← Адаб

Адаб · id 8666

الفن ومذاهبه في الشعر العربي

شوقي ضيف

Полный текст (574 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أَذا الغُصنُ أَم ذا الدعصِ أَم أَنتِ فِتنَةٌ ... وَذَيّا الَّذي قَبَّلتُهُ البَرقُ أَم ثَغْرُ وعلى هذا النمط ما يزال يكثر من التصغير في ديوانه؛ ولكن كيف نربط بين التصغير وأسلوب المتصوفة؟ إن الربط بينهما يكاد يكون غير واضح، وقد يكون أقرب من ذلك ما علل به العقاد هذه الظاهرة، إذا ذهب إلى أنها نتيجة غرور المتنبي وازدرائه للأشياء أو هي متصلة بمبالغته فهو يبالغ للتحقير١؛ غير أن هذا التعليل لا يثبت في نفس الظاهرة؛ إذ نرى المتنبي لا يقف بتصغيره عند التحقير؛ بل يذهب به إلى التعظيم كما يذهب به إلى التحقير، على نحو ما رأينا في تصغيره لحبيبته ولليلته في البيتين الأولين. والحق أن تعليل العقاد لا يطَّرِد في أمثلة الظاهرة، ولذلك كان لا يَصْلُح تفسيرًا لها، وكنا نرى أن من الأقرب أن نعلل لها بتصنع المتنبي لأساليب المتصوفة؛ إذ نراها تقترن بظواهر أخرى من شارات عباراتهم التي اقترضها منهم: كظاهرة أسماء الإشارة في البيت الأخير. ونحن نجد شاعرًا صوفيًّا متأخرًا يصطنع هذا الأسلوب من التصغير في شعره وهو ابن الفارض، وكان يكثر منه كثرة مفرطة كما نرى في قصيدته اليائية٢ التي يقول فيها: يا أُهَيْلَ الوُدِّ أنّى تُنْكِرُو ... نيَ كَهْلًا بعدَ عِرفاني فُتَيّ واستمر يصغر على هذا النحو الذي نراه في كلمة: فتي، وقد يبدو أن هذه مقدمة لا تسوّغ نتيجتها؛ إذ المعقول أن يكون ابن الفارض تأثر أسلوب المتنبي؛ لأنهم متأخر عنه، على أن ذلك هو ما نريد أن نثبته؛ فقد اعتبر أسلوب المتنبي أسلوبًا صوفيًّا وأخذ يقلده المتصوفة وكأنهم أحسوا أن التصغير إحدى شارات هذا الأسلوب ومميزاته. ولعل القارئ يعجب إذا قررنا أن المتنبي هو خير شاعر يصور لنا أساليب المتصوفة في القرن الرابع، وأنه يبلغ من ذلك ما لا يبلغه الحلّاج والشِّبلي والْجُنَيد

стр. 352

وغيرهم من متصوفة هذا القرن، وقد يكون من الغريب أن نذهب هذا المذهب؛ بينما نعترف بأن المتنبي لم يكن متصوفًا ولكنها الحقيقة الواقعة، فإن من يحاكون شيئًايبلغون في محاكاته ما قد يقصر عنه أصحاب هذا الشيء أنفسهم، ولذلك كان الممثل يضيف طعمًا جديدًا إلى "الدراما" التي يمثلها، ويعطينا متعة غير المتعة التي نحسها حين قراءتها منفردين؛ لأنه يصور كل ما يمكن من حركات تصحب العبارات تصويرًا يؤثر في نفوسنا تأثيرًا بعيدًا. والمتنبي لم يكن متصوفًا؛ إنما كان ممثلًا للتصوف يقترح عباراته في الشعر، وما يزال يطلب جميع شاراتها وحركاتها، وما يمكن أن تخرج فيه من ظروف مختلفة تكثر فيها الضمائر أو تكثر فيها أدوات النداء أو تكثر أسماء الإشارة، وربما التقط في أثناء ذلك تعبيرًا فيه تصغير، فأحس أن هذه سمة صوفية، وأخذ يقلدها ويعممها في تراكيبه وعباراته، وبذلك جمع في أساليبه كل ما يمكن من خصائص التعبير الصوفي وهيئاته، وبلغ من تمثيله ما لم يبلغه أصحابه الأصليون. يقول الجاحظ: "إنا نجد الحاكية من الناس يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم لا يغادر من ذلك شيئًا، وكذلك تكون حكايته للخرساني والأهوازي والزنجي والسندي والحبشي وغير ذلك، نعم حتى تجده كأنه أطبع منهم؛ فأما إذا حكى كلام الفأفاء فكأنما قد جُمعت كل طُرْفة في كل فأفاء في الأرض في لسان واحد. ولقد كان أبو دَبّوبة الزنجي مولى آل زياد يقف بباب الكرخ بحضرة المكارين فينهق فلا يبقى حمار مريض ولا هرم حسير ولا متعب بَهير إلا نهق، وقبل ذلك تسمع نهيق الحمار على الحقيقة فلا تنبعث لذلك ولا يتحرك منها متحرك، حتى كان أبو دَبُّوبة يحركه، وكأنه قد جمع جميع الصور التي تجمع نهيق الحمار فجعلها في نهيق واحد، وكذلك في نباح الكلاب"١. وعلى هذا النحو الذي نراه عند أبي دبوبة كان المتنبي يحكي أساليب المتصوفة فيجمع كل الطرف والصور التي تمثل هذه الأساليب، وكان يبلغ من ذلك ما لا يبلغه المتصوفة من أنفسهم؛ بحيث لا نرانا نبعد إذا قلنا إن أهم شاعر يمثل

стр. 353

عبارات المتصوفة ويصور أساليبهم -في أثناء القرن الرابع- هو المتنبي؛ لأنه كان يحكي بعباراته كل صيغهم، ويصور في أساليبه كل صورهم وشاراتهم، حتى ليحار الباحث ويظن أن المتنبي كان صوفيًّا، وهو ظن واهم؛ فلو أنه كان صوفيًّا ما بلغ هذا المبلغ من التقليد والمحاكاة والتمثيل، إنما كان متصنعًا لهذا التصوف، وكان لا يترك مظهرًا من مظاهره ولا إيماءة من إيماءاته إلا ويسلكها في عباراته ويجمعها في أساليبه. على أن هذا الالتجاء لأساليب المتصوفة وما سبقه من التجائه لأساليب المتشيعة بعث فيها حالًا من الغلو والمبالغة في مدح أصحابه؛ حتى ليخيل إلى الإنسان -في كثير من الأحيان- أنه يقرأ مدحًا لإمام من أئمة المتشيعة أو المتصوفة؛ إذ كان يذهب مذهبهم في المبالغة، فيخرج إلى ضروب غريبة من الغلو والإفراط، واقرأ هذه الأبيات التي يقولها في بعض ممدوحيه: لَو كانَ ذو القَرنَينِ أَعمَلَ رَأيَهُ ... لَمّا أَتى الظُّلُماتِ صِرنَ شُموسا أَو كانَ صادَفَ رَأسَ عازَرَ سَيفُهُ ... في يَومِ مَعرَكَةٍ لَأَعيا عيسى أَو كانَ لُجُّ البَحرِ مِثلَ يَمينِهِ ... ما انشَقَّ حَتّى جازَ فيهِ موسى أَو كانَ لِلنيرانِ ضَوءُ جَبينِهِ ... عُبِدَت فَصارَ العالَمونَ مَجُوسا فإننا إن لم نعرف من قيلت فيه هذه الأبيات رجحنا أنه بديل من أبدال الصوفية أو نقيب من نقباء الشيعة. وحقًا أن هذه المبالغة أخذت تقل مضاعفاتها كلما تقدم به الزمن؛ ولكنها استمرت معه حتى نراه يقول لعضد الدولة: النَّاسُ كالعابدين آلهةً ... وعبدُهُ كالموحِّدِ الله وهذه المبالغة الغريبة التي نجدها عند المتنبي يمكن أن يعلل لها من جانب آخر، هو ما شاع في بيئة الأدباء والنقاد من الدعوة للمبالغة والغلو كما نرى عند قدامة١ غير أنه يلاحظ أن شاعرًا لم يبلغ من ذلك ما بلغه المتنبي؛ إذ كانت تُذْكي هذه الروح عنده بواعث من التشيع والتصوف. وعمم المتنبي هذه

стр. 354

المبالغة في شعره ولم يقف بها عند موضوع خاص، فنحن نراها تتسرب من المدح إلى الموضوعات الأخرى من غزل وغير غزل، وكأنها لون جديد يريد أن يوشِّي به شعره، وأن يطرز به قصائده؛ بل إنه ليبدي إزاء استعماله نوعًا من الإصرار الحماسي، حتى ليحس الإنسان عنده في كثير من الأحيان بضرب من السقوط؛ فإن الشعر إذا أفرط فيه الشاعر إفراطًا شديدًا إلى درجة الغلو والمغالاة سقط إلى مستوى دون مستوى طبيعته الحقيقية، وانظر إلى قوله: لَو كانَ عِلمُكَ بِالإِلَهِ مُقَسَّمًا ... في الناسِ ما بَعَثَ الإِلَهُ رَسولا أو كان لفظُك فيهمُ ما أنزل الـ ... ـتوارةَ والفرقانَ والإنجيلا فإن الإنسان يحس كأن المعاني أعيته فذهب إلى استصغار أمور الأنبياء، وكان يستطيع أن يبلغ من وصف ممدوحه ما يريد، دون أن يكلف نفسه هذا العناء من المقارنة والمفاضلة بينه وبين الأنبياء، وليس من شك في أن الشعر حين يخرج عن حدود الاعتدال والقصد في التفكير لا يكون فيه وجدان إلا وجدانًا صناعيًّا ما يزال المتنبي يتعب في إخراجه وتصويره، وحقًا ما يقوله ابن الرومي. وإذا امرئٍ مدحَ امرأً لنوالِهِ ... وأطالَ فيهِ فقد أرادَ هِجَاءَهُ لو لم يقدِّر فيه بُعْدَ المُسْتقَى ... عند الورودِ لَمَا أطال رِشَاءَهُ والمتنبي لم يكن يطيل قصائده؛ ولكنه كان يطيل أفكاره طولًا من نوع آخر، هو هذه المبالغة التي تستقر دائمًا في صياغة شعره وتستوعب مجهودًا واسعًا في التفكير والتصوير، وهو مجهود شاق؛ غير أنه لا يرضي النقاد؛ إذ يكشف لهم سر صاحبه، وأنه يرْكَبُ طرقًا ملتوية من التصنع في فنه، ولكننا ننسى فنحن في القرن الرابع قرن التصنع، ومن الخطأ أن نطلب إلى شاعر في هذا القرن أن يخرج على ذوق معاصريه وما كان يعجبهم من الإغراب في التعبير والأفكار، وكأنما لم يبقَ لهم إلا أن يتصنعوا هذه الوجوه من التصنع لمبالغات شاذة، أو عبارات مذهبية أو ثقافية منحرفة، وهي حال يمكن أن تعد تفسيرًا لما أصاب الشعر -في هذه العصور- من جمود، أي يحس الشعراء بأنهم يبدئون ويعيدون في

стр. 355

أساليب موروثة؛ فتحاول طائفة منهم أن تجدد في وسائل التعبير، ولكنها تضل الطريق؛ إذ تتخذ هذا التجديد من استخدام مبالغة، أو عبارة شيعية، أو أخرى صوفية، وبذلك دار الشعراء حول أنفسهم، ولم يستطيعوا أن يجددوا تجديدًا فيه زخرف وجمال إلا قليلًا.

стр. 356

٥- تصنُّعُ المتنبي للأفكارِ والصيغِ الفلسفيةِ: من أهم الوسائل التي كان يستخدمها المتنبي وغيره من الشعراء في هذه العصور وسيلة الفلسفة والثقافة اليونانية؛ فقد كان يحاول أن يستوعب الأفكار والصيغ الفلسفية في قصائده ونماذجه حتى يتخلص قليلًا من صيغ الفن الثابتة وقوالبه العتيقة، وإن الإنسان ليحس دائمًا عند المتنبي أنه كان يبحث عن صيغ جديدة للتعبير، ولكنه لم يكتفِ بأن يخضع هذا البحث لتجاربه الخاصة في التعبير عن وجدانه وأفكاره؛ إذ ذهب يقترض طائفة من الصيغ المذهبية أو الفلسفية، وبذلك انصب كثير من تجديده على تغييره في القيود ووجوه التكلف. وقد تكون القيود القديمة جميلة؛ فهي قيود فنية، أما القيود التي جاء بها المتنبي فلم تكن فنية، بل كانت شيعية أو صوفية أو فلسفية. على أنه لم يستطع أن يجري في هذا الجانب الثقافي على الدرب الذي مهده أبو تمام فقد رأيناه يستخدم الثقافة والفلسفة استخدامًا فنيًّا غريبًا على نحو ما رأينا في وصفه لعمورية، وكما رأينا في استخدامه لنوفر الأضداد، الذي أحاله عن حقيقته الفلسفية وجعله وسيلة رائعة من وسائل الزينة في صناعته. أما المتنبي فقد نقل كثيرًا من الأفكار والعبارات الفلسفية إلى الشعر؛ ولكنه لم يحولها عن حقيقتها، فالباحث يحس دائمًا بمكانها وأنها مجتلبة اجتلبها الشاعر ليدل على ثقافته وليحقق لنفسه ما يريد من الجديد في صناعته. ولعل أول ما يقابلنا من ذلك حكمه الكثيرة التي شاعت في شعره، وعرف بها عند القدماء والمحدثين؛ فهم يذكرون أن الصاحب بن عبّاد ألف رسالة لفخر الدولة ابن بُويه، جمع فيها من شعر أبي الطيب زهاء ثلاثمائة وسبعين بيتًا تجري

стр. 357

مجرى الأمثال، قال في مقدمتها: "وهذا الشعر مع تميُّزه وبراعته وتبريزه في صناعته له في الأمثال خصوصًا مذهب يسبق به أمثاله"١، وهذا المذهب الذي يشير إليه الصاحب في عمل حِكَمِه وصياغة أمثاله هو الذي يلفتنا من قوله؛ فالصاحب يحس بأن المتنبي له مذهب خاص في صناعة الحكم والأمثال، وهذا المذهب ليس شيئًا خاصًّا بطريقة الصناعة، وإنما هو قائم في الصناعة كلها، فمِنْ قبلِهِ لم يكن الشعراء يعدلون بشعرهم إلى كثرة الحكم والأمثال التي نجدها عنده على غير الإلف والعادة؛ إذ يعتمد عليها في عمله اعتماد أصحاب المذاهب -كما لاحظ الصاحب- ولم يكن المتنبي يأتي بهذه الحكم والأمثال من تجاربه الخاصة فحسب، بل كان أيضًا يقترض أطرافًا منها من الفلسفة، وتنبَّه لذلك معاصروه، فكتب الحاتمي رسالة يبين فيها كيف استغل صاحبنا حكم أرسطو وكيف صاغها شعرًا، فمن ذلك قوله: يُرادُ مِنَ القَلبِ نِسيانُكُم ... وَتَأبى الطِباعُ عَلى الناقِلِ وأصله عند أرسطو طاليس: "روم نقل الطباع من رديء الأطماع شديد الامتناع"٢ ومن ذلك قوله: لَعَلَّ عُتْبَكَ مَحمودٌ عَواقِبُهُ ... فَرُبَّما صَحَّتِ الأَجسامُ بِالعِلَلِ وأصله عند أرسططاليس: "قد يفسد العضو لصلاح أعضاء، كالكي والفَصْد اللَّذين يفسدان الأعضاء لصلاح غيرها٣، ومن ذلك قوله: وَمَن يُنفِقِ السَّاعاتِ في جَمْعِ مالِهِ ... مخافةَ فَقْرٍ فَالَّذي فَعل الفقرُ وأصله عند أرسططاليس: "من أفنى مدته في جمع المال خوف العدم فقد أسلم نفسه للعدم"٤. وعلى هذه الشاكلة أخذ الحاتمي يحقق ترجمة هذه الحكم اليونانية إلى الشعر العربي عند المتنبي حتى بلغ بها نحو مائة وعشرين حكمة. ومن يقرأ في ديوان المتنبي يحس إحساسًا واضحًا بأن الشعر كان يعتمد

стр. 358

عنده على العقل المتفلسف والصياغة الفلسفية، وقد ذهب يستخدم هذه الحكم، مضيفًا إليها ضروبًا من القافية المنطقية الدقيقة حتى ينال ما يريده من الدوي العالي: وتركك في الدنيا دويًّا كأنما ... تداولُ سَمْع المرء أنْمُلُهُ العشرُ لقد كان هذا التصنع للفلسفة والمنطق يحدث له ذلك الدَّوي والضجيج الذي يريده، وبدأ -كما رأينا- فطرز شعره بأمثال الفلسفة اليونانية، ثم أخذ ينشر أسماء أصحابها في شعره من مثل أرسططاليس وبطليموس والإسكندر الأفروديسي على نحو ما يلقانا في رائيته التي مدح بها ابن العميد. كما أخذ يستعير ألفاظها واصطلاحاتها، كأن يستعير الحركة والسكون في قوله: تناهى سكونُ الحسنِ في حركاتها ... وليس لراءٍ وجهها لم يَمُتْ عُذْرُ أو يستعير كلمة القياس الفاسد في قوله: بشر تصوَّر غايةً في آية ... تنفي الظنونَ وتفسد التقييسا أو يشير إلى بعض أفكار المتفلسفة وآرائهم في مثل قوله: تخالف الناسُ حتى لا اتفاقَ لهم ... إلا عَلَى شجبٍ والخلفُ في الشَّجَبِ١ فقيل تخلدُ نفس المرءِ باقيةً ... وقيل تَشْرك جسم المرءِ في العطَبِ وكأنه كان يشك في الروح وخلودها. ونراه يقول: وَتَرى الفُتُوَّةَ وَالمُرُوَّةَ وَالأُبُـ ... وَةَ فِيَّ كُلُّ مَليحَةٍ ضَرّاتِها هُنَّ الثَلاثُ المانِعاتي لَذَّتي ... في خَلوَتي لا الخَوفُ مِن تَبِعاتِها يقول العُكْبَري في التعليق على هذين البيتين: إنه يشير بذلك إلى قول المتفلسفة: "إن النفوس تركت الشهوات البهيمية طبعًا لا خوفًا"٢، وقد نراه يعتد بمذهب السوفسطائية في مثل قوله: هَوِّن عَلى بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرُهُ ... فَإِنَّما يَقَظاتُ العَينِ كَالْحُلمِ فإن السوفسطائيين لا يؤمنون بوجود المحسوسات، وذهب صاحب "سرح العيون" إلى أنه كان على مذهب الهوائية أو المادية لقوله: تَبخَلُ أَيدينا بِأَرْوَاحِنا ... عَلى زَمانٍ هِيَ مِن كَسْبِهِ

стр. 359

فَهَذِهِ الأَرواحُ مِن جَوِّهِ ... وَهَذِهِ الأَجسامُ مِن تُربِهِ وحاول صاحب خزانة الأدب أن يتهمه في عقيدته لبعض هذه الأبيات التي ذكرناها٢، وينبغي أن نعرف أن هذه الأفكار لم تكن تأتي في شعره عن عقيدة أو مذهب؛ إنما كانت تسرب إليه من ثقافته الفلسفية، فهو ليس شاكًّا وليس على مذهب الهوائية إنما هو شاعر من شعراء القرن الرابع الذين كانوا يتصنعون للأفكار الفلسفية. ومن الواجب أن نفصل بين المتنبي والفلسفة مرة أخرى؛ فقد غلا بعض النقاد المحدثين، وذهب إلى أنه كان فيلسوفًا لا يقل عن الفلاسفة المحدثين، بل لقد سبق "نيتشه" إلى كثير من أفكاره وآرائه وأخذ يقارن بينه وبين "دارون" في بحثه وطريقته٣. وأكبر الظن أن هذا إسراف من العقاد ومن يذهب هذا المذهب في المقارنة بين أشخاص عاشوا في بيئات مختلفة وكانوا من أجناس مختلفة. ونحن لا ننكر أن هناك جانبًا من الفكر مشتركًا بين الناس جميعًا، ولولاه ما تفاهموا، ولا قامت دراسة المنطق، ولكن هذا الجانب يحسن أن لا نبالغ في تصوره وأن لا نضعه كأساس أو أصل للمقارنة في النقد، واتخاذه دليلًا على ما نذهب إليه من آراء وأحكام، وبخاصة إذا كانت هذه الآراء والأحكام تستمد من فكرة طائرة عند شاعر. وحقًا لو أن المتنبي فيلسوف لأمكن أن تقوم هذه المقارنة مع شيء من الاحتياط، أما أن نستنتج فلسفته من فكرة طائرة نتخذها مذهبًا له أو كالمذهب، ثم نقارن بينه وبين فيلسوف غربي على أساسها؛ فإننا نكون مبالغين مفرطين في المبالغة، إذن لكان الشعراء السابقون جميعًا فلاسفة وفلاسفة عصريين. ولسنا نرتاب في أن مثل هذه الافتراضات والمقارنات توقع في شيء من التحكم، وقد حمل عليها بلاشير في بحثه على المتنبي وهو محق فيما لاحظه عليها من إسراف٤. ومهما يكن فإن المتنبي لم يكن فيلسوفًا؛ وإنما كان مثقفًا بالثقافة الفلسفية التي عاصرته وقد أخذ يتصنع لها في شعره يستعير حكمها وبعض أفكارها، وما يطوى فيها من أقيسة منطقية وقوالب فلسفية حتى يعجب المثقفين من حوله؛ إذ كانت هذه الأشياء التي تجلب من الفلسفة تعتبر بدعًا طريفًا في هذه العصور.

стр. 360

٦- المركَّبُ الفَنِّي الفلسفي في شعر المتنبي: هذه الاستعارة الحسية التي كان يستعيرها المتنبي من الفلسفة من السهل أن يلاحظها كل باحث، وليست هي الشيء الذي نريد أن نقف عنده من تصنع المتنبي للفلسفة؛ إنما نريد أن نعرف أثر هذه الفلسفة في صياغته، نريد أن نعرف ما حدث من تغيير في باطن عباراته تحت تأثير الفكر الفلسفي، أو بعبارة أخرى نريد أن نعرف المركب الفني الفلسفي في شعره. وهذا المركب يحاول الباحثون أن يتعرفوا عليه من معرفة الأفكار المستعارة؛ غير أننا نرى أن هذه الوسيلة قاصرة، فإذا حاول باحث أن يتعرف على الحياة العقلية في العصر العباسي مثلًا؛ مما ترجم العرب كانت هذه المحاولة غير مجدية كثيرًا؛ لأنه لا يتبين هذه الحياة في اقتراح عربي أو صورة عربية؛ وإنما يتبينها في صورة أجنبية مترجمة، وكان عليه أن يتبينها في صورة التفكير العربي من داخله وما أصابه من تطور، فإنه من الممكن أن لا يكون العقل العربي أفاد كثيرًا مما ترجم، ولعل ترجماته لم تغير كثيرًا في أصول فكره وقواعد عقله. وهذا هو الذي جعلنا نقف في الفصل الثالث من الكتاب الأول من هذا البحث لنسأل إلى أي حد تطور فكر صانع الشعر في العصر العباسي، ولم نحاول أن نتبين ذلك من الترجمة للثقافات الأجنبية فقط، بل حاولنا أن نعرف ما أصاب العقل العربي من تطور في داخله، حتى إذا وصلنا إلى أبي تمام أحسسنا بأنه ليس رائدنا أن نعرف أثر الثقافة الفلسفية عنده من عبارات الفلاسفة وأفكارهم التي استعارها، بل طلبنا ذلك في استخدامه لبعض الألوان الفلسفية "كلون نوافر الأضداد" وقد أحاله لونًا فنيًّا جميلًا، وهنا تبينّا جانبًا من قابلية العقلية العربية للتفكير اليوناني، أو بعبارة أدق، عقلية أبي تمام، وما أصاب هذا التفكير عندها من تحول؛ فهي تقبله

стр. 361

وتتفاعل معه؛ بل هي تحوله عن طبيعته الفلسفية إلى طبيعة فنية ما يزال الشاعر يستخرج منها ألوانًا تحيِّر وتعجب. وهذا الاتجاه في البحث هو الذي نريد أن نعرف على ضوء التصنع الفلسفي عند المتنبي وإلى أي حد استطاع الفكر العربي -في القرن الرابع- أن يمتزج بالفكر اليوناني، ومن يرى هذا الجهد الذي كان يقوم به المتنبي من نقل الحكم اليونانية إلى الشعر العربي لا يشك في أن هذا الشعر أخذ يتأثر بالصورة اليونانية، ولسنا نقصد صورة النحو اليوناني أو البلاغة اليونانية أو الأخيلة اليونانية، إنما نقصد صورة التفكير اليوناني؛ فقد نفذ إلى الشعر وتشبث كثير من الشعراء به. على أنه يحسن بنا أن لا نبالغ، فإن المتنبي يرينا حقًّا قابلية العقلية العربية للتفكير اليوناني، ولكنها قابلية من نوع آخر مغاير للنوع الذي رأيناه عند أبي تمام، قابلية ليس فيها البهجة التي لاحظناها عنده في نوافر الأضداد إنما هي قابلية من طراز آخر، قابلية معقدة -إن صح هذا التعبير- فالفلسفة لا تتحول إلى بدع من الفن؛ إنما تؤثر تأثيرًا قاتِمًا في الصياغة، ويمكن أن نلخص هذا التأثير في كلمة "القوالب الفلسفية" فقد أخذ الشعراء يقترضون هذه القوالب، وهذا أكثر ما عندهم من تجديد فلسفي في الشعر. وهو تجديد غريب لا ينوع في التفكير الفني إنما ينوع فقط في أساليبه ويصيبها بهذا التعقيد الذي تعرف به القوالب الفلسفية وما يتبعه من اللف والدوران وتداخل الأفكار تداخلا لا عهد للغة العربية به قبل المتنبي إلا في القليل النادر، أما هو فوسَّع هذا الجانب وحرص عليه حرصًا شديدًا؛ لأنه كان يودعه جانبًا من سر تفوقه وسر تصنعه؛ إذ كان يحتال احتيالًا شديدًا على شارات التعبير الفلسفي وسماته يدخلها في نماذجه، كما نرى في مثل قوله: الجيشُ جيشُك غير أنك جيشه ... في قلبِِهِ ويمينه وشمالِهِ وليس في البيت غرابة ولا تعقيد، ولذلك يبدو يسيرًا سهل الفهم، ولكن إذا أمعنا النظر وجدنا فيه شيئًا يشبه أن يكون تعقيدًا؛ إذ يجعل المتنبي ممدوحه

стр. 362

جيشًا، ويجعل الجيش جيشه، وفي الوقت نفسه يجعله جيش الجيش؛ فهو جيش دائر على نفسه، أو هي فكرة فيها دور -كما يقول أصحاب الفلسفة- وليس من شك في أن المتنبي عمد إليها عمدًا وتصنع لها تصنعًا، وما الفرق بينه وبين غيره من شعراء عصره ممن لم يتثقفوا ثقافة فلسفية إن لم يأت بمثل هذه العبارات المتداخلة؟ وانظر إلى قوله: فتىً يشتهي طول البلادِ ووقته ... تضيق به أوقاتُهُ والمقاصدُ فإنك تراه لا يزال يتعمَّل للأسلوب الفلسفي في تفكيره وصياغته؛ وإلا فما هذا الوقت الذي تضيق به أوقات ممدوحه؟ إنه وقت غريب لعله أشد غرابة من الجيش السابق الذي يدور على نفسه، فقد جعل المتنبي الأوقات تضيق به، أو بعبارة أخرى ما زال يتصنع حتى جعل الجزء أوسع من الكل؛ فالأوقات تضيق بالوقت ضيقًا غريبًا، ولكن ما هي ميزة المتنبي إن لم يغرب على الناس بمثل هذه العبارات التي قد يحسون فيها خللًا؛ ولكنه خلل محبوب في رأيه؛ لأنه خلل فلسفي، ما يزال به حتى يشوش على الناس أفكارهم، وحتى يحدث من الارتباك والاضطراب بين المثقفين ما يستطيع أن يثبت به مهارته وتفوقه، فإذا هو يخرج هذا الجيش الدائر على نفسه، وإذا هو يحيل الجزء أكبر من الكل، حتى يجعل لنفسه من شعره أبواقًا وطبولًا، أو بوقات وطبولًا على حد تعبيره، تعلن عن براعته وحذقه وإجادته، وانظر إلى قوله: وَلَكَ الزَمانُ مِنَ الزَمانِ وِقايَةٌ ... وَلَكَ الحِمامُ مِنَ الحِمامِ فِداءُ فإنك تحس بلعب التعبير الفلسفي؛ فالزمان يقي من الزمان وقاية غير مفهومة، والحِمام يفدي من الحِمام فداء غير مفهوم أيضًا، ولكنها الفلسفة التي تعلق بها المتنبي ما تزال تخرج له من الزمان زمانًا يماثله ومن الحمام حمامًا يشاكله، وعلى هذا النحو نراه يقول بيته: أَسَفي عَلى أَسَفي الَّذي دَلَّهتِني ... عَن عِلمِهِ فَبِهِ عَلَيَّ خَفاءُ فإنه يأسف على أسفه أسفًا غير مفهوم، فالأسف يركب أسفًا مثله، كهذا

стр. 363

الزمان الذي يقي منه زمان مثله، وهذا الحمام الذي يفدي منه حمام مثله، وما يزال هذا القانون من التوليد يلعب في فكر المتنبي وشعره حتى نراه يقول: نِقَمٌ عَلى نِقَمِ الزَمانِ يَصُبُّها ... نِعَمٌ عَلى النِّعَمِ الَّتي لا تُجْحَدُ فالنقم على نوعين والنعم على نوعين، وكل شيء يمكن أن يستخرج منه شيء آخر يماثله، ويتحد معه، فيقوم دونه، أو يصبُّ عليه، أو يركِّبه ركوبًا غريبًا. وعلى هذا النمط ما تزال أساليبه تتشابك وتتداخل تداخلًا غير مألوف، تداخلًا يوقعه في مثل هذه الأساليب المنحرفة، أو في مثل قوله: إِلى كَم ذا التَخَلُّفُ وَالتَّواني ... وَكَم هَذا التَّمادي في التَّمادي فالتمادي يتداخل في التمادي هذا التداخل الغريب حتى يقلد المتنبي الفلاسفة في أساليبهم الملتوية، وما الفرق بين الشعر والفلسفة؟ لئن كانت الفلسفة طرافة أو كان فيها فنون من الطرافة، فإن من الواجب أن تدخل هذه الفنون إلى دوائر الشعر؛ غير أننا نلاحظ أن المتنبي إنما نظر إلى هذه الفنون من ظاهرها، فجاء يستوعب في شعره صيغها وقوالبها، ولم يستطع استخدامها استخدامًا فنيًّا على نحو ما رأينا عند أبي تمام؛ بل لقد كان يفهم هذا الاستخدام في حدود أخرى، هي أن ينقل التعبير الفلسفي إلى قصائده ونماذجه فإذا الجيش يدور هذا الدوران الذي لا تألفه العقول البسيطة، بل لا بد له من عقل متفلسف حتى يفهم فكرة الدور وأنه جيش دائر في هذه الحلقة الفلسفية التي كان يعجب بها المتنبي-فيم يظهر- إعجابًا شديدًا. وعلى هذا النحو تضيق الأوقات بالوقت، بل ما تزال الأفكار تتوالد، فكل فكرة لها خيالها، بل لقد كان يرى خيال خيالها على حد قوله: إِنَّ الْمُعيدَ لَنا المَنامُ خَيالَهُ ... كانَت إِعادَتُهُ خَيالَ خَيالِهِ فهو يحفظ العهد ويذكر حبيبه دائمًا، وما يزال خياله يَفِد عليه حتى إذا نام رأى خيال هذا الخيال، بل إنه ليرى خيال هذا الخيال الثاني في يقظته، وبخاصة خيال خيالِ أفكاره الذي ما يزال يلح عليه حتى يأتي له بهذه العبارات الفلسفية.

стр. 364

المعقدة، وهي عبارات كان يتعب في الحصول عليها تعبًا شديدًا، أما قوله المعروف: أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها ... وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ فلعله كان يداعب به من حوله من الأدباء والنقاد، أما حقيقة الأمر فإنه هو الذي كان يؤرقه السهر في تجويدها، وما كان مثله لينام وهو يحلم بتعبير فلسفي، يحقق له ما لا يبلغ الزمن من نفسه على حدِّ تعبيره: أُريدُ مِن زَمَني ذا أَن يُبَلِّغَني ... ما لَيسَ يَبلُغُهُ مِن نَفسِهِ الزَمَنُ وقد شكا في شعره كثيرًا من سهاده وسهره؛ إذ يقول: كَأَنَّ الجُفونَ عَلى مُقلَتي ... ثِيابٌ شُقِقنَ عَلى ثاكِلِ فهو يطلب النوم والنوم يتأبى عليه، ولعله هو الذي كان يتأبى على النوم لانشغاله عنه بلفظه أو فكرة، وقد ذكر في شعره أن للأفكار نارًا تتوقد: أُشفِقُ عِندَ اِتِّقادِ فِكرَتِهِ ... عَلَيهِ مِنها أَخافُ يَشتَعِلُ فهو يشعر شعورًا واضحًا بأن الأفكار قد تشعل صاحبها، ومن يدري فربما مرت به لحظة خيل إليه فيه أنه يشتعل بهذا الثقاب من الفلسفة التي أشعلت كل شيء في شعره. وليس من شك في أنه ثقاب محبب إلى نفوسنا؛ غير أن المتنبي لم يحدث به ولا بنيرانه طرافة واسعة في شعره كما رأينا عند أبي تمام. وكأني بالمتنبي يلفتنا إلى شيء مهم في العقلية العربية وقابليتها للتفكير اليوناني في أثناء القرن الرابع؛ فإنها تخلفت في كثير من جوانبها عن هذا التفكير وبخاصة في هذا الجانب الفني من الشعر الذي نقرأه عند المتنبي وأضرابه؛ إذ نرى الفلسفة لا تحدث طرافة ولا تنوعًا في الأفكار إلا آمادًا ضيقة، إنما ينصب تأثيرها على جانب شكلي، جانب العبارات والأساليب، حتى ليحس الإنسان بأن الدفعة الهنيئة الطليقة التي مرت بنا عند أبي تمام حيث كانت الفلسفة تستخدم استخدامًا فنيًّا خاصًّا كأنها لون زاهٍ هذه الدفعة يصيبها غير قليل من الجمود والركود، وكأن الشعراء لا يتعمقون التفكير اليوناني، وكأن هذا التفكير لا يتعمق عقولهم،

стр. 365

فلا نراه يتحول عندهم إلى بدع وطرافة في التفكير، وأيضًا فنحن لا نراه يحدث تنوعًا واسعًا في الخواطر والمعاني، وكأن الفلسفة اليونانية تنحرف عن التفكير الفني، أو كأنها لا تمتزج بهذا التفكير امتزاجًا من شأنه أن يغير صورته وأوضاعه؛ وإنما أكثر ما تحدثه في هذا الجانب ينصب على تأثير شكلي في القوالب والعبارات، كقول المتنبي: قَد كانَ يَمنَعُني الحَياءُ مِنَ البُكا ... فَاليَومَ يَمنَعُهُ البُكا أَن يَمنَعا فالحياء يمنع البكاء والبكاء يمنع الحياء، وهذا كل ما يأتي به المتنبي من طرافة في التفكير يجلبها من الفلسفة؛ ولكن هذه الطرافة ليست شيئًا أكثر من اللف والدوران في التعبير. وعلى هذا النمط نرى المتنبي تنغمس عباراته في أصباغ الفلسفة، ولكنه انغماس شكلي إذ يحاول أن يحقق لنفسه أوصاف قوالبها وخواص تراكيبها، أما بعد ذلك فإنها لا تتفاعل مع تفكيره، ولا تنقله من حيز إلى حيز، أو من عالم إلى عالم. بل ما يزال متصلًا في أفكاره ومعانيه بالماضي، لا يستطيع فصم علاقته به. وإن الإنسان ليكاد يؤمن بأن التفكير اليوناني لم يحدث رجفة واسعة عند المتنبي وأضرابه ممن نحس عندهم بأن الفنانين ما يزالون يفكرون تفكيرًا أقرب إلى الأسلوب القديم. وحقًّا أن الفلسفة اليونانية ترجمت واستوعبها العرب، وكان منهم متفلسفة، ولكن يحسن دائمًا أن نميز بين هذه الموجة والتأثر العام في التفكير الفني؛ إذ نشعر بأن الفلسفة تختلط بهذا التفكير، ولكنها قلما تمتزج به أو تتحد معه، بل يستمر بينهما خطوط فاصلة؛ إلا أن تجلب بعض شاراتها وسماتها، كما نرى عند المتنبي. ولكنها لا تتغلغل إلى باطن الشعر وباطن صياغته إلا قليلًا، وحتى المعري مع أنه نقل التفكير الوجداني إلى تفكير يشبه التفكير الفلسفي لم يستطع أن يحافظ على "الصياغة الباطنة" للأسلوب الفلسفي، بل لقد ضلت منه في الطريق. ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا إن مياه التفكير اليوناني دخلت النهر العربي؛ ولكنها استمرت في كثير من جوانبه تجرى مع مياهه جنبًا إلى جنب وقلما اختلطت بها. قد تختلط في بعض المناطق، ولكنها سرعان ما تعود إلى الانفصال.

стр. 366

٧- تصنُّعُ المتنبي للغريبِ من اللُّغةِ والأساليبِ الشَّاذَّةِ: لم يكن المتنبي يقصر تصنعه الثقافي على طائفة خاصة من المثقفين؛ فهو يرضي أصحاب الفلسفة والتصوف والتشيع، كما يرضي أصحاب الغريب من اللغة والأساليب الشاذة من النحو، واقرأ قصيدته: ألا كلُّ ماشية الخيزلي ... فِدَا كل ماشية الهيدبي١ فإنك تراه يخرجه إخراجًا لغويًّا؛ إذ يحشد فيها الألفاظ الغريبة حشدًا، وكأنه ليس له وجهة إلا أن يعبر تعبيرًا لغويًّا غريبًا، حتى ينال إعجاب اللُّغويين من أصحاب الغريب، وكان القدماء يعرفون له هذه الرغبة من إظهار علمه وفضله، يقول الصاحب بن عباد عنه: "ومن أهم ما يتعاطاه التفاصح بالألفاظ النافرة والكلمات الشاذة، حتى كأنه وليد خباء وغذيُّ لبن لم يَطَأَ الْحَضَر، ولم يعرف الْمَدَر"٢ ويعلل الصاحب لهذه الحال بأنه كان يقصد إلى التبدي في لفظه. والحق أنه لم يكن يقصد إلى التبدي فحسب؛ إنما كان يريد أن يحقق لنفسه التفوق في أوساط اللُّغويين من أصحاب الغريب، وأشار إلى ذلك العُكْبَري؛ إذ رآه يستخدم كلمة "تفاوح" في إحدى مدائحه لكافور، وهي لفظة فصيحة إلا أنها غريبة، فعلق عليها بأنه كان يأتي بهذه اللفظة وأمثالها لمن يكون بالمكان من العلماء والأدباء٣. كان المتنبي يصنع الشعر -كما يقول العُكْبَري- للفضلاء والعلماء

стр. 367

لا لكافور وأمثاله من الممدوحين، ولذلك كنا نراه يحاول الإغراب بشعره وأساليبه، وكان يطلب هذا الإغراب ويحققه لنفسه في صور مختلفة من التفلسف والتصوف والتشيع. وأخيرًا في تلك الصور الغريبة من الألفاظ اللغوية النادر التي يريد أن يروع بها أساتذة اللغة والغريب؛ فإذا هو يأتيهم بمثل "تفاوح" السابقة أو بمثل "جفخت" في قوله: جَفَخَت وَهُم لا يَجفَخونَ بِها بِهِم ... شِيَمٌ عَلى الحَسَبِ الأَغَرِّ دَلائِلُ١ فقد كان يستطيع أن يضع مكانها فخرت؛ ولكنه كان يريد الإعراب في اللفظ، حتى يثبت مهارته وتفوقه في اللغة. ولعله من أجل ذلك كان يصوغ الأراجيز يحاكي بها رؤبة والعجاج وأبا النجم وأضرابهم، وما يزال يكثر فيها من الغريب كثرة مفرطة. ولم يقف عند هذا الجانب بل طلب الشواذ في الحروف وبناء الأسماء وكأنه لم يترك لغة شاذة في حرف أو اسم إلا جلبها في شعره. وقد يكون من الطريف أن نتعقبه في شوارده اللُّغوية؛ فمن ذلك استعماله للكيذبان بدلًا من الكذاب والتَّوْراب بدلًا من التراب؛ ومن ذلك أن يجمع كوبًا على أكوب، وبوقًا على بوقات، ودارًا على أدؤر، وأرضًا على أروض، وعينًا على أعيان، وأخًا على إخاء ومن ذلك أن يأتي "بربَّتَما" بدلًا من "ربما" و"أيما" بدلًا من "إما" و"أولاك" بدلًا من "أولئك"، و"اللذ" بدلًا من "الذي" و"هنَّك" بدلًا من "إنك" و"هلمِّنَّا" بدلًا من "هلموا" إلى غير ذلك من لغات شاذة، ولولا خوف الإملال لأكثرنا من إحصاء هذه اللغات وعرضناها في أشعاره، ولكنها كثيرة في ديوانه، ويمكن الرجوع إليها، وهي أكثر من أن ندلَّ عليها. على أن هذا التصنع اللُّغوي يلفتنا إلى تصنع آخر لعله أكثر تعقيدًا، وهو تصنع للأساليب الشاذة؛ فقد كان عالِمًا بالنحو ومشاكله، وكان كوفي المذهب، فنقل كثيرًا من التراكيب الشاذة التي روتها الكوفة وخالفت بها على البصرة، واعتمدها في صنع قصائده ونماذجه، وكان ذلك يعد غريبًا على الناس في

стр. 368

عصره؛ إذ كانوا قد هجروا النحو الكوفي إلى النحو البصري، ولعله من أجل ذلك شغف العلماء -كما أسلفنا- بشعره وشرحوه مرارًا. ونحن نسوق جانبًا من هذه التراكيب الكوفية الشاذة عنده، يقول ابن الأنباري: "ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز ترخيم الاسم الثلاثي إذا كان وسطه متحركًا، وذلك نحو قولهم في عنق: "يا عن". وفي حجر: "ياحج". وفي كتف: "ياكت". وذهب بعضهم إلى أن التخريم يجوز في الأسماء على الإطلاق، وذهب البصريون إلى أن ترخيم ما كان على ثلاثة أحرف لا يجوز بحال"١ ويقول المتنبي: أَجِدَّكَ ما تَنفَكُّ عانٍ تَفُكُّهُ ... عُمَ اِبنَ سُلَيمانَ وَمالٌ تُقَسِّمُ فيرخِّم كلمة عمر ويجعلها "عم" بل هو يرخم في غير النداء كقوله: مَهلاً أَلا لِلَّهِ ما صَنَعَ القَنا ... في عَمرو حابِ وَضَبَّةَ الأَغتامِ٣ يريد عمرو بن حابس. ويقول ابن الأنباري: "ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف وحرف الخفض لضرورة الشعر، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز بغير الظرف وحرف الجر"٤ ويقول المتنبي: حَمَلتُ إِلَيهِ مِن ثنائي حَديقَةً ... سَقاها الحِجى سَقيَ الرِياضَ السَحائِبِ فيفصل بين السقي والسحائب بالمفعول على رأي الكوفيين، ويقول ابن الأنباري: "ذهب الكوفيون إلى أنَّ "أنْ" الخفيفة تعمل في الفعل المضارع النصب مع الحذف من غير بدل وذهب البصريون إلى أنها لا تعمل مع الحذف من غير بدل"٥ ويقول المتنبي: وَتَوَقَّدَت أَنفاسُنا حَتّى لَقَد ... أَشفَقتُ تَحتَرِقَ العَواذِلُ بَينَنا

стр. 369

فينصب تحترق من غير "أن". ويقول ابن الأنباري: "ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز أن يستعمل ما أفعله في التعجب من البياض والسواد خاصة من بين سائر الألوان نحو أن تقول: هذا الثوب ما أبيضه، وهذا الشعر ما أسوده؛ وذهب البصريون إلى أن ذلك لا يجوز فيهما كغيرهما من سائر الألوان"١، ومعروف أن حكم التفضيل كالتعجب في هذا الباب، ويقول المتنبي: ابْعَدْ بَعِدتَ بَياضًا لا بَياضَ لَهُ ... لَأَنتَ أَسوَدُ في عَيني مِنَ الظُلَمِ وعلى هذا النحو يستطيع الباحث أن يجد كثيرًا من الصيغ الكوفية الشاذة في ديوان المتنبي؛ بل إنه ليجد في هذا الديوان شذوذًا أوسع من شذوذ النحو الكوفي حتى لكأنه مستودع للتراكيب الشاذة في اللغة؛ إذ كان المتنبي يطلب كل غريبة أو شاذة في التعبير، من ذلك أن نراه يتصنع لاستخدام لغة "أكلوني البراغيث" في مثل قوله: نَفديكَ مِن سَيلٍ إِذا سُئِلَ النَّدى ... هَولٍ إِذا اختَلَطا دَمٌ وَمَسيحُ فإنه أتى بألف الاثنين مع ذكر الفاعل. ومن ذلك أن يرى بعض العرب لا يحرصون على التفريق بين المذكر والمؤنث في الأفعال والمشتقات٣، فيقلدهم في هذا الصنيع كقوله: مُخلىً لَهُ المَرجُ مَنصوبًا بِصارِخَةٍ ... لَهُ المَنابِرُ مَشهودًا بِها الْجُمَعُ إذ كان القياس أن يقول منصوبة ومشهودة؛ ولكنه عدل إلى التذكير وهو يصنع ذلك كثيرًا. ومن ذلك أن يجزم المضارع مع حذف "لام" الأمر في قوله: جَزى عَرَبًا أَمسَت بِبُلبَيسَ رَبُّها ... بِمَسْعَاتِها تَقْرَر بِذاكَ عُيونُها ومن ذلك أن يستعمل ليس استعمال الحروف كقوله: بَقائي شَاءَ لَيسَ هُمُ ارتِحالًا ... وَحُسنَ الصَبرِ زَمّوا لا الجِمالا وليس من شك أن المتنبي كان يعمد إلى هذه الشواذ عمدًا، يقول ابن جني: "إن كان في بعض ألفاظه تعسف عن القصد في صناعة الإعراب من

стр. 370

التمسك بأهداف شاذ أو حَمْل على نادر فعن غير جهل كان منه ولا قصور عن اختيار الوجه الأعرف له"١. ولكن ابن جني يترك الظاهرة من غير تعليل، وتعليلها ما كررناه كثيرًا من أن المتنبي كان يتصنع لمثل هذه الأشياء في شعره، حتى يستحوذ على إعجاب المثقفين من حوله. ولعل القارئ لاحظ أن هذه هي المرة الأولى التي نصادف فيها شاعرًا عباسيًّا يتصنع في شعره تصنعًا نحويًّا؛ فمن قبله لم يكن الشعراء يكلفون أنفسهم الوقوف على المذاهب النحوية ومعرفة ما بينها من خلاف، ولم يكونوا يتعمقون دراسة النحو على هذه الصورة التي رأيناها عند المتنبي، وإن هم تعمقوا في ذلك فإنهم ما كانوا يتصنعون له في شعرهم، أما المتنبي فإنه كان يحرص على التصنع له، حتى يستولي على أذهان اللغويين والنحويين فإذا هو يفجؤهم بمثل قوله السابق: نَحنُ مَن ضايَقَ الزَمانُ لَهُ فيـ ... كَ وَخانَتهُ قُربَكَ الأَيّامُ وإذا هم مضطربون في التأويل والتفسير؛ فكيف عدّى الفعل "ضايق" باللام، وهو متعدٍ من غير لام، وما هذا الارتباك الغريب في تعبيره الذي يحسه الإنسان ولا يستطيع وصفه؟ إنه الارتباك يريده المتنبي إرادة؛ فإذا هو يفصل الفعل من المفعول ويعدِّيه باللام حتى يحدث ما يريد من خلل وتشويش، وأصل التعبير: نحن من ضايقه الزمان فيك. وكأن المتنبي لا يرى طرافة في تعبيره فيعمد إلى هذه الطرافة النحوية، ويخرجه هذا الإخراج المشوش حتى يحدث له الضجيج النحوي الذي كان يريده.

стр. 371

٨- تعقيدُ المتنبي للموسيقى الإيقاعيةِ في الشِّعْرِ: هذا الجانب من الانحراف في أسلوب المتنبي يجعلنا نلتفت إلى ظاهرة مهمة حدثت في الحركة الإيقاعية لموسيقى الشعر في أثناء هذه العصور؛ فقد رأينا شعراء

стр. 372

القرنين الثاني والثالث يصفُّون شعرهم تصفية شديدة حتى يحدثوا به نوعًا من الاتساع في التعبير، وحتى يشاكلوا بين الأصوات ومعانيها مشاكلة دقيقة، واتخذنا البحتري رمزًا لهذه العناية البالغة بتجاوب النبرات في الشعر، وكيف أنه أحدث في الموسيقى مرونة غريبة بملاءمته الدقيقة بين الكلمات والحركات والسكنات ملاءمة نُظِّمت في نسق فني بديع؛ ولكنا لا نصل إلى القرن الرابع حتى تحتبس هذه الموسيقى الإيقاعية للشعر في صناديق من التعقيدات في القافية على نحو ما سنرى عند المعري، أو في النغمات الداخلية نفسها كما نرى الآن عند المتنبي؛ إذ اعتمد على هذه الشواذ النحوية يحدث بها ما يريد من الخلل والتشويش في موسيقى الشعر وإيقاعاته. ولعل في هذا ما يكشف مرة أخرى عما أصاب الفن العربي في هذه العصور من تعقيدات غريبة؛ فقد رأينا الشعراء في الفصل السابق يعقدون في الألوان القديمة، ولكنهم لم يستطيعوا أن يضيفوا جديدًا، أو يحللوا لونًا إلى أصباغه؛ إلا ما جاءهم من التعقيد في الوسائل، وكأن الحياة العربية كلها تصبح مجموعة من التعقيدات، فيعقد المهلبي في وسائل طعامه وملاعقه كما يعقد الشعراء في الجناسات والاستعارات، وكما يعقد المتنبي الآن في نبرات الشعر ونغماته. وهذا الخلل الموسيقى عند المتنبي يجعلنا نذكر خللًا مماثلًا من بعض الوجوه في الموسيقى الحديثة؛ إذ نرى الفنون تتعقد ويظهر المذهب الرمزي في الشعر والتصوير، كما تظهر طائفة من الموسيقيين على رأسها رافل "ravel" تحاول أن تبعث حركة جديدة في فنها وكأنما يعجزها التجديد الصريح المستقيم، فتلجأ إلى إحداث نغمات شاذة في "الرُّقُم الموسيقية" تخالف مألوف "البسيكولوجي" والعادة، حتى تستحوذ على إعجاب الناس بالخروج على الطرق الموروثة. وهو خروج كخروج المتنبي يحدثه الموسيقيون في السمع بصنع نغمات غير مألوفة، نغمات ناشزة، يقصدون إليها قصدا ويعمدون إليها عمدًا. وكان المتنبي يحدث في موسيقى شعره ما يماثل هذه النغمات الناشزة من بعض الوجوه؛ إذ ملأه بفنون من الانحرافات والشذوذات، وقد فتح ابن هشام في كتابه المغني فصلًا استعرض فيه

стр. 373

طرفًا من صيغها وصورها، وانظر إلى قوله الذي سبق أن أنشدناه: وَفاؤُكُما كَالرِّبعِ أَشجاهُ طاسِمُه ... بِأَن تُسعِدا وَالدَمعُ أَشفاهُ ساجِمُه فقد قدم في البيت وأخَّر حتى أحدث الخلل المقصود، وإنه لخلل غريب يكشف جانبًا من المهنة عند شعراء القرن الرابع؛ إذ كانوا يلجئون إلى مثل هذا الارتباك في ترتيب ألفاظ البيت فيحدثون هذا الخلل الذي يمكن أن نسمي موسيقاه باسم "الموسيقى ذات النشاز" وانظر إلى هذا البيت المذكور آنفًا: قَلَقُ المَليحَةِ وَهيَ مِسكٌ هَتكُها ... وَمَسيرُها في اللَّيلِ وَهيَ ذُكاءُ فقد أحدث المتنبي ارتباكًا موسيقيًّا في الشطرين، ويظهر ذلك من الرجوع إلى النحو، فإن الشطر الأول يتكون هكذا: مبتدأ- حال- خبر، أما الشطر الثاني فيتكون هكذا: مبتدأ- ظرف- حال، وحذف الخبر للعلم به، أي أن مسيرها في الليل هتك لها. أرأيت كيف استطاع المتنبي بثقافته النحوية أن يحدث هذه الموسيقى الجديدة الغريبة؟ إن هذا هو بدع القرن الرابع إذ يعمد الشعراء إلى التعقيد في شعرهم فنونًا من التعقيدات، وهي تعقيدات لا تلائم أذواقنا؛ ولكنها كانت تلائم أذواق الفنانين في هذه العصور. والحق أننا لا نصل إلى المتنبي حتى نحس بتصنع شديد في الشعر يتناول تعبيراته كما يتناول توقيعاته، فما يزال الشاعر يعدل إلى انحرافات موسيقية أو ثقافية، وما من شك في أننا لا نعجب بهذه الحال التي صار إليها الشعر. وليس معنى ذلك أننا نمنع الشاعر من البحث عن وسائل جديدة في التعبير والتوقيع بل نحن نرى ذلك ضروريًّا للإفصاح عن حوادثنا الوجدانية التي تتطور وتتغير وتتحول دائمًا وهي في كل حال من تطورها وتغيرها وتحولها محتاجة إلى وسائل جديدة في التعبير عن هذه الأوضاع المختلفة، وكان المتنبي يجدد في هذه الوسائل؛ ولكنه لم يعتمد في ذلك على الأساليب الفنية نفسها بل راح يقترض من بيئته المتشيعة والمتصوفة والمتفلسفة أفكارًا وألفاظًا لا عهد للشعر ولا للفن بها، وليست مما تلائم طبيعته، بل لقد بالغ فذهب إلى بيئة اللُّغويين والنحويين يستمد منها

стр. 374

صورًا من الألفاظ ليحدث بها شيئًا من الخلل والارتباك في موسيقاه. وهذه كل وسائله الجديدة، وهي وسائل قد تفصح عن ثقافة؛ ولكنها لا تفصح عن طرافة في التفكير الفني نفسه ولا عن تنويع في آفاقه وآماده، وحقًا إنه عنى بشيء من الوسائل القديمة، وسائل الاستعارة والمشاكلة والجناس والطباق؛ ولكنها كانت تأتي عنده نادرة فإن استعملها أضاف إليها هذا التعقيد الذي يحيلها عن أصباغها، كما رأينا في الفصل السابق؛ إذ عرضنا لاستخدامه الطباق والاستعارة، ورأينا كأن هذه الألوان القديمة تفارق أصباغها عند شعراء هذه العصور، ولذلك انحاز المتنبي عن هذه الوسائل التي تجمدت في تاريخ الفن إلى وسائله الثقافية الجديدة. وفي هذه الوسائل تستقر مهارته في صنع القصيدة العربية، وهي مهارة تدل على أن آماد الشعر الفسيحة أخذت تضيق منذ القرن الرابع؛ فلم يعدل الشعراء إلى تنويع في التفكير الوجداني؛ إنما عدلوا إلى هذا التصنع الثقافي يؤدون به إيماءة مذهبية أو شارة فلسفية أو شاذة موسيقية.

стр. 375

٩- حكمٌ عامٌ عَلَى تصنُّعِ المتنبي وشعْرِهِ: لعلنا نغلو إذا قلنا: إن المتنبي استطاع مع كل ما رأيناه عنده من ضروب تصنع مختلفة أن يحلق في أسمى أفق للشعر العربي، إذا كان لشعره -ولا يزال- حيوية وطلاوة وروعة تأخذ بالألباب على الرغم من هذا التصنع للإيماءات المذهبية والشواذ الموسيقية والشوارد النحوية؛ فقد كان لديه من المهارة الفنية ما يستطيع أن يخفي به سمات هذا التصنع وما ينطوي فيه من تكلف شديد؛ حتى ظن اليازجي في الفصل البديع الذي عقب به على ديوانه أن ما عند المتنبي من معجمات مستغلقة إنما يقتصر على القسم الأول من شعره الذي نظمه في الحداثة. وهذا وهم من اليازجي ومن لفَّ لفَّه فقد استمرت هذه المستغلقات في شعره حتى التنفسات الأخيرة من حياته، وغاية ما في الأمر أن مقدرة المتنبي على صوغ العبارة ونمو المقدرة على طول الزمن هو الذي يخفي على النقاد هذه الجوانب

стр. 376

من التصنع التي وقفنا عندها حتى ليخيَّل إليهم وقد رأوها متجلية في شعره الذي نظمه في الشباب وقبل أن تكتمل له مهارته الفنية أنها انقطعت بعد ذلك، وهي لم تنقطع يومًا لسبب بسيط هو أن المتنبي كان يأتي بهذه المستغلقات عامدًا؛ إذ كان يتخذها مذهبًا له في صناعة شعره طوال حياته. على أنه ينبغي أن نشير -من طرف آخر- إلى أن اليازجي لم يكن يريد مستغلقات المتنبي ما وصفناه من ضروب تصنعه المختلفة؛ فإنه لم يحاول أن يدرسه دراسة منظمة يعرضه في أثنائها على ثقافات عصره ويرى مدى تأثره بها في الصياغة؛ فشيء من ذلك لم يفكر فيه اليازجي؛ إنما أراد ما في شعر حداثته من تكلف والتواء. وهي سمة تكاد توجد عند جميع الشعراء في الأدوار الأولى من حياتهم فإنهم يبدءون مقلدين متكلفين، وما يزال الشاعر يتقلب في هذا الدور حتى يتبين نفسه فيستقل عن سابقيه ويستحدث لنفسه مذهبًا جديدًا، ومع ذلك فإن مذهب المتنبي في التصنع بدا فيه منذ الأدوار الأولى من حياته الفنية، ولذلك أشرنا إلى رأي اليازجي مخافة أن يقرأه بعض المحدثين فيظن أن المتنبي إنما كان يلتزم ما أشرنا إليه من تصنع في أوائل حياته الفنية فقط؛ بينما هو في الواقع شيء عام في هذه الحياة، يبدأ معه في حداثته ويستمر معه في هرمه وشيخوخته. وقد يكون من الغريب حقًّا أن المتنبي استطاع أن يضع هذه الأشياء في شعره دون أن تلتفت إليها جمهرة النقاد سوى ما كان من الثعالبي في يتيمته، وقد عرض لها عرضًا عامًّا، ينقصه التنظيم، تنظيم المادة وتنظيم الفكرة، والخروج من ذلك إلى بيان طريقة المتنبي في صناعة شعره. وأكبر الظن أن كثيرًا من النقاد المحدثين إنما خفيت عليهم هذه المواد من التصنع بفضل ما أشاعه المتنبي في شعره من حيوية وجمال، مردهما -في رأينا- إلى خمسة جوانب، ونحن نقف قليلًا لتفسير هذه الجوانب حتى يستطيع القارئ أن يحكم حكمًا دقيقًا على شعره وما يستوعبه من تصنع في طرف وضروب جمال في طرف آخر. أما الجانب الأول فهو غزله في شعره بالأعرابيات؛ إذ يشعر قارئ ديوانه بأن الشاعر يجذبه من حياته المتحضرة المعقدة وما فيها من تكلف إلى البداوة والبساطة

стр. 377

وأحضان الطبيعة، وأيضًا فإن العناصر البدوية في الشعر العربي تكسبه ضربًا من الجلال والروعة، وقد يكون مرجع ذلك إلى أن هذه العناصر البدوية تجعلنا نذكر الحجاز وما به من أماكن مقدسة، ولذلك كثر حشد أماكنه في شعر الشيعة والمتصوفة، وسنرى مهيارًا في الفصل التالي يُعْنَى بهذا الجانب عناية واسعة في غزلياته، ومهما يكن فقد عنى المتنبي في غزله بالبدويات وفضَّلهن على قريناتهن من أهل الحضر، وعبَّر عن ذلك أجمل تعبير؛ إذ يقول: مَنِ الجَآذِرُ في زِيِّ الأَعاريبِ ... حُمر الحُلى وَالمَطايا وَالْجَلابيبِ١ إن كنتَ تسأل شكًّا في معارفها ... فمنْ بلاكَ بتسهيدٍ وتعذيبِ كَم زَورَةٍ لَكَ في الأَعرابِ خافِيَةٍ ... أَدهى وَقَد رَقَدوا مِن زَورَةِ الذيبِ أَزورُهُم وَسَوادُ اللَيلِ يَشفَعُ لي ... وَأَنثَني وَبَياضُ الصُبحِ يُغري بي قَد وافَقوا الوَحشَ في سُكنى مَراتِعِها ... وَخالَفوها بِتَقويضٍ وَتَطنيبِ٢ جِيرانُها وَهُمُ شَرُّ الجِوارِ لَها ... وَصَحْبُها وَهُمُ شَرُّ الأَصاحيبِ فُؤادُ كُلِّ مُحِبٍّ في بُيوتِهِمِ ... وَمالُ كُلِّ أَخيذِ المالِ مَحروبِ٣ ما أَوجُهُ الحَضَرِ المُستَحسَناتُ بِهِ ... كَأَوجُهِ البَدَوِيّاتِ الرَعابيبِ٤ حُسنُ الحَضارَةِ مَجلوبٌ بِتَطرِيَةٍ ... وَفي البَداوَةِ حُسنٌ غَيرُ مَجْلوبِ أَفدي ظِباءَ فَلاةٍ ماعَرَفنَ بِها ... مَضغَ الكَلامِ وَلا صَبغَ الحَواجيبِ وقد استخرج المتنبي كثيرًا من نغم هذا اللحن ونشره في جميع أطراف ديوانه، وليس من شك في أنه نغم محبب إلى كثير من النفوس التي تميل إلى البساطة والتي لا تعرف مضغ الكلام ولا تعجب بصبغ الحواجيب. هذا أحد الجوانب الخمسة التي تجعلنا نعجب بشعر المتنبي، أما الجانب الثاني فهو ضرب من التشاؤم يبدو في ديوانه، وقد جعله برمًا بالدهر ساخطًا على الناس حتى لكأنَّه ثائر على الدُّنيا. وهي ثورة يرجعها ماسينيون -على

стр. 378

نحو ما مر بنا- إلى قرمطيته؛ فقد كان القرامطة ثائرين على الدهر والناس ونواميس المادة وفي رأينا أنها ثورة نابعة من نفسه كأن يقول: صَحِبَ النُّاسُ قَبْلَنا ذا الزَمانا ... وَعَناهُم مِن شَأنِهِ ما عَنَانا وَتَوَلَّوا بِغُصَّةٍ كُلُّهُم مِنـ ... ـهُ وَإِن سَرَّ بَعضهُم أَحيانا أو يقول: رماني الدَّهرُ بالأَرْزَاءِ حتَّى ... كأني في غشاءٍ من نبالِ فصرتُ إذا ما أصابتني سهامٌ ... تكسَّرَتِ النِّصالُ على النِّصالِ أو يقول: فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبًّا ... جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ ... لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنامِ وعلى هذا النمط نراه ساخطا في ديوانه على الدهر والناس ومجتمعهم الفاسد سخطًا شديدًا. والإنسان لا يقرأ فيه وفي أبي العلاء حتى يشعر بالصلة الواضحة بين الشاعرين في تشاؤمهما. وكأني بأبي العلاء لم يصنع أكثر من تنميته لهذا الجانب الذي وجده عند أستاذه المتنبي. واقرأ هذا البيت: وَما الدَّهرُ أَهلٌ أَن تُؤَمَّلَ عِندَهُ ... حَياةٌ وَأَنْ يُشتاقَ فيهِ إِلى النَّسلِ فإنك ترى فيه جانبًا من منهج أبي العلاء في حياته؛ إذ حرَّم على نفسه الزواج كما حرم عليها طلب النوال من الخلفاء والأمراء، ومعروف أنه أشاع هذا النهج من التشاؤم في لزومياته. على أنه ينبغي أن نعرف أن المتنبي لم يكن يائسا في تشاؤمه على نحو يأس أبي العلاء؛ إنما هو يتشاءم تشاؤم المحروم الذي يحس بلذائذ ومسرات في الحياة لا يستطيع أن ينالها، ولعله من أجل ذلك كان يعلن عشقه للدنيا وعتبه عليها فهي صادَّة عنه مدلَّة عليه، يقول: ومن لم يعشقِ الدُّنيا قديْمًا ... ولكن لا سبيلَ إلى الوصالِ ويقول: وَلَذيذُ الْحَياةِ أَنفَسُ في النَفـ ... سِ وَأَشهى مِن أَن يُمَلَّ وَأَحلى

стр. 379

وَإِذا الشَيخُ قالَ أُفٍّ فَما مَـ ... لَّ حَياةً وَإِنَّما الضَعف مَلّا ويقول: أَرى كُلَّنا يَبغي الحَياةَ لِنَفسِهِ ... حَريصاً عَلَيها مُستَهاماً بِها صَبّا فَحُبُّ الجَبانِ النَّفسَ أَورَدَهُ التُّقى ... وَحُبُّ الشُّجاعِ النَفسَ أَورَدَهُ الحَرْبا وواضح ما في البيتين الأخيرين من احتكام للقياس، وكان المتنبي يعنى في شعره بأقيسة المنطق، وأكثر من هذه الأقيسة في ديوانه كثرة مفرطة، وهي تعطي شعره ضرب من الحدة في التعبير والإحكام في التفكير. ومهما يكن فإن المتنبي لم يكن متشائمًا على هذا النحو الذي نجده عند أبي العلاء؛ إذ لم يكن يرفض الدنيا إنما كان يشعر إزاءها بالحرمان الشديد، ومع ذلك فليس من شك في أنه هو الذي أهَّل لكل ما نجد عند أبي العلاء من تشاؤم ونقد للحياة الاجتماعية، وحتى مشكلة الحياة والموت التي وقف عندها أبو العلاء كثيرًا في لزومياته نجدها عند المتنبي أيضًا؛ إذ يقول: نَحنُ بَنو المَوتى فَما بالُنا ... نَعافُ ما لا بُدَّ مِن شُربِهِ تَبخَلُ أَيدينا بِأَرواحِنا ... عَلى زَمانٍ هِيَ مِن كَسبِهِ فَهَذِهِ الأَرواحُ مِن جَوِّهِ ... وَهَذِهِ الأَجسامُ مِن تُربِهِ لَو فَكَّرَ العاشِقُ في مُنتَهى ... حُسنِ الَّذي يَسبيهِ لَم يَسبِهِ لَم يُرَ قَرنُ الشَمسِ في شَرقِهِ ... فَشَكَّتِ الأَنفُسُ في غَربِهِ يَموتُ راعي الضَأنِ في جَهلِهِ ... مَوتَةَ جالينوسَ في طِبِّهِ وَرُبَّما زادَ عَلى عُمرِهِ ... وَزادَ في الأَمنِ عَلى سِربِهِ١ وهذا الجانب من التشاؤم والتفكير في حقائق الحياة انطوى في جانب ثالث كان القدماء يعجبون به إعجابًا شديدًا، وهو جانب الحكم والأمثال، وقد ساق منها العُكْبَري في القسم الأول من شرحه على المتنبي نماذج كثيرة قدم لها بقوله: "وقد أجمع الحذاق بمعرفة الشعر والنقاد أن لأبي الطيب نوادر لم تأت في شعر غيره وهي مما تخرق العقول، منها قوله:

стр. 380

وَما الحُسنُ في وَجهِ الفَتى شَرَفًا لَهُ ... إِذا لَم يَكُن في فِعلِهِ وَالخَلائِقِ وقوله: أَتى الزَمانَ بَنوهُ في شَبيبَتِهِ ... فَسَرَّهُم وَأَتَيناهُ عَلى الهَرَمِ وقوله أيضًا: وَلَم أَرَ في عُيوبِ النَّاسِ شَيئًا ... كَنَقصِ القادِرينَ عَلى التَّمامِ واستمر العُكْبَري يحشد حكمًا وأمثالًا كثيرة، وعقب على حشده بقوله: "فهذا الذي لم يأت شاعر بمثله؛ ولكن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ويؤتي الحكمة من يشاء"١ ومعروف أن المتنبي استعان -كما مر بنا- في صناعة هذه الحكم بما قرأه في عصره من حكم نسبت إلى أرسططاليس. ومهما يكن فقد رفع هذا الجانب كثيرًا من شعر المتنبي إذ عالج أطرافًا من علل الإنسانية مبينًا لأدوائها كما أدلى بكثير من الآراء التي تزيد من خبرتنا بالإنسان وطباعه والحياة وتصاريفها، وتعينه في ذلك عين واعية بصيرة. وليس ذلك كل ما يرفع من المتنبي في ديوانه؛ فهناك جانب رابع لا يقل أهمية في رأينا عن الجوانب السابقة، وهو تغنِّيه بالبطولة؛ إذ كان سيف الدولة أمير حلب هذه الولاية الصغيرة يقف في عصر المتنبي درعًا للأمة العربية يحميها من دولة الروم الشرقية؛ فمجَّد المتنبي هذه البطولة فيه، وتغنَّى بها غناءًا حارًّا حتى ليتفوق على أقرانه من الشعراء الذين مدحوا قادة العرب وأبطالهم تفوقًا بينًا، ومرجع ذلك -في رأينا- إلى سببين: أما السبب الأول فواضح، وهو موقف سيف الدولة من الروم وحمايته للعرب، وكان المتنبي يشعر بعروبته شعورًا عميقًا، وأما السبب الثاني فيرجع إلى أن المتنبي نشأ ثائرًا، يريد أن يرد للعرب دولتهم المفقودة، وحمل السيف، وسله، ولم يكتب النجاح لثورته؛ غير أن نفسه ظلت تموج بالثورة ومنازلة الأعداء وأيضًا فإن المتنبي كان فارسًا يمجد الفروسية وبذلك اجتمعت له عناصر مادية ونفسية كثيرة جعلت وصفه لحرب سيف الدولة شعلًا من الحماسة القوية كأن يقول:

стр. 381

لَهُ عَسكَرا خَيلٍ وَطَيرٍ إِذا رَمى ... بِها عَسكَرًا لَم يَبقَ إِلّا جَماجِمُه فَقَد مَلَّ ضَوءُ الصُبحِ مِمّا تُغِيرُهُ ... وَمَلَّ سَوادُ اللَيلِ مِمّا تُزاحِمُه وَمَلَّ القَنا مِمّا تَدُقُّ صُدورَهُ ... وَمَلَّ حَديدُ الهِندِ مِمّا تُلاطِمُه سَحابٌ مِنَ العِقبانِ يَزحَفُ تَحتَها ... سَحابٌ إِذا اِستَسقَت سَقَتها صَوارِمُه ومن أروع ما يصور احتدام مشاعر العروبة في نفسه قوله مخاطبًا سيف الدولة وقد انتصر على الروم في درب القلة: لَقيتُ بِدَربِ القُلَّةِ الفَجرُ لَقيَةً ... شَفَت كَمَدي وَاللَّيلُ فيهِ قَتيلُ فقد جعل انتصاره يشفي غيظ نفسه، وتصور فترة الخمود السابقة لهذا الانتصار ليلًا ثقيلًا، وهو ليل لم يلبث أن طعنه سيف الدولة طعنة نجلاء، فتبلج الظفر ونشر نور الفرحة في النفوس. وعلى هذا النمط اندفع المتنبي في شعره يتغنى ببطولة سيف الدولة، وهو غناء لا شك في أن كل نفس عربية تجد فيه صورة روحها وقوميتها وكل ما تعتز به من فتوة وقوة ضد أعدائها الذين تنازلهم وتمحقهم محقًا. وانطوى في هذا الغناء جانب خامس، وهو تعبير المتنبي عن طموحه واعتداده بنفسه وترفعه عن كل من حوله كأن يقول: يُحاذِرُني حَتفي كَأَنِّيَ حَتفُهُ ... وَتَنكُزُني الأَفعى فَيَقتُلُها سُمّي١ كَأَنّي دَحَوتُ الأَرضَ مِن خِبرَتي بِها ... كَأَنّي بَنى الإِسكَندَرُ السَدَّ مِن عَزمي٢ أو يقول: وَفي الناسِ مَن يَرضى بِمَيسورِ عَيشِهِ ... وَمَركوبُهُ رِجلاهُ وَالثَوبُ جِلدُهُ وَلَكِنَّ قَلبًا بَينَ جَنبَيَّ مالَهُ ... مَدىً يَنتَهي بي في مُرادٍ أَحُدُّهُ أو يقول: إِذا غامَرتَ في شَرَفٍ مَرومٍ ... فَلا تَقنَعْ بِما دونَ النُّجُومِ فَطَعمُ المَوتِ في أَمرٍ حقيرٍ ... كَطَعمِ المَوتِ في أَمرٍ عَظيمِ وليس من شك في أن المتنبي كان موفقًا حين وضع هذه النغمة في شعره،

стр. 382

لسبب طبيعي وهو أن كل عربي ينطوي عليها، ينطوي على الثقة بالنفس التي لا حد لها وما يتصل بها من الأنفة والإباء والشعور بالكرامة ومن أجلها كان شعر المتنبي يلتصق بنفوس العرب على مدار الزمن ويشغفون به شغفًا شديدًا؛ ولكن هذا كله ينبغي أن لا ينسينا ما قلناه، فقد كان المتنبي شاعرًا ماهرًا، واستطاع بمهارته أن يخفي حقيقة فنه وصناعته عن كثير من المستمعين والنظارة، وأعانه في ذلك أنه كان صاحب صوت ضخم لا يرتفع به حتى يحدث جلبة شديدة. وهذا نفسه ما ضلل النقاد قديْمًا وحديثًا في فهمه؛ فقد تابعوه في وصفه للأعرابيات وتشاؤمه وحكمه وتمجيده للبطولة العربية وفخره وطموحه إلى المعالي وترفعه عن الدنايا ونسوا نسيانًا تامًّا أنه شاعر متصنع يحترف التصنع في شعره للثقافات المختلفة؛ إذ يحاول أن ينقل إيماءة شيعية أو صوفية، وشارة فلسفية أو منطقية، وشاذة لغوية أو نحوية. وشاردة تركيبية أو موسيقية، وبذلك كان قطبًا كبيرًا في مذهب التصنع، بل لقد كان المفتاح الذي أخذت تتساقط منه نغمات هذا المذهب في قصائد الشعراء ونماذجهم.

стр. 383

١٠- شعراءُ اليتيمةِ وتصنُّعُهِم: وإذا تركنا المتنبي إلى غيره من شعراء اليتيمة الذين عاصروه أو جاءوا من بعده وجدناهم يذهبون مذهبه في هذا التصنع الثقافي، وهو تصنع لا يضيف طرافة فنية إلا هذا النسق من حشد الأسماء والمصطلحات في عبارات الشعر وأساليبه، وكأنما عجز الشعراء في هذه العصور عن التجديد المستقيم فلجئوا إلى هذه الطرق الملتوية كما نجد عند القاضي التنوخي١ والبُستي٢ والصاحب بن عباد٣ وأضرابهم، وإن الإنسان ليشفق على هؤلاء الشعراء الذين يطمحون إلى التجديد فيضلون السبيل، بل هي الحضارة العربية التي ضلت سبيلها، فلم تعد تستطيع التعبير عن الوجدان، إلا هذا التعبير المعقد الذي تثقله مصطلحات

стр. 384

الثقافات المختلفة وما يمكن أن يسقط من آرائها. وهي آراء قلما تُستَوعب وتتحول إلى فن كما كان الشأن عند أبي تمام حين رأيناه يحول الألوان القاتمة التي يستعيرها من الثقافة والفلسفة إلى فن؛ فالتاريخ يتحول إلى فن، وكذلك الفلسفة تتحول إلى فن، وكل نبع ثقافي يتحول إلى نبع فني تضيء مياهه بألوان جديدة، هي ألوان الوادي العربي الذي تتحول إليه والذي يحيلها إلى بدع من الزخرف والتصنيع. ونحن لا نتقدم بعد أبي تمام حتى يتسع مجرى الثقافة العربية لكثرة ما دخل فيه من جداول الثقافات الأجنبية وخاصة الجداول اليونانية؛ ولكن أحدًا من الشعراء لا يستطيع أن يستغل الموارد الأجنبية كما كان يستغلها أبو تمام فهي لا تستنفد، ولا تستوعب، ولا تتحول إلى تراث عربي، بل تبقى على حالها، وكل ما هناك أنها تستعار كما رأينا عند المتنبي، حين كان يستعير من الثقافات المختلفة، ومع ذلك فربما كان المتنبي خير الشعراء الذين جاءوا بعد أبي تمام في استغلال الثقافات استغلالًا فنيًّا؛ فقد استطاع أن ينقل جانبًا من حكم أرسططاليس يفسر الحياة ومشاكلها وخاصة ما اتصل بالناس وطبائعهم؛ مما أعطى لشعره مسحة من الروعة، وهو كذلك حين ينقل عن التصوف أو التشيع كان يريد أن يحول هذه التعبيرات المذهبية إلى تعبيرات فنية، وكأني به كان يريد أن يستوعب في شعره كل ثقافة وكل فلسفة. والحق أن المتنبي خير شاعر في القرن الرابع نهض بأعباء التصنع الثقافي؛ إذ كان يوازن بينه وبين التعبير الفني، فلم يسقط عنده الشعر العربي، بل استمر له كثير من الروعة؛ غير أنا لا نتركه إلى معاصريه ومن جاءوا بعده حتى نجدهم يتخلفون عنه، فإن أحدًا منهم لم يستطع أن يستوعب جانبًا من الحكمة ويحوله إلى شعر على نمط ما رأينا عنده، إلا ما كان من المعرِّي وتفكيره الفلسفي، وسنعرض له في فصل خاص، أما الشعراء الآخرون فقد اقتصر تجديدهم على نقل المصطلحات الخاصة بالثقافات، دون أن تتحول عندهم إلى جمال أو ما يشبه أن يكون جمالًا. على كل حال لم يستطع شعراء اليتيمة أن يستغلوا هذا الجانب من التصنع

стр. 385

الثقافي استغلالًا قيمًا إلا ما نراه عندهم من نقل المصطلحات، وكذلك كان من شأنهم في استغلال ألوان التصنيع الحسية؛ فقد استحالت عندهم إلى ألوان باهتة، ليس لها الجمال والتعبير الزخرفي الذي رأيناه في القرن الثالث. لم تعد ألوانًا زاهية؛ إنما أصبحت ألوانًا من طراز آخر، لم تعد وشيًا وتصنيعًا؛ بل أصبحت تكلفًا وتصنعًا، كما رأينا في الفصل السابق عند المتنبي والوأواء الدمشقي وغيرهما حين كانوا يستخدمون الطباق والجناس والتصوير، وكأنما أصبحت هذه الأشياء جامدة متحجرة في تاريخ اللغة والفن، فشاعر من الشعراء لا يستطيع أن ينوع في أصباغها بهذه الصورة من الثروة الزخرفية التي تركها ابن المعتز وأبو تمام. وحقًّا أن الشعراء أكثروا من استخدام ألوان التصنيع، حتى ليوشك بعضهم أن يتخصص بلون من ألوانها، كما نجد عند البُستي الذي يقول فيه الثعالبي: "إنه صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس الأسيس، البديع التأسيس، وكان يسميه المتشابه، ويأتي فيه بكل طريفة لطيفة"١ ومن الحق أن البستي عجز عن استخدام هذا اللون استخدامًا فنيًّا على نحو ما رأينا عند أبي تمام إذ كان يمزجه بالتصوير، بل كان يمزجه بالعقل والفكر الدقيق. واقرأ للبستي هذا الجناس٢: لم ترَ عيني مثله كاتبًا ... لكلِّ شيءٍ شاءَ وشَّاء يبدِعُ في الكُتْب وفي غيرها ... بدائعًا إن شاء إنشاءَ فإنك تراه يجانس بين الكلمات جناسًا شكليًّا لا عقل فيه ولا فكر ولا خيال ولا تصوير. وقد استخدم الشعراء كثيرًا من ألوان التصنيع، ولكن على هذه الطريقة التي نراها عند البستي حيث لا يشفع اللون بفكر يغيِّر في شِياته، بل هو لا يشفع بالألوان الأخرى من التصنيع الحسي كما رأينا عند أبي تمام، حين كان يمزج بين الألوان الحسية مزجًا دقيقًا، ومع ذلك فقد وضع الشعراء همهم في التعبير بهذه الألوان واستمرَّ ذلك أغلب ما يوفر له الشعراء من جهدهم في العصور الوسطى، لا عند شعراء اليتيمة فقط، بل أيضًا عند من جاءوا بعدهم في مصر والأندلس.

стр. 386

فَقَدَتْ ألوان التصنيع الحسية -عند شعراء اليتيمة ومن جاء بعدهم- قيمتها كزينة وزخرف؛ فقد استحالت إلى تكلف وتصنع خالص. على أنه كان ينجم بين الشعراء أحيانًا من يرفض الإغراق في التصنع ويعنى بصفاء تعبيره كأبي فراس الحمداني والشريف الرضي، ولا بد أن نخص كلا منهما بكلمة قصيرة لما حازا من شهرة. أَبُو فِرَاسٍ الْحَمْدَاني: هو الحارث بين سعيد بن حمدان، ولد سنة ٣٢٠ للهجرة، وكان أبوه حينئذٍ واليًا على الموصل، أما أمه فكانت رومية، ولم تكد الحياة تتقدم به حتى قُتل أبوه غدرًا؛ فكفلته أمه، ورعاه ختنه وابن عمه سيف الدولة؛ فلما استقل بحلب كان ساعده الأيمن فعيَّنه واليًا على مَنْبَج وحرَّان وأعمالهما. وما زال ينازل الروم معه حتى أصابوا منه غرَّة سنة ٣٥١ فأسروه وظل في أسرهم أربع سنوات كان يكاتب في أثنائها ابن عمه ليفدِيه، وهو يتراخي في فدائه، حتى لا يفك عنه أسره دون بقية الأسرى من المسلمين الذين وقعوا في قبضة الروم، وظل سيف الدولة يتحين الفرص حتى كانت سنة ٣٥٥ فافتداه هو وغيره منهم. وسرعان ما توفِّي سيف الدولة فحدَّثت أبا فراس نفسُه بالثورة على ابنه أبي المعالي؛ لكن جنده تغلبوا عليه وقتلوه سنة ٣٥٧. نحن إذن بإزاء بطل من أبطال الحمدانيين، وقد استيقظت فيه شاعريته منذ مطالع شبابه، واتجه بها إلى الغزل والفخر بأسرته والاعتداد بشجاعته وغنائه في الحروب هو وآله، وقراعهم لكتائب الروم وغير الروم على شاكلة قصيدته المشهورة: سَيَذكُرُني قَومي إِذا جَدَّ جِدُّهُم ... وَفي اللَيلَةِ الظَلماءِ يُفتَقَدُ البَدرُ وفخره يمتلئ بالحيوية؛ لأنه يصوِّر فيه واقعًا لا وهمًا من أوهام الخيال. وجرَّته شيعيته -والحمدانيون جميعًا شيعة- إلى نظم قصائد في آل البيت يتعرض فيها أحيانًا لخصومهم العباسيين. وخير أشعاره جميعًا رومِيَّاته التي نظمها في أسْرِهِ والتي كان يرسل بها إلى سيف الدولة معاتبًا لتقاعسه عن فدائه، وهي تكتظ بالحنين إلى الأهل والشكوى من الدهر والرفاق، ومن روائعها قصيدته التي

стр. 387

يخاطب فيها أمه١ والأخرى التى يرئيها بها رثاء حارا٢. وهو بارع في تصوير أحاسيسه ومشاعره، سواء تحدث إلى ابن عمه وهو في أسره٣ أو خاطب حمامة تنوح٤، أو صور ليلة من ليالى حبه٥. غير أن شعره في جملته لا يصعد إلى الأفق الذى يحلق فيه المتنبى، لسبب بسيط وهو أنه أمير مترف، يتناول شعره كما يتناول حياته في يسر وسهولة. الشريف الرضى: هو محمد بن الحسين الموسوى، ولد ببغداد سنة ٣٥٩ للهجرة، وكان أبوه نقيب العلويين وعسى بتخريجه على كبار الأساتذة في عصره من أمثال ابن جنى، الذى لا نشك في أنه دفعه دفعًا إلى حفظ شعر المتنبى ومحاكاته؛ إذ كان يعجب به إعجابًا شديدًا. وكان الرضى شاعرًا بارعًا كما كان عالمًا بارعًا، وله مؤلفات كثيرة في تفسير القرآن الكريم وغيره. ولما توفى أبوه عينه بهاء الدولة البويهى نقيبًا للأشراف العلويين سنة ٣٩٧ ثم خلع عليه لقبى الرضى والشريف، وظل موقرا مهيب الجانب إلى أن توفي سنة ٤٠٦. وهو في شعره يكثر من مديح الخلفاء العباسين لعصره وأمراء بنى بويه ووزرائهم؛ إلا أنه يتوقر في مديحه ولا يسف إلى مغالاة أو غلو، بل يحتفظ بكرامته، وهى كرامة ترد إلى طيب محتده ومكانته في بيته وعصره، وكل من يقرأ ديوانه يحس الصلة واضحة بينه وبين المتنبي؛ فقد كان يحتذي شعره احتذاء، ولعل ذلك ما جعله يكثر من الفخر والاعتداد بنفسه، كما أكثر من نقد الأخلاق وأحوال المجتمع والناس من مثل قوله: وخلائق الدنيا خلائق مومس ... للمنع آونة وللإعطاء طورًا تبادلك الصفاء وتارة ... تلقاك تنكرها من البغضاء

стр. 388

واستمر يشكو من الدهر كأن يقول: فأينَ من الدَّهرِ استماعُ ظلامتي ... إذا نظرتْ أيامُهُ في المظالمِ ولم أدرِ أنَّ الدَّهرَ يخفضُ أهلِهُ ... إذا سكنت فيهم نفوسُ الضَّرَاغِمِ وهي شكوى ترددت كثيرًا في هذا العصر عند الشريف وغيره من الشعراء؛ فقد كان هناك من الكآبة في الحياة الإسلامية العامة؛ بسبب ما أصابها من اضطراب سياسي واجتماعي، ما جعل الشعراء يرددون هذا اللحن، وكان الشريف من أكثر الشعراء ترديدًا له متأسيًا -كما قلنا- في صنيعه بالمتنبي، وأكثرَ مثلَهُ من الحِكَم في شعره كقوله: إذا أنت فتَّشْتَ القلوبَ وجدتَهَا ... قلوبُ الأعادي في جسومِ الأصادقِ وأيضًا فقد قلَّده في غزله بالأعرابيات وما ينطوي معها من ذكر العِيس والبِيد كقوله: وعْجنا العيسَ توسعنا حَنِينًا ... تُغَنِّينا ونوسعها بكاء وقوله: حَيِّيا دون الكثيبِ ... مرتَعَ الظَّبي الرَّبيب ولهذه الغزليات حيز واسع في ديوانه، وهو يطبعها بطوابع من العفة والطهر، ودائمًا يردد ذكر مواضع نجد والحجاز فمعشوقاته دائمًا حجازيات. وله في ذلك قطع رائعة مثل مقطوعته المشهورة. يا ظبية َالبانِ ترعَى في خمائله ... ليهْنِك اليوم أن القلب مَرعَاك وتوسع في هذا الموضوع كما توسع في الحكم؛ غير أنه ينبغي إذا ذكرنا المتنبي معه أن نضعه في مرتبة متخلفة عنه؛ إذ يتفوق المتنبي عليه في جمال التعبير وقوته. وعلى كل حال كان الشريف يحاكي المتنبي ويلفِّق كثيرًا من معانيه وحكمه في نماذجه؛ وقد عم التلفيق من حوله في هذه العصور؛ إذ نرى الشعراء يلفقون نماذجهم من الخواطر الموروثة والأفكار المطروقة. ولعل مهيار خير شاعر يصور هذا الجانب في الشعر العربي؛ إذ لم يكن يستعين على شعره بثقافة ولا فلسفة، وكان أجنبيًّا عن اللغة، وحاول أن يطيل في قصائده، فظهر تلفيقه مكشوفًا، ولذلك سنقف عنده في الفصل التالي حتى نتمثل هذا الجانب الفني من صناعة الشعر العربي تمثلًا واضحًا.

стр. 389

الفصل الثالث: التصنع والتلفيق ميهار أصله وتشيعه ومزاجه ... الفصل الثالث: التَّصَنُّعُ والتَّلْفيقُ في كلِّ نادٍ نازحٌ غائبُ ... لها حديث بكم حاضرُ تعرِضُ أيَّام التهاني بها ... ما تعرِضُ المعشوقةُ العاطر تميس منها بين أيّامكم ... خاطرة يتبعها الخاطرُ لثَّمَها التحصينُ عن غيركم ... وهي على أبوابِكُم سافرُ مهيار ١- مهيار، أصلُه وتشيُّعُهُ ومِزَاجُهُ: قلنا في آخر الفصل السابق: إن الشعر العربي انتهى إلى ظاهرة عامة من التَّلفيق في خواطره وصنع عباراته وأساليبه، ولعل خير شاعر يفسر هذا الجانب هو مهيار بن مرزويه الدَّيلمي الفارسي الأصل، ولد في بغداد على ما يظهر حول سنة ٣٦٠ للهجرة ونشأ مجوسيًّا على دين آبائه، وعني أبوه بتعليمه العربية؛ فلما شبَّ التحق كاتبًا بالدواوين. ولزم الشريف الرضي، وأسلم على يديه سنة ٣٩٤ وعليه تخرج في الشعر١، وهو فيه تلميذ له حقًّا؛ سواء في مدائحه أو في غزله الحجازي أو البدوي، وإن كنا نلاحظ عنده أنه شديد الزُّلْفى وأنه لا يكاد يترك أميرًا بويهيًّا ولا خليفة ولا وزيرًا ولا عينًا من أعيان بلدته إلا ويمدحه. وليس في ديوانه أثر واضح لفارسيته سوى شعوبية تتردد في تضاعيفه، وقد ذكر في مديحه لفخر الملك نار السَّذق، وهو عيد مجوسي للنار، فقال: وكل نار على العشَّاقِ مضرمةٌ ... من نَارِ قلْبي أو من ليلةِ السَّذقِ

стр. 390

وما زال ببغداد حتى توفي سنة ٤٢٨. ويقول أبو الفرج الجوزي إنه لما أسلم صار رافضيًّا غاليًا، يذكر الصحابة بما لا يصلح، وينقل أن شخصًا قال له: يا مهيار، انتقلت بإسلامك في النار من زاوية إلى زاوية، قال وكيف ذاك؟ قال لأنك كنت مجوسيًّا فأسلمت فصرت تسب الصحابة١. ونرى من ذلك أن مهيار كان أجنبيًّا عن اللغة، وسنرى أنه كان لذلك تأثير واسع في صناعة الشعر عنده؛ إذ كان يضل -في أحوال كثيرة- التعبير عن المعاني الدقيقة، فيسقط إلى ألوان من الإسفاف تذيع سر المهنة عنده، ولذلك كان لا يحسن التعبير الحاد عما في نفسه. وليس من شك في أن هذا الجانب يعد عنده موضع طرافة بالقياس إلى غيره من شعراء الفرس الأولين كبشار وأبي نواس؛ فقد نشئوا نشأة عربية وتثقفوا باللغة تثقفًا، جعلهم ينسلخون عن وراثاتهم وسلائقهم اللُّغوية الخاصة، أما مهيار فقد سلمت له نشأة فارسية أو قل مجوسية؛ ولذلك كانت قصائده تمتلئ بنوافذ يشرف منها الإنسان على فارس، ولولا أنه أخذ نفسه بالأسلوب العربي وتخرج على يد شاعر عربي أصيل؛ وهو الشريف الرضي؛ لكان لفارسيته وأجنبيته عن اللغة العربية أثر أوسع مما نرى الآن في ديوانه. وكان يشعر بهذا الجانب شعورًا متأصلًا في أعماق نفسه، ولعل ذلك ما جعله يقول في وصف أشعاره: حلىً من المعدنِ الصريحِ إذا ... غشَّ تجارُ الأشعارِ ما جلَبوا تشكرُها الفرسُ في مديحك للـ ... معنى وتَرضى لسانها العَرَبُ فمهيار كان يشعر شعورًا عميقًا بفارسيته، وكان يرى أن لهذه الفارسية سمات خاصة في شعره، وهو يرجع هذه السمات إلى ما يسميه المعنى؛ ولكن كلمة المعنى واسعة، ولعل خيرًا من ذلك أن نسميها الروح الفارسية؛ فليس في معاني مهيار ما يمكن أن نسميه فارسيًّا. على أن هناك جانبًا مهمًّا كان يؤثر في شعر مهيار تأثيرًا واسعًا وهو ما يمتاز به من مزاج خاص، وهو مزاج فيه رقة وحدَّة في الحس، وقد نَمَّاه ما انتهت إليه الحضارة العربية من ترف شديد حتى لينقلب إلى ضرب غريب من الدماثة والليونة ما يزال ينتشر في جميع أطراف شعره.
следующие страницы →