الحذق بالمعاني والمحاسن فهيهات، بل يغرق في بحره؛ على أن للبحتري المعاني الغزيرة ولكن أكثرها مأخوذ من أبي تمام ومسروق من شعره"١
وهذا الإحسان الرائع الذي وصفه ابن المعتز إنما كان نتيجة ما يبذله من جهد لاحَظَهُ معاصروه، ويروي الصُّولي أن إسحاق الموصلي سمعه ينشد بعض أشعاره فقال له: "إنك تتكئ على نفسك"٢ وينسب إلى الكندي الفيلسوف أنه قال: "هذا الفتى يموت قريبًا؛ لأن ذكاءه ينحت عمره كما يأكل السيف الصَّقيل غمده"٣ وفي رواية أخرى أنه قال: "هذا الفتى يموت شابًا؛ فقيل له: ومن أين حكمت عليه بذلك؟ فقال: رأيت من الحدة والذكاء والفطنة مع لطافة الحس وجودة الخاطر ما علمت أن النفس الروحانية تأكل جسده كما يأكل السيف غمده"٤. وهناك أسطورة تزعم أن الدم ظهر في عينيه من شدة التفكير. فتنبأ له الناس بالموت٥.
والحق أن من يقرأ في شعر أبي تمام يحس إحساسًا واضحًا بأنه كان يشقى في بنائه واستنباط معانيه كما يشقى صيادو اللؤلؤ فهو يتنفس فيه الدم، وكان يشعر بذلك في دقة؛ فأكثر من وصف أشعاره بالإغراب والغرابة على شاكلة قوله:
خذها مغرِّبةً في الأرض آنسةً ... بكل فهمٍ غريبٍ حين تغتربُ
وقوله:
يغدون مغترباتٍ في البلاد فما ... يزلن يؤنسن في الآفاق مغتربا
فهو يطلب الإغراب في فنه، حتى يسبغ على شعره كل ما يمكن من آيات الفتنة والروعة، وقد عاش لصناعته ينمِّيها ويخلع عليها كل ما يمكن من وسائل الزخرف والتصنيع، وما زال بها حتى جعلها تنميقًا وزينة خالصة؛ فهي حَلْيٌ أنيق ووشي مرصع كثير، وصوَّر ذلك في بعض شعره، فقال:
стр. 247
خذها مثقفةَ القوافي، ربها ... لسوابغ النَّعماء غير كنودِ١
حذَّاء تملأ كلَّ أذن حكمةً ... وبلاغةً وتُدِرُّ كل وريد٢ِ
كالدر والمرجان ألِّف نظمُهُ ... بالشَّذر في عنق الكعاب الرُّود٣
كشقيقة البرد المنمنم وَشْيُهُ ... في أرض مهرة أو بلاد تزيد٤
فأشعاره كالقلائد يصوغها الصائغ الحاذق؛ ففي كل شق منها درٌّ ومرجان وشذور من الذهب، بل هي كبرود أرض مهرة وتزيد، التي نمنمها الوشي ونَمَّقها النقش.
стр. 248
٣- استخدامُ أبي تمامٍ لألوانِ التصنيعِ القديمةِ:
كان أبو تمام يستخدم في صناعة هذا النسيج المنمق وشي التصنيع القديم الذي قابلنا عند مسلم، ونقصد تلك الألوان من المحسنات التي تسمى بالطباق والجناس والمشاكلة والتصوير، والتي يقوم في نفوس كثير من الناس أنها كل ما كان يعتمد عليه الشاعر العباسي من وشي في تطريز شعره وتنميقه، وسنرى أبا تمام يضيف إليها وشيًا آخر من الثقافة والفلسفة، لعله أروع من هذا الوشي المعروف؛ على أنه يحسن بنا أن نتساءل هل كان أبو تمام يستخدم الوشي القديم بنفس الصورة التي تركها مسلم، أم هو حرَّف فيه وعدَّل في كثير من جوانبه؟ ولعل أول ما يلاحظ على أبي تمام في هذا الجانب أنه كان يتفوق على أستاذه في الإكثار من هذا الوشي وألوانه، ولاحظ ذلك القدماء، يقول الباقلاني:
стр. 249
"وربما أسرف أبو تمام في الْمُطابق والْمُجانس ووجوه البديع من الاستعارة حتى استثقل نظمه واستُوخم رصفه"١. وانظر إلى مطلع القصيدة الأولى في ديوانه؛ إذ يقول في مديح خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني وقد عزم المعتصم أن يولِّيه الحرمين ثم رجع عن عزمه:
يا موضعَ الشدِّ نية الوجناء ... ومصارعَ الأدلاجِ والإسراءِ٢
أَقْرِ السلامَ معرفًا ومحصبًا ... من خالد المعروف والهيجاءِ٣
سيلٌ طمى لو لم يذده ذائد ... لتبطَّحت أولاه بالبطحاء
وغدت بطن مِنًى مُنى من سيبه ... وغدت حرى منه طهور حراء٥
وتعرَّفت عرفاتُ زاخرة ولم ... يخصص كداء منه بالإكداء٦
ولطابَ مرتَبَعٌ بطيبة واكتست ... بُرْدَين بُرد ثري وبرد ثراء٧
لا يُحْرَمُ الحرمان خيرًا إنهم ... حُرِموا به نوءًا من الأنواء٨
فإنك تلاحظ لون الجناس واضحًا في هذه الأبيات التي يمدح بها خالد بن يزيد الشيباني، وكان واليًا على الثغور، ثم غضب عليه المعتصم وأراد نفيه،
стр. 250
فرغب خالد أن يكونه خروجه إلى مكة، ثم شفع فيه ابن أبي دؤاد فاستقر على حاله. وهنا استغلَّ أبو تمام الموقف فجاء يقرئ السلام أهل مكة من خالد المعروف بفعل الجميل وشجاعة الحروب. ثم استمر يجانس بين يذود وذائد، وبطحاء وتبطحت، ومِنًى ومُنًى، وحرا وحراء، وتعرَّفت وعرفات، وكداء وإكداء. وطيبة وطابت، والحرمان ويحرم. وليس من شك في أن هذه مهارة فائقة من أبي تمام حين استغل تلك الأماكن في جناسه، وقد أكثر منه كثرة مفرطة؛ ولكن ليس هذا كل ما يلفتنا في جناس أبي تمام بالقياس إلى مسلم أستاذه؛ إنما يلفتنا ما فيه من "تصوير" يلتفُّ على هذا الجناس ويحتضنه، فيعطيه شيات أخرى، كأنها ليست هي التي نعرفها له، واقرأ له هذه الأبيات في مطلع إحدى قصائده لابن الزيات.
متى أنت عن ذُهلية الحي ذاهلُ ... وقلبُك منه مدَّة الدهر آهلُ١
تطلُّ الطلولُ الدمعَ في كل موقفٍ ... وتمثلُ بالصبر الديار المواثل٢
دوارسُ لم يجفُ الربيع ربوعها ... ولا مرَّ في أغفالها وهو غافل٣
فقد سحبت فيه السحائب ذيلها ... وقد أخملت بالنور منها الخمائلُ٤
تعفين من زاد العُفاةِ إذا انتحى ... على الحي صرفُ الأزمة المتحامل٥
لهم سلفٌ سُمْرُ العوالي وسامرٌ ... وفيهم جمالٌ لا يغيضُ وجاملُ٦
стр. 251
فإنك تحس إحساسًا واضحًا بجمال هذا اللون من الجناس الذي كان يتكئ عليه أبو تمام في صنع نماذجه؛ ولكن احذر أن تظن أن هذا الجمال شيء مستقر في الجناس وحده إنما هو مستقر أيضًا فيما يدور فيه من أوعية "التصوير" التي ترى فيها الطلول تطل الدمع والربيع لا يجفو الربوع ولا يمر بها غافلًا، ثم تلك السحائب التي تجرر أذيالها وتلك الخمائل التي أخملت النور.
وفي هذا ما يجعلنا نلتفت إلى جانب مهم في استخدام ألوان التصنيع، ذلك أنها تستخدم على طريقتين: الطريقة الأولى أن تأتي متعاقبة لا يتعلق بعضها ببعض، كما نجد ذلك عند مسلم في كثير من أحواله، وكما نجد عند جماعة الصانعين في القرن الثالث من أمثال البحتري. أما الطريقة الثانية: فتمتزج فيها هذه الألوان، ويمر بعضها في بعض فتتغير شياتها وهيئاتها، كما نجد عند أبي تمام في أكثر أحواله. هناك إذن طريقتان في استخدام ألوان التصنيع، طريقة تستخدم فيها استخدامًا بسيطًا، وطريقة تعقد فيها تعقيدًا شديدًا؛ فاللون دائمًا يَتَّشح بألوان أخرى قد تطوقه أو تنطقه أو تقع في ذروته أوفي حاشيته، وهي في كل منظر من مناظرها تنتهي به إلى ما يشبه أن يكون لونًا جديدًا. ونحن ينبغي أن نميز تميزًا واضحًا بين هذين الصنيعين فنسمي ألوان التصنيع حين تأتي متتابعة دون أن تلتقي أو تتحد باسم: ألوان تصنيع مختلطة، أما حين تلتقي وتتحد ويدور بعضها في أوعية بعض فإننا نسميها باسم: ألوان تصنيع ممتزجة؛ فاللون لا يستمر بصورته الأولى بل يأخذ صورة جديدة يتجاذبها لونان أو أكثر. أما في مجموعة الألوان المختلطة فكل لون يحتفظ بصورته ولا يخرج إلى هيئة جديدة. ولعل أهم لون استعان به أبو تمام على هذا المزج والاتحاد هو لون التصوير؛ فقد كان يمزجه -كما رأينا- بالجناس، وكان يمزجه أيضًا بالطباق والمشاكلة، واقرأ هذا البيت:
كل يومٍ له وكل أوانٍ ... خلقٌ ضاحكٌ ومالٌ كئيبُ
فإنك ترى فيه طباقًا بين الضحك والكآبة؛ ولكنه ليس طباقًا خالصًا؛ ففيه شِيات لون آخر هو لون التصوير، وكأنما الكلمتان تتكافآن في النسبة إلى
стр. 252
اللونين. لم يعد الطباق شيئًامنفصلًا يحتفظ بهيئته الخاصة؛ بل هو يمتزج بلون آخر وكأنه يحيله عن لونه القديم، واقرأ هذا البيت:
ألبست فوق بياض مجدك نعمةً ... بيضاءَ تُسرع في سوادِ الحاسدِ
فإنك ترى فيه طباقًا بين البياض والسواد؛ ولكنه ليس طباقًا خالصًا فقد انغمس في لون آخر هو لون التصوير، إذا عبر عن غيظ الحاسد بالسواد ووصف نعمة صاحبه بالبياض. ولم يكتفِ بذلك، بل جعل هذا البياض يسرع في السواد وينتشر فيه، وانظر إلى هذا البيت:
وأحسنُ من نورٍ تفتِّحُهُ الصَّبا ... بياض العطايا في سواد المطالبِ
فقد استخدم الطباق حقًّا؛ ولكنه لم يكتفِ به. بل أضاف إليه التصوير والحركة. وعلي هذه الشاكلة نجد اللون عند أبي تمام يتعلق به لون آخر فيغيِّر في شياته وصفاته، وانظر إليه يصنع نفس هذا الصنيع بالمشاكلة إذ يقول:
أظن الدَّمعَ في خديَّ سيبقى ... رسومًا من بكائي في الرُّسومِ
فقد استعان على المشاكلة بهذا التصوير الغريب الذي يلتفُّ عليها؛ إذ جعل آثار الدمع في خده تشبه آثار ديار المحبوبة. وليس من شك في أن هذه طرافة في التصوير، وكان يستعين بهذه الطرافة دائمًا على لون المشاكلة حتى يعطيه هيئات جديدة، وانظر إليه يصف صواحبه:
لآلئٌ كالنجومِ الزهرِ قد لبستْ ... أبشارُها صدفَ الإحصانِ لا الصَّدفا
فهن لآلئ إلا أنهن متسربلات بصدف العفاف والطهر، وليس من شك في أنه صدف غريب غرابة وشي الخدود في قوله:
وثنوا على وشي الخدود صيانةً ... وشيَ البرودِ بِمُسْجَفٍ وممهَّدِ
فقد عبَّر عن زينة الخدود وما بها من حمرة وتلوين بهذا الوشي الغريب. وعلى هذا النمط يستمر أبو تمام يغمر اللون من الجناس أو الطباق أو المشاكلة في أصباغ لون التصوير؛ بل إن هذه الألوان جميعًا ليمر بعضها في أوعية بعض فإذا هي تتجلى في هيئات وشيات جديدة.
стр. 253
٤- التصويرُ في شعرِ أبي تمامٍ:
لعل أهم جوانب التصنيع القديم التي كان يستخدمها أبو تمام جانبُ التصوير الذي رأيناه يمتزج بالجناس والطباق والمشاكلة؛ فقد كان أبو تمام يشغف به شغفًا شديدًا، واستطاع أن يحلِّلَهُ إلى أصباغه المختلفة، وأن يستخدمها استخدامًا واسعًا في شعره؛ بحيث لا نجمع طائفة من صوره حتى تخرج لنا منها أصباغ تحكي أصباغ الطَّيف وهي أصباغ لا تتقيد بعدد ولا بوضع ولا بشكل خاص، ومع ذلك فنحن نستطيع أن نلاحظ في وضوح أنه كان يعتمد على صبغ التدبيج؛ حتى يعطي لصوره ألوانًا حسية ملموسة، كما نرى في مثل قوله:
كأن سوادَ الليلِ ثم أخضرارَهُ ... طيالسةٌ سودٌ لها كُففٌ خضرُ١
وقوله في عتاب صديق:
لا تبعدن أبدًا وإن تبعدْ فما ... أخلاقُك الخضرُ الرُّبى بأباعدِ
وإن الإنسان ليخيل إليه كأن أبا تمام استوعب جميع صور التدبيج في شعره، وكان ما يزال يحكم في صوره حتى يقول:
وصلتْ دموعًا بالنجيع فخدُّها ... في مثل حاشية الرِّداء المعلَمِ٢
فالدموع اختلطت بالدم وسالت على خدها حتى أصبح كأنه حاشية لرداء مخطط، أرأيت إلى هذه الصورة؟ إن أبا تمام يعتمد في ضبطها على التفصيل في التدبيج، وهو كثيرًا ما كان يلجأ إليه كأن يقول:
نضا ضوءُها صبغ الدُّجنةِ فانطوى ... لبهجتها ثوبُ الظلامِ المجزَّعِ٣
стр. 254
وأي طرافة وبراعة في التدبيج تبلغ هذا التصوير وما به من خيال وتلوين؛ فتلك صاحبته تخلع صبغ الليل بنورها، وهو صبغ تجري فيه خطوط من البياض والسواد، وانظر إلى قوله:
خضبتْ خدَّها إلى لؤلؤ العقـ ... ـدِ دمًا أن رأتْ شواتي خضيبا١
يقول: إن صاحبته قد خضبت خدها بالدمع إذا رأته قد اشتعل رأسه شيبًا؛ ولكنه لم يكتفِ بهذا التصوير والتدبيج، وكأني به أراد أن يجعلنا نشاهد منظر هذه الدموع وهي تتساقط؛ فأضاف الوضع وقال: إلى لؤلؤ العقد، وبذلك جعلنا نرى الصورة رؤية كأنها حقيقية فالدموع تتناثر على لؤلؤ العقد وتختلط بحباته وألوانه.
والحق أن أبا تمام كان يحسن هذا الصِّبْغ في تصويره إحسانًا شديدًا، وهو إحسان ينسينا مسلم بن الوليد؛ بل هو ينسينا ابن الرومي، وكان يعنى بالتصوير في شعره؛ إلا أنها عناية يقلد فيها أبا تمام أستاذه في هذا الفن، وكان يستعير منه هذا الصبغ من التدبيج، كما كان يستعير منه صبغين آخرين، هما: التجسيم والتشخيص. أما التجسيم فقد ملأ به أبو تمام شعره؛ إذ نراه يجسِّم المعاني في صور مادية حسية حتى تثبت في نفوسنا كأن يقول:
راحتْ غواني الحيّ عنك غوانيا ... يلبسن نأيًا تارةً وصدودا
أحلى الرجال من النساء مواقعًا ... من كان أشبههم بهن خدودا
فقد جسَّم النأي والصدود في هذه الثياب الغريبة غرابة ثوب الزمن في قوله لبعض ممدوحيه:
ومن زمنٍ ألبستنيه كأنَّهُ ... إذا ذُكرتْ أيامُهُ زمنُ الوردِ
وهي كله أثواب غريبة غرابة ذلك الشُّنُف من مآثر ممدوحه إذ يقول:
حتى لو أن الليالي صوِّرت لغدت ... أفعاله الغرُّ في آذانها شُنُفا٢
وصاغ أبو تمام من هذا التجسيم وشيًا كثيرًا في أشعاره بل صاغ بدعًا وخيالًا رائعًا على شاكلة قوله:
стр. 255
وركب يساقون الرِّكابِ زُجاجةً ... من السَّيرِ لم تقصد لها كف قاطبِ١
فقد أكلوا منها الغوارب بالسُّرى ... وصارت لها أشباحهم كالغوارب٢
وكان الشعراء منذ الجاهلية يتحدثون كثيرًا، عما تصنعه كثرة السُّرى بإبلهم من هزال ونحول حتى ليقولون إن سنامها تآكل. ولم يكد يلمُّ أبو تمام بهذا المعنى حتى أخرجه في تلك الصورة الخيالية المبعدة في الخيال؛ فإذا الراكبون يسقون إبلهم خمرًا من السير لم تمزج بماء، وفي أثناء ذلك تذوب أسنمتها ويصيبهم من الضمور ما يجعل الناظر من بعيد، يظنهم أسنمتها الحقيقية، ويمضي في القصيدة يمدح أبا دُلف العجلي؛ فيقول مضيفًا وشيًا واضحًا من التشخيص:
تكاد مغانيه تهشُّ عراصُها ... فتركب من شوقٍ إلى كل راكبِ
يرى أقبحَ الأشياءِ أوبةَ آملٍ ... كستة يدُ المأمول حُلَّة خائبِ
فالمغاني تهش سرورًا للنازلين؛ بل لكأنها تريد أن تقصد العُفاة لا أن تنتظرهم حتى يقصدوها. أما هو فلا يرى قبحًا أقبح من ثياب الخيبة والفشل. والقصيدة جميعها صور من هذا الطراز. ولا يزال يفتنُّ بهذا الخيال الرائع، الذي نتنقل في مباهجه وخاصة حين يصور الطبيعة، وقصيدته:
رقَّتْ حواشي الدهرِ فهي تَمَرْمرُ ... وغدا الثَّرى في حليه يتكسَّرُ٣
من فرائده في وصف الربيع، وقد جعله فاتحتها. وواضح أنه في المطلع يمثل الدهر في تلك الحواشي الزاهية المشرقة التي يتمايل فيها الثرى وكأنه عروس تتثنى في حليها وتتكَسَّر في زينتها. ويستمر فيتصور الربيع مجمعًا للشتاء والصيف؛ فمن هذين الضدين اللذين يتمثلان في طقسه وفيما أنبته الشتاء وأخرجه من نوره يتألف منظره البهيج، وما يزال حتى يقول:
وندًى إذا ادَّهنَتْ به لِمَمُ الثَّرى ... خلت السَّحاب أتاه وهو مُغَدَّرُ٤
стр. 256
فهو يتصور الندى بكرياته اللؤلؤية طيبًا سقط من غدائر السحاب وشعره المسترسل على لمم الثرى ولحاه من العشب والأشجار. ونمضي معه فيقول:
من كل زاهرة ترقرقُ بالندى ... فكأنها عينٌ إليك تحدرُ١
تبدو ويحجبها الجميمُ كأنها ... عذراءُ تبدو تارةً وتخفَّرُ٢
حتى غدت وهداتها ونجادها ... فئتين في حُلَلِ الربيعِ تبخترُ٣
وليس من شك في أن هذا تشخيص رائع. وقد ذهب أبو تمام يعمم هذا التشخيص في جميع صوره وأفكاره، ولم يقف به عند هذا الجانب من شعر الطبيعة؛ بل نشره في جميع جوانب شعره. على أن هذا الصنيع كان محور حملة، شديدة عليه، حملها النقاد المحافظون من أمثال الآمدي، وقد فتح فصلًا في كتابه "الموازنة" استعرض فيه طائفة من أبيات هذا الصِّبغ وصفها بالقبح؛ غير أن القبح عند الآمدي لا يعني قبح الصورة؛ إنما يعني -كما يقول- خروج أبي تمام على تقاليد العرب في استخدام الاستعارة؛ إذ هم يستخدمونها "فيما يقارب المشبه ويدانيه أو يشبهه في بعض أحواله أو يكون سببًا من أسبابه فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له وملائمة لمعناه"٤. وهنا يظهر التحكم في الفن والفنانين؛ فمن قال: إن الشاعر أو الفنان ينبغي أن لا يخرج دائمًا على التقاليد؟ إن من حق الفنان أن يجدِّد وأن يقترح من الأدوات ما يريد. ولعل التبريزي كان أكثر دقة من الآمدي حين قال إن أبا تمام له مذهب خاص في الاستعارة. وما دامت المسألة مسألة مذهب؛ فقد كان يَحْسُن بالآمدي وأمثاله من النقاد المحافظين أن يخضعوا لهذا المذهب الجديد، وأن يعرفوا أن هذا نوع آخر في الاستعارة ليس هو الاستعارة المألوفة، ومن الممكن أن يأتي ناقد ويسميه اسمًا جديدًا لا يتصل بالاستعارة، وهم أنفسهم قد سموه الاستعارة المكنية على نحو
стр. 257
ما نعرف في كتب البلاغة العربية؛ ولكنهم عادوا فاحتكموا إلى التشبيه في بيان هذه الاستعارة، وبذلك لم ينفع الاسم المقترح وعاد الخلط والإبهام.
وإنه ليحسن أن نفصل هذا الصِّبغ من التصوير عن الاستعارة ونصنع صنيع أصحاب البلاغة من الغربيين؛ إذ سموه باسم التشخيص١ "personification" وفضلوه عن المجاز "metaphor" وكان يسميه أرسططاليس قوة وضع الأشياء تحت العين٢؛ إذن كنا لا نقع في عيب أبي تمام ولومه على أساس تصور القدماء ونقَّادهم لهذا الجانب من التصوير.
وإنه لينبغي أن نعرف أن أبا تمام لم يحدث هذا الصبغ في اللغة العربية إحداثًا؛ فمن قبله نجد له أمثلة منتشرة في النصوص القديمة، وذكر ابن المعتز في كتابة البديع طرفًا٣ منها، من ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وقوله : ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ ، وجاء في الشعر الجاهلي، يقول امرؤ القيس في وصف الليل:
فقلتُ له لما تمطَّى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناءَ بكَلكَلِ٤
ويقول طفيل:
وجعلت كورى فوق ناجية ... يقتات لحم سنامها الرَّحل٥
ويقول لبيد:
وغداة ريحٍ قد كشفت وقرَّة ... إذا أصبحت بيدِ الشمالِ زمامُها٦
стр. 258
ولكن أبا تمام أكثر منه واتخذه مذهبًا له يغمر فيه أبياته، فما تزال تتألق في صبغ عجيب والحق أن الآمدي لم يكن موفقًا هو وأضرابه من النقاد المحافظين حين وضعوا لصبغ التشخيص قاعدة وأخذوا يناقشون أبا تمام على أساسها، على أن هناك جانبًا في تصوير أبي تمام خلطوا بينه وبين صبغ التشخيص ونقصد جانب: الإغراب في التصوير، إذا كان يغرب أحيانًا فيأتي بصورة غير مألوفة كهذا البيت يقوله في بعض ممدوحيه:
كأنني حين جرَّدتُ الرجاء لهُ ... غضًّا صببتُ به ماءً على الزمنِ
فقد كان الآمدي يستقبح منه أن جعل الزمان كأنه صبَّ عليه ماء؛ وهي ليست صورة قبيحة، هي غريبة ولكن غرابتها لا تنفي تعبيرها عن فكرته وما احتوته من جمال، ومن ذلك قوله:
حتى إذا اسودَّ الزمان توضَّحوا ... فيهِ فغودر وهو فيهم أبلقُ١
فقد كان الآمدي ينكر هذه الصورة التي جعل فيها الزمان أبلق، كما كان ينكر كبد المعروف في قوله:
لدى ملكٍ من أيكةِ الجودِ لم يزلْ ... على كبد المعروف من فعله بردُ
وأنكر إنكارًا شديدًا أن يجعل للشتاء أخدعًا في قوله يصور انتصار أبي سعيد الثغري في بعض معاركه مع الروم وقد تراكمت الثلوج:
فضربتَ الشتاءَ في أخدعيهِ ... ضربةً غادرته قودًا رَكُوبا٢
والبيت بدون شك طريف؛ إذ جعل أبو تمام الشتاء بوعوثه ثلوجه فرسًا جامِحًا، وجعل انتصار أبي سعيد فيه كأنه ضربة سدِّدت إليه، فقضت على جموحه وشراسته وجعلته سهل القيادة ذلولًا. ولكن الآمدي لا يعجب بالبيت؛ لأن فيه الاستعارة المكنية التي يرى فيها خروجًا على عمود الشعر العربي، وإذا رجعنا إلى البيت في الديوان وجدنا معه أبياتًا رائعة تكمل صور هذا الانتصار الذي رفع به
стр. 259
أبو سعيد رأس الدولة العباسية في صراعها مع دولة الروم الشرقية، وهي تجري على هذا النمط البديع.
لقد انصعت والشتاء له وجـ ... ـه يراه الرجال جهمًا قطوبا١
طاعنًا منحر الشمال متيحًا ... لبلاد العدو موتًا جنوبا
في ليالٍ تكاد تبقى بخد الشـ ... مس من ريحها البليل شحوبا
فضربت الشتاء في أخدعيه ... ضربة غادرته قودًا ركوبا
لو أصخنا من بعدها لسمعنا ... لقلوب الأيام منك وجيبا٢
وهي قطعة بديعة، تصور أعداء أبي سعيد في الشمال ومعهم الثلوج، وهو يقتحم عليهم من الجنوب معاقلهم فيحطمها حطمًا.
والحق أن هذه الصورة جميعًا التي وقف عندها الآمدي٣ ليست قبيحة؛ إنما كل ما يمكن أن يقال إن طائفة منها غير مألوفة، وأن أبا تمام قد ينسيه تعمقه في مذهبه وشغفه بالصور والتصوير ما قد يكون في بعض رسومه من صور غريبة؛ وهي إن دلت على شيء؛ فإنها تدل على أنه كان يعجب إعجابًا شديدًا بما يتخذه في حرفته من أدوات فنية جديدة، وهي جميعها أدوات كان يريد بها أن يزخرف الفن ويزينه؛ غير أنه كان يقع من حين إلى حين على زخرف غريب غير مألوف فيتشبث به خصومه ويبالغون في الإزراء عليه.
ومن المحقق أنه كان في جوانب كثيرة من هذه الصور الغريبة يحاول أن يجدد وأن يلائم بين العصر وأفكار الشعر كما نرى في مثل قوله:
سلوتُ إن كنتُ أدري ما تقول إذن ... جعلت أنملة الأحزانِ في أذني
فتلك أنملة غريبة غرابة تلك الصورة؛ إذ يقول:
أتاني من الرُّكبان ظنٌّ ظننته ... لففتُ له رأسي حياءً من المجدِ
стр. 260
فهذا الغطاء لوجهه من الخجل غريب! ولكن من يقول بأن الشاعر ينبغي أن يقف دائمًا عند الذوق القديم ولا يكون رائدًا لبدع جديد.
ومهما يكن فقد كان أبو تمام يحاول أن يبتكر في الصور وأن يغرب فيها، وما فائدة الرقي العقلي الحديث الذي أصابه الشاعر العباسي في القرن الثالث إن لم يستوعب في شعره مثل هذه الصورة الجديدة، ولعل ذلك أهم ما يفرق بين فنه في التصوير وفن أستاذه مسلم، كما يفرق بين فنه وفن ابن الرومي؛ فإن التصوير لم يستغرقهما على نحو استغراقه لأبي تمام، وإن الإنسان ليخيل إليه كأنما أصبح الشعر عنده ضربًا من لوحات الرسامين؛ فهو معني فيه دائمًا بالتصوير، مشغوف بكل خيال نادر طريف.
стр. 261
٥- استخدامُ أبي تمامٍ لألوانِ تصنيعٍ جديدةٍ:
وأبو تمام لا يقف بفنه عند هذه الألوان القديمة من التصنيع التي يبتهج بها الحس؛ بل نراه ينفذ إلى ألوان جديدة يبتهج بها العقل، وهي ألوان قاتمة، كانت تتسرب إليه من الفلسفة والثقافة العميقة. وفي هذه الألوان القاتمة الجديدة تستقر مهارته إذا قسناه بغيره من الشعراء الذين سبقوه أو عاصروه؛ فقد استطاع أن يستوعب الفلسفة والثقافة وأن يحولهما إلى فن وشعر؛ إذ تتعلق بهما ألوان التصنيع السابقة، أو بعبارة أدق يتعلقان هما بتلك الألوان؛ فإذا كل لون منها يعبر عن فكر عميق؛ فالطباق والجناس والتصوير والمشاكلة، كل ذلك يزدوج بالفلسفة وألوان الثقافة القاتمة، فيجلِّله الغموض في كثير من جوانبه وأجزائه ولكن أي غموض؟ إنه الغموض الفني الذي يشبه تنفس الفجر، فالأفكار والصور وكل ما يعتمد عليه أبو تمام من ألوان يلتف في ثياب من هذا الغموض، بل في ألوان قاتمة من هذه الظلال التي لا تحجب النور ولكن ترسله بقدر، فيضفي على كلما يمسه حسنًا وجمالًا.
وقد وقف العباسيون طويلًا عند هذا الجانب من الغموض الفني عند
стр. 262
أبي تمام وتحدثوا عما فيه من صعوبة والتواء ولم يتحدثوا عما فيه من بدع وجمال.
يقول الآمدي عنه: "إنه ينسب إلى غموض المعاني ودقتها وكثرة ما يورده مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج"١. يروي الرواة أن أعرابيا سمع قصيدته: "طلل الجميع لقد عفوت حميدًا"١؛ فقال: إن في هذه القصيدة أشياء أفهمها وأشياء لا أفهمها؛ فإما أن يكون قائلها أشعر الناس، وإما أن يكون جميع الناس أشعر منه٢. وليس من شك في أن هذا الأعرابي كان صاحب حس مرهف دقيق، ويقص الآمدي أن ابن الأعرابي اللغوي المعروف سمع شعره فقال: "إن كان هذا شعرًا فكلام العرب باطل"٣. ولعل من الطريف أن أبا العميثل سمعه ينشد إحدى قصائده فقال له: لماذا لا تقول ما يفهم؛ فأجابه على البديهة، وأنت لماذا لا تفهم ما يقال٤، وكأني بأبي تمام يعلن عن اتجاه جديد في الشعر العربي فقد تطور هذا الشعر وتطور معه صاحبه، ولم يعد عملا شعبيًّا بل أصبح عملًا عقليًّا راقيًا؛ فالشاعر ليس من واجبه أن ينزل إلى الجمهور بل يجب على الجمهور أن يصعد إليه. وهذه الفكرة فكرة ارتفاع الشعر عن الجمهور نراها عند أبي تمام لأول مرة في تاريخ الشعر العربي، وهي إحدى الأفكار المهمة التي تثار في النقد الحديث فهل يحسن بالشاعر أن يسير وراء الجمهور أو يحسن به أن يصعد بالجمهور إلى آفاقه العليا من الفلسفة والثقافة والعمق والدقة؟ إن الشعر يكون في أول أمره شعبيًا ثم يظهر النثر ويرقى الفكر ويصبح ترفًا؛ فلا يكون لعامة الناس إنما يكون لخاصتهم من المثقفين ثقافة عميقة. وهذا ما حدث في العصر العباسي عند أبي تمام؛ فقد أصبح الشعر ترفًا وأصبح الشاعر لا يقصد إليه إلا ليرضي الطبقة المثقفة الممتازة، لا ليعبر عن شعور الجمهور كما كان الشأن في القديم. وإذن فليس من حق ناقد غير مثقف بالثقافة الحديثة أن يطلب إلى أبي تمام النزول من هذا الأفق الذي اختاره لنفسه. ليس ذلك من حق أبي العميثل ولا من حق اللغويين أمثال ابن الأعرابي؛ إنما هو من حق المثقفين في عصره بالثقافة الحديثة الذين
стр. 263
يسميهم الآمدي أصحاب المعاني والفلسفة، وهل يجوز في هذا العصر الذي نعيش فيه أن نحكِّم في شاعر مثقف بالثقافة الحديثة ناقدًا لم يتثقف بهذه الثقافة ولم يأخذ بحظ منها، كما هو الشأن عند أبي العميثل وابن الأعرابي بالقياس إلى أبي تمام؟ إننا لا نشك في أن مثل هذا الناقد لا يصلح للحكم على شاعر يختلف عنه في المزاج والثقافة.
ونحن لا نصل إلى القرن الثالث حتى يختل التوازن بين النقاد والشعراء؛ فقد كان أكثر النقاد من الرواة واللغويين الذين لا يتصلون بالثقافة الحديثة، فكرهوا الحديث على هذا الأساس وأحبوا ما اتصل بعمود الشعر العربي وآثروه على ما يتصل بعمود الفلسفة والثقافة الحديثة، ونحن لا نستجيب لحكم هذه الطائفة على أبي تمام بل نحن نقف مع أنصاره من أصحاب المعاني والفلسفة؛ فإن من يطلب اللذة العقلية في الفن لا بد أن يعجب بهذا الشاعر المتفلسف الذي ما يزال يستهدف للخواطر الباطنة والمعاني العويصة؛ فإذا هو يتعثر في بعض الأساليب والتراكيب، وإذ هو ينحرف عن عمود الشعر المألوف ولكنه انحراف محبب إلى نفوسنا رغم لوم اللائمين ونقد الناقدين.
ومهما يكن فإن شعر أبي تمام يستحوذ على صعوبات كثيرة؛ إذ نراه يمتلئ بكثير من الأسرار الغامضة التي تجعل الإنسان يخرج عن نطاق نفسه ويسير مع الشاعر كما يريد له في هذا العالم الحالم. أما ما فيه من صعوبة والتواء فذلك طبيعي عند شاعر كان يعتمد في شعره على الفلسفة والفكر الدقيق، وهل يمكن لشاعر يلعب العمق والخفاء في شعره وتلعب الفلسفة والثقافة في فنه أن يعبر تعبيرًا مألوفًا؟ إنه يبحث ويجرِّب، وكل عبارة عنده إنما هي بحث وتجربة، وقد يخطئ أحيانًا إنه يبتكر أفكارًا وصورًا جديدة؛ ولكنه يحس دائمًا أن اللغة لا تستطيع أن تؤدي ما يريد، وما اللغة؟ إنها ليست إلا رموزًا غامضة، وإن نظرية اللغة لتحتل حيزًا واسعًا في دراسات النقد الحديث، وقد كتب "ريتشاردز" و"أوجدن" كتابًا قيمًا في هذه النظرية سَمَّياه معنى المعنى"the Meaning of Meaning"
стр. 264
ونحن نرى هذا الكتاب يقرر منذ الفصل الأول أن الكلمات ليست إلا رموزًا نؤدي بها ما في أنفسنا، وهي رموز ناقصة لا يستطيع الإنسان أن يضبط مدلولاتها أو يحددها إلا ما اتصل منها بالأعلام وأسماء الأماكن، أما ما يتصل منها بالمعنويات والعواطف؛ فإنه غير مضبوط ولا محدود. ويعرض الكتاب لقوة الكلمات في الرمز وما يسودها من غموض وإبهام وما قام به الفلاسفة والسوفسطائيون من ضبط مدلولاتها وما صنعه أرسططاليس في منطقه من ذلك الضبط. ويتحدث الكتاب عن أهمية الشروح والتفاسير في فهم الشعر وأنها دليل على أن معانيه وضعت في رموز. وما يزال الكتاب يبحث بحثًا واسعًا طريفًا في صعوبة اللغة وصعوبة التعبير بها وما يكتنف الألفاظ من تحوير في استعمالاتها المختلفة عند الأدباء؛ بحيث يمكن أن يقال إن للكلمات وظيفة لغوية أو معجمية، ولكن هذه الوظيفة تضاف إليها وظائف أخرى حسب رغبات الأدباء والشعراء وما يريدونه في عباراتهم بتلك الرموز القاصرة، ومن أجل ذلك كانوا يحرفون في مدلولاتها تحريفًا واسعًا حتى يستطيعوا أن يعبروا عن المعاني التي تختلج في نفوسهم، وهي معانٍ أوسع من تلك الأدوات اللغوية التي اصطلحنا عليها؛ بل هي أصعب من أن تؤديها، ولذلك كان من حقهم أن يحوروا فيها حسب إرادتهم الفنية. والكتاب يفيض بأبحاث واسعة في صعوبة اللغة والتعبير الفني.
وإنما سقنا هذا الكلام أمام جانب الغموض والمعاني العويصة في شعر أبي تمام لأن هذا الجانب آثار ضجة واسعة حول شعره وفنه في النقد العباسي، وهي ضجة تشبه من بعض الوجوه تلك الضجة التي شبَّت في فرنسا حول مذهب الرمزيين حين تفرغ عن مذهب البرناسيين"les parnassiens"، فكما كان هؤلاء يعنون بالموسيقى والجمال المادي ويعيبون على الرمزيين غموضهم، كذلك كان كثير من النقاد والأدباء في العراق ينحرفون عن أبي تمام وغموضه في فنه، ويظهرون ميلًا إلى الجمال الصوتي عند البحتري وأمثاله، وكما كان الرمزيون حديث الحي اللاتيني والمنتديات الأدبية في أواخر القرن التاسع عشر، كذلك كان أبو تمام وفنه حديث المنتديات في بغداد ومجالس الأمراء والوزراء.
стр. 265
وقد أحدث هذا الصراع في فرنسا بين الرمزيين وغيرهم موجة واسعة من النقد، وظهرت كتب وأشعار تنعي طريقتهم، كما نجد عند فكير "Vicaire" الشاعر الفرنسي الريفي١ وغيره. وحدث مثل ذلك في العراق إزاء أبي تمام؛ إذ نرى ابن المعتز الشاعر يكتب رسالة في مساويه٢، واتسعت هذه الموجة من النقد في فرنسا، ولا تزال آثارها إلى اليوم، كما اتسعت في العصر العباسي عند العرب، ووجد لها أنصار ومعارضون كثيرون، وكتبت حولها كتب متعددة؛ فكتب الصولي وكتب الآمدي وكتب غيرهما. وكان ذلك حريًا أن ينقل الشعر العربي نقلة واسعة؛ غير أن خصوم أبي تمام ظلوا يزعمون أنه لا يضيف جديدًا إلى الفن إلا صعوبة وعسرًا في التعبير، وتلوَّموه من أجل ذلك كثيرًا ولم يلتفتوا إلى أنه كان يحوِّل في مجرى الشعر العربي وفي منابعه؛ فليست المسألة مسألة صعوبة أو غرابة في التعبير والتصوير كما ظن الآمدي وأمثاله؛ إنما هي مسألة اتجاه جديد في الشعر. ونفس أنصار أبي تمام لم يستطيعوا وصف فنه على نحو ما نجد في النقد الفرنسي الحديث إزاء الرمزيين، ولذلك ظلت مدرستهم قائمة في فرنسا، وتعدد أفرادها من أمثال "Verlaine" ومالارمية "Mallarme" كما تعدد تلامذتها، أما أبو تمام فلم ينهض به أحد إلا نهوضًا قاصرًا على نحو ما رأينا عند البحتري من جهة، وعلى نحو ما سنرى عند ابن المعتز من جهة أخرى.
ومن عيب النقد العربي أنه لم يكن يتصور فكرة المذاهب والمدارس كما نتصورها في عصرنا الحديث؛ ولذلك كنا نجد دائمًا عند أصحابه خلطًا في فهم المذاهب والاتجاهات الفنية، وكان من الصعب أن ينجح اتجاه فني جديد، وأكبر الظن أن ذلك كان من أهم الأسباب التي حالت دون التجديد الواسع في الشعر العربي؛ فهذا أبو تمام يدخل الغموض والدقة والفلسفة في الفن، فلا يناقشه النقاد في أصول هذا العمل؛ إنما يناقشونه في أسلوب ملتوٍ أو عبارة غريبة وصورة غير
стр. 266
مألوفة، يناقشونه في ظاهر العمل ويتركون باطنه، وما ينساب فيه من تلك الينابيع الفلسفية والثقافية التي تلون شعره بألوان خاصة.
على أن وقوف النقاد العباسيين عند جانب الصعوبة والالتواء في هذا الغموض الفني جعلهم لا يتلفتون إلى جانب الجمال فيه؛ إذ كان أبو تمام يستخدم الثقافة والفلسفة في شعره استخدامًا فنيًّا واسعًا. يحاول بهما أن يحدث لنفسه أسلوبًا متموِّجًا بالفكر زاهيًا بالعقل شديد الحركة والحياة. ومن الصعب أن نفسر ما في هذا الأسلوب من تموج عقلي؛ فإن أبا تمام لا يقف به عند جانب معين من ديوانه أو أبياته، فهو ينشره فيها جميعًا كما ينشر الربيع خضرته على جميع النباتات والأشجار، ونحن لا نبالغ إذا قلنا إن شعر أبي تمام خير مثل تصوِّر ربيع الفكر العربي ومقدرته على الازدهار والإثمار، وكما أن الربيع لا يحجز بقطع خاصة من الرياض، كذلك هذا الضرب من التلوين العقلي عند أبي تمام وما يصحبه من ضباب وغموض، فإنه يعم به جميع أشعاره حتى ليخيل إلى الإنسان كأنما فارق التفكير الفني عند العرب هيئاته القديمة المعروفة إلى هيئات جديدة، ما يزال يغيِّر فيها هذا التلوين العقلي الواسع الذي يثبته أبو تمام في جميع أطراف أسلوبه.
ونحن لا ننكر أن هذا الجانب وما صحبه من غموض أحدث كثيرًا من العقد في رُقَع النسيج العام لشعر أبي تمام؛ ولكنها عقد زاهية تدخل في مواد النسيج فتكسبه عمقًا وبعدًا في الفكر والخيال. وقد أحدثت هذه العقد مظهرين عامين في شعره لا نشك في طرافتهما ولا في جمالهما، أما أولهما: فدقة التفكير وعمق التصوير، وقد راح ينشرهما في كل شقٍّ من شعره كأن يقول في وصف روض:
ومعرَّس للغيث تخفق فوقه ... رايات كل دجنة وطفاء١
стр. 267
نشرت حدائقه فصرن مآلفًا ... لطرائف الأنواءِ والأنداءِ١
فسقاه مسك الطلِّ كافور الندى ... وانحلَّ فيه خيطُ كل سماءِ
فقد عبَّر عن السحب التي يتلألأ البرق في أطرافها بالرايات المطرزة التي تخفق بالريح؛ ولكن ليس هذا ما يلفتنا في الأبيات إنما يلفتنا الشطر الأول من البيت الثالث؛ فقد أبعد على نفسه فيه؛ إذ ذهب يقول: إن مسك الطل يسقي الروض كافور الندى، وهي صورة معقدة، فماذا يريد أبو تمام بمسك الطلِّ؟ وماذا يريد بكافور الندى؟ أما مسك الطل فإنه يريد به الرائحة العطرية التي تعبق من الروض إثر الطل والمطر الخفيف، وأما كافور الندى فإنه ذلك الرشاش الذي تعقد قطراته بيضاء على أوراق الروض كالكافور، وليس من شك في أن هذه صورة مركبة؛ ولكنها تعبق بالمسك والطيب، وهذا التلوين العقلي الغريب الذي يتضوع به ديوان أبي تمام كما يتضوع الزهر بشذاه. ويقول النقاد من أمثال الآمدي إن شعر أبي تمام غامض، ولكن أي غموض؟ إنه غموض أوقات السحر التي كان يعجب بها أبو تمام؛ وإنه لتنحلّ فيها خيوط من الضياء على حد تعبيره، وهل هناك أجمل من تصويره لسقوط المطر بتلك الخيوط التي تنحل في الروض؟! إنه تصوير طريف قلما يقع في ذهن شاعر إلا هذا الذي يستوعب الثقافة والفلسفة وتتحولان عنده إلى طرائف من العمق في التفكير والتصوير.
وكان يقابل هذا المظهر من دقة التفكير وبعد التصوير مظهر آخر من الغموض الزاهي انتشر في شعره، ونقصد ما نجده في أبياته من وفرة الاحتمالات؛ إذ يكثر فيها التأويل والشرح لما تمتاز به من عمق وإغراق في التفكير والخيال، وتتعدد الشروح والتأويلات، وتخرج من ذلك صور وتفسيرات على وجوه شتى. وقد عُني القدماء بهذا الجانب من الغموض عند أبي تمام، وكتب المرزوقي فيه بحثًا طريفًا سماه: المشكل، عرض فيه للمشكل من أبياته، وراح يذكر ما يمكن أن توجَّه به من تأويلات طريفة؛ فمن ذلك قوله:
стр. 268
ولهتْ فأظلمَ كلُّ شيء دونها ... وأنارَ منها كلُّ شيءٍ مظلمِ
يقول المرزوقي: "لما جزعت لفراقها اشتد جزعها علىَّ فأظلم كل شيء في عيني سواها ومن دونها، وبان لي ووضح من مكتوم أمرها ومكنون ودها لي ما كان مغيبًا عني ومظلمًا علي. ويجوز أن يكون المعنى: ارتاعت لما أحست بالفراق وتولَّهت فألقت قناعها فأظلم كل شيء دونها لسواد شعرها فأنار كل شيء مظلم من بياض وجهها، والأول أوضح وأجود"١، ويقول التبريزي: "وقد يؤدي لفظ الطائي معنى آخر وهو أن الأشياء أظلمت دونها أي غيرها. وقوله: وأنار منها كل شيء مظلم، أي: من حسنها تضيء الأشياء المظلمة"٢
وهذه الوفرة من الاحتمالات كما تأتى من دقة المعنى وبُعده تأتي أيضًا من ثقافته، ولعل ما يوضح ذلك من بعض الوجوه قوله:
طال إنكاري البياض ولو عمِّـ ... ـرت شيئًا أنكرت لونَ السوادِ
يقول المرزوقي: "يحتمل هذا البيت وجوهًا: أحدها: ما قاله الأعرابي لما استُوصف حاله؛ فقال كنت أنكر الشعرة البيضاء فقد صرت الآن أنكر الشعرة السوداء، والثاني: إن عمِّرت شيئًاأسودَّ من لوني وجلدي ما كان مبيضًا فأنكرته، وهذا كما قال العُريان بن الهيثم لما سأله عبد الملك عن حاله فقال أبيض مني ما كنت أحب أن يسود وأسودَّ مني ما كنت أحب أن يبيض ... في كلام طويل، ثم قال العريان.
وكنت شبابي أبيض اللون زاهرًا ... فصرت بُعيدَ الشيبِ أسود حالكا
والثالث: إن عمِّرت شيئًا أنست بالبياض وسكنت إليه حتى أكون منكرًا للسواد إنكاري الساعة للبياض"٣.
والحق أن شعر أبي تمام شعر شخص مثقف ثقافة واسعة ما يزال يتسرب منها ظلال من الغموض ولكنها ظلال زاهية؛ إذ كان أبو تمام يخرج ما فيها من
стр. 269
قتمة ويحولها إلى ما يشبه الألوان الزاهية. ليس غموض أبي تمام غموضًا مجلَّلًا بالسواد، بل لقد كان يزيل ما فيه من سواد؛ فإذا هو يتشح بألوان فنية زاهية على تلك الشاكلة التي نرى فيها السحاب القاتم يصبغ بحمرة الشفق فتلتمع ألوان زاهية في كُفَفِه وحواشيه.
стр. 270
٦- المزجُ بين ألوانِ التصنيعِ القديمةِ والجديدةِ:
كان أبو تمام يعتمد في شعره على الغموض وإن تغشاه سحب زاهية من الفلسفة والثقافة، وإن الإنسان ليشعر شعورًا واضحًا في أثناء قراءة ديوانه بأن الحواجز التي كانت تفصل بين الشعر العربي من جهة وبين الثقافة والفلسفة من جهة أخرى قد رفعت، ولم يعد هناك ما يعوق التزاوج والاتصال الشديد بين التفكير الفني والتفكير الفلسفي والثقافي. وإن الإنسان ليحار إزاء هذه الموهبة النادرة في المزج بين التفكير الثقافي والتفكير الفني؛ فكل منهما يغمس في ليقة الآخر ويصبغ بأصباغه؛ فيتغير عن شِياته المعروفة وهيئاته المألوفة. ونحن نستطيع أن نلاحظ هذا الصنيع الغريب من المزج والاتحاد في جانبين متقابلين، إذ نرى الأفكار الدقيقة تدور في وعاء التصوير فيحدث ضرب من الرمز البديع كما نرى الطباق يدور في وعاء الفلسفة فيحدث ضرب من الطباق الفلسفي الطريف.
الرَّمْزُ:
أما الرمز فولَّده تفكيره العميق؛ إذ كان يلتفُّ لون التصوير على هذا الجانب العقلي في شعره، أو بعبارة أدق الجانب الفلسفي، فتحدث تلك الرمزية الواسعة التي يلاحظها كل من يقرأ في أشعاره. وكان يستعين على أحكامها بصبغين مهمين من أصباغ التصوير، وهما: التجسيم والتدبيج؛ إذ نراه يجسم معانيه العميقة في صور حسية لا يلبث أن يدبجها بألوان مادية. وانظر إلى قوله في بعض ممدوحيه:
أبديت لي عن جلدة الماء الذي ... قد كنت أعهده كثيرَ الطُّحْلُبِ
стр. 271
ووردتَّ بي بحبوحة الوادي ولو ... خلَّيتني لوقفت عند الْمِذنَبِ١
يقول له: إنك صفَّيت لي العطاء وكنت أراه من غيرك كدرًا وعسرًا؛ ولكن انظر كيف رمز لهذه الفكرة، فإنك تراه يبدأ فيجعل للماء جلدة، كما قالوا: جلدة السماء وأديم الأرض، ثم يستمر فيعبر عن الكدر والعسر بركوب الطحلب للماء، ويصور نفسه مع ممدوحه في بحبوحة الوادي وقطع الرياض؛ بينما غيره يقف به عند المذنب فلا يُنيله إلا الوَشل القليل.
وعم هذا التجسيم في شعر أبي تمام بحيث لا تخلو منه صفحة من صفحات ديوانه كأن يقول لابن أبي دؤاد:
يا أبا عبد الله أوْرَيتَ زندًا ... في يدي كان دائمَ الإصلادِ٢
أنت جبت الظلام عن سبل الآمال ... إذ ضلَّ كلُّ هاد وحادِ
فقد عبر عن نُجْح مطلبه عنده وإخفاقه عند غيره بهذا الزناد الذي أوراه في يده، واستمر فقال: إنه كشف الظلام عن طريق الآمال؛ بينما ضل الحداة والروَّاد هذه الطرق. وكما كان أبو تمام يستخدم التجسيم للرمز عن أفكاره البعيدة كان يستخدم التدبيج، ومرت بنا في الفصل الأول من هذا الكتاب صور منه عند زهير؛ إذ ذكر في معلقته الأنماط والسدول الحمراء، كما ذكر المياه الزرقاء وفتات العهن الذي يشبه حَبَّ الفنا، وهي جميعها صور كان زهير يعطيها الألوان الحسية حتى تثبت في نفوسنا؛ غير أنها كانت تستعمل عنده في حال ساذجة، فهي لا تعبر عن فكر إنما تعبر عن حس وواقع، أما عند أبي تمام فإنها تتحول لتعبر عن فكر بعيد على نمط ما نراه يقول في رثاء ابن حميد الطوسي وقد قتل في الحرب:
تردَّى ثيابَ الموتِ حمرًا فما دجى ... لها الليلُ إلا وهي من سندسٍ خضرِ٣
فقد جنح في التدبيج يستمد منه ما يريد من الرمز عن أفكاره، ألا تراه
стр. 272
يعبر عن قتل ابن حُمَيد بتلك الثياب الحمراء التي غرقت في أصباغ الدم؛ حتى إذا دجى الليل وأظلم القبر أبدله منها ثيابًا سندسية خضراء ليعبر عن رضوان ربه. واقرأ هذا البيت يقوله في الحرب أيضًا حين فتح العرب لعمورية:
إن الحمامين من بيضٍ ومن سمر ... دلوا الحياتينِ من ماءٍ ومن عشبِ
فقد جعل للحِمام أو للموت لونين يختلفان باختلاف السمرة والبياض في ألوان القنا والسيوف، واستمر فعبر عن الحياة بلونين يقابلان هذين اللونين السابقين، وهما لونا الماء والعشب، وكل ذلك ليرمز عن أسباب الحياة والموت، وانظر إليه يقول في انتصار بعض القواد على بابك بأذربيجان:
جلوتَ الدُّجى عن أذربيجان بعدما ... تردَّت بلون كالغمامة أربدِ١
وكانت وليس الصبح فيها بأبيض ... فأمست وليس الليلُ فيها بأسودِ
فإنك تراه يعتمد على التدبيج في التعبير عن أحوال أذربيجان الكئيبة والسعيدة، وانظر إليه يقول:
أما وأبى الرَّجاء لقد ركبنا ... مطايا الدهر من بيضٍ وسودِ
فقد استخدم التدبيج للرمز عن حوادث الدهر: النحس منها والسعيد بتصويره لتلك المطايا من بيض وسود. وعلى هذا النمط نرى كثيرًا من جوانب ديوان أبي تمام يذهب هذا المذهب الرمزي في التعبير عن المعاني والأفكار بالصور والأخيلة الحسية والألوان المادية.
وكما كان أبو تمام يستخدم التصوير في التعبير عن أفكاره العميقة، كذلك كان يستخدم الطباق والجناس والمشاكلة. ونحن نلاحظ من طرف آخر أن ألوان التصنيع القديمة كانت تمر في ظلال الثقافة والفلسفة؛ فإذا هي تتحول عن شياتها وهيئاتها، وكما أن اللون يتحول عن شكله حين يمر في ضوء صناعي أحمر أو أزرق أو أخضر، كذلك اللون من التصوير والجناس والمشاكلة والطباق عند أبي تمام حين يمر في فلسفته وثقافته العميقة. ولعل خير لون قديم يفسر ذلك هو لون الطباق؛ فقد مر في أصباغ قاتمة من الفلسفة أحالته إلى لون
стр. 273
جديد مخالف للطباق المألوف، واقرأ هذا البيت:
هي البدرُ يغنيها تودُّد وجهِهَا ... إلى كلِّ من لاقت وإن لم تودَّدِ
فإنك ترى طباقًا فلسفيًّا جديدًا ما يزال أبو تمام يستخرج منه صورًا نادرة، وانظر إلى صاحبته فهي تودُّ من لا تود، وهو يثبت هذا التضاد الغريب بتلك المفارقة الطريفة؛ فوجهها يتودد بسحره وجماله، وإن رفضت هي هذا التودد وأظهرت الإباء والامتناع، أرأيت إلى هذا الطباق؟ أنه من نوع آخر غير طباق الذاكرة الذي رأيناه عند البحتري والذي يعتمد على العبث اللفظي حين نذكر الوصل فيأتي الهجر، والليل فيأتي النهار.
نَوافِرُ الأَضْدَادِ:
لم يكن أبو تمام يستخدم الطباق استخدامًا ساذجًا بسيطًا؛ بل كان يستخدمه استخدامًا معقدًا؛ إذ يلوِّنه بأصباغ فلسفية قاتمة ما تزال تغير في إطاره بل في داخله تغيرات تنفذ به إلى لون جديد مخالف للطباق؛ فإذا هو من طراز آخر غير معروف، طراز فلسفي إن صح هذا التعبير، ففيه تناقض وفيه تضاد وفيه هذه الصور الغريبة. وكان أبو تمام يستخدمه قاصدًا إليه عامدًا، وكان يسميه: نوافر الأضداد، يقول في مديح ابن أبي دؤاد:
قد غرستم غرس المودة والشَّحْـ ... ـناءِ في قلب كل قارٍ وبادي١
أبغضوا عزَّكم وودوا نداكم ... فقروكم من بغْضَة ووِدادِ٢
لا عدمتم غريب مجدٍ رَبقتم ... في عراه نوافر الأضداد"٣
قال المرزوقي: "يعني بنوافر الأضداد: ما قاله في البيت الثاني: الناس يحسدونهم لشرفهم ويحبونهم لجودهم"٤؛ فهم يأتون بوصفين متضادين ويجمعون بين متناقضين.
وتعلقت هذه النوافر من الأضداد بعُرى تفكير أبي تمام وتصويره، ولم
стр. 274
تَخْلُ منها صفحة من صفحات ديوانه، ويظهر أنه لم يكن يأتي بها عن فلسفة فقط؛ بل كان يأتي بها أيضًا عن مزاج، ولعله من أجل ذلك كان يعجب بجهم بن صفوان؛ فقد ذكره مرارًا كثيرة في شعره. وكان جهم معروفًا بالتناقض في فكرته عن عمل الإنسان، إذ يمنع أن يكون له اختيار وقدرة على ما أُمر به فهو مجبرٌ ومع ذلك يجعله مكلفًا يعاقب على ما يفعل، وأشار أبو تمام إلى ذلك في قوله لبعض ممدوحيه:
عمريٌّ عظم الدينِ جَهميُّ النَّدى ... ينفي القُوى ويثبِّت التكليفا
يقول التبريزي: "أي هو في دينه وعفَّته مثل عمرو بن عبيد وعلى مذهبه، وفي جوده وسخائه على مذهب جهم بن صفوان؛ لأنه ينفي أن يكون للعبد قدرة على ما هو مأمور به ومع ذلك يجعله مكلفًا أي هو مجبر على البذل فلا يمكنه تركه"١. وانظر كيف استغل هذا المذهب من الجبر استغلالًا فنيًّا واتخذه ليعبر عن فكرة عنده تعبيرًا من طراز غير مألوف. وأراد مرة أخرى أن يصف الخمر وأن يُغرب في وصفه فلم يجد إلا مذهب جهم وإلا عقدة أخرى من عقده، فذهب يقول:
جهميةُ الأوصاف إلا أنهم ... قد لقبوها جوهر الأشياءِ
فهي جهمية أي ليس لها اسم ومع ذلك تلقب بجوهر الأشياء، وأصل الفكرة أن جهم بن صفوان "كان يمتنع من أن يسمي الله باسم، ويعتقد أن الاسم إنما يطلق على الجواهر والأعراض، فيقول أبو تمام رقَّت هذه الخمرة حتى كادت تخرج من أن تكون عَرَضًا أو جوهرًا وأن تسمى شيئًا إلا أنها لفخامة شأنها لقبت جوهر الأشياء"٢؛ فهي مسماة وغير مسماة في الوقت نفسه. وكان أبو تمام يرى هذه الأضداد مظهرًا من المظاهر الأساسية في الحياة، يقول في بعض أشعاره:
فلأذربيجان اختيالٌ بعدما ... كانت معرَّس نكبة ونكالِ
سَمُجت ونبَّهنا على استسماجها ... ما حولها من نضرةٍ وجمالِ
стр. 275
ومن يدرس أبا تمام يرى هذه الأضداد متصلة بأخلاقه فهو تارة كريم جدًّا وتارة بخيل جدًّا، وهو تارة متدين مسرف في تدينه وتارة ملحد مسرف في إلحاده. يقول صاحب مروج الذهب: "كان أبو تمام ماجنًا خليعًا في بعض أحواله، وربما أداه ذلك إلى ترك موجبات فرضه تماجنًا لا اعتقادًا. قال المبرد وهو مع هذا الذي يقول:
وأحقُّ الأنام أن يقضي الدَّيـ ... ـن امرؤٌ كان للإله غريما
وهذا قول مباين لهذا الفعل١. وبينما نرى في ديوانه وصفًا لحِجَّة حجَّها، إذا بهم يروون أنه ظهر منه في أثناء زيارته لابن رجاء بفارس ما جعل هذا الوالي يرتاب في قيامه بفروض الدين فسأله عن ذلك؛ فأبدى أنه يشك في قيمة أداء هذه الفروض٢.
وكل ذلك يدل على أن عقل أبي تمام كان مفعمًا بنوافر الأضداد، وقد راح يستخدمها في أبياته استخدامًا فنيًّا واسعًا؛ فإذا هي تتحول إلى لون زاهٍ من ألوان الفن الزاهية. واقرأ هذا البيت يقول في بعض ممدوحيه:
صيغت له شيمةٌ غرَّاء من ذهب ... لكنها أهلكُ الأشياءِ للذَّهبِ
فستجدك أما تفكير جديد، شيء يهلك نفسه، بل هو ذهب يهلك نفسه هذا الإهلاك الغريب الذي يستخرجه أبو تمام من نوافر الأضداد؛ فإذا هو يعبر عن ممدوحه بصورة متضادة، صورة ذهبية تروع السامعين لغرابتها وما بها من لمعان الذهب، بل من لمعان الفلسفة والفن، وانظر إلى قوله:
بيضاء تَسري في الظلام فيَكتسي ... نورًا وتسرُبُ في الضياءِ فيُظْلِمِ
أرأيت إلى هذا التضاد وهذا الضياء المظلم؟ إن حقائق الأشياء تتغير في شعر أبي تمام على هذه الصورة التي نرى فيها الضياء المظلم وإنه لضياء عجيب لا يستطيع شيء أن يعبر عن فتنته؛ إلا أن يعود أبي تمام فيأتي بصورة أخرى ولكنها متعاكسة، صورة ظلال مشرقة؛ إذ يقول:
стр. 276
أصل كبرد العَصبِ نيطَ إلى ضُحى ... عبقٍ بريحان الرياض مطيَّبِ١
وظلالُهنَّ المشرقاتُ بخرَّد ... بيضٍ كواعبَ غامضاتِ الأكعُبِ
فهو يتصور الظلال مشرقة إشراق الشمس، وهو يتصور الضياء مظلمًا ظلام الليل، وهو على هذه الشاكلة يشوِّه في الطبيعة تشويهًا يزينها؛ فإذا الظلال مشرقة، وإذا الأضواء مظلمة، بل إن جوانب اليوم نفسه ليحل بعضها مكان بعض في ارتباك طريف؛ فالصبح كأنه مغرب على نحو ما نرى في وصف أخلاق الحسن بن وهب:
متعت كما متع الضحى في حادثٍ ... داجٍ كأن الصبحَ منه مغربُ٢
والليالي كأنها أسحار، يقول في بعض ممدوحيه:
أيامنا مصقولة أطرافُها ... بك والليالي كلُّها أسحارُ
والأسحار كأنها ضحى، يقول في وصف الربيع:
لما بكت مُقَلُ السحابِ حيًا ... ضحكت حواشي خدِّه التَّربِ
فكأنه صبحٌ تبسم عن ... سحر ضئيل في ضُحى شحِبِ
بل أنوار الشمس مختلطة بأزهار الرُّبى كأنها أضواء القمر:
يا صاحبيَّ تقصَّيا نظريكما ... تريا وجوهَ الأرضِ كيف تصوَّرُ
تريا نهارًا مشمسًا قد شابَهُ ... زهرُ الرُّبى، فكأنما هو مقمرُ
وعلى هذا النمط تمتزج أصباغ الطباق عند أبي تمام بهذه الأصباغ الفلسفية الغريبة من نوافر الأضداد؛ فإذا بها تخرجنا من أوقاتنا التي تقيدنا، وتطلقنا من عقال أمكنتنا، وتجعلنا نتحرر في داخلنا من كل ما يتعلق بنا. ولعل هذا هو معنى ما يقولونه من أن الشاعر الممتاز له جو غريب ينقلنا من عالمنا الذي نعيش فيه إلى عالم آخر طليق من الوهم، عالم ينشر فيه أبو تمام من عبق هذه الأضداد ما يؤثر به على أعصابنا وحواسنا تأثيرا يخلد في أذهاننا، فإذا الظلال
стр. 277
أضواء، وإذا الأضواء ظلال، وإذا الليالي أسحار، وإذا الأسحار ضحى، وإذا الصبح مغرب والنهار المشمس ليل مقمر، بل إذا الصحو يمطر والمطر يصحو:
مطرٌ يذوبُ الصحوُ منه وبعده ... صحو يكاد من النضارة يُمطرُ
أرأيت إلى هذه الصورة الغريبة من المطر الذي يذوب منه الصحو، والصحو الذي يذوب منه المطر؟ ثم أرأيت إلى هذه النضارة الخاصة التي توشك أن تجعل الصحو يمطر؟ إنها نضارة غريبة يعرف عقل أبي تمام كيف يحيلها إلى هذه الصورة من الحياة والمطر. وإن كنت تعجب من هذه النضارة الممطرة؛ فارجع إلى شعره تجد نضرة أخرى شاحبة ولكن لا تقل
عنها غرابة؛ إذ يقول:
رب خفضٍ تحت السُّرى وغناءٍ ... من عناءٍ ونضرةٍ من شُحُوب١ِ
فالنضرة قد تكون زاهية، وقد تكون باهتة، ويستخرج أبو تمام من أحوالها صورًا متضادة؛ فإذا هو يؤثِّر في مشاعرنا وينفخ في أرواحنا وعقولنا بهذا البوق الغريب من نوافر الأضداد. وإنا لنتبين من خلال هذا الصنيع كيف كان يملك أبو تمام ناصية الفن والفلسفة جميعًا؛ فهو يعرف كيف يستخدم الفلسفة في شعره استخدامًا فنيًّا؛ إذ يمزج بينها وبين ألوان التصنيع القديمة التي تركها أستاذه مسلم فتخرج له ألوان تصنيع جديدة.
الأَقْيَسةُ الفَنِّيَّةِ:
ولعل مما يتصل بذلك ما نراه عنده من استخدام الأقيسة المنطقية؛ فقد كان يستغلها استغلالًا فنيًّا إذ ما يزال بها حتى يغير شياتها المنطقية ويحدث لها شيات جديدة من الشعر والفن. إنها لم تعد أقيسة منطقية بالمعنى القديم بل أصبحت أقيسة فنية، يمتزج فيها القياس المنطقي بالموسيقى والشعر والتصوير. وانظر إلى هذا القياس الطريف يقوله في الرثاء:
إن ريبَ الزمانِ يحسن أن يهـ ... دي الرَّزايا إلى ذوي الأحسابِ.
стр. 278
فلهذا يجفُّ بعد اخضرارٍ ... قبل روض الوهاد روض الرَّوابي
ويقول في تحبب الرحلة ومفارقة الأوطان:
وطول مقام المرء في الحي مخلقٌ ... لديباجتيه فاغترب تتجدد١
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد٢
وانظر إليه يخاطب صاحبته وهي تلومه على الارتحال، وما يلقى فيه من أهوال:
أعاذلتي ما أخشنَ الليل مركبًا ... وأخشن منه في الملمَّات راكبهْ
ألم تعلمي أن الزّماع على السُّرى ... أخو النُّجْح عند النائبات وصاحبهْ٣
ذريني وأهوال الزمان أُفانها ... فأهوالُه العُظمى تليها رغائبهْ٤
دعيني على أخلاقي الصمِّ للتي ... هو الوفر أو سِربٌ ترنّ نوادبه٥
فإن الحسام الهندواني إنما ... خشونتُه ما لم تفلَّل مضاربه٦
وعلى هذه الشاكلة كان يعرف كيف يقنع بقياسه في أحرج المواقف، وليس هناك موقف أحرج من الشيب حين تشتعل به الرأس، وقد استطاع أن يخلص من هذا الموقف مصورًا أسى صاحبته عليه، ضاربًا لها أقيسته الفنية الطريفة، يقول:
يومي من الدَّهرِ مثل الدهر مشتهرٌ ... عزمًا وحزمًا وساعي منه كالحقبِ
فأصغري أن شيبًا لاح بي حدثًا ... وأكبري أنني في المهد لم أشِبِ
فلا يؤرقك إيْماضُ القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرأي في الأدب٧
стр. 279
لا تنكري منه تخديدًا تجلَّله ... فالسيفُ لا يُزدرى أن كان ذا شطبِ١
وعلى هذا النمط يستمر أبو تمام يستخرج من الفلسفة والثقافة زخرفًا جديدًا يضيفه إلى الزخرف القديم، وإن الإنسان ليخيل إليه كأنما رسخت الثقافة والفلسفة في ذهنه وتحولتا هناك إلى ما يشبه صندوق الألوان عند الرسامين. وقد أخذ يحكم استخدام تلك الألوان في شعره، كما أخذ يحكم استخدامه لألوان التصنيع القديمة: تارة بما يستخرجه من أصباغها على نحو ما رأينا عنده في لون التصوير وأصباغه من تدبيج وتجسيم وتشخيص، وتارة بإضافته اللون إلى لون آخر على نحو ما رأينا عنده في الطباق والجناس حين كانا يمران في وعاء التصوير. وأخيرًا هو يبتكر ألوانًا جديدة يستنبطها من الثقافة والفلسفة ثم يمزج بينها وبين ألوان التصنيع القديمة، فتتغير شياتها وهيئاتها على نحو ما رأينا في حواشي الطباق حين طرزها بنوافر الأضداد. وحقًا إن أبا تمام كان أستاذًا ماهرًا في فن مزج الألوان ومعرفة خباياها وأسرارها؛ إذ نراه يغمس البيت في لون كالجناس، ثم يعود فيغمسه في لون آخر كالتصوير، ثم يعود مرة ثالثة فيغمسه في طباق أو مشاكلة، ولا يكتفي بذلك، بل نراه يعود فيغمسه في لون قاتم بل في لون زاهٍ من الفلسفة والثقافة فإذا البيت يختال في ألوان وأصباغ ثرية منوعة اختيال الطاوس في ألوانه وأصباغه.
стр. 280
٧- قَصِيدةُ عموريةَ:
لعل أروع نموذج في شعر أبي تمام يمثل هذا المزج الواسع بين ألوان التصنيع العقلية وألوان التصنيع الحسية هو قصيدة عمورية؛ فقد تجلت فيها مقدرة أبي تمام في المزج بين الألوان الثقافية القاتمة والألوان الفنية الزاهية، إذ تدور مجموعة الألوان الأولى في أوعية المجموعة الثانية، فإذا هي تتحول إلى ألوان فنية جديدة.
стр. 281
وكأنما أبو تمام شاعر الألوان والأضواء في اللغة العربية وهي ألوان وأضواء قاتمة. بل هو شاعر الرسم والزخرف والتنميق؛ فقصائده حَلي ووشي وأناقة خالصة. ولكن لا تظن أنه شاعر حسِّي، أو أن زخرفَهِ مادة وحس فقط؛ بل إن زخرفَهُ -قبل كل شيء- فكر وفلسفة وعقل وكشف عن حقائق الحياة في أعماقها وأغوارها.
كان أبو تمام يزاوج بين العقل والحس، وكان يعبر تعبيرًا زخرفيًّا، ولكنه تعبير يفضي بالإنسان إلى فكر عميق ظهر في شكل زخرف أنيق. وإن الباحث ليعجب كيف استطاع أبو تمام أن ينهض بفنه إلى هذا المدى من التعبير عن الفكر والزخرف جميعًا، بل إننا لا ندقق في التعبير، فليس هناك من فارق عنده بين الفكر والزخرف، إن الفكر نفسه يصبح زخرفًا يزخرف به نماذجه. وانظر إليه يستهل قصيدة عمورية على هذا النمط:
السيفُ أصدقُ إنباءً من الكتبِ ... في حدِّهِ الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
بيضُ الصفائحِ لا سودُ الصحائف في ... متونهنَّ جلاءُ الشكِ والرِّيب١ِ
فإنك تراه يؤمن بتفوق السيف على الكتب، ألم تقل الكتب ويقل معها المنجمون إن المعتصم لا يفتح عمورية في الوقت الذي اختاره لمهاجمتها؛ ولكنه لا يستمع لقولهم وهاجمها وينتهي هجومه بفتحه العظيم؟ ويأتي أبو تمام فيتحدث عن علم التنجيم هذا الحديث الساخر الذي يفضل فيه السيف على الكتب والقوة على العقل، ويستمر فيهزأ بما يذكره المنجمون من أيام السعد والنحس. وما يذهبون إليه من تقسيم الأبراج إلى ثابتة ومنقلبة وتحكيمها في طوالع الناس والأحداث، وهنا نتبين أثر ثقافته الفارسية، وهو يعرضها هذا العرض الطريف؛ إذ تدور في أوعية الطباق والجناس والتصوير. وظهرت في هذه القصيدة آثار أخرى مختلفة للثقافات الإسلامية والعربية واليونانية، ونحن ننقل قطعة منها لنقف على المزج الغريب بين الثقافات المختلفة من جهة وبين ألوان الشعر العربي من جهة أخرى. يقول في وصف يوم الموقعة
стр. 282
يا يوم وقعة عمورية انصرفت ... منك المنى حفَّلًا معسولة الحلبِ١
أبقيت جد بني الإسلام في صعد ... والمشركين ودار الشرك في صبب٢ِ
أمّ لهم لو رجوا أن تُفتدى جعلوا ... فداءها كل أمّ برة وأبِ
وبرزة الوجه قد أعيت رياضتها ... كسرى وصدَّت صدودًا عن أبي كربِ٣
من عهد إسكندر أو قبل ذلك قد ... شابت نواصي الليالي وهي لم تشبِ
بكرٌ فما افترعتها كفُّ حادثة ... ولا ترقَّت إليها همة النُّوب٤
حتى إذا مخض الله السنين لها ... مخض البخيلة كانت زبدة الحقب٥
أتتهم الكربة السوداء سادرةً ... منها وكان اسمها فرَّاجة الكربِ ٦
جرى له الفألُ نحسًا يوم أنقرة ... إذ غودرت وحشة الساحات والرُّحبِ
لما رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب
كم بين حيطانها من فارس بطلٍ ... قاني الذوائب من آني دم سرب٧
بسنَّة السيف والحناء من دمه ... لا سنة الدين والإسلام مختضبِ٨
لقد تركت أمير المؤمنين بها ... للنار يومًا ذليل الصَّخرِ والخشب٩
غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى ... يشلُّه وسطها صُبحٌ من اللهبِ١٠
حتى كأنَّ جلابيب الدُّجى رغبت ... عن لونها أو كأن الشمسَ لم تَغِبِ
ضوء من النارِ والظلماء عاكفة ... وظلمة من دخانٍ في ضحى شَحِبِ
فالشمسُ طالعةٌ من ذا وقد أفلت ... والشمس واجبةٌ في ذا ولم تَجِبِ١١
стр. 283
تصرّح الدّهر تصريح الغمامِ لها ... عن يومِ هيجاءَ منها طاهرٍ جنبِ١
لم تطلع الشمس فيه يوم ذاك على ... بانٍ بأهلٍ ولم تغرب على عَزَبِ٢
ما ربعُ ميّةَ معمورًا يطيفُ به ... غيلانُ أبهى ربًى من ربعها الخربِ٣
ولا الخدود وقد أدمين من خجلٍ ... أشهى إلى ناظر من خدّها التّرب٤
سماجةٌ غنيت منا العيون بها ... عن كل حسن بدا أو منظر عجب٥
وحسن منقلبٍ تبدو عواقبُهُ ... جاءت بشاشتُه عن سوءِ منقلبِ
وعلى هذه الشاكلة يستمر أبو تمام في هذه القصيدة فيجعلك تحس باستعلائه على الشعراء؛ إذ يمزج بين الثقافات وألوان الشعر مزجًا طريفًا، فأنت تراه في البيت الأول يعمد إلى عنصر قديم هو عنصر الحلب، فيحوره تحويرًا جديدًا إذ يضيف إليه العسل فيعطيه طعمًا طريفًا. وتراه يخرج من ذلك إلى الحديث عن الصراع بين الإسلام والمسيحية وهو في أثناء ذلك يغمس الشعر في الطباق بين الصَّعَد والصَّبَب، ثم لا يلبث أن يخرج إلى وعاء التشخيص يعبر به عن عزة عمورية وما دهاها، تلك السيدة الفاتنة التي كانت تُدلُّ على الملوك والأكاسرة، حتى آتاها المعتصم فأقبلت عليه طائعة ذليلة. وهنا نراه يعرض التاريخ عرضًا غريبًا، عرضًا فنيًّا إن صح هذا التعبير؛ فها هما كسرى وأبو كرب يأتيان في الشعر عاشقين مدلهين، وهو تاريخ؛ ولكنه تاريخ فني وهو تاريخ قصد به إلى الفن. وهذا هو معنى ما قلناه كثيرًا من أن أبا تمام كان يحول الثقافة إلى بدع من الشعر والفن، حتى التاريخ يتحول بطريقة غريبة إلى لون من ألوان الفن. وقد جاء بالإسكندر ليدل على ثبات عمورية وقدمها، وهنا نحس أثر الثقافة اليونانية في هذا القدم والثبات الذي يقصد إليه، ونحن نحسها دائمًا في صياغته العقلية وما أشرنا إليه من استخدامه لنوافر الأضداد التي نشرها في جميع أشعاره. وما يزال أبو تمام يلائم بين هذه الثقافات وعناصرها من فارسية وعربية وإسلامية ويونانية،
стр. 284
وهو يغمر ذلك كله في ألوان تصنيعه من جناس وطباق وتشخيص؛ فهذه نواصي الليالي قد شابت، ولا تزال عمورية تكسوها غفلات الزمان شبابًا وفتنة. ونستمر حتى نجد تلك الصورة التي يصور فيها الأجيال تمخض عمورية مخض البخيلة حتى كانت زبدة الدهور. وهي صورة قد تكون غير مألوفة، ولكن أذواقنا لا ترفضها، وكان أبو تمام كثيرًا ما يعرض مثل هذه الصورة بحكم تصنيعه وتعمقه في مذهبه. ونراه بعد ذلك يستخدم نوافر الأضداد؛ فهذه عمورية كانت تفرج الكرب. وهي اليوم تسببها، وهو عنصر فلسفي أو يوناني، ولعلك تعجب إذ تراه يلائم بينه وبين عناصر الفأل والنحس والجرب، وهي عناصر عربية؛ ولكن أبا تمام كان يعرف كيف يوحِّد بين عناصر الثقافات المختلفة في عصره، ويكون منها هذا الزخرف الفني الغريب الذي ما يزال يرصع به قصائده على أشكال وصور شتى.
وإذا مضينا في القطعة وجدناه يعنى بالتدبيج؛ إذ يقف عند الدم السرب، وحينئذ يعمد إلى المقابلة؛ فهذا الخضاب على الرءوس ليس خضاب سُنَّة؛ وإنما هو خضاب سيوف، وأنت ترى في ذكر السنة هنا شيئًا من العناصر الإسلامية. ثم يتحدث عن اليوم الذي حرقت فيه عمورية، فيصفه بأنه يوم ذليل الصخر والخشب، وهي ذلة غريبة؛ فكيف يذل الصخر والخشب؟ ولكنه عنصر عربي يستغله في التعبير عما أصابها من ذلة وهوان؛ إذ يرى العرب يقولون: فلان أذل من الوتد. ونراه يستمر في الحديث فيصف النار وهي مشتعلة في عمورية آناء الليل. وحينئذ يلعب بالنار والظلماء؛ فهو ينظر ولكن ماذا ينظر؟ إنه في ضحى بل هو في صبح. فليس حوله إلا النور وإلا تباشير الصباح وقد خيل إليه كأن جلابيب الدجى رغبت عن لونها. وما أجمل تلك الصورة التي جعلها ترسخ في أذهاننا بقوله: أو كأن الشمس لم تغب! وهنا تطل علينا من بين أبياته ثقافته الدينية؛ إذ يستغل قصة يوشع التي تذهب إلى أن الشمس تأخرت من أجله عن مغربها. فكأن هذا يوم يوشع! إنه يوم المعجزة الكبرى في تاريخ العرب. يوم عمورية. وإنه ليعجب حين يذكر نهار
стр. 285
هذا اليوم وليله، أما نهاره فظلمة من دخان في ضحى قاتم. بل في ضحى شاحب. وأما ليله فضوء من النار في ظلام عاكف، وإنه لتعلوه الحيرة، فالشمس طالعة وقد رآها غاربة، والشمس يراها غاربة وهي غير غاربة، أرأيت إلى وصف هذا الحريق وما استخدم فيه أبو تمام من ألوان التجسيم والطباق ونوافر الأضداد؟ إن أبا تمام كان يُحكم استخدام الألوان في فنه إحكامًا شديدًا فإذا هو يستخرج منها هذا الزخرف النادر.
ونراه يتحدث بعد ذلك عن هذا اليوم الطاهر الْجُنُب وما فيه من الزواج والعزوبة، وهي فكرة كانت تروق الجيش الظافر الذي اقتسم السَّبْي، وقد استخدم فيها التعبير بنوافر الأضداد ليكسبها ضربًا من الروعة الفنية. وأخيرًا يعرض علينا هذه الصور الغريبة التي مزجها بعناصر قديمة؛ فهذه عمورية على ما بها من الجرب وعلى ما أصاب خدها من نمش النار وتشويه الدخان أحب في عينه من ربع ميَّة في عين ذي الرمة الذي عاش يتعبد جمالها ويتغنى بوصفها، أرأيت كيف يتحول تاريخ الأدب إلى عجب من الفن والتصوير؟ ثم أرأيت إلى هذه السماجة التي تصبح باستخدام نوافر الأضداد أجمل من كل جميل وأبدع من كل بديع؟ إن أبا تمام كان يعرف كيف يحول الثقافة وألوانها القاتمة إلى فن وألوان زاهية. وإن الإنسان ليدهش حين يراه يلائم بين الفكر الحديث والعناصر العربية القديمة ويستغل تلك العناصر لتعبر عن ثقافته وفكره الحديث، واستمر في القصيدة فسترى الدلاء والأوتاد والطُّنُب تأتي لتعبر عن أروع الأفكار، كأن يقول هذا البيت الذي سبق أن عرضنا لما فيه من رمز.
إن الحِمامين من بيضٍ ومن سمرٍ ... دلوا الحياتين من ماءٍ ومن عشبِ
فانظر أين وضع الدلاء ليعبر عن فكرة فلسفية دقيقة، ثم اقرأ قوله:
حتى تركت عمودَ الشركِ منقعرًا ... ولم تعرج على الأوتادِ والطّنب
فقد عبر عن أخذ المعتصم لعمورية دون ما حولها من القرى والمدن الصغيرة هذا التعبير الرمزي الطريف بقطعه للعمود والأس من أصله دون ما حوله من