← Адаб

Адаб · id 8666

الفن ومذاهبه في الشعر العربي

شوقي ضيف

Полный текст (574 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يديه١، ومما ترجم في عصره كتاب المجسطي في الجغرافيا لبطليموس الإسكندري. ونشط البرامكة في تشجيع هذه الحركة؛ سواء عن لغتهم الفارسية أو عن اللغات الأخرى، ويقال: إن يحيى بن خالد جلب مجموعة من أطباء الهند وأمرهم بنقل بعض كتب قومهم في الطب٢، ودخل من ثقافة الهند كثير من الأفكار إلى محيط العربية من ذلك صحيفة في البلاغة يحتفظ به الجاحظ في بيانه٣، وأيضًا فقد خلت بعض مذاهبهم الدهرية مثل السُّمَنِيَّة٤، كما دخل كثير من حكمهم ومن تأملاتهم الزاهدة المتصوفة، مما كان له أثره في الصوفية الإسلامية. وكلما مضينا في العصر وجدنا موجة هذه الترجمة تزداد حدة؛ فقد شجع المأمون عليها تشجيعًا واسعًا وأرسل في طلب الكتب من بلاد الروم، وجعل خزانة الحكمة مجمعًا لطائفة من كبار المترجمين أمثال سهل بن هارون ومحمد بن موسي الخوارزمي وسلم ويحيى بن منصور وبني شاكر: محمد وأحمد والحسن، وعهد بإدارة الترجمة إلى حنين بن إسحاق، ولم يلبث الكندي فيلسوف العرب الأول أن ظهر ثمرة لكل هذه الحركة المباركة. ومن المؤكد أن المسألة كانت أوسع من تلك الأخبار التي تساق لنا عن الخلفاء واهتمامهم بالترجمة؛ فقد كان هذا الاهتمام عامًّا بين أفراد المجتمعات في البصرة والكوفة وبغداد، بدليل أننا نجد العلوم الإسلامية توضع قواعدها وأصولها في هذا العصر وضعًا يدل على أن أصحابها كانوا يقفون على أساليب البحث عند اليونان وغيرهم. ويكفي أن نشير هنا إلى علم الكلام والموضوعات التي أثارها المتكلمون؛ مما حكاه لنا الجاحظ في كتابه الحيوان عن أبي الهذيل العلاف والنظَّام وأضرابهما؛ فإننا نرى أمامنا عقولًا كبيرة، اطلعت اطّلاعًا واسعًا على علوم الأوائل، واستطاعت أن تنفذ منها إلى فكر عربي متوهج بالثقافات المنقولة.

стр. 142

ومسائلها المختلفة، وحتى علم اللغة والنحو لم يخلوا من أثر هذه الثقافات وطرائقها ومناهجها في النظر وبحث المشاكل، وصلة النحو بالمنطق اليوناني مقررة، وقد وضع الخليل معجمًا للعربية بترتيب مخارج الحروف متأثرًا بالهنود في ترتيب حروف لغتهم، وهيأته معرفته بعلم الموسيقى لوضع عروض الشعر العربي وأوزانه. وطبيعي أن يكون لهذه العلاقات الثقافية الجديدة التي عملت عملًا نافذًا في عقلية العباسيين أثرها الواسع في شعرائهم؛ فإنهم لم يكونوا بعيدين عنها، بل كانوا يتصلون بها اتصالًا وثيقًا. وإذا كنا لاحظنا قبلًا صلتهم بالزندقة الفارسية فإن صلتهم بالمحتويات الأخرى للثقافات الأجنبية لم تكن تقل عن صلته بالزندقة، ومر بنا أن ديوان صالح بن عبد القدوس كان يشتمل على ألف مثل للعرب وألف مثل للعجم، ونراهم يروون عن العَتَّابي التغلبي أنه كان يتقن الفارسية وأنه رحل إلى "مرو" فكتب كتب العجم، ولما سئل في ذلك قال: "وهل المعاني إلا في كتب العجم والبلاغة، اللغة لنا، والمعاني لهم١". ومن يرجع إلى ترجمته في كتاب الأغاني يجد له ضربًا من الشعر القصير الذي يشبه الأمثال كقوله في مديح عبد الله بن طاهر: ودُّك يكفينيك في حاجتي ... ورؤيتي كافية عن سؤالْ وكيف أخشى الفقر ما عشت لي ... وإنَّما كفاك لي بيتُ مال وقوله في مديح جعفر بن يحيى البرمكي٣: ما زلت في غمرات الموت مطَّرَحًا ... قد ضاق عني فسيح الأرض من حيلي ولم تزل دائبًا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلستَ حياتي من يدي أجلي وقوله٤: هَيْبةُ الإخوان قاطعةٌ ... لأخي الحاجات عن طَلَبِهْ فإذا ما هبتَ ذا أملٍ ... مات ما أمَّلْتَ من سَبَبِه

стр. 143

وأكبر الظن أن العَتَّابي كان يتأثر في هذه القطع القصيرة معاني فارسية، وكان يتأثر هذه المعاني أبناء الفرس أنفسهم، فهم أصحابها، وهي كنوز كانت ملقاة تحت أعينهم. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا أن الهجاء القصير الذي شاع عند بشار بن برد وحماد عَجْرد وأضرابهما؛ إنما نشأ من هذا التأثر بمعاني الفرس وأمثالهم، وكان بشار خاصة يكثر من الأمثال والحكم في شعره. ويَدْخُلُ في هذا الجانب ما تسرب إلى الشعر من أخيلة فارسية، كقول بعض الشعراء١: لو لم تكن نِيَّة الجوزاء خدمَتَهُ ... لما رأيتَ عليها عقد مُنْتَطِقِ ويقال: إن شاعرًا قرأ قول كسرى في وصف النرجس أنه: "ياقوت أصفر بين در أبيض على زمرد أخضر" فقال وزاد عليه: وياقوتة صفراء في رأس دُرَّة ... مركَّبة في قائم من زَبَرْجَد كأن بقايا الطّلّ في جنباتها ... بقيَّةُ دمعٍ فوق خَدٍّ مورّد٢ وعلى نحو ما كانت العلاقات قائمة بين الشعراء والثقافة الفارسية كذلك كانت قائمة بينهم وبين الثقافة الهندية؛ فقد كانوا يعرفون ما نقل عنها في الفلك وغير الفلك وقد تسرب إليهم كثير من آراء الهنود وأفكارهم وقصصهم كقصة بوذا الملك الذي هجر ملكه، وساح في الأرض عابدًا لربِّه؛ فقد اتخذ منه أبو العتاهية مثالًا للرجل الفاضل فقال٣: يا من تشرّف بالدنيا وزينتها ... ليس التشرّف رَفْعَ الطين بالطين إذا أردت شريف الناس كلهم ... فانظر إلى ملكٍ في زي مسكينِ ونقل إليهم ما تزعمه الهند في علم الطبائع من أن الشيء إذا أفرط في البرد عاد حارًّا مؤذيًا، وعرف ذلك أبو نواس، فقال٤: قل لزهير إِذَا حَدَا وَشَدَا ... أَقْلِلْ وَأَكْثِرْ فَأَنْتَ مهذارُ سَخُنْتَ من شدة البرودة حتَّـ ... ـى صرتَ عندي كأنك النار

стр. 144

لا يعجب السامعون من صفتي ... كذلك الثلج باردٌ حار ومما تأثر فيه ببعض آراء الهند قوله: تُخُيِّرَتْ والنجومُ وُقْفٌ ... لم يتمكن بها المدارُ وهو يشير بذلك إلى بعض ما نقل عنهم من أن: "الخمر تخيرت حين خلق الله الفلك، وأصحاب الحساب يذكرون أن الله تعالى حين خلق النجوم جعلها مجتمعة واقعة في برج، ثم سيَّرها من هناك، وأنها لا تزال جارية حتى تجتمع في ذلك البرج الذي ابتدأها منه، وإذا عادت إليه قامت القيامة وبطل العالم. والهند تقول إنه في زمان نوح اجتمعت في الحوت إلا يسيرًا منها فهلك الخلق بالطوفان، وبقي منهم بقدر ما بقي منها خارجًا عن الحوت١" وربما كان أهم ما أثرت به الهند في المجال الشعري العام ما انتشر في كتاب كليلة ودمنة من حكم، وقد نقل هذا الكتاب إلى العربية ابن المقفع ثم نظمه أبان بن عبد الحميد للبرامكة شعرًا، ويحتفظ كتاب الأوراق للصولي بقطع طويلة من هذا النظم الذي يستهله بقوله: هذا كتاب أدب ومحنه ... وهو الذي يدعي كليلة دمنه فيه دلالات وفيه رشد ... وهو كتاب وضعته الهند فوصفوا آداب كل عالم ... حكاية عن ألسن البهائم وإذا تركنا الثقافتين الهندية والفارسية إلى الثقافة اليونانية وجدنا علاقتها بالشعر والشعراء تفوق علاقتي تلك الثقافتين، وحقًّا أنهم لم يعرفوا شيئًا عن الشعر اليوناني؛ إذ اقتصرت معرفتهم بالثقافة اليونانية على الفلسفة والمنطق، ولكن هذه المعرفة أفادوا منها فوائد جُلّي؛ فقد دعم المنطق تفكيرهم ووسعت الفلسفة دوائره، فانصبغ عقل الشعراء بأصباغ من العمق والدقة والتحليل وطرافة التقسيم والبعد في الخيال والتجريد فيه وكان المتكلمون أهم من أذاع هذه الثقافة في محيط الشعر والشعراء؛ إذ كانوا يتأثرون بها تأثرًا واسعًا في جدالهم وأساليب استدلالهم، فأكبوا عليها يقرءونها، وينقلون مصطلحاتها، ويفسرون معانيها من مثل الطفرة.

стр. 145

والحركة والسكون والتولد والكمون والجوهر والعرض والجوهر الفرد. وكان كثير من الشعراء يستمع إليهم؛ بل لقد وُسِمَ غير شاعر بالكلام والاعتزال، وأنه يستمد منها في موازنة الشيء بالشيء وفي الجدل والمغالطة، كما يستمد منهما في استنباط المعاني الخفية والأفكار الدقيقة، وقد بدأ بشار حياته متصلًا بالمتكلمين وبالمعتزلة منهم خاصة؛ إذ كان يصحب واصل بن عطاء١ وما زال قريبًا منه، حتى أظهر ثنويته وزندقته، ففسد ما بينهما ونادى واصل في الناس أن يقتلوه؛ ففرَّ في البصرة، وذهب يعلن أنه لا يؤمن بواصل ومذهبه في القدر؛ إنما يؤمن بالجبر وأن حرية الإنسان معطلة في الحياة، يقول: طُبِعَت على ما فِيّ غير مخيَّرٍ ... هوايَ ولو خُيِّرتُ كنت المهذَّبا أريد فلا أعطَى وأعطى ولم أرد ... وقصَّر علمي أن أنال المغيَّبا فأصْرَفُ عن قصدي وعلمي مقصِّرٌ ... وأمسي وما أعقبت إلا التعجبا وكان يكثر من الحجاج والجدال في ذلك ويقول: ما أومن إلا بالحِسِّ وما عاينته٢. وتحول بهذا الجدال وما يطوى فيه من قدرة على الاستدلال إلى شعره ومعانيه؛ فكان يكثر فيه من استنباط الأدلة وحشد البراهين على شاكلة قوله٣: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الحوافي قوة للقوادم٤ وما خير كف أمسك الغُلُّ أختها ... وما خير سيفٍ لم يؤيد بقائم٥ وقوله٦: إذا كنت في كل الأمور معاتبًا ... صديقَك لم تلقَ الذي لا تعاتبه

стр. 146

فعش واحدًا أو صِلْ أخاك فإنه ... مقارفُ ذنبٍ مرّةً ومجانبه١ إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه وما نشك في أن كثرة هذه الأدلة في شعره جاءته من بيئة المتكلمين، وما كانت تعتمد عليه في جدالها من أقيسة المنطق والترتيب لمقدماتها الصحيحة واندفع يستنبط كثيرًا من دقائق المعاني ولطائف الفكر؛ كقوله في بعض ممدوحيه٢: ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف ولكن يَلَذُّ طعم العطاءِ فإنك تراه يفكر تفكيرًا جديدًا؛ إذ يجعل العطاء بدون غاية خارجة عن نفسه، وهي فكرة لم تكن تقع في عقل الشاعر القديم؛ إنما تقع في عقل الشاعر العباسي الجديد الذي لا يزال يغرق في التفكير حتى يتصور الأشياء مجردة عن غاياتها، وإذا كان المتكلمون اشتهروا بمغالطاتهم أو بتأتِّيهم لتعليلاتهم، أو كما يقول البلاغيون بحسن التعليل؛ فإننا نجد من ذلك أصباغًا كثيرة في شعر بشار كتعليله لآفته بقوله٣: عَميتُ جنينًا والذكاء من العَمى ... فجئت عجيب الظن للعلم موئلًا وقوله في جارية سوداء٤: وغادة سوداء برّاقةٍ ... كالماء في طيب وفي لين كأنها صيغت لمن نالها ... من عنبر بالمسك معجون وقوله في بعض ممدوحيه -إن صح أنه له٥: لمستُ بكفي كفَّه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يُعْدِي فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي وتكثر هذه التعليلات في شعر بشار، كما تكثر معها الموازنة والتقسيمات والبعد في التأويل واستخراج المعاني، على شاكلة قوله٦:

стр. 147

وعِيّ الفعال كعيِّ المقالِ ... وفي الصمت عِيٌّ كعيّ الكَلِمْ وأنت تراه لا يخصص العيَّ بالكلام. بل يجعله في الفعال، بل هو يذهب إلى أبعد من ذلك، فيقيم في الصمت عِيًّا كعي الكلام؛ فإذا العي على أقسام: عي الصمت وعي الفعال وعي المقال. وأكبر الظن أن هذا التقسيم الطريف هو الذي ألهم الجاحظ رسالته في تفضيل الكلام على الصمت وخروجه عما ألفه الناس في أمثالهم. وإذا تركنا بشارًا وجيله إلى الجيل التالي الذي خلفه وجدنا أبا نواس الثائر على التقاليد والأوضاع خير من يمثله، وكان كثير الاختلاف إلى مجالس المتكلمين، ولاحظ الجاحظ في بيانه أنه استعار كثيرًا من ألفاظهم ومصطلحاتهم على وجه التظرف والتملح كقوله في جنان١: وذات خَدٍّ مورَّد ... قوهيَّةِ المتجرَّدْ٢ تأمَّلُ العينُ منها ... محاسنًا ليس تنفد فبعضها قد "تناهى" ... وبعضها "يتولد" والحسن في كل عضوٍ ... منها معاد مردَّدْ وقوله: يا عاقدَ القلب عني ... هَلَّا تذكرت حَلّا تركت مني قليلًا ... من القليل أقلّا يكاد لا يتجزّا ... أقل في اللفظ من لا ويُرْوَى أن النظام سمع منه الأبيات الأخيرة فقال له: "أنت أشعر الناس في هذا المعنى، والجزء الذي لا يتجزأ مذ دهرنا الأطول نخوض فيه ما خرج فيه لنا من القول ما جمعته أنت فيه في بيت واحد٣". ولم يكن أبو نواس ينهج نهج المتكلمين في ذكر مصطلحاتهم فحسب؛ بل كان ينهج نهجهم أيضًا في

стр. 148

توليد المعاني واستنباط غرائبها، حتى قالوا: "مازالت المعاني مكنوزة في الأرض حتى جاء أبو نواس فاستخرجها١. ولم يكن يغرب في معانيه إغرابًا قريبًا، بل كان يبعد في إغرابه، حتى ليصوِّر الحسي بالمعنوي على شاكلة قوله في الخمر٢: وقد خفيتْ من لطفها فكأنها ... بقايا يقينٍ كاد يذهبه الشك وقوله٣: صَفتْ وصفت زجاجتها عليها ... كمعنى دقَّ في ذهنٍ لطيفِ وقوله٤: فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البُرْءَ في السَّقَمِ قلما نجد بعد أبي نواس شاعرًا ممتازًا إلا وهو يلزم المتكلمين المعتزلة، وقد عُدّ أبو تمام منهم، وكان ابن الرومي ينزع منزعهم، ومعروف أن النظام من متقدميهم، وقد نال شهرة مدوية على رأس المائتين بقدرته على الجدال وغوصه على المعاني الدقيقة، ولم يكن متكلمًا يحسن الكلام فحسب، بل كان شاعرًا أيضًا، وكان يستقي شعره من الكلام والجدل، على شاكلة قوله٥: مازلتُ آخذ روح الدَّن في لُطُفٍ ... أستبيح دمًا من غير مذبوحِ حتى انثنيت ولي روحان في جسدي ... والزِّقُّ مطَّرَحًا جسمٌ بلا روحِ وقوله٦: توهمه طرفي فآلم خَدّه ... فكان مكان الهم من نظري أثرُ وصافحه قلبي فآلم كفه ... فمن صفح قلبي في أنامله عَقْرُ٧ ومر بقلبي خاطرًا فجرحته ... ولم خلقًا قط يجرحه الفكر يمر فمن لينٍ وحسن تعطف ... يقال به سكر وليس به سكر

стр. 149

وعلى هذا النحو لم يكن المتكلمون يؤثرون في الشعراء بما يفتقون من معانيهم الخاصة؛ بل كانوا يرددون على أسماعهم مثل هذه الأبيات التي يبدعون فيها ويغربون ويأتون بالنادر المستطرف من المعاني والصور. ولا نشك في أن الحسين ابن الضحاك كان يتأثر نزعتهم من الإغراق في الوهم والتجريد حين قال في بعض غزله١. إنَّ من لا أرى وليس يراني ... نصب عيني ممثل بالأماني بأبي مَنْ ضميره وضميري ... أبدًا بالمغيب ينتجيان نحن شخصان إن نظرتَ وروحا ... ن إذا ما اختبرت يمتزجان فإذا ما هممت بالأمر أوهَـ ... ـمَّ بشيء بدأته وبداني كان وفْقًا ما كان منه ومني ... فكأني حكيته وحكاني خطراتُ الجفون منا سواءٌ ... وسواءٌ تَحَرُّكُ الأبدان وهذا غزل جديد، لا يقوم على الحِسِّ؛ وإنما يقوم على الوهم والإغراق في الخيال. وليس هذا كل ما بعثه المتكلمون في الشعر والشعراء من جديد بفضل ما أذاعوا من دقائق الفكر والفلسفة، فإن جماعة منهم صنفت قصائد في مخالفيهم كقصيدة معدان الأعمى الشُّمَيْطي التي صنف فيها الرافضة والغالية من الشيعة٢. ويلمع هنا اسم بشر بن المعتمر؛ إذ يقول المرتضى: إن له أشعارًا كثيرة يحتج فيها على أهل المقالات٣، وروى له الجاحط في حيوانه شعرًا مزاوجًا في فضل على بن أبي طالب وتقدمه هو وأهل بيته على الخوارج يمضي على هذا النحو٤: ما كان في أسلافهم أبو الحسن ... ولا ابن عَبَّاس ولا أهل السنن غُرُّ مصابيح الدُّجى مناجِبُ ... أولئك الأعلامُ لا الأعارب

стр. 150

وروى له أيضًا قصيدتين طويلتين في أصناف الحيوان وعجائب صنع الله في خلقه وما أودع هذا الخلق من حكمته١. ونجد الجاحظ يروي لكثيرين أشعارًا في هذا الباب مثل الحكم بن عمرو البهراني وقصيدته في غراب الخلق٢، ومثل هارون مولى الأزد وشعره في الفيل٣، وكان هنديًّا من أهل المولتان. وبذلك أعد المتكلمون -وعلي رأسهم المعتزلة من أمثال بشر- لشيوع الشعر التعليمي "Poesie Didactique" منذ أوائل العصر العباسي، ويظهر أن الشعراء كانوا يؤثرون فيه قالب المزدوج الذي نظم فيه بشر بعض أشعاره، وقد نظمت فيه مزدوجة طويلة في الفلك لمحمد بن إبراهيم الفزاري، ويقول ياقوت: "إنها تدخل مع تفسيرها في عشرة أجلاد، أولها: الحمد لله العلي الأعظم ... ذي الفضل والمجد الكبير الأكرم الواحد الفرد الجواد المنعم الخالق السبع العُلَى طباقًا ... والشمس يجلو ضوؤها الإغساقا والبدر يملا نوره الآفاقا وهي هكذا ثلاثة أقفال، ثلاثة أقفال٤". ومر بنا أن أبان بن عبد الحميد صاغ للبرامكة كليلة ودمنة شعرًا، واختار لشعره هذا القالب؛ إلا أنه لم يجعله في ثلاثة أقفال، إنما جعله في قفلين قفلين على نمط المزدوج عند بشر، ويقول الجاحظ: إن بشرًا كان أبرع في ذلك وأقدر من أبان، وإنه لم يرد أحدًا يبلغ قوته على المخمس والمزدوج٥. وعلى هذا الغرار نفسه نظم أبو العتاهية أرجوزته "ذات الأمثال" وقد بلغت أربعة آلاف بيت كلها أمثال وحكم على شاكلة قوله: حسبك مما تبتغيه القوت ... وما أكثر القوت لمن يموت لكل ما يؤذي وإن قل ألم ... ما أطول الليل على من لم يَنَمْ ما انتفع المرء بمثل عقله ... وخير ذخر المرء حسن فعله

стр. 151

إن الشباب والفراغ والجِدَه ... مفسدة للمرء أي مفسده١ وأكبر الظن أن في ذلك كله ما يوضح أن العلاقة كانت وثيقة بين الشعر والثقافات الدخيلة؛ فقد تحول إلى جوانب منها ينظمها كالفلك، وأيضًا فإن الشعراء نظموا تاريخ الأمم الخالية٢، ولا نشك في أن أرجوزة أبي العتاهية لم تكن أمثالها كلها من صُنعِه، وأنه استقاها من أمثال الفرس والهند واليونان أو على الأقل استقى كثيرًا من جوانبها. وكم تلقانا إشارات في كتب الأدب لما كانوا ينظمون من معاني اليونان٣ وغيرهم٤. ولا نبالغ إذا قلنا إن منهم من كان يحسن من التفلسف ما يحسنه من الشعر، ولسنا نقصد النظام وأضرابه من المتكلمين؛ وإنما نقصد الشعراء أنفسهم من مثل صالح بن عبد القدوس وأبي العتاهية، ومن لا يبلغ مبلغهما من التفلسف كان يأخذ بأطراف منه إن لم يكن مباشرة فعن طريق المتكلمين، كما رأينا عند بشار وأبي نواس.

стр. 152

٤- ازدهار مذهب الصنعة: لعل فيما قدمنا من حديث عن الشعر العربي في القرنين الثاني والثالث وعلاقاته الجديدة ما يوضح أن تأثيرات واسعة أخذت تؤثر في صورته؛ فقد كان أكثر من ينظمونه من الأجانب وخاصة من الفرس، وكانوا متحضرين تحضرًا أقبلوا فيه على كثير من فنون اللهو والمجون كما كانوا مثقفين ثقافة واسعة نوَّعت أفكارهم وخواطرهم وأججت عقولهم وأذهانهم، فانطلقوا يعبرون بالشعر عما أصابوا من كنوز المعرفة، ويصورون ما يجول في نفوسهم من نزعات

стр. 153

وأحاسيس؛ فإذا بنا إزاء عصر جديد، وهو عصر لا ينقطع فيه الصلة بين ماضي الشعر وحاضره، فقد وضع الشاعر العباسي نُصْبَ عينيه نموذج الشعر القديم وحول كل ما يتضمنه هذا النموذج من معانٍ وصور إلى عصره، وأضاف إليها حشودًا من معانٍ وصور جديدة وألف من ذلك كله نموذجه الحديث. وتختلف صلة هذا النموذج بالنموذج القديم سعة وضيقًا، فهو في المديح والشعر الرسمي أقرب إلى القديم منه في شعر الغزل والخمر والمجون، وبذلك يستمر فيه أو بعبارة أدق في مدائحه الحديث عن الأطلال ووصف الصحراء وما يتصل بها من رحلة وصيد، وحتى هو في الموضوعات ذات الصبغة الجديدة كالخمريات يستمد مما قاله القدماء. ومعنى ذلك أن الشعراء كانوا يجددون؛ ولكن مع ضرب من التوازن، فهم لا ينسون القديم، بل هم يعكفون عليه محاولين أن يستنفدوا دِنانه، وكأنه يشبه -عندهم- الخمر المعتقة التي كانوا يشغفون بها. ويخيَّل إلى الإنسان كأنما أحال الشاعر العباسي الشعر القديم إلى ما يشبه تلك الجذاذات التي يجمعها العلماء حين يريدون أن يبحثوا موضوعًا ويستقصوه استقصاء، ومن الحق أن استقصاءهم كان عميقًا؛ فهو استقصاء فيه جِدّ وصرامة، وفيه غير قليل من المصاعب والمتاعب، فهم لا ينظمون الشعر إلا بعد أن يحفظوا آلاف القصائد ومئات الأراجيز وإلا بعد أن يستظهروا ذخائر الشعراء الجاهليين والإسلاميين. ومن غير شك يرجع الفضل في ذلك إلى اللغويين الذين جمعوا لهم مادة الشعر القديم ووضعوها تحت أعينهم مفسّرة مشروحة. وقد أشاعوا بينهم تلك العقيدة التي ثبتت في الأذهان تفوق الشعر الجاهلي وأنه مثل أعلى خليق بالشاعر العباسي أن يجاريه. وتبعهم الشعراء يدرسون هذا الشعر ويحاولون بكل ما يستطيعون أن يحاكوه، وكأنما رأوا حيوية كامنة في روحه تجعله خليقًا بالبقاء والمحاكاة، وأثبتوا في مهارة أنهم جديرون بالقيام على تراثه النفيس واستغلاله واستنفاد طاقاته. وتوضح لنا كتب السرقات مدى هذا الاستنفاد والاستغلال، وكلما مضينا في العصر أضافت الأجيال إلى هذا التراث أعمال المحدثين ممن سبقوهم.

стр. 154

وأشعارهم، وأكبَّ الشعراء عليهم بحثًا ودرسًا وتعمقًا واستقصاء؛ وبذلك اتصلت الأسباب وتوثقت بين قديم الشعر العربي وحديثه، واحتفظ بكل مادته ومشخصاتها على مر العصور وتعاقب الدهور. وليس معنى ذلك أن الشعر العربي لم يتطور في العصر العباسي تطورًا واسعًا، ولكن معناه أن الشعراء كانوا في أثناء تطورهم به ينسقون بين سَدَى الماضي ولُحْمة الواقع ونغمات الغابر وألحان الحاضر. ونستطيع أن نستعرض فنون الشعر، فنًّا فنًّا فسنراها جميعًا تتطور، وإن كان التطور يختلف كثرة وقلة؛ فهو في المديح والشعر الرسمي محدود، إذ نجد الشاعر يحافظ غالبًا على التقاليد الفنية الموروثة، ولكنه مع ذلك يلوِّن في معانيه تلوينًا واسعًا بفضل ثقافته وما أتاحت له من قدرة على توليد المعاني والغوص على الأفكار والأحاسيس الدقيقة من مثل قول بشار في عمر بن العلاء١: دعاني إلى عُمَرٍ جودُهُ ... وقول العشيرة بحر خِضَم ولولا الذي ذكروا لم أكن ... لأمدح ريحانة قبل شم فتى لا ينام على دِمْنَةٍ ... ولا يشرب الماء إلا بدم٢ إذا نَبَّهَتْكَ حروب العُداة ... فنَبِّهْ لها عُمْرًا ثُمَّ نَمْ وقل علي بن جبلة في أبي دُلَف العِجْلي٣: كل من في الأرض من عَرَبٍ ... بين باديه إلى حَضَرِهْ مستعير منك مكرمةً ... يكتسيها يوم مُفتَخَرِه إنما الدنيا أبو دُلَفٍ ... بين مغزاه ومحتضره فإذا ولَّى أبو دلفٍ ... ولَّت الدنيا على أَثَرِهْ وتفيض كتب الأدب والنقد بمثل هذه المعاني الرائعة. وكذلك كان شأنهم في الرثاء؛ إذ أدخلوا فيه كثيرًا من خيوط الحكمة والعظة التي قرءوها،

стр. 155

كما أدخلوا كثيرًا من أحاسيسهم النفسية الباطنة على شاكلة مرثية أبي العتاهية لأحد أصدقائه المسمى علي بن ثابت، وفيه يقول١: وقد كنت أغدو إلى قصره ... فقد صرت أغدو إلى قبره أخٌ طالما سرَّني ذكره ... فقد صر أشجى لدى ذكره فتى لم يملّ النّدَى ساعة ... على عسره كان أو يسره فصار عليٌّ إلى ربه ... وكان عليٌّ فتى دهره أتته المنية مغتالة ... رويدًا تخلل من ستره فلم تغن أجناده حوله ... ولا المسرعون إلى نصره وخَلَّى القصور إلى شادها ... وحلَّ من القبر في قعره أشدُّ الجماعة وَجْدًا به ... أشد الجماعة في طَمْرِه وتحولوا بالهجاء من نقائضه الطويلة المعروفة عند جرير والفرزدق التي تزخر بالأنساب والأيام إلى ضرب قصير يشبه الأمثال الفارسية التي تنسب إلى بزرجمهر وأضرابه؛ فأصبح كلمات قليلة حادة، تشبه السهام السريعة النافذة، وكل شاعر يبحث عن سهم مُصْمٍ يرسله إلى خصمه يريد ألا يُبْقي عليه ولا يذر، ولعل ذلك ما جعلهم يعمدون فيه إلى القذف في الأعراض والرمي بالزندقة والإلحاد، حتى بين الزنادقة أنفسهم، مثل بشار وحماد عجرد، وقد استطار الهجاء بينهما، وفي بشار يقول حماد٢: نهاره أخبث من ليله ... ويومه أخبث من أمسه وليس بالمقلع عن غَيِّه ... حتى يُوَارَى في ثرى رمسه وكان يكثر من هجائه بالعمى على شاكلة قوله٣: ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمي القرد ويغضب بشار ويثور، فيرميه بالزندقة وعبادة إلهي النور والظلمة على شاكلة قوله٤: يا ابن نهيا رأس عليَّ ثقيلُ ... واحتمال الرأسين خطبٌ جليلُ

стр. 156

فادْعُ غيري إلى عبادة رَبَّيْـ ... ـن فإني بواحد مشغولُ وما زال هذا الضرب القصير من الهجاء اللاذع ينمو حتى تحول عند ابن الرومي إلى ما يشبه الصور الساخرة "الكاريكاتورية" وسنعرض لذلك عنده في الفصل التالي. ومر بنا أنهم أثاروا في هذا العصر دعوة الشعوبية، ومن خلال تطور فن الفخر القديم؛ فلم يعد فخرًا في حدود العصبيات القبلية فحسب، بل أخذ يجول في حدود العصبيات الجنسية، على نحو ما أسلفنا عند بشار. وليس معنى ذلك أن الفخر القبلي اختفى فقد ظلت منه أسراب، ودخل فيها الموالي أيضًا، فافتخروا باليمنية والمضرية ولاء، على نحو ما نجد عند بشار في افتخاره بمضر، وكان أبو نواس يكثر من افتخاره باليمنية مواليه١، ومثله هارون مولى الأزد الذي كان يرد على الكميت، ويفخر بقحطان٢. وتطور الغزل تطورًا قويًّا، ولا نقصد ما ظهر فيه من الغزل بالغلمان وآثامه؛ وإنما نقصد الغزل الطبيعي، فإن المرأة الحرة الكريمة لم تعد موضوعه، وإنما أصبح موضوعه الإماء والجواري ممن كانت تزخر بهن دور الرقيق ومجالس الشعراء وقصور الأشراف والخلفاء، وقد أذاعوا فيه ضروبًا من الحرية والصراحة المكشوفة كما أذاعوا فيه إغراء شديدًا ودعوة إلى التهتك والخلاقة وانتهاز الفرص واللذات، من مثل قول بشار٣: لا يُؤْيِسَنَّك من مُخبَّأةٍ ... قولٌ تغلِّظه وإن قَبُحَا عُسْرُ النساءِ إلى مياسرةٍ ... والصعب يمكن بعدما جَمَحا ومن الحق أنهم بجانب ذلك استغلوا الغزل العذري العفيف الذي شاع في نجد وبوادي الحجاز أيام الأمويين، واشتهر بالضرب على مثاله العباس بن الأحنف، وحتى الشعراء الماجنون من أمثال بشار وأبي نواس ومطيع بن إياس كانوا ينظمون

стр. 157

منه أحيانًا ما يعجب ويروع وهم يروون أن الذي بعث أبا نواس على صحبة والبة وأرغبه فيه بيتان سمعهما منه، هما: ولها ولا ذنبٌ لها ... حُبٌّ كأطراف الرماح في القلب يجرح دائمًا ... فالقلب مجروح النواحي١ ويمتلئ الأغاني بآلاف المقطوعات الغزلية والتي نظمها هؤلاء الشعراء وأمثالها، وكثير منها يتسم بدقة الذوق ورقة الشعور ولطف الإحساس. واستوت للخمرية صورتها في هذا العصر، وحقًّا نجد منها نماذج عند الوليد بن يزيد؛ ولكن هذا العصر هو الذي انتهى بها إلى شكلها النهائي؛ سواء من حيث القصر أو من حيث التنويع في معانيها وأخيلتها، ويكفي أنه أنتج أبا نواس أكبر من تغنوا بالخمر وكئوسها وسُاقتها وأديرتها، وكان طبيعيًّا أن تحدث الخمر وما يتصل بها من مجون رد فعل في العصر؛ فإذا شعر الزهد يدور على الألسنة في مقطوعات قصيرة تنفر من المتاع بزخارف الحياة، وتتحدث عن الموت ومصير الإنسان حديثًا يهز النفوس على نحو ما قدمنا في غير هذا الموضع. وهذه كلها تجديدات من حيث المضمون، أما من حيث الشكل والصيغة فقد مر بنا في الفصل السابق ما استحدثوه من أوزان بتأثير الغناء والموسيقى، وكانوا من أجلهما يؤثرون الأوزان المجزوءة، وشاع ذلك في الغزل والخمر، وعرفوا المخمس والمزدوج، واختار أصحاب الشعر التعليمي القالب الأخير لشعرهم، وكأنما أغراهم به وفرة الموسيقى فيه؛ حتى تتلافى ما في معانيهم من جفاف المعرفة والحكمة. ومن المؤكد أن الشعراء عانوا كثيرًا في صياغاتهم، حتى وصلوا إلى أسلوبهم الذي يسمى بأسلوب المولدين، وهو أسلوب ناصع شفاف، لا يُعْنَى بالثروة اللغوية من حيث هي؛ وإنما يعنى قبلها بثروة الفكر وباستثارة الوجدان، حتى يعرض المعاني النادرة والأحاسيس الدقيقة. وهو أسلوب ليس فيه ركاكة ولا ابتذال، ومع ذلك فهو أسلوب مبسط استطاعوا بذوقهم الحضري الرقيق أن يحدثوه،

стр. 158

فإذا لغته أشد ما تكون نقاء، وإذا هذا النقاء يُخْفَى عنا جهدهم في صنعة وما عانوه من تصيُّد صيغه الصوتية لمعانيهم وأحاسيسهم واختيار أثوابه وأبراده الوضَّاحة لأفكارهم ودقائقها الخفية. والحق أنهم كدحوا طويلًا في معانيهم وصياغاتهم وأخيلتهم وصورهم، حتى يحققوا ما يريدون من تفوق وبراعة، وقد أكبّوا على ينابيع اللغة العذبة ينهلون منها ويستمدون أساليبهم، وقد تَنِدّ فيها بعض ألفاظهم الأعجمية؛ ولكن ذلك يأتي في الندرة وعلى سبيل التظرف والتملح. أما بعد ذلك فهم يتمسكون بالصياغة العربية النقية، ويستخدمون كل وسائلهم في صوغ أساليب تموج بالحيوية والفكر العميق والحس الدقيق في نظام موسيقي رشيق. ولم ينسوا أبدًا أن روعة الصياغة لا تقل عن روعة الفكر والحس جمالًا، وكلنا نعرف قصة غضب بشار على تلميذه سلم الخاسر حين صاغ بيتًا له صياغة جديدة أجمل من صياغته؛ فقد قال بشار: مَنْ راقب الناسَ لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللَّهِجُ ولم يكن يسمعه منه سلم، حتى أعجب بمعناه وأخذ يفكر في صياغته صيغة جديدة أعذب وأرشق، وما زال يفكر حتى قال: من راقب الناس مات غَمًّا ... وفاز باللذة الجسور ونقل البيت إلى بشار، فحَنِقَ على سلم حنقًا شديدًا١، ولم يكن مصدر هذا الحنق سوى تلك الكسوة اللفظية البديعة التي كسا بها سلم معناه. وكان الشعراء يجتمعون دائمًا لينشد كل منهم خير ما نظم، متنافسين في ذلك متسابقين، وكلما ألَمَّ منهم شاعر بمعنى غريب تداولوه، ونسوق لذلك مثالًا، وهو ما يُرْوَى من أن أبا نواس استمع إلى خمرية للحسين بن الضحاك يقول فيها: كأنما نُصْبَ كأسه قَمَرٌ ... يَكْرَعُ في بعض أنجم الفَلكِ فنعر "صاح" نعرة منكرة، فقال له الحسين: مالك قد رعتني؟ قال: هذا المعنى

стр. 159

أنا أحق به منك، وسترى لمن يُرْوَى ثم أنشد بعد أيامٍ خمريةً، يقول فيها: إذا عَبَّ فيها شاربُ القومِ خِلْتَهُ ... يقبِّل في داجٍ من الليل كوكبا١ وعلى هذا النحو كانوا لا يزالون يجهدون أنفسهم في صناعتهم سواء في معانيها وصورها وفي ألفاظها وصياغاتها، وكان كل منهم ينفس على صاحبه ما يصل إليه من جديد في المعنى أو في الصورة ومن طريف في الصياغة والعبارة، وحقًّا كانوا أجانب في الغالب؛ ولكنهم حذقوا العربية وتحولوا يصوغون منها عقودًا ولآلئ بديعة، وكانوا يعرفون ذلك في أنفسهم وعملهم؛ فقد سأل سائل بشارًا ما صناعتك؟ فأجاب أثقب اللؤلؤ٢، ونظم ذلك شعرًا، فقال يصف نفسه٣: لله ما راحَ في جوانحه ... من لؤلؤٍ لا ينام عن طَلَبه يخرجْنَ من فيه في النَّدِيِّ كما ... يخرج ضوء السراج من لهبه ولعل في ذلك ما يصور -من بعض الوجوه- ما انتهت إليه صنعة الشعر في هذا العصر من رقي وازدهار؛ فقد ارتقى الشعراء به من وجوه كثيرة، من حيث المعاني وما أثاروا من غرائبها، ومن حيث الأحاسيس وما بعثوا من طرائفها، ومن حيث الصياغات وما نسقوا من فرائدها. وسنرى بعد قليل أن ضروب إحسانهم لذلك كله انتهت بهم إلى مذهب جديد هو مذهب التصنيع، ولكن هذا المذهب لم يظهر توًّا، بل أخذ يُعِدّ له جيلان، جيل بشار، وجيل أبي نواس وأبي العتاهية، ونحن نقف عند صنعتهم قليلًا، لنرى مبلغ مهارتهم وحذقهم.

стр. 160

٥- بشار وصنعته في شعره: هو بشَّار بن برد، كان أبوه من سبي المهلَّب بن أبي صفرة حين كان واليًا على خُرَاسان من سنة ٧٩ إلى ٨٢ وَفَدَ على البصرة مع بعض الأسرى وأقام بها مع

стр. 161

زوجه، وربما كانت رومية، وقد وُلد لهما بشار في العقد الأخير من القرن الأول للهجرة أعمى لا يبصر١، وحددت هذه الآفة حياته؛ إذ جعلته يتجه إلى مجالس العلماء والأدباء، وكان ذكيًّا؛ فأخذ يتعلم العربية، وساعده على ذلك مرباه في بني عقيل؛ إذ وهبته امرأة المهلب لإحدي صديقاتها منهم٢ وأيضًا فإنه حين أيفع تبدى حتى أدرك كما مر بنا في غير هذا الموضع، ويقال إن أباه طيَّانًا يضرب اللبن٣ وكان له أخوان احترفا مهنة الجزارة. ولما استيقظت في بشار مواهبه الشعرية أخذ يغدو على المربد؛ فيستمع للفرزدق وجرير وأضرابهما، وتعرض لجرير يريد أن يرد عليه حتى يشتهر؛ ولكنه لم يأبه له. وظل يعنى بهذا الفن فن الهجاء، حتى يقال إنه كان سبب حتفه٥. ولا نشك أنه منذ نشأته كان يقصد سراة البصرة بمديحه، حتى يجلب لنفسه بعض المال. وأخذ يخالط علماء الكلام؛ فكان يصحب واصل بن عطاء مؤسس مذهب المعتزلة، وأعدَّه ذلك لأن يتصل بآراء الزنادقة التي كان يرد عليها واصل وغيره من المتكلمين، كما أعدَّه لأن يعرف شيئًا من منطق اليونان وفلسفتهم؛ مما تسرب إلى تلك الجماعة، ولا نصل إلى سنة ١٢٦ للهجرة حتى يفسد ما بينه وبين واصل لما أظهره من زندقة سبق أن عرضنا لها، وأباح واصل دمه؛ ففر من البصرة ووفد على حران فمدح سليمان بن هشام بن عبد الملك، وتحول إلى واسط حين ولي العراق يزيد بن عمر بن هبيرة؛ فلزمه وقدم له مدائح يتضح فيها تعصبه لقيس لأن الأمير كان قيسيًّا وكان هو ولاؤه أيضًا لقيس المضرية، وكذلك كان الخليفة مروان بن محمد مضري النزعة، فلجج في هذا الباب طويلًا. وتطورت الظروف، وتوفي واصل وقامت الدولة العباسية على رماح الخراسانيين؛ غير أنه لم يعد إلى البصرة إلا بعد وفاة عمرو بن عبيد خليفة واصل سنة ١٤٤ للهجرة٦، وقد عاد ثائرًا، شاعرًا كأن الدنيا أقبلت عليه،

стр. 162

واشتعلت الجذوة التي كانت خامدة في نفسه جذوة الشعوبية، ونسب نفسه في ملوك الفرس الأولين١. ونراه مترددًا إزاء الخلفاء العباسيين؛ لما قدَّم سابقًا من شعره في يزيد بن عمر بن هبيرة ومروان بن محمد. ولعل ذلك ما جعله يحس بشيء غير قليل من الفرح حينما نشبت ثورة إبراهيم بن عبد الله على المنصور في البصرة سنة ١٤٥ للهجرة؛ فأسرع يمدحه بميمية فضَّلها الأصمعي على ميميتي جرير والفرزدق، ولما أخفقت الثورة أنكرها بشار، وحذف منها أبياتًا، وأظهر أنها قالها في عدو المنصور أبي مسلم، وكان أولها. أبا جعفر ما طول عيش بدائم ... ولا سالم عما قليل بسالم فقال: "أبا مسلم" بدلًا من "أبا جعفر"٢، ونراه يكثر من وفادته على خالد ابن برمك في أثناء ولايته على فارس، فيقر به منه ويبذل له أموالًا كثيرة٣، وكذلك كان يصنع ممتدحوه من ولاة البصرة وعلي رأسهم عقبة بن سلم الهنائي. ولما علا نجم خالد وابنه يحيى في عصر المهدي رأيناه يفد على الخليفة يمدحه؛ فيقر به منه ويحضره مجالسه، ويعلم بما في شعره من الرفث في الغزل وأنه يصرح فيه بأشياء تفسد الشباب، فينهاه عن ذلك، ويشكو في شعره من هذا النهي كثيرًا. ولا تلبث الأخبار أن تتواتر على سمع المهدي بزندقته، فيأمر بقتله، يقول ابن المعتز: "وقيل: بل قيل للمهدي إنه يهجوك فقتله، والذي صح من الأخبار في قتل بشار أنه كان يمدح المهدي، والمهدي ينعم عليه، فرمي بالزندقة، فقتله، قيل: ضربه سبعين سوطًا فمات، وقيل بل ضرب عنقه. وكانت وفاته سنة سبع وقيل ثمانٍ وستين ومائة٤". وواضح أن عوامل متشابكة أثرت في شخصية بشار الأدبية؛ فقد كان مولى، وكان يحس بعمق أنه قن ابن قن وأنه من أسرة فقيرة متخلفة في المجتمع، فانطوى على مرارة ولَّدت فيه ميلا قويًّا إلى العُدوان، وقد ورث عن جنسه الفارسي مزاجًا حادًا واندفاعًا شديدًا نحو المتع الحسية

стр. 163

وضاعف ذلك عنده أنه كان مكفوفًا؛ فعدت وسيلته إلى الجمال والإحساس به حسية: سمعية ولمسية، وغزله من هذه الناحية يصور أثار فقده لبصره وما تتركه حواس السمع واللمس والشم من آثار في نفوس المكفوفين. واندمج في هذه المكونات الشخصية والجنسية مكوِّن البيئة وما كانت تكتظ به من دور الرقيق والجواري والإماء. ِ كل ذلك دفعه لصراحة صريحة في غزله وخمره، وهي صراحة وجد فيها رجال الدين من وعاظ البصرة خطرًا على المجتمع؛ فقاوموه مقاومة عنيفة١ وبلغ من شدة هذا الخطر أن تدخل المهدي وحاول أن يرده عن هذا الطريق٢ ولكن الموجة كانت حادة، ودخل فيها جمهور الشعراء لا في البصرة وحدها، بل في الكوفة أيضًا وفي بغداد، وكان الجواري وغناؤهن من أهم ما يروج لها، إذ اتَحْنَ لهذا الشعر الماجن الجديد انتشارًا واسعًا، وكن يبعن وينتقلن من العراق إلى الحواضر العربية؛ فكن يحملنه في حقائبهن ويذعنه في كل مكان. واشتركت الثقافات الأجنبية والعربية في تكوين شخصية بشار؛ فقد كان يجالس المتكلمين كما قدمنا، كما كان يجالس من يعرفون زندقة الفرس ودهرية الهند وآراءهم في التناسخ، ويجمع ذلك كله قول صاحب الأغاني: "كان بالبصرة ستة من أصحاب الكلام: عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وبشار الأعمى وصالح بن عبد القدوس وعبد الكريم بن أبي العوجاء ورجل من الأزد -يعني جرير بن حازم- فكانوا يجتمعون في منزل الأزدي ويختصمون عنده، فأما عمرو وواصل فصارا إلى الاعتزال. وأما بشار فبقي متحيرًا مخلَّطًا، وأما الأزدي فمالَ إلى قول السُّمَنِيَّة وهو مذهب من مذاهب الهند الدهرية يقول أصحابه "بتناسخ الأرواح"٣ وأكبر الظن أن بشارًا لم يظل متحيرًا طويلًا؛ فقد اعتنق الزندقة٤ كما اعتنقها صالح وابن أبي العوجاء وقتلوا بها جميعًا لعهد المهدي. والمهم أن بشارًا كان واقفًا على معارف عصره وثقافته الدخيلة وكان لها تأثير واسع فيه، حتى آمن بما يقول به المانوية والمزدكية. وربما كان أهم ثقافة أثرت في شعره هي الثقافة

стр. 164

العربية التي هيأته للتفوق في فن الشعر، وساعدته في ذلك نشأته اللغوية، واختلافه إلى المربد، وأيضًا خروجه إلى البادية حتى يأخذ اللغة من ينابيعها الأصلية. وبذلك تحولت إليه السليقة اللغوية العربية تحولًا لفت إليه الأنظار، حتى كان لا يقول ما يُسْتَكْره في شعره١؛ بل حتى كان يميز تمييزًا دقيقًا بين جيد الشعر ورديئه وصحيحه ومنحوله٢: وكثير في حياة بشار يملأ نفوسنا عليه ازدراء؛ فنحن نزدري فجره وتهتكه وفسقه وزندقته وشعوبيته، وقد لقي عند المهدي جزاءه وإن جاء متأخرًا. غير أننا إذا تركنا هذه الجوانب السيئة في حياته إلى شعره وجدنا معاصريه ومن جاءوا بعدهم يجمعون على أنه هو الذي نهج للعباسيين طريقتهم الجديدة، وهي طريقة كانت تعتمد اعتمادًا شديدًا على الأصول التقليدية للشعر القديم، حتى لتبدو فيه نزعة محافظة وخاصة في مدائحه، فإن الإطار فيها لا يختلف عن الإطار القديم إلا قليلًا؛ إذ يستوفي فيها قيم التعبير الجزلة وكل ما تقتضيه الجزالة من رصانة وقوة في البناء، ومعنى ذلك أن بشارًا الفارسي الجنس قد أثر فيه مرباه العربي حتى أصبح عربيًّا خالصًا في أسلوبه وتعبيره. ولا يعني ذلك أنه كان غائبًا في مديحه عن عصره؛ فهو يزاوج بين الماضي والحاضر: يصف الأطلال والصحراء ولكن بذوق حضري جديد فيه رقة، وفيه دقة في استنباط المعاني وتوليدها. إنه ربيب بيئة المتكلمين، وقد أخذ عنهم قدرتهم في بسط الأدلة وتفصيل الأفكار وتفريعها وتشعيب المعاني وتشقيقها، كما أخذ عن الفرس أمثالهم وحكمهم، وتحول إلى معاني الشعر الجاهلي يستخرج منها ما لا يحصى من خواطر، ويستطيع أن يتبين ذلك كل من يقرأ مديحه؛ فنسيجه العام قديم، ولكن خيوطًا كثيرة جديدة تلمع في هذا النسيج، حتى في نماذجه الموغلة في التشبه بالبدو، ونقصد الأراجيز، مثل أرجوزته التي سبق أن تحدثنا عنها والتي نظمها تحديًّا لعقبة بن رؤبة إذ نراه يقول في تشبيهها٣: صدت بخد وجلت عن خد ... ثم انثنت كالنَّفَسِ الْمُرْتَد

стр. 165

ويُدخل في نسيجها بعض الحكمة؛ فيقول: الحر يلحى والعصا للعبد ... وليس لملحف مثل الرد١ وصاحب كالدُّمَّل الممد ... حملته في رقعة من جلدي وينتقل إلى المديح فيصف ممدوحه بالشجاعة والكرم على طريقة العرب ويقول في تضاعيف ذلك ما كان مني لك غيرُ الوُدِّ ... في ثناء مثل ريحِ الوردِ وبمثل هذه الخيوط الجديدة يختلف مديح بشار عن المديح القديم؛ فالقصيدة في الظاهر توغل في التمسك بإطار القدماء ومعانيهم، وفيها مع ذلك كثير من عقل بشار وذوقه وبراعته في التصوير ويضرب القدماء لتلك البراعة مثالًا: أنه ما زال يدبر في نفسه بيت امرئ القيس في وصف العقاب: كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي٢ حتى قال في المديح: كأن مُثارَ النقعِ فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه٣ وإذا تركنا مديحه إلى فخره وجدنا فيه نفس متانة البناء ونفس الصياغة الباهرة التي تميز بها شعراء العرب السابقين من أمثال زهير والنابغة وجرير، وإنه ليضيف إلى معانيه مبالغة تزيدها جمالًا على شاكلة قوله مفتخرًا بقيس مواليه في ميميته المشهورة٤: إذا ما غضبنا غضبة مُضَريَّةً ... هتكنا حجابَ الشمسِ أو تمطر الدَّما وكنا نتمنى أن لو ظل يفتخر بالعرب وأن لا ينقلب مع الثورة العباسية يفتخر بآبائه من الفرس؛ حتى لا يؤذينا في فخره بشعوبيته، وكان حريًا به أن يظل مؤمنًا بالعرب الذين أورثوه هذا الفن الجميل. وتطور الهجاء عنده على هدي الأمثال الفارسية القصيرة، إذا استطاع هو وصاحبه حماد عجرد أن يحدثا فيه هذا النمط القصير الذي سبق أن عرضنا

стр. 166

له، وقلنا إنه كان يقوم على القذف في الأعراض والاتهام بالزندقة والإلحاد، مع أنهما كانا جميعًا زنديقينِ ملحدين، ويصور بشار هجاءه فيقول: تزل القوافي عن لساني كأنها ... حمات الأفاعي ريقُهن قضاءُ١ ويقول الجاحظ في المفاضلة بينه وبين خصمه: "وما كان ينبغي لبشار أن يناظر حمادًا من جهة الشعر وما يتعلق بالشعر؛ لأن حمادًا في الحضيض وبشار مع العيُّوق٢، وليس في الأرض مولَّد قروي يعد شعره في المحدث إلا وبشار أشعر منه"٣. وإذا تحولنا إلى الغزل عند بشار وجدناه فيه يعكف على نماذج القدماء شأنه في كل شعره؛ فهو يقرأ الغزل الجاهلي ويقرأ غزل عصر بني أمية عند عمر بن أبي ربيعة وأضرابه من أهل مكة والمدينة وعند جميل بثينة وأضرابه من شعراء نجد وبوادي الحجاز، وبذلك يعرف معرفة دقيقة شعر الأطلال والوصف الحسي للمرأة عند الجاهليين، كما يعرف شعر عمر وأمثاله مما يصور قصة الحب ووقائعه وحياته وموته وما يُشْفَعُ به من بعض الحرية، كما يعرف شعر العُذْريين وما يكسوه من عفه وطهر، ويحول كل ذلك إلى غزله. ولا يقف عنده، بل يضيف إليه إثمه ومجونه، وكل ما رفدته بيئته به من أسباب العبث التي زخر بها جو المجتمع العباسي وما أذاعه فيه الإماء والجواري من مجون. وكان بشار لا يأبَه للقيم الخلقية والدينية، وكان ضريرًا، فاعتمد على حاستي السمع واللَّمس في غزله، ولعل من الطريف أنه يصرح بذلك في مثل قوله٤: يا قوم أذْني لبعض الحي عاشقةٌ ... والأُذْنُ تعشقُ قبل العينِ أحيانا ولا يصبح الغزل عنده في أكثر جوانبه حسيًّا فحسب، بل يصبح ضربًا من نداء الغريزة النوعية بصورة ليس فيها أدني احتشام؛ بل فيها غير قليل من العدوان على المجتمع وآدابه. ولا نبالغ إذا قلنا إنه هو الذي دفع الشعراء من بعده إلى التمادي في تصوير المتاع الحسي، حتى الشاذ منه على نحو ما هو معروف عند أبي نُواس. وحقًّا قد نقرأ عنده غزلًا يحتفظ فيه بكرامته وكرامة المرأة

стр. 167

من مثل قوله١: لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكَرَى طيف ألم نَفِّسي عني قليلًا واعلمي ... أنني يا عَبدَ من لحم ودم إن في بُرديَّ جِسْمًا ناحلًا ... لو توكأتِ عليه لانهدم ولكن كثرة الغزل المادي الصريح عنده طغت على مثل هذه الأبيات التي كان يشكو فيها الصبابة وتباريح الحب. وينبغي أن نعرف أنه مع ماديته في غزله كان لا يزال يستقي من غزل القدماء ومعانيه، ولا يزال يتتبع حتى صورهم فيصوغها صياغة جديدة تلائم رقة عصره؛ فقد روى الرواة أنه أنشد قول كثير: ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكفِّ تلينُ فقال: والله لو زعم أنها عصا مخ أو عصا زبد، لقد كان جعلها جافية خشنة بعد أن جعلها عصا، ألا قال: ودعجاء المحاجر من معدٍّ ... كأن حديثها ثمرَ الجنانِ إذا قامت لمشيتها تثَنَّتْ ... كأن عظامَها من خيزَرانِ٢ ومعنى ذلك أن بشارًا كان يستغل صور الغزل القديم، وكان يستغل أيضًا معانيه، ومن خير ما يصور ذلك وقوفه عند طول الليل والسهاد فيه الذي طالما ذكره الجاهليون والإسلاميون؛ فقد عرضه في معارض مختلفة، تارة يقول٣: النَّجْمُ في كَبِدِ السَّمَاءِ كأنَّهُ ... أعمى تحيَّرَ ما لديهِ قائدُ ويقول تارة ثانية٤: خليليَّ ما بال الدُّجى ليس يبرحُ ... وما بال ضوءِ الصبحِ لا يتوضحُ أضلَّ الصباحُ المستنيرُ طريقَهُ ... أم الدهر ليلٌ كلُّه ليس يبرحُ ويقول تارة ثالثة٥: كأن جفونَه سملت بشوك ... فليس لنومه فيها قرار

стр. 168

أقولُ وليلتي تزدادُ طولًا ... أما لليل بعدهم نهارُ جفَّت عيني عن التغميضِ حتى ... كأن جفونَها عنها قصارُ وعلى هذه الشاكلة لا يزال يدير المعاني القديمة في ذهنه ويولد منها ويستخرج طرائف رائعة، وعلي الرغم من أنه كان مكفوفًا كان يحسن الوصف حتى ليقول الأصمعي: "إنه ما نظر إلى الدنيا قط، وكان يشبه الأشياء بعضها ببعض في شعره، فيأتي بما لا يقدر البصراء أن يأتوا بمثله"١ ومن وصفه البديع لإحدى المغنيات قوله٢: وصفراءُ مثل الخيزرانة لم تعشْ ... ببؤس ولم تركب مطية راعِ تصلِّي لها آذاننا وعيوننا ... إذا ما التقينا والقلوبُ دواعِ جرى اللؤلؤ المكنون فوق لسانِها ... لزوَّارها من مزهرٍ ويَرَاعِ٣ إذا قلدت أطرافها العود زلزلت ... قلوبًا دعاها للوساوسِ داعِ كأنهم في جنة قد تلاحقت ... محاسنُها من روضةٍ ويفاعِ٤ يروحون من تغريدِها وحديثِها ... نشاوى وما تسقيهم بصواعِ٥ لعوبٌ بألباب الرجال وإن دَنَتْ ... أطيع التُّقى والغيُّ غيرُ مُطاعِ وفي كل مكان من غزله نجد أثر الحضارة في رقة حِسِّه؛ سواء حين يصف حنينه وحرمانه وصدود محبوباته أو حين يصور لقاءه لهن ووداعهن أو ذكرياته معهن على شاكلة قوله٦: لقد كان ما بيني زمانًا وبينها ... كما بين ريحِ المسكِ والعنبرِ الوردِ وقوله٧: عندها الصبر عن لقائي وعندي ... زفرات يأكلن قلب الجليدِ ولعل في كل ما قدمنا ما يوضح كيف كانت صنعة بشار في شعره تقوم على

стр. 169

الموازنة الدقيقة بين العناصر التقليدية في الشعر العربي والعناصر التقليدية المستمدة من الحضارة والثقافة المعاصرة. وثَبَّتَ بشار هذه الطريقة؛ بحيث أصبحت منهجًا عامًّا للشعراء من بعده، وبحيث عدَّ بحق زعيم المجددين؛ فهو الذي نهج لهم هذا النهج من التطور بالشعر العربي تطورًا لا تنقطع الصلة فيه بين حاضره وماضيه.

стр. 170

٦- صَنْعَةُ أبي نُوَاسٍ: اسمه الحسن بن هانئ، ولد بالأهواز سنة تسع وثلاثين ومائة، وكان أبوه مولى١ لآل الحكم بن الجراح من بني سعد، العشيرة اليمنيين، قدم إلى هذه البلدة مع جند مروان بن محمد، وتزوج بها جارية فارسية أهوازية تدعى جلبان، كانت تغسل الصوف، وأولدها عدة، منهم أبو نُواس الذي تلقن الفارسية عنها وحذقها. ومات هانئ وابنه صغير؛ فانتقلت أمه إلى البصرة، وهو ابن ست سنين، فأسلمته إلى الكتاب، ولم يلبث أن اختلف إلى دروس العلماء حين شبَّ عن الطوق، ويظهر أن رقة حال أمه اضطرتها إلى أن تلحقه بعطار، فمكث عنده مدة، وملكَتُه الشعرية تتفتَّح في نفسه، وتصادف أنَّ عاملَ الأهوازِ دعا هذا العطار إليه، فصحب معه الغلام، وكان والبة بن الحباب يزور هذا العامل لقرابة بينهما، فتعرف على أبي نواس، وكان وضيئًا صبيحًا، وأعجب كل منهما بصاحبه، وأسلم أبو نُواس إليه قِيَادَهُ، فاصطحبه معه إلى الكوفة حيث غمسه في كل ما كان ينغمس فيه مع رفاقه أمثال مطيع بن إياس؛ فخرج ماجنًا على طريقتهم، وهي طريقة لم تكن تخلو من شذوذ٢. ويعود إلى البصرة ويلزم خلفًا الأحمرَ ويحمل عنه علمًا كثيرًا وأدبًا واسعًا، ويتعلق بجنان جارية

стр. 171

الثَّقَفِيين، فتَزْوَّر عنه؛ لسوء سلوكه، وينظم فيها كثيرًا من غزله، وتجذبه بغداد فيتحول إليها ويقدمه إسحاق الموصلي إلى الرشيد، ولا يلبث أن يغضب عليه فيسجن، لما يلجِّج فيه من عصبية مسرفة لمواليه القحطانيين١ ويطرق باب البرامكة في أثناء ذلك، فيحول بينه وبينهم أبان بن عبد الحميد، ويدخلان في معركة هجاء عنيفة، كان أبو نواس هو الذي يكثر فيها من السهام٢، ويظهر أن أبواب الفضل بن يحيى البرمكي فُتِحَت له؛ بينما ظل جعفر أخوه منقبضًا عنه، فهجاه بينما مدح الفضل مدائح رائعة. ولما أوقع الرشيد به وبأخيه وأبيهما سنة ١٨٧ للهجرة حزن أبو نواس، ورحل إلى مصر لغرض الترويح عن نفسه، فمدح والي الخراج بها الخصيب بن عبد الحميد وكان فارسيًّا. ولم يَطِبْ له المقام وحنَّ إلى بغداد، فقدم عليها بعد وفاة الرشيد، واستقبله الأمين استقبالًا حافلًا، ونادمه، فلاكته الألسنة، ويقال: إن المأمون حين خلع أخاه ووجه بطاهر بن الحسين لمحاربته كان يكتب كتبًا تقرأ على المنابر بخراسان يذكر فيها عيوبه وكان مما عابه به أن قال: "إنه استخلص رجلًا شاعرًا ماجنًا كافرًا يقال له: الحسن بن هانئ واستخلصه؛ ليشرب معه الخمر ويرتكب المآثم، ويهتك المحارم"٣. ويقال: إن الأمين حبس أبا نواس زمنًا؛ لخلاعته، ويقال: بل حبسه الفضل بن الربيع وزيره، وفي أشعاره ما يدل على هذا الحبس٤، على أن الأجل لم يطل به؛ فقد توفي قبل دخول المأمون بغداد، وتختلف الروايات في سنة وفاته، هل كانت سنة ١٩٥ أو سنة ١٩٩ كما تختلف في سببها٥. وتدل نصوص مختلفة على أن أبا نواس في أثناء مكثه في الكوفة والبصرة كان

стр. 172

يختلف إلى حلقات اللُّغويين وخاصة حلقة خلف١، وهو الذي دفعه إلى حفظ مئات الأراجيز، ويقال: إنه خرج إلى البادية سنةً؛ لينهل من ينابيع اللغة الأصلية. ولم يختلف أبو نواس إلى حلقات اللغويين وحدهم بل اختلف أيضًا إلى حلقت الفقهاء والمحدثين٢ والمتكلمين، حتى قالوا: إنه بدأ حياته متكلمًا ثم نظم الشعر٣، ومر بنا في غير هذا الموضع كيف كان يجلب إلى شعره ألفاظ المتكلمين ومصطلحاتهم. ولعلنا بذلك كله نستطيع أن نعرف مكونات شخصيته الأدبية، وهي تقترب من مكونات بشار؛ فقد ألَمَّ بثقافات عصره إلمامًا واسعًا وورِثَ عن الفرس حدَّة مزاجهم وأخذت البيئة الماجنة تؤجج هذه الحدة، بكل ما أخذه عن والبة وأضرابه، حتى لنجده يخطو في الفسق والمجون خطوات بالقياس إلى بشار؛ إذ أخذ يتغنى بالغِلمان، وكأنما لم تكفِهِ الجواري، وإن كان ابن المعتز يلاحظ أنه كان يكثر من ذلك تمويهًا وخداعًا عن فسقه الحقيقي بالجواري والإماء٤، وربما كان لِمَ اتُّهِمَ به من شذوذ أثر في ذلك؛ فاندفع يعلن على رءوس الأشهاد كذب ما يقال عنه، ومن ثم قد يكون من الخطأ أن نبالغ في تصوير هذه الوصمة عند أبي نواس وأن نبحث نفسيته على أساسها. علي أن من الممكن أن تكون مجاهرة أبي نواس بغلامياته ضربًا من التظرف والدعابة كان يسوقه في مجالس جماعته الماجنة من أمثال الخاركي وأبي يعقوب التمار وأبي هفان والحسين بن الضحاك الخليع٥ ويشهد معاصروه بأنه كان ظريفًا يخلب الناس بظرفه وكثرة ملحه٦، وهو في ذلك يختلف عن بشار؛ فبشار في مزاحه جد وصرامة، أما أبو نواس فليس فيه من الجد والصرامة شيء

стр. 173

وكان يشعر بذلك في نفسه؛ بل كان يتخذ إليه كل وسيلة حتى ليقول١: أتتبَّعُ الظرفاءَ أكتب عنهمُ ... كيما أحدِّث من أحبُّ فيضحكا وجعله هذا الجانب قريبًا إلى أهل عصره من خلفاء ووزراء فكانوا يرسلون في طلبه إلى مجالسهم فيفاكههم ويسوق لهم نوادر تضحكهم، ولعل ذلك ما جعله يتحول في بعض القصص إلى شخصية مضحكة، وهي وظيفة كان يقوم بها أبو دُلامة معاصره؛ لكن لا شك أن الناس في بغداد كانوا يتناقلون عنه نوادر كثيرة أعدت لنمو شخصيته القصصية المضحكة مع مر الزمن، ومما يدخل في هذا الباب ورواه الجاحظ عنه أن مجنونًا موسوسًا يسمى أبا الحاسب كان يهذي بأنه سيصير ملكًا وأنه أُلْهِمَ ما يحدث في الدنيا من الملاحم؛ فكان أبو نواس يقول أشعارًا على لسانه، وما يزال يوردها على سمعه له حتى يحفظها، وكان يتحدث فيها عما سيقع عبثًا ودعابة، ويروي الجاحظ من تلك الأشعار٢. ومثل هذه الشخصية ينبغي أن نتأنى في الحكم عليها، وأن لا نظن أن كل ما تنظمه يصور نفسيتها أو وقائعها؛ فكثير منه نظم تظرفًا ودعابة وعبثًا، ونستطيع أن نضع في هذا الجانب من التعابث أطرافًا مما في شعره من شعوبية وزندقة وخروج على الإسلام من مثل قوله السابق٣: يا ناظرًا في الدين ما الأمر؟ ... لا قدرٌ صحَّ ولا جَبْرُ ما صح عندي من جميع الذي ... تذكرُ إلا الموت والقبر وقوله٤: يا أحمد المترجى في كل نائبة ... قم سيِّدي نعصِ جبار السماوات ومثل هذا كثير في ديوانه، ولا نشك في أنه كان ينظمه أثناء معاقرته للخمر هزلا وفكاهة. وأيضًا لا بد أن نلاحظ شيئًا آخر هو كثرة ما حمل عليه من شعر الخمر والمجون، يقول ابن المعتز: "إن العامة الحمقى قد لهجت بأن

стр. 174

تنسب كل شعر في المجون إلى أبي نواس وكذلك تصنع في أمر مجنون بني عامر، كل شعر فيه ذكر ليلى تنسبه إلى المجنون"١. ولا نبالغ إذا قلنا أن دواوين الحسين بن الضحاك الخليع ونظرائه من المجان تلك التي فقدت قد دخلت في ديوان أبي نواس. لذلك يكون من الخطأ أن نحمل عليه كل ما جاء في ديوانه وإن كنا بعد ذلك لا ننفي عنه جملة خمرياته وغزلياته العابثة فكثير منها روي عند الجاحظ وابن المعتز وأضرابهما من النقاد الأثبات، ومن المؤكد أنه كان ماجنًا عابثًا على فكاهة فيه. وأقوى ما تتجلى ملكة الشعر عنده في خمرياته، وكان يحتذي فيها على مثال الوليد بن يزيد٢، وقد استشهدنا فيما أسلفنا بمثل منها عنده، وطرائفها عند أبي نواس أكثر من أن تستقصى؛ إذ كان يعرف كيف يولد في المعاني وكيف يستخرج دفائنها ودقائقها، كما كان يعرف كيف يأتي بالصور النادرة من مثل قوله٣: وكئوس كأنههن نجوم ... جارياتٌ بروجها أيدينا طالعاتٌ مع السقاة علينا ... فإذا ما غربن يغربن فينا وقوله٤: وكأسٍ كمصباحِ السماءِ شربتُها ... على قبلةٍ أو موعدٍ بلقاءِ أتت دونها الأيام حتى كأنها ... تساقط نور من فتوق سماء وهو على هذه الشاكلة في غزله أيضًا؛ إذ كان يعرف كيف ينوع في معانيه، وكيف يستمد من أوعية القديم في الحنين والصد والإعراض والدلال ما تتلألأ فيه خواطره وتتألق فيه أحاسيسه. وكان ينحو في غزله منحى سهلًا؛ حتى لتصبح بعض غزلياته أسلس على اللسان من الماء العذب، من مثل قوله الذي مر بنا ٥:" حاملُ الهوى تعبُ ... يستخفُّهُ الطَّربُ إن بكى يحق له ... ليس ما به لَعِبُ وهو في غزله بالغلمان ينحو كثيرًا منحى التعابث والهزل، ولعل ذلك

стр. 175

ما جعله يحشد فيه كثيرًا من ألفاظ العامة، وخاصة إذا كان الغلام أعجميًّا؛ فإنه يستحلفه بآلهة العجم وبكتبهم المقدسة وما يؤلهون من كواكب ويقدسون من كهنة النار، ويسوق له في أثناء ذلك كلمات أعجمية كثيرة. وكان في هجائه كغزله بالغلمان يتعابث ويتماجن، وأحيانًا يجد، فيَرْمي بالزندقة ويقذف في الأعراض على شاكلة بشار. وهجاؤه الأول أخف، ومن أمثلته هجاؤه لإسماعيل بن نيبخت، وكان يرتعي على مائدته؛ ولكنه لم يسلم من عبثه، فقال فيه١: خبز إسماعيل كالوشـ ... ي إذا ما شُقَّ يُرفا وقال أيضًا٢: على خبزِ إسماعيلَ واقيةُ البخل ... وقد حلَّ في دارِ الأمانِ من الأكلِ وما خبزُه إلا كآوى يرى ابنها ... ولم تر آوى في الحزن ولا السهلِ وما خبزه إلا كعنقاء مغربِ ... تصوَّرُ في بُسُط الملوك وفي المثل يحدَّث عنها الناس من غير رؤيةٍ ... سوى صورة ما إن تمر ولا تحلي وكان يتوقر في مديحه وشعره الرسمي، ويختار له إطارًا جزلًا قويًّا متينًا، يقدم له بوصف الصحراء على طريقة القدماء، وقد وصف في قصيدته التي مدح به الخصيب رحلته من بغداد إلى الفسطاط، وهي التي يقول فيها٣: فما جازه جودٌ ولا حلَّ دونه ... ولكن يصير الجودُ حيثُ يصيرُ وكان يجنح في مديحه إلى المبالغة والإسراف على نفسه في الارتفاع بالممدوحين عن البشر؛ حتى ليقول في الرشيد٤: وأَخَفْتَ أهلَ الشِّركِ حتَّى إنَّه ... لتخافُكَ النُّطَفُ التي لم تُخْلَقُ ويقول في الأمين -إن صح أنه له- مستغلًا طريقة المتكلمين٥: ألا يا خيرَ منْ رأتِ العيونُ ... نظيرُك لا يحسُّ ولا يكونُ

стр. 176

وفضلك لا يحدُّ ولا يُجَارى ... ولا تحوي حيازَتَهُ الظنونُ خُلِقتَ بلا مشاكلةٍ لشيء ... فأنت الفوقُ والثَّقلانِ دونُ ويقول في الفضل بين يحيى البرمكي١: أوحده اللهُ فما مثلُه ... لطالبِ ذاك ولا ناشدِ وليس على اللهِ بمستنكرٍ ... أن يجمعَ العالَمَ في واحدِ وبذلك كان من أوائل من أعدوا لاتساع المبالغة في المديح العباسي، ومضى الشعراء من بعده يبالغون حتى رفعوا ممدوحيهم إلى مرتبة الآلهة. وربما كان -مما يتصل بهذا الفن التقليدي- فن المديح عنده، استخدامه للرجز، وخاصة في طردياته، وهو فيها يتفوق تفوقًا منقطع النظير، وقد أشاد بها الجاحظ إشادة رائعة على ما مر في غير هذا الموضع؛ وبينما نراه يعنى بصناعته اللفظية في المديح والرثاء نراه يفرط في السهولة حين يتغزل، وكان ينظم كثيرًافي أوزان المجتث والمقتضب والمتدارك وما يشاكلها من البحور المجزوءة، معبرًا عن أحاسيس الحب، وملائمًا بينها وبين الغناء الذي عاصره، وله شعر في الزهديات ربما نظمه مجاراة لأبي العتاهية وأمثاله ممن كان تروج أشعارهم في العامة، أما الزعم بأنه كفَّ في آخر حياته عن الملاذ فهو زعم باطل٢، إنما تلك كانت لحظات صحو تعتريه من حين إلى حين. ومن بديع ما نظمه في هذه اللحظات قوله٣: يا رب وجهٌ في الترابِ عتيقُ ... ويا رب حسن في الترابِ رفيقُ فقل لقريبِ الدارِ إنك راحلٌ ... إلى منزلٍ نائي المحلِّ سحيقِ وما الناس إلا هالكٌ وابن هالكِ ... وذو نسبٍ في الهالكينَ عريق إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشَّفَتْ ... له عن عدوٍ في ثيابِ صديقِ وواضح مما قدمنا أن صنعة الشعر عند أبي نواس كانت تعتمد اعتمادًا شديدًا على الإطار القديم في المديح والرثاء وما يشبهما؛ بينما كانت تنفك من هذا الإطار

стр. 177

أحيانًا في الغزل والخمريات، وقد تظل له قوة البناء فيهما، وتظل له روعة التصوير ودقة العاطفة، وقد يهبط وخاصة حين يتعابث ويهزل إلى لغة العامة وإلى أسلوب ليس فيه شيء من قوة، كان يعمد فيه إلى اللحن أحيانًا١. ولعل ذلك ما جعل بعض القدماء يقول عنه، وهو قول صحيح: "إنه كان لا يقوم على شعره ويقوله على السكر كثيرًا، فشعره متفاوت؛ لذلك يوجد فيه ما هو في الثريَّا جودة وحسنًا وقوة وما هو في الحضيض ضعفًا وركاكة"٢. على أنه ينبغي أن لا ننسى أن شعرًا كثيرًا منتحلًا أضيف إليه، حتى لنجد موشحة مبثوثة بين أشعاره في ديوانه٣، والمشهور أن الموشحات ظهرت بعده بقرن على الأقل، ولم تظهر في الشرق؛ وإنما ظهرت في الأندلس وظلت هناك طويلًا قبل أن تنتشر في العالم العربي. ولعل في ذلك ما يدل على أن العصور التالية لعصر أبي نواس ظلت تضيف إليه كثيرًا من الأشعار، ولم تتورع أن تضيف إليه بعض الموشحات، وكان أهم باب نفذوا منه إلى ذلك باب المجون والأدب المكشوف.

стр. 178

٧- صَنْعَةُ أبي العَتاهِيَةِ: هو إسماعيل بن القاسم، كان أبه من موالي بني عنزة، وكانت أمه بنت زياد المحاربي أحد موالي بني زهرة، وقد وُلد لهما سنة ١٣٠ للهجرة في قرية عين التمر بالقرب من الأنبار غربي الكوفة، ويظن أن القاسم كان نبطيًّا، وقد كان يحترف الحجامة، وانتقل -على ما يظهر- بأسرته إلى الكوفة فنشأ بها أبو العتاهية. ولما ترعرع احترف مع أخيه زيد بيع الخزف، ولم تلبث مواهبه الشعرية أن استيقظت في نفسه؛ فكان ينشد من يشترون منه

стр. 179

الجرار شعره؛ فيعجبون به وينقشونه على جرارهم١. ولم يطل به الأمر حتى انصرف عن بيع الخزف، ولزم المخنثين من شباب الكوفة، ولبس ملابسهم٢ وانتظم في سلك الْمُجَّان من أمثال مطيع بن إياس. وتعرَّف في أثناء ذلك على إبراهيم الموصلي مغني المهدي والرشيد فيما بعد، واتفقا على الرحيل إلى بغداد؛ غير أن الأبواب فيها لم تفتح له؛ فعاد أدراجه إلى الحيرة٣، وتعلق فيها بجارية لبني معن بن زائدة كانت نائحة ولها حسنٌ وجمال، ولكن مواليها حالوا بينها وبينه٤. وأخذ شعره فيها يذيع، فاستدعاه الموصلي ووصله بالمهدي فمدحه ونال جوائزه السنية. حدث أن رأى جارية من جواري القصر هي عُتبَة، وكانت من جواري رائطة بنت السفَّاح زوج المهدي، فوقعت في قلبه وأخذ يتغزل فيها غزلًا كثيرًا، وبلغ المهدي ذلك فغضب لتعرضه لحرمه وأمر بحبسه، وشفع فيه خاله يزيد بن منصور حتى خلصه؛ فعاد إلى مثل حاله معها، فتدخلت رائطة، وأثارت حفيظة المهدي عليه؛ فأحضره وضربه بالسياط في الدواوين بين يديه؛ غير أنه عاد فرقَّ له، ووعده أن يستوهبها من مولاتها ويدفعها إليه. وعلمت بذلك عتبة، وكانت تزدريه على نحو ما كانت تزدري جنان أبي نواس؛ فاسترحمت المهدي واستجارت به، وقالت إنه غير عاشق، وإنما يريد الذِّكر والشهرة بتغنيه فيَّ وامتحِنْهُ بمال ذي خطر، فإنه سيلهيه عني ويشغله عن ذكري، فأمر له المهدي بمائة ألف، ولم يسمِّ دراهم ولا دنانير، وأعطاه صكًّا بذلك؛ فكان كلما حاول أن يصرف الصك قدمه له الموظفون بالدواوين دراهم، فكان يأباها. وظل شهرًا مطالبًا بالدنانير، ونسي عتبة وذكرها، فأشرفت عليه يومًا وقالت: "يا صفيق الوجه لو كنت عاشقًا لشغلك العشق عن المفاضلة بين الدراهم والدنانير، وبلغ كلامها المهدي؛ فعلم أنها كانت أعرف بقصة الرجل، فأمسك عن أمره٥. غير أنه ظل يقرِّبه منه، وتبعه الهادي والرشيد يسيران معه نفس السيرة، ويقال إنه

стр. 180

لم يكن يفارق الرشيد في سفر ولا في حضر١. ولا نمضي طويلًا في عصر الرشيد، حتى نرى أبا العتاهية يتنسك ويلبس الصوف والزهد ويترك حضور المنادمة والقول في الغزل، ويُحْضره الرشيد ويأمره أن يعود إلى ما كان عليه، فيمتنع، فيضربه ستين سوطًا ويأمر بحبسه، وينظم أشعارًا كثيرة يستعطفه، وتُنْقَل إلى الرشيد، وكان مما نظمه قوله٢: أما واللهِ أنَّ الظُّلمَ لومٌ ... وما زالَ المسيءُ هو الظَّلومُ إلى ديانِ يومِ الدِّينِ نمضي ... وعند اللهِ تجتمعُ الخصومُ فعطف عليه الرشيد وأطلق سراحه، وتصادف أن انقبض عن الدنيا وغشيته سحابة من الحزن بعد فتكه بالبرامكة؛ فكان يستريح إلى أشعار أبي العتاهية الجديدة في الزهد، ويفسح له في مجالسه ونزهاته. ولما تحولت مقاليد الأمور إلى المأمون كان يقربه منه ويصله٣، ويستحسن شعره، إلى أن توفي سنة عشر ومائتين وقيل بل سنة إحدى عشرة وقيل بل ثلاث عشرة. وواضح أن انقلابًا حدث في حياة أبي العتاهية؛ فتحول مما كان يأخذ فيه مع شعراء بغداد لعصره من لهوٍ ومجون إلى زهد في الدنيا ومتاعها الزائل، وكاد يقصر شعره على ذلك. ولم يلبث معاصروه أن تساءلوا هل هذا الزهد مردُّهُ إلى تقوى حقيقية، أو مردُّه إلى زندقة ومانوية فهو يستمد فيه من ماني، والزنادقة على شاكلة صالح بن عبد القدوس وأضرابه ممكن كانوا ينزعون في زهدهم منزعًا مانويًّا. وتعرض له حموديه صاحب الزنادقة يريد أن يثبت التهمة عليه؛ فقعد حجَّامًا في الطريق، يحجم الفقراء والمساكين٤ وحامت حوله شبه كثيرة، وقيل: إنه يقنت للقمر ويبتهل له ابتهال المانوية٥، وشنع عليه واعظ كبير من وعاظ بغداد، هو منصور بن عمار؛ فقال إنه زنديق٦ وقال كثيرون: إنه لا يؤمن بالبعث٧. ويقول ابن المعتز في
следующие страницы →