استعمل أداة منها استعملها استعمالًا ساذجًا لا صعوبة فيه ولا تركيب، كما نرى في هذا الطباق؛ فإنه لم يكد يخرج به إلى صورة معقدة؛ إذ هو يفهم الطباق هذا الفهم البسيط الذي لا يضيف إلى الشعر جمالًا عقليًّا خاصًّا، ولكن انظر إلى استخدام هذا الطباق عند أبي تمام، فإنك تراه يستخرج منه أصباغًا تحيِّر وتعجب، واقرأ لأبي تمام هذا البيت الذي يصف فيه بعيره وما أصابه من نحول وسقم لكثرة أسفاره؛ إذ يقول:
رعته الفيافي بعد ما كان حِقْبَةً ... رعاها وماءُ الرَّوضِ ينهلُّ ساكبُهْ
فإنك تحس غرابة في الأداة، وكأنها تخالف مخالفة تامة تلك الأداة من الطباق التي رأيناها عند البحتري؛ ذلك أن أبا تمام لا يلجأ إلى المطابقة والمقابلة بين الأشياء، كما توحي الذاكرة بل هو يعود إلى عقله وفلسفته فيعمل فكره، ويُكدُّ ذهنه، حتى يستخرج هذه الصورة الغريبة من التضاد؛ فإذا بعيره يَرعى ويُرعى، يرعى الفيافي، وهو رعي غريب استحوذ على جهد عنيف من الشاعر، حتى استطاع أن يستخرج هذه الصورة المتناقضة أو المتضادة، والتي يحسُّ الإنسان بإزائها إحساسًا واضحًا أنها من نوع آخر غير طباق البحتري؛ فطباقه ليس فيه فلسفة وليس فيه عمق وليس فيه تفكير بعيد؛ هو طباق ساذج لا صعوبة فيه ولا تعقيد، هو طباق الذاكرة إن صح هذا التعبير؛ فهو يذكر الوصل فيأتي الهجر، وهو يذكر الذل فيأتي الكبر، وهو يذكر السهل فيأتي الوعر. وعلي هذا النظام ما يزال يصوغ طباقه فلا تحس فيه جمالًا إلا حين يخرج به إلى الملاءمة بين الأصوات؛ غير أننا إذا رجعنا إلى أبي تمام رأينا صبغًا حديثًا من الطباق على هذا النحو الذي رأينا فيه دابته تَرعى وتُرعى رعيًا غريبًا، وهي طباق فلسفي إن صح هذا التعبير، بل لقد كان أبو تمام -كما سنرى- يفصله عن الطباق القديم ويسميه: نوافر الأضداد، وقد استخرج هذه النوافر من ثقافته الفلسفية، وذهب يستخدمها استخدامًا فنيًّا واسعًا في شعره.
كان أبو تمام يستخدم الطباق استخدامًا فلسفيا، وهذا ما يفرق بين طباقه وطباق البحتري، بل هو نفسه الذي يفرق بين مواد الصناعة عند كل منهما.
стр. 212
فأبو تمام يدخل الفلسفة في العمل الفني على أنها شيء أساسي؛ فالشعر لا يخاطب الشعور فقط بل هو يخاطب العقل قبل كل شيء، وهو لذلك قد يعدل في أدوات التصنيع التي يستخدمها غيره، وهو تعديل يرضينا ويرضي عقولنا، ومن لا يروعه هذا الطباق الفلسفي الذي يقيمه أبو تمام على قانون الأضداد المعروف في الفلسفة؛ فإذا هو لا يعتمد على العبث اللفظي ولا على هذه المعاني التي تتوالي في الذهن حين نذكر الليل فيأتي النهار أو الضوء فيأتي الظلام أو غير ذلك من مقابلات تخرج من وعاء الذاكرة، بل هو يعقد هذا الطباق ويجعله عملًا عقليًّا واسعًا؛ ففيه خيال وفيه تناقض وتضاد، وفيه هذه الدابة التي لا تزال تَرعى وتُرعى، ترعى الفيافي وترعاها الفيافي!
стр. 213
٣- البحتريُّ لا يستخدمُ الثقافةَ الحديثةَ:
لم يكن البحتري يعتمد في شعره على فلسفة وثقافة يعقدان في أدواته، وكان يعرف ذلك من نفسه، كما كان يعرفه معاصروه، وتلوَّموه من أجله فرد عليهم بقوله:
كلفتمونا حدودَ منطقِكُم ... والشعرُ يغني عن صدقِهِ كذبُهْ
ولم يكن ذو القروحِ يلهجُ بالـ ... منطق ما نوعه وما سببُهْ
والشعرُ لَمْحٌ تكفي إشارتُه ... وليس بالهذرِ طوِّلت خطبُهْ
ولكن أحقًّا ما يقول البحتري من أن الشعر لا يحتاج فلسفة ولا منطقًا؟ إن وقائع الفن المادية في العصر العباسي لا تتفق وهذا القول؛ فقد دخلت الفلسفة والمنطق في صناعة الشعر وعقَّدا في وسائله وأدواته هذا التعقيد الذي رأينا وجها من وجوهه عند أبي تمام، ولا ينفع البحتري استشهاده بامرئ القيس، حقًّا أن امرأ القيس لم يكن يعرف فلسفة ولا منطقًا، ولكن هل يمكن تطبيق ذلك على العصر العباسي؟ إن امرأ القيس تثقف بالثقافة التي عاصرته، وهي لم تشفع
стр. 214
بشيء من الفلسفة والمنطق إلا في الحدود الساذجة، أما لو أنه كان في عصر البحتري لما رضي لنفسه أن ينفصل عن عصره وأن يقيم حواجز وحدودًا بينه وبين الثقافة الحديثة. ونفس البحتري يناقض هذا الرأي في عمله؛ إذ يحاول استيعاب الوسائل الحديثة في صناعته من الطباق والجناس والتصوير؛ إلا أنه لا يستطيع أن يستخدم الأداة العقلية الخالصة، أداة المنطق والفلسفة؛ لأنه ليس من أهل المنطق ولا من أهل الفلسفة، وهو بذلك ينحاز عن شعراء عصره؛ ويقول النقاد إنه لم يفارق عمود الشعر، فلم تكن هناك ثقافة ولا فلسفة تضطره إلى هذه المفارقة.
ودائمًا نجد شيئًا من المنطق ينقص البحتري في فنه؛ وانظر في صياغته ونقصد الصياغة الذهنية؛ فإنك تراه لا يعنى بتنسيق أفكاره وترتيب معانيه ترتيبًا منطقيًّا دقيقًا. وبونٌ بعيد جدًّا بينه وبين شاعر كأبي تمام في هذا الجانب؛ فإنك تحس عند الأخير بوحدة القصيدة واضحة كما تحس بتسلسل الأفكار، أما عند البحتري فإنك ترى دائمًا خنادق وممرات بين أبياته. وتتبع الباقلاني عنده هذه الظاهرة في قصيدته.
أهلًا بذلك الخيالِ المقبلِ ... فعل الذي نهواه أو لم يفعل
ولاحظ أن التسلسل المنطقي فيها مضطرب، وأن التفكير فيها غير منتظم١ وذكر غيره من النقاد أن البحتري لا يحسن الخروج من موضوع إلى موضوع في الشعر، وإنه يجنح دائمًا إلى ما يسميه ابن رشيق طفرًا وانقطاعًا٢.
وهذا كله جاء البحتري من أنه لم يكن متفلسفًا ولم يكن من رجال الفكر العميق؛ ولذلك لم يحسن تنسيق شعره من جهة، كما أنه لم يستطع التعديل في أدوات صناعته من جهة أخرى. وليس معنى ذلك أنه لم يكن يستخدم أدوات التصنيع؛ بل كان يستخدمها؛ ولكنها ظلت عنده كأنها من طراز مخالف لما نراه عند أبي تمام؛ فقد كان بدويًّا أعرابيًّا ولذلك ظل منحرفًا عن مذهب المصنعين، وظلت أدوات الصناعة عنده ساذجة بسيطة يستخدمها، ولكنه لا يستطيع أن
стр. 215
يعقدها ولا أن يولد منها أدوات أخرى؛ إذ لم يكن عقله يسعفه، واقرأ له هذين البيتين اللذين كانا يروعان السابقين بتقسيمه فيهما؛ إذ يقول:
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلًا ... مقصِرًا من صبابةٍ أو مُطيلا
قِفْ مشوقًا، أو مُسْعدًا، أو حزينًا ... أو معينًا، أو عاذرًا، أو عذولا
فإنك إذا نَحَّيتَ جمال الأصوات الذي عرضت فيه الأفكار وجدت البحتري لا يحسن التقسيم؛ لأن التقسيم عمل عقلي يحتاج إلى منطق وهو لم يكن من رجال العقل ولا من رجال المنطق؛ فنحن نراه يقسم من يناديه قسمه متداخلة غير معقولة، إذ يجعله إما مشوقًا أو مسعدًا أو حزينًا أو معينًا أو عاذرًا أو عذولًا، وهي صفات متداخلة، ولكن البحتري يعتذر بأنه ليس من أهل المنطق، فالشعر شيء والمنطق شيء آخر، وكأنه يريد أن يقول: إن الشعر ابن أبولو لا ابن منيرفا.
ولكن غاب عنه ما حدث بين الشعر والمنطق أو الفلسفة من تزاوج في العصر العباسي، وأنه انعدمت بينهما الحدود والحواجز، وما تقدم الزمن إذن؟ وما فائدة الرقي العقلي الذي أصابه العباسيون؟ إن واجب الشاعر أن يلم بالثقافة الحديثة، وأن يلم بالفلسفة بنوع خاص، وأن يتخذ ذلك مادة أساسية في صنع قصائده ونماذجه. والبحتري لا يصور لنا ذلك؛ فهو من جماعة الصانعين الذين لا يسرفون على أنفسهم في استعمال أدوات الصناعة وتعقيدها؛ إنما يصوره أبو تمام الذي كان يفهم أن الشعر تطور في العصر العباسي، وأنه لم يعد ضرورة كما كان في العصور القديمة؛ فقد ظهر النثر وزاحمه، وأصبح لونا من ألوان الترف لا تخاطب به العامة، وإنما تخاطب به الخاصة وخاصة الخاصة من أصحاب الفلسفة والمعاني كما يقول الآمدي١.
ومهما يكن فإن عقل البحتري لم يكن من عقل أبي تمام، لا في الدرجة ولا في النوع، بل هو من جنس مخالف. كان أبو تمام من أهل المدن، وكان مثقفًا ثقافة عميقة، وقد أدخل هذه الثقافة في صناعة شعره ومواد قصائده، أما
стр. 216
البحتري فكان أعرابيًّا، ولم يكن يأخذ بحظ واسع من الثقافة؛ فلم يصب أدوات الفن عنده ما أصابها من تعقيد وتركيب عند أبي تمام، على نحو ما سنعرف في الفصل التالي. حقًّا إن البحتري أحسن على نحو ما مر بنا في الفصل الثاني جانبَ الموسيقى الداخلية في الشعر وما تستتبعه من المشاكلة بين الألفاظ والمعاني والتوافق الصوتي بين الحروف والحركات والكلمات، وكأني به كان يوفر وقته جميعه للصوت، وهذا جل ما يعتمد عليه في شعره من جو، فهو يطلق الموسيقى ويدعها تؤثر في أعصابنا كما يريد ويشتهي، أما جو أبي تمام فجو غامض مبهم يطلق فيه الموسيقى وهي لا تبلغ سمت موسيقى البحتري؛ غير أنه لا يعتمد عليها فقط، بل نراه يضيف إليها ألوان البديع ويعقد فيها، ولا يكتفي بذلك بل ما يزال يضيف إليها ألوانًا ثقافية قاتمة، تؤثر في الحس وأعصاب الفكر. وحاول البحتري في كثير من جوانب فنه أن يقلِّد أبا تمام في تصنيعه وعبر عن ذلك الجانب في صناعة الشعر وإعجابه به؛ إذ يقول:
وبديع كأنه الزهرُ الضا ... حكُ في رونقِ الربيعِ الجديدِ
ومعانٍِ لو فصلتها القوافي ... هجَّنت شعر جرولٍ ولبيدِ
حزن مستعمل الكلام اختيارًا ... وتجنَّبْن ظلمةَ التعقيدِ
وركبنَ اللَّفظَ القريبَ فأدرك ... نَ به غاية المرام البعيد
ولكنه ظل مقصرًا في استخدام هذا البديع؛ فعدل في أكثر أحواله إلى الصوت والصنعة في الموسيقى؛ لأنها الجانب القديم الذي يستطيع أن ينميه دون حاجة إلى ثقافة أو فلسفة. أما ألوان البديع فكانت شيئًاجديدًا لا يحسنه من الشعراء إلا من عاشوا في الحضارة، وأخذوا أنفسهم بحظ من الثقافة والعقل العميق على نحو ما سنرى عند أبي تمام. ومهما يكن فإن البحتري لم تكن عنده أسباب تؤهله لاستخدام التصنيع وأدواته على نحو ما انتهت إليه عند جماعة المصنعين؛ فهو بدوي أعرابي رحل إلى المدينة وتحضر، ولكن هذا التحضر لم يتغلغل في عقله ولم ينفذ إلى أعماق نفسه؛ فلم يستطع أن يستخدم الثقافة في عمله، كما أنه لم يستطع التعقيد في أدوات حرفته.
стр. 217
٤- ابنُ الرُّومي، أصلُهُ وحياتُهُ وصنعتُهُ:
لعله يحسن بنا أن نبحث عن شاعر آخر من جماعة الصانعين قد تثقف بالثقافة الحديثة لنرى ما أصاب منهجهم عنده من تعقيد في أثناء القرن الثالث للهجرة، ولعل خير شاعر نجده في هذا الجانب هو ابن الرومي الذي كان يتعاطى علم الفلسفة١، واسمه علي بن العباس بن جريج، ويتضح من اسم جده أنه ليس عربي الأصل، بل هو رومي، وكانت أمه فارسية، وافتخر بذلك كثيرًا في شعره من مثل قوله:
كيف أغضي على الدنيَّة والفُر ... س خئولي، والرُّوم هم أعمامي
وقد ولد في بغداد سنة ٢٢١ للهجرة، ولم تكد تتقدم به الأيام حتى توفي أبوه فكفلته أمه وأخٌ أكبر منه. ونراه يتجه إلى الثقافة المعاصرة له وإلى الشعر ورواية القديم والحديث منه، ولم يلبث أن جرى على لسانه، فتهادته النوادي والمحافل في بغداد، كما تهاداه الوزراء وكبار رجال الدولة؛ فمدحهم ونال عطاءهم، وابتسمت له الحياة قليلًا غير أنها سرعان ما عبست له، فماتت أمه ومات أخوه، وتزوج وأنجب أطفالًا إلا أن القدر أخذ يعصف بهم واحدًا وراء الآخر وماتت زوجته.
ولم يكن هذا كل ما هناك؛ فقد كان فيه ضيقُ خلقٍ، وكان فيه اختلال في أعصابه، لعله كان ثمن نبوغه؛ فلم يشعر بشيء من الفرحة بالحياة، بل شعر كأنها كأس مر يتجرعه، فانقلب ساخطًا على كل ما حوله، حتى على من أكرموه وفسحوا له في مجالسهم وأغدقوا عليه من أموالهم، فهجاهم، ونفروا منه، فاحتجبوا عنه، وانقلب المستقبل الباسم الذي كان ينتظره إلى مستقبل
стр. 218
تعسٍ بائسٍ، كله حرمان.
ونحن لا نقرأ في مختارات ديوانه التي نشرها كامل كيلاني حتى نحس برمه بالناس، وهو برم جعله يتألم ألَمًا شديدًا من فساد زمانه وأهله١، وتحوَّل يسلقهم بلسانه، ولم ينجُ منهم أحد، وربما كان المعتز أهم الخلفاء الذي تعرض لهم بالهجاء الحاد٢، وكانت فيه نزعة شيعية٣، ولعل هذا كان أحد الأسباب في هجائه اللاذع للمعتز وغيره من العباسيين. وهو لا يقف في هجائه عند حد، حتى النساء؛ فإنه على الرغم من غزله الكثير بهن يحكم عليهن أحكامًا قاسية لا تخلو من تشاؤم مرير٤.
وزاد في تشاؤمه وتعاسته وبرمه بالناس -نساء ورجالًا- أنه كان نَهِمًا بالحياة وملاذها، وكان يرى الشعراء من حوله أمثال البحتري ينعمون بخيراتها وطيباتها؛ بينما هو لا يصيبه منها إلا الإملاق والضنا. ويظهر أنه كان معتل الجسد مع اعتلال أعصابه؛ فتعاون هذا كله على أن يحس فاجعته وأن تتعمق فؤاده؛ إذ يطلب البهجة والمسرة والحياة السعيدة فلا يجد إلا الشقاء والخِذْلان، حتى في جسده وصحته. والغريب أن أحدًا من معاصريه لم يتقدم إلى إنقاذه، وهو يعد مسئولًا عن ذلك إلى حد كبير، فإنه لم يهيئ لهم الفرصة؛ إذ كان يزْوَرَّ عنهم بل كان يسلِّط عليهم سياط هجائه، وظل على ذلك إلى آخر حياته. وهناك قصة تزعم أن وزير المعتضد القاسمَ بن عبيد الله دسَّ له السم في بعض الطعام٥، وكان ذلك سبب وفاته سنة ٢٨٣ للهجرة. وأغلب الظن أنها قصة غير صحيحة وأنه مات ميتة طبيعية؛ نتيجة لأمراضه وعلله التي قضت عليه أخيرًا.
وإذا تركنا حياته إلى صنعة شعره وجدنا عباسًا العقاد يتشبث بروميته، أو بعبارة أدق بيونانيته، ويقول: "إنها لَوَّنت شعره ألوانًا خاصة أفردته عن شعراء العرب"٦
стр. 219
وقد وقف عند هذا الجانب في كتابه عنه؛ ولكن مع شيء من التحفظ والاحتياط. والحق أن الوراثة عند ابن الرومي ليست كل شيء في شعره؛ إذ ينبغي أن نضيف إليها الثقافة اليونانية الإسلامية التي كان يتثقفها الشعراء في القرن الثالث؛ فعند ابن الرومي يونانيةٌ أصيلة ويونانية مكتسبة لعلها أهم من يونانيته الأصيلة، وهناك أيضًا ثقافة إسلامية عربية مكتسبة، وإذن ففي شعر ابن الرومي عناصر ثلاثة تؤثر فيه لا عنصر واحد.
وهذه العناصر الثلاثة يضاف إليها عنصر رابع، وهو عنصر شخصي خاص بمزاج ابن الرومي، وكان له تأثير مهم في شعره؛ إذ كان حاد المزاج معتل الطبع ما يزال يتطير ويتشاءم ويبالغ في ذلك مبالغة شديدة حتى ليقول الزبيدي: "إنه كان لا يدع التطير والتفاؤل في جميع حركاته وتصرفه"١ وكان يحتج لذلك بأن الرسول ﷺ كان يحب الفأل ويكره الطِّيَرة وأن عليًّا كان لا يغزو غزاة والقمر في برج العقرب، ويقول إن الطيرة موجودة في الطباع قائمة فيها٢.
ويقص الرواة في طيرته أقاصيص غريبة؛ فمن ذلك ما رواه الحصري عن علي بن إبراهيم كاتب مسروق البلخي؛ إذ قال: "كنت بدار مسروق جالسًا، فإذا حجارة سقطت بالقرب مني، فبادرت هاربًا، وأمرت الغلام بالصعود إلى السطح والنظر إلى كل ناحية من أين تأتينا الحجارة، فقال: امرأة من دار ابن الرومي الشاعر قد تشوَّفت، وقالت: اتقوا الله فينا، واسقونا جرة ماء وإلا هلكنا؛ فقد مات من عندنا عطشًا. فتقدَّمت إلى امرأة عندنا ذات عقل ومعرفة أن تصعد إليها وتخاطبها، ففعلت، وبادرت بالجرة، واتبعتها شيئًامن المأكول، ثم عادت إلي، فقالت: ذكرت المرأة أن الباب عليها مقفل في ثلاث ليال؛ بسبب طيرة ابن الرومي، وذلك أنه يلبس ثيابه كل يوم ويتعوذ، ثم يصير إلى الباب والمفتاح معه، فيضع عينه على ثقب في خشب الباب، فتقع.
стр. 220
عينه على جار له كان نازلًا بإزائه، وكان أحدب، يقعد كل يوم على بابه فإذا نظر إليه رجع وخلع ثيابه، وقال لا يفتح أحد الباب"١ وروى ابن رشيق "أن أحد إخوانه من الأمراء افتقده فأُعْلِمَ بحاله من الطيرة؛ فبعث إليه خادمًا اسمه إقبال ليتفاءل به، فلما أخذ أهبته للركوب قال للخادم: انصرف إلى مولاك، فأنت ناقص ومنكوس، اسمك: لا بقاء"٢ وروى صاحب معاهد التنصيص أن بعض أصحابه أرسل إليه يومًا بغلام حسن الصورة اسمه حسن، فطرق الباب عليه، قال: من؟ قال: حسن، فتفاءل به وخرج، وإذا على داره حانوت خياط قد صلب درفتين كهيئة اللام ألف، ورأى تحتها نَوىَ تمرٍ، فتطيَّر، وقال بأن هذا يشير بأن: لا تمر، ورجع ولم يذهب معه.
"وكان الأخفش علي بن سليمان النَّحْوي قد تولَّع به؛ فكان يقرع عليه الباب إذا أصبح، فإذا قال: من القارع؟ قال: مرَّة بن حنظلة، ونحو ذلك من الأسماء التي يتطير بذكرها، فيحبس نفسه في بيته ولا يخرج يومه أجمع"٣ وليس من ريب في أن هذا المزاج المعتل الحاد كان يؤثر في شعره بجانب أصله وثقافته، وطبيعي وقد امتلأ حقدًا على معاصريه من الحدب وأشباههم؛ فكلهم أحدب في رأيه، أن يكون الهجاء أهم موضوعات شعره. وكان لديه قدرة بارعة على تصوير الأحاسيس، فصور الطبيعة ومباهجها في الربيع وغير الربيع تصويرًا رائعًا، كما صور الأطعمة تصويرًا يتناسب مع شرهه لها، وكان لا يترك منظرًا في الطريق من مناظرها دون أن يرسمه بريشته على نحو ما صنع في تصويره لمنظر الخباز وهو يدحو الرقاق٤. وتتضح في غزله العاطفة الرقيقة، وهو يبدع في كثير منه إبداعًا منقطع النظير، وله قصيدة طويلة وصف في مطلعها المرأة بطريقة مبتكرة؛ إذ نقل في وصفها صورة البستان بفواكهه وثماره ومطلعها:
أجْنَتْ لك الوَجْد أغصانٌ وكثبانُ ... فيهنَّ نوعان: تفاحٌ ورمانُ
стр. 221
وتتجمع عاطفته وبراعته في التصوير حين يصف بعض المغنيات، وقصيدته في وحيد المغنية إحدى درره. وطبيعي والقدر يلاحقه في خطف أبنائه ويجرعه غصص الألم أن يجيد في فن الرثاء، ومرثيته لابنه محمد من فرائد الشعر العربي، وله في رثاء البصرة حين غلب الزنج عليها وفتكوا بنسائها وأطفالها قصيدة بديعة. وهو بحق من أوائل من نظموا في المناظرات الشعرية كما في مناظرته بين النرجس والورد، والقلم والسيف، وكان ينظم في مدح الشيء وذمه، فيمدح الحقد في قصيدة ويذمه في أخرى، ولعله في ذلك كان يتأثر بالأدب الفارسي.
وفي شعره نزعة شعبية واضحة إذ كان يصف المطاعم وحياة الناس في بغداد وما يطعمونه ويلبسونه حتى الأَرْدية المرقَّعة، ويعرض علينا صور طبقاتهم الدنيا من خبَّازين وحمَّالين وشوَّائين وشحَّاذين. ومن هنا كانت تكثر في شعره ألفاظ العامة، فهو ليس شاعر الملوك والقصور من مثل البحتري، وإنما هو شاعر شعبي، يعرض علينا بغداد في حياتها المتواضعة وصورها الشعبية.
وكل ذلك من آثار حياته التي عاشها؛ فهي حياة بائسة في أكثر جوانبها، حياة لا تعرف البهجة ولا التأنق في المعاش، ولعل ذلك ما جعله يقف بشعره عند ذوق الصانعين؛ فهو لا ينمق فيه، بل يترك نفسه على سجيتها ليصور أحاسيسه وعواطفه الصادقة. وكان فكره الدقيق وما انطبع في عقله من طوابع الثقافة والفلسفة حريًا به أن يصبح من أصحاب مذهب التصنيع، ومن ينظر إلى هذا الجانب عنده يخيل إليه كأنه من طراز أبي تمام، وخاصة حين يقرأ له بعض أبيات مفردة أو قطعًا قصيرة مما تناقلته عنه كتب الأدب؛ ولكن من يقرأ قصائده يعرف أنه ليس من أصحاب هذا المذهب، مذهب التصنيع؛ إذ لم يكن يُعْنى بالزخرف لا في شعره ولا في حياته إلا قليلًا، وكأنه كان يأتي بما يأتي به من هذا الزخرف أحيانًا مجاراة للعصر، وحقًا شغف شغفًا شديدًا بالتصوير، ولكن هذا الشغف لا يخرجه من دائرة الصانعين، كما لا تخرجه من دائرتهم ثقافته الفلسفية، وما يمتاز به من فكر عميق.
стр. 222
٥- ابنُ الرُّومي يستخدمُ الثقافةَ الحديثةَ:
لم يكن ابن الرومي يذهب مذهب البحتري في أن الشعر لا يحتاج إلى فلسفة ومنطق؛ بل كان يرى أنهما أصلان مهمان في حرفته؛ فهو يعتمد عليهما في تفكيره، وهو يستخدمها في صياغته، حتى لتتخذ أبياته في كثير من نماذجه شكل أقيسة دقيقة؛ فهو يقدم لها بمقدمات ويخرج منها بنتائج، وكأنه رجل من رجال المنطق، بل هو رجل من رجال الفكر الحديث، وهو لذلك يأبى إلا أن يخرج نماذجه إخراجًا حديثًا، فيه فكر، وفيه فلسفة، وفيه منطق، وفيه تلك الصفات العقلية الجديدة التي يمتاز بها شعراء العصر العباسي من أسلافهم القدماء، واقرأ له هذه الأبيات.
لما تؤذنُ الدنيا به من صُرُوفها ... يكون بكاءُ الطفلِ ساعةَ يولدُ
وإلا فما يُبْكيه منها وإنها ... لأفسحُ مما كان فيه وأرغدُ
إذا أبصرَ الدنيا استهلَّ كأنَّه ... بما سوف يلقى من أذاها مهدَّدُ
وللنفس أحوالٌ تظل كأنها ... تشاهدُ فيها كل غيب سيشهدُ
فإنك تحس فيها أثر المنطق واضحًا، وهذا أهم ما يفرق بينه وبين البحتري في صناعته إذا كان للمنطق تأثير واضح في صياغة شعره وتنسيق أفكاره. ويمكننا أن نخلص ذلك في جانبين: الجانب الأول ما يمتاز به شعر ابن الرومي من الوضوح الذي جعله يستقصي أطراف الفكرة حتى تتضح من جميع جوانبها؛ فهو رجل منطق، ورجال المنطق يعشقون البيان الواضح، ولعله من أجل ذلك كان شعره يمتاز بالطول فهو يستقصي ويتعمق في عرض أفكاره، حتى تبرز بروزًا دقيقًا. أما الجانب الثاني فهو ما يمتاز به شعره من التنسيق الشديد والربط الوثيق بين أفكاره. يقول عباس العقاد: "العلامات البارزة في قصائد ابن الرومي هي طول نفسه وشدة استقصائه للمعنى واسترساله فيه، وبهذا الاسترسال خرج.
стр. 223
عن سنة النَّظَّامين الذين جعلوا البيت وحدة النظم، وجعلوا القصيدة أبياتًا متفرقة يضمها سمط واحد قلَّ أن يطَّرد فيه المعنى إلى عدة أبيات، وقل أن يتوالى فيه النَّسق تواليًا يستعصي على التقديم والتأخير والتبديل والتحوير؛ فخالف ابن الرومي هذه السُّنَّة وجعل القصيدة كلامًا واحدًا لا يتم إلا بتمام المعنى الذي أراده على النحو الذي نحاه؛ فقصائده موضوعات كاملة تقبل العناوين، وتنحصر فيها الأغراض ولا تنتهي حتى ينتهي مؤدَّاها، وتفرغ جميع جوانبها وأطرافها، ولو فسد في سبيل ذلك اللفظ والفصاحة، ولا ريب أن هذا الاستقصاء كان سببًا من أسباب الإطالة؛ ولكنه لم يكن كل السبب؛ لأن ابن الرومي كان يطيل القصائد حفاوة بالممدوحين وإكبارًا لشأنهم وإظهارًا لعنايته بإرضائهم"١
ونحن إذا سلمنا للعقاد بأن المديح كان سببًا من أسباب الإطالة عند ابن الرومي؛ فإننا نتردد في أن نسلِّم بأن الاستقصاء هو الآخر كان سببًا فيها؛ لأنه ليس شيئًا خارجًا عنها، بل هو نفس ظاهرة الإطالة، فابن الرومي يطيل، وبعبارة أخرى يستقصي المعاني والأفكار؛ على أن السبب الآخر الذي ذكره العقاد وهو المديح لا يطرد في جميع قصائد ابن الرومي؛ لأنها لم تُبْنَ كلها على المديح. وأكبر الظن أن السبب الأهم هو ما قلناه من أن ابن الرومي كان يستخدم الصياغة المنطقية، في قصائده، فشغف بهذا الطول الذي هو من أخص صفات من يريدون التعبير المنطقي الواضح. ومهما يكن فإن ثقافة ابن الرومي قد أحدثت في شعره هذا النوع الغريب من الطول في نماذجه؛ فإن الشعر عنده لم يعد تعبير العاطفة فقط، بل أصبح تعبير العقل قبل أن يكون تعبير العاطفة، وبذلك عمَّه غير قليل من التحليل والتفصيل، والبحث والتحقيق.
لم يعد الشعر عملًا عاطفيًّا خالصًا، بل أصحب عملًا عقليًّا، له خصائص الأعمال العقلية وصفاتها، وبذلك أصبح في كثير من جوانبه -كما تصوِّره قصائد ابن الرومي- يشبه الأعمال النثرية في وضوحه من جهة، وفي عدم اهتمام الشاعر بالعبارة في سبيل الوضوح من جهة أخرى؛ وبذلك أصبحت القصائد تشبه إلى
стр. 224
حد ما رسائل الكتاب١ وماذا يفصل الشعر من النثر؟ لقد أصبح الشعر كالنثر يعتمد على المنطق والوضوح ومن ثم كان ابن الرومي من أوائل العباسيين الذين أعدوا لهذا الممر الذي يصل بين الشعر والنثر. حقًّا كان الكُتَّاب من قبله ينثرون معاني الشعر وبخاصة في عصر عبد الحميد٢؛ ولكن تَطَوَّر النثر بعد ذلك، وأصبح أداة عقلية تعبر عن الثقافة والفلسفة، وانفصل مجراه عن مجرى الشعر، ولا نصل إلى ابن الرومي حتى نجد المجريين يتصلان مرة أخرى إلا أن الشعر في هذه المرة هو الذي ينزع إلى هذا الاتصال. ونحن لا نَبْعُد إذا قلنا إن ابن الرومي كان ممن أهَّلوا لهذه الحركة الواسعة من نظم النثر وحَلِّ الشعر فقد انتفت بينهما الفواصل إلا ما كان من الرُّقم الموسيقية التي يتقيد بها الشعر ولكن هذه الرقم لا تستطيع أن تعوق هذه الحركة الواسعة.
стр. 225
٦- التَّصويرُ في شعرِ ابنِ الرُّومي:
ما كان ابن الرومي يعتمد في شعره على الثقافة الحديثة وخاصة المنطق، كان يعتمد على فن مهم هو فن التصوير، إذا كان لديه قدرة غريبة على ملاحظة دقائق الأشياء وتصويرها تصويرًا بارعًا، واستعان في ذلك بأداتين وجدهما عند أبي تمام وهما: التشخيص والتجسيم.
أما التشخيص: فقد استخدمه استخدامًا واسعًا في شعر الطبيعة؛ إذ كان يحس -كما يقول العقاد- بأن الطبيعة ذاتٌ ناطقة وأشخاص متحركة فهو يعيش مع كل نسمة فيها وكل حركة وكل خفقة وكل همسة١، وكأنها تستغويه وتستهويه:
ورياض تخايل الأرض فيها ... خيلاء الفتاة في الأبراد
стр. 226
منظرٌ معجبٌ، تحيَّة أنف ... ريحها ريحُ طيب الأولادِ
فهي تدلُّ على إدلال الفتاة الحسنة، وهو يحنُّ إليها حنانًا غريبًا، يحس فيه برائحة ذكية، رائحة الأولاد النجباء وما يشعر به الآباء نحوهم من عطف وحنو ومحبة؛ بل إنها لتتصبَّاه إذ تتبرَّج له:
تبرَّجت بعد حياءٍ وخفرٍ ... تبرجَ الأنثى تصدَّت للذَّكَر
وهذه الطبيعة المتبرجة مكث ابن الرومي يجري لاهثًا وراءها، وقد ملكت عليه حواسه، وملأت عليه قلبه؛ فهو مفتون بها، يفكر خلالها، ويُغرق بصره في ألوانها، ويغمر أشعاره بآثار لمسها وشمِّها، وكأنه لا يعيش في حدود نفسه؛ وإنما يعيش فيما حوله من الطبيعة الفاتنة. وهو جانب رائع في شعر ابن الرومي، يجعلنا نذكر شعراء الطبيعة عند الغربيين، ونقصد شعراء الحركة الرومانسية من أمثال وردزورث في إنجلترا ولامارتين في فرنسا؛ إذ نجد الشعراء يُهرعون إلى الطبيعة وواقع حياتهم يصفونهما منحرفين عن المدرسة الكلاسيكية التي عمت في القرنين السابع عشر والثامن عشر والتي كانت تتقيد بالأوضاع اليونانية واللاتينية، وقلما عدلت إلى شعر الطبيعة. وكذلك كان العباسيون قبل ابن الرومي يتأثرون بالقديم وقلما يلجئون إلى تصوير الطبيعة التي عاشوا فيها، وقد أقبل ابن الرومي يصورها تصوير العاشق المفتون على نمط يشبه -من بعض الوجوه- عمل أصحاب الحركة الرومانسية في أوربا. وقَرَن العقاد -مع شيء من الاحتياط- هذا الجانب في شعر ابن الرومي بيونانيته١. وإذا رجعنا إلى حقائق الظاهرة في الشعر الغربي الحديث وجدنا شعر الطبيعة عند الكلاسيكيين ولكن في صورة محدودة؛ فقد كان شعر الطبيعة حينئذ يشبه قناة ضيقة محدودة قد غصَّت بأعشاب كثيرة من الأوضاع اليونانية واللاتينية، فلما جاء القرن التاسع عشر فاضت القناة، واتسع
стр. 227
المجرى، وكادت تفقد الصلة بين شعر الطبيعة القديم والجديد، على أن نفس الآثار اليونانية ليس فيها ما يدل على شيوع هذا الضرب من شعر الطبيعة عند اليونان القدماء. هم ألَّهوا الطبيعة وملئوها بالآلهة، ولكنهم لم يعبروا عن شعورهم نحوها كما يعبر شعراء الحركة الرومانسية وكما يعبر ابن الرومي. وليس معنى ذلك أنهم أهملوها كل الإهمال، ولكن معناه أنهم لم يصفوها بهذا الاتساع والعمق والهيام المعروف عند أصحاب الرومانسية، ولعل ذلك ما جعل شيلر يقول: "إن اليونانيين كانوا يتأملون الطبيعة بعقولهم لا بعواطفهم فلم يرد لهم عندهم أي ذكر يشعرنا صريح حبهم إياها وإعجابههم بها"١، ويقول همبولت: "إن تصوير الطبيعة لذاتها وفي مختلف مظاهرها كان بعيدًا عن أفكار اليونانيين، ويصرح بأن المنظر الطبيعي يشغل الجزء الظهري من صورتهم بينما تشغل الجزء المهم منها شئون الناس وأعمالهم وأفكارهم"٢.
شعر الطبيعة في الواقع شعر حديث، وليست له صلة قوية بالأدب اليوناني القديم، ونفس أوربا حين كانت تعيش في العصور الكلاسيكية لم يزدهر هذا الضرب من الشعر عندها؛ لأنه لا يتصل بتقليد القدماء، أما قبل ذلك حين كانت لا تتقيد تقيدًا شديدًا بتقليدهم أي في القرن السادس عشر؛ فإننا نجد هذا الضرب من الشعر، كما نجد الأغاني الشعبية، فلما جاء مالرب"malherbe" ثم بوالو وراسين أصبح الشعر مقيدًا، ولم يعد يعنى بالحديث عن الطبيعة؛ فلما ظهرت الحركة الرومانسية وتحلل الشعر من قيوده الكثيرة اتصل مرة أخرى بالطبيعة وحياة الناس اليومية٣، وقد حاول "ورد زورث" على ما هو معروف أن يستعمل اللغة الدارجة في أغانيه المسماه باسم"bllads" على كل حال يرينا تطور الشعر في أوربا في أثناء العصور الحديثة أن شعر الطبيعة إنما يشيع حين يصبح
стр. 228
الشعر شعبيًّا أو يكاد، وينفصل عن القدماء من يونان وغير يونان. وهذا نفسه ما نلاحظه عند العرب فقد نما شعر الطبيعة واتسعت أبوابه حين قرب الشعر من التعبير عن الحوادث اليومية وأصبح أدنى إلى الواقع الحسي، واقع الجماعة، على نحو ما نعرف في تاريخ الشعر الأندلسي؛ إذ ظهرت هناك الموشحات والأزجال وظهر معهما شعر الطبيعة. ونفس ابن الرومي صاحب شعر الطبيعة في القرن الثالث كان ينزل بأسلوبه إلى درجة دانية من الأساليب اليومية حتى ليحس الإنسان عنده بضروب من الإسفاف، وكان هو نفسه يعرف ذلك فقال يصف شعره، وقد عابه بعض من عاصروه:
قولا لمن عاب شعرَ مادحِه ... أما ترى كيف رُكِّب الشجرُ
ركِّب فيه اللِّحاء والـ ... خشبُ اليابسُ والشوكُ بينه الثمرُ
فشعره فيه اللحاء وفيه الخشب، وفيه الورد وفيه الشوك، فيه المتين المصقول وغير المتين المصقول. وهذا هو ما يدفع ابن الرومي عن مدرسة المصنعين؛ فقد كان لا يعنى بتجميل شعره، وأن يخرج في زخارف التصنيع المختلفة، وهو مع ذلك قد يأتي بهذه الزخارف، ولكن دون أن يتخذها مذهبًا؛ إذ تأتي عابرة.
ولم يكن ابن الرومي من ذوق المصنعين، ومع ذلك فقد كان يستعير منهم أدواتهم، كما نرى الآن في شعر الطبيعة فقد اعتمد عنده على التشخيص الذي فتحه أبو تمام في الشعر العربي على نحو ما سنعرف في الفصل التالي. وقد استعار ابن الرومي هذه الأداة واستخدمها استخدامًا واسعًا في شعره، وهو استخدام لا يرجع إلى يونانيته -كما ظن بعض النقاد- وإنما يرجع إلى مزاجه فقد كان شديد الحس مرهف الشعور، فأغرم بالطبيعة وظل مشغوفًا بها، فهي تهيج روحه ومشاعره.
واستعار ابن الرومي أداة أخرى من أدوات التصوير عند أبي تمام، وهي أداة التجسيم، واستخدمها في شعره استخدامًا واسعًا على نحو ما رأينا في صنيعه بأداة التشخيص. وانظر إليه يجسِّم هنوات صاحبه القاسم بن عبيد الله فيجري بينه وبينها هذا الحوار الغريب:
стр. 229
كشفتْ منك حاجتي هنوات ... غُطِّيت بُرهةً بحسن اللقاءِ١
تركتني ولم أكن سيِّئَ الظ ... ـن أسيءُ الظنون بالأصدقاء
قلت لما بدت لعيني شُنعًا ... ربَّ شوهاءَ في حشا حسناءِ٢
ليتني ما هتكتُ عنكن سترًا ... فثويتنَّ تحت ذاك الغطاء
قلن لولا انكشافُنا ما تجلَّت ... عنك ظلماءُ شبهةٍ قتماء٣
قلت أعجب بكن من كاسفاتٍ ... كاشفاتٍ غواشيَ الظلماء٤
قد أفدتني مع الخبر بالصا ... حب أن رب كاسف مستضاء
قلن اعجبْ بمهتد يتمنَّى ... أنه لم يزل على عمياء
كنت في شبهة فزالت بنا عنـ ... ـك فأوسعتنا من الإزراء
وتمنيتَ أن تكون على الحيـ ... ـرة تحت العماية الطخياء٥
قلت تالله ليس مثلي من ودّ ... ضلالًا وحيرةً باهتداء
غير أني وددت ستر صديقي ... بدلًا باستفادة الأنباء
قلن هذا هوى فعرِّج على الحـ ... ق وخلِّ الهوى لقلبٍ هواء٦
ليس في الحق أن تودَّ لخلّ ... أنه الدهر كامنُ الأدواء
بل من الحقِّ أن تنقر عنهـ ... ن وإلا فأنت كالبُعَدَاء٧
إنَّ بحث الطبيب عن داء ذي الد ... اء لأسُّ الشفاء قبل الشفاءِ
دونك الكشف والعتاب فقوِّم ... بهما كل خلَّة عوجاء
وإذا ما بدا لك العُرُّ يومًا ... فتتبَّع نقابَه بالهناء٨
قلت في ذاك موتكنَّ وما المو ... ت بمستعذب لدى الأحياء
قلن ما الموتُ بالكريه إذا كا ... ن بحقٍّ فلا تزدْ في الْمِراء٩
стр. 230
وقد استطاع ابن الرومي في هذه الأبيات لا أن يجسم الهنوات فقط، بل أن يقيم بينه وبينها هذا الحوار الغريب. ومهما يكن فقد كان ابن الرومي يكثر من استخدام أداة التجسيم في شعره، كما كان يكثر من استخدام أداة التشخيص وأكبر الظن أنه اندفع إلى ذلك تحت تأثير حساسيته الخاصة فمثله ممن يتطير ويتشاءم ويكبر التوافه لا بد أن يلتزم ذلك في تصويره ومعانيه؛ فهو كثير الخيال والأحلام، يتصور الخيال والحلم حقيقة فينفعل ويعظم انفعاله.
ويكبر تصوره ويتضخم، فإذا المعاني والأشياء تتجسم أمامه وتشخص، وإذا لها كل ما للأحياء من خواص وصفات، فهي تعقل عقلها، وهي تحس إحساسها وهي تشعر شعورها، ولعل هذا هو ما جعله يستعير من أبي تمام هاتين الأداتين من التجسيم والتعقيد وإن كان أبو تمام يستعلي عليه بما يستعين به من الغموض والدقة والتعقيد في التصوير. وهذا هو ما يفرق دائمًا بين الصانعين والمصنعين في القرن الثالث، فإن الأولين يستخدمون أدوات الأخيرين، ولكن دون أن يعقدوا فيها، أو يغيروا في صورها وأشكالها. وكما حدث ذلك عند ابن الرومي في استخدام ألوان التصنيع حدث كذلك في استخدامه لألون الثقافة القاتمة فإنها لم تتحول عنده إلى ألوان فنية زاهية. والحق أن أصحاب الصنعة كانوا من ذوق آخر فهم لا يهتمون باستخدام أدوات التصنيع دائمًا، وهم حين يستخدمونها لا يكثرون منها ولا يعقدون فيها ولا يضيفون إليها ألوانًا جديدة من ثقافة أو فلسفة على نحو ما سنرى عند أبي تمام.
стр. 231
٧- الهجاءُ السَّاخِرُ:
لعل من أهم الجوانب التي تلفت النظر في شعر ابن الرومي جانب الهجاء؛ فقد أعده مزاجه الحاد وقدرته البارعه في لمح الدقائق والعيوب الجسمية لضرب من الهجاء يمكن أن نسميه "الهجاء الساخر"؛ إذ كان يعبث بمهجويه عبثًا.
стр. 232
لاذعًا يشبه عبث أصحاب الصور "الكاريكاتورية"؛ فهو يقف عند نواحي الضعف ويكبرها ويظهرها في أوسع صورة لها، حتى ليثير الضحك والإشفاق على من يتناوله منهم؛ إذ يصنع بهم صنيع أصحاب الصور "الكاريكاتورية" فهم يضعون رأسًا كبيرًا على جسم صغير، أو يخالفون في أعضاء الجسم فيركبونها عليه تارة بالطول وتارة بالعرض، وهو تركيب مضحك في كل صوره وهيئاته، وكذلك كان ابن الرومي يتناول من يهجوه فيشوهه تشويهًا غريبًا، مستخدمًا ما يمتاز به من بعض النقائص الجسدية، وانظر إليه يقول في الأحدب الذي كان يتطير به:
قصُرت أخادعُه وغاب قذالُهُ ... فكأنَّه متربِّص أن يُصفعا١
وكأنما صفعت قفاه مرَّة ... وأحسَّ ثانيةً لها فتجمَّعا
ويقول في بعض مهجويه:
وجهكَ يا عمرو فيه طولُ ... وفي وجوهِ الكلابِ طولُ
والكلبُ وافٍ وفيك غدرٌ ... ففيك عن قدره سُفُولُ
وقد يحامي عن المواشي ... وما تحامي ولا تصولُ
وأنت من أهلِ بيتِ سوءٍ ... قصتُهم قصةٌ تطولُ
وجوههم للوري عظاتٌ ... لكن أقفاءهم طبولُ
مستفعلن فاعلن فعولُ ... مستفعلن فاعلن فعولُ
بيتٌ كمعناك ليس فيه ... معنى سوى أنه فضولُ
وعلي نحو ما كان يلتقط العيوب الجسدية كان يلتقط العيوب الصوتية والمعنوية، يقول في مغنٍّ قبيح الصوت:
وتحسب العين فكيه إذا اختلفا ... عند التنغُّم فكَّي بغلِ طحَّانِ
ويقول في بخيل يسمى عيسى:
стр. 233
جوانب أخرى في صناعة ابن الرومي
...
٨- جوانبُ أخرى من صناعةِ ابنِ الروميّ:
كان ابن الرومي من أصحاب مذهب الصنعة؛ ولكن عقله كان أميل إلى التجديد فاستحدث هذا الضرب السابق من الهجاء، كما اتخذ لنفسه التعبير بالتشخيص
стр. 234
والتجسيم. ولم يقف عند ذلك فنحن نجده يعنى بجوانب أخرى في صناعته، ولعل من أهم هذه الجوانب ما يلاحظ عليه من استخدام لوني الطباق والجناس، وهو يشبه البحتري في هذا الجانب؛ إلا أن البحتري كان يكثر من الطباق؛ بينما كان ابن الرومي يكثر من الجناس، وارجعْ إلى أبياته السابقة التي جسم فيها هنوات القاسم بن عبيد الله فإنك تجده يقول فيها:
قلت لما بدت لعينيَّ شُنعًا ... ربَّ شوهاءَ في حشا حسناءِ
قلن لولا انكشافُنا ما تجلَّت ... عنك ظلماءُ شبهةٍ قتماء
قلت أعجب بكن من كاسفاتٍ ... كاشفاتٍ غواشيَ الظلماءِ
فهو يطابق بين كلمتي شوهاء وحسناء، وهو يجانس بين كلمتي كاسفات وكاشفات؛ إلا أنه يلاحظ أن ابن الرومي لم يكن يكثر من هذين اللونين؛ فهو ليس من أصحاب التصنيع إنما هي أشياء تسقط في بعض شعره، وقد لا تسقط؛ إذ هي لا تأتي عنده كمذهب، إنما تأتي كما تأتي عند البحتري على أنها أدوات مستحدثة لا بأس من استخدامها، ولكن الشاعر لا يتقيد بها، بل هو يستخدمها في الحين بعد الحين، وقد يكثر من استخدامها في بعض نماذجه، وقد يعود إلى نفسه فلا يستخدمها في النماذج الأخرى.
على أن ابن الرومي كان يهتم بجانب آخر في صناعته، وهو جانب القافية؛ فقد كان يطلب شواذها ولا يترك حرفًا شاردًا من حروفها؛ إلا ويؤلف عليه قصيدة أو قصائد مختلفة، وليس ذلك كل ما يلفتنا في صناعة قوافيه؛ إنما تلفتنا جوانب أخرى أشار إليها القدماء، يقول ابن رشيق: "كان ابن الرومي يلتزم حركة ما قبل الروي في المطلق والمقيد في أكثر شعره اقتدارًا"١، فمن ذلك في الروي المطلق:
لم يسترحْ من له عينٌ مؤرقةٌ ... وكيف يعرف طعمَ الرَّاحةِ الأرِِقُ
فقد مضى في هذه المقطوعة يلتزم كسرة قبل الروي وهو هنا مطلق،
стр. 235
ويماثله في المقيَّد قصيدته:
أبَينَ ضلوعي جمرةٌ تتوقَّد ... على ما مضى أم حسرةٌ تتجددُ
فقد التزم الفتحة قبل الرَّوي. وعلى هذا النمط نجد ابن الرومي يصعِّب على نفسه في قوافيه وحركاتها؛ بل إنه يصعِّب على نفسه في حروفها أيضًا، يقول ابن رشيق: "وكان ابن الرومي خاصة من بين الشعراء يلتزم ما لا يلزم في القافية حتى إنه لا يعاقب بين الواو والياء في أكثر شعره قدرة على الشعر واتساعًا فيه"١؛ فمن ذلك مطولته:
شابَ رأسي ولاتَ حين مشيبِ ... وعجيبُ الزمانِ غيرِ عجيبِ
فقد التزم فيها الياء قبل الرَّوِيِّ كما التزم الواو في مقطوعته السابقة:
وجهُك يا عمرو فيه طولُ ... وفي وجوهِ الكلابِ طولُ
ويقول صاحب سرِّ الفصاحة: "إنه قد يلتزم الحرف وحركته قبل الروى، وذلك كثير في شعره"٢، ونحن نجد في ديوانه مطولة يبدؤها على هذا النمط:
صبرًا على أشياءَ كلِّفتُها ... أعقبتها الدَّنَّ وسُلِّفتُهَا
وقد مضى يلتزم فيها الفاء قبل الروى، وكأنه كان يرى أن الروي في هذه المطولة هو الفاء لا الهاء ولا التاء. وأكبر الظن أن هذا الجانب عند ابن الرومي لم يكن يأتي به ليدل على مقدرة فنية؛ وإنما كان يأتي به مزاجه الحاد، كأنه كان يرى لشدة حسِّهِ أن الفاء هي الروي فالتاء والهاء ضميران. وهو كذلك يرى أن المعاقبة بين الواو والياء تُخرج الشعر عن قوافيه أيضًا فهو يستريح أكثر لالتزام الحركة السابقة للروي، ومن أجل ذلك كله كان يُصَعِّب على نفسه في قوافيه، وهو تصعيب يأتي من مزاجه الحاد وإحساسه المرهف.
ومهما يكن فإن ابن الرومي لم يستطع أن ينتقل بصناعته من دائرة الصانعين
стр. 236
إلى دائرة المصنِّعين؛ لأنه كان يفهم الشعر بصورة أقرب من الصورة التي علقت بأذهان أصحاب التصنيع؛ فلم يكن يعتقد مثلهم بأن الشعر جهود عنيفة يبذلها الشعراء في استحداث تلك الزخارف الدقيقة التي شغف بها أبو تمام وأمثاله. ليس الشعر زخرفًا وتصنيعًا؛ بل هو تعبير، ومن الممكن أن يضاف إلى هذا التعبير شيء من الحلي والوشي المرصَّع، ولكن في خفة، وبدون أن يتعمد ذلك الشاعر تعمدًا يخرج به عن غرضه الأساسي من التعبير عن خواطره إلى التعبير عن ألوان التصنيع الأنيقة. ومن هنا كانت جماعة الصانعين تستعير أدوات التصنيع في بعض الأحيان، ولكن دون أن تستمرَّ في ذلك، ودون أن تتخذها مذهبًا في صناعتها، قد تطبقها ولكنها لا تستمر في التطبيق. وربما أخفقت في هذا التطبيق، كما أخفق البحتري في كثير من طباقه، وكما أخفق ابن الرومي أحيانًا في استخدامه للفلسفة كزخرف جميل؛ فقد رأيناه يقف في هذا الجانب عند استعارة الصياغة المنطقية؛ بينما رأينا أبا تمام يستخدم الفلسفة فيعقد بها في طباقه، ويستخرج هذا اللون الجديد من نوافر الأضداد الذي سبق أن وصفناه.
ونحن نلاحظ من طرف آخر أن طائفة الصانعين كانت تختلف فيما تستعيره من أدوات المصنعين ووسائلهم؛ فقد كان البحتري يستعير أدوات الطباق والجناس؛ بينما كان ابن الرومي يوسع هذه الاستعارة إلى أدوات من الثقافة والمنطق والتشخيص والتجسيم. ونفس الأدوات التي اتفقا في استعارتها اختلفا في استخدامها؛ فقد كان البحتري يعجب بالطباق أكثر مما يعجب بالجناس؛ بينما كان ابن الرومي يعجب بالجناس أكثر مما يعجب بالطباق. ونفس الجناس اختلفا في استخدامه؛ فبينما كان البحتري يستخدم الجناس الكامل كان ابن الرومي يكثر من استخدام جناس الاشتقاق. وليس هذا كل ما بينهما من خلاف؛ فقد اختلفا في صنعة الأسلوب نفسه؛ إذ كان البحتري يعنى بصفاء تعبيره حتى يحدث فيه صناعته الصوتية الخاصة.
وكل ذلك دليل على أن جماعة الصانعين في القرن الثالث كانت تستعير من جماعة المصنعين بعض أدوات التصنيع غير أنها لم تكن تطبقها في نماذجها
стр. 237
جميعًا؛ إذ كانت تستخدمها من حين إلى حين؛ ولكن دون أن تفهم أن الشعر زخرف خالص ووشي وتنميق. لم تكن جماعة الصانعين تشقُّ على نفسها في فَهم صناعة الشعر بل كانت تفهمها فهمًا بسيطًا، أو على الأقل لم تكن تفهمها فهمًا معقدًا تعقيدًا شديدًا كما هو الشأن عند جماعة المصنعين، وهي لذلك لا تعقِّد في زخرفها ولا تحاول أن تستخرج من الثقافة والفلسفة زخرفًا جديدًا على نحو ما سنرى عند أبي تمام؛ إنما هي تقف عند الزخرف القديم زخرف مسلم، ومع ذلك فهي لا تستخدمه استخدامًا واسعًا؛ إنما هو استخدام يأتي من حين إلى حين. وليس من شك في أن هذا الاستخدام يدل دلالة واضحة على أن موجة التصنيع في هذا القرن كانت عنيفة، وسنتعقبها في الفصل التالي ونرى ما أصابها من حِدَّة.
стр. 238
الفصل الخامس: التعقيد في التصنيع
أبو تمام أصله وحياته وثقافته
...
الفصل الخامس: التعقيدُ في التصنيعِ
خذها مثقفة القوافي ربها ... لسوابغ النعماء غير كنود
حذاء تملأ كل أذن حكمة ... وبلاغة وتدر كل وريد
كالدر والمرجان ألف نظمه ... بالشذر في عنق الكعاب الرود
كشقيقة البرد المنمنم وشيه ... في أرض مهرة أو بلاد تزيد
أبو تمام
١- أبو تمام أصلُهُ وحياتُهُ وثقافتُهُ:
لعل أهم شاعر يمثل مذهب التصنيع في القرن الثالث الهجري هو أبو تمام؛ فقد انتهى المذهب عنده إلى الغاية التي كان يرنو إليها شعراء العصر العباسي من الزخرف والتنميق. وهو حبيب بن أوس الطائي، وشك بعض القدماء في طائيته، وقالوا إن أباه كان خَمَّارًا نصرانيًّا من دمشق يدعى تدوس؛ فحرَّفه أبو تمام إلى أوس وانتسب في طيئ١، وظن مرجليوث أن هذا الاسم اختصار لتيودوس٢ وتبعه طه حسين؛ فقال إنه اسم يوناني واستظهر أن يكون أبو تمام طائيًّا بالولاء٣.ومن يقرأ شعره وفخره العارم بطيِّئ لا يشك في أنه طائي صليبة وأنه من صميم طيئ لا دعيّ فيها ولا من مواليها.
وقد ولد أبو تمام بقرية جاسم على الطريق بين دمشق وطبريَّة، واختلف في السنة التي ولد فيها، فقيل: سنة ١٧٢، وقيل: سنة ١٨٢ أو ١٨٨ أو ١٩٠ ونشأ في دمشق؛ حيث بدأ حياته بحياكة الثياب، ويظهر أنه أخذ يختلف في أثناء ذلك إلى حلقات العلم والأدب، ولم تلبث مواهبه الأدبية أن استيقظت في نفسه
стр. 239
فانتقل من حياكة الثياب إلى حياكة الشعر ونسجه، وترك دمشق إلى حمص، ومدح بني عبد الكريم الطائيين وغيرهم من سراتها اليمنيين، وتعرض لخصومهم يهجوهم. ونراه يرحل إلى مصر، وينزل في الفسطاط، ويعيش من السقاية بمسجدها الجامع الكبير، ويرتوي ما في هذا المسجد من حلقات العلم والدرس، ويساجل الشعراء المصريين، ويمدح عَيَّاش بن لهيعة عامل الخراج، ويهجوه حين لا يجد عنده ما يؤمله. وفي كتاب الولاة والقضاة للكندي أشعار له نظمها بين سنتي ٢١١و ٢١٤ وهي تشير إلى الفترة التي قضاها بمصر، وهي فترة لم يلق فيها ما كان يرجوه من نجاح مادي؛ غير أنها كانت عظيمة الأثر في شعره، لما تمثله من المعارف والثقافات، ولما دار بينه وبين الشعراء المصريين من منافسات، ورجع إلى موطنه دمشق يمدح، ويهجو من يمدحهم؛ لأنهم لا يعرفون له قدره. وحاول المثول بين يدي المأمون في إحدى زياراته للشام، ولكن الأبواب أوصدت في وجهه، فتحول إلى الموصل وتنقل بينه وبين وطنه ويظهر أنه زار أرمينية فمدح واليها خالد بن يزيد الشيباني، وأجزل له في العطاء.
ويتوفَّى المأمون سنة ٢١٨ للهجرة، فيولِّي وجه نحو بغداد، وتقبل عليه الدنيا؛ إذ يقربه المعتصم، ويصبح أكبر شاعر يتغنى بأعماله وأحداث خلافته من مثل فتح عمورية والقضاء على ثورة بابك الخرَّمي وقتل الأفشين. ويتهاداه رجال الدولة الممتازين من مثل محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم والواثق، وأحمد بن أبي دؤاد القاضي وغيرهما من كبار القواد والعُمَّال أمثال أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري، وأبي دلف العجلي، وجعفر الخياط ومالك بن طَوق، والحسن بن رجاء، والحسن بن وهب. ونال حظوة الواثق بعد المعتصم، ونراه يرحل إلى خراسان -وربما كان ذلك عقب نزوله بغداد- ليمدح عبد الله بن طاهر حين استقل بها، وفي أثناء رجوعه مرَّ بهمذان، فأكرمه أبو الوفاء بن سلمة، وحبسه الثلج هناك مدة طويلة، فانكب على خزانة كتبه، ولم يلبث أن فكر في تأليف مجاميع من الشعر، فألف خمسة كتب أهمها الحماسة التي دَوَّت شهرتها. وعاد إلى بغداد وتتوثق الصلة بينه وبين الحسن بن وهب كاتب
стр. 240
ابن الزيات؛ فيولِّيهِ على بريد الموصل غير أن حياته لم تَطُلْ به فقد لبَّى داعي ربه سريعًا، واختلف القدماء في سنة وفاته، كما اختلفوا في سنة ولادته، والراجح أنها سنة ٢٣١.
وكان أبو تمام يأخذ نفسه بثقافة واسعة حتى قالوا إنه عالم١ وقالوا إن شعره يعجب أصحاب الفلسفة والمعاني٢، ويظهر أنه كان يحذق علم الكلام وأصوله وفروعه، كما كان يحذق كثيرًا من الثقافات الفلسفية والتاريخية والإسلامية واللُّغَويَّة؛ حتى العقائد والنِّحَل المختلفة على نحو ما نرى في قوله:
فلو صح قول الجعفريةِ في الذي ... تنص من الإلهام خِِلناك مُلهما
يقول التبريزي: "الجعفرية قوم من الشيعة يغلون في جعفر بن محمد ويزعمون أنه يلهم الأشياء ويعلمها، وكذلك يعتقدون في أئمتهم الإلهام وأنهم يطلعون على الغيب"٣. وفي شعره ألفاظ كثيرة تدل على ثقافاته المتنوعة، فمن ذلك قوله:
كم في النَّدى لك والمعروف من بدعٍ ... إذا تُصُفِّحت اختيرت على السُّننِ
فقد ذكر البدع والسنن، وهما من ألفاظ الفقهاء، ومن ذلك قوله في الخمر:
خرقاءُ يلعب بالعقول حبابُها ... كتلاعبِ الأفعالِ بالأسماءِ
فقد تكلَّف لذكر الأفعال والأسماء كأنه من أصحاب النحو، ومن ذلك قوله:
صاغَهُم ذو الجلال من جَوْهرِ المجْـ ... ـدِ وصاغ الأنام من عَرَضِهِ
يقول التبريزي: "هذا مأخوذ من الجوهر والعرض اللذين وضعهما المتكلمون؛ لأن الجوهر عندهم أثبت من العرض"٤. ومن ذلك قوله:
لن ينال العلا خصوصًا من الفتـ ... يان من لم يكن نداه عمومًا
فقد ذكر الخصوص والعموم، وهما من ألفاظ المناطقة. ومن ذلك قوله:
هب من له شيءٌ يريدُ حجابه ... ما بالُ لا شيء عليه حجابُ
стр. 241
فقد عبَّر عن العدم بكلمة لا شيء، وهي من كلام الفلاسفة. وكان كثيرًا ما يتكلف لإشارات تاريخية كقوله يدعو مالك بن طوق التغلبي إلى الصفح عن قوم تألَّبوا عليه:
لك في رسولِ اللهِ أعظمُ أسوةٍ ... وأجلُّها في سنةٍ وكتابِ
أعطى المؤلَّفة القلوبِ رضاهم ... كرمًا ورد أخايذَ الأحزاب
وهو يشير بذلك إلى ما حدث بعد موقعة حنين من تألف الرسول قلوب جماعة من قريش وغيرهم بما أعطاهم من الغنائم، وكأنه رد إليهم ما سبق أن أخذه في بعض حروبه منهم. ونراه يقول في الأفشين وإيقاعه ببابك:
ما نال ما قد نال فرعون ولا ... هامان في الدنيا ولا قارونُ
بل كان كالضحَّاك في سَطَواتِهِ ... بالعالمينَ وأنت أفريدون
والضحاك وأفريدون من ملوك الفرس الأسطوريين.
وكان أبو تمام يضيف إلى هذه الثقافة الواسعة ثقافة فنية لا تقل عنها اتساعا، كما تشهد بذلك مصنفاته الكثيرة التي اختارها من الشعر القديم والحديث، وقد طبع منها ديوان الحماسة بشرح التبريزي والمرزوقي.
стр. 242
٢- ذكاءُ أبي تمامٍ وتصنيعُهُ:
وكان ينهض بهذه الثقافة العميقة ذكاء نادر، ويقص القدماء من أخباره في هذا الجانب قصصًا كثيرًا؛ فمن ذلك أنه امتدح أحمد بن المعتصم بقصيدة سينية؛ فلما انتهى منها إلى قوله:
إقدامُ عمروٍ في سماحةِ حاتمِ ... في حِلمِ أحنفَ في ذكاءِ إياس١
стр. 243
قال له الكندي الفيلسوف، وكان حاضرًا: الأمير فوق ما وصفت، فأطرق قليلًا، ثم رفع رأسه وأنشد:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلًا شرودًا في النَّدى والباسِ
فالله قد ضرب الأقلَّ لنورِه ... مثلًا من المشكاة والنِّبْرَاس١
فعجبوا من سرعة فطنته٢:
وهذا الذكاء الحاد استخدمه أبو تمام استخدامًا واسعًا في تمثل الشعر الذي سبقه من قديم وحديث؛ فقد وعى وعيًا دقيقًا صورة الشعر العربي بجميع خطوطها وألوانها وكل ما يجري فيها من أضواء وظلال، وانتحى ناحية مسلم بن الوليد في تصنيعه؛ إذ كان ذوقه ذوق متحضرين يغرم بالتصنيع والزينة حتى في ثيابه ومطعمه٣، بل لقد كان ذوقه ذوق نحات أصيل، فهو يقيم قصائده وكأنه يرفع تماثيل باذخة. ولذلك لا نعجب حين نجده يتمسك بالأسلوب الجزل الرصين؛ فهو الذي يلائم ما يريد من ضخامة البناء ومتانته وقوته، وقد تحولت عنده معاني الشعر إلى ما يشبه جذاذات العلماء، فهو يتناولها ممن سبقوه ويخرجها إخراجًا جديدًا يستعين فيه بدقة فكره وروعة خياله، مضيفًا إليها كثيرًا من دقائق ذهنه وبدائع ملكاته.
ونحس كأن الشعر أصبح تنميقًا وزخرفًا خالصًا؛ فكل بيت في القصيدة إنما هو وحدة من وحدات هذا التنميق والزخرف، وهو ليس زخرفًا لفظيًّا فحسب، بل هو زخرف لفظي ومعنوي يروعنا فيه ظاهره وباطنه وما يودعه من خفيَّات المعاني وبراعات اللفظ. وبذلك انتهى مذهب التصنيع إلى غايته، وهو يقف فيه علمًا شامِخًا لا تتطاول إليه الأعناق، فكل من قلدوه من بعده كانوا يقعون دونه على السفح، ولعل ذلك ما عدل بالبحتري وابن الرومي عن الدخول معه في هذا المذهب العَسِر الذي صعَّب مسالكه ودروبه على
стр. 244
الشعراء، وقد عدل عنه المتنبي في القرن الرابع عدولًا لعله أشد من عدول البحتري وابن الرومي، وذهب يفسح في شعره للحكمة والشكوى من الزمن؛ ولكن لا تظن أنه ينفصل في ذلك عن أبي تمام؛ فربما كان هو الذي ألهمه هذا الاتجاه؛ إذ نراه كثيرًا ما يشكو في مطالع قصائده من الدهر وما يصيبه به من الأحداث والكوارث، إلا أنه لا يأتي بذلك منفصلًا عن الحب وشجونه كما يصنع المتنبي بل هو يمزج شكواه بحبه وبكائه ودموعه، وهي شكوى تختلط بغير قليل من الشعور بالكرامة والطموح الذي لا يُحَدُّ على نحو ما نجد في قصيدته:
أأيامنا ما كنتِ إلا مواهبًا ... وكنت بإسعاف الحبيب حبائبا
فإنه بعد حديثه عن حبه وصبابته يصور مغامراته في سبيل المجد ورحلاته التي طوَّف فيها مشارق العالم العربي ومغاربه وما صادفه من خطوب لم تكَفْكِف من عزمه، ولا خضدت من غرب همته، ويسوق في تضاعيف ذلك بعض الحكم من مثل قوله:
وقد يكهَمُ السيفُ المسمَّى منيةً ... وقد يرجع المرءُ المظفرُ خائبًا١
فآفةُ ذا أن لا يصادف مضربًا ... وآفةُ ذا أن لا يصادف ضاربًا
ودائمًا لا يتخاذل ولا يلين أمام حوادث الدهر، بل يغالبها مغالبة على شاكلة ما نجد عند المتنبي، وبذلك كله كان يقف في مفرق طريقين: طريق الزخرف والتصنيع، وطريق المتنبي من شكوى الزمن فيها قوة وطموح.
ومعنى ذلك أن التنميق والزخرف عند أبي تمام لا يحجبان عنا مشاعره وأحاسيسه بل هما جزء لا يتجزأ من هذه المشاعر والأحاسيس. ونحن لا نقرأ فيه حتى نحس أثر عنائه وأنه كان يجهد نفسه في صنع شعره إجهادًا شديدًا، وقد روى ابن رشيق في هذا الصدد عن بعض أصحابه أنه قال: "استأذنت على أبي تمام، فدخلت في بيت مصهرج قد غسل بالماء، فوجدته يتقلب يمينًا وشمالًا، فقلت: لقد
стр. 245
بلغ بك الحرُّ مبلغًا شديدًا، قال: لا، ولكن غيره، ومكث كذلك ساعة. ثم قام كأنما أطلق من عقال؛ فقال: الآن أردت، ثم استمدَّ وكتب شيئًا لا أعرفه، ثم قال: تدري ما كنت فيه منذ الآن؟ قلت: كلا. قال: قول أبي نواس "كالدهر فيه شراسة وليان" أردت معناه فشمس عليَّ. حتى أمكن الله منه فصنعت:
شرست بل لنت؛ بل قانيت ذاك بذا ... فأنت لا شك فيك السهلُ والجبلُ١
قال ابن رشيق: ولعمري لو سكت هذا الحاكي لنمَّ هذا البيت بما كان داخل البيت لأن الكلفة فيه ظاهرة والتعمل بَيِّن٢. ويروي ابن المعتز عن محمد بن قدامة أنه قال: "دخلت على حبيب بن أوس بقزوين وحواليه من الدفاتر ما غرق فيه فما يكاد يُرَى فوقفت ساعة لا يعلم بمكاني لما هو فيه، ثم رفع رأسه فنظر إلى وسلم على؛ فقلت له: يا أبا تمام إنك لتنظر في الكتب كثيرًا وتُدْمِن الدرس فما أصبرك عليها، فقال: والله ما لي إلف غيرها ولا لذة سواها وإني لخليق إن اتفقَّدها أن أحسن، وإذا بِحُزْمتين: واحد عن يمينه وواحدة عن شماله، وهو منهمك ينظر فيهما ويميزهما من دون سائر الكتب، فقلت: فما هذا الذي أرى عنايتك به أوكد من غيره؟ قال: أما التي عن يميني فاللَّات. وأما التي عن يساري فالعُزَّى، أَعْبُدُهما منذ عشرين سنة؛ فإذا عن يمينه شعر مسلم بن الوليد صريع الغواني، وعن يساره شعر أبي نواس"٣. ويقول ابن المعتز: إن له ستمائة قصيدة وثمانمائة مقطوعة، وأكثر ما له جيد، والرديء الذي له إنما هو شيء يستغلق لفظه فقط فأما أن يكون في شعره شيء يخلو من المعاني اللطيفة والمحاسن والبدع الكثيرة فلا، وقد أنصف بالبحتري لما سئل عنه وعن نفسه فقال: "جيده خير من جيدي ورديئي خير من رديئه، وذلك لأن البحتري لا يكاد يغلظ لفظه؛ إنما ألفاظه كالعسل حلاوة، فإما أن يشقَّ غبار الطائي في
стр. 246
الحذق بالمعاني والمحاسن فهيهات، بل يغرق في بحره؛ على أن للبحتري المعاني الغزيرة ولكن أكثرها مأخوذ من أبي تمام ومسروق من شعره"١
وهذا الإحسان الرائع الذي وصفه ابن المعتز إنما كان نتيجة ما يبذله من جهد لاحَظَهُ معاصروه، ويروي الصُّولي أن إسحاق الموصلي سمعه ينشد بعض أشعاره فقال له: "إنك تتكئ على نفسك"٢ وينسب إلى الكندي الفيلسوف أنه قال: "هذا الفتى يموت قريبًا؛ لأن ذكاءه ينحت عمره كما يأكل السيف الصَّقيل غمده"٣ وفي رواية أخرى أنه قال: "هذا الفتى يموت شابًا؛ فقيل له: ومن أين حكمت عليه بذلك؟ فقال: رأيت من الحدة والذكاء والفطنة مع لطافة الحس وجودة الخاطر ما علمت أن النفس الروحانية تأكل جسده كما يأكل السيف غمده"٤. وهناك أسطورة تزعم أن الدم ظهر في عينيه من شدة التفكير. فتنبأ له الناس بالموت٥.
والحق أن من يقرأ في شعر أبي تمام يحس إحساسًا واضحًا بأنه كان يشقى في بنائه واستنباط معانيه كما يشقى صيادو اللؤلؤ فهو يتنفس فيه الدم، وكان يشعر بذلك في دقة؛ فأكثر من وصف أشعاره بالإغراب والغرابة على شاكلة قوله:
خذها مغرِّبةً في الأرض آنسةً ... بكل فهمٍ غريبٍ حين تغتربُ
وقوله:
يغدون مغترباتٍ في البلاد فما ... يزلن يؤنسن في الآفاق مغتربا
فهو يطلب الإغراب في فنه، حتى يسبغ على شعره كل ما يمكن من آيات الفتنة والروعة، وقد عاش لصناعته ينمِّيها ويخلع عليها كل ما يمكن من وسائل الزخرف والتصنيع، وما زال بها حتى جعلها تنميقًا وزينة خالصة؛ فهي حَلْيٌ أنيق ووشي مرصع كثير، وصوَّر ذلك في بعض شعره، فقال:
стр. 247
خذها مثقفةَ القوافي، ربها ... لسوابغ النَّعماء غير كنودِ١
حذَّاء تملأ كلَّ أذن حكمةً ... وبلاغةً وتُدِرُّ كل وريد٢ِ
كالدر والمرجان ألِّف نظمُهُ ... بالشَّذر في عنق الكعاب الرُّود٣
كشقيقة البرد المنمنم وَشْيُهُ ... في أرض مهرة أو بلاد تزيد٤
فأشعاره كالقلائد يصوغها الصائغ الحاذق؛ ففي كل شق منها درٌّ ومرجان وشذور من الذهب، بل هي كبرود أرض مهرة وتزيد، التي نمنمها الوشي ونَمَّقها النقش.
стр. 248
٣- استخدامُ أبي تمامٍ لألوانِ التصنيعِ القديمةِ:
كان أبو تمام يستخدم في صناعة هذا النسيج المنمق وشي التصنيع القديم الذي قابلنا عند مسلم، ونقصد تلك الألوان من المحسنات التي تسمى بالطباق والجناس والمشاكلة والتصوير، والتي يقوم في نفوس كثير من الناس أنها كل ما كان يعتمد عليه الشاعر العباسي من وشي في تطريز شعره وتنميقه، وسنرى أبا تمام يضيف إليها وشيًا آخر من الثقافة والفلسفة، لعله أروع من هذا الوشي المعروف؛ على أنه يحسن بنا أن نتساءل هل كان أبو تمام يستخدم الوشي القديم بنفس الصورة التي تركها مسلم، أم هو حرَّف فيه وعدَّل في كثير من جوانبه؟ ولعل أول ما يلاحظ على أبي تمام في هذا الجانب أنه كان يتفوق على أستاذه في الإكثار من هذا الوشي وألوانه، ولاحظ ذلك القدماء، يقول الباقلاني:
стр. 249
"وربما أسرف أبو تمام في الْمُطابق والْمُجانس ووجوه البديع من الاستعارة حتى استثقل نظمه واستُوخم رصفه"١. وانظر إلى مطلع القصيدة الأولى في ديوانه؛ إذ يقول في مديح خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني وقد عزم المعتصم أن يولِّيه الحرمين ثم رجع عن عزمه:
يا موضعَ الشدِّ نية الوجناء ... ومصارعَ الأدلاجِ والإسراءِ٢
أَقْرِ السلامَ معرفًا ومحصبًا ... من خالد المعروف والهيجاءِ٣
سيلٌ طمى لو لم يذده ذائد ... لتبطَّحت أولاه بالبطحاء
وغدت بطن مِنًى مُنى من سيبه ... وغدت حرى منه طهور حراء٥
وتعرَّفت عرفاتُ زاخرة ولم ... يخصص كداء منه بالإكداء٦
ولطابَ مرتَبَعٌ بطيبة واكتست ... بُرْدَين بُرد ثري وبرد ثراء٧
لا يُحْرَمُ الحرمان خيرًا إنهم ... حُرِموا به نوءًا من الأنواء٨
فإنك تلاحظ لون الجناس واضحًا في هذه الأبيات التي يمدح بها خالد بن يزيد الشيباني، وكان واليًا على الثغور، ثم غضب عليه المعتصم وأراد نفيه،
стр. 250
فرغب خالد أن يكونه خروجه إلى مكة، ثم شفع فيه ابن أبي دؤاد فاستقر على حاله. وهنا استغلَّ أبو تمام الموقف فجاء يقرئ السلام أهل مكة من خالد المعروف بفعل الجميل وشجاعة الحروب. ثم استمر يجانس بين يذود وذائد، وبطحاء وتبطحت، ومِنًى ومُنًى، وحرا وحراء، وتعرَّفت وعرفات، وكداء وإكداء. وطيبة وطابت، والحرمان ويحرم. وليس من شك في أن هذه مهارة فائقة من أبي تمام حين استغل تلك الأماكن في جناسه، وقد أكثر منه كثرة مفرطة؛ ولكن ليس هذا كل ما يلفتنا في جناس أبي تمام بالقياس إلى مسلم أستاذه؛ إنما يلفتنا ما فيه من "تصوير" يلتفُّ على هذا الجناس ويحتضنه، فيعطيه شيات أخرى، كأنها ليست هي التي نعرفها له، واقرأ له هذه الأبيات في مطلع إحدى قصائده لابن الزيات.
متى أنت عن ذُهلية الحي ذاهلُ ... وقلبُك منه مدَّة الدهر آهلُ١
تطلُّ الطلولُ الدمعَ في كل موقفٍ ... وتمثلُ بالصبر الديار المواثل٢
دوارسُ لم يجفُ الربيع ربوعها ... ولا مرَّ في أغفالها وهو غافل٣
فقد سحبت فيه السحائب ذيلها ... وقد أخملت بالنور منها الخمائلُ٤
تعفين من زاد العُفاةِ إذا انتحى ... على الحي صرفُ الأزمة المتحامل٥
لهم سلفٌ سُمْرُ العوالي وسامرٌ ... وفيهم جمالٌ لا يغيضُ وجاملُ٦