← Адаб

Адаб · id 8666

الفن ومذاهبه في الشعر العربي

شوقي ضيف

Полный текст (574 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ونحن نعترف بأن الثقافة العلمية ضرورية للشاعر حتى يعرف أنه ليست هناك مباينة بين العلوم المبنية على الحقيقة وبين الشعر القائم على الخيال، وحتى يقرب الشعراء المسافة بين العلم والشعر، فينزعوا بشعرهم منزعًا علميًّا، يتخذونه مذهبًا أو كالمذهب، ويدققون في التعبير ويحققون في التفكير صنيع العلماء أصحاب المذاهب، أما إذا كان الشاعر لا يستوعب الثقافة العلمية إلا على هذا النحو الذي نجده عند شعراء القرن الرابع وما جاء بعده من قرون فإننا نردّه عن هذا الطريق مخالفين ابن الأثير ومن كانوا يعجبون بهذه الثرثرة التي لا تدل على شيء أكثر من الشاعر يعرف اسمها يلوكها ولا يفهمها وعلومًا يحفظها ولا يتعمقها. ونحن نعود فنقول: إن العلم كان مِثْلُه في التفكير الفني مثل الفلسفة؛ فإنه لم يعمِّقه ولم يفتح فيه أفاقًا جديدة في التعبير والتصوير، وكان حريًّا أن يبعث في الأدب العربي مذهبًا يشبه مذهب "الريالزم" الذي شاع عند الغربيين مع النمو العلمي الواسع في القرن التاسع عشر؛ إذ دفعهم إلى اتجاه في التحقيق والملاءمة بين الواقع وحكايته أنتج هذا المذهب الفني الجديد؛ ولكن علم الشاعر العربي في العصور الوسطى استمر بعيدا عن أدبه وفنه، ولم يتسرب منه شيء إلى آثاره ونماذجه. ولعل من أكبر الدلالة على ذلك ما نراه عند الشعراء من إغرامهم بلون المبالغة، وهو لون يخالف تمام المخالفة طبيعة العقل العلمي الذي يميل إلى التحقق والتدقيق وألا تتجاوز ألفاظه ما يريد التعبير عنه، فالشعر كالعلوم الرياضية حقائق ودقة في التفكير وانحيازًا عن المبالغة وتوفيقًا بين الخيال والعقل والتصور والواقع. ومن الغريب أن هذا اللون عم حتى نجد كتب النقد والبلاغة تشيد به جميعًا، ولعله أهم لون أضافه القرن الرابع إلى الشعر، وسنرى المتنبي يستخدمه استخدامًا واسعًا في الفصل التالي؛ ولكن ينبغي أن نذكر دائمًا ما يحمله هذا اللون من الإفصاح عن الحواجز التي كانت قائمة في هذه العصور بين العلم والتفكير الفني؛ فالشاعر يخرج إلى شعوذات في الخيال والتفكير والتصور والتعبير، كأن يقول المتنبي١:

стр. 317

كفى بجسمي نحولًا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني أو يقول الوأواء١: ولو نصبت رحى بإزاء دمعي ... لكانت من تحدُّرِه تدورُ أو يقول أبو عثمان الخالدي٢: وأنحلَني بالهجرِ حتى لو أنني ... قذى بين جفني أرمدٍ ما توجَّعا أو يقول الْخُبْزُأرْزي٣: ذُبتُ من الشوقِ فلو زجّ بي ... في مقلةِ النائمِ لم ينتبِهِ وكان لي فيما مضى خاتمٌ ... فالآن لو شئت تمنطقتُ به ونحن لا نرتاب في أن الشعر حين يفضي إلى هذا النوع من المبالغة لا يعبر عن إحساس أو وجدان؛ إنما يعبر عن نوع من السقوط الفني. إذ يذهب الشعراء بعيدًا في تصوراتهم وأفكارهم وكأنهم يجنحون إلى كل إفراط في الشعر، ولكننا ننسى، فقد تركنا القرن الثالث إلى قرون التصنع التي لا بد أن ينحاز شعراؤها إلى كل ما يضيف صعوبة أو غرابة في التعبير.

стр. 318

٥- جمودُ الشِّعرِ العَرَبي: لا نصل إلى القرن الرابع حتى نحس بأن الشعر العربي جامد لا يتحول عن الموضوعات والمعاني القديمة. وأكبر الظن أن من أهم أسباب هذا الجمود ما أشرنا إليه من أن العرب لم ينحو في شعرهم نحوًا فلسفيًّا أو علميًّا. ولعل من أهم الأسباب في ذلك أيضًا أنهم لم يطلعوا على شيء من الأدب اليوناني فاستمروا يعيشون في شعرهم معيشة داخلية فيها نوع من القصور الذاتي، وقد خيل إليهم أنهم ليسوا في حاجة إلى مدد من الخارج فحسبهم ما في شعرهم من جمال.

стр. 319

على أن هذا الجمال سرعان ما أصابه الجمود في القرن الرابع وما جاء بعده من قرون؛ إذ ضل الشعراء طريقهم إلى تنويع أفكارهم إلا أن يلجئوا إلى ألوان غريبة كالمبالغة، أو يستعيروا بعض الألفاظ من الثقافات، أما أن ينوعوا في موضوعاتهم ومعانيهم فذلك شيء قلما دار في أذهانهم. ولعل من أسباب ذلك أيضًا ما شاع في بيئات النقاد من أن الأسلوب هو كل شيء في الأدب، وهي فكرة نراها في النقد من قديم؛ نراها عند الجاحظ، قد أسقط المعاني، ولم يجعل لها فضلًا، وعوَّل على الألفاظ قائلًا: "إن المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي؛ وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع وجودة السبك"١ وثار عليه ابن قتيبة، وقال: "إن البلاغة تكون في المعاني كما تكون في الألفاظ"٢؛ ولكن النقاد انحازوا في الغالب إلى الجاحظ، يقول صاحب الصناعتين: "المعاني مشتركة بين العقلاء؛ فربما وقع المعنى الجيد للسوقي والنبطي والزنجي، وإنما يتفاضل الناس في الألفاظ ورصفها وتأليفها ونظمها"٣، ويقول الآمدي: "وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي وقرب المأخذ واختيار الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها. فإن اتفق مع هذا معنى لطيف أو حكمة غريبة أو أدب حسن فذلك زائد في بهاء الكلام وإن لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه واستغنى عما سواه"٤. ويقول ابن خلدون في القرن الثامن: "إن صناعة الكلام نظمًا ونثرًا؛ إنما هي في الألفاظ لا في المعاني"٥. وليس من شك في أن شيوع هذه الآراء جعل الشعراء لا يبحثون عن موضوعات جديدة، وبذلك انصب عملهم على التحوير في المعاني القديمة فنشأ هذا البحث الواسع الذي نجده في كتب النقد العربي، ونعني بحث السرقات. ونحن نجد النقاد في هذه العصور يحسون بأن هذا الجانب ضروري في الشعر، يقول

стр. 320

صاحب الصناعتين: "ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تداول المعاني ممن تقدمهم، والصب على قوالب من سبقهم"١. ويقول صاحب الوساطة: "السرقة داء قديم وعيب عتيق، وما زال الشاعر يستعين بخاطر الآخر ويستمد من قريحته، ويعتمد على معناه ولفظه، وكان أكثره ظاهرًا ... ثم تسبب المحدثون إلى إخفائه بالنقل والقلب وتغيير المنهاج والترتيب، وتكلفوا جبر ما فيه من النقيصة بالزيادة والتأكيد، والتعريض في حال والتصريح في أخرى، والاحتجاج والتعليل؛ فصار أحدهم إذا أخذ معنى أضاف إليه من هذه الأمور ما لا يقصر معه عن اختراعه وإبداع مثله ... ومتى أنصفت علمت أن أهل عصرنا ثم العصر الذي بعدنا أقرب فيه إلى المعذرة وأبعد من المذمة؛ لأن من تقدمنا قد استغرق المعاني، وسبق إليها، وأتى على معظمها، وإنما نحصل على بقايا، إما أن تكون تركت رغبة عنها أو استهانة بها أو لبعد مطلبها واعتياص مرامها وتعذر الوصول إليها، ومتى أجهد أحدنا نفسه، وأعمل فكره، وأتعب خاطره وذهنه في تحصيل معنى يظنه غريبًا مبتدعًا، ونظم بيت يحسبه فردًا مخترعًا، ثم تصفح عنه الدواوين لم يخط أن يجده بعينه أو يجد له مثالًا يغض من حسنه"٢. والقاضي الجرجاني من نقاد القرن الرابع وشعرائه، ونراه يشهد بأن السرقات أصبحت ضرورة من ضرورات عصره في صنع الشعر ونماذجه، وهو يلاحظ أنها قديمة في الفن العربي، وهي ملاحظة صحيحة فنحن نجدها شائعة بين النقاد الأولين عند حماد الراوية وغيره. قال مروان بن أبي حفصة: "دخلت أنا وطريح بن إسماعيل الثقفي والحسين بن مطير الأسدي في جماعة من الشعراء على الوليد بن يزيد، وهو في فرش قد غاب فيها، وإذا رجل عنده كلما أنشد شاعر شعرًا وقف الوليد بن يزيد على بيت بيت من شعره، وقال هذا أخذه من موضع كذا وكذا، وهذا المعنى نقله من موضع كذا وكذا من شعر فلان؛ حتى أتى على أكثر الشعر، فقلت من هذا؟ قالوا حماد الراوية"٣.

стр. 321

فالشعراء يسرقون من قديم. يقول الجاحظ: "نظرنا في الشعر القديم والحديث فوجدنا المعاني تقلب ويؤخذ بعضها من بعض"١. ويقول أيضًا: "ولا يعلم في الأرض شاعر تقدم في تشبيه مصيب تام، أو في معنى غريب عجيب، أو في معنى شريف كريم، أو في بديع مخترع، إلا وكل من جاء من الشعراء من بعده أو معه إن هو لم يَعْدُ على لفظه فيسرق بعضه أو يدعيه بأسره فإنه لا يدع أن يستعين بالمعنى، ويجعل نفسه شريكًا فيه"٢. وإذن فالسرقة قديمة في الشعر العربي؛ غير أنه يلاحظ أنها أصبحت شيئًا أساسيًّا في القرن الرابع فقد اهتم بها النقاد وفتحوا لها دراسات واسعة في كتبهم كما نجد في الصناعتين والوساطة والموازنة، وألِّفت فيها كتب خاصة، ألَّف مهلهل بن يموت كتابًا في سرقات أبي نواس، كما ألف كل من ابن أبي طاهر وابن عمار كتابًا في سرقات أبي تمام٣. وعمت هذه الدراسة وشاعت في كتب النقد والبلاغة؛ لأنها كانت أهم جانب في صناعة النماذج الفنية. وليس من شك في أن هذا الصنيع إنما يعني الجمود والتحجر، فقد ارتبط الشعراء بمجموعة من الأفكار والمعاني والأخيلة وسجنوا شعرهم وأنفسهم فيها، وبذلك انحصروا داخل آماد ضيقة من التقليد والتلفيق.

стр. 322

٦- التَّحْوِيرُ: يقسم نقاد العرب السرقات إلى قسمين: مستحبة ومنكرة؛ فالمستحبة هي التي يعمد فيها الشاعر إلى إضافة أشياء جديدة في الصور أو العبارة، وأما المنكرة فهي التي لا يستطيع فيها أن يضيف إليهما شيئًامن ذلك١. وهذا التقسيم لا يوضِّح

стр. 323

-في رأينا- هذا الجانب من جوانب حرفة الشعر، بل لعله يضيف إليه غموضًا وإبهامًا؛ فقد اضطرب النقاد في بحث هذه الوسيلة ووقفوا يسمونها سرقة وغصبًا ونحو ذلك من أسماء لا تعبر تعبيرًا واضحًا عن حقيقتها، ومن أجل ذلك كنت أوثر أن ننحي التسمية القديمة ونضع مكانها اسم "التحوير"؛ إذ يأخذ الشاعر معنى مسبوقًا أو مطروقًا فيديره في ذهنه، وما يزال به يحور فيه حتى يظهر في هيئة جديدة كأنها تخالف الهيئة القديمة. وليس الشعر بدعًا في هذه الظاهرة، بل لعلها أكثر وضوحًا في فن الرسم؛ إذ يعالج الرسامون موضوعات مشتركة، كل يرسمها رسمه الخاص الذي يعبر عن أسلوبه بما يختاره من وضع، وما يراه من طريقة في التلوين والتظليل وحشد الأجزاء في الصورة، أو نشر ضباب وغموض فيها، بحيث نرى المنظر في لمحة بدون حشده في أي جزء أو أي تفصيل، وبحيث يكون لكل رسام طريقته الخاصة ونماذجه الخاصة. والشعراء يعالجون موضوعات مشتركة ويعالجون أيضًا خواطر مشتركة؛ ولكنهم حين يعالجون هذه الخواطر يعمدون إلى التحوير فيها تحويرًا يغير من هيئتها القديمة، ويعطيها وضعًا جديدًا ولونًا جديدًا، ويخطئ من يتلومهم في ذلك ما داموا يخرجون أفكارهم إخراجًا تظهر فيه شخصياتهم؛ فكل منهم له طريقته في التلوين والتظليل، وكل منهم له أوضاعه ونماذجه، مثلهم في ذلك مثل المرايا تختلف فيها صور الأشياء باختلاف أنواعها، فالشكل في المرآة المحدبة غيره في المستوية، والخاطرة عند شاعر غيرها عند زميله لاختلافهما في مرايا الذهن والخيال، أو لاختلافهما في الوضوح والغموض، إذ الخواطر كأصحابها قد ترى غامضة في شكل أشباح بعيدة، وقد تقترب وتتضح على درجات مختلفة. ومن الواجب أن نعرف دائمًا أن العبرة في الفن بجمال الإخراج وجمال الأوضاع والهيئات، لا بالإبداع المطلق فقد يبعد تحقيقه، وما لنا نذهب بعيدًا. ورب فكرة موروثة تفوق فكرة مبتكرة، فالابتكار من حيث هو ليس صفة فنية بديعة، إنما البدع هو إخراج الفكرة في وضع جديد يلفت

стр. 324

الأنظار، بل ربما لم يظهر بدع الشاعر إلا حينما يتناول خاطرة موروثة أو مطروقة؛ فإذا هو يستخرج منها العجب لجودة إخراجها، وحسن عرضها. وإذن ينبغي أن ننفي عن هذا الجانب من العمل الفني ما علق به من أوهام بعض النقاد الذين لم يتصوروه على حقيقته، وأن نقرر أنه جانب أساسي في الفن؛ إذ يعدل الشعراء إلى التحوير في المعاني القديمة تحويرًا يجعلنا ننسى الأصل. والأدب الغربي يصور هذا الجانب بأوضح مما يصوره الأدب العربي، فإن تعدد أنواع الشعر عند الغربيين من قصصي إلى غنائي وتمثيلي أتاح لهذا الجانب تنوعًا لم يُتِحْ له في الشعر العربي؛ إذ نرى الشارع القصصي يعرض أسطورة، ثم يأتي الشاعر الغنائي فيحولها إلى مقطوعة غنائية، ثم يأتي الشاعر التمثيلي فيحولها إلى رواية تمثيلية، وبذلك يأخذ الموضوع بواسطة هذا التحوير الفني شكلًا جديدًا في كل نوع من أنواع الفن، فالأسطورة توجد في الشعر القصصي عند هوميروس، ثم يأخذها سوفوكليس وأوريبيديس، ويحولانها إلى راوية تمثيلية كل يعرضها بطريقته الخاصة. ونفس اتساع الأنواع يعطي فرصة أوسع عندهم في هذا التحوير، فالشعر التمثيلي يتيح للشعراء من التحوير ما لا يتيحه الشعر الغنائي، ولذلك كنت ترى "أندروماك" عند "أوريبيديس" غيرها عند "راسين" فإذا عرضت لموضوع تناولته أنواع الشعر المختلفة هناك وجدت التحوير أوسع وأعظم. وانظر إلى إيفيجيني"IPHIGENIE" تجدها في أسطورة "أجا ممنون"، ثم يأخذها "أوريبيديس" فيحولها إلى رواية تمثيلية، ثم يتناولها "راسين" فيكتب فيها رواية أخرى، وكذلك يصنع صنيعه "جيته". وهذا التحوير الواسع الذي نلاحظه عند الغربيين لم يوجد عند العرب؛ لأن شعرهم انحاز إلى نوع واحد هو الشعر الغنائي لا يتجاوزه، ولذلك ظل التحوير عندهم محدودًا في آماد ضيقة؛ فهو لا يظهر إلا في الصورة والفكرة المحصورة. على أن هذا التحوير الضيق يمكن أن يقسم إلى قسمين متمايزين: قسم تظهر فيه أصالة الشاعر، إذ يعدِّل في العناصر القديمة تعديلا يجعلنا نراها، وكأنما تغيرت وجوهها وصورها، وقسم آخر يحس الإنسان إزاءه كأن الشاعر لا يصنع

стр. 325

شيئًا أكثر من التلفيق؛ فهو يحاول أن يحاكي الأصل محاكاة تامة، بل لعله لا يستطيع أن يصل إلى عرضه بصورته القديمة، إنما يعرضه في صورة ملفقة، شوهت أجزاؤها، وخلطت جوانبها خلطًا قبيحًا. التَّحْويرُ الفَنِّيُّ: هناك نوعان من التحوير إذن نجدهما في الشعر العربي، نوع يمكن أن نُبقي له الاسم العام ونضيف إليه وصفًا يميزه فنسميه باسم "التحوير الفني" ونوع آخر يمكن أن نسميه باسم: التحوير الملفق، أو باسم: التلفيق؛ إذ يجمع الشاعر خواطر مضطربة يأخذها من هنا وهناك ويعرضها عرضًا مشوهًا، لا تلبث أن تقتحمه أذهاننا وتزدريه عقولنا. أما النوع الأول فكان يشيع في القرنين الثاني والثالث، ونحن نذكر بالإعجاب ما قام به أبو تمام في هذا الباب، واقرأ هذا البيت لزهير الذي مر بنا في غير هذا الموضع: أثافيّ سُفْعًا في معرَّس مرجلٍ ... ونُؤيًا كجذمِ الحوضِ لم يتثلَّمِ ثم انظر ما انتهت إليه هذه الأثافي وهذا النؤي عند أبي تمام؛ إذ يقول: أثافٍ كالخدود لطمن حُزْنًا ... ونؤيٌ مثلما انفصمَ السِّوارُ فإنك لا شك تُراع روعة شديدة فهو لا يسرق بل هو يحور تحويرًا يجعلك تنسى الأصل، وكأنه خلق الصورة خلق وابتكرها ابتكارا، واقرأ هذا البيت الذي سبق أن أنشدناه لطفيل: وجعلت كُوري فوق ناجيةٍ ... يقتاتُ لحمَ سنامِها الرَّحلُ ثم اقرأ ما انتهى إليه عند أبي تمام؛ إذ يقول: رعته الفيافي بعد ما كان حقبةً ... رعاها وماءُ الرَّوضِ ينهلُّ ساكبُهْ فليس من شك في أن هذه الصورة للبعير يرعى ويُرعى رعيًا غريبًا تستولي على أذهاننا، وتجعلنا نؤمن بمقدرة العقل الإنساني على التجديد والابتكار، ومن يستطيع أن يدعي على أبي تمام بأن هذه الصورة قديمة؟! لقد أضاف إليها فلسفة

стр. 326

وبدعًا من نوافر أضداده وأخرجها في صورة جديدة، يكاد الإنسان ينسى أصلها، ولا يذكر بذورها التي تفرعت منها؛ فقد غيرتها المدنية والحضارة، وحورتها الفلسفة والثقافة. كان الشعراء يستمدون من القدماء في القرنين الثاني والثالث، ولكنهم استطاعوا بمواهبهم الفنية أن يغيروا في صور ما استمدوه وكأنهم حرفوه عن أوضاعه، فغدا يختال في شكل حضري مونق، كهذه الأثافي التي تشبه -بما عليها من حمرة في سواد- الخدود وقد اضطرب فيها اللونان، ولا تنسى النَّؤْي فإنه استحال إلى سوار غريب طال عليه العهد بصاحبته، وتكسر في غير موضع منه؛ ولكنه لا يزال كأنما تركته بالأمس. وقد رجع أو تمام فوصف هذا النؤي مرة أخرى وصفًا معجبًا؛ إذ يقول: والنؤيُ أهمِدَ شطره فكأنَّه ... تحتَ الحوادثِ حاجبٌ مقرونُ وارجع إلى صورة هذه الدابة التي كانت ترعى في الصحراء، وقد أصبحت ترعاها هذه الصحراء رعيًا لا يستطيع ذهن أن يجمع في لفظ ما يعبر به عن جمال هذا التصوير وما يطوي من الإبداع في العرض، فبعيره لا يذوب سنامه فقط بل هو يرعى ويُرعى رعيًا غريبًا، وأي فنان يرى هذه الصورة ولا يقيدها في لوحته أو على تمثاله أوفي قصيدته؟ لتكن الفكرة في أصلها قديمة ولكن قد استوى لها من ذهن أبي تمام وفلسفته ما أكسبها شيئًامن الإنسانية فإذا هي تخرج من الصحراء والفيافي إلى محيط أوسع من الفكر والفلسفة والخيال والعمق. واترك أصحاب التصنيع إلى غيرهم من الصانعين كالبحتري فإنك ستذكر ما كان يضيفه إلى خواطره من تحوير في الأصوات، يلذُّنا، ويمتعنا متعة تخلق في أذهاننا هذا الجو الموسيقى الخاص به، والذي تنطق فيه مزاميره؛ فإذا هي تؤثر في أعصابنا تأثيرًا حادًّا، ونحسن كأننا نحلم حلمًا سارًّا في جو موسيقي، لا عهد لنا بسحره وفتنته. كان التحوير عند هؤلاء الشعراء عملًا فنيًّا طريفًا؛ غير أنا لا نتقدم إلى

стр. 327

القرن الرابع حتى نحس بتحول في هذا التحوير؛ إذ يصبح نوعًا من التلفيق، فالشعراء لا يضيفون إلى الأفكار عناصر جديدة من زخرف أو حضارة أو ثقافة، وبذلك أصبحت تشبه "الصور الفوتوغرافية" فهي تحافظ على الأصل بأشكاله وأوضاعه، وهذا كل ما تستطيع آلة المصوَّر أن تقدمه، ومع ذلك فلا بد لها من صلاحية في استعمالها واستخدامها؛ ولكن ليس للمصور عمل في صوره، إنما هي أشياء آلية، هي آلة تُخرج، وعليه أن يرصد ما تخرج. التَّلْفيقُ: ومهما يكن فقد أصبح مثل الشاعر العربي بعد القرن الثالث غالبًا مثل المصور "الفوتوغرافي"؛ إذ لم يعد رسامًا يحوِّر في الخواطر تحويرًا يظهر شخصيته وأسلوبه وما يستخدمه من ألوان وأصباغ، بل أخذ يلفق أفكاره وألفاظه، وأصبح هذا التلفيق أكثر ما بيده من صناعته، ودخله من طرق كثيرة، وكلما سلك طريقًا أمعن فيه واستخرج منه كل ما يمكن أن يكون به من ذهب أو خزف؛ فظهر الاقتباس١ وظهر التضمين٢ وحلَّ الأدباء الشعر ونظموا النثر٣، وهي اتجاهات لا تفصح عن مقدرات فنية، إنما تفصح عن تلفيق غريب، وانظر إلى هذا البيت للمتنبي: أعدى الزمانَ سخاؤه فسخا به ... ولقد يكونُ به الزمانُ بخيلا ثم انظر إلى أصله عند أبي تمام: هيهات أن يأتي الزمان بمثلِهِ ... إن الزمانَ بمثله لبخيلُ فإنك تحس أن المتنبي لم يصطنع شيئًاأكثر من التشويه؛ فبيت أبي تمام أجود سبكًا وأجمل لفظًا؛ ولكنه تعثر الحضارة العربية، بل هو تعثر الفن العربي؛ إذ لم يحدث فيه جديد واسع إلا هذا التقليد الذي كاد يقضي على الابتكار والأصالة في الشعر والشعراء، ولعل النقل والنقض أهم وسيلتين كان يلجأ إليهما الشعراء

стр. 328

في عمل هذا التلفيق. أما النقل فهو أن ينقل الشاعر المعنى من موضوع إلى موضوع كقول المتنبي١: والطَّعنُ شزرٌ والأرض واجفةٌ ... كأنما في فؤادها وَهَلُ٢ قد صبغت خدَّها الدماءُ كما ... يصبغ خدَّ الخريدةِ الخجلُ والخيلُ تبكي جلودها عرقًا ... بأدمعٍ ما تسحُّها مقلُ فقد نقل المتنبي أفكار الغزل وصوره إلى الحرب؛ ولكن بدا عليها التلفيق في وضوح، ومن يستطيع أن يفهم هذا البكاء من جلود الخيل أو يقرن البكاء إلى العرق؟ إن تكلفًا يؤذي أذواقنا ينفذ إلينا من هذا الشعر. وعلى هذه الشاكلة تذهب غالبًا الصور الأخرى من النقل. أما النقض فهو أن يعمد الشاعر إلى فكرة قديمة فينقضها كقول أبي الشيص: أجدُ الملامةَ في هواك لذيذةً ... حبًّا لذكرك فليلمني اللُّوَّمُ فقد نقض المتنبي هذه الفكرة وعكسها؛ إذ يقول: أأحبه وأحب فيه ملامةً ... إن الملامةَ فيه من أعدائِهِ٣ وعلى هذا النمط أخذ الشعراء يلفقون قصائدهم من الأفكار الموروثة والخواطر المطروقة. وفي هذا التلفيق تستقر المحاولات الأخرى التي كان يحاول بها الشعراء في هذه العصور أن يجددوا في الشعر باستعاراتهم لمراسيم الرسائل في نحو ما سنفصله في الفصل الثالث من هذا الكتاب. ومهما يكن فإن الناقد لا يحس إزاء شعراء القرن الرابع وما بعده من قرون بالإعجاب الذي كان يحسه إزاء أسلافهم من شعراء القرنين الثاني والثالث؛ فقد شمل الحياة الفنية غير قليل من الركود والجمود؛ فالماء ساكن وليس عليه أمواج ولا رياح. وكأني بالحضارة العربية قد ضلت طريقها؛ فوقفت عند تقليد الأوضاع القديمة، وقلما ظهر جديد في الشعر والفن إلا هذا التلفيق الواسع للماضي وأفكاره وصوره.

стр. 329

وعلى هذا النحو تصبح صفة التلفيق أهم شيء يميز التفكير الفني، وقلما دخل جديد في الفن إلا تحويرًا من نوع هذا التلفيق الذي رأيناه في الشعر، وقلما أضيفت طرافة عقلية إلى الفن إلا ما قد يأتي به الشعراء من التصنع للثقافة أو محاولة هذا التعقيد الذي رأيناه -في أول هذا الفصل- عند الصاحب في قصائده، والثعالبي في رسائله، والمعري في لزومياته. وسنحاول في الفصول التالية أن نبسط ما أجملناه في هذا الفصل من وجوه ذلك التصنع؛ سواء ما كان من تصنع الشعراء للثقافة أم من تلفيقهم للخواطر والأفكار، أم من تعقيدهم للألفاظ والقوافي. وقد اخترنا المتنبي ومهيار والمعري لندرسهم دراسة مفصلة، حتى نطَّلع من خلال قصائدهم على ما أصاب الشعر من فنون هذا التصنع، ولعلهم أكثر الشعراء الذين حاولوا التجديد بعد القرن الثالث، ولذلك كان الباحث يجد عندهم مادة وافرة لدراسة مذهب التصنع في الشعر العربي وبيان طرائفه ونماذجه.

стр. 330

الفصل الثاني: الثقافة والتصنع المتنبي نشأته وحياته وثقافته ... الفصل الثاني: الثَّقَافَةُ والتَّصْنِيعُ أنامُ ملءَ جفوني عن شواردها ... ويسهر الخلق جراها ويختصم المتنبي ١- المتنبي نشأتُهُ وحياتُهُ وثقافتُهُ: رأينا الشعر العربي في القرن الرابع وما بعده يصيبه تصنع شديد؛ فقد أخذ الشعراء يبدئون ويعيدون في الخواطر الموروثة والأفكار المطروقة، وكأنما سدَّت أمامهم جميع الطرق التي يمكن أن يجتازوها إلى مراحل فنية جديدة، فراحوا يعقدون في وسائل التصنيع القديمة أو يستعينون بوسائل من التكلف للثقافة، ولكن هذه الوسائل قلما أحدثت في الفن طرافة. هي أوانٍ جديدة، ولكن ليس فيها نقش ولا زخرفة ولا ما يضفي على الشعر جمالًا، ولعل أهم شاعر يصور لنا تعلق الشعراء بها في القرن الرابع هو المتنبي، أشهر شعراء عصره؛ فقد كان يشغف باستعارتها في شعره يحاول أن يغرب بها على سامعيه، وأن يأتي لهم بشوارد يتجادلون فيها ويختصمون. وهو أحمد بن الحسين الْجُعفي نسبة إلى عشيرة جعفي اليمنية، ولد بالكوفة سنة ٣٠٣ للهجرة بِحَارة بني كندة لأسرة متواضعة، ولحظ أبوه فيه مخايل الذكاء؛ فألحقه بإحدى المدارس العلوية١، وبذلك اتصل مباشرة بتعاليم الشيعة. وحدث أن نهب القرامطة الكوفة سنة ٣١٢ فانتقل به أبوه إلى بادية السماوة بين العراق وتدمر وظل بها عامين٢ أتاحا له أن ينهل من ينابيع

стр. 331

اللغة الأصيلة، ويعود إلى الكوفة مع أبيه، وقد تفتحت ملكته الشعرية، ورأى أن يتجه إلى المديح، لعله يحظى بما كان يحظى به المادحون من أموال؛ فمدح أبا الفضل الكوفي، ولزمه، وكان من المتفلسفة، فدرس الفلسفة عليه١، ويظهر أنه كان في أبي الفضل نزعة قرمطية، لقنها المتنبي، ولقنه الآراء الفلسفية؛ مما كان له أثر واسع في تصوره للحياة؛ إذ بدت فيه منذ حداثته نزعة شديدة إلى التشاؤم والثورة على الدهر والناس. على أنه لم يلبث أن ترك الكوفة إلى بغداد سنة ٣١٦ فامتدح بها محمد بن عبيد الله العلوي، وفي ذلك ما يدل على اتصاله بالشيعة، كما امتدح متصوفًا يسمى هرون بن علي الأوارجي. كان له شأن في قصة الحلاج٢ واتصاله به ومديحه يدل على أنه لقنه مبادئ المتصوفة. ونراه يرتحل إلى الشام فيمدح بعض شيوخ البدو وبعض الأشراف في طرابلس واللاذقية. وتظهر بين البدو حركة للقرامطة، فينضم إليها، ويأمل أن يحقق أحلامه السياسية، ويستجيب كثير من البدو إليه، وسرعان ما انقلب يدعو إلى نفسه حانقًا على ما صارت إليه الأمور في البلاد العربية؛ إذ أصبح زمام الحكم بيد الأعاجم، ولم يعد للعرب نفوذ ولا سلطان، يقول: وإنما الناسُ بالملوكِ وما ... تفلحُ عُرْبٌ ملوكها عجمُ غير أن ثورته لم تنجح، فقد قضى عليها لؤلؤ والي حمص، من قبل الإخشيدين وزجَّ به في السجن حوالي سنة ٣٢٢ وظل فيه نحو عامين، ثم رُدَّت إليه حريته وإلى هذه الثورة يرجع لقبه المتنبي الذي اشتهر به٣؛ ولكن هل تنبأ حقيقة؟ أكبر الظن أن هذه القصة وما اتصل بها من نثر يقال: إنه حاكى به القرآن٤ منتحلة عليه، وكأن من انتحلوها أرادوا أن يفسروا بها لقبه ويقول ابن جني: إنه لقب بذلك لقوله: ما مقامي بأرض نَخْلة إلا ... كمقامِ المسيحِ بين اليهودِ

стр. 332

أنا من أمةٍ تداركها اللـ ... ـهُ غريبٌ كصالحِ في ثمودِ فهو لم يتنبأ؛ وإنما خلع عليه اللقب لتشبهه بالأنبياء في هذين البيتين١، وربما لقب بذلك لفطنته في الشعر ونبوغه٢. وشعره في هذه الفترة الأولى من حياته يزهر بالفخر والاعتداد بالنفس اعتدادًا مفرطًا؛ فهو يرفع نفسه على الناس من حوله ويزدريهم ويحقد عليهم حقدًا شديدًا، بل إنه ليحقد على الزمن، وتتسع المبالغة عنده، ونظن ظنًّا أنها جاءته من عقائد الشيعة في أئمتهم وما كانوا يخلعونه عليهم من صفات إلهية، وقد تحول بها إلى فخره وحديثه عن نفسه، ومديحه وحديثه عن غيره، وكأنه يظن ممدوحيه أنصاف آلهة. ويخرج من السجن وقد آمن بأن سلطانه الذي ينبغي أن يفرضه على الناس هو الشعر؛ فعاد إليه، وتجول في بلاد الشام يمدح الولاة والعمال، وسرعان ما تعرف على بدر بن عمار والي دمشق، ووجد عنده ما كان يأمله من عطاء، كما وجد فيه الأمير العربي الذي يبحث عنه، فخصه بخير مدائحه في تلك الحقبة. ومدح كثيرين غيره ونال جوائزهم، وشعره في هذه الفترة كسابقتها يملؤه بالمبالغة والفخر المسرف بنفسه. والأصل أن الشاعر حين يمدح لا يفكر إلا في ممدوحيه، أما المتنبي فكانت تشغله نفسه وكان دائم الذكر لها ولم يحسه من ثورة على الناس ونظاميهم السياسي والاجتماعي. ومن ثم جعل مدائحه شركة بينه وبين ممدوحيه، وهو يضع فيها نفسه أولًا، ولعل ذلك ما جعله ينصرف غالبًا عن الغزل والنسيب يقدم بهما قصائده، فهو يعيش في نفسه، ومثله لا يحس الحب، إنما يحس آماله ومطامحه وما يجيش في صدره من ثورة على الزمن والمجتمع. وكل ذلك يضعه في مستهل قصائده مقدمة تميز بها من بين شعراء العربية. وقدمنا في غير هذا الموضع أن أبا تمام كان ينزع هذا المنزع في بعض مدائحه، ولكنه كان يخلط شكواه بالحب، أما المتنبي فجعل شكواه خاصة بنفسه وبأفكاره عن المجتمع وأخلاق الناس مضيفًا إليها ضربًا واسعًا من التشاؤم.

стр. 333

ويلمع أمام عينيه أمير عربي شيعي كان يحارب الروم حربًا عنيفة باعثًا في حاضرته حلب نهضة أدبية وعلمية رائعة، هو سيف الدولة، فتطمح نفسه إلى الانتظام في سلك شعرائه، ويلقاه سنة ٣٣٧ للهجرة فيجد عنده كل ما كان يأمله، فقد وفر له المال، كما وفر له كرامته؛ إذ رضي منه أن ينشده شعره وهو جالس توقيرًا له. ورأى فيه المتنبي رمز دولة العرب المفقودة؛ فقد كان عربيًّا من تغلب بين ولاة كثرتهم من الأعاجم، وكان في الوقت نفسه الدرع الذي يحمي البلاد العربية ضد دولة الروم الشرقية، وانتصر عليها انتصارات عظيمة في غير معركة حربية؛ فوجد فيه مثله الأعلى الذي طالما حلم به؛ كما وجد في حروبه وانتصاراته ضد الروم والبدو الموضوع الذي يشغل به قصائده، فلم تعد كلامًا يقال، وإنما أصبحت ملاحم رائعة. ومن الحق أنه كان يستشعر معاني العروبة إلى أقصى حد، وكل ذلك جعل سيف الدولة يملأ الفراغ الذي كان يحسه في داخله منذ مطالع حياته، ومن هنا تختفي في مدائحه حينئذ ثورته على الناس والزمان، وكأنما غاضت في نفسه. وعاش نحو تسع سنوات في هذا الحلم يحظى بمنزلة رفيعة من سيف الدولة، وينعم بلقاء من جذبهم إليه من الفلاسفة والعلماء مثل الفارابي وابن جني، ولا نشك في أنه أفاد من محاضرات الأول في الفلسفة، وقد انعقدت صلة متينة بينه وبين الثاني فروى عنه ديوانه وشرحه شرحًا مشهورًا إعجابًا به وافتتانًا بفنه. ومدائحه لسيف الدولة تعد في الذروة لا من شعره وحده، بل من الشعر العربي عامة؛ فقد صور فيها وقائعه وحروبه تصويرًا تشيع فيه البهجة بالنصر والاعتزاز بالعرب والعروبة، ونحس كأن نفسه لانت. وفرق بعيد بين هذه القصائد وقصائده السالفة بل قصيدته الأولى التي أعدها للقاء سيف الدولة: وفاؤكما كالرَّبع أشجاه طاسمه ... بأن تُسْعدا والدمعُ أشفاه ساجِمُهْ١ فإن فيها شيئًا من القلق النفسي، يصوره ما في هذا المطلع من تعقيد، ولعله أراد به أن يغرب على من في حاشية سيف الدولة أمثال ابن جني

стр. 334

وابن خالويه، وقد مضى يكثر من الألفاظ الغريبة والأساليب العويصة، والمعاني غير المألوفة حتى يلفت العلماء والفلاسفة أمثال الفارابي. وفعلًا حظي بإعجابهم جميعًا. وردت إليه نفسه بعد ذلك؛ فلم يعد يعنى بالألفاظ الغريبة والمعاني البعيدة؛ إنما عني بالموضوع نفسه، فإذا هو يؤلف ملاحمه التي خلدت اسمه واسم سيف الدولة جميعًا، ويظهر أن غروره المسرف الذي كان يصوره في شعره السالف لم يزايله في سلوكه وإن زايله في أشعاره فحقد عليه كثير من الملتفين حول الأمير، وكان من بينهم من ينفس عليه مكانته منه وعطاياه الجزيلة، وعلى رأسهم أبو فراس الحمداني الشاعر المعروف ابن عم سيف الدولة وأحد أبطال معاركه الحربية. وكانت تحدث مشادات بينه وبينهم١. فتغير سيف الدولة عليه، وأحس ذلك فمسح الحزن على أشعاره، وكان ينتهز فرصة الرثاء حين يتوفى بعض أقرباء الأمير ليعبر عما في نفسه من حزن وأسى؛ ولكن في كبت، وعاتب سيف الدولة حين فاض به الكيل بقصيدته: واحرَّ قلباه ممن قلبُه شَبِمُ ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم٢ وهي تصور مأساته في أميره فهو يستمع إلى ما يقوله الحساد والخصوم ويصدقهم فيما يقولون. ويعاوده تشاؤمه القديم وحقده على الزمن والأحياء، ويضطر اضطرارًا. وقد أحس الخطر على حياته أن يفر مع أسرته خفية من حلب إلى دمشق سنة ٣٤٦. وولى وجهه نحو الفسطاط وكافور، وهو يشعر في أعماقه أنه طرد من فردوسه الأرضي، وأنه بذلك يهدر مسئوليته الأدبية؛ فقد ترك أميرًا عربيًّا إلى أمير حبشي، وهو الذي طالما تغني بأمجاد العرب الماضية مؤملًا أن تعود إليهم مقاليد الحكم، ويقال إن كافورًا وعده بولاية صيدا ٣؛ غير أن هذا لا يشفع له فيما انتهى إليه أمره من مديحه. وإن كان حقًّا لم يخلص في هذا المديح

стр. 335

وطبيعي أن لا يخلص فيه وهو يشعر في قرارة نفسه بالنفاق وأنه غير صادق فيما يقول. ومن أهم ما يميز المتنبي أنه لا يستطيع أن يخفي ما يضطرب في دخائل نفسه. ولم يكن يؤذيه في كافور أنه حبشي فحسب؛ بل كان يؤذيه منه أيضًا أنه كان يماطله فيما مناه به من بعض الولايات. وعلى نحو ما وجد عنده من مكر به كان هو الآخر يقابل مكره بمكر فني؛ فكان يسوق إليه كثيرًا من الأبيات الموجهة التي يمكن أن تحمل على الذم والمدح١. ووجد في مصر مولى آخر للإخشيد لم يكن حبشيًّا، وإنما كان روميًّا هو فاتك، وكان الإخشيد أقطعه الفيوم، حتى لا ينفس على كافور ما صيّره إليه من وصايته على ابنه وإدارته لشئون الدولة. ومدحه المتنبي دون أن يراه ليؤذي كافورًا، ولذلك نشعر في مديحه له بالفتور وأن الحيوية التي عهدناها تنقصه. وحاول أن يَفِدَ عليه، ولكن كافورًا منعه. ويموت فاتك سنة ٣٥٠ فيرثيه رثاء مؤثرًا كيدًا لخصمه وكأنه يريد بهذا الرثاء أن ينتقم منه، ولا يلبث أن يهجو كافورًا ويفر في عيد الأضحى تحت جنح الليل. وشعره في كافور مدحًا وهجاء يفيض بالثورة على الزمن والتشاؤم الشديد، وقد ظل يذكر فردوسه المفقود ويحن إلى سيف الدولة، وربما فكر في العودة إلى رحابه؛ غير أن كرامته أبت عليه أن يعود إليه كسيرًا مهزومًا؛ فاتجه إلى الكوفة مسقط رأسه، وتحول عنها إلى بغداد، وحاول الوزير المهلبي أن يجذبه إليه، ولكن من كانوا حوله من العلماء والأدباء تعرضوا له يُزْرون على شعره، فانقبض عنه، ولم يمدحه. وكان سيف الدولة كاتبه ليعود إليه، فوقع ذلك من نفسه موقعًا حسنًا وبلغه أن أخته الكبرى توفيت فرثاها رثاءً حارًّا. ويظهر أنه كان على وشك الرجوع؛ غير أنه رأى أن يذهب إلى فارس وعضد الدولة ووزيره ابن العميد، لعله يحظى عندهما بما فاته عند كافور، فذهب إليهما، وقدم لهما مدائحه، وأعطياه نائلًا غمرًا، ونراه يؤثر العودة إلى العراق، ولعله كان ينوي الذهاب إلى سيف الدولة؛ غير أنه لا يصل إلى دير العاقول بجوار النهروان حتى يخرج عليه بعض قطاع الطرق، ويقاتلهم، ويُقتل هو وابنه وغلامه مفلح في أواخر رمضان سنة ٣٥٤.

стр. 336

وشعره منذ خروجه من لدن سيف الدولة شركه بين وبين ممدوحيه؛ فهو يتغنى فيه بنفسه وبهمومه ونوائب الزمن وأحداثه وهو فيها جميعًا يعرف كيف يروغ عن الموضوع، فيتحدث عن تجاربه وشكواه أو يصف شعب بوّان. وقد يبالغ على نحو ما نجد في مديحه لعضد الدولة، ولكن لا نحس عنده صدقًا ولا عاطفة، وبذلك تظل قصائده في سيف الدولة هي القطع المتوهجة من شعره. وواضح مما قدمنا أن شعر المتنبي يتطابق مع حياته، ونراه فيه يمثل ثقافته، وهي ثقافة واسعة يمتزج فيها التشيع والتصوف والفلسفة، وأتيح له ذلك كما أسلفنا منذ نشأته؛ إذ نشأ في الكوفة وتربى في مدرسة للعلويين ودرس الفلسفة على أبي الفضل الكوفي والتصوف على الأوارجي. ويظهر أنه كان مطلعًا على كثير من النِّحل والعقائد كما يدل على ذلك مثل قوله: تمتَّع من سهادٍ أو رقادٍ ... ولا تأمل كَرىً تحت الرِّجامِ فإن لثالثِ الحالين معنىً ... سوى معنى انتباهك والمنام٢ وهو يشير بثالث الحالين إلى التناسخ الذي لا يقع فيه -كما يقول من يؤمنون به- موت ولا نوم، وكما كان يعرف التناسخ وما إليه من مذاهب هندية دهرية كان يعرف المجوسية ومعتقداتها، كقوله في هجاء ابن كيغلغ: يا أختَ معتنقِ الفوارسِ في الوغى ... لأخوك ثَمَّ أرق منك وأرحمُ يرنو إليك مع العفافِ وعنده ... أن المجوسَ تصيبُ فيما تحكمُ يقول العُكْبَرِيّ: على هذا البيت بقوله: "إن المجوس يحلون تزوج الأخوات فأخوها من حسنها يرى أن المجوس أصابوا في حكمهم٣. ويقول في بعض ممدوحيه: وكم لظلامِ الليل عندي من يدٍ ... تخبِّر أن المناويةَ تكذبُ ويعلق العُكْبَري على هذا البيت بقوله: "المانوية قوم ينسبون إلى ماني وكان يقول الخير من النور والشر من الظلمة فرد عليه المتنبي؛ فقال: كم نعمة

стр. 337

لظلام الليل عندي تبين أن المانوية الذين نسبوا الشر إلى الظلام كاذبون"١، ونراه يشير في بعض هجائه لكافور إلى القائلين بالدهر والتعطل والقدم؛ إذ يقول: ألا فتى يورد الهنديّ هامتَه ... كيما تزول شكوك الناس والتهمِ فإنه حجةٌ يؤذي القلوب بها ... من دينه الدَّهرُ والتعطيلُ والقدمُ والحق أن ثقافته العقلية كانت واسعة، وسنراه بعد قليل يحشد منها محصولًا كبيرًا في شعره، وكذلك كانت ثقافته اللغوية والنحوية، يقول صاحب معاهد التنصيص: "لقد كان المتنبي من المكثرين من نقل اللغة والمطلعين على غريبها وحوشيّها، ولا يسأل عن شيء إلا ويستشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر؛ حتى قيل إن الشيخ أبا على الفارسي قال له يومًا: كم لنا من الجموع على وزن فِعْلى؟ فقال المتنبي في الحال: حِجْلى وظِرْبى، قال الشيخ أبو على: فطالعت في كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لهذين الجمعين ثالثًا فلم أجد٢. ويذكر البديعي: "أنه لما وقع الجدل بين أبي الطيب اللغوي وابن خالويه في حضرة سيف الدولة طلب إليه أن يشترك في الجدل؛ فناصر أبا الطيب وأتى من الحجج ما أعانه"٣. ويقال إنه لما رحل إلى بغداد ناظر الحاتمي في اللغة٤، كما يروى أن ابن العميد قرأ عليه بعض الكتب اللغوية٥. وهذه المعرفة باللغة ومسائلها كان يؤازرها معرفة -لعلها أوسع- بالنحو ومشاكله، وكان يتصنع له كثيرًا في ألفاظه، كقوله: إذا كان ما تنويهِ فعلًا مضارعًا ... مضى قبل أن تُلقى عليه الجوازمُ ويحس قارئ ديوانه أنه لم يكد يترك شاذة نحوية إلا وتكلفها في قصائده ونماذجه، وكان يجنح إلى المذهب الكوفي ويعمم شوارده في شعره. وهذه الكوفية لا نثبتها له من تلقاء أنفسنا، فمن قبلنا يقول العُكْبَري في التعليق على قوله:

стр. 338

إلى واحدِ الدنيا إلى ابن محمّدٍ ... شجاعِ الذي لله ثم له الفضلُ "شجاع بدل من ابن وحذف منه التنوين على مذهبه"١. ويفسر العُكْبَري هذا المذهب في التعليق على قوله: وحمدانُ حمدونٌ وحمدونُ حارثٌ ... وحارثُ لقمانٌ ولقمانُ راشدُ إذ يقول: "ترك صرف حمدون وحارث ضرورة وهو جائز عندنا غير جائز عند بعض البصريين"٢. وفصل ابن الأنباري في كتابه "الإنصاف" القول في هذه المسألة والخلاف فيها بين البصريين والكوفيين٣. وهذا الجانب عنده هو الذي أولى شعره عناية خاصة من الشراح والمفسرين؛ فقد وجدوا أنفسهم إزاء شاعر من طراز جديد؛ إذ كان الشعراء قد اتبعوا مذهب البصرة وقلما لجئوا إلى شذوذات الكوفة ومسوغاتها في التعبير.

стр. 339

٢- تصنُّعُ المتنبي للثقافاتِ المختلفةِ: كان المتنبي مثقفًا ثقافة واسعة بكل ما عرف لعصره من معارف وآراء، وقد اتجه بشعره إلى أن يستوعب أساليب هذه المعارف والآراء، وأن يمثِّل عناصرها المتنوعة حتى ينال إعجاب العلماء والمثقفين لعصره، وهذا هو كل ما أصابته حرفة الشعر من تطور في صياغتها عند المتنبي؛ فإن القصيدة لم تعد تعبر فقط عن خواطر وجدانية بل أصبحت تعبر أيضًا عن ثقافة، حتى تظفر بالنجاح في بيئات العلماء والمثقفين. وإن الإنسان ليخيل إليه أنه لم يكن هناك تعبير غريب أو أسلوب غير مألوف في بيئة مثقفة إلا وتكلّفه المتنبي في شعره؛ فمن ذلك ما لاحظه صاحب الصناعتين من أنه يجمع "الدنيا" على "دنا" صنيع أصحاب الأدوار والتناسخ١، كما في قوله: تتقاصرُ الأفهامُ عن إدراكِهِ ... مثل الذي الأفلاكُ فيه والدُّنا

стр. 340

فقد كثّر من الدنيا على طريقة القائلين بالتناسخ وأن الإنسان له دُنًا مختلفة، ولسنا نؤمن بأنه كان يقول ذلك عن عقيدة إنما هو أسلوب التصنع في القرن الرابع؛ إذ كان الشعراء يحاولون أن يجددوا في المعاني والأساليب فيجدوا السبل كأنها سدت عليهم، فنراهم يلجئون إلى بعض الصيغ يقترضونها من البيئات المذهبية، يحاولون أن يضيفوا بها إلى شعرهم مقدرة فنية غريبة، وهي مقدرة كان يعجب بها الشعراء في هذه العصور، ويعدونها آية مهارتهم وبراعتهم. قَرْمَطِيّةُ المتنبي وأثرُها في شِعْرِهِ: يذهب "ماسينيون" القرمطية أثرت في أسلوب المتنبي وصياغته، وإليها يرد كثيرًا من الظواهر الفنية في شعره؛ إذ يحس أثرها في ترفعه وما يشعر به الإنسان عنده من مرارة. وهو يلاحظ أنه كان من شعراء البلاط؛ ولكن قرمطيته جعلته لا يتغزل في الغلمان، ولا يصف جمال الجسد الإنساني، كما ابتعد عن الزهد فهو لا يتخذ طريق أبي نواس ولا طريق أبي العتاهية. وقد زعم أن القسم الأول من القصيدة عند المتنبي الذي يملؤه بخواطره وأفكاره الثائرة ليس إلا استجابة لقرمطيته، كما نرى عند إخوان الصفا وثورتهم ضد السماء والطبيعة والناموس والحكومة ثم ضرورة الطعام والشراب، وإذن المتنبي -في رأيه- يثور في شعره على الدهر ونواميس المادة ثورة قرمطية١. ولاحظ "ماسينيون" أيضًا أن المتنبي يستعمل بعض الألفاظ التي نجدها عند الإسماعيلية في إخوان الصفا من مثل: قدّس الله روحه، والفلك الدوَّار، وكذلك الثقلان بمعنى: القرآن والعترة؛ إذ يقول في كافور: فما لك تختار القِسيَ وإنما ... عن السعدِ يرمي دونَك الثقلانِ ويلاحظ أيضًا أنه توجد في الديوان كلمات أخرى من مثل المهدي والقائم والخلف؛ ولكن شراح المتنبي لم يلتفتوا إلى هذا الجانب، وهو يضرب مثلًا لذلك أن المتنبي رأي أن الشمس لا يصح أن توضع تحت مرتبة الهلال إذ يقول:

стр. 341

وما التأنيثُ لاسمِ الشمسِ عيبٌ ... ولا التذكيرُ فخرٌ للهلالِ وهو يشير بذلك -في رأي ماسينيون- إلى الخلاف القديم بين الشيعيين في تفضيل الميم يعني محمدًا على العين يعني عليًّا١؛ ولكن الشراح لم يلتفتوا إلى شيء من هذا كله٢. وفي رأيي أن كل هذه الصلة التي عقدها "ماسينيون" بين المتنبي والقرامطة غير صحيحة في جملتها وتفاصيلها؛ فالمتنبي لم يكن يومًا قرمطيًّا ولا متأثرًا بالقرامطة ومن التكلف الواضح حمل البيتين على ما أرادهما له من معنى.

стр. 342

٣- تصنُّعُ المتنبي لمصطلحاتِ التَّصوفِ وأفكارِهِ: ليس من شك في أن ماسينيون كان بارعًا في محاولته تصوير أثر القرمطية والتشيع في عبارة المتنبي وأسلوبه وأفكاره، ونحن نظن ظنًّا أن المتنبي لم يكن قرمطيًّا ولا شيعيًّا، وإن تأثر بهما في جوانب مختلفة من شعره وأكبر الظن أنه كان للتصوف أثر في شعره أوسع من أثر التشيع، ومن يقرأ في ديوانه يجده يستوعب حيزًا واسعًا من خواطره وأفكاره. واقرأ هذه الأبيات التي يقولها في بعض ممدوحيه: ذا السراجُ المنيرُ هذا النَّقيُّ الـ ... نجيب هذا بقيةُ الأبدالِ١ فخذ ماءَ رجلِه وانضحا في الـ ... مُدُنِ تأمنْ بوائقَ الزلزالِ٢ وامسحا ثوبَه البقيرَ على دائكما ... تشفيا من الأعلالِ٣ فإنك تحس بأنك إزاء شاعر صوفي يصوغ معانيه صياغة صوفية؛ أليس يمدح صاحبه، كما يمدح الصوفية أقطابهم فيجعله بقية الأبدال؟ يقول ابن خلدون: "إن الصوفية قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد القطب كما قاله الشيعة في النُّقَباء"٤ ويقول العكبري: "الأبدال سموا أبدالًا؛ لأنهم أبدال الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-

стр. 343

في إجابة دعواتهم ونصحهم للخلق، وقيل إذا مات أحدهم أبدل الله مكانه آخر؛ فهم لا ينقضون حتى تقوم الساعة، ويقال هم أربعون رجلًا في أقطار الأرض"١. وليس كل ما في الأبيات من أثر التصوف هو أنه استعار لفظة الأبدال من الصوفية؛ بل إننا نراه يتحدث عن ممدوحه كأنه يتحدث عن رجل مبارك من رجالهم، بل إنه يتحدث حديث المشعوذين منهم، وإلا فما هذا الماء الذي يمنع الزلزال ويشفي الأعلال؟! وفي كل مكان من شعره نجد أثر هذه الشعوذة وما يتبعها من أفكار الصوفية ومعانيهم. والحق أن المتنبي كان ينزع بشعره منزعًا صوفيًّا يحاول به أن يجدد في فنه؛ ولكن تجديد غريب؛ إذ ما يزال يتصنع لأفكار المتصوفة من حلول وغير حلول يطرز بها أشعاره وقصائده، واقرأ هذا البيت: تجلّى لنا فأضأنا بِهِ ... كأنّا نجومٌ لقينا سُعودا ألا تراه يتصنع هنا لفكرة التجلي التي يؤمن بها الصوفية؟ ومن يرجع إلى رسالة القشيري ثم يعود إلى ديوان المتنبي يجده يستعمل كثيرًا من اصطلاحات القوم وألفاظهم، وفي كل مكان من ديوانه نراه يلجأ إلى هذا البِدْع الجديد فهو يستعير اصطلاح الحال٢ في مثل قوله: وحالاتُ الزمانِ عليك شتّى ... وحالُك واحدٌ في كلِّ حالِ واصطلاح الخواطر في مثل قوله: عليمٌ بأسرارِ الدياناتِ واللغى ... له خطراتٌ تفضح الناسَ والكُتُبا واصطلاح الباطن والظاهر في مثل قوله: فإذا احتجبتَ فأنت غيرُ محجبٍ ... وإذا بطنتَ فأنت عينُ الظّاهرِ واصطلاح الحضور والغيبة في مثل قوله: فدتك نفوسُ الحاسدين فإنها ... معذبةٌ في حضرةٍ ومغيبِ

стр. 344

واصطلاح الزمان في مثل قوله: نحن من ضايقَ الزمان له فيـ ... ـك وخانته قربَكَ الأَيَّامُ وقال الصاحب بن عباد معلقًا على هذا البيت الأخير: "إنه لو وقع في عبارات الجنيد والشبلي لتنازعته المتصوفة دهرًا بعيدًا"١. ومثله الأبيات التي سبقته وكثير من أبيات أخرى أخرجها المتبني إخراجًا صوفيًّا وهي منتشرة في ديوانه واقرأ له هذا البيت: كبُرَ العيانُ علي حتى إنه ... صار اليقينُ من العيانِ توهُّما فستراه يبالغ حتى يصل إلى مذهب الغلاة من أهل التصوف الذين يذهبون إلى أنه ليس في العالم إلا الله وأن ما عداه خيال لا حقيقة٢، وكذلك اليقين في رأي المتنبي. ولعل أهم قصيدة في ديوانه تصور هذا الجانب قصيدة الأوراجي التي سبقت الإشارة إليها؛ إذ "هي القصيدة الوحيدة التي يعمد فيها الشاعر إلى المذهب الرمزي ليرضي ممدوحه الذي كان يذهب مذهب التصوف، وهي من هذه الجهة قيمة؛ لأنها تُبِين عن علم المتنبي في الخامسة والعشرين من عمره بمذاهب المتصوفة في الكلام ومنهجهم في الرمز والإيماء، ولأنها تظهر لنا الشاعر الفتى وقد ملك ناصية الفن حقًّا، واستطاع أن يصرِّفه كما يشاء ويهوى، دون أن يجد منه مقاومة وامتناعًا ولأنها بعد هذا وذاك تكشف لنا عن براعة المتنبي لا في هذا النحو من التكلف الفني الذي كان مألوفًا في ذلك العصر والذي كان يعتمد قبل كل شيء على أوجه البديع! بل في تكلف آخر لم يكن مألوفًا إلا عند المتصوفة والباطنية الذين يقصدون بالألفاظ والمعاني غير ما يفهم منها أصحاب الظاهر من عامة الناس وخاصتهم"٣. والحق أن هذه القصيدة تجعلنا نطلع على جانب مهم في تعبير المتنبي هو

стр. 345

الجانب الرمزي الذي كان يستعيره من بيئة المتصوفة، واقرأ له هذين البيتين في القصيدة؛ إذ يقول: لا تكثُرُ الأَمواتُ كثرةَ قلّةٍ ... إلا إذا شقيت بك الأحياءُ والقلبُ ينشقُّ عمَّا تحتَهُ ... حتى تحُلَّ به لك الشَّحْنَاءُ فستراهما يحملان في أيديهما دليل هذه الرمزية، وإلا فماذا يريد المتنبي بكثرة القلة؟ وكيف تشقى بصاحبه الأحياء؟ وما هذا الانشقاق الذي يصيب به القلوب؟ وما هذه الشحناء التي تحل بها؟ لقد اضطرب شراح المتنبي في تفسير البيتين اضطرابًا واسعًا١، والمسألة أقرب مما تصوروا، ومفتاحها أنه كان يعمد في هذه القصيدة إلى المذهب الرمزي ليرضي ممدوحه الصوفي فهو هنا يرمز على طريقة الصوفية في عباراتهم التي لا تفهم، وواضح أن المتنبي يرمز إلى الحلول في كثرة القلة. ولعل مما يصور هذه الرمزية أيضًا ما لاحظه "ماسينيون" في بيت الشمس والهلال السابق وما لاحظه أيضًا في قوله: أُحادٌ أَم سُداسٌ في أُحادِ ... لُيَيلَتُنا المَنوطَةُ بِالتَّنادِ فقد فسر هذا البيت بالبيت الذي يليه: كأن بناتِ نعشٍ في دجاها ... خرائدُ سافراتٌ في حِدَادِ إذ جعل العدد رمزًا لبنات نعش في البيت الثاني٣. ومهما يكن فقد كان المتنبي يستعين بالأسلوب الرمزي في شعره وكان يستعيره من المتصوفة والمتشيعة جميعًا، وإن الإنسان لا يكاد يقرأ في هذه القصيدة التي نحن بصددها حتى يحس إحساسًا واضحًا بأنه يقرأ لشاعر من طراز مخالف للمألوف من الشعراء، وانظر كيف بدأ القصيدة:

стр. 346

أمِنَ ازديارَكِ في الدُّجى الرُّقباءُ ... إذ حيثُ كنتِ من الظلامِ ضياءُ فإنك تراه ينأى بجانبه عن ذكر الأطلال والديار إلى مخاطبة صاحبته مباشرة، كما قد يفعل الصوفية في غزلهم، ولعله من أجل ذلك لم يسمِّ صاحبته على طريقتهم واكتفى بأن جعلها ضياء لا يحل في ظلام إلا وينيره. ونحن نجد الشعراء يشبهون صواحبهم بالشمس والقمر ويجعلونهن نورًا وضياءً؛ ولكن العبارة في البيت ونظامها وما فيها من الجمع بين الظرفين "إذ حيث" تدل على تكلف الشاعر وأنه يريد أن يعبر عن معنى غير طبيعي، معنى يأتي به من بيئة الصوفيين ليستولي به على عقل ممدوحه وكان صوفيًّا، وانظر إلى ما يعقب به على هذا البيت؛ إذ يقول: قلقُ المليحةِ -وهي مسكٌ- هتكها ... ومسيرُها في الليلِ وهي ذُكاءُ١ أسفي على أسفى الذي دَلَّهتني ... عن علمِه فبه عليّ خفاءُ وشكيَّتي فقدُ السَّقامِ لأنَّهُ ... قد كان لَمَّا كان لي أعضاءُ فإنك تلاحظ كأن شاعرًا من شعراء الصوفية هو الذي يؤلف هذه الأبيات؛ فقد تغلغلت فيها الأفكار الصوفية إذ بدأ فعبر بالقلق عن السير، وهو تعبير وجداني، ثم استمر يظهر تدلهه وحيرته في حبه وما أصابه من نحول وهزال على نحو ما يظهر العشاق من الصوفيين المدلهين. وكثيرًا ما يعمد إلى ذلك المتنبي حتى في أشعاره الأخرى التي لم يمدح بها أحدًا من المتصوفة، وهل تدلهه في حبه ودعواه السقم والنحول في شعره إلا أثر من آثار هذه الصوفية المصطنعة، وأنه يستطيع أن يجاري المتصوفة وغيرهم من البيئات في أفكارهم وأساليبهم الخاصة.

стр. 347

تصنع المتنبي للعبارة الصرفية وشاراتها ... ٤- تصنُّعُ المتنبي للعبارةِ الصوفيةِ وشاراتِهَا: وهذه الصوفية يمكن أن يُلحظ تأثيرها في شعر المتنبي من جهة أخرى غير جهة الرمزية والأفكار والمعاني؛ إذ نرى في شعره تأثرًا آخر لا يأتي من أنه يستعير

стр. 348

أفكار المتصوفة ومعانيهم؛ إنما يأتي من استعارته لطريقتهم في التعبير وما يتصل بها من ظروفها وأحوالها الخاصة، فإن المتنبي حين عدل بشعره إلى العبارة الصوفية كان قد أسلم هذا الشعر إلى صعوبات في التركيب، وهي صعوبات كانت تميز أساليب المتصوفة في هذه العصور؛ لأن اللغة لم تكن قد اتسعت بعد لأداء أفكارهم ومعانيهم. ومن أجل ذلك كنا نجد عند المتنبي كل ما يميز تعبير المتصوفة من انحرافات والتواءات كأن يكثر من الضمائر أو من أسماء الإشارة أو من حروف النداء أو من التصغير فيبعث في التعبير حالًا غريبة من التعقيد. وقد يكون من الغريب أن نربط بين هذه الأشياء والتصوف؛ ولكنها الحقيقة الواقعة، وقد لاحظها القدماء في بعض الأبيات: لاحظها صاحب اليتيمة١ في قوله يصف فرسًا: وتسعدني في غمرةٍ بعد غمرةٍ ... سبوحٌ لها منها عليها شواهدُ٢ وقوله: ولولا أنني في غير نومٍ ... لبِتُّ أظنني منِّي خيالا وقوله: ولكنك الدُّنيا إليَّ حبيبةً ... فما عنك لي إلا إليك ذهابُ وواضح ما في هذه الأبيات من كثرة الضمائر، وهي كثرة تأتي في أساليب المتصوفة لاعتمادهم في أشعارهم على فكرة الحلول وما يتفرع عنها من الملابسة والتجريد، حتى يستطيع الشاعر أن يستخرج من الفرس شواهد تشهد لها عليها، وحتى يستطيع أن يتصور من نفسه خيالًا لحقيقته، وحتى يملأ صاحبه عليه الدنيا، فما له ذهاب ولا منصرف إلا إليه. وهذه الضمائر التي نلاحظها في تلك الأبيات نلاحظ مثلها أسماء للإشارة كثيرة في أبيات أخرى، كقوله في قصيدة الأوراجي السابقة:

стр. 349

لو لم تكنْ من ذا الوَرَى اللَّذْ منك هُوْ ... عقمتْ بمولد نسلها حواءُ فقد جاء في البيت: بذا واللذ، كما جاء: بهو، وأخرج التعبير على هذا النحو الملتف؛ لأنه يريد أن يعبر عن فكرة صوفية، هي فكرة الحلول؛ فهو يريد أن يقول: إن ممدوحه من الورى والورى منه، كما يقول أصحاب الحلول في الذات العليَّة، ومن ذلك قوله في ممدوح آخر: وبه يُضَنُّ على البريةِ لا بها ... وعليهِ منها لا عليها يُوسَى١ فهو يقارن بين ممدوحه وبين الورى ويتصوره تصور الصوفية لله، وهو لذلك يقع في الضمائر الكثيرة، كما يقع في أسماء الإشارة هي الأخرى على نحو ما نرى في مثل قوله: يا أيها الملكُ المصفَّى جوهرًا ... من ذاتِ ذي الملكوت أسْمَى من سما فليس من شك أن "ذات ذي" هنا غريبة، ولكننا ننسى؛ فالمتنبي يتصنع لتعبيرات صوفية. ولعل القارئ لاحظ هذا النداء الذي بدأ به البيت وقد أكثر منه في شعره كثرة مفرطة كقوله: هذى برزت لنا فهجت رَسِيسًا ... ثم انثنيتِ وما شفيتِ نَسِيسًا٢ وهو بيت يشعر الإنسان إزاءه كأنه صوفي لهذا البروز، ثم هذا الانثناء؛ ولكن الغريب فيه هو هذا النداء باسم الإشارة، ثم ما أغرب به على قارئه من حذف حرف النداء، واقرأ هذا البيت: إِذا عَذَلوا فيها أَجَبتُ بِأَنَّةٍ ... حُبَيِّبَتا قَلبًا فُؤادا هَيا جُمْلُ فإنك ترى اختلاطًا في الشطر الثاني، وليس لهذا الاختلاط من مصدر سوى أن المتنبي أكثر من النداء إذ أصل التعبير: يا حبيبتي يا قلبي يا فؤادي يا جمل. وهو إكثار أوقعه فيه تصنعه لأساليب المتصوفة التي تعتمد على ألفاظ الكشف والمشاهدة، وبذلك تقترب من الأساليب الشفوية، ولعلنا بذلك نستطيع أن نعلل لكثرة

стр. 350

أسماء الإشارة في ديوان المتنبي؛ فقد ذكر صاحب الوساطة أن ما بشعره من هذه الأسماء يربي على ما يوجد في مجموعة من الدواوين القديمة١ وكان الأقرب أن يكثر ذلك في القديم ويقلّ في الحديث لانفصال الشعر عن الأسلوب الشفوي، ولأنه أصبح يكتب كما يكتب النثر، والمتنبي نفسه يقول في بعض أشعاره: وأخلاقُ كافورٍ -إذا شئت مدحَهُ ... وإن لم أشأ- تملى علي وأكتُبُ فهو يسمي النَّظم كتابة، ولذلك كان من المحتم أن تكون به سمات الأسلوب الكتابي فكيف جاءت هذه الكثرة من أسماء الإشارة؟ جاءته -كما قلنا- من هذا التصنع لعبارات المتصوفة التي تعتمد على الكشف والمخاطبة في الحضرة، كما جاءته لنفس السبب هذه الكثرة من حروف النداء، وكما جاءته هذه الضمائر الكثيرة من حروف النداء، وكما جاءته هذه الضمائر الكثيرة في شعره؛ إذ كان يحاول أن يعبر تعبيرات صوفية تصور الحلول والتجريد والملابسة وما يتبع ذلك من الكشف والمشاهدة، وكان التعبير عن هذه الأفكار لا يزال -كما أسلفنا- حديثًا في اللغة لم تلن له ولم تمرن عليه؛ فكانت تظهر هذه الانحرافات والصعوبات في الأسلوب. ولكن إذا أمكن أن نعلل لهذه الجوانب المختلفة في أسلوبه باصطناع عبارات المتصوفة؛ فكيف يمكن أن نعلل بنفس العلة لاستعماله التصغير في أشعاره وإكثاره منه على نحو ما رأينا في بيت النداء السابق. إِذا عَذَلوا فيها أَجَبتُ بِأَنَّةٍ ... حُبَيِّبَتا قَلبًا فُؤادًا هَيا جُملُ فنحن نراه يصغر: حبيبته، تصغير تعظيم، ومن ذلك قوله الآنف الذكر: أُحادٌ أَم سُداسٌ في أُحادِ ... لُيَيلَتُنا المَنوطَةُ بِالتَّنادِ فقد صغر ليلة أيضًا تصغير تعظيم، ويكاد الإنسان لا يجد شاذة من شواذ التصغير إلا ولها أمثلة في شعره؛ فهو يصغر فعل التعجب كقوله: أَيا ما أُحَيسِنَها مُقلَةً ... وَلَولا المَلاحَةُ لَم أَعجَبِ ويصغر اسم الإشارة في قوله:

стр. 351

أَذا الغُصنُ أَم ذا الدعصِ أَم أَنتِ فِتنَةٌ ... وَذَيّا الَّذي قَبَّلتُهُ البَرقُ أَم ثَغْرُ وعلى هذا النمط ما يزال يكثر من التصغير في ديوانه؛ ولكن كيف نربط بين التصغير وأسلوب المتصوفة؟ إن الربط بينهما يكاد يكون غير واضح، وقد يكون أقرب من ذلك ما علل به العقاد هذه الظاهرة، إذا ذهب إلى أنها نتيجة غرور المتنبي وازدرائه للأشياء أو هي متصلة بمبالغته فهو يبالغ للتحقير١؛ غير أن هذا التعليل لا يثبت في نفس الظاهرة؛ إذ نرى المتنبي لا يقف بتصغيره عند التحقير؛ بل يذهب به إلى التعظيم كما يذهب به إلى التحقير، على نحو ما رأينا في تصغيره لحبيبته ولليلته في البيتين الأولين. والحق أن تعليل العقاد لا يطَّرِد في أمثلة الظاهرة، ولذلك كان لا يَصْلُح تفسيرًا لها، وكنا نرى أن من الأقرب أن نعلل لها بتصنع المتنبي لأساليب المتصوفة؛ إذ نراها تقترن بظواهر أخرى من شارات عباراتهم التي اقترضها منهم: كظاهرة أسماء الإشارة في البيت الأخير. ونحن نجد شاعرًا صوفيًّا متأخرًا يصطنع هذا الأسلوب من التصغير في شعره وهو ابن الفارض، وكان يكثر منه كثرة مفرطة كما نرى في قصيدته اليائية٢ التي يقول فيها: يا أُهَيْلَ الوُدِّ أنّى تُنْكِرُو ... نيَ كَهْلًا بعدَ عِرفاني فُتَيّ واستمر يصغر على هذا النحو الذي نراه في كلمة: فتي، وقد يبدو أن هذه مقدمة لا تسوّغ نتيجتها؛ إذ المعقول أن يكون ابن الفارض تأثر أسلوب المتنبي؛ لأنهم متأخر عنه، على أن ذلك هو ما نريد أن نثبته؛ فقد اعتبر أسلوب المتنبي أسلوبًا صوفيًّا وأخذ يقلده المتصوفة وكأنهم أحسوا أن التصغير إحدى شارات هذا الأسلوب ومميزاته. ولعل القارئ يعجب إذا قررنا أن المتنبي هو خير شاعر يصور لنا أساليب المتصوفة في القرن الرابع، وأنه يبلغ من ذلك ما لا يبلغه الحلّاج والشِّبلي والْجُنَيد

стр. 352

وغيرهم من متصوفة هذا القرن، وقد يكون من الغريب أن نذهب هذا المذهب؛ بينما نعترف بأن المتنبي لم يكن متصوفًا ولكنها الحقيقة الواقعة، فإن من يحاكون شيئًايبلغون في محاكاته ما قد يقصر عنه أصحاب هذا الشيء أنفسهم، ولذلك كان الممثل يضيف طعمًا جديدًا إلى "الدراما" التي يمثلها، ويعطينا متعة غير المتعة التي نحسها حين قراءتها منفردين؛ لأنه يصور كل ما يمكن من حركات تصحب العبارات تصويرًا يؤثر في نفوسنا تأثيرًا بعيدًا. والمتنبي لم يكن متصوفًا؛ إنما كان ممثلًا للتصوف يقترح عباراته في الشعر، وما يزال يطلب جميع شاراتها وحركاتها، وما يمكن أن تخرج فيه من ظروف مختلفة تكثر فيها الضمائر أو تكثر فيها أدوات النداء أو تكثر أسماء الإشارة، وربما التقط في أثناء ذلك تعبيرًا فيه تصغير، فأحس أن هذه سمة صوفية، وأخذ يقلدها ويعممها في تراكيبه وعباراته، وبذلك جمع في أساليبه كل ما يمكن من خصائص التعبير الصوفي وهيئاته، وبلغ من تمثيله ما لم يبلغه أصحابه الأصليون. يقول الجاحظ: "إنا نجد الحاكية من الناس يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم لا يغادر من ذلك شيئًا، وكذلك تكون حكايته للخرساني والأهوازي والزنجي والسندي والحبشي وغير ذلك، نعم حتى تجده كأنه أطبع منهم؛ فأما إذا حكى كلام الفأفاء فكأنما قد جُمعت كل طُرْفة في كل فأفاء في الأرض في لسان واحد. ولقد كان أبو دَبّوبة الزنجي مولى آل زياد يقف بباب الكرخ بحضرة المكارين فينهق فلا يبقى حمار مريض ولا هرم حسير ولا متعب بَهير إلا نهق، وقبل ذلك تسمع نهيق الحمار على الحقيقة فلا تنبعث لذلك ولا يتحرك منها متحرك، حتى كان أبو دَبُّوبة يحركه، وكأنه قد جمع جميع الصور التي تجمع نهيق الحمار فجعلها في نهيق واحد، وكذلك في نباح الكلاب"١. وعلى هذا النحو الذي نراه عند أبي دبوبة كان المتنبي يحكي أساليب المتصوفة فيجمع كل الطرف والصور التي تمثل هذه الأساليب، وكان يبلغ من ذلك ما لا يبلغه المتصوفة من أنفسهم؛ بحيث لا نرانا نبعد إذا قلنا إن أهم شاعر يمثل

стр. 353

عبارات المتصوفة ويصور أساليبهم -في أثناء القرن الرابع- هو المتنبي؛ لأنه كان يحكي بعباراته كل صيغهم، ويصور في أساليبه كل صورهم وشاراتهم، حتى ليحار الباحث ويظن أن المتنبي كان صوفيًّا، وهو ظن واهم؛ فلو أنه كان صوفيًّا ما بلغ هذا المبلغ من التقليد والمحاكاة والتمثيل، إنما كان متصنعًا لهذا التصوف، وكان لا يترك مظهرًا من مظاهره ولا إيماءة من إيماءاته إلا ويسلكها في عباراته ويجمعها في أساليبه. على أن هذا الالتجاء لأساليب المتصوفة وما سبقه من التجائه لأساليب المتشيعة بعث فيها حالًا من الغلو والمبالغة في مدح أصحابه؛ حتى ليخيل إلى الإنسان -في كثير من الأحيان- أنه يقرأ مدحًا لإمام من أئمة المتشيعة أو المتصوفة؛ إذ كان يذهب مذهبهم في المبالغة، فيخرج إلى ضروب غريبة من الغلو والإفراط، واقرأ هذه الأبيات التي يقولها في بعض ممدوحيه: لَو كانَ ذو القَرنَينِ أَعمَلَ رَأيَهُ ... لَمّا أَتى الظُّلُماتِ صِرنَ شُموسا أَو كانَ صادَفَ رَأسَ عازَرَ سَيفُهُ ... في يَومِ مَعرَكَةٍ لَأَعيا عيسى أَو كانَ لُجُّ البَحرِ مِثلَ يَمينِهِ ... ما انشَقَّ حَتّى جازَ فيهِ موسى أَو كانَ لِلنيرانِ ضَوءُ جَبينِهِ ... عُبِدَت فَصارَ العالَمونَ مَجُوسا فإننا إن لم نعرف من قيلت فيه هذه الأبيات رجحنا أنه بديل من أبدال الصوفية أو نقيب من نقباء الشيعة. وحقًا أن هذه المبالغة أخذت تقل مضاعفاتها كلما تقدم به الزمن؛ ولكنها استمرت معه حتى نراه يقول لعضد الدولة: النَّاسُ كالعابدين آلهةً ... وعبدُهُ كالموحِّدِ الله وهذه المبالغة الغريبة التي نجدها عند المتنبي يمكن أن يعلل لها من جانب آخر، هو ما شاع في بيئة الأدباء والنقاد من الدعوة للمبالغة والغلو كما نرى عند قدامة١ غير أنه يلاحظ أن شاعرًا لم يبلغ من ذلك ما بلغه المتنبي؛ إذ كانت تُذْكي هذه الروح عنده بواعث من التشيع والتصوف. وعمم المتنبي هذه

стр. 354

المبالغة في شعره ولم يقف بها عند موضوع خاص، فنحن نراها تتسرب من المدح إلى الموضوعات الأخرى من غزل وغير غزل، وكأنها لون جديد يريد أن يوشِّي به شعره، وأن يطرز به قصائده؛ بل إنه ليبدي إزاء استعماله نوعًا من الإصرار الحماسي، حتى ليحس الإنسان عنده في كثير من الأحيان بضرب من السقوط؛ فإن الشعر إذا أفرط فيه الشاعر إفراطًا شديدًا إلى درجة الغلو والمغالاة سقط إلى مستوى دون مستوى طبيعته الحقيقية، وانظر إلى قوله: لَو كانَ عِلمُكَ بِالإِلَهِ مُقَسَّمًا ... في الناسِ ما بَعَثَ الإِلَهُ رَسولا أو كان لفظُك فيهمُ ما أنزل الـ ... ـتوارةَ والفرقانَ والإنجيلا فإن الإنسان يحس كأن المعاني أعيته فذهب إلى استصغار أمور الأنبياء، وكان يستطيع أن يبلغ من وصف ممدوحه ما يريد، دون أن يكلف نفسه هذا العناء من المقارنة والمفاضلة بينه وبين الأنبياء، وليس من شك في أن الشعر حين يخرج عن حدود الاعتدال والقصد في التفكير لا يكون فيه وجدان إلا وجدانًا صناعيًّا ما يزال المتنبي يتعب في إخراجه وتصويره، وحقًا ما يقوله ابن الرومي. وإذا امرئٍ مدحَ امرأً لنوالِهِ ... وأطالَ فيهِ فقد أرادَ هِجَاءَهُ لو لم يقدِّر فيه بُعْدَ المُسْتقَى ... عند الورودِ لَمَا أطال رِشَاءَهُ والمتنبي لم يكن يطيل قصائده؛ ولكنه كان يطيل أفكاره طولًا من نوع آخر، هو هذه المبالغة التي تستقر دائمًا في صياغة شعره وتستوعب مجهودًا واسعًا في التفكير والتصوير، وهو مجهود شاق؛ غير أنه لا يرضي النقاد؛ إذ يكشف لهم سر صاحبه، وأنه يرْكَبُ طرقًا ملتوية من التصنع في فنه، ولكننا ننسى فنحن في القرن الرابع قرن التصنع، ومن الخطأ أن نطلب إلى شاعر في هذا القرن أن يخرج على ذوق معاصريه وما كان يعجبهم من الإغراب في التعبير والأفكار، وكأنما لم يبقَ لهم إلا أن يتصنعوا هذه الوجوه من التصنع لمبالغات شاذة، أو عبارات مذهبية أو ثقافية منحرفة، وهي حال يمكن أن تعد تفسيرًا لما أصاب الشعر -في هذه العصور- من جمود، أي يحس الشعراء بأنهم يبدئون ويعيدون في

стр. 355

أساليب موروثة؛ فتحاول طائفة منهم أن تجدد في وسائل التعبير، ولكنها تضل الطريق؛ إذ تتخذ هذا التجديد من استخدام مبالغة، أو عبارة شيعية، أو أخرى صوفية، وبذلك دار الشعراء حول أنفسهم، ولم يستطيعوا أن يجددوا تجديدًا فيه زخرف وجمال إلا قليلًا.
следующие страницы →