو بالحاء، وكان ذلك يصيب ألسنتهم بضروب مختلفة من اللثغات. وكان ينزلق إلى العربية على ألسنتهم كثير من الألفاظ الدخيلة التي أخذت تعرّب، تارة عن النبطية التي كان يتحدث بها سكان السواد في العراق وتارة عن الفارسية التي كانت منتشرة بين سكان الكوفة والبصرة، ويعرض علينا الجاحظ في بيانه مدى تأثيرهما في عربية البلدتين.

стр. 127

ولغتهما اليومية١، ويقول: إن هذا التأثير نفذ إلى سكان المدينة في الحجاز٢ ونحن لا ننسى الأجيال العربية الأخيرة في عصر بني أمية؛ فقد كان كثير منهم من أبناء الجواري الأجنبيات، وكانوا يتأثرون بأمهاتهم في نطقهم لبعض الحروف٣ وأيضًا فإنه بمضي الزمن أخذ كثير من العرب ينشأ في المدن، منبتّ الصلة بالبادية، فضعفت السلائق اللغوية وأخذ يظهر اللحن بين فصحائهم؛ بل إننا نجد بعض من نشئوا في البادية يلحنون مع ما عرفوا به من فصاحة مثل الحجاج٤، ولعل ذلك ما جعل خلفاء بني أمية يحرصون على تأديب أبنائهم، حتى لا يلحنوا في خطابتهم٥. وإذا أخذنا ننظر في الشعراء الذين اشتهروا في البصرة والكوفة لعهد بني أمية وجدنا كل هذه الظواهر التي قدمناها بارزة في أخبارهم؛ فهذا يزيد بن مفرِّغ الذي عاصر زياد بن أبيه وابنه عبيد الله يحشو شعره بالألفاظ الفارسية٦، وكان ينسب نفسه في حمير؛ غير أننا نظن ظنًّا أنه كان فارسيًّا، وظهر من بعده شاعر فارسي لا شك في فارسيته هو زياد الأعجم، كان جزل الشعر فصيح الألفاظ٧، ومع ذلك كان يجد صعوبة في تكييف مخارج الحروف التي تخالف حروف لغته، فكان يبدل العين همزة والحاء هاء ويجعل السين شينًا والطاء تاء٨ وينشد في قوله في المهلب بن أبي صفرة أو ابنه يزيد٩: فتى زاده السلطان في الودِّ رفعةً ... إذا غيَّر السلطانُ كلَّ خليل

стр. 128

فيقول: "زاده الشُّلتان"١. ولما تردد منه ذلك على سَمْع المهلب أهدى إليه غلامًا فصيحًا يكفيه مئونة إنشاده شعره. وهذا فيما يختص بالموالي، ما العرب فإننا نلتقي في أواخر العصر الأموي بشاعرين عربيين حضريين، لم ينشآ في البادية، وهما الطِّرِمّاح والكميت. ما الطرماح فيروون أنه كان يكتب ألفاظ النبط الآراميين ويدخلها في شعره٢، وكان معلمًا يؤدب الصبيان فتعلق بأن يقدم لهم شعرًا مملوءًا بالألفاظ الغريبة؛ ولكن أنَّى له وهو ليس بدويًّا؟ لقد لجأ إلى طريقة سهلة: أن يسأل البدو ومن نشئوا في البادية عن بعض الألفاظ الآبدة ويسلكها في نظمه٣، وكان يوفق أحيانًا في استخدامها وأحيانًا لا يوفق، ومن أجل ذلك رفض علماء اللغة الاحتجاج بشعره٤. ولم يكن الكميت يشرك الطرماح في الظاهرة الأولى ظاهرة استعارة الألفاظ النبطية في شعره؛ ولكنه كان يشركه في الظاهرة الثانية؛ إذ كان يرجع إلى رؤبة الراجز البدوي، فيسأله عن الغريب من الكلم فيخبره به ويكتبه، ثم ينظمه في شعره٥، وكذلك كان يرجع إلى جدَّتين له أدركتا الجاهلية؛ فكانتا تصفان له البادية وشئونها، وينقل وصفهما إلى أشعاره٦. وبذلك كان مثلَ صاحبه لم يتغذ بلبان البادية مباشرة، فأخطأته الفطرة اللغوية في كثير من ألفاظه وأوصافه، وصوَّر ذلك ذو الرمة تصويرًا طريفًا حيت أنشده بعض قصائده وسأل رأيه، فقال له: "إنك لتقول قولًا ما يقدر إنسان أن يقول لك فيه أصبت ولا أخطأت، وذلك أنك تصف الشييء فلا تجيء به ولا تقع بعيدًا منه، بل تقع قريبًا" واعترف له الكميت بأن مرجع ذلك أنه لا يصف شيئًا رآه بعينه

стр. 129

وإنما يصف شيئًا وصف له١. وكذلك كان شأنه في استخدامه للغريب، ومن ثم رفض اللغويون الاستشهاد بأقواله وأشعاره٢. ومعنى ما قدمنا أن عصر بني أمية يمدنا بأمثلة فردية لشعراء عاشوا في البصرة والكوفة وأخذت العربية على ألسنتهم تتأثر باللغات الأجنبية، وكان يتسع هذا التأثر عند الشعراء الموالي بسبب ما كانوا يرتضخون من لكنات لغاتهم وما كانوا يستعيرونه أحيانًا من ألفاظ تلك اللغات. وكان بعض الشعراء من العرب مثل الطرماح لا يرى بأسًا في أن يعرب بعض ألفاظ النبط الآراميين أو بعض الألفاظ الفارسية وأخذ هو وغيره من العرب المتحضرين يبتعدون عن السليقة العربية بحكم نشأتهم في الحاضرة وبعدهم عن ينابيع اللغة الحقيقية. وندخل في العصر العباسي؛ فإذا الشعراء جميعًا يتحضرون على شاكلة الطرماح والكميت، ولقد كانا هما وأضرابهما في العصر الأموى شذوذًا بين جرير والفرزدق والأخطل وذي الرمة وأمثالهم ممن ملئوا العراق بأشعارهم، صادرين فيها عن سليقة عربية سليمة وفطرة بدوية صحيحة. أما في العصر العباسي فقد تبدل الحال؛ إذ أصبحت الكثرة الكثيرة من الشعراء تنشأ في المدن لا في البادية كما كان الشأن في زمن الأمويين، وليس هذا فحسب فإن كفَّة الفرس رجحت على كفة العرب لا في شئون الدولة والسياسة فقط بل أيضًا في الشئون الأدبية والعقلية، وبُنيت بغداد على حدود بلادهم وزخرت بسيولهم، وأصبحنا في عصر جديد ليس للعرب فيه من سلطان ولا سيادة إلا سيادة الأسرة الحاكمة، أما بعد ذلك فكل شيء للفرس. غير أن هذا الانقلاب العنيف في الشئون السياسية لم يصب اللغة العربية بسوء؛ فإن الفرس لم يحاولوا استخدام لغتهم في شئون الدولة الرسمية وكان كثير منهم قد تعرَّب، بل قد تكن من العربية حتى اتخذها لسانه في التعبير عن مشاعره وأفكاره، وعدَّها مثله الأعلى في البيان والبلاغة. وظلت الأجيال التالية تشعر هذا الشعور بقوة، وكان من أهم ما دعمه أن العربية كانت لغة القرآن

стр. 130

الكريم؛ فكان الخروج عليها يعد مروقًا من الإسلام ومحاولة لنقضه، وبذلك ظلت العربية شامخة في هذا المحيط الأعجمي حتى بين الزنادقة وأنصار الشعوبية؛ فإنهم لم يستطيعوا غضًّا منها، بل ظلوا يتخذونها هم ومن حَسُن إسلامهم مَثَلَهم اللغوي والأدبي الرفيع. وليس معنى هذا أن ما لاحظناه في العصر الأموي من دخول الكلمات الأجنبية إلى الشعر العربي انحسرت ظلاله، أو أن ضعف السليقة اللغوية انتهت آفاته، أو أن اللكنات الأجنبية انحازت لثغاتها عن الألسنة؛ فقد استمر ذلك كله بصورة أوسع من الصورة الأموية، لسبب بسيط، وهو أن أغلب الشعراء كانوا أجانب؛ فكان فيهم النبطي مثل أبي العتاهية والسِّندي مثل هارون مولى الأزد وأبي عطاء. أما الفرس فلا نستطيع إحصاءهم، وكان منهم بشار بن برد وأبان بن عبد الحميد وسلم الخاسر ومروان بن أبي حفصة وأبو يعقوب الخريمي ومسلم بن الوليد وغيرهم كثير. ولعل شيئًا لم يسترع الجاحظ في عصره كما استرعته اللكنات وما كانت تسبّبه من لثغات، وقد أفاض في وصف هذه اللثغات أوائلَ كتابه البيان والتبيين؛ فقال إنه كان هناك من يبدل الراء غينًا واللام ياء والزاي والثاء والشين سينًا والعين همزة والقاف كافًا والذل دالًا والجيم زايًا أو ذالًا. ويقول إن ذلك كله مصدره أن يدخل الرجل بعض حروف العجم في حروف العرب ويقول: إن واصل بن عطاء كان لا يستطيع أن ينطق الراء؛ فأخلى كلامه منه. ويزعم أن من أصوات اللغات الأجنبية ما لا يستطيع الخط العربي تصويره كلهجة خوزستان، ويقول: "قد يتكلم المغلاق الذي نشأ في سواد الكوفة العربية المعروفة ويكون لفظه متخيَّرًا فاخرًا ومعناه شريف كريمًا ويعلم مع ذلك السامع لكلامه ومخارج حروفه أنه نبطيّ، وكذلك إذ تكلم الخراساني على هذه الصفة فإنك تعلم -مع إعرابه وتخير ألفاظه في مخرج كلامه- أنه خراساني، وكذلك إن كان من كتَّاب الأهواز١" ولا بد أن أشياء من ذلك تؤثر في لهجات بعض

стр. 131

الشعراء على نحو ما روي ذلك عن أبي عطاء السندي؛ إذ كان لا يكاد يفصح لارتضاخه لُكْنَةَ قومه من السند؛ حتى كان كلامه إذا نطق به لا يكاد يفهم وذلك أنه كان ينطق الحاء هاء والعين همزة والصاد سينًا والجيم زايًا ويرقق الظاء حتى تشبه الزاي١؛ مما اضطره إلى اتخاذ غلام ينشد شعره٢: وأهم من ذلك أنهم أدخلوا في أشعارهم بعض ألفاظ من لغاتهم الأصلية، وحقًّا لم يتسع هذا الصنيع؛ ولكنا نجد عندهم أمثلة كثيرة لكلمات نبطية وفارسية كانوا يدخلونها في بعض ما ينظمون، من ذلك قول إبراهيم الموصلي يصف وداعه لخمَّار نبطي: فقال: إزْل بِشين حين ودعني ... وَقَدْ لعَمْرُكَ زُلْنَا عنه بالشِّيْنِ وإزل بشين: كلمة سريانية معناها امض بسلام٣. ويقول إسحاق الموصلي في قصيدة له يذكر مجالس لهوه مع إسحاق بن إبراهيم المصعبي، وقد فرقت بينهما الأيام: فيا ليت شعري هل أروحنَّ مرة ... إليه فيلقاني كما كان يلقاني وهل أسمعنْ ذاك المزاح الذي به ... إذا جئته سلَّيْتُ همي وأحزاني إذا قال لي: "يا مردمي خر" وكرها ... عليّ وكناني مزاحًا بصفوان و"مردي خر" كلمة فارسية تفسيرها: يا رجل اشرب النبيذ٤. ويقول والبة بن الحباب٥: قد قابلتنا الكئوس ... ودابرتنا النحوس واليوم هرمزد روزٍ ... قد عظَّمتْه المجوس وهرمزد تعريب لأهورامزد إله النور عند الفرس، وروز معناها بالفارسية يوم، يقول: إن اليوم يوم هذا الإله وعيده، فلنطرب ونشرب. ولعل شاعرًا لم يكثر في شعره من الألفاظ الفارسية كما أكثر أبو نواس، وخاصة حين يتعابث مع

стр. 132

بعض الغلمان من المجوس؛ فيقسم عليه بآلهته وكهنة النار وبكل ما يقدس من كواكب وبما يتلو من كتب زرادشت، وفي رواية حمزة الأصفهاني لديوانه كثير من ذلك مثل قوله: حماني وَصْلَ أبناء القسوسِ ... نجيبُ الفُرْس بهروز المجوسي من المتزمزمين لدى التغذّي ... يعذِّب مهجتي بين النفوس فقلت ونحن في وَجَلٍ شديد ... رضينا من وصالك بالخسيس بإسْفِهْر وناهيد وتير ... وحَقِّ الماهِ والمهر الرئيس وحرمة بَرْسمِ التقديس مما ... يُزَمْزِمُه هرابذ أسطنوسِ بما تتلون في البِستاق رمزًا ... كتاب زرذُّشٍ داعي المجوس لما كلَّمتني ورددت نفسي ... فإني من جفائك في رَسِيس والمتزمزمون: أصحاب الزمزمة، وهي الأدعية التي يتلوها المجوس على الطعام والشراب، وإسفهر: الفلك بالفارسية، وناهيد: الزهرة، وتير: عطارد، وماه: القمر، والمهر: الشمس، وبرسم: أعواد يتلون عليه سوارًا من كتبهم ويقدسونها، والهرابذ: كهنتهم، وأسطنوس: معبد نار من معابدهم. والبستاق هو كتاب زرذش أو زرادشت معرب عن اسمه الفارسي أفستا. ومن ذلك قوله: يا غاسل الطَّرْجهارِ ... للخندريس العُقارِ يا نرجسي وبَهارى ... بدِه مَرَايَكْ بارى والطرجهار: قدح شراب، ومعنى الشطر الأخير: أعطني مرة واحدة. ومما لا شك فيه أن الفارسية كانت منتشرة في أحاديث اللغة اليومية، وكان بين العرب كثيرون يتقنونها مثل العَتَّابي التغلبي، وكان منهم من يدخل بعض ألفاظها في شعره على جهة التظرف، يقول الجاحظ: "وقد يتملحّ الأعرابي بأن يدخل في شعره شيئًا من كلام الفارسية كقول العُمَّاني للرشيد في قصيدته التي مدحه فيها:

стр. 133

من يَلْقَه من بطل مُسْرَنْدِ ... في زَعْفَةٍ محكمةٍ بالسَّرْدِ١ تجول بين رأسه والكرد والكرد: العنق بالفارسية. ومنها يقول أيضًا: لما هوى بين غياض الأسد ... وصار في كف الهِزَبْرِ الوَرْدِ٢ آلى يذوق الدهر آب سرد وآب سرد: الماء البارد بالفارسية. يقول الجاحظ: ومثل هذا موجود في شعر أبي العذافر الكندي وغيره.. وأسود بن أبي كريمة، ويسوق له قوله: لزم الغُرَّامُ ثوبي ... بُكْرَةً في يوم سَبْتِ فتمَايلتُ عليهم ... مثل زنجي بمَسْتِ قد حسا الدَّاذيّ صرفًا ... أو عقارًا با يِخَسْتِ٣ والمست: السكر وإدمان الشراب، والداذي: ضرب من الشراب، والعقار: الخمر، وبا يخست: موطوءة بالأقدام. وتستمر المقطوعة على هذا النحو تختلط فيها الألفاظ العربية بالفارسية. ومن غير شك كان دخول هذه الكلمات الأعجمية في الشعر العباسي أوسع منه في الشعر الأموي؛ غير أن ذلك ظل في حدود ضيقة، وظل الشعراء يصنعونه على سبيل التظرف والتملح. وإذا كنّا لاحظنا قبلًا أن الكميت والطّرمّاح نقصتهما السليقة اللغوية فمن المحقق أن جمهور الشعراء في هذا العصر كانت تنقصه تلك السليقه مما هَيَّأ لظهور اللحن والخروج أحيانًا على القياس الصرفي. وكان علماء اللغة لهم بالمرصاد؛ فكلما انحرفوا دلوه على انحرافهم، ويفيض كتاب الموشح للمرزباني فيأخذ هؤلاء العلماء عليهم، وكانوا يرهبونهم رهبة شديدة، حتى كان فريق منهم يعرض عليهم أشعاره قبل إذاعتها٤. وكان

стр. 134

فريق آخر يعتد بسلامة ذوقه، ويحمل عليهم ويهجوهم هجاء مرًّا١. والحق أن هؤلاء العلماء كا نوا حرَّاسًا أمناء على العربية، وضعوا قواعدها ودقائقها، وجمعوا شعرها الدقيق، واتخذوه مثلًا أعلى للفصاحة والبيان، وظلوا يذودون عنها ذيادًا قويًّا متعصبين للجاهليين تعصبًا شديدًا؛ فهم الشعراء حقًّا وغيرهم عالة عليهم، بل لقد أهدروا شاعرية معاصريهم ولم يجعلوا لشعرهم حرمة ولا فضلًا، إن قالوا حسنًا فقد سُبقوا إليه وإن قالوا قبيحًا فمن عندهم٢، ومنعوا الاحتجاج بشعرهم فهم لا يحتجون في مسائلهم النحوية واللغوية إلا بعرب البادية. وارجع إلى كتاب سيبويه، عمدة النحو والنحاة، فستجده دائمًا ينقل عن فصحاء العرب ومن تُرْضَى عربيتهم ولا يسوق شاهدًا لشاعر محدث. وقد ظلوا يرحلون إليهم، ويأخذون عنهم شفاهًا شواهدَهم وأمثلتهم، وفي الوقت نفسه أخذ كثير من عرب البادية يرحلون إلى الكوفة والبصرة وبغداد ليعرضوا تجارتهم اللغوية التي كانوا يروجها العلماء، كما كان يروجها الخلفاء وكبار رجال الدولة. وبذلك ظلت النماذج البدوي حية في تلك الحقب التي تطور فيها الشعر في مدن العراق بتأثير العلاقات الاجتماعية والحضارية النامية؛ فقد نصب اللغويون تلك النماذج مثلًا أعلى للشعر الفصيح، وروَّجوا لها في البلاد ومجالس الوزراء. وبذلك أصبح هناك ضربان واضحان من الشعر: ضرب بدوي يتمسك بالتقاليد القديمة، وضرب حضاري ينفك قليلًا أو كثيرًا عن تلك التقاليد حتى يساير العصر. وأخذ أصحاب الضرب الأول يكثرون في شعرهم من الغريب؛ حتى يجد فيه اللغويون ما يسد حاجتهم في البحث والدراسة من الشواهد والأمثال، وكانوا يؤلفونه غالبًا من الرجز، على نحو ما هو معروف عن أبي نخيلة والعماني ورؤبة وابنه عقبة. وكانوا يُدِلُّون بنماذجهم تلك على شعراء المدن، فبعثوا فيهم

стр. 135

نزعة إلى تقليدهم في ذلك الميدان حتى يثبتوا لهم وللغويين أنهم يتفقون عليهم، حتى في تلك الصناعة البدوية المسرفة في البداوة. روى صاحب الأغاني: "أن بشارًا دخل على عقبة بن سَلْم "والي البصرة" فأنشده بعض مدائحه فيه، وعنده عقبة بن رؤبة ينشده رجزًا يمدحه به؛ فسمعه بشار، وجعل يستحسن ما قاله إلى أن فرغ. فأقبل على بشار، فقال: هذا طراز لا تحسنه أنت يا أبا معاذ، فقال له بشار: أليّ يقال هذا؟ أنا والله أرجز منك ومن أبيك وجدك "يقصد العجاج" فقال له عقبة: أنا والله وأبي فتحنا للناس باب الغريب وباب الرجز، والله إني لخليق أن أسده عليهم، فقال بشار: ارحمهم رحمك الله، فقال عقبة: أتستخف بي يا أبا معاذ وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟ فقال له بشار: فأنت إذن من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، ثم خرج من عند عقبة "بن سلم" مغضبًا؛ فلما كان من غَدٍ غَدَا على عقبة، وعنده عقبة بن رؤبة، فأنشده أرجوزته التي يمدحه فيها: يا طللَ الحيّ بذات الصّمْدِ ... بالله خَبِّرْ كيف كنت بعدي ومضى يرجز ويتكلف للغريب يمزجه بشيء من الحاضرة ودقة الحس والفكر وجمال الصياغة. فطرب عقبة بن سلم وأجزل صلته وانكسر عقبة بن رؤبة انكسارًا شديدًا١، وليس بشار وحده الذي أثبت أنه يستطيع التفوق على شعراء البادية في أرجازهم الملوءة بالغريب؛ فقد تبعه أبو نواس يحاول أن يهزمهم هزيمة ساحقة في هذا الميدان، وكان أبو نخيلة قد سبقه إلى صنع أراجيز كثيرة في الطرد والقنص٢، يصف فيها الصيد والكلاب والوحش وحيوان الصحراء على طريقة القدماء فصنع على مثال طردياته طرديات جديدة أظهر فيها براعة وتفوقًا منقطع النظير، حتى ليقول الجاحظ في تقديمه لطائفه منها: "وأنا كتبت لك رجز أبي نواس في هذا الباب لأنه كان عالِمًا راوية.. وصفات الكلاب مستقصاه في أراجيزه، هذا مع

стр. 136

جودة الطبع وجودة السبك والحذق بالصنعة، وإن تأملت شعره فضلته؛ إلا أن تعترض عليك فيه العصبية أو ترى أن أهل البدو أبدًا أشعر وأن المولَّدين لا يقاربونهم في شيء، فإن اعترض هذا الباب عليك فإنك لا تبصر الحق من الباطل ما دمت مغلوبًا١" وعلى هذا النحو زَحَم شعراءُ البصرة والكوفة وبغداد شعراءَ البادية في نماذجهم من الأراجيز المحشوة بالألفاظ الغريبة وأثبتوا أنهم يبزونهم، حتى في تلك النماذج الخاصة. ولعل في هذا ما يدل -من بعض الوجوه- على مدى ما كان يأخذ به الشاعر الحضري في تلك الأزمان نفسه من التثقف ثقافة عميقة بالشعر العربي الموروث واللغة العربية الصحيحة، يأخذها عن أهلها بالْمَرْبَى فيهم، والرحلة إلى بواديهم، فهم يروون أن بشارًا كان يقول: "من أين يأتيني الخطأ، ولدت ههنا "في البصرة" ونشأت في حجور ثمانين شيخًا من فصحاء بني عُقَيل، ما فيهم أحد يعرف كلمة من الخطأ، وإن دخلت على نسائهم فنساؤهم أفصح منهم، وأيفعت فأبديت "دخلت البادية" إلى أن أدركت؛ فمن أين يأتيني الخطأ٢" أما أبو نواس فقد خرج إلى البادية وأقام فيها حولًا كاملًا ليثقف اللغة من منابعها الحقيقية٣. ويقول الجاحظ عنه: "ما رأيت أحدًا كان أعلم باللغة من أبي نواس ولا أفصح لهجة مع حلاوة ومجانبة لا استكراه"٤، ويقولون: إنه "كان يحفظ دواوين ستين امرأة من العرب فضلًا عن الرجال٥" وإنه حفظ سبعمائة أرجوزة غير ما حفظه من قصائد الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين وأوائل المحدثين٦، وقال أبو عمرو الشيباني: "لولا ما أخذ فيه أبو نواس من الرفث لاحتججنا بشعره؛ لأنه محكم القول٧". وأكبر الظن أن فيما قدمنا ما يدل على مبلغ ما كان يأخذ به بعض الشعراء.

стр. 137

الحضريين العباسيين أنفسهم من التثقف باللغة والشعر القديم، حتى استحالت إليهم السليقة العربية ووقفوا على طريقة القوم في التعبير والصياغة وقوفًا دقيقًا. روى صاحب الأغاني أن بشارًا أنشد خلفًا الأحمر قصيدته. بَكِّرا صاحبيَّ قبل الْهَجِيرِ ... إن ذاك النجاحَ في التَّبْكير حتى فرغ منها؛ فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان إن ذاك النجاح في التبكير "بَكِّرا فالنجاح في التبكير" كان أحسن، فقال له بشار: بَنَيْتُهَا أعرابيَّة وحشيَّة فقلت: إن ذاك النجاح كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت: "بَكِّرا فالنجاح في التبكير" كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذلك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة، فقام خلف فقبَّل بين عينيه١". ولكن هل معنى ذلك حقًّا أن المولدين لم يتطوروا بأسلوبهم؟ الحق أنهم تطوروا به تطورًا واسعًا، حتى أصبح هناك في وضوح أسلوبان: أسلوب للقدماء، وأسلوب للمولَّدين العباسيين، ولسنا نقصد أن هؤلاء المولدين كان يجري على ألسنتهم شيء من اللحن في التصريف أو في الإعراب مما سجله المرزباني في الموشح نقلًا عن علماء اللغة من معاصريهم٢ ومما جعل السيد الحميري يقول عن شعره:٣ أحوك ولا أقْوِي ولست بلاحن ... وكم قائل للشعر يُقوِي ويَلْحَنُ وأيضًا لسنا نقصد ما كان يجري على ألسنتهم من تملح وتظرف بحشد بعض الألفاظ الفارسية في أشعارهم، وخاصة عند شعراء الجيل العباسي الثاني من مثل أبي نواس؛ وإنما نقصد أنهم على الرغم من تقيدهم بكثير من تقاليد القدماء ولا سيما في شعر المديح الرسمي وصناعة الأراجيز استطاعوا أن ينفذوا إلى لغة شفافة مبسَّطة تقف بين الإغراب والابتذال فهي لا ترتفع إلى عشر أمثال رؤبة وابنه عقبة وأبي نخيلة، وهي لا تسقط إلى كلام العامة، يدعمها ذوق سليم يعرف كيف يختار من العبارات أجملها صياغة وسبكًا، وكيف ينوع في معانيه، فلا يقف

стр. 138

بها عند المعاني الموروثة بل يضيف معاني جديدة، وفي الوقت نفسه يولد من المعاني والصور القديمة ما يروع. وبذلك استقام هذا الأسلوب المولد الجديد الذي يأخذ من القديم، ويعرض ما يأخذ عرضًا خلّابًا، ولا ينسى حقوق عصره ولا ما بسط له من الفكر والخيال، وأيضًا فإنه لا ينسى حقوق هذا العصر في البعد عن الكلام الوحشي الغريب والكلام السوقي المبتذل؛ فهو أسلوب مرن، فيه سلاسة وسهولة ووضوح، وفيه رشاقة وعذوبة، أسلوب لا يتورع ولا يسلم إلى تعقيد يفسده ويهجنه، معانيه ظاهر مكشوفة وألفاظه لا تلطف عن العامة ولا تجفو عن الخاصة، مع أناقة التعبير ودقة الحس والذوق. وأخذ هذا الأسلوب المولد الجديد يفر سلطانه على الشعر والشعراء، ولم يستطع اللغويون أن يقفوا عائقًا دون هذا السلطان؛ فإنه على الرغم من معارضتهم له ذاع وانتشر، ولا نصل إلى القرن الثالث حتى يصبح المثل الرفيع الذي يحتذيه كل الشعراء.

стр. 139

٣- العلاقات الثقافية: رأينا في غير هذا الموضع أن العرب أخذوا منذ الفتوح الإسلامية يحاولون التعرف على ثقافات الأجانب ومعارفهم؛ إذ كانوا ناشرين للدين الإسلامي واصطدموا بيهود ونصارى ومجوس ودهرية يناقشونهم ويناظرونهم في مسائل الدين. ورأوا عندهم من أساليب النظر والاستدلال ما دفعهم إلى معرفة تلك الأساليب وما كانت تتأثر به من آراء فلسفية. وأيضًا فإن الموالي أقبلوا على الإسلام. وكانوا من أجناس مختلفة، منهم الفارس والهندي والشامي والمصري، والعراقي، وأخذوا ينشرون بين العرب ما عرفوا في لغاتهم الأصلية من ثقافات ومن معارف ونزعات. وكانت هناك مدارس ودوائر علمية في جند نيسابور وفي الرها ونصيبين وحران وفي قنسرين وأنطاكية وفي الإسكندرية، وتسرب كثير مما كان يدور في تلك المدارس إلى الأديرة.

стр. 140

فلما وضع العرب أيديهم على تلك البيئات كلها أخذ كثير مما فيها من ثقافة يتحول إليهم بحكم ما كان يقتضيه دفاعهم عن دينهم وبحكم ما أصاب حياتهم من تطور؛ فقد أصبحوا أصحاب دولة متحضرة، تحتاج إلى كثير من العلوم التطبيقية النفعية، وأخذت الأمم المجاورة لهم تدخل في دينهم وتدخل معها معارفها وكل ما ورثته من الثقافة الهيلينية التي انتشرت في الشرق منذ فتوح الإسكندر، وكان مزيجًا من فلسفة اليونان ومن ديانات الشرق وحكمته، ولا نصل إلى العصر العباسي، حتى تنظم الترجمة، ويقبل السريان على نقل كل ما شاع بينهم وفي مدارسهم بالعراق وجنديسابور من معرفة وعلم وفلسفة، كما يقبل الفرس والهنود أيضًا على نقل كثير من تراثهم. وعني المنصور بهذه الحركة من الترجمة؛ فجلب من جنديسابور آل بختيشوع الأطباء المشهورين، فشاركوا توًّا في الترجمة، ووفد عليه من الهند "منكه" وكان قيمًا بالحساب المعروف "بالسند هند" في حركات الفلك والنجوم؛ فأمره بتجرمته، وشاركه في هذه الترجمة إبراهيم الفزاري يعاونه جماعة من العلماء. وعهد المنصور أيضًا إلى أبي يحيى البطريق ترجمة أجزاء من كتب بقراط وجالينوس في الطب. ونحن لا ننسى رأس هؤلاء المترجمين جميعًا ابن المقفع الذي ترجم عن الفارسية بعض الكتب التاريخية والسياسية والأدبية، كما ترجم أجزاء من منطق أرسطوا وكتاب كليلة ودمنة الذي يرجع إلى أصول هندية. وأيضًا فإنه ترجم كتابًا من مزدك، أحد دعاة الفرس الدينيين، ويظهر أنه أدخل كثيرًا من تعاليم المجوسية، ومما لا ريب فيه أن كتاب زرادشت المسمى أفستا ترجم في أوائل هذا العصر، كما ترجمت كتب ماني؛ مما كان سببًا في ارتفاع موجة الزندقة، وكان هناك فرس كثيرون خلفوا ابن المقفع على ترجمة التراث الفارسي من أهمهم آل نوبخت. ونمضي إلى عصر الرشيد؛ فينشئ خزانة الحكمة وإدارة للترجمة يقيم يوحنا بن ماسويه أمينًا عليها ويرتب له كما يقول القفطي كُتَّابًا حاذقين يكتبون بين

стр. 141

يديه١، ومما ترجم في عصره كتاب المجسطي في الجغرافيا لبطليموس الإسكندري. ونشط البرامكة في تشجيع هذه الحركة؛ سواء عن لغتهم الفارسية أو عن اللغات الأخرى، ويقال: إن يحيى بن خالد جلب مجموعة من أطباء الهند وأمرهم بنقل بعض كتب قومهم في الطب٢، ودخل من ثقافة الهند كثير من الأفكار إلى محيط العربية من ذلك صحيفة في البلاغة يحتفظ به الجاحظ في بيانه٣، وأيضًا فقد خلت بعض مذاهبهم الدهرية مثل السُّمَنِيَّة٤، كما دخل كثير من حكمهم ومن تأملاتهم الزاهدة المتصوفة، مما كان له أثره في الصوفية الإسلامية. وكلما مضينا في العصر وجدنا موجة هذه الترجمة تزداد حدة؛ فقد شجع المأمون عليها تشجيعًا واسعًا وأرسل في طلب الكتب من بلاد الروم، وجعل خزانة الحكمة مجمعًا لطائفة من كبار المترجمين أمثال سهل بن هارون ومحمد بن موسي الخوارزمي وسلم ويحيى بن منصور وبني شاكر: محمد وأحمد والحسن، وعهد بإدارة الترجمة إلى حنين بن إسحاق، ولم يلبث الكندي فيلسوف العرب الأول أن ظهر ثمرة لكل هذه الحركة المباركة. ومن المؤكد أن المسألة كانت أوسع من تلك الأخبار التي تساق لنا عن الخلفاء واهتمامهم بالترجمة؛ فقد كان هذا الاهتمام عامًّا بين أفراد المجتمعات في البصرة والكوفة وبغداد، بدليل أننا نجد العلوم الإسلامية توضع قواعدها وأصولها في هذا العصر وضعًا يدل على أن أصحابها كانوا يقفون على أساليب البحث عند اليونان وغيرهم. ويكفي أن نشير هنا إلى علم الكلام والموضوعات التي أثارها المتكلمون؛ مما حكاه لنا الجاحظ في كتابه الحيوان عن أبي الهذيل العلاف والنظَّام وأضرابهما؛ فإننا نرى أمامنا عقولًا كبيرة، اطلعت اطّلاعًا واسعًا على علوم الأوائل، واستطاعت أن تنفذ منها إلى فكر عربي متوهج بالثقافات المنقولة.

стр. 142

ومسائلها المختلفة، وحتى علم اللغة والنحو لم يخلوا من أثر هذه الثقافات وطرائقها ومناهجها في النظر وبحث المشاكل، وصلة النحو بالمنطق اليوناني مقررة، وقد وضع الخليل معجمًا للعربية بترتيب مخارج الحروف متأثرًا بالهنود في ترتيب حروف لغتهم، وهيأته معرفته بعلم الموسيقى لوضع عروض الشعر العربي وأوزانه. وطبيعي أن يكون لهذه العلاقات الثقافية الجديدة التي عملت عملًا نافذًا في عقلية العباسيين أثرها الواسع في شعرائهم؛ فإنهم لم يكونوا بعيدين عنها، بل كانوا يتصلون بها اتصالًا وثيقًا. وإذا كنا لاحظنا قبلًا صلتهم بالزندقة الفارسية فإن صلتهم بالمحتويات الأخرى للثقافات الأجنبية لم تكن تقل عن صلته بالزندقة، ومر بنا أن ديوان صالح بن عبد القدوس كان يشتمل على ألف مثل للعرب وألف مثل للعجم، ونراهم يروون عن العَتَّابي التغلبي أنه كان يتقن الفارسية وأنه رحل إلى "مرو" فكتب كتب العجم، ولما سئل في ذلك قال: "وهل المعاني إلا في كتب العجم والبلاغة، اللغة لنا، والمعاني لهم١". ومن يرجع إلى ترجمته في كتاب الأغاني يجد له ضربًا من الشعر القصير الذي يشبه الأمثال كقوله في مديح عبد الله بن طاهر: ودُّك يكفينيك في حاجتي ... ورؤيتي كافية عن سؤالْ وكيف أخشى الفقر ما عشت لي ... وإنَّما كفاك لي بيتُ مال وقوله في مديح جعفر بن يحيى البرمكي٣: ما زلت في غمرات الموت مطَّرَحًا ... قد ضاق عني فسيح الأرض من حيلي ولم تزل دائبًا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلستَ حياتي من يدي أجلي وقوله٤: هَيْبةُ الإخوان قاطعةٌ ... لأخي الحاجات عن طَلَبِهْ فإذا ما هبتَ ذا أملٍ ... مات ما أمَّلْتَ من سَبَبِه

стр. 143

وأكبر الظن أن العَتَّابي كان يتأثر في هذه القطع القصيرة معاني فارسية، وكان يتأثر هذه المعاني أبناء الفرس أنفسهم، فهم أصحابها، وهي كنوز كانت ملقاة تحت أعينهم. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا أن الهجاء القصير الذي شاع عند بشار بن برد وحماد عَجْرد وأضرابهما؛ إنما نشأ من هذا التأثر بمعاني الفرس وأمثالهم، وكان بشار خاصة يكثر من الأمثال والحكم في شعره. ويَدْخُلُ في هذا الجانب ما تسرب إلى الشعر من أخيلة فارسية، كقول بعض الشعراء١: لو لم تكن نِيَّة الجوزاء خدمَتَهُ ... لما رأيتَ عليها عقد مُنْتَطِقِ ويقال: إن شاعرًا قرأ قول كسرى في وصف النرجس أنه: "ياقوت أصفر بين در أبيض على زمرد أخضر" فقال وزاد عليه: وياقوتة صفراء في رأس دُرَّة ... مركَّبة في قائم من زَبَرْجَد كأن بقايا الطّلّ في جنباتها ... بقيَّةُ دمعٍ فوق خَدٍّ مورّد٢ وعلى نحو ما كانت العلاقات قائمة بين الشعراء والثقافة الفارسية كذلك كانت قائمة بينهم وبين الثقافة الهندية؛ فقد كانوا يعرفون ما نقل عنها في الفلك وغير الفلك وقد تسرب إليهم كثير من آراء الهنود وأفكارهم وقصصهم كقصة بوذا الملك الذي هجر ملكه، وساح في الأرض عابدًا لربِّه؛ فقد اتخذ منه أبو العتاهية مثالًا للرجل الفاضل فقال٣: يا من تشرّف بالدنيا وزينتها ... ليس التشرّف رَفْعَ الطين بالطين إذا أردت شريف الناس كلهم ... فانظر إلى ملكٍ في زي مسكينِ ونقل إليهم ما تزعمه الهند في علم الطبائع من أن الشيء إذا أفرط في البرد عاد حارًّا مؤذيًا، وعرف ذلك أبو نواس، فقال٤: قل لزهير إِذَا حَدَا وَشَدَا ... أَقْلِلْ وَأَكْثِرْ فَأَنْتَ مهذارُ سَخُنْتَ من شدة البرودة حتَّـ ... ـى صرتَ عندي كأنك النار

стр. 144

لا يعجب السامعون من صفتي ... كذلك الثلج باردٌ حار ومما تأثر فيه ببعض آراء الهند قوله: تُخُيِّرَتْ والنجومُ وُقْفٌ ... لم يتمكن بها المدارُ وهو يشير بذلك إلى بعض ما نقل عنهم من أن: "الخمر تخيرت حين خلق الله الفلك، وأصحاب الحساب يذكرون أن الله تعالى حين خلق النجوم جعلها مجتمعة واقعة في برج، ثم سيَّرها من هناك، وأنها لا تزال جارية حتى تجتمع في ذلك البرج الذي ابتدأها منه، وإذا عادت إليه قامت القيامة وبطل العالم. والهند تقول إنه في زمان نوح اجتمعت في الحوت إلا يسيرًا منها فهلك الخلق بالطوفان، وبقي منهم بقدر ما بقي منها خارجًا عن الحوت١" وربما كان أهم ما أثرت به الهند في المجال الشعري العام ما انتشر في كتاب كليلة ودمنة من حكم، وقد نقل هذا الكتاب إلى العربية ابن المقفع ثم نظمه أبان بن عبد الحميد للبرامكة شعرًا، ويحتفظ كتاب الأوراق للصولي بقطع طويلة من هذا النظم الذي يستهله بقوله: هذا كتاب أدب ومحنه ... وهو الذي يدعي كليلة دمنه فيه دلالات وفيه رشد ... وهو كتاب وضعته الهند فوصفوا آداب كل عالم ... حكاية عن ألسن البهائم وإذا تركنا الثقافتين الهندية والفارسية إلى الثقافة اليونانية وجدنا علاقتها بالشعر والشعراء تفوق علاقتي تلك الثقافتين، وحقًّا أنهم لم يعرفوا شيئًا عن الشعر اليوناني؛ إذ اقتصرت معرفتهم بالثقافة اليونانية على الفلسفة والمنطق، ولكن هذه المعرفة أفادوا منها فوائد جُلّي؛ فقد دعم المنطق تفكيرهم ووسعت الفلسفة دوائره، فانصبغ عقل الشعراء بأصباغ من العمق والدقة والتحليل وطرافة التقسيم والبعد في الخيال والتجريد فيه وكان المتكلمون أهم من أذاع هذه الثقافة في محيط الشعر والشعراء؛ إذ كانوا يتأثرون بها تأثرًا واسعًا في جدالهم وأساليب استدلالهم، فأكبوا عليها يقرءونها، وينقلون مصطلحاتها، ويفسرون معانيها من مثل الطفرة.

стр. 145

والحركة والسكون والتولد والكمون والجوهر والعرض والجوهر الفرد. وكان كثير من الشعراء يستمع إليهم؛ بل لقد وُسِمَ غير شاعر بالكلام والاعتزال، وأنه يستمد منها في موازنة الشيء بالشيء وفي الجدل والمغالطة، كما يستمد منهما في استنباط المعاني الخفية والأفكار الدقيقة، وقد بدأ بشار حياته متصلًا بالمتكلمين وبالمعتزلة منهم خاصة؛ إذ كان يصحب واصل بن عطاء١ وما زال قريبًا منه، حتى أظهر ثنويته وزندقته، ففسد ما بينهما ونادى واصل في الناس أن يقتلوه؛ ففرَّ في البصرة، وذهب يعلن أنه لا يؤمن بواصل ومذهبه في القدر؛ إنما يؤمن بالجبر وأن حرية الإنسان معطلة في الحياة، يقول: طُبِعَت على ما فِيّ غير مخيَّرٍ ... هوايَ ولو خُيِّرتُ كنت المهذَّبا أريد فلا أعطَى وأعطى ولم أرد ... وقصَّر علمي أن أنال المغيَّبا فأصْرَفُ عن قصدي وعلمي مقصِّرٌ ... وأمسي وما أعقبت إلا التعجبا وكان يكثر من الحجاج والجدال في ذلك ويقول: ما أومن إلا بالحِسِّ وما عاينته٢. وتحول بهذا الجدال وما يطوى فيه من قدرة على الاستدلال إلى شعره ومعانيه؛ فكان يكثر فيه من استنباط الأدلة وحشد البراهين على شاكلة قوله٣: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الحوافي قوة للقوادم٤ وما خير كف أمسك الغُلُّ أختها ... وما خير سيفٍ لم يؤيد بقائم٥ وقوله٦: إذا كنت في كل الأمور معاتبًا ... صديقَك لم تلقَ الذي لا تعاتبه
следующие страницы →