← Адаб

Адаб · id 8666

الفن ومذاهبه في الشعر العربي

شوقي ضيف

Полный текст (574 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وكأنما أبو تمام شاعر الألوان والأضواء في اللغة العربية وهي ألوان وأضواء قاتمة. بل هو شاعر الرسم والزخرف والتنميق؛ فقصائده حَلي ووشي وأناقة خالصة. ولكن لا تظن أنه شاعر حسِّي، أو أن زخرفَهِ مادة وحس فقط؛ بل إن زخرفَهُ -قبل كل شيء- فكر وفلسفة وعقل وكشف عن حقائق الحياة في أعماقها وأغوارها. كان أبو تمام يزاوج بين العقل والحس، وكان يعبر تعبيرًا زخرفيًّا، ولكنه تعبير يفضي بالإنسان إلى فكر عميق ظهر في شكل زخرف أنيق. وإن الباحث ليعجب كيف استطاع أبو تمام أن ينهض بفنه إلى هذا المدى من التعبير عن الفكر والزخرف جميعًا، بل إننا لا ندقق في التعبير، فليس هناك من فارق عنده بين الفكر والزخرف، إن الفكر نفسه يصبح زخرفًا يزخرف به نماذجه. وانظر إليه يستهل قصيدة عمورية على هذا النمط: السيفُ أصدقُ إنباءً من الكتبِ ... في حدِّهِ الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ بيضُ الصفائحِ لا سودُ الصحائف في ... متونهنَّ جلاءُ الشكِ والرِّيب١ِ فإنك تراه يؤمن بتفوق السيف على الكتب، ألم تقل الكتب ويقل معها المنجمون إن المعتصم لا يفتح عمورية في الوقت الذي اختاره لمهاجمتها؛ ولكنه لا يستمع لقولهم وهاجمها وينتهي هجومه بفتحه العظيم؟ ويأتي أبو تمام فيتحدث عن علم التنجيم هذا الحديث الساخر الذي يفضل فيه السيف على الكتب والقوة على العقل، ويستمر فيهزأ بما يذكره المنجمون من أيام السعد والنحس. وما يذهبون إليه من تقسيم الأبراج إلى ثابتة ومنقلبة وتحكيمها في طوالع الناس والأحداث، وهنا نتبين أثر ثقافته الفارسية، وهو يعرضها هذا العرض الطريف؛ إذ تدور في أوعية الطباق والجناس والتصوير. وظهرت في هذه القصيدة آثار أخرى مختلفة للثقافات الإسلامية والعربية واليونانية، ونحن ننقل قطعة منها لنقف على المزج الغريب بين الثقافات المختلفة من جهة وبين ألوان الشعر العربي من جهة أخرى. يقول في وصف يوم الموقعة

стр. 282

يا يوم وقعة عمورية انصرفت ... منك المنى حفَّلًا معسولة الحلبِ١ أبقيت جد بني الإسلام في صعد ... والمشركين ودار الشرك في صبب٢ِ أمّ لهم لو رجوا أن تُفتدى جعلوا ... فداءها كل أمّ برة وأبِ وبرزة الوجه قد أعيت رياضتها ... كسرى وصدَّت صدودًا عن أبي كربِ٣ من عهد إسكندر أو قبل ذلك قد ... شابت نواصي الليالي وهي لم تشبِ بكرٌ فما افترعتها كفُّ حادثة ... ولا ترقَّت إليها همة النُّوب٤ حتى إذا مخض الله السنين لها ... مخض البخيلة كانت زبدة الحقب٥ أتتهم الكربة السوداء سادرةً ... منها وكان اسمها فرَّاجة الكربِ ٦ جرى له الفألُ نحسًا يوم أنقرة ... إذ غودرت وحشة الساحات والرُّحبِ لما رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب كم بين حيطانها من فارس بطلٍ ... قاني الذوائب من آني دم سرب٧ بسنَّة السيف والحناء من دمه ... لا سنة الدين والإسلام مختضبِ٨ لقد تركت أمير المؤمنين بها ... للنار يومًا ذليل الصَّخرِ والخشب٩ غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى ... يشلُّه وسطها صُبحٌ من اللهبِ١٠ حتى كأنَّ جلابيب الدُّجى رغبت ... عن لونها أو كأن الشمسَ لم تَغِبِ ضوء من النارِ والظلماء عاكفة ... وظلمة من دخانٍ في ضحى شَحِبِ فالشمسُ طالعةٌ من ذا وقد أفلت ... والشمس واجبةٌ في ذا ولم تَجِبِ١١

стр. 283

تصرّح الدّهر تصريح الغمامِ لها ... عن يومِ هيجاءَ منها طاهرٍ جنبِ١ لم تطلع الشمس فيه يوم ذاك على ... بانٍ بأهلٍ ولم تغرب على عَزَبِ٢ ما ربعُ ميّةَ معمورًا يطيفُ به ... غيلانُ أبهى ربًى من ربعها الخربِ٣ ولا الخدود وقد أدمين من خجلٍ ... أشهى إلى ناظر من خدّها التّرب٤ سماجةٌ غنيت منا العيون بها ... عن كل حسن بدا أو منظر عجب٥ وحسن منقلبٍ تبدو عواقبُهُ ... جاءت بشاشتُه عن سوءِ منقلبِ وعلى هذه الشاكلة يستمر أبو تمام في هذه القصيدة فيجعلك تحس باستعلائه على الشعراء؛ إذ يمزج بين الثقافات وألوان الشعر مزجًا طريفًا، فأنت تراه في البيت الأول يعمد إلى عنصر قديم هو عنصر الحلب، فيحوره تحويرًا جديدًا إذ يضيف إليه العسل فيعطيه طعمًا طريفًا. وتراه يخرج من ذلك إلى الحديث عن الصراع بين الإسلام والمسيحية وهو في أثناء ذلك يغمس الشعر في الطباق بين الصَّعَد والصَّبَب، ثم لا يلبث أن يخرج إلى وعاء التشخيص يعبر به عن عزة عمورية وما دهاها، تلك السيدة الفاتنة التي كانت تُدلُّ على الملوك والأكاسرة، حتى آتاها المعتصم فأقبلت عليه طائعة ذليلة. وهنا نراه يعرض التاريخ عرضًا غريبًا، عرضًا فنيًّا إن صح هذا التعبير؛ فها هما كسرى وأبو كرب يأتيان في الشعر عاشقين مدلهين، وهو تاريخ؛ ولكنه تاريخ فني وهو تاريخ قصد به إلى الفن. وهذا هو معنى ما قلناه كثيرًا من أن أبا تمام كان يحول الثقافة إلى بدع من الشعر والفن، حتى التاريخ يتحول بطريقة غريبة إلى لون من ألوان الفن. وقد جاء بالإسكندر ليدل على ثبات عمورية وقدمها، وهنا نحس أثر الثقافة اليونانية في هذا القدم والثبات الذي يقصد إليه، ونحن نحسها دائمًا في صياغته العقلية وما أشرنا إليه من استخدامه لنوافر الأضداد التي نشرها في جميع أشعاره. وما يزال أبو تمام يلائم بين هذه الثقافات وعناصرها من فارسية وعربية وإسلامية ويونانية،

стр. 284

وهو يغمر ذلك كله في ألوان تصنيعه من جناس وطباق وتشخيص؛ فهذه نواصي الليالي قد شابت، ولا تزال عمورية تكسوها غفلات الزمان شبابًا وفتنة. ونستمر حتى نجد تلك الصورة التي يصور فيها الأجيال تمخض عمورية مخض البخيلة حتى كانت زبدة الدهور. وهي صورة قد تكون غير مألوفة، ولكن أذواقنا لا ترفضها، وكان أبو تمام كثيرًا ما يعرض مثل هذه الصورة بحكم تصنيعه وتعمقه في مذهبه. ونراه بعد ذلك يستخدم نوافر الأضداد؛ فهذه عمورية كانت تفرج الكرب. وهي اليوم تسببها، وهو عنصر فلسفي أو يوناني، ولعلك تعجب إذ تراه يلائم بينه وبين عناصر الفأل والنحس والجرب، وهي عناصر عربية؛ ولكن أبا تمام كان يعرف كيف يوحِّد بين عناصر الثقافات المختلفة في عصره، ويكون منها هذا الزخرف الفني الغريب الذي ما يزال يرصع به قصائده على أشكال وصور شتى. وإذا مضينا في القطعة وجدناه يعنى بالتدبيج؛ إذ يقف عند الدم السرب، وحينئذ يعمد إلى المقابلة؛ فهذا الخضاب على الرءوس ليس خضاب سُنَّة؛ وإنما هو خضاب سيوف، وأنت ترى في ذكر السنة هنا شيئًا من العناصر الإسلامية. ثم يتحدث عن اليوم الذي حرقت فيه عمورية، فيصفه بأنه يوم ذليل الصخر والخشب، وهي ذلة غريبة؛ فكيف يذل الصخر والخشب؟ ولكنه عنصر عربي يستغله في التعبير عما أصابها من ذلة وهوان؛ إذ يرى العرب يقولون: فلان أذل من الوتد. ونراه يستمر في الحديث فيصف النار وهي مشتعلة في عمورية آناء الليل. وحينئذ يلعب بالنار والظلماء؛ فهو ينظر ولكن ماذا ينظر؟ إنه في ضحى بل هو في صبح. فليس حوله إلا النور وإلا تباشير الصباح وقد خيل إليه كأن جلابيب الدجى رغبت عن لونها. وما أجمل تلك الصورة التي جعلها ترسخ في أذهاننا بقوله: أو كأن الشمس لم تغب! وهنا تطل علينا من بين أبياته ثقافته الدينية؛ إذ يستغل قصة يوشع التي تذهب إلى أن الشمس تأخرت من أجله عن مغربها. فكأن هذا يوم يوشع! إنه يوم المعجزة الكبرى في تاريخ العرب. يوم عمورية. وإنه ليعجب حين يذكر نهار

стр. 285

هذا اليوم وليله، أما نهاره فظلمة من دخان في ضحى قاتم. بل في ضحى شاحب. وأما ليله فضوء من النار في ظلام عاكف، وإنه لتعلوه الحيرة، فالشمس طالعة وقد رآها غاربة، والشمس يراها غاربة وهي غير غاربة، أرأيت إلى وصف هذا الحريق وما استخدم فيه أبو تمام من ألوان التجسيم والطباق ونوافر الأضداد؟ إن أبا تمام كان يُحكم استخدام الألوان في فنه إحكامًا شديدًا فإذا هو يستخرج منها هذا الزخرف النادر. ونراه يتحدث بعد ذلك عن هذا اليوم الطاهر الْجُنُب وما فيه من الزواج والعزوبة، وهي فكرة كانت تروق الجيش الظافر الذي اقتسم السَّبْي، وقد استخدم فيها التعبير بنوافر الأضداد ليكسبها ضربًا من الروعة الفنية. وأخيرًا يعرض علينا هذه الصور الغريبة التي مزجها بعناصر قديمة؛ فهذه عمورية على ما بها من الجرب وعلى ما أصاب خدها من نمش النار وتشويه الدخان أحب في عينه من ربع ميَّة في عين ذي الرمة الذي عاش يتعبد جمالها ويتغنى بوصفها، أرأيت كيف يتحول تاريخ الأدب إلى عجب من الفن والتصوير؟ ثم أرأيت إلى هذه السماجة التي تصبح باستخدام نوافر الأضداد أجمل من كل جميل وأبدع من كل بديع؟ إن أبا تمام كان يعرف كيف يحول الثقافة وألوانها القاتمة إلى فن وألوان زاهية. وإن الإنسان ليدهش حين يراه يلائم بين الفكر الحديث والعناصر العربية القديمة ويستغل تلك العناصر لتعبر عن ثقافته وفكره الحديث، واستمر في القصيدة فسترى الدلاء والأوتاد والطُّنُب تأتي لتعبر عن أروع الأفكار، كأن يقول هذا البيت الذي سبق أن عرضنا لما فيه من رمز. إن الحِمامين من بيضٍ ومن سمرٍ ... دلوا الحياتين من ماءٍ ومن عشبِ فانظر أين وضع الدلاء ليعبر عن فكرة فلسفية دقيقة، ثم اقرأ قوله: حتى تركت عمودَ الشركِ منقعرًا ... ولم تعرج على الأوتادِ والطّنب فقد عبر عن أخذ المعتصم لعمورية دون ما حولها من القرى والمدن الصغيرة هذا التعبير الرمزي الطريف بقطعه للعمود والأس من أصله دون ما حوله من

стр. 286

أوتاد الخيمة، أرأيت كيف يمكن استغلال العناصر البدوية القديمة في الرمز والتعبير عن الأفكار الحديثة؟ لقد كان أبو تمام زعيم المجددين في عصره، ولكن لم يكن يعتمد في تجديده على رفض العناصر القديمة؛ بل كان يستعين بها في فنه، كما كان يستعين بكل ما يمكن من العناصر الحديثة، فلسفة وغير فلسفة. والحق أن قصيدة عمورية ترينا كيف تطورت قصيدة المديح في العصر العباسي، فقد أخذت تستوعب عناصر الثقافات المختلفة من عربية وإسلامية وفارسية ويونانية وتحولها إلى زخرف عقلي جديد، وسيطر عليها التعبير بهذا اللون الفلسفي من نوافر الأضداد، وهي مع ذلك ما تزال تغمر أبياتها بالزخرف الحسي الذي تركه مسلم؛ فإذا هي تزهى بثروة زخرفية رائعة؛ ففي كل جانب منها لون أو زخرف، فيه جمال وفيه فن، وفيه فلسفة وثقافة على ضروب وصور مختلفة.

стр. 287

٨- ابنُ الْمُعْتَزِ، نشأَتُهُ وحَيَاتُهُ وتصنيعُهُ: إذا تركنا أبا تمام إلى غيره من شعراء التصنيع في القرن الثالث وجدناهم لا ينهضون بتلك الثروة الزخرفية التي خلفها في صحائف ديوانه؛ فقد انحازت كثرتهم عن هذا الطريق الوعر الذي اتخذه من المزاوجة بين العقل ومحسنات اللفظ، ولذلك لم يعد يظهر ما يشبه نوافر الأضداد. فقد وقف الشعراء غالبًا عند الزخرف الحسي، زخرف الجناس والطباق والتصوير. ولعل خير شاعر نجده في هذا الجانب هو عبد الله ابن الخليفة المعتز بالله "٢٥٢- ٢٥٥هـ"، وقد ولد في عام ٢٤٧ للهجرة ونُشِّئ في الحلية والزينة، وعاش معيشة مترفة ناعمة، وأكبَّ منذ حداثته على الأدب واللغة يأخذهما عن أعلام عصره مثل: المبرد وثعلب وأحمد بن سعيد الدمشقي. ويظهر أنه لم يُعْنَ بالثقافات الأجنبية إلا قليلًا، وقد ذكر لنا مواد ثقافته في شعر يخاطب به مؤدبه

стр. 288

ابن سعيد؛ إذ يقول١: أصبحتَ يابن سعيدٍ حُزتَ مكرمةً ... عنها يقصر من يحفى وينتعلُ سربلتني حكمةً قد هذبت شيمي ... وأججت غرب ذهني فهو مشتعل أكون إن شئت قُسًّا في خطابته ... أو حارثًا وهو يوم الفخر مرتجل وإن أشأ فكزيدٍ في فرائضه ... أو مثل نعمان ما ضاقت بي الحيل أو الخليل عروضيًّا أخا فطن ... أو الكسائي نحويًّا له علل تغلي بداهة ذهني في مركَّبها ... كمثل ما عرفت آبائي الأول وفي فمي صارم ما سلَّه أحدٌ ... من غمده فدرى ما العيش والجذل عقباك شكرٌ طويل لا نفاد له ... تبقى معالمه ما أطَّت الإبل٢ فهو يقول: إنه تلقَّن عن أبي سعيد ما به يكون خطيبًا كقس إياد، وشاعرًا كالحارث بن حلِّزة، وماهرًا في علم الميراث كزيد بن ثابت، وفي علم الفقه كأبي حنيفة، وبارعًا في العروض كالخليل، وفي النحو كالكسائي. ولا نراه يذكر في أثناء ذلك ثقافة بالفلسفة، حقًّا ذكر كلمة الحكمة؛ ولكنه فسَّرها بهذه المعارف السابقة، ونحن لا نجزم بأنه لم يكن يلم بشيء من الفلسفة، ففي شعره بعض إشارات لها ٣، وأيضًا فإنه يشير إلى الفلك والتنجيم٤ وروى له الصولي في كتابه "الأوراق" فصولًا من النثر أخرجها مخرج الحكمة، وتعلق بفن الشعر التعليمي "POESIE DIDCTIQUE" الذي يذهب فيه الشعراء مذهب التعليم؛ ففي ديوانه مزدوجة ألفها في تاريخ الخليفة المعتضد. وقد ترك كثيرًا من المؤلفات في الأدب والشعر لعل أهمها كتابه: طبقات الشعراء المحدثين وكتاب البديع. ويظهر من مجموع أخباره أنه لم يكن ينغمس في مؤامرات البلاط العباسي، وأنه اختار لنفسه عيشه المرفه الناعم مصاحبًا للأدباء والعلماء، ولو أنه مضى على ذلك لكان خيرًا له؛ غير أن النفس أمَّارة بالسوء، لذلك نراه حين يتوفى الخليفة

стр. 289

المكتفي ويتولّى المقتدر سنة ٢٩٥ للهجرة وتصبح أمه بمن حولها من النساء والخصيان هي التي تدير دفّة الحكم ترنو عينه إلى الخلافة، ويدبر مؤامرة مع بعض الرؤساء والكتاب في ربيع الأول سنة ٢٩٦، فيخلع المقتدر ويتولى باسم المرتضي؛ غير أن ذلك لم يدم له سوى يوم وليلة، إذ تغلب على حزبه أصحاب المقتدر وأعادوه إلى كرسي الخلافة، واختفى ابن المعتز عند ابن الجصَّاص، غير أن أنصار المقتدر عرفوا مخبأه، فأخذوه وقتلوه في أول ربيع الثاني. وإذا أخذنا نبحث في شعره وجدناه يدور حول ما كان ينعم به من رَافِهِ العيش، وعني خاصة بالغزل والخمريات ومجالس الشراب، ولم ينس خصوم أسرته من العلويين، فوجَّه إليهم تهديدات شديدة اللهجة، لكن ذلك يأتي عارضًا في شعره، ومثله مثل المزدوجة التاريخية. وله منظومة في ذم الصبوح، وهي أقرب إلى الهزل منها إلى الجد. وبونٌ بعيد بين نسيج الصياغة عنده وعند أبي تمام، وإن كان يطالعنا أحيانًا بشعر جزل رصين، ولكنا نحكم بالكثرة من عمله، وقد دافع عنه أبو الفرج الأصبهاني فقال: "وشعره وإن كان فيه رقة الملوكية وغزل الظرفاء وهلهلة المحدثين فإن فيه أشياء كثيرة تجري في أسلوب المجيدين ولا تقصُر عن مدى السابقين، وأشياء ظريفة من أشعار الملوك في جنس ما هم بسبيله، ليس عليه أن يتشبَّه فيها بفحول الجاهلية؛ فليس يمكن واصفًا لصبوح في مجلس شكل ظريف بين ندامى وقيان، وعلى ميادين من النَّور والبنفسج والنرجس ومنضود من أمثال ذلك، وفاخر الفرش ومختار الآلات ورقة الخدم أن يعدل بذلك عما يشبهه من الكلام السَّبْط السهل الرقيق الذي يفهمه كل من حضر إلى جَعْد الكلام ووحشيه وإلى وصف البيد والمهامه والظبي والظليم والناقة والجمل والديار والقفار والمنازل الخالية المهجورة، ولا إذا عدل عن ذلك، وأحسن قيل له مسيء ولا أن يغمط حقُّه كله إذا أحسن الكثير وتوسَّط في البعض وقصَّر في اليسير، وينسب إلى التقصير في الجميع، لنشر المقابح وطيِّ المحاسن؛ فلو شاء أن يفعل هذا كل

стр. 290

أحد بمن تقدم لوجد مساغًا"١. ونحن لا نشارك في الحملة على ابن المعتز؛ بل نحن نضعه في موضوعه الصحيح، فقد كان شاعرًا محسنًا؛ غير أنه كان أميرًا مترفًا، ولم يُتِحْ له ترفه أن يتعمق الثقافة والفلسفة على نحو ما تعمقهما أبو تمام، وهو كذلك لم يتعمق وسائل التصنيع الحديثة، فإنه لم يعرف العمق في شيء؛ إنما عرف اللهو والنعيم، وعبر عن ذلك أجمل تعبير بقوله: شربنا بالكبيرِ وبالصغيرِ ... ولم نحفِل بأحداث الدهورِ لقد ركضتْ بنا خيلُ الملاهي ... وقد طِرنا بأجنحة السرورِ فحياته كانت مترفة ترفًا خالصًا، ومثل هذه الحياة لا تؤهل لتفكير عميق ولا لتعقيد في التفكير؛ إذ تقوم على الأشياء القريبة، وقلما تعب صاحبها في حياته العقلية والمادية. وليس معنى ذلك أن ابن المعتز كان من ذوق الصانعين؛ فقد كان من ذوق المصنِّعين، فالتصنيع والزخرف أساسيان في حياته، وهما كذلك أساسيان في فنه. ويحدثنا صاحب الأغاني أنه بدت فيه منذ نشأته نزعة إلى الغناء والموسيقى ضاعفت حسه بالجمال كما ضاعفها ترفه ونعيمه، وذكر له كتبًا في الغناء٢، كما ذكر له أدوارًا غنَّى فيها. وليس من شك في أن من يعيش مثل هذه المعيشة لا يمكن أن يكون ذوقه بسيطًا، فالترف لا يتيح بساطة في الحياة؛ بل هو يتيح ضربًا معقدًا من التصنيع في شئونها. والحق أن التصنيع كان مادة أصلية في حياته، وسرى منها إلى فنه؛ فهو يعيش في شعره كما يعيش في حياته معيشة تعتمد على التأنق والتنميق. كان ابن المعتز شاعرًا مصنعًا من أصحاب مذهب التصنيع، وكان يعجب بهذا المذهب إعجابًا شديدًا دعاه إلى أن يكتب في أدواته وزخرفه كتابه "البديع" وهو يشهد له بأنه كان فنانًا عالِمًا يحسن وضع المصطلحات الفنية، ولكن ينبغي

стр. 291

أن نعود فنقيِّد هذا الكلام؛ ذلك أن ابن المعتز لم يتعمق في فهم جوانب التصنيع وزخرفه عند أبي تمام، فهِمَ الزخرف الحسي: زخرف الجناس والطباق والتصوير والمشاكلة، ولكنه لم يفهم الزخرف العقلي، ولذلك لم يسقط في كتابه أي تعريف بلون من ألوانه سوى ما سماه بالمذهب الكلامي. وقد نقله عن الجاحظ دون فهم واضح له، وعابه بما فيه من تكلف١ ولو أن ابن المعتز كان متعمقًا في فهم وسائل التصنيع وزخارفه، كما انتهت إليه عند أبي تمام لأغنانا عن بيانها ووصفها. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إن ابن المعتز هو الذي انحاز بالبديع العربي إلى الزخرف المادي، وجعله لا يهتم اهتمامًا واسعًا بالزخرف العقلي أو المعنوي الذي رأيناه عند أبي تمام؛ إذ لم يعرض في كتابه لدرس ألوان التصنيع القاتمة عنده، تلك التي كان يستنبطها من الفلسفة والثقافة ويحولها إلى ألوان زاهية مضيئة. كان ابن المعتز مختلفًا في ثقافته، وهو كذلك كان متخلفًا في فهم التصنيع الجديد الذي أحدثه أبو تمام، ومن ثَمَّ لم يستطع تفسيره في كتابه عن البديع، كما أنه لم يستطع تطبيقه في ديوانه؛ فقد وقف بعمله عند الزخارف الحسية. واضطرب في موقفه من أبي تمام اضطرابًا شديدًا، فهو تارة يرفعه إلى الأفق الأعلى كما مرّ بنا في حديثنا عنه حين وازن بينه وبين البحتري، وتارة يتلومه لإسرافه في البديع، وقد ألف في محاسنه ومساويه رسالة احتفظ بها صاحب الموشح، ومن يرجع إليها يجد أنه إنما يعيب عليه بُعْده في التفكير وإغراقه في التصوير٢. وكانت هذه الرسالة إحدى الدعائم التي استند إليها خصوم أبي تمام في الحملة عليه من أمثال الآمدي. ورد عليهم أنصار أبي تمام من أمثال الصولي والمرزوقي. وعلي هذا النحو لم يستطع ابن المعتز أن يفهم تصنيع أبي تمام حق الفهم، مع أن ذوقه فعلًا كان من ذوق المصنعين، ولكن حائلًا حال بينه وبين تغلغله فيه، وهو أنه كان أميرًا مترفًا من أبناء القصور الذين لا يتعمقون في الفَهم فوقف بتصنيعه عند الجانب الحسي، وعني خاصة بجانب التصوير وما يتصل بها من تشبيهات وأخيلة.

стр. 292

٩- تَصْويرُ ابنِ الْمُعْتزِ: كان ابنُ المعتز يعنى بزخرف التصوير في شعره عناية شديدة، ولكن أي تصوير؟ إنه ليس هذا التصوير الفلسفي الذي يمزج بنوافر الأضداد، وهو أيضًا ليس التصوير الحسي الذي يحلله أبو تمام إلى أصباغه التي تحدثنا عنها من تجسيم وتدبيج وتشخيص؛ إنما هو تصوير من نوع آخر لا يحتاج تأملًا عميقًا، أو هو بعبارة أدق صبغ آخر من أصباغ التصوير؛ ولكنه ليس صبغًا معقدًا ولا مركبًا، ونقصد: صبغ التشبيه، فقد شغف به شغفًا شديدًا كاد لا يبقى فيه بقية لزخرف آخر من زخارف المدرسة. وكان لذلك الزخرف عنده طرافة خاصة، فإنه استطاع أن يحول هذا الصبغ المحدود إلى صبغ له طاقة واسعة، بل لقد خرج عن نطاقه القديم وأصبح صبغًا مستقلًا له أوضاعه التي لا تحصى، وفي هذا الوعاء من أوعية التصوير يظهر تصنيعه ويظهر أيضًا تفوقه على شعراء عصره؛ فقد اختص بصبغ واحد من أصباغ لون واحد من ألوان التصنيع، ولكن عرف كيف يحوله إلى صبغ واسع ويستخرج منه ما لا يحصى من صور وأوضاع. وكان النقاد القدماء يعرفون له هذا الجانب. يقول ابن رشيق: "إن ابن المعتز يغلب عليه التشبيه"١، ويقول صاحب معاهد التنصيص: "هو أشعر الناس في الأوصاف والتشبيهات"١، وامتلأت كتب النقد والبلاغة بأوصافه، وأشاد به عبد القاهر الجرجاني في غير موضع من كتاباته.

стр. 293

وطبيعي أن يعدل ابن المعتز بتصنيعه إلى التشبيه؛ لأنه لا يحتاج بعدًا في الخيال ولا عمقًا في التصوير، وكأني به قال: دَعْني أبدِّل قيثارتي بلوحة الألوان، ولكنه حين انتقل هذه النقلة لم يحسن استخدام جميع الألوان التي تركها أبو تمام، بل لم يحسن استخدام لون التصوير نفسه؛ فقد انحاز إلى صبغ واحد من أصباغه وهو صبغ التشبيه، وترك الأصباغ الأخرى من تدبيج وتجسيم وتشخيص؛ غير أن من الحق أن نحمد لابن المعتز صنيعه بهذا الصبغ، فقد حوَّله إلى صبغ واسع وراح يستخرج منه أوضاعًا لا تحصى يزيِّن بها شعره ويجمله وهنا يأتي تصنيعه، فصبغ التشبيه أصبح عنده صبغًا ثريًّا بأوضاعه المتضاربة. وليس من شك في أن هذه مقدرة ممتازة، تلك التي استطاع بها ابن المعتز أن يحول صبغ التشبيه إلى ما يشبه اللون الأخضر مثلًا في الطبيعة؛ فإذا هو على ضروب وأوضاع مختلفة، وإذا لكل ضرب ووضع روعة فاتنة. وإنها لمهارة تلك التي يستطيع صاحبها أن يؤلف لوحة من لون واحد فإذا هو زاهٍ أو باهت في بعض الجوانب، وإذ هو يتراوح بين هذين الصبغين إلى ما لا يحصى من أصباغ في الجوانب الأخرى. وحقًا أن ابن المعتز أظهر مهارة واسعة في هذا الصبغ من أصباغ التصوير؛ إذ عرف كيف يحول صبغًا محدودًا إلى صبغ واسع، ثم أخذ يستخرج منه أوضاعًا مختلفة حتى لا يحس قارئه بتكرار في المنظر؛ فهو لون واحد، بل هو صبغ واحد، ولكن الشاعر المصنِّع بارع؛ إذ يجعلنا نخطئ في الحس والتقدير، ونظن أننا نرى لونًا واسعًا له أوضاعه الكثيرة التي تنقلنا من عالمنا الحسي إلى عالم خيالي واهم. واقرأ هذه الأبيات إذ يقول في النرجس: كأن أحداقَهَا في حسنِ صورتِهَا ... مداهنُ التبرِ في أوراقِ كافورِ أو يقول فيه: كأن عيونَ النرجسِ الغضِّ حولها ... مداهنُ درٍّ حشوهن عقيقُ أو يقول في النارنج: وأشجارُ نارنج كأن ثمارَهَا ... حقاقُ عقيقٍ قد مُلئن من الدرِّ

стр. 294

أو يقول في الآذريون: كأنَّ آذريونها ... والشمسُ فيه كاليه مداهنٌ من ذهبٍ ... فيها بقايا غاليه أو يقول في الهلال: انظرْ إليه كزورقٍ من فضَّة ... قد أثقلته حمولةٌ من عنبرِ ويقول فيه: انظرْ إلى حسنِ هلالٍ بدا ... يهتكُ من أنوارِه الحِندِسا كمنجلٍ قد صيغَ من فضةٍ ... يحصدُ من زهر الدجى نرجِسا أو يقول في قمر مشرق نصفه: "كأنه مجرفة العطر"؛ فقد استطاع ابن المعتز بهذه الأوضاع من التشبيه ونظائرها أن يطوف بنا في قصور من الوهم والخيال تحكي قصور ألف ليلة وليلة. وفي هذه القصور الخيالية يعيش من يقرأ في ديوان ابن المعتز؛ فإذا هو يرى مداهن من تبر، كما يرى كثيرًا من أواني الذهب والفضة المرصَّعة بأنواع الجواهر واللآلئ. إن التشبيه صبغ واحد ولكن ابن المعتز عرف كيف يحلِّله وكيف يستخرج منه أوضاعًا لا تحصى. وهذا هو سبب ما نزعمه من أنه شاعر مصنِّع؛ بل هو شاعر يعقد في التصنيع، فقد أخذ صبغًا واحدًا من أصباغه وذهب يعقده ويستنبط منه ما لا يحصى من أوضاع رائعة، وهل هناك أروع من هذا الهلال الذي يشبه منجلًا من فضة؟ لقد وصف فيكتور هيجو الهلال بأنه منجل ذهب"UNE FAUCILLE D;OR" فراعَ أصحاب الأدب الفرنسي؛ ولكن ابن المعتز لا يقف عند هذه الصورة العامة بل هو يضيف إليها بقية غريبة فإذا السماء حقل من نرجس لا من نجوم، وإذا هذا المنجل يحصد نرجسها بأضوائه وأنواره، وارجع إلى الصورة الأخرى التي صوَّر فيها ابن المعتز الهلال بزورق من فضة؛ فقد أضاف إلى الصورة البصرية التي نتخيلها في الزورق صورة عطرية، إن الصبغ واحد هو التشبيه ولكن ابن المعتز عرف كيف يستخرج منه أوضاعًا وأشكالًا كثيرة، فإذا لكل وضع بهجته ولكل شكل مسرته.

стр. 295

١٠- الإفْرَاطُ في الصُّورِ والتشبيهاتِ: ذهب ابن المعتز يكثر من أوضاع هذه الصور والتشبيهات في شعره، ويفرط فيها إفراطًا شديدًا، حتى لتظهر في قصائده على هيئة صفوف متلاحقة؛ ففي كل جانب منها صورة أوتشبيه، وهي صور وتشبيهات ما يزال ابن المعتز يحاول أن يحدث بها طرافة في شعره؛ فهي كل ما يقدمه للفن من زينة وجمال. لم يضع ابن المعتز همَّه في إحداث تنويع واسع في زخرف شعره؛ فقد رفض الزخرف العقلي أو بعبارة أدق لم يستطع أن يستخدمه، وهو كذلك لم يستطع أن يستخدم جميع أوعية الزخرف الحسي؛ فقد انحاز إلى التشبيه، وذهب يطرز به قصائده، ويوشي به أبياته. وأظهر في براعة لم تُتَحْ لشاعر من قبله، وهل هناك أبرع من هذا التشبيه؛ إذ يقول: ريمٌ يتيهُ بحسنِ صورتِهِ ... عبثَ الفؤادِ بلحظ مقلتِهِ وكأنَّ عقرب صُدغه وقفت ... لما دنت من نارِ وجنتهِ فهذه صورة رائعة روعة شديدة لما أشاعه فيها جمال وبعث من نار، هي نار الوجنات أو هي نار الفن، وما أشبهها بهذه القطع من الشمس التي كان يلقيها الساقي في أقداح جماعته؛ إذ يقول: وكأن كفيه تقسم في ... أقداحنا قطعًا من الشمسِ كان ابن المعتز بارعًا في صنع الصور والتشبيهات، وهي براعة نرى آثارها في كل مكان من ديوانه، ومن الصعب أن نجمعها في حيز محدود في صحيفة أو صحف، ومع ذلك فمن المحقق أنه كلما جمع ناقد منها طائفة خرجت إليه أصباغ تحكي أصباغ الطيف أصباغ للون واحد؛ ولكنه لون معقد يعقده ابن المعتز، ويستخرج منه أوضاعًا متضاربة يشيع فيها النور والجمال والحياة، وانظر إلى قوله: وزوبعةٍ من بناتِ الرياحِ ... تريك على الأرض شيئًا عجب

стр. 296

تضمُّ الطريد إلى نحرها ... كضمّ المحبة من لا يحبّ أرأيت إلى هذه الصورة؟ إنها صورة خيالية رائعة لا بد لها من خيال فنان حتى يعرضها على أنظارنا؛ فإذا هذا العناق الغريب. وانظر إلى قوله: ودنا إليَّ الفرقدان كما دنت ... زرقاءُ تنظر في نقابٍ أسود فإنك ترى ابن المعتز يعرف كيف يطرف قارئه بالصور الغريبة وإنها لصور نادرة. هي ليست صورًا جامدة من تلك التي تواضع عليها الشعراء وأصبحت متحجرة في اللغة، إذا فقدت نضرتها وبهجتها؛ بل هي حية ناضرة وكأنما نقشت رسومها بالأمس، نقشها شاعر كان صبًّا ببعث الحياة والحركة في صوره حتى ليحس من يقرأ في ديوانه كأنه يعيش في دار من دور الصور المتحركة، فما يزال يرى مناظر وأشكالًا من شخوص ووجوه. وهي وجوه مستعارة، ولكنها تعبر عن روعة الفن بأجمل مما تعبر عنه الوجوه الحقيقية. وانظر إلى صورة الليل وهذا الوجه الحبشي. قد أغتدي والليلُ في إهابه ... كالحبشي مالَ عن أصحابِهِ والصبحُ قد كشَّف عن أنيابِهِ ... كأنه يضحك من ذهابِه فإنك ما تلبث أن تستغرق في الضحك من هذا الحبشي أو هذا الوجه المستعار؛ بل إنه لوجه حقيقي يعبر عن حقيقة مظلمة وراءه، ولكن سرعان ما يخلفه وجه آخر ضاحك، وهو وجه الصباح الجميل. وعلى هذا النمط ما نزال نرى في شعر ابن المعتز صورًا متحركة قد أعطاها أوضاعًا تؤكد حقيقتها وتجعلنا كأننا نلمسها ونشاهدها، وهل هناك صورة تثبت في الذهن كهذه الصورة التي أخرج فيها الصبح بعد المشتري: والصبح يتلو المشتري فكأنه ... عريانُ يمشي في الدجى بسراج إنها صورة عارية، وقد يؤذينا هذا العري؛ ولكنا لا نرتاب في أنه يثبت الصورة في عقولنا، ومن ينسى هذا الصبح الذي ذكره ابن المعتز؟ من ينسى هذا العريان وسراجه الذي كان يحمله في الدجى فيكشف عن نيته ويفصح عن

стр. 297

عزيمته؟ وانظر إليه يعود إلى تصوير الصبح فيقول: كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نُطير غرابًا ذا قوادم جونِ فقد جسم اختلاط الظلام بالضياء في ذلك الغراب صاحب القوادم البيضاء وليس من شك في أنها صورة طريفة، وكأني به أراد أن يحكمها أحكامًا، فقال: وكابدنا السُّرى حتى رأينا ... غراب الليل مقصوصَ الجناحِ فأنت تراه يجنح في هذا البيت إلى التفصيل في صورة الغراب بأكثر مما صنع في البيت السابق؛ إذ عبر عن القِصَر الذي يصيب أطراف الليل بهذا القصِّ الغريب لجناح الغراب، وكل ذلك ليضبط الصورة ضبطًا دقيقًا. ومهما يكن فإن ابن المعتز كان يحسن استخدام صبغ التشبيه إحسانًا شديدًا؛ فإذا هو يستخرج منه تلك الصور والأوضاع الكثيرة التي تروعنا روعة هذه المياه التي رآها في ربع صاحبته، فحكى صورتها في قوله: وماءٍ دارسِ الآثار خالٍ ... كدمعٍ حارَ في جفنٍ كحيلِ وحقًّا إن الإنسان ليذهب إزاء هذه الروعة في التصوير؛ حتى ليتمنى أن لو صار إليه شيء من إحساس ابن المعتز حين تمثل هذه الصور، وانظر إليه يصف الرياض في منظومته "ذم الصّبوح"؛ إذ يقول: ألا ترى البستان كيف نوَّرا ... ونشر المنثورَ زهرًا أصفرا وضحك الوردُ إلى الشقائق ... واعتنق القطرَ اعتناقَ وامقٍ في روضة كحلل العروس ... وخرَّم كهامة الطاوس وياسمين في ذرى الأغصان ... منتظم كقطع العِقْيَانِ والسَّرو مثل قضب الزبرجدِ ... قد استمد العيش من ترب ند على رياض وثرى ثري ... وجدول كالمبردِ المجلي وأخرج الخشخاش جيبًا وفتقْ ... كأنه مصاحفٌ بيضُ الورق أو مثل أقداحٍ من البلور ... تخالها تجسَّمت من نور وبعضها عُريانُ من أثوابه ... قد خجل البائس من أصحابِه تبصِرُه بعد انتشار الوردِ ... مثل الدبابيس بأيدي الْجُندِ

стр. 298

والسوسنُ الأبيضُ منشور الحلل ... كقطنٍ قد مسه بعض البلل وقد بدت منه ثمار الكَنْكَرِ ... كأنه جماجمٌ من عنبرِ وحلق البهارِ بين الآسِ ... جمجمةٌ كهامةِ الشَّمَّاس وجلَّنارٌ كاحمرارِ الخدِّ ... أو مثل أعرافِ ديوكِ الهندِ فإنك تعجب من تلك الأوضاع الكثيرة التي استخرجها من صبغ التشبيه وراح يطرز بها هذا الوصف البديع للرياض، وما يجري فيها من تلك الصور المختلفة التي يغرق فيها البصر؛ فهنا صفرة عسجدية، وهناك خضرة زبرجدية، وثَمَّ حمرة وردية. وليس من شك في أن قارئ ابن المعتز إذا كان مرهف الحس إرهافه، علاه ذهول وحيرة إزاء تلك الصور والأوضاع لصبغ التشبيه التي يعرضها علينا في تلك الأشكال والطرائف النادرة. وإن الإنسان ليفكر حقًّا في هذه القدرة على التصوير، هي لا تقف عند وصف الطبيعة والرياض، بل تتعداها إلى كل شيء يلتقطه خيال ابن المعتز، وانظر إليه يصف سباق الخيل: خرجن وبعضهن قريبُ بعضٍ ... سوى فوت العذارِ أو العنانِ ترى ذا السَّبق والمسبوقَ منها ... كما بسطت أناملها اليدان فإنك تراه يحكم الصورة إحكامًا طريفًا. وانظر إليه يقول في مقلة البازي: ومقلةٍ تصدقُهُ إذا رمقْ ... كأنها نرجسةٌ بلا ورقْ فليس من شك في أنك تعجب بهذه الصورة النادرة التي عمد فيها ابن المعتز إلى التفصيل، وانظر إليه يقول في أذن كلب الصيد: وأذنٍ ساقطةِ الأرجاءِ ... كوردة السوسنةِ الشَّهلاءِ وعلى هذا النمط ما يزال ابن المعتز يستخرج من صبغ التشبيه صورًا وأشكالًا لا تحصى؛ حتى ليشعر من يقرأ ديوانه أنه يعيش في تلك الرياض من البنفسج التي وصفها في قوله: كنّ سماءنا لما تجلَّت ... خلال نجومها عند الصباحِ

стр. 299

رياضُ بنفسج خَضِلٍ نداهُ ... تفتَّح نورُه بين الأقاحي وهي رياض ذات صبغ واحد؛ ولكن كأنما هذا الصبغ قد جمع من كل ربيع، ففيه تنوع واسع لا يمكن شيء أن يحكيه إلا أن يعود الإنسان إلى ديوان ابن المعتز، ويرى كيف استخدم صبغ التشبيه، واستطاع أن يخالف بين أشكاله وأوضاعه، كما يخالف أصحاب فن التجميل بين صور الشعر الأسود مثلا ورسومه، فإذا هم يستخرجون منه أشكالًا وأوضاعًا كثيرة، بما يسدلونه على الجبهة، أو بما يرفعونه إلى الرأس، أو بتقسيمه أقسامًا متساوية، أو غير متساوية. والحق أن أصحاب التصنيع، في القرن الثالث استطاعوا أن يرتفعوا إلى مراقي القمة في الزخرف والتنميق. وهل نسينا ذلك الزخرف العقلي الذي أحدثه أبو تمام وما استطاع أن يشفعه به من تنويع في الزخرف الحسي؟ وهذا ابن المعتز يأخذ زخرف التشبيه وينوع فيه تنويعًا واسعًا يقصر التعبير عن تصويره. إن التشبيه لون مفرد بل هو صبغ من أصباغ لون مفرد، هو لون التصوير، وهو صبغ حسي لم يشفع بثقافة عميقة ولا بفلسفة، ومع ذلك استطاع ابن المعتز أن يستخرج منه أوضاعًا وأشكالًا كثيرة؛ بحيث لا نجمع طائفة منها حتى تخرج لنا هذه اللوحات الفنية المحيِّرة، وكأن الإنسان يعيش في متحف للصور والرسوم، ولكن أي صور ورسوم؟ إنها صور ورسوم ما تزال تعزف عزفًا غريبًا! وارجع إلى أبي تمام فسترى هذه الصور والرسوم تعي الموسيقى، كما تعي الفلسفة والثقافة، وكل ذلك يتنقل فيه الفكر كما يتنقل بين قطع الرياض في الطبيعة. على أن هذه الروعة في التصنيع وما صحبها من بهجة في التلوين والتصوير سرعان ما تنحسر ظلالها عن الشعر العربي في القرون التالية.

стр. 300

الكتاب الثاني: مذهب التصنع الفصل الأول: التصنع التصنع في الحضارة العربية ... الكتاب الثاني: مذهب التصنع الفصل الأول: التَّصَنُّعُ "نظرنا في الشعر القديم والحديث فوجدنا المعاني تقلب، ويؤخذ بعضها من بعض". الجاحظ ١- التَّصنعُ في الحضارةِ العربيةِ: لا يمضي من يدرس الشعر العربي بعد القرن الثالث حتى يحس بظاهرة واضحة تمتد في هذا الشعر وتسيطر عليه، وهي ظاهرة التصنع والتكلف الشديد، والشعر العربي لا يحيل بهذه الظاهرة، بل هو يرينا تطور الفن مع تطور الحضارات وما يصيب الناس من ترف عقلي يؤدي بهم إلى ألوان من التعقيد في صنع النماذج الفنية. نرى ذلك في القديم والحديث، نراه عند اليونان في الإسكندرية في أثناء القرنين الرابع والخامس الميلادي؛ إذ أصبح الشعر مجموعة من التعقيدات والشكليات مستجيبًا لما أصاب الحضارة اليونانية من هرم وشيخوخة، ونراه عند الغربيين المحدثين؛ ففي أواخر القرن التاسع عشر تتعقد الحضارة الغربية، ويترف العقل الغربي، ويظهر المذهب الرمزي وما يطوى فيه من فنون تكلف وتعقيد. وهذا نفسه هو ما نحسه إزاء الشعر العربي والحضارة العربية بعد القرن الثالث للهجرة، إذ نرى هذه الحضارة تعقم ولا تأتي بجديد إلا اهتمامًا بالشكليات وتعقيدًا في شئون الحياة؛ فالدولة تضعف ولكن تكثر الألقاب، ألقاب الملوك والأمراء وكبار أصحاب المناصب١، وهي كثرة لا تدل على نمو سياسي؛ إنما تدل على أن الناس أصبحوا يعنون بالشكل أكثر مما يعنون بالحقيقة نفسها. وأنت

стр. 301

مهما بحثت في هذه العصور فلن تجد إلا تصنعًا شديدًا في جميع شئون الحياة؛ إذ يعيش الناس معيشة كلها تكلف وتصنع وتحذلق على ضروب وفنون مختلفة، فقد أترفت الحضارة العربية وأترف الفكر العربي، ولم يعد هناك إلا التصنع والتكلف في شئون الحياة، حتى لنجد لعضد الدولة بشيراز قصرًا مؤلفًا من ثلاثمائة وستين حجرة ليجلس كل يوم في واحدة إلى الحول١. أرأيت إلى هذا الترف وهذا التعقيد في الحياة؟ بل إنا لنراهم يعقدون الموت نفسه؛ فقد كفِّن تميم بن المعز عام ٣٧٥هـ في ستين ثوبًا٢. وكأنما الحضارة العربية لم تعد تجد الوسائل الطبيعية لتعبيرها فأخذت تبحث عن الوسائل الجديدة من التكلف، وهي وسائل لا تضيف جمالًا، إنما تضيف تعقيدًا إن كان التعقيد شيئًا يطلب لذاته. ولعل مما يصور هذا التعقيد بصورة أوضح ما يروى عن الوزير ابن الفرات في مآدبه من أنه "كان يدعو إليها في كل يوم تسعة من الكتَّاب الذي اختص بهم، وكان منهم أربعة نصارى؛ فكانوا يقعدون من جانبيه، وبين يديه، ويقدم إلى كل واحد منهم طبق فيه أصناف الفاكهة الموجودة في الوقت من خير شيء، ثم يجعل في الوسط طبق كبير يشتمل على جميع الأصناف، وكل طبق فيه سكين يقطع بها صاحبها ما يحتاج إلى قطعه من سفرجل وخوخ وكمثرى، ومعه طست زجاج يرمى فيه بالثُّفل، فإذا بلغوا من ذلك حاجتهم واستوفوا كفايتهم رفعت الأطباق وقدمت الطسوت والأباريق؛ فغسلوا أيديهم وأحضرت المائدة مغشاة بدبيقي فوق مكبة خيازر، ومن تحتها سفرة أدم فاضلة عليها، وحواليها مناديل. فإذا وضعت رفعت المكبة والأغشية وأخذ القوم في الأكل، وأبو الحسن بن الفرت يحدثهم ويؤانسهم ويباسطهم فلا يزال على ذلك والألوان توضع وترفع أكثر من ساعتين، ثم ينهضون إلى مجلس في جانب المجلس الذي كانوا فيه، ويغسلون أيديهم، والفرَّاشون يصبون الماء عليهم، والخدم وقوفٌ على أيديهم المناديل الدبيقية ورطليَّات ماء الورد لمسح أيديهم وصبِّه على وجوههم"٣.

стр. 302

وهذه صورة بالغة في التكلف، وهي خير من يصور الحضارة العربية في هذه العصور وكيف أنها أخذت تصعِّب في طرق أدائها، فألوان الطعام لا توضع دفعة واحدة، بل ما يزال يوضع اللون بعد اللون، وإلا ففيم تقدم الزمن ورقي الحضارة؟! ونحن نعرف أن الطريقة الأولى هي التي كانت شائعة في فرنسا في أثناء القرن الثامن عشر، ثم حلت محلها الطريقة الروسية التي تشبه طريقة ابن الفرات وعمت في أوربا جميعها١: وليس من شك في أن هذا يدل -من بعض الوجوه- على ما أصاب العقل العربي من تصنع في الأداء ينحاز به عن الطرق الطبيعية في التعبير، سواء تعبير المعيشة أم تعبير التفكير. ولعل من الطُّرف التي تصور لك تصويرًا أوسع من طريقة ابن الفرات في مآدبه ما انتهى إليه المهلَّبي الوزير المعروف من تصنعه في تناول طعامه فهم يذكرون أنه "كان إذا أراد أكل شيء بملعقة كالأرز واللبن وقف من جانبه الأيمن غلام معه نحو ثلاثين ملعقة زجاجًا مجرودًا، فيأخذ منه ملعقة يأكل بها في ذلك اللون لقمة واحدة، ثم يدفعها إلى غلام آخر قام من الجانب الأيسر، ثم يأخذ أخرى فيفعل بها فعل الأولى، حتى ينال الكفاية، لئلا يعيد الملعقة إلى فيه دفعة ثانية"٢ وهذا الصنيع المعقد يدل على ما انتهت إليه الحضارة العربية -في هذه العصور- من تجديد، وهو تجديد لا يتناول موادها والتنويع فيها؛ إنما يتناول وسائلها والتصعيب في طرق أدائها وما قد يكلف به الناس من التعلق بأشياء غريبة؛ فهم يغربون في حياتهم وتفكيرهم إغراب المهلبي بملاعقه، وكانت تكفيه ملعقة واحدة يتناول بها ما يريد؛ ولكنه كان يريد شيئًا آخر؛ غير تناول الطعام، وما الفرق بينه وبين بقية الناس إن أكل على طريقتهم بملعقة واحدة؟! إنه ينبغي أن يختلف عنهم وإلا ففيم وزارته؟ وفيم رقيّه عمن حوله؟ لذلك كنا نراه يشفع طعامه بشيء غريب هو هذه الملاعق التي يعقده بها؛ ولكنه تعقيد لا يضيف طرافة، إنما يضيف تصنعًا إن كان التصنع شيئًا طريفًا في ذاته.

стр. 303

٢- التَّصنعُ في الحياةِ الفنيةِ: غمر العقل العربي في أثناء هذه العصور بهذا الذوق من التصنع؛ فعمد إلى وسائل يصعب بها تناوله للآراء والأفكار على نحو ما كان المهلبي يصعب على نفسه في تناوله لطعامه بملاعقه. وعمّت هذه الروح في صنع النماذج الفنية؛ فالتجأ كثير من الأدباء إلى تعقيد التعبير فنونًا من التعقيد، ولعل مما يصور ذلك ما يُروى من مهارة بديع الزمان وأنه كان يستطيع أن يكتب كتابًا يقرأ فيه جوابه، أو كتابًا يقرأ من آخره إلى أوله، أو كتابًا إذا قرئ من أوله إلى آخره كان كتابًا، فإن عكست سطوره مخالفة كان جوابًا، أو كتابًا لا يوجد فيه حرف منفصل من راء يتقدم الكلمة، ودال ينفصل عنها، أو خاليًا من الألف واللام، أومن الحروف العواطل أو أول سطوره كلها ميم وآخرها جيم، أو كتابًا إذا قرئ معرجًا وسُرد معرجًا كان شعرًا، أو إذا فسِّر على وجه كان مدحًا وإذا فسر على وجه كان ذمًّا١. ويظهر أن ذلك كان يعدّ عند كتاب العصر وشعرائه الأفق الأعلى في البلاغة والفصاحة، فانطلق الشعراء ينظمون قصائد كل ألفاظها من الحروف المعجمة أو من الحروف المهملة أو من الحروف المهموزة أو مما لا تنطبق معه الشفتان٢؛ وكأن الشعر يستحيل إلى عمل لغوي، فإذا الشعراء يصنعون صنيع عمال المطابع إذ "يرصُّون" الحروف بعضها إلى بعض فتكون صناديق من الحروف، ولكن لا تتكون أبيات من الشعر إلا إذا أردنا بهذا الشعر الإفصاح عن صعوبات في التعبير وطرق الأداء. ونحن ينبغي أن نعرف أن الشعراء كانوا يعجبون بهذه التعقيدات إعجابًا شديدًا؛ فالثعالبي يذكر لنا أن الصاحب

стр. 304

ابن عباد صنع قصيدة معرَّاة من الألف التي هي أكثر الحروف دخولًا في المنظوم والمنثور فتداولها الرواة وعجبوا منها؛ فصنع الصاحب قصائد كل منها خالية من حرف من حروف الهجاء١ وحتى موسيقى الشعر والنثر لم تسلم من هذا التكلف والتعقيد في الأداء، فنحن نجد المعري في لزومياته وفصوله وغاياته يتقيد في قوافيه وأسجاعه بحرفين أو ثلاثة، كأن الوسيلة الواحدة لا تكفي للتعبير في الأدب بل يحسن أن تتعدد كما تعددت ملاعق المهلبي. ولم يصنع المعرى ذلك بمجموعة صغيرة من القصائد والرسائل، بل طبقه في ديوان ضخم من الشعر، وكتاب ضخم أيضًا من النثر. ولعل مما يتصل بهذه الجوانب من التصعيب في الأداء ما شاع في هذه العصور من الألغاز والأحاجي؛ وقد روى صاحب اليتيمة طرفًا من هذا الجانب عند بديع الزمان٢ وابن العميد٣. ويقول صاحب سر الفصاحة: "وقد كان شيخنا أبو العلاء يستحسن هذا الفن ويستعمله في شعره كثيرًا ومنه قوله: وجبتُ سرابيًّا كأن إكامَهُ ... جوارٍ ولكن ما لهنَّ نهود٤ تمجَّس حرباءُ الهجير وحوله ... رواهبُ خيطٍ والنهارُ يهودُ٥ فألغز بقوله جوارٍ عن الجواري من النساء وهو يريد كأنهن يجرين في السراب، وبقوله نهود عن نهود الجواري وهو يريد بنهود: نهوض، أي كأنهن يجرين في السراب وما لهن على الحقيقة نهوض. وأراد بقوله تمجس الحرباء: أي صار لاستقباله الشمس كالمجوس التي تعبدها وتسجد لها، وجعل النعام الرواهب لسوادها، ويهود: يرجع، وهو يلغز بذلك عن اليهود لما ذكر المجوس والرواهب، وكذلك قوله: إذا صدق الجدُّ افترى العمّ للفتى ... مكارم لا تُكري وإن كذب الخال٦

стр. 305

لأنه يريد بالجد الحظ، وبالعم: الجماعة من الناس وبالخال المخيلة، وقد ألغز بذلك عن العم والجد والخال من النسب"١. وليس من شك في أن مثل هذه الألغاز لا تضيف طرافة إلى الشعر؛ إلا أن يقصد به إلى التعقيد وأن يتخذ هذا التعقيد إحدى غاياته. وكأني بالحضارة العربية ضلت طريقها الطبيعي في التعبير، فذهبت تستعين بألوان الطعام يوضع بعضها وراء بعض، أو بالملاعق تتعدد في أثناء تناول الطعام، أو بهذه الوسائل الملتوية في التعبير الفني، وكأنها تبحث عن طريق جديد تعبر به؛ غير أنها لم تقع إلا على هذه الضروب من التكلف والتصنع فتشبثت بها، وقد خيل إليها أنها تستطيع أن تطرف بها حياة الناس وأفكارهم، ومن المهم أن نعرف أن الناس كانوا يطلبون هذه الضروب من الشعراء لأن حياتهم هم أنفسهم تعقدت وأصبحوا لا يعجبون إلا بما يتمشى مع حياتهم. واستجاب لهم الشعراء؛ فكل يحاول بدوره أن يعقِّد الفن وأن يقع في هذا التعقيد على طرفة جديدة يطرفهم بها حتى ينال إعجابهم واستحسانهم.

стр. 306

٣- التَّصنُّع في ألوانِ التصنيعِ الحسيةِ: سرت هذه الظاهرة من التصنع في جميع جوانب الفن حتى في ألوان التصنيع الحسية نفسها التي رأيناها عند جماعة المصنعين؛ فقد استخدمها الشعراء ولكن في هذا التعقيد الذي يعدُّ سمة القرن الرابع وما جاء بعده من قرون، ففقدت جمالها وتنوعها، ولم نعد نجد لها هذه الألوان والأصباغ الثرية التي كنا نراها عند أبي تمام، ولا هذه الأوضاع المنوعة التي مرت بنا عند ابن المعتز لصبغ التشبيه، تلك الأوضاع التي أحالها خياله إلى أشعة فضية غريبة. وليس معنى ذلك أن الشعراء هجروا وسائل التصنيع التي رأيناها في القرن

стр. 307

الثالث، والتي تعد نوعًا من الرومانسية في الشعر العربي؛ وإنما معناه أن الشعراء لم يعودوا يحسنون استخدامها كما كان الشأن عند أبي تمام وابن المعتز؛ هم يستخدمونها ولكن استخدامهم لها معقد تعقيد هذه الحضارة التي عاشوا فيها، وهو تعقيد لا يضيف إلى الألوان جمالًا كهذا الجمال الذي رأيناه عند أبي تمام إنما هو تعقيد يأتي لذاته؛ فلا يضيف طرافة للون بل قد يزيل منه بعض أصباغه ويحيله لونًا باهتًا لا دفء فيه ولا حرارة. واقرأ هذا الطباق للمتنبي. لمن تطلبُ الدُّنيا إذا لم ترِدْ بها ... سرورَ محبٍّ أو إساءة مجرمِ فإنك تحس كأنك لا ترى هذا الطباق الذي أقامه بين السرور والإساءة والحب والإجرام؛ لأن الكلمات لا تتقابل؛ فليست كلمة الإساءة عكس كلمة السرور، ولا كلمة الإجرام عكس كلمة الحب، إنما عكس السرور الحزن كما أن عكس الحب البغض. ولكننا ننسى؛ فقد تركنا القرن الثالث ودخلنا في القرن الرابع، وهو قرن لا يستطيع أن يجاري النهضة العربية التي رأيناها في القرن الثالث، بل هو يتخلف كما تتخلف هذه المقابلات عند المتنبي أو هذه الطباقات التي يحسن أن نعطيها وصفًا جديدًا يميزها، نسميها طباقات غير دقيقة بل نسميها: طباقات باهتة، فالكلمات لا تتطابق ويحس الإنسان كأن اللون غائب منه لا يراه، فهو لون باهت لي كلون الطباق الزاهي الذي رأيناه عند أبي تمام، بل إن الإنسان يخيَّل إليه أنه لون آخر، فقد انحسرت عنه بعض أصباغه، وغدا لا يتَّشح بهذه الأصباغ الثرية التي كنا نراها في القرن الثالث. لم يعد القرن الرابع يحسن استخدام وسائل التصنيع إلا أن يتولاها بشيء من التكلف يحيلها عن أصباغها كما نرى في هذا الطباق، ويتولاها بشيء من التعقيد في الأداء كهذا الجناس لبعض شعراء اليتيمة: إن أسيافنا القصار الدوامي ... صيّرت ملكنا طويلَ الدوامِ نحن قومٌ لنا سدادُ أمورٍ ... واصطلامُ الأعداء من وسطِ لامِ٢

стр. 308

واقتسام الأموال من وقت سامٍ ... واقتحامُ الأهوالِ من وقت حامِ فإنك تراه يجانس بين الدوامي والدوام، وهو جناس طبيعي يشبه ما كنا نجده في القرن الثالث، ولكن انظر إلى تجديده في هذا اللون بعد ذلك؛ إذ تراه يجانس بين: اصطلام، وكلمتي: وسط لام، كما يجانس بين: واقتسام، وكلمتي: وقت سام، وكذلك بين: واقتحام، وكلمتي: وقت حام. أرأيت إلى هذا التجديد في الجناس؟ إنه كملاعق المهلَّبي لا يضيف طرافة إنما يضيف تعقيدًا وتلفيقًا غريبًا يخرج به الجناس عن صورته الأصلية الموسيقية إلى نوع من العبث واللعب بالألفاظ والكلمات. وليس لنا أن نزري على عمل الشعراء وطريقة استخدامهم لهذه الألوان؛ فذلك أسلوب العصر، إذ كان يعجب بالتعقيد في كل شيء، وتبعه الشعراء يعقدون في وسائلهم وطرق استخدامها، ولكنهم حينما عدلوا إلى ذلك التعقيد لم يستطيعوا أن يستخرجوا منه صورًا وأشكالًا طريفة؛ إنما هي صور وأشكال غريبة، فإذا اللون يتعقد تعقدًا داخليًّا لا يضيف إليه حسنًا أو جمالًا، وإنما يضيف إليه إغرابًا، إن كان الإغراب يعتبر بدعًا في ذاته، يطلبه الشعراء في نماذجهم وآثارهم. وإذا تركنا الطباق والجناس إلى أصباغ التصوير التي كان يستخدمها شعراء القرن الثالث وجدناها يصيبها من التحول ما أصاب هذين اللونين؛ فقد عزف الشعراء عن التشخيص والتجسيم إلا في القليل النادر، أما التشبيهات والاستعارات فقد أكثروا منها، ولكنه إكثار من جنس إكثارهم من الطباق والجناس، إكثار نزع بهذه الأصباغ إلى صور جديدة، وكأنها فارقت أصباغها، واقرأ هذا البيت للوأواء الدمشقي إذ يقول١: فأمطرتْ لؤلؤًا من نرجسٍ وسقتْ ... وردًا وعضَّت على العنَّابِ بالبردِ فإنك تراه يملأ بيته بالاستعارات؛ إذ استعار اللؤلؤ للدمع والنرجس للعين

стр. 309

والورد للخد والعنَّاب للأصابع، والبَرَد للأسنان، ولكن كأن هذه الاستعارات لا تثير فينا شيئًا من اللذة الفنية التي كنا نشعر بها في أثناء القرنين الثاني والثالث، وانظر إلى أصل هذا البيت عند أبي نواس١. يا قمرًا أبرزَهُ مأتمٌ ... يندبُ شجوًا بين أترابِ يبكي فيُذرى الدرّ من نرجس ... ويلطمُ الوردُ بعنَّابِ فإنك ترى الوأواء يأخذ ناحية التشبيه من أبي نواس دون أن يأخذ معها ما فيها من حياة وحركة، وبذلك غدا التشبيه كأنه جامد؛ فالشاعر لا يشيع فيه شيئًامن الحركة، إنما شيء واحد هو الذي يهتم به، وهو هذا الركام من الصور التي لا نحس فيها شعورًا، فقد تحجَّرت في التاريخ وأصبحت تراثًا محفوظًا في الفن. ولا بد للشاعر إذا كان يريد أن يستخدمها من أن يعيد لها حياتها وشعورها، أما أن يأتي بها على هذا النظام فإننا نحس بثقل التعبير وأنه لا يكاد ينهض بما يحمله، وكأني بهذه الصورة المحفوظة من اللؤلؤ والنرجس والعناب والبرد والورد إذا وضعناها متلاصقة على هذا النحو تعبر تعبيرًا أوسع من المعنى الذي أراده الشاعر، وماذا يريد أن يقول؟ إنه يقول: إن صاحبته بكت وعضت أناملها. ولكنه أبى إلا أن يشق على نفسه في تعبيره حتى يرضي ذوق عصره من تصنعه وتكلفه فجعل البكاء أمطارًا والدموع لؤلؤًا والعين نرجسًا والخد وردًا والبنان عنابًا والأسنان بردًا، وما فائدة الزمن؟ وما الرقي الذي أصابه الشعر في القرن الرابع إن لم يجنح الشاعر إلى مثل هذا التعقيد في صوره؟ وإنه لرقي معكوس أن يشق الشاعر على نفسه في التعبير على هذا النمط؛ فإذا بالبيت لا يعبر إلا عن تعقيد في التصوير والخيال، ولكنا لا نجد فيه حواشي من الفكر تزخرف صوره إلا كما نرى في قول المتنبي٢: بدت قمرًا ومالت خوطَ بانٍ ... وفاحت عنبرًا ورنتْ غزالا

стр. 310

فإنك تحس كأن الشاعر لا يريد أن يعبر عن صوره فقط؛ وإنما يريد قبل كل شيء أن يعقِّد في هذه الصور، فتراه يأتي بالقمر وخوط البان والعنبر والغزال، أما حبه وأما أفكاره نحو صاحبته فكأني بها لا تعنيه، ولقد كان حريًّا بالمتنبي أن يصف لنا اللذة والرغبة والحيرة والانفعالات التي يسببها الحب، ثم يتركنا نرسم الجمال نحن لأنفسنا رسمًا خياليًّا، لا هذا الرسم الذي يتحكم فيه، والذي لا يعطينا حسه إلا عن طريق هذا التركيب والتعقيد في جلب صوره ووضعها متعاقبة بهذا الشكل الذي قد يحوي شعورًا، ولكنه شعور بغير لذة. وهذا هو معنى ما نذهب إليه من أن ألوان التصنيع تستخدم في هذا القرن، ولكن يحس الإنسان كأنها لم تعد تعبر عن أصباغها، بل كأنها أصبحت شيئًاقديمًا مألوفًا؛ فقد فقدت جمالها وزينتها، وتحولت عن ألوانها وأصباغها إلى ألوان وأصباغ باهتة، فليس هناك تصنيع ولا بديع رائع. بل إن كلمة البديع ومعناها الحديث تفقد معناها في هذه العصور فلا تعود تدل على الطريف المبتكر بل نراها تدل على غير الطريف من المكرر، يقول ابن رشيق: "والإبداع إتيان الشاعر بالمعنى المستطرف والذي لم تَجْرِ العادة بمثله، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له بديع، وإن كثر وتكرّر١. ونحن لا ننفي اهتمام الشعراء المتأخرين بالبديع سواء منهم من كان في المشرق أو في المغرب أو في مصر أوفي الأندلس فقد قصر الشعراء -في هذه العصور- عنايتهم على هذا البديع حتى لنرى صفي الدين الحلي يذكر في بديعيته أنها ثمرة سبعين كتابًا في هذا الفن٢، وقد تلتها بديعيات كثيرة، ولكن هذا لا ينقض كلامنا؛ فقد تحوّلت ألوان التصنيع عن أصباغها، ولم يعد لها هذه الطرافة التي كنا نجدها عند الشعراء المصنعين في القرن الثالث. وكل ما يمكن أن يضاف إلى هؤلاء الشعراء المتأخرين من ابتكار هو لون التورية الذي استحدثوه؛ ولكن ألوانهم جميعًا لم تكن زاهية ولم يكن بها هذا التنويع والثراء في الأصباغ كما

стр. 311

رأيناها في القرن الثالث، وكأني بهذه الألوان أصبحت مجرد زينة لا تحوي عقلًا ولا فكرًا. على أنها زينة متكررة ليس لها هذه الطرافة التي كنا نجدها في ألوان أبي تمام. وقد مر بنا أنها لم تكن ألوانًا حسية فحسب؛ فقد كان يجاور الألوان الحسية ألوان قاتمة أشد غرابة وطرافة، وهي الألوان العقلية التي كان يأتي بها من الثقافة والفلسفة ويحولها -كما مر بنا- إلى ضروب من الرمز ونوافر الأضداد والأقيسة الفنية.

стр. 312

٤- ألوانُ التصنيعِ العقليةِ لا تستوعَبُ ولا تتحولُ إلى فنٍ: إذا رجعنا إلى استخدام الشعراء في هذه العصور لتلك الألوان العقلية القاتمة التي خلَّفها أبو تمام في صناعة الشعر وجدناهم يقصِّرون فيها تقصيرًا شديدًا، فإن شاعرًا لم يستطع أن يلائم بين عناصر الثقافات في قصيدة له على نحو ما رأينا في قصيدة عمورية؛ بل إننا لا نجد شاعرًا يستطيع أن ينهض بأصباغ الثقافة والفلسفة، كما تركها أبو تمام، ومن العبث أن نبحث عن شاعر بعده نوَّع بثقافته في أصباغ التصنيع وألوانه العقلية. كانت الثقافة تتحول إلى عجب من الفن عند أبي تمام، وكذلك كانت الفلسفة؛ غير أننا لا نتركه إلى القرن الرابع والقرون التالية حتى نحس كأنما انطمرت مناجم الثقافة والفلسفة، فلم يعد هناك نشاط عقلي واسع، ولم تعد الفلسفة تقوم من القصيدة مقام الظلال من الصورة، ولم تعد تدخل فيها على هذا النحو الغريب الذي كنا نجده عند أبي تمام؛ إذ نرى بعض ظلالها تتحول إلى ألوان مشرقة في شعره كلون نوافر الأضداد، وقد استخرج منه بدعًا كثيرًا. ونحن لا نرتاب في أن القرن الرابع أوغَل في الفلسفة بأكثر مما أوغل القرن الثالث، فقد أخذ الشعراء يتصنعون لحكم أرسطو وأمثاله ينقلونها إلى الشعر كما سنرى عند المتنبي، بل نحن نجد في أواخر هذا القرن شاعرًا متفلسفًا هو المعري، وإذن فالفلسفة لم تنحسر ظلالها عن الشعر في هذا القرن، ولكن ليس

стр. 313

هذا ما ننكره؛ إنما ننكر أنها تعمقت التفكير الفني كما تعمقته عند أبي تمام، وننكر أيضًا أن أحدًا من الشعراء استغلَّ منها جانبًا عقّده واستخرج منه أصباغ زينة وتجميل، كما رأينا عند أبي تمام. على أننا لا نكاد نترك القرن الرابع وأوائل الخامس حتى يهجر الشعراء الفلسفة ويصبح الأدب أدب ألفاظ وحس فقط، لا أدب أفكار وثقافة فالشعراء لايحاولون أن يوازنوا بين حسن التفكير وحسن التعبير، وأن يأتوا بالمحسنات البديعية مقرونة بالأفكار الفلسفية كما هو الشأن عند أبي تمام. وهو نوع من إجداب الحضارة العربية والعقل العربي؛ فقد أخذت هذه الحضارة وهذا العقل ينفصلان عن الفلسفة والتفكير الفلسفي، حتى لنجد المتأخرين يسمون علوم الفلسفة علومًا مهجورة. يقول الذهبي في ترجمة ابن رشد التي أوردها رينان في كتابه "ابن رشد ومبادئه": "ونسب إليه كثرة الاشتغال بالعلوم المهجورة من علوم الأوائل"١، ويقول السيوطي في "بغية الوعاة" عن حسن بن علي القطان: "وكان فاضلًا عالِمًا باللغة والأدب والطب وعلوم الأوائل المهجورة"٢. انحازت الفلسفة عن التفكير الفني إلا ما كان من المنطق ودراسته؛ فقد كان يعنى به المثقفون عامة، وقد وضع فيه الأبهري كتابه إيساغوجي في القرن السابع، كما وضع بعده بقليل نجم الدين القزويني كتابه "الشمسية في القواعد المنطقية"، ووضعت على هذين الكتابين شروح وتعليقات كثيرة، ولكن نمو المنطق لم يُفِدْ الفن العربي كثيرًا؛ لأن المنطق يقوم على التحديد والفصل بين الأشياء، ولا يترك في العقول انعكاسًا لهذا الغموض الذي يحسه الفنان في داخله وطوية نفسه، وبذلك استمر الشعر العربي بعد القرن الثالث شعر المنطق المحسوس والوعي الظاهر المكشوف. على كل حال لم يعتنق الشعراء التفكير الفلسفي، ولذلك قلما نجد بينهم من

стр. 314

يقبل على صنع فنه كما يقبل أصحاب التفكير الفلسفي على عملهم، فيعتنقه على أنه مذهب أو طريقة مرسومة، ونفس المعري وهو أقرب الشعراء في هذه العصور إلى الذوق الفلسفي نجده يكتب مقدمة للزوميات؛ وذلك يؤذن بأنه سيرسم لنا مذهبًا معينًا فيها، ولكن ما نلبث أن نراه يرسم هذا المذهب ويحدده بوجوه من التعقيد في القافية وكأنه لا يحس بأنه صاحب منهج فكري. وهذا نفسه يلفتنا إلى ضروب من الخلاف بين الشعراء الغربيين المحدثين وبين شعراء العرب السابقين؛ إذ نرى كثيرًا من الأولين يكتبون مقدمات لدواوينهم، يقررون فيها مناهج مذهبية في عمل الشعر وصناعته، أما العرب فقلما كتب منهم شاعر مقدمة نحا بها هذا النحو، وهو معنى ما نقوله من أنهم لم يتخذوا الشعر مذهبًا أو كالمذهب لعدم عمق تفكيرهم الفلسفي وانحصار آماده في حدود ضيقة، وهذا نفسه أحد الأسباب التي لم تنوع مذاهب الشعر في الأدب العربي على نحو ما نرى في الأدب الغربي؛ فقلما نجد شاعرًا يحس كأنه صاحب منهج أو مذهب جديد. وكانت هذه الموجة الهنيئة من التفكير الفلسفي التي رأيناها عند أبي تمام خليقة بأن تنبعث من ورائها موجات فلسفية على ألوان كثيرة في الشعر العربي، ولكن الشعراء انحازوا عن العمق ولم يلامسوا الفلسفة إلا من الظاهر؛ إذ نراهم يستخدمون بعض الأمثال أو بعض العبارات كما سنرى عند المتنبي؛ غير أن ذهنهم بقي محافظًا في حدود التفكير القديم، وإن الإنسان ليخيل إليه كأنما كان الفكر العربي يقتبس من فلسفة اليونان في شيء من الحذر. والحق أن التفكير الفلسفي لم ينوع في أصباغ الشعر العربي لهذه العصور؛ بل نحن نرى هذا الشعر لا يستطيع أن يحافظ على ما تركه له أبو تمام من أصباغ فلسفية، ولذلك لم يحدث فيه تغيير واسع في أصباغه العقلية، بل لعل هذا نفسه كان من أهم الأسباب التي جعلته ينحرف عن الغموض والرمز. وكان فن أبي تمام خليقًا بأن يبعث في الأدب العربي نزعة رمزية واسعة، ولكن شيئًا من ذلك لم يتحقق، قد يمكن أن نلاحظ طرفًا من آثار هذه النزعة في البيئات المذهبية.

стр. 315

عند المتشيعة والمتصوفة، ولكنها لم تعم في الشعر العربي، وبذلك لم تحدث فيه حركة واسعة جديدة. على كل حال أخذ العرب يبتعدون عن التفكير الفلسفي رويدًا رويدًا حتى لنجد ابن الأثير في القرن السابع يهاجم فكرة التثقف بالثقافة اليونانية١ وكأنما أصبحت بدعًا غير مألوف. ونحن نلاحظ مرة أخرى أن العرب كانوا يتثقفون أيضًا في هذه العصور بثقافة علمية واسعة؛ ولكن هذه الثقافة مثلها مثل الفلسفة لم يستطيعوا أن يستوعبوها، أو يحولوها إلى فن، أو يحولوا عقولهم إلى علم، بل ظلوا يستخدمونها في الشعر كما يستخدمون الفلسفة، يستخدمونها من الظاهر؛ إذ يتصنعون لاصطلاحاتها تصنعًا واسعا، حتى يلاحظ ذلك الناقد المعاصر في القرن الخامس؛ إذ نرى ابن سنان الخفاجي ينعي هذه الطريقة على معاصريه٢. ولكنا لا نتقدم بعد ذلك حتى نجد ابن الأثير يدافع عنها؛ إذ يقول: "صناعة المنظوم والمنثور مستمدة من كل علم وكل صناعة؛ لأنها موضوعة على الغرض في كل معنى، وهذا لا ضابط يضبطه، ولا حاصر يحصره، فإذا أخذ مؤلف الشعر أو الكلام المنثور في صوغ معنى من المعاني، وأداه ذلك إلى استعمال معنى فقهي أو نحوي أو حسابي أو غير ذلك؛ فليس له أن يتركه ويحيد عنده؛ لأنهم من مقتضيات ذلك المعنى الذي قصده"٣. ويقول الأرّجاني٤: أنا أفقهُ الشعراءِ غيرَ مدافعٍ ... في العصرِ، لا بل أشعرُ الفقهاءِ وتصوِّر لنا اليتيمة الشعراء مفتونين باصطلاحات العلوم ومسائلها يقتبسونها في أشعارهم، وأحدث ذلك فيضانًا من المصطلحات العلمية غمر الشعر العربي لهذه العصور، وسنعرض لذلك في الفصل الرابع من هذا الكتاب؛ ولكنا نلاحظ منذ الآن أن الشعراء أسرفوا على أنفسهم في جلب هذه المصطلحات التي لم تفد الشعر جمالًا ولا تفكيرًا.

стр. 316

ونحن نعترف بأن الثقافة العلمية ضرورية للشاعر حتى يعرف أنه ليست هناك مباينة بين العلوم المبنية على الحقيقة وبين الشعر القائم على الخيال، وحتى يقرب الشعراء المسافة بين العلم والشعر، فينزعوا بشعرهم منزعًا علميًّا، يتخذونه مذهبًا أو كالمذهب، ويدققون في التعبير ويحققون في التفكير صنيع العلماء أصحاب المذاهب، أما إذا كان الشاعر لا يستوعب الثقافة العلمية إلا على هذا النحو الذي نجده عند شعراء القرن الرابع وما جاء بعده من قرون فإننا نردّه عن هذا الطريق مخالفين ابن الأثير ومن كانوا يعجبون بهذه الثرثرة التي لا تدل على شيء أكثر من الشاعر يعرف اسمها يلوكها ولا يفهمها وعلومًا يحفظها ولا يتعمقها. ونحن نعود فنقول: إن العلم كان مِثْلُه في التفكير الفني مثل الفلسفة؛ فإنه لم يعمِّقه ولم يفتح فيه أفاقًا جديدة في التعبير والتصوير، وكان حريًّا أن يبعث في الأدب العربي مذهبًا يشبه مذهب "الريالزم" الذي شاع عند الغربيين مع النمو العلمي الواسع في القرن التاسع عشر؛ إذ دفعهم إلى اتجاه في التحقيق والملاءمة بين الواقع وحكايته أنتج هذا المذهب الفني الجديد؛ ولكن علم الشاعر العربي في العصور الوسطى استمر بعيدا عن أدبه وفنه، ولم يتسرب منه شيء إلى آثاره ونماذجه. ولعل من أكبر الدلالة على ذلك ما نراه عند الشعراء من إغرامهم بلون المبالغة، وهو لون يخالف تمام المخالفة طبيعة العقل العلمي الذي يميل إلى التحقق والتدقيق وألا تتجاوز ألفاظه ما يريد التعبير عنه، فالشعر كالعلوم الرياضية حقائق ودقة في التفكير وانحيازًا عن المبالغة وتوفيقًا بين الخيال والعقل والتصور والواقع. ومن الغريب أن هذا اللون عم حتى نجد كتب النقد والبلاغة تشيد به جميعًا، ولعله أهم لون أضافه القرن الرابع إلى الشعر، وسنرى المتنبي يستخدمه استخدامًا واسعًا في الفصل التالي؛ ولكن ينبغي أن نذكر دائمًا ما يحمله هذا اللون من الإفصاح عن الحواجز التي كانت قائمة في هذه العصور بين العلم والتفكير الفني؛ فالشاعر يخرج إلى شعوذات في الخيال والتفكير والتصور والتعبير، كأن يقول المتنبي١:

стр. 317

كفى بجسمي نحولًا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني أو يقول الوأواء١: ولو نصبت رحى بإزاء دمعي ... لكانت من تحدُّرِه تدورُ أو يقول أبو عثمان الخالدي٢: وأنحلَني بالهجرِ حتى لو أنني ... قذى بين جفني أرمدٍ ما توجَّعا أو يقول الْخُبْزُأرْزي٣: ذُبتُ من الشوقِ فلو زجّ بي ... في مقلةِ النائمِ لم ينتبِهِ وكان لي فيما مضى خاتمٌ ... فالآن لو شئت تمنطقتُ به ونحن لا نرتاب في أن الشعر حين يفضي إلى هذا النوع من المبالغة لا يعبر عن إحساس أو وجدان؛ إنما يعبر عن نوع من السقوط الفني. إذ يذهب الشعراء بعيدًا في تصوراتهم وأفكارهم وكأنهم يجنحون إلى كل إفراط في الشعر، ولكننا ننسى، فقد تركنا القرن الثالث إلى قرون التصنع التي لا بد أن ينحاز شعراؤها إلى كل ما يضيف صعوبة أو غرابة في التعبير.

стр. 318

٥- جمودُ الشِّعرِ العَرَبي: لا نصل إلى القرن الرابع حتى نحس بأن الشعر العربي جامد لا يتحول عن الموضوعات والمعاني القديمة. وأكبر الظن أن من أهم أسباب هذا الجمود ما أشرنا إليه من أن العرب لم ينحو في شعرهم نحوًا فلسفيًّا أو علميًّا. ولعل من أهم الأسباب في ذلك أيضًا أنهم لم يطلعوا على شيء من الأدب اليوناني فاستمروا يعيشون في شعرهم معيشة داخلية فيها نوع من القصور الذاتي، وقد خيل إليهم أنهم ليسوا في حاجة إلى مدد من الخارج فحسبهم ما في شعرهم من جمال.

стр. 319

على أن هذا الجمال سرعان ما أصابه الجمود في القرن الرابع وما جاء بعده من قرون؛ إذ ضل الشعراء طريقهم إلى تنويع أفكارهم إلا أن يلجئوا إلى ألوان غريبة كالمبالغة، أو يستعيروا بعض الألفاظ من الثقافات، أما أن ينوعوا في موضوعاتهم ومعانيهم فذلك شيء قلما دار في أذهانهم. ولعل من أسباب ذلك أيضًا ما شاع في بيئات النقاد من أن الأسلوب هو كل شيء في الأدب، وهي فكرة نراها في النقد من قديم؛ نراها عند الجاحظ، قد أسقط المعاني، ولم يجعل لها فضلًا، وعوَّل على الألفاظ قائلًا: "إن المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي؛ وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع وجودة السبك"١ وثار عليه ابن قتيبة، وقال: "إن البلاغة تكون في المعاني كما تكون في الألفاظ"٢؛ ولكن النقاد انحازوا في الغالب إلى الجاحظ، يقول صاحب الصناعتين: "المعاني مشتركة بين العقلاء؛ فربما وقع المعنى الجيد للسوقي والنبطي والزنجي، وإنما يتفاضل الناس في الألفاظ ورصفها وتأليفها ونظمها"٣، ويقول الآمدي: "وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي وقرب المأخذ واختيار الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها. فإن اتفق مع هذا معنى لطيف أو حكمة غريبة أو أدب حسن فذلك زائد في بهاء الكلام وإن لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه واستغنى عما سواه"٤. ويقول ابن خلدون في القرن الثامن: "إن صناعة الكلام نظمًا ونثرًا؛ إنما هي في الألفاظ لا في المعاني"٥. وليس من شك في أن شيوع هذه الآراء جعل الشعراء لا يبحثون عن موضوعات جديدة، وبذلك انصب عملهم على التحوير في المعاني القديمة فنشأ هذا البحث الواسع الذي نجده في كتب النقد العربي، ونعني بحث السرقات. ونحن نجد النقاد في هذه العصور يحسون بأن هذا الجانب ضروري في الشعر، يقول

стр. 320

صاحب الصناعتين: "ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تداول المعاني ممن تقدمهم، والصب على قوالب من سبقهم"١. ويقول صاحب الوساطة: "السرقة داء قديم وعيب عتيق، وما زال الشاعر يستعين بخاطر الآخر ويستمد من قريحته، ويعتمد على معناه ولفظه، وكان أكثره ظاهرًا ... ثم تسبب المحدثون إلى إخفائه بالنقل والقلب وتغيير المنهاج والترتيب، وتكلفوا جبر ما فيه من النقيصة بالزيادة والتأكيد، والتعريض في حال والتصريح في أخرى، والاحتجاج والتعليل؛ فصار أحدهم إذا أخذ معنى أضاف إليه من هذه الأمور ما لا يقصر معه عن اختراعه وإبداع مثله ... ومتى أنصفت علمت أن أهل عصرنا ثم العصر الذي بعدنا أقرب فيه إلى المعذرة وأبعد من المذمة؛ لأن من تقدمنا قد استغرق المعاني، وسبق إليها، وأتى على معظمها، وإنما نحصل على بقايا، إما أن تكون تركت رغبة عنها أو استهانة بها أو لبعد مطلبها واعتياص مرامها وتعذر الوصول إليها، ومتى أجهد أحدنا نفسه، وأعمل فكره، وأتعب خاطره وذهنه في تحصيل معنى يظنه غريبًا مبتدعًا، ونظم بيت يحسبه فردًا مخترعًا، ثم تصفح عنه الدواوين لم يخط أن يجده بعينه أو يجد له مثالًا يغض من حسنه"٢. والقاضي الجرجاني من نقاد القرن الرابع وشعرائه، ونراه يشهد بأن السرقات أصبحت ضرورة من ضرورات عصره في صنع الشعر ونماذجه، وهو يلاحظ أنها قديمة في الفن العربي، وهي ملاحظة صحيحة فنحن نجدها شائعة بين النقاد الأولين عند حماد الراوية وغيره. قال مروان بن أبي حفصة: "دخلت أنا وطريح بن إسماعيل الثقفي والحسين بن مطير الأسدي في جماعة من الشعراء على الوليد بن يزيد، وهو في فرش قد غاب فيها، وإذا رجل عنده كلما أنشد شاعر شعرًا وقف الوليد بن يزيد على بيت بيت من شعره، وقال هذا أخذه من موضع كذا وكذا، وهذا المعنى نقله من موضع كذا وكذا من شعر فلان؛ حتى أتى على أكثر الشعر، فقلت من هذا؟ قالوا حماد الراوية"٣.
следующие страницы →