← Адаб

Адаб · id 8666

الفن ومذاهبه في الشعر العربي

شوقي ضيف

Полный текст (574 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وفضلك لا يحدُّ ولا يُجَارى ... ولا تحوي حيازَتَهُ الظنونُ خُلِقتَ بلا مشاكلةٍ لشيء ... فأنت الفوقُ والثَّقلانِ دونُ ويقول في الفضل بين يحيى البرمكي١: أوحده اللهُ فما مثلُه ... لطالبِ ذاك ولا ناشدِ وليس على اللهِ بمستنكرٍ ... أن يجمعَ العالَمَ في واحدِ وبذلك كان من أوائل من أعدوا لاتساع المبالغة في المديح العباسي، ومضى الشعراء من بعده يبالغون حتى رفعوا ممدوحيهم إلى مرتبة الآلهة. وربما كان -مما يتصل بهذا الفن التقليدي- فن المديح عنده، استخدامه للرجز، وخاصة في طردياته، وهو فيها يتفوق تفوقًا منقطع النظير، وقد أشاد بها الجاحظ إشادة رائعة على ما مر في غير هذا الموضع؛ وبينما نراه يعنى بصناعته اللفظية في المديح والرثاء نراه يفرط في السهولة حين يتغزل، وكان ينظم كثيرًافي أوزان المجتث والمقتضب والمتدارك وما يشاكلها من البحور المجزوءة، معبرًا عن أحاسيس الحب، وملائمًا بينها وبين الغناء الذي عاصره، وله شعر في الزهديات ربما نظمه مجاراة لأبي العتاهية وأمثاله ممن كان تروج أشعارهم في العامة، أما الزعم بأنه كفَّ في آخر حياته عن الملاذ فهو زعم باطل٢، إنما تلك كانت لحظات صحو تعتريه من حين إلى حين. ومن بديع ما نظمه في هذه اللحظات قوله٣: يا رب وجهٌ في الترابِ عتيقُ ... ويا رب حسن في الترابِ رفيقُ فقل لقريبِ الدارِ إنك راحلٌ ... إلى منزلٍ نائي المحلِّ سحيقِ وما الناس إلا هالكٌ وابن هالكِ ... وذو نسبٍ في الهالكينَ عريق إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشَّفَتْ ... له عن عدوٍ في ثيابِ صديقِ وواضح مما قدمنا أن صنعة الشعر عند أبي نواس كانت تعتمد اعتمادًا شديدًا على الإطار القديم في المديح والرثاء وما يشبهما؛ بينما كانت تنفك من هذا الإطار

стр. 177

أحيانًا في الغزل والخمريات، وقد تظل له قوة البناء فيهما، وتظل له روعة التصوير ودقة العاطفة، وقد يهبط وخاصة حين يتعابث ويهزل إلى لغة العامة وإلى أسلوب ليس فيه شيء من قوة، كان يعمد فيه إلى اللحن أحيانًا١. ولعل ذلك ما جعل بعض القدماء يقول عنه، وهو قول صحيح: "إنه كان لا يقوم على شعره ويقوله على السكر كثيرًا، فشعره متفاوت؛ لذلك يوجد فيه ما هو في الثريَّا جودة وحسنًا وقوة وما هو في الحضيض ضعفًا وركاكة"٢. على أنه ينبغي أن لا ننسى أن شعرًا كثيرًا منتحلًا أضيف إليه، حتى لنجد موشحة مبثوثة بين أشعاره في ديوانه٣، والمشهور أن الموشحات ظهرت بعده بقرن على الأقل، ولم تظهر في الشرق؛ وإنما ظهرت في الأندلس وظلت هناك طويلًا قبل أن تنتشر في العالم العربي. ولعل في ذلك ما يدل على أن العصور التالية لعصر أبي نواس ظلت تضيف إليه كثيرًا من الأشعار، ولم تتورع أن تضيف إليه بعض الموشحات، وكان أهم باب نفذوا منه إلى ذلك باب المجون والأدب المكشوف.

стр. 178

٧- صَنْعَةُ أبي العَتاهِيَةِ: هو إسماعيل بن القاسم، كان أبه من موالي بني عنزة، وكانت أمه بنت زياد المحاربي أحد موالي بني زهرة، وقد وُلد لهما سنة ١٣٠ للهجرة في قرية عين التمر بالقرب من الأنبار غربي الكوفة، ويظن أن القاسم كان نبطيًّا، وقد كان يحترف الحجامة، وانتقل -على ما يظهر- بأسرته إلى الكوفة فنشأ بها أبو العتاهية. ولما ترعرع احترف مع أخيه زيد بيع الخزف، ولم تلبث مواهبه الشعرية أن استيقظت في نفسه؛ فكان ينشد من يشترون منه

стр. 179

الجرار شعره؛ فيعجبون به وينقشونه على جرارهم١. ولم يطل به الأمر حتى انصرف عن بيع الخزف، ولزم المخنثين من شباب الكوفة، ولبس ملابسهم٢ وانتظم في سلك الْمُجَّان من أمثال مطيع بن إياس. وتعرَّف في أثناء ذلك على إبراهيم الموصلي مغني المهدي والرشيد فيما بعد، واتفقا على الرحيل إلى بغداد؛ غير أن الأبواب فيها لم تفتح له؛ فعاد أدراجه إلى الحيرة٣، وتعلق فيها بجارية لبني معن بن زائدة كانت نائحة ولها حسنٌ وجمال، ولكن مواليها حالوا بينها وبينه٤. وأخذ شعره فيها يذيع، فاستدعاه الموصلي ووصله بالمهدي فمدحه ونال جوائزه السنية. حدث أن رأى جارية من جواري القصر هي عُتبَة، وكانت من جواري رائطة بنت السفَّاح زوج المهدي، فوقعت في قلبه وأخذ يتغزل فيها غزلًا كثيرًا، وبلغ المهدي ذلك فغضب لتعرضه لحرمه وأمر بحبسه، وشفع فيه خاله يزيد بن منصور حتى خلصه؛ فعاد إلى مثل حاله معها، فتدخلت رائطة، وأثارت حفيظة المهدي عليه؛ فأحضره وضربه بالسياط في الدواوين بين يديه؛ غير أنه عاد فرقَّ له، ووعده أن يستوهبها من مولاتها ويدفعها إليه. وعلمت بذلك عتبة، وكانت تزدريه على نحو ما كانت تزدري جنان أبي نواس؛ فاسترحمت المهدي واستجارت به، وقالت إنه غير عاشق، وإنما يريد الذِّكر والشهرة بتغنيه فيَّ وامتحِنْهُ بمال ذي خطر، فإنه سيلهيه عني ويشغله عن ذكري، فأمر له المهدي بمائة ألف، ولم يسمِّ دراهم ولا دنانير، وأعطاه صكًّا بذلك؛ فكان كلما حاول أن يصرف الصك قدمه له الموظفون بالدواوين دراهم، فكان يأباها. وظل شهرًا مطالبًا بالدنانير، ونسي عتبة وذكرها، فأشرفت عليه يومًا وقالت: "يا صفيق الوجه لو كنت عاشقًا لشغلك العشق عن المفاضلة بين الدراهم والدنانير، وبلغ كلامها المهدي؛ فعلم أنها كانت أعرف بقصة الرجل، فأمسك عن أمره٥. غير أنه ظل يقرِّبه منه، وتبعه الهادي والرشيد يسيران معه نفس السيرة، ويقال إنه

стр. 180

لم يكن يفارق الرشيد في سفر ولا في حضر١. ولا نمضي طويلًا في عصر الرشيد، حتى نرى أبا العتاهية يتنسك ويلبس الصوف والزهد ويترك حضور المنادمة والقول في الغزل، ويُحْضره الرشيد ويأمره أن يعود إلى ما كان عليه، فيمتنع، فيضربه ستين سوطًا ويأمر بحبسه، وينظم أشعارًا كثيرة يستعطفه، وتُنْقَل إلى الرشيد، وكان مما نظمه قوله٢: أما واللهِ أنَّ الظُّلمَ لومٌ ... وما زالَ المسيءُ هو الظَّلومُ إلى ديانِ يومِ الدِّينِ نمضي ... وعند اللهِ تجتمعُ الخصومُ فعطف عليه الرشيد وأطلق سراحه، وتصادف أن انقبض عن الدنيا وغشيته سحابة من الحزن بعد فتكه بالبرامكة؛ فكان يستريح إلى أشعار أبي العتاهية الجديدة في الزهد، ويفسح له في مجالسه ونزهاته. ولما تحولت مقاليد الأمور إلى المأمون كان يقربه منه ويصله٣، ويستحسن شعره، إلى أن توفي سنة عشر ومائتين وقيل بل سنة إحدى عشرة وقيل بل ثلاث عشرة. وواضح أن انقلابًا حدث في حياة أبي العتاهية؛ فتحول مما كان يأخذ فيه مع شعراء بغداد لعصره من لهوٍ ومجون إلى زهد في الدنيا ومتاعها الزائل، وكاد يقصر شعره على ذلك. ولم يلبث معاصروه أن تساءلوا هل هذا الزهد مردُّهُ إلى تقوى حقيقية، أو مردُّه إلى زندقة ومانوية فهو يستمد فيه من ماني، والزنادقة على شاكلة صالح بن عبد القدوس وأضرابه ممكن كانوا ينزعون في زهدهم منزعًا مانويًّا. وتعرض له حموديه صاحب الزنادقة يريد أن يثبت التهمة عليه؛ فقعد حجَّامًا في الطريق، يحجم الفقراء والمساكين٤ وحامت حوله شبه كثيرة، وقيل: إنه يقنت للقمر ويبتهل له ابتهال المانوية٥، وشنع عليه واعظ كبير من وعاظ بغداد، هو منصور بن عمار؛ فقال إنه زنديق٦ وقال كثيرون: إنه لا يؤمن بالبعث٧. ويقول ابن المعتز في

стр. 181

ترجمته: "إنه يرمى بالزندقة مع كثرة أشعاره في الزهد والمواعظ، وذكر الموت والحشر والنار والجنة١، والذي يصح لي أنه كان ثنويًّا"، ويقول في ترجمته ابنه العتاهية: "كان أبوه خبيث الدين، يذهب مذهب الثَّنويَّة؛ إلا أنه كان ناسك الظاهر"٢. وفي الأغاني أنه كان ينظم شعرًا يدل على توحيده لنفي تهمة الزندقة عنه، من مثل قوله٣: ألا إننا كلنا بائدُ ... وأي بني آدمَ خالد وبدؤهم كان من ربهم ... وكلٌّ إلى ربِّه عائدُ فيا عجبًا كيف يعصى الإلـ ... ـه أم كيف يَجْحَدُهُ الجاحدُ وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنَّه واحدُ ولو أننا وصلتنا أشعاره كاملة لأمكن الحكم عليه حكمًا دقيقًا؛ غير أن ما طبع من شعره ونشر باسم "الأنوار الزاهية في ديون أبي العتاهية" إنما هو اختيارات فقيه أندلسي، اختارها بذوقه الديني السليم، ولعل ذلك ما يجعلها تتضارب مع ما يقال عن الشاعر من أن شعره إنما هو في ذكر الموت والفناء دون ذكر النشور والمعاد٤، فالمعاد والنشور مبثوثان في اختيارات الفقيه؛ بحيث يمكن أن يقال إن هذه التهمة غير صحيحة. وإن كنا في الوقت نفسه نشك في أن تكون صورة هذه المختارات ضابطة لحقيقة زهدياته؛ فقد يكون الفقيه اختار من ديوانه تلك الأشعار التي كان ينظمها تغطية وتعمية لحقيقة أمره. ولا يشك من يقرؤها في أن فكرة الموت ومصير الإنسان في حياته كانت هي شغله الأول؛ فقد دار عليها أكثر تلك الزهديات، وفي الأغاني نص مهم عن أحمد بن حرب، يقول فيه: "كان مذهب أبي العتاهية القول بالتوحيد وأن الله خلق جوهرين متضادين لا من شيء، ثم إنه بنى العالم هذه البنية منهما، وكان يزعم أن الله سيرد كل شيء إلى الجوهرين المتضادين قبل أن تفنى الأعيان جميعًا، وكان مجبرًا "٥. وكأنه حاول بذلك أن يوفق بين نظرية الإسلام والتوحيد ونظرية المانوية في أن

стр. 182

هناك إلهين: إلَهًا للنور والخير وإلَهًا للظُّلمة والشر، وللخير أجناسه وللشر أجناسه، وقد بنى منهما العالم. ونجد في شعره القليل الذي وصلنا ما يؤكد أنه كان حقًّا يرى هذه النظرية، ويعتقدها من مثل قوله١: الخيرُ والشرُ هما أزواجُ ... لذا نتاجٌ ولذا نتاجُ لكلِّ إنسانٍ طبيعتانِ ... خيرٍ وشرٍّ وهما ضدانِ والخيرُ والشرُ إذا ما عُدَّا ... بينهما بونٌ بعيدٌ جدّا فهو في زهده كان يتصل بالمانوية كما شهد معاصروه وكما تشهد أشعاره، وقد مر بنا أن مثال الزاهد عنده هو نفس مثاله عند الهنود، وهو بوذا الذي فرَّ عن ملكه وساح مسكينًا يفكر في ملكوت السماوات والأرض. فزهد أبي العتاهية لم يكن زهدًا إسلاميًّا خالصًا؛ بل كانت تشوبُه عناصر أجنبية. وإذا رجعنا إلى شعره الذي روته المنتخبات المنشورة له باسم "الأنوار الزاهية في ديوان أبي العتاهية" وما روته له كتب الأدب من مثل الأغاني وجدنا أشعاره تمثل حياته وما حدث بها من انقلاب؛ إذ يتراءى لنا في مرحلتين واضحتين تمام الوضوح: مرحلة أولي نراه فيه على شاكلة الشعراء المعاصرين له الذين يُجْرُون شعرهم في تصوير اللهو والمجون ومجالس الأنس والطَّرب. ولا نجد في أخباره أنه تبدَّى أو دخل في البادية، كما صنع بشار وأبو نواس ولا أنه لزم كبار اللُّغويين أمثال خلف الأحمر، وكأنه استقى شعره من القطع العباسية الجديدة التي كان يغني فيها المغنون، ولم يحاول التزود تزودًا واسعًا بالتراث القديم؛ ولذلك قلما نجد عنده ضخامة البناء وما يُطْوى فيها من أسلوب جزل رصين، وهو من هذه الناحية يقترب اقترابًا شديدًا من اللغة اليومية التي عاصرها، حتى في مديحه وشعره الرسمي الذي كان يَلْقَى به الخلفاء، وخير ما يمثله قصيدته اللَّامية في المهدي، وهي التي يستهلها بقوله٢: ألا ما لسيِّدتي ما لها ... أدلًا فأحمل إدلالها

стр. 183

وإلا ففيم تجنَّت وما ... جنيت سقى الله أطلالها ويستمر في هذا الأسلوب السهل العذب حتى ينتقل إلى المديح فيقول: أتته الخلافةُ منقادةً ... إليه تجرر أذيالها ولم تك تصلح إلا له ... ولم يكن يصلح إلا لها ولو رامها أحدٌ غيرُهُ ... لزلزلت الأرضُ زلزالها ولو لم تطعه بناتُ القلوبِ ... لما قبل اللهُ أعمالَها وإن الخليفةَ من بغض لا ... إليه ليُبْغِضُ من قالها وواضح أنه يختار لمديحه أسلوبًا خفيفًا قريبًا إلى النفوس، وهو في ذلك يخطو بعد بشار خطوة؛ فقد كان بشار يحافظ في مدائحه على الأسلوب الجزل القويّ، وكذلك كان يصنع أبو نواس غالبًا، أما أبو العتاهية فالتزم هذا الأسلوب اليسير لا في غزلياته، كما كان أبو نواس بل أيضًا في مدائحه، وهي سهولة تقترن بموسيقى صافية حلوة يبدو الشعر فيها كأنه أنغام خالصة. وتبلغ هذه السهولة الغاية في غزله؛ حتى ليقول ابن المعتز: "إن غزله لين جدًّا مُشَاكل لكلام النساء" وكأن ملازمته للمخنثين في مطلع حياته وتعرفه على لغتهم هما اللذان أتاحا له هذه السهولة المفرطة التي تلقانا في مثل قوله١: كأنها من حسنها درةٌ ... أخرجها اليمُّ إلى الساحلِ كأن في فيها وفي طرفها ... سواحرَ أقبلن من بابلِ لم يبقِ مني حبُّها ما خلا ... حشاشة في بدنِ ناحلِ يا من رأى قبلي قتيلًا بكى ... من شدة الوجد على القاتل والرقة واضحة في هذه الأبيات، وهي تقع من القلوب موقع الزُّلال البارد من الظمآن، وكأنها الماء السلسبيل وانتقل أبو العتاهية بهذا الأسلوب السهل الممعن في سهولته إلى الدور الثاني من حياته دور الزهد والدعوة إلى الانصراف عن الدنيا ومتاعها، والتفكير

стр. 184

في الموت وظلمة القبر ووحشته، ويسود زهدياته في أثناء ذلك تشاؤم أسود حزين؛ فالحياة ليس فيها إلا الألم وإلا الموت وغصصه، وأولى بالإنسان فيها أن لا يفرح بمتعها، بل أولى به أن يبكي على نفسه، يقول١: لدواعي الخيرِ والشـ ... ـرِ دنوٌ ونزوحُ سيصيرُ المرءُ يومًا ... جسدًا ما فيه روحُ بين عيني كلِّ حي ... عَلَمُ الموتِ يلوحُ كلُّنا في غفلةٍ والْـ ... موتُ يغدو ويروحُ نُحْ على نفسِكَ يا مسكين ... إن كنت تنوحُ لتموتنَّ وإن عُمِّـ ... رَت ما عُمِّرَ نوحُ ويقال: إن الملاحين غنَّوا الرشيد هذه المقطوعة في إحدى نزهاته بدجلة؛ فلما سمعها جعل يبكي وينتحب٢. وفي هذا الخبر ما يدل على قرب شعره من روح الشعب؛ إذ لم يكن المغنون وحدهم الذين يغنون به، بل كان أفراد الشعب من ملاحين وغيرهم يتغنون فيه، مما يدل على أنه كان له صدى عميق في نفوس الطبقة العامة التي لم تكن تعرف الترف ولا حياة الدعة واللهو تلك التي عاشها الأمراء العباسيون والأشراف الذين نعموا بملذات الحياة، كما عاشها الشعراء الماجنون في نوادي بغداد. ولم يكن هذا الشعر الزاهد قريبًا منها في معانيه فحسب؛ بل كان قريبًا منها في ألفاظه، بل لعلنا لا نبعد إذا قلنا إنه كان من نفس ألفاظها اليومية ويتحول كثير منه إلى ما يشبه وعظ الوعاظ ممن كانوا يعظون الناس في المسجد الجامع، فيضعون الموت تحت أعينهم للعبرة والعظة٣، ولعل ذلك ما يجعل الاستفهام والأمر والتعجب يشيع في تلك الزهديات. على أن مسحة مهمة تعلوها هي مسحة الكآبة والبرم بالحياة، وهي ليست مسحة إسلامية؛ فالإسلام لا يشوِّه الحياة ولا يبغضها إلى الناس، بل يدعوهم إلى العمل الصالح، أما

стр. 185

أبو العتاهية فيصورها في سواد خانق، وهو سود جاءه فيما نظن من قراءاته في المانوية واختلاطه بأصحابها، إن لم يكن من اعتناقه لها؛ ولكن على أساس فلسفته التي قدمناها من التوفيق بينها وبين الإسلام؛ بحيث آمن بربه وأقرَّ بالثواب والعقاب في الدار الآخرة، كما يشهد بذلك كثير من أشعاره. ومما لا ريب فيه أنه كان يكثر من قراءة المترجمات، وخاصة في باب الحكم والموت، فقد قالوا: "إنه نظم في بعض مراثيه قول بعض الفلاسفة لما حضروا موت الإسكندر: الإسكندر كان أمس أنطق منه اليوم وهو اليوم أوعظ منه أمس"؛ فقال في رثاء على بن ثابت: وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيَّا١ ومرت بنا مرثية أخرى له في علي، وقد جعله تصويره لآلام الحياة والموت يجيد في هذا الموضوع، وكان كثيرًا ما ينقل حكم الأوائل من فرس وغير فرس إلى شعره، ولعل ذلك ما أتاح له أن ينظم مزدوجته "ذات الأمثال" التي امتدت إلى أربعة آلاف بيت، ويقول الجاحظ تعليقًا على قوله: "أسرع في نقص أمرئ تمامه"، ذهب إلى كلام الأول: "كل ما أقام شخص، وكلما ازداد نقص، ولو كان الناس يميتهم الداء، إذن لأعاشهم الدواء"٢. وأظن أن فيما أسلفنا ما يدل في وضوح على صنعة أبي العتاهية، وهي صنعة كانت تقوم على السهولة المفرطة في اختيار الألفاظ والعبارات؛ حتى لتقترب من لغة الناس اليومية، بل حتى ليصيبها أحيانًا ضرب من الابتذال، ومن أجل ذلك كان الأصمعي يقول: "شعر أبي العتاهية كساحة الملوك يقع فيها الجوهر والذهب والتراب والخزف والنوى"٣، ويقول أبو الفرج: إنه كثير الساقط المرذول٤ على أننا نلاحظ أنه لم يدخل في شعره ألفاظًا أعجمية؛ إنما هو القرب فقط من كلام العامة، وكان يتخذ ذلك مذهبًا في صنعة شعره، حتى يكون أكثر تداولًا

стр. 186

ومع ذلك لم يخرج عن الفصحى، وظلت عنايته بالمعاني تحول بين شعره وبين السقوط. والذي لا شك فيه أنه بسَّط لغة الشعر لا في مجال اللهو والغزل والخمر كما صنع بشار أحيانًا وأبو نواس غالبًا؛ بل أيضًا في مجال الزهد والمديح، فحتى المديح لم يقف عائقًا في سبيل هذا الأسلوب المبسط السهل، إذا انفك عن كثير من تقاليده القديمة من حيث مقدماته في وصف الصحراء والرحلة على النوق، وكذلك من حيث لغته الضخمة الجزلة وما كان يشوبها من الغريب عند بشار وأضرابه. وأدته هذه السهولة وما يدمج فيها من تبسيط إلى اختيار الأوزان الخفيفة والمجزوءة يصوغ منها شعره؛ بل لقد اندفع يجدد في الأوزان على نحو ما مر بنا في الفصل السابق مُظْهِرًا براعة فائقة.

стр. 187

٨- ظهورُ مذهبِ التَّصنيعِ: كان ذوق التصنيع أو الزخرف والزينة يعم في كثير من جوانب الحياة العباسية؛ فقد كانت قصور الخلفاء والأمراء وكثير من القواد والوزراء والأشراف تكتظ بالستور والبُسط المعلَّقة على الحوائط والنوافذ متنافسة بألوانها الزاهية وما عليها من التصاوير المذهبة، وكانت الحيطان والسقوف والأبواب تُذَهَّبُ وتفضض، كما كانت الغرف والأبهاء تزدان بالأثاث النفيس والفرش الأنيقة. ويصف أحمد بن حرب المعروف بأبي هفان مجلسًا للأمين؛ فيقول: إنه دعا الشعراء، فدخلوا إليه في إيوان "بَهْو" فائح فاسح يسافر فيه البصر، جعل كالبيضة بياضًا، ثم ذُهِّب بالإبريز المخالف بينه باللازورد ذي أبواب عظام ومصاريع غلاظ تتلألأ فيها مسامير الذهب، قد قمعت رءوسها بالجوهر النفيس، وقد فرش بفُرش كأنها صبغ الدم، منقَّش بتصاوير الذهب وتماثيل العِقْيَان، ونضِّد فيه العنبر والكافور وعجين المسك، والتزايين"١ ويصف آخر دارًا للواثق فيقول:

стр. 188

"إنها كانت مُلْبَسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب، وإنه رآه يجلس على سرير مرصع بالجواهر، وعليه ثياب منسوجة بالذهب، وإلى جانبه فريدة تغنيه وعليها مثل ثيابه"١. وكانت دور كثير من الوزراء لا تقل عن دور الخلفاء أناقة مثل دور البرامكة وبني سهل، وكذلك كانت دور الأمراء والأشراف والموظفين الكبار؛ ممن كانت تغدق عليهم الدولة. وعلي نحو ما تأنقوا في قصورهم وفُرشهم تأنقوا في أطعمتهم؛ فاحتفلوا بموائدهم، ويعرض علينا الجاحظ في كتابه البخلاء أطرافًا من مآكلهم ومشاربهم، كما يعرض علينا ذلك أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الأغاني، وقد عرفوا آنية الصيني المنقوشة، ومر بنا وصف أبي نواس لكأس مذهبة، نقش عليها منظر صيد لكسرى وفوارسه. ولم يكن تأنقهم في ثيابهم أقل من تأنقهم في طعامهم وشرابهم، وكان لكل طائفة زيّ. فللقضاة زيّ ولأصحابهم زيّ وللشُّرط زي وللكتَّاب زيّ٢. وبالغ النساء في أزيائهن وفي زينتهن وخاصة الجواري من فارسيات وروميات؛ فكن يصبغن شفاههن وخدودهن، ويُسْدِلن شعورهن على وجوههن بصور مختلفة، تثير الإغراء والفتنة. ولم يكن الشعراء يعيشون بعيدًا عن هذا الجو من التصنيع والزخرف والزينة؛ فقد كانوا ينادمون الخلفاء والوزراء وكبار رجال الدولة ويختلطون بالجواري والإماء، وانصبَّ في حجورهم كثير من الأموال التي جعلتهم يعيشون في ترف ونعيم بالغ، بل يحققون كل ما يريدون من تصنيع وتنميق في حياتهم. وفي أخبارهم ما يدل على الأموال الطائلة التي كانوا يحصلون عليها، يقول ابن رشيق: "وأما المجددون في التكسب بالشعر والحظوة عند الملوك؛ فمنهم: سلم الخاسر، مات عن مائة ألف دينار ولم يترك وارثًا، وقال فيه أبو العتاهية: تعال له يا سلم بن عمرو ... أذلَّ الحِرْصُ أعناقَ الرِّجالِ وكان صديقه جدًّا؛ فقال سلم: ويلي جمع القناطير من الذهب ونسبني إلى ما ترون من الحرص. ومروان بن أبي حفصة أعطى مائة ألف دينار غير

стр. 189

مرة. وكان أبو نواس محظوظًا لا يدري ما وصل إليه؛ لكنه كان متلافًا سمحًا، وكان يتساجل في الإنفاق هو وعباس بن الأحنف وصريع الغواني "مسلم بن الوليد"، وكان البحتري مليئًا قد فاض كسبه، وكان يركب في موكب من عبيده"١ وعلى هذه الشاكلة توفرت الأموال لدى الشعراء، وعاشوا في عالم مترف زاخر بالحلى والزينة، يقول الجاحظ: "وكانت الشعراء تلبس الوَشْي والمقطَّعات والأَرْدية السود وكل ثوب مشهَّر"، ويقول: إنهم كانوا يتندرون على من يتزيَّا بزي الماضين٢، ويقول صاحب الأغاني عن سلم الخاسر: كان يأتي باب المهدي على البرذون "الفرس المطهم" قيمته عشرة آلاف درهم، والسرج واللجام المقذوذين "المزينين" ولباسه الخزُّ والوشي وما أشبه ذلك من الثياب الغالية الأثمان ورائحة المسك والطيب والغالية تفوح منه"٣. وكان غير سلم يصنع تصنيعه في حياته وثيابه وطيبه. وأخذ هذا التصنيع والتنميق يتسرب من حياة الشعراء العامة إلى حياتهم الفنية الخاصة، وهي حال طبيعية توجد دائمًا في الصنائع حين يعمُّ الترف؛ فإذا هي تتحول إلى زخارف دقيقة. وليس الشعر وحده الذي أخذ يسود فيه هذا التصنيع فقد كان يشيع في فن العمارة وبناء المساجد والقصور، كما كان يشيع في التصوير الذي كان يستخدم زينة وزخرفًا للكتب والقصص؛ فلا عجب أن ينتقل إلى الشعر والشعراء، وأن ينمو مع الزمن حتى تصبح القصيدة كأنها واجهة لمسجد مزخرف بديع، قد تألَّق في وشي مرصَّع كثير. ولعل أقدم النصوص التي تشير إلى نشأة مذهب التصنيع وأول من اعتنقوه ما نجده عند الجاحظ إذا يقول: "ومن الخطباء الشعراء ممن كان يجمع الخطابة والشعر الجيد والرسائل الفاخرة مع البيان الحسن كلثوم بن عمرو العتَّابي وكنيته أبو عمرو، وعلى ألفاظه وحذوه ومثاله في البديع يقول جميع من يتكلف مثل

стр. 190

ذلك من شعراء الْمُوَلَّدين كنحو منصور النَّمري ومسلم بن الوليد الأنصاري وأشباههما، وكان العتَّابي يحتذي حذو بشار في البديع، ولم يكن في المولدين أصوب بديعًا من بشار وابن هَرْمة"١. وتختلط في هذا النص أسماء عربية هي العتابي والنمري وابن هرمة بأسماء فارسية هي بشار ومسلم بن الوليد، ما يجعلنا نتردد في قبول الرأي القائل بأن البديع، أو كما اقترحنا له اسم "التصنيع" نشأ في الأدب العربي من طريق الفرس الذين يعرفون بميلهم إلى التعبير باللون٢. كل ما يمكن أن يقال: إنهم أعانوا في هذا المذهب؛ ولكنهم لم يخترعوه ولم يبتكروه من تلقاء أنفسهم؛ إنما هو مذهب عباسي تعاونت فيه طوائف الشعراء من العرب مع طوائف الشعراء من الفرس. على أن العباسيين كانوا يردونه إلى أصول عربية خالصة؛ فالجاحظ يقرر في بيانه أن "البديع أمر خاص بالعرب مقصور عليهم، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة وأربت على كل لسان"٣ ويقول ابن المعتز في مقدمة كتابه البديع: "قد قدمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة وأحاديث رسول الله ﷺ وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم وأشعار المتقدمين من الكلام الذي سماه المحدثون البديع ليعلم أن بشارًا ومسلمًا وأبا نواس من تقيَّلهم "أشبههم" وسلك سبيلهم لم يسبقوا إلى هذا الفن؛ ولكنه كثر في أشعارهم، فعرف في زمانهم حتى سُمِّي بهذا الاسم فأعرب عنه ودلَّ عليه. ثم إن حبيب بن أوس الطائي -أبا تمام- من بعدهم شُغِفَ به حتى غلب عليه وفرَّع فيه وأكثر منه؛ وإنما كان يقول الشاعر من هذا الفن البيتَ والبيتين في القصيدة، وربما قُرئت من شعر أحدهم قصائدُ من غير أن يوجد فيها بيت بديع، وكان يستحسن ذلك منهم إذا أتى نادرًا ويزداد حظوة بين الكلام المرسل، وقد كان بعض العلماء يشبه الطائي في البديع بصالح بن عبد القدوس في الأمثال، ويقول: "لو أن صالِحًا نثر أمثاله في شعره وجعل بينها فصولًا من كلام لسبق أهل زمانه وغلب

стр. 191

على مد ميدانه. وهذا أعدل كلام سمعته في هذا المعنى"١. ويمضي ابن المعتز في كتابه؛ فيستشهد لكل لون من ألوان البديع بأمثلة؛ مما جاء عن العرب قبل العصر العباسي وظهوره، ومما جاء في الذكر الحكيم وأحاديث النبي الكريم. فالبديع لم ينشأ لأول مرة في العصر العباسي؛ بل له مقدمات واضحة في الأدب العربي، وقد رأينا أن نسمِّي هذا المذهب الذي كمل نضجه عند العباسيين باسم التصنيع؛ لأن كلمة البديع معناها الطريف ولا تعطي معنى الزخرف والزينة بخلاف كلمة التصنيع التي تدل بمعناها على التأنق والتنميق. وسنرى عندما نتعمق في بحث هذا المذهب أنه لم يقف عند الألوان التي اصطلح عليها أصحاب البديع؛ بل تعدَّاها إلى ألوان أخرى استمدها من الثقافة والفكر العباسي العميق وما وعى من الفلسفة. ونعود إلى مناقشة الجاحظ وابن المعتز في نشأة المذهب، أما الجاحظ فاتسع به وسلك فيه ابن هرمة وبشار والنمري والعتَّابي. وقال في بعض كلامه إن الرعي -معاصر الفرزدق- كثير البديع في شعره٢؛ فهو ليس مذهبًا عباسيًّا إنما هو مذهب قديم. وأكبر الظن أن مرجع ذلك عنده أنه كان يعني بكلم البديع التشبيهات والاستعارات الطريفة. وكان ابن المعتز أكثر دقة منه حين لاحظ أن البديع بمعناه الاصطلاحي المحدث؛ إنما كثر عند بشار ومسلم وأبي نواس، وهو يعود فيذكر أن أبا تمام أول من جعله وكده من صناعة الشعر وعمله. فالأولون لهم الكثرة من ألوان هذا المذهب التي كانت تأتي في ندرة عند القدماء، وأول من جعله مذهبًا أبو تمام. وإذ أخذنا نستعرض آراء النقاد السابقين وجدناهم يلاحظون أن بشارًا زعيمُ المحدثين، يقول صاحب الأغاني عنه: "ومحله في الشعر وتقدمه طبقات المحدثين

стр. 192

فيه بإجماع الرواة ورياسته عليهم من غير اختلاف في ذلك"١، ويسميه الحصري قائد المحدثين٢، ويقول ابن خَلَّاد الشاعر في شطر بيت له: والآخرون يقودهم بشار"٣، وأوضحنا في غير هذا الموضع قيادة بشار ورياسته للمحدثين، ورجعناها إلى تجديدات واسعة في موضوعات الشعر مع موازنة دقيقة بين هذه التجديدات والعناصر التقليدية الموروثة، وكان أول من ثَبَّت أسلوب المولدين العباسيين الذي يعتمد على استنباط المعاني الدقيقة، مستمدًّا من الثقافة الحديثة، كما يعتمد على تبسيط الأسلوب ومرونته وسهولته، وخاصة في شعر اللهو والغزل. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إن بشارًا لم يفرغ للتصنيع في فنه والتنميق في شعره، وإن كنا نلاحظ عنده خيوطًا منه بحكم ذوقه العباسي الذي كان يعنى بالتأنق. ومعنى هذا أن من يريدون أن يجدوا عنده أمثلة للجناس والطباق وما إليهما من ألوان البديع لا يعدمون ذلك بل يلقونه كثيرًا؛ غير أنه لم يكن يرى أن يكون الشعر حُلى بديعية، ومن أجل ذلك سلكناه في جماعة الصانعين الذين لا يبعدون في التكلُّف للبديع وزخارفه. وكان كثيرًا ما يترك نفسه على سجيتها، ولذلك لاحظ القدماء أن له شعرًا غثًّا٤ وأنه يأتي بالهجين المتفاوت٥، وأنه كثير التخليط في شعره، وأشعاره مختلفة لا يشبه بعضها بعضًا٦. وإن كنا لا نغلو غلوهم؛ إذ لا شك أنه أكبر شاعر نلقاه في مفتتح هذا العصر، وقد جدد كثيرًا في فنون الشعر ومعانيه وأساليبه. ومَثَلُ أبي نواس مِثْلُ بشار نجد عنده ضروبًا مختلفة من التجديد، وقد استطاع أن يصل بفن الخمرية إلى الذُّروة، ومرَّن كثيرًا في أسلوب المولَّدين الجديد وخاصة في باب الغزل والخمر والمجون، وجاء بكثير من المعاني والصور الطريفة، وعنى بزخرف البديع في بعض شعره، ولكنه لم يتخذه مذهبًا يطبقه.

стр. 193

على أبياته بيتًا بيتًا؛ إذ كان كثيرًا ما ينظم الشعر عفو الخاطر؛ ولذلك تفاوت شعره قوة وضعفًا ونفاسة وغثاثة، وهو بذلك كله كصاحبه بشار من ذوق الصانعين الذين لا يجهدون أنفسهم في صنع الشعر وتحقيق كل ما يمكن من زخارف البديع. ونحن بذلك نتفق مع ابن المعتز في أن أبا نواس وبشارًا جميعًا لم يتخذا التصنيع والبديع مذهبًا، ونطلق هذا الحكم معه على شعراء القرن الثاني من أمثال النميري والعتابي؛ فالبديع أو التصنيع عندهم جميعًا لم يكن مذهبًا يعيشون فيه؛ غير أننا نستثني مسلم بن الوليد، مخالفين في ذلك ابن المعتز حين نظمه مع بشار وأبي نواس؛ فهو أول من عاش لهذا المذهب ينمِّيه، وتناوله منه أبو تمام فبلغ به الغاية، ولسنا أول من يقول ذلك فقد سبقنا كثير من النقاد القدماء إليه، يقول ابن قتيبة: "هو أول من ألطف في المعاني ورقق في القول وعليه يعوِّل الطائي في ذلك"١، ويقول أبو الفرج الأصبهاني: "وهو فيما زعموا أول من قال الشعر المعروف بالبديع، وهو لقَّب هذا الجنس البديع واللطيف، وتبعه فيه جماعة، أشهرهم فيه أبو تمام الطائي"، وينقل عن القاسم بن مهرويه قوله: أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد جاء بهذا الذي سمَّاه الناس بالبديع٢، ويقول ابن رشيق: "هو أول من تكلف البديع من المولدين وأخذ نفسه بالصنعة -البديع- وأكثر منها، ولم يكن في الأشعار المحدثة قبل صريع الغواني إلا النُّبَذ اليسيرة"٣. ويردِّد صاحب معاهد التنصيص ما قاله أبو الفرج فيقول: "هو فيما زعموا أول من قال الشعر المعروف بالبديع، وهو لقَّب هذا الجنس بالبديع واللطيف، وتبعه فيه جماعة، أشهرهم أبو تمام الطائي"٤. فمسلم هو صاحب هذا المذهب الجديد من التصنيع وهو الذي اقترح له اسمه البديع؛ على أن اعتناقه له لا يعني أنه قضى على المذهب القديم مذهب

стр. 194

الصنعة؛ فقد مضى الشعراء في القرن الثالث يقفون في صفين متقابلين، منهم من يفهم الشعر على أنه تصنيع وزخرف وتنميق مثل أبي تمام وابن المعتز، ومنهم من لا يبعد في فهمه كل هذا البعد، مثل البحتري وابن الرومي، وإن كنا نلاحظ عندهما وعند أمثالهما من أصحاب مذهب الصنعة في القرن الثالث أنهم كانوا يستخدمون زخارف التصنيع في صورة أقوى وأوضح منها عند أسلافهم في القرن الثاني، ومِن ثَمَّ أخذ مذهبهم في التعقد. ولعل في ذلك ما جعلنا نؤمن بأن إيجاد الحواجز والفوارق المطلقة بين المذاهب الفنية أمر عسير؛ إذ ما تزال تتداخل وتتشابك على هيئات مختلفة، وهذا شيء طبيعي فإن الشعراء حينئذ كانوا يلتقون كثيرًا في مجالس الخلفاء والوزراء والنوادي الأدبية العامة، وكانوا دائمًا يعلقون على ما يسمعون من شعر باستحساناتهم، وبذلك تبادلوا التأثر بعضهم ببعض، ونسوق لذلك مثلًا: نادي القراطيسي الذي مرت الإشارة إليه وكان مألفًا للشعراء؛ فكان أبو نواس وأبو العتاهية ومسلم وطبقتهم يقصدون منزله، ويجتمعون عنده ويقصفون ويدعو لهم القيان وغيرهن من الغلمان"١ ولا تخلو ترجمة شاعر عباسي في الأغاني من وصف هذه الاجتماعات وما كان يحدث فيها بين الشعراء ومن مطارحات ونوادر أدبية، وكل منهم يسأل صاحبه عن أجود شعره. وعلى شاكلة اجتماع مسلم بأبي نواس وأبي العتاهية ظل أصحاب التصنيع والصنعة يجتمعون في بغداد، وهيأ هذا الاجتماع لشيء من التداخل بين المذهبين العامين في حرفة الشعر حينئذ، وأصبحنا نجد عند الصانعين محسنات المصنِّعين وزخارفهم؛ ولكنهم لا يستخدمونها مذهبًا، بل تسقط في نماذجهم وقصائدهم من حين إلى حين. وهذا هو فرق ما بين العملين والمذهبين، يوجد اختلاط؛ ولكن لا يوجد اتحاد، ويوجد عند الصانعين حليات التصنيع من حين إلى حين ولكن لا يوجد استمرار التطبيق.

стр. 195

٩- التَّصنيعُ في شعرِ مسلمٍ ونماذجُه: ولد مسلم بن الوليد في الكوفة حوالي سنة ١٤٠ للهجرة، وكان أبوه من موالي الأنصار؛ إذ كان مولى لأسعد بن زُرَارَة الخزرجي١، وأغلب الظن أنه كان فارسيًّا، ويقال إنه كان حائكًا، وعني على ما يظهر بتربية أبنائه وتوجيههم إلى حلقات الدرس والأدب في بلدتهم، ونبغ له ابنان هما سليمان ومسلم، ويظهر أن سليمان كان أكبرهما وكان مكفوفًا، ويقال إنه كان يلزم بشار بن برد، ولذلك أتهم بالزندقة٢. ونراه هو وأخاه في بغداد لعهد الرشيد، يطرقان أبواب البرامكة وكبار رجال الدولة وقادتها العظام من مثل يزيد بن مزيد ومحمد بن منصور بن زياد٣؛ فكانوا يبرونهما ويجزلون لهما في العطاء، ولم يعرف مسلم بزندقة كما عرف أخوه؛ وإنما عرف بإقباله على اللهو والطرب؛ فكان يجتمع بأبي نواس وطبقته مثل أبي الشيِّص٤، ويقبل معهم على الخمر والمجون، ويقال إنه كان إذا كسب مالًا جمع أصحابه في بيته يأكل معهم ويشرب؛ حتى إذا لم يبق من كسبه سوى قوت شهر ظهر في الناس. واختياره منزله للهوه وطربه يدل على أنه كان فيه شيء من التوقر، وهو على كل حال لم يهبط إلى عبث أبي نواس والحسين بن الضحاك الخليع وأضرابهما؛ فقد كان يعرف لنفسه حقها من الكرامة، وكان يحتفظ بغير قليل من الوقار. وكان فيه فضل من حياء. ولعل ذلك ما صرفه أول الأمر عن الخلفاء؛ فكان يمدح من دونهم ولا يطمع في مديحهم. وما زال هذا شأنه حتى اشتهر في الأوساط الأدبية ومدح منصور بن يزيد الحميري؛ فوصل بينه وبين هارون الرشيد، وأصبح من شعرائه، ويقال إنه

стр. 196

لما أنشده لاميته المشهورة فيه وبلغ قوله: هل العيش إلا أن تروح مع الصبا ... وتغدو صريعَ الكأسِ والأعين النُّجل قال له: أنت صريع الغواني؛ فسمِّى بذلك حتى صار لا يُعْرف إلا به١. وتدلنا أخباره على أن الرشيد كان يعجب به، وفي رأينا أن مصدر هذا الإعجاب لم يكن مديحه له فحسب؛ فقد وجده يشيد بقائده يزيد بن مزيد الشيباني حين قضى على ثورة الخوارج في عهده وكان ذلك سنة تسع وسبعين ومائة، وبلغ من هذه الإشادة كل مبلغ؛ حتى جعله عز الخلافة. إذا الخلافةُ عدَّت كنتَ أنت لها ... عزًّا وكان بنو العباس حكامًا٢ بل جعله سداد الملك العباسي وصمام أمانه في حروب الخوارج وعلى حافات الثغور، يقول٣: لولا يزيدُ لأضحى الملك مطرحًا ... أو مائل السمك أو مسترخي الطُّول٤ نابُ الإمامِ الذي يفترُّ عنه إذا ... ما افترَّت الحربُ على أنيابها العصل٥ وصادف ذلك هوى في نفس الرشيد؛ لأنه كان قد أخذ يفكر -على ما يظهر- في إعلاء كِفَّة العرب في شئون الحكم ومقاليده، وكان يرى الشعراء مزدحمين على أبواب يحيى البرمكي وولديه الفضل وجعفر وغيرهم من الفرس؛ فكان ذلك يقضَّ مضجعه، ويتساءل بينه وبين نفسه أين العرب؟! وكيف أرفع منهم أمام هؤلاء الذين استبدوا بي وملأ لهم الشعراء طرقات بغداد ثناء؛ فلما نظم مسلم مدائحه في يزيد نفَّس عن نفسه ووجد لها روحًا على قلبه. ويروي الرواة أنه أرسل يومًا إلى يزيد؛ فأتاه لابسًا سلاحه مستعدًّا لأمر إن أراده؛ فلما رآه ضحك وقال له: يا يزيد أخبرني من الذي يقول فيك: تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل لله من هاشم في أرضه جبل ... وأنت وابنك رُكْنَا ذلك الجبل

стр. 197

فقال له: لا أعرفه؛ فعجب الرشيد، وقال له: سوءة لك من سيد قوم يمدح بمثل هذا الشعر ولا يعرف قائله، وقد بلغ أمير المؤمنين؛ فرواه، ووصل قائله، وهو مسلم بن الوليد، وانصرف يزيد فدعا به ووصله١، وتوالت عليه عطاياه، ووالى مسلم مدائحه الرائعة فيه. وجذبه غير واحد من رجالات العرب فكان يقلدهم مدائحه، مثل داود بن زيد المهلبي وزيد بن مسلم الحنفي والحسن بن عمران الطائي ومنصور بن يزيد الحميري وابنه محمد. وظل وفيًّا للبرامكة؛ ولكن يزيد بن مزيد غلب عليهم كما غلب معه هؤلاء العرب الخلص. ونراه يمدح الأمين، حتى إذا تحوَّلت أزمة الخلافة إلى أخيه المأمون لزم الفضل بن سهل وزيره، وكانت قد تقدمت به السن، فعطف عليه الفضل وولاه بريد جرجان وقيل مظالمها، ولم يلبث هناك أن لبَّي نداء ربه سنة ثمانٍ ومائتين. وأكثر شعر مسلم في مديح من سميناهم وله غزليات وخمريات قليلة، وهاجى ابن قنبر الشاعر، ولكن لا على طريقة الهجاء عند حماد عجرد وبشار، ولكن على طريقة الشعراء الأمويين، وما زال به حتى أفحمه وكف عن مناقضته٢. ويقال إنه هجا يزيد بن مزيد، وربما ند ذلك منه حين تأخر عن عطائه، ووصل ذلك إلى مسامع الرشيد؛ فأحضره وهدده وقال له: "لئن بلغني أنك هجوته لأنزعن لسانك من فيك" فانتهى ولم يَعُدْ، ونعِم بعطاياه وعطايا الخليفة معًا، حتى إذا توفي رثاه رثاء حارًا. ومسلم في شعره يعتمد اعتمادًا شديدًا على الإطار التقليدي، وما يرتبط به من جزالة الأسلوب ومتانته ورصانته ونصاعته وقوته، حتى في غزله وخمرياته؛ فإنه لا يهبط أبدا على نحو ما يهبط أبو نواس وأبو العتاهية إلى الأساليب اليومية، وحقًا مر بنا في الفصل السابق أن له قصيدتين من وزن مولد، ولعله جارى فيهما أصحاب مذهب الصنعة وتجديداتهم في البحور الشعرية، وهما على كل حال شذوذ في عمله، أما بعدهما فشعره يغلب أن يكون من الأوزان الطويلة حتى تتلاءم

стр. 198

مع ما يريد من جرس قوي، ومن ضخامة البناء في اللفظ والتعبير. وهو من هذه الناحية يعدُّ في طليعة من دفعوا الشعراء العباسيين إلى التمسك بالأسلوب الجزل المصقول؛ بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنه فعلًا أول من دفع الشعراء في هذا الاتجاه؛ فقد كان الشعر العربي عند أبي نواس وأبي العتاهية على وشك أن يزايل هذا الأسلوب إلى الأسلوب الشعبي اليومي، فأمسك به مسلم دون هذه الغاية وردَّه في قوة إلى جزالته القديمة وجعلها مقومًا أساسيًّا من مقوماته، بل جعلها المقوم الأساسي الأول بين هذه المقومات. وعمَّ هذا الذوق لا عند خلفائه من أصحاب مذهب التصنيع مثل أبي تمام بل أيضًا عند أصحاب مذهب الصنعة وكبارهم خاصة، مثل البحتري. ولا تظن أن هذا الأسلوب الجزل القوي لم يكن يكلف مسلمًا مشقة؛ بل لقد كان يكلفه عناء أي عناء في اصطفاء اللفظ والملاءمة بين اللفظة واللفظة في الجرس، حتى يتم له ما يريد من ضخامة البناء وروعته. وهو بناء يقام على أعمدة هي الأبيات، وكل بيت كسابقه في الضبط والإحكام، وكل قصيدة بل كل مقطوعة كمثيلتها في هذا النمط الذي لا يتفاوت نسيجه، ومن أجل ذلك يختلف اختلافًا بينًا عن أبي نواس وأبي العتاهية، فشعرهما فيه القوي والضعيف، وفيه المتين والمهلهل، لسبب بسيط وهو أنهما من ذوق أصحاب الصنعة، لا يبعدان حين النظم في التكلف، بل كثيرًا ما يقولان الشعر بديهة وارتجالًا في غير تَروٍّ، أما مسلم فصاحب رَويَّة، لا يرتجل ولا يقول الشعر عفوًا؛ فالشعر عنده صناعة مجهدة، لا بد فيها من التريث والتمهل، ولا بد فيها من الصقل والتجويد، ولعل ذلك ما جعل ديوانه صغيرًا بالقياس إلى دواوين معاصريه من أمثال بشار وأبي نواس. وهذا البناء الضخم عنده لا تكفي ضخامته وحدها في رأيه؛ فلا بد أن يضاف إليه الزخرف الجديد الذي كان يأتي على قلة في الشعر القديم، وأكثر منه بشار وخلفاؤه؛ ولكنهم لم يتخذوه مذهبا، أما مسلم فقد رأي أن يطبقه على شعره، واقرأ له القصيدة الأولى في ديوانه وهي في مديح يزيد بن مزيد، فستراه يستهل غزلها على هذا النحو:

стр. 199

أجْرِرْتُ حبلَ خليع في الصبا غزلِ ... وشمرت همم العذال في العذلِ١ هاج البكاءُ على العينِ الطموحِ هوى ... مفرقٌ بين توديعٍ ومُحْتَمَلِ٢ كيف السُّلوُّ لقلب راح مختبلًا ... يهذي بصاحب قلب غير مختبلِ والجهد واضح في الأبيات سواء من حيث اختيار الألفاظ، أو من حيث إضافة زخارف الجناس والطباق؛ فهو يجانس بين العذال والعذل، وهو يطابق بين المختبل وغير المختبل، وفي البيت الثاني طباق دقيق بين الهوى المقسم بين التوديع والاحتمال أو الارتحال، فإن التوديع يتضمن الإقامة القليلة، وهو عكس الارتحال. ونمضي معه إلى المديح فنراه كله على هذا الطراز. يغشى الوغى وشهابُ الموتِ في يديه ... يرمي الفوارسَ والأبطال بالشعل٣ يفترُّ عند افترار الحرب مبتسمًا ... إذا تغيَّر وجه الفارسِ البطلِ موف على مهجٍ، في يوم ذي رَهَجٍ ... كأنه أجلٌ يسعى إلى أملِ٤ ينالُ بالرفق ما يعيا الرجال به ... كالموت مستعجلًا يأتي على مهلِ لا يرحلُ الناسُ إلا نحو حجرتِه ... كالبيتِ يفضي إلى ملتقى السُّبلِ يقْرِي المنيةَ أرواح الكُمَاةِ كما ... يقري الضيوف شحوم الكوم والبزلِ٥ يكسو السيوفَ دماءَ الناكثين به ... ويجعل الهامَ تيجانَ القنا الذُّبُلِ٦ قد عوَّد الطيرَ عادات وثِقْن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحلِ وأنت تراه يعتمد على النحت وقوة البناء، كما يعتمد على الزخرف والتصنيع؛ حتى يصبغ هذا الديباج أو النسيج المتين بالألوان والأطياف. وانظر في البيت الأول فإنك تراه يستعير الشهاب للسيف، ويجعله شهاب الموت، وهو شهاب تسقط منه على الفوارس الأعداء الشعل فتحرقهم حرقًا لا يبقى ولا يذر. وحاول

стр. 200

في البيت الثاني أن يأتي بلون آخر هو لون الجناس؛ فجانس بين يفتر وافترار، وأدخل في ذلك ضربًا من المشاكلة، فيزيد يفتر متبسمًا وتفتر الحرب عن أنيابها القاتلة الغلاظ. ولم يكتف بذلك في البيت؛ فقد أضاف فيه لونًا جديدًا هو لون الطباق؛ فطابق بين تغير الوجه وعبوسه وابتسام يزيد، وكل ذلك ليحقق لنموذجه ما يستطيع من زخارف الفن الجديدة. أما البيت الثالث فكان يعجب به إعجابًا شديدًا؛ لتألق لون الجناس فيه بين مهج ورهج، ثم بين أجل وأمل، ويروى أنه اجتمع بأبي العتاهية فقال له: والله لو كنت أرضى أن أقول مثل قولك: الحمدُ والنعمةُ لك ... والملكُ لا شريكَ لك لَبَّيك إن الملكَ لك لقلت في اليوم عشرة آلاف بيت؛ ولكني أقول: موفٍ على مُهَجٍ في يوم ذي رَهَجٍ ... كأنه أجل يسعى إلى أمل١ فهو يحس إحساسًا دقيقًا بأنه يتناول حرفته بطريقة أخرى ليست هي طريقة الصانعين من أمثال أبي العتاهية؛ وإنما هي طريقة المصنعين التي ابتدأها والتي تجعل الشعر نحتًا وصقلًا وزخرفة وتنميقًا. وننتقل مع مسلم إلى بيته الرابع فنرى فيه طباقًا واضحًا بين الاستعجال والمهل وطباقًا دقيقًا بين النيل أو الأخذ بالرفق والأخذ مع الإعياء. ويصوغ في البيت الخامس صياغة جديدة بيت زهير في مديح هرم بن سنان٢: قد جعل المبتغون الخير في هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا ويستمر فيتحدث عن قِرَى يزيد وضيافته وكرمه، ويجنح إلى المشاكلة؛ فيزيد له ضربان من القرى: ضرب في السلم كقرى الأجواد، وضرب آخر في الحرب؛ إذ يقري الموت أرواح الشجعان. ونراه في البيت السابع يُطْرِف قارئه بصورة بارعة؛ إذ جعل يزيد يكسو السيوف بدماء أعدائه ويتوِّج القنا والرماح برءوسهم. وينتهي مسلم أخيرًا إلى فكرة عربية.

стр. 201

قديمة طالما رددها الشعراء من عهد بشر بن أبي خازم والنابغة، وهي فكرة الطير تتبع الممدوح في حِلِّه وترحاله لما تصيب من جثث أعدائه، ويحور مسلم الفكرة هذا التحوير الطريف؛ إذ يجعل الطير تتعود من صاحبه عادة تثق به فيها، وهي لذلك ما تزال تتبعه وتلاحقه من موضع إلى موضع. ولعلك لاحظت في أثناء قراءة أبياته السالفة دقة تفكيره، وهي دقة كانت تفتح له أبوابًا من المعاني الخفية، التي تروِّع السامع بغرابتها وطرافتها من مثل قوله في الغزل١: إن كنت تسقين غير الراح فاسقيني ... كأسًا ألذُّ بها من فيكِ تشفيني عيناك راحي، وريحاني حديثُك لي ... ولونُ خدَّيك لونُ الورد يكفيني وقوله٢: يا واشيًا حسنت فينا إساءته ... نجي حذارك إنساني من الغرق٣ وقوله في الخمر٤: شققنا لها في الدَّنِّ عينًا فأسبلت ... كألسنةِ الحيَّات خافت من القتلِ٥ وقوله في الساقي٦: يسقيك بالألحاظِ كأسَ صبابةٍ ... ويديرها من كفِّه جِرْيالا٧ وقوله في المديح٨: فإن أَغْش قومًا بعدهم أو أَزُرْهم ... فكالوحشِ يدنيها من الأنس المحلُ٩ ويستمر مسلم في الديوان كله على هذا النمط؛ فزخارف الفكر واللفظ ما تزال تتلاحق وينضم بعضها إلى بعض لتكون هذا الحلي البديع، وهو حلي يتداخل في بناء متماسك، يرفعه مسلم كما يرفع المثَّالون تماثيلهم؛ فكل جانب يفتقر إلى جهود واسعة وإلى مثابرة وصبر، وحقًا هو صاحب هذا المذهب من

стр. 202

التصنيع؛ فقد عاش ينميه، وحقق لنفسه منه نماذج بديعة، جعلت الشعراء من بعده تهوى أفئدتهم إلى محاكاته وتقليده؛ حتى أصحاب مذهب الصنعة أخذوا من بعض الوجوه يحاكونه ويقلدونه؛ لأنه البدع الجديد الذي كان يروع أوساط الأدباء والمثقفين. وليس معنى ذلك أن مذهب الصنعة انتهى وانقضى؛ فقد ظل المذهبان يتقابلان طوال القرن الثالث، ومَثَّل البحتري وابن الرومي مذهب الصنعة؛ غير أنهما عقَّدا فيه وفي أدواته بما استمدا من تلك الزخارف ووشيها الرائع. وأما مذهب التصنيع فمثَّله أبوتمام وابن المعتز، وقد عقَّدا فيه وفي زخارفه تعقيدًا شديدًا، يستوفي كل ما كان يحلم من تأنق وتنميق.

стр. 203

الفصل الرابع: التعقيد في الصنعة البحتري: نشأته وحياته وصنعته ... الفصل الرابع: التعقيدُ في الصَّنعةِ وبديع كأنه الزهر الضا ... حك في رونق الربيع الجديد ومعانٍ لو فصَّلتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد حزن مستعمل الكلام اختيارًا ... وتجنين ظلمةَ التعقيدِ وركين اللفظِ القريبِ فأدركن ... به غاية المرام البعيد البحتري ١- البحتري نشأته وحياته وصنعته: هو أبو عبادة الوليد بن عبيد، غلب عليه اسم البحتري نسبة إلى عشيرته الطائية بُحْتُر، وقد وُلد بمنبج قريبًا من حلب سنة ٢٠٤ للهجرة، وقيل بل بقرية تجاورها. ولا نعرف شيئًا واضحًا عن نشأته الأولى، وفي أخباره ما يدل على أن ملكته الأدبية تفتحت في سن مبكرة، وحدث أن التقى بأبي تمام في حمص، فأعجب كل منهما بصاحبه، ويقال إن أبا تمام سنَّ له -بوصية- كيف ينظم الشعر وكيف يحسنه١، كما يقال إنه كتب إلى أشراف -معرة النعمان- يوصيهم به فأغدقوا عليه من أموالهم٢. وليس بين أيدينا شعر يصور هذه المرحلة من حياته، فأقدم أشعاره يتصل بالفترة التالية، وهي فترة نجده فيها يمدح أبا سعيد الثغري وغيره من الشخصيات الطائية الممتازة مثل بني حميد. وقدم إلى بغداد لعهد الخليفة الواثق، فامتدح وزيره ابن الزيات، وأخذ يتصل منذ هذا التاريخ بكبار رجال الدولة العباسية.

стр. 204

ولا نكاد نمضي في عصر المتوكل حتى يصبح شاعر البلاط الرسمي، ونراه يكثر من مديحه، ومديح وزيره الفتح بن خاقان، وقد قدم إليه فيما يقال كتابه"الحماسة" الذي صنعه محاكاة لحماسة أبي تمام. وهو يدل على ثقافته الواسعة بالشعر القديم وأنه كان يضع أبا تمام نصب عينيه؛ فهو يحاكيه حتى في التأليف، أما في الشعر فكان يستظهر قصائده وينقل معانيها إلى أشعاره، ولاحظ القدماء ذلك فوقفوا كثيرًا عند سرقاته منه، وأفردوها بالتأليف. وهو يسجل لنا الأحداث لعهد المتوكل من مثل ثورة أرمينية كما يسجل أعمال هذا الخليفة من مثل تشييده لبعض القصور. وذكر في رثائه أنه حضر مصرعه ومصرع وزِيرِهِ١ الفتح. وفارق بغداد إلى المدائن؛ فوصف إيوان كسرى متحسرا على أيام الفرس، وكأنه يأسى لما صارت إليه الأمور حين أمسك الترك بزمام الحكم. ويظهر أنه ولَّى وجهه نحو موطنه "منبج"؛ غير أنه لم يلبث أن عاد إلى بغداد فمدح المنتصر، وعاد له مركزه في البلاد لعهد خلفائه: المستعين والمعتز والمهتدي والمعتمد. وعلى هذا النحو ظل أكثر من أربعين عامًا الشاعر الرسمي للخلفاء العباسيين يدوِّن أعمالهم وما يشيدونه من قصور، كما يدون حروبهم مع الثائرين عليهم في الداخل من مثل الزنج في ثورتهم المشهورة لعهد الموفق، وكذلك حروبهم في الخارج. وله قصيدة يصور فيها تصويرًا رائعًا أسطول أحمد بن دينار الذي غزا به بلاد الروم٢. وجعلته مكانته في البلاط العباسي يتصل بالوزراء وكبار رجال الدولة ويمدحهم، وديوانه من هذه الناحية سجلٌ حافل بأسمائهم وأسماء كثير من أعيان بغداد وعلمائها من مثل المبرد وابن خرداذبه وعلي بن المنجم. وهذه الصلة المستمرة بالخلفاء والوزراء والموظفين الكبار والأسر الغنية في بغداد ملأت حجره بالأموال حتى يقال إنه كان يمشي في موكب من عبيده، وكانت له ضياع كثيرة، وفي ديوانه شكوى دائمة من عمال الخراج، ونراه يتوسل إليهم كي يخففوا عنه ما يطالبونه به أو يسقطوه إسقاطًا. وكان فيه حرص

стр. 205

شديد، ويؤثر عنه أنه كان يتخذ طريقة غريبة في ابتزاز الأموال من أصدقائه؛ إذ كان له عبد يسمى نسيمًا يبيعه لهم، وسرعان ما ينشئ قصائد يظهر فيها الندم على بيعه؛ فكانوا يردونه إليه١. ولم يكتف بشراء الضياع في العراق؛ فقد كانت له ضياع في بلدته منبج. ونراه يَحِنُّ إليها في أواخر حياته، فيرحل إليها، ويقال بل لقد اضطر إلى هذا الرحيل؛ إذ قال في بعض شعره واصفًا الدنيا: تراها عيانًا وهي صنعةُ واحدٍ ... فتحسبها صنعى حكيم وأخرق فتشنع عليه بعض أعدائه بأنه ثنوي، وكانت العامة غالبة حينئذ على بغداد فخاف على نفسه، وخرج إلى بَلَدِهِ٢؛ غير أن المقام فيها لم يَطُلْ به إذ وافته منيَّتُه سنة ٢٨٤ للهجرة. والبحتري بدون شك من أكبر الشعراء الذين ظهروا في القرن الثالث الهجري وهو يجيد إجادة بديعة في مدائحه واعتذاراته، كما يجيد في غزله، واشتهر بأنه أحب في مطالع حياته امرأة تسمَّى علوة من قرية بجوار حلب تسمى بطياس، وله فيها غزل كثير؛ إذ كان دائم الصبابة بها، وظلت لا تغيب عن ذاكرته مددًا متطاولة، وإن كنا نجد في ديوانه قصيدة يهجوها بها٣؛ غير أن هذا الهجاء كان سحابة عارضة، فقد رجع يتغنى بها طويلًا، وتلك طريقة تكثر عنده؛ فقد هجا غير ممدوح، وهي سُنة معروفة عند بعض الشعراء، يهجون أحيانًا ممدوحيهم ليخيفوهم ويجزلوا لهم في العطاء. ولم يكن بارعًا في الهجاء، فهجاؤه ضعيف، ويقال إنه أمر ابنه أن يحرق أشعاره فيه حين حضرته الوفاة٤، ولم يكن يخشى أحدًا كما كان يخشى كبار الهجائين في عصره من أمثال دعبل وابن الرومي، وكان الأخير خاصة يتعرض له فيلوذ بالصمت، وربما كان أروع موضوع عنده هو الوصف فقد كان يجيد وصف القصور والبرك

стр. 206

والحيوان من أَسَد وغير أسد، وقصيدته في وصف إيوان كسرى من دُرره، وكذلك قصيدته في وصف أسطول ابن دينار. وعلي الرغم من لقائه لأبي تمام وروايته لشعره نجده يقف في الصف المقابل له في صناعة الشعر وفهمه؛ فقد كان يقف في صف الصانعين الذين التقينا بهم في القرن الثاني من أمثال بشار وأبي نواس؛ بينما كان أبو تمام يقف في صف الصانعين من أمثال مسلم بن الوليد، بل لقد بلغ عنده مذهب التصنيع غايته من التنميق العقلي والتأنق اللفظي، وكأن البحتري لم يستطع أن ينهض بما أداه أبو تمام للشعر من تصنيع وزخرف، ولعل ذلك يرجع في بعض أسبابه إلى أنه نشأ نشأة بسيطة في عشيرة بحتر الطائية؛ فلم يتثقف بالثقافات الفلسفية وغير الفلسفية التي عاصرته، وظل ذوقه في جملته لا يأبَه للتنميق المسرف، كما ظل يفهم الشعر على أنه طبع وموهبة، وعبر الآمدي في كتابه الموازنة الذي عقده للمقارنة بينه وبين أبي تمام عن ذلك بقوله: "إنه أعرابي الشعر مطبوع، وعلى مذهب الأوائل وما فارق عمود الشعر المعروف"١ وقال: إنه نشأ في البادية؛ فهو ليس مثل أبي تمام الذي نشأ في دمشق، وعاش في المدن٢. وهي مقارنة طريفة أقامها الناقد بين شاعر بدوي وشاعر حضري لا عهد له بالبادية ولا صلة، وقد مثَّل كل منهما طريقة في صناعة الشعر وحرفته؛ فأما أبو تمام فحضري مثقف ثقافة واسعة، وهو لذلك يأخذ تصنيع مسلم ويعقده تعقيدًا شديدًا، أما البحتري فشاعر بدوي، وهو لذلك لا يستطيع أن ينهض بم ينهض به أبو تمام من التعبير عن الرقي العقلي الذي صادف العقل الحضري وصناعة الشعر الحضرية. ومعنى ذلك أن البحتري اتصل بأبي تمام، وعرف المناهج الجديدة؛ ولكنه لم يستطع أن يجاريه في صناعته؛ فهو أعرابي من أهل البادية، ومثله لا يستطيع أن ينتقل دفعة واحدة من القديم إلى الجديد، فوقف تأثره بأبي تمام عند الجوانب.

стр. 207

الظاهرة، ولم يستطع أن يتغلغل إلى أعماق شعره، ولذلك قالوا: إنه حافظ على الأساليب الموروثة، أو كما قال الآمدي على عمود الشعر العربي؛ فصناعته أقرب ما تكون إلى صناعة البادية، ليس فيها تجديد ولا خروج على التقاليد، ومن أين يجيئه ذلك وهو ليس من أهل المدن ولا من ثقافتهم وعقليتهم؟ من أجل ذلك كله اعتبر النقاد البحتري مصورًا للمذهب القديم؛ ولكن ينبغي أن نحترس من هذا الرأي، فقد تحضر البحتري، وغيَّر كنيته إذ كان يكنى أبا عبادة، ولما دخل العراق تكنى أبا الحسن ليزيل العنجهية والأعرابية، ويساوي في مذاهبه أهل الحاضرة١، وهو كذلك في شعره وصناعته قد حاول أن يغيِّر فيها وأن يبدل، كما غير في كنيته وبدَّل، حتى يساوي في مذاهب صناعته أهل الحاضرة، ولعله من أجل ذلك اتصل بأبي تمام حتى يعرف مذاهب الحاضرة في حرفة الشعر، ويحاكي نماذجها، وإذن فينبغي أن نتلقى كلام الآمدي بشيء من الاحتراس؛ فليس البحتري بدويًّا خالصًا ولا أعرابيًّا خالصًا. هو بدوي أعرابي؛ ولكنه يأخذ بحظ من الحضارة، فقد تحضر وتحضرت صناعته معه، وحاول أن يخرج نماذج تَنْفُق في سوق الحاضرة، وتتصف بصفة الجمال الحضري المعروف لعهدها. وإن من الخطأ أن نقطع بأن البحتري على مذهب الأوائل، ولم يفارق عمود الشعر المعروف، إلا إذا خصصنا هذا الكلام بعض التخصيص؛ فقد كان يحافظ على الأساليب الموروثة، ولكن ليس معنى ذلك أنه يمكن إخراجه من دائرة العباسيين إلى دائرة القدماء، فكلمة الأوائل تحتاج شيئًامن التحقيق، وأكبر الظن أن الآمدي كان مسرفًا فيها بعض الشيء. على أن هناك جماعة من النقاد سلكته في طائفة المصنعين من أمثال مسلم وأبي تمام. يقول ابن رشيق عنه وعن أبي تمام: "وقد كانا يطلبان الصنعة ويولعان بها؛ فأما حبيب فيذهب إلى عزوبة اللفظ وما يملأ الأسماع منه مع التصنيع المحكم طوعًا وكرهًا، يأتي للأشياء من بعد ويطلبها بكلفة ويأخذها بقوة؛ وأما

стр. 208

البحتري؛ فكان أملح صنعة وأحسن مذهبًا في الكلام، ويسلك منه دماثة وسهولة مع إحكام الصنعة وقرب المأخذ، لا يظهر عليه كلفة ولا مشقة"١. ونحن لا نغلو غلو ابن رشيق فنسلكه مع أبي تمام في طائفة واحدة، كما لا نغلو غلو الآمدي فنخرجه من دائرة الشعراء العباسيين إلى دائرة الأوائل فهو بدوي كما لاحظ؛ ولكنه تحضر، وتحضرت معه صناعته، وخلع عليها ألوانًا من الجمال الحضري الذي تلقفه من أبي تمام وغير أبي تمام، وإن لم يستطع أن يجاريه وأن يأتي بنماذج على غرار نماذجه، وهذا نفسه ما يلاحظه ابن رشيق؛ إذ يقول إنه كان يطلب الصنعة ويولع بها، وكلمة الصنعة عنده تعني البديع، وهذا الجمال الحضري الحديث؛ فالبحتري كان يحتفل بهذا البديع أو بهذه الألوان من الجمال الحضري، وهو لذلك ينفصل قليلًا عن منهج الصانعين في القرن الثاني أو هو يعقِّد في هذا المنهج؛ إذ كان يدخل فيه وسائل حديثة من وسائل المصنعين بخلاف أسلافه في القرن الثاني؛ إذ كانوا لا يهتمون بألوان البديع إلا في حدود التشبيه والاستعارة، وقلما عنوا بالجناس والطباق وما يضرب إليهما؛ أما البحتري فقد طلب هذه الألوان وجعلها -إلى حد ما- من أصول صناعته ومواد حرفته، وخاصة لون الطباق الذي شغف به كما يقول الباقلاني٢

стр. 209

٢- الخلافُ بينَ البحتريِّ وأصحابِ التَّصنيعِ: كان البحتري يستخدم أحيانًا بعض أدوات التصنيع ولكن في يسر وسهولة ودون أن يعقد فيها كما نرى عند جماعة المصنعين، فهو من أصحاب الصنعة وهو لذلك لا يستطيع أن ينهض بشعره إلى الغاية التي حققها أصحاب التصنيع، فقد كانوا لا يكتفون -على نحو ما سنرى عند أبي تمام- باستخدام أدوات هذا التصنيع استخدامًا ساذجًا؛ بل هم يحققون لها صورًا غريبة من التعقيد؛ وهم

стр. 210

لا يكتفون أيضًا بذلك؛ إذ نراهم يدخلون ألوانًا ثقافية قاتمة، سرعان ما تتحول عنده إلى ألوان فنية زاهية. لم يعد التصنيع في القرن الثالث على الصورة التي خلَّفها مسلم، ونحن نجد تصنيعه يتسرب إلى أصحاب الصنعة ويسقط إليهم دون تجديد فيه أو تعقيد؛ فهم يستخدمون -كما يستخدم البحتري- التصوير والجناس والطباق؛ ولكنه استخدام ساذج يخالف ما سنجده عند أبي تمام. ويتبين ذلك في وضوح إذ قارنا بين أهم لون كان يستخدمه البحتري وهو لون الطباق وبين نفس هذا اللون عند أبي تمام، واقرأ هذه الأبيات التي تذيع سر المهنة عند البحتري. مني وصلٌ ومنك هجرٌ ... وفي ذلُّ وفيك كِبر وما سواءٌ إذا التقينا ... سهل على خلَّة ووعر قد كنت حرًّا وأنت عبدٌ ... فصرت عبدًا وأنت حرُّ برَّح بي حبك المعنَّى ... وغرني منك ما يغرُّ أنت نعيمي وأنت بؤسي ... وقد يسوء الذي يسرُّ فإنك تجد فيها هذا الطباق الذي عرف به البحتري؛ ولكنه طباق ساذج لا تعقيد فيه ولا تعب ولا عناء ولا مشقة، طباق ضحل بسيط، هو أشبه ما يكون بتداعي المعاني، فلا خيال ولا عمق ولا فكرة؛ إنما وصل وهجر، وذلٌّ وكبر، وسهل ووعر، وعبد وحر، ونعيم وبؤس، وإساءة وسرور، ولكن هل تحس في هذه المعاني المتقابلة شيئًامن اللذة سوى ما فيها من تقطيع صوتي يدفعها عن السقوط؟ ونفس بناء هذه الأبيات ليس فيه مشقة ولا صعوبة، فالبحتري لم يكن يعرف -كما يعرف المصنعون- أن الشعر نحت وصقل وألوان معقدة؛ إذ كان يقف عند ظاهر هذا العمل فينقل الشكل، وقلما نفذ إلى الباطن وما يتغلغل فيه من تفكير بعيد، وما يستغرقه من خيال معقد وصور مركبة، لم يكن البحتري ليستطيع التعمق في فهم المذهب الجديد، فهو بدوي، وهو لذلك لا يحسن فهم أدوات الصناعة كما يفهمها صناع المدن في القرن الثالث، فإن

стр. 211

استعمل أداة منها استعملها استعمالًا ساذجًا لا صعوبة فيه ولا تركيب، كما نرى في هذا الطباق؛ فإنه لم يكد يخرج به إلى صورة معقدة؛ إذ هو يفهم الطباق هذا الفهم البسيط الذي لا يضيف إلى الشعر جمالًا عقليًّا خاصًّا، ولكن انظر إلى استخدام هذا الطباق عند أبي تمام، فإنك تراه يستخرج منه أصباغًا تحيِّر وتعجب، واقرأ لأبي تمام هذا البيت الذي يصف فيه بعيره وما أصابه من نحول وسقم لكثرة أسفاره؛ إذ يقول: رعته الفيافي بعد ما كان حِقْبَةً ... رعاها وماءُ الرَّوضِ ينهلُّ ساكبُهْ فإنك تحس غرابة في الأداة، وكأنها تخالف مخالفة تامة تلك الأداة من الطباق التي رأيناها عند البحتري؛ ذلك أن أبا تمام لا يلجأ إلى المطابقة والمقابلة بين الأشياء، كما توحي الذاكرة بل هو يعود إلى عقله وفلسفته فيعمل فكره، ويُكدُّ ذهنه، حتى يستخرج هذه الصورة الغريبة من التضاد؛ فإذا بعيره يَرعى ويُرعى، يرعى الفيافي، وهو رعي غريب استحوذ على جهد عنيف من الشاعر، حتى استطاع أن يستخرج هذه الصورة المتناقضة أو المتضادة، والتي يحسُّ الإنسان بإزائها إحساسًا واضحًا أنها من نوع آخر غير طباق البحتري؛ فطباقه ليس فيه فلسفة وليس فيه عمق وليس فيه تفكير بعيد؛ هو طباق ساذج لا صعوبة فيه ولا تعقيد، هو طباق الذاكرة إن صح هذا التعبير؛ فهو يذكر الوصل فيأتي الهجر، وهو يذكر الذل فيأتي الكبر، وهو يذكر السهل فيأتي الوعر. وعلي هذا النظام ما يزال يصوغ طباقه فلا تحس فيه جمالًا إلا حين يخرج به إلى الملاءمة بين الأصوات؛ غير أننا إذا رجعنا إلى أبي تمام رأينا صبغًا حديثًا من الطباق على هذا النحو الذي رأينا فيه دابته تَرعى وتُرعى رعيًا غريبًا، وهي طباق فلسفي إن صح هذا التعبير، بل لقد كان أبو تمام -كما سنرى- يفصله عن الطباق القديم ويسميه: نوافر الأضداد، وقد استخرج هذه النوافر من ثقافته الفلسفية، وذهب يستخدمها استخدامًا فنيًّا واسعًا في شعره. كان أبو تمام يستخدم الطباق استخدامًا فلسفيا، وهذا ما يفرق بين طباقه وطباق البحتري، بل هو نفسه الذي يفرق بين مواد الصناعة عند كل منهما.

стр. 212

فأبو تمام يدخل الفلسفة في العمل الفني على أنها شيء أساسي؛ فالشعر لا يخاطب الشعور فقط بل هو يخاطب العقل قبل كل شيء، وهو لذلك قد يعدل في أدوات التصنيع التي يستخدمها غيره، وهو تعديل يرضينا ويرضي عقولنا، ومن لا يروعه هذا الطباق الفلسفي الذي يقيمه أبو تمام على قانون الأضداد المعروف في الفلسفة؛ فإذا هو لا يعتمد على العبث اللفظي ولا على هذه المعاني التي تتوالي في الذهن حين نذكر الليل فيأتي النهار أو الضوء فيأتي الظلام أو غير ذلك من مقابلات تخرج من وعاء الذاكرة، بل هو يعقد هذا الطباق ويجعله عملًا عقليًّا واسعًا؛ ففيه خيال وفيه تناقض وتضاد، وفيه هذه الدابة التي لا تزال تَرعى وتُرعى، ترعى الفيافي وترعاها الفيافي!

стр. 213

٣- البحتريُّ لا يستخدمُ الثقافةَ الحديثةَ: لم يكن البحتري يعتمد في شعره على فلسفة وثقافة يعقدان في أدواته، وكان يعرف ذلك من نفسه، كما كان يعرفه معاصروه، وتلوَّموه من أجله فرد عليهم بقوله: كلفتمونا حدودَ منطقِكُم ... والشعرُ يغني عن صدقِهِ كذبُهْ ولم يكن ذو القروحِ يلهجُ بالـ ... منطق ما نوعه وما سببُهْ والشعرُ لَمْحٌ تكفي إشارتُه ... وليس بالهذرِ طوِّلت خطبُهْ ولكن أحقًّا ما يقول البحتري من أن الشعر لا يحتاج فلسفة ولا منطقًا؟ إن وقائع الفن المادية في العصر العباسي لا تتفق وهذا القول؛ فقد دخلت الفلسفة والمنطق في صناعة الشعر وعقَّدا في وسائله وأدواته هذا التعقيد الذي رأينا وجها من وجوهه عند أبي تمام، ولا ينفع البحتري استشهاده بامرئ القيس، حقًّا أن امرأ القيس لم يكن يعرف فلسفة ولا منطقًا، ولكن هل يمكن تطبيق ذلك على العصر العباسي؟ إن امرأ القيس تثقف بالثقافة التي عاصرته، وهي لم تشفع

стр. 214

بشيء من الفلسفة والمنطق إلا في الحدود الساذجة، أما لو أنه كان في عصر البحتري لما رضي لنفسه أن ينفصل عن عصره وأن يقيم حواجز وحدودًا بينه وبين الثقافة الحديثة. ونفس البحتري يناقض هذا الرأي في عمله؛ إذ يحاول استيعاب الوسائل الحديثة في صناعته من الطباق والجناس والتصوير؛ إلا أنه لا يستطيع أن يستخدم الأداة العقلية الخالصة، أداة المنطق والفلسفة؛ لأنه ليس من أهل المنطق ولا من أهل الفلسفة، وهو بذلك ينحاز عن شعراء عصره؛ ويقول النقاد إنه لم يفارق عمود الشعر، فلم تكن هناك ثقافة ولا فلسفة تضطره إلى هذه المفارقة. ودائمًا نجد شيئًا من المنطق ينقص البحتري في فنه؛ وانظر في صياغته ونقصد الصياغة الذهنية؛ فإنك تراه لا يعنى بتنسيق أفكاره وترتيب معانيه ترتيبًا منطقيًّا دقيقًا. وبونٌ بعيد جدًّا بينه وبين شاعر كأبي تمام في هذا الجانب؛ فإنك تحس عند الأخير بوحدة القصيدة واضحة كما تحس بتسلسل الأفكار، أما عند البحتري فإنك ترى دائمًا خنادق وممرات بين أبياته. وتتبع الباقلاني عنده هذه الظاهرة في قصيدته. أهلًا بذلك الخيالِ المقبلِ ... فعل الذي نهواه أو لم يفعل ولاحظ أن التسلسل المنطقي فيها مضطرب، وأن التفكير فيها غير منتظم١ وذكر غيره من النقاد أن البحتري لا يحسن الخروج من موضوع إلى موضوع في الشعر، وإنه يجنح دائمًا إلى ما يسميه ابن رشيق طفرًا وانقطاعًا٢. وهذا كله جاء البحتري من أنه لم يكن متفلسفًا ولم يكن من رجال الفكر العميق؛ ولذلك لم يحسن تنسيق شعره من جهة، كما أنه لم يستطع التعديل في أدوات صناعته من جهة أخرى. وليس معنى ذلك أنه لم يكن يستخدم أدوات التصنيع؛ بل كان يستخدمها؛ ولكنها ظلت عنده كأنها من طراز مخالف لما نراه عند أبي تمام؛ فقد كان بدويًّا أعرابيًّا ولذلك ظل منحرفًا عن مذهب المصنعين، وظلت أدوات الصناعة عنده ساذجة بسيطة يستخدمها، ولكنه لا يستطيع أن

стр. 215

يعقدها ولا أن يولد منها أدوات أخرى؛ إذ لم يكن عقله يسعفه، واقرأ له هذين البيتين اللذين كانا يروعان السابقين بتقسيمه فيهما؛ إذ يقول: ذاك وادي الأراك فاحبس قليلًا ... مقصِرًا من صبابةٍ أو مُطيلا قِفْ مشوقًا، أو مُسْعدًا، أو حزينًا ... أو معينًا، أو عاذرًا، أو عذولا فإنك إذا نَحَّيتَ جمال الأصوات الذي عرضت فيه الأفكار وجدت البحتري لا يحسن التقسيم؛ لأن التقسيم عمل عقلي يحتاج إلى منطق وهو لم يكن من رجال العقل ولا من رجال المنطق؛ فنحن نراه يقسم من يناديه قسمه متداخلة غير معقولة، إذ يجعله إما مشوقًا أو مسعدًا أو حزينًا أو معينًا أو عاذرًا أو عذولًا، وهي صفات متداخلة، ولكن البحتري يعتذر بأنه ليس من أهل المنطق، فالشعر شيء والمنطق شيء آخر، وكأنه يريد أن يقول: إن الشعر ابن أبولو لا ابن منيرفا. ولكن غاب عنه ما حدث بين الشعر والمنطق أو الفلسفة من تزاوج في العصر العباسي، وأنه انعدمت بينهما الحدود والحواجز، وما تقدم الزمن إذن؟ وما فائدة الرقي العقلي الذي أصابه العباسيون؟ إن واجب الشاعر أن يلم بالثقافة الحديثة، وأن يلم بالفلسفة بنوع خاص، وأن يتخذ ذلك مادة أساسية في صنع قصائده ونماذجه. والبحتري لا يصور لنا ذلك؛ فهو من جماعة الصانعين الذين لا يسرفون على أنفسهم في استعمال أدوات الصناعة وتعقيدها؛ إنما يصوره أبو تمام الذي كان يفهم أن الشعر تطور في العصر العباسي، وأنه لم يعد ضرورة كما كان في العصور القديمة؛ فقد ظهر النثر وزاحمه، وأصبح لونا من ألوان الترف لا تخاطب به العامة، وإنما تخاطب به الخاصة وخاصة الخاصة من أصحاب الفلسفة والمعاني كما يقول الآمدي١. ومهما يكن فإن عقل البحتري لم يكن من عقل أبي تمام، لا في الدرجة ولا في النوع، بل هو من جنس مخالف. كان أبو تمام من أهل المدن، وكان مثقفًا ثقافة عميقة، وقد أدخل هذه الثقافة في صناعة شعره ومواد قصائده، أما
следующие страницы →